← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16599

النفح الشذي شرح جامع الترمذي ط الصميعي

ابن سيد الناس

Полный текст (2 088 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

قرنًا والأمم قرونًا كثير، ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾، ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾، ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾. وقال ﵇: "خير القرون قرني". الثالثة والعشرون: وفي حديث عمرو بن عبسة: "فإنها تطلع على قرن الشيطان ويصلي إليها الكفار" قيل فيه أن للشيطان فيه ولشيعته تسلطًا ظاهرًا فيمكن أن يلبسوا على المصلين صلاتهم فكرهت الصلاة حينئذ كما كرهت في الأماكن التي هي مأوى الشياطين. الرابعة والعشرون: وكذلك في حديث أبي أمامة، وهذا مما يقتضي ترجيح الحمل في قرن الشيطان على الحقيقة لأن العطف يقتضي المغايرة وإذا قلنا بالمجاز اقتضى شيئًا واحدًا وهو غلبة حزب الشيطان في ذلك الوقت بسجودهم للشمس وقيل الكراهة لأن الشيطان يوهم شيعته في الساجدين لله ذلك الوقت أنهم أتباعه الساجدين للشمس. وفيه: فإن جهنم تسجر ومعناه يوقد عليها وقيل: تملأ، ومنه البحر المسجور أي المملوء. * * *

стр. 1437

٢١ - باب ما جاء في الصلاة بعد العصر نا قتيبة نا جرير عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إنما صلى النبي ﷺ الركعتين بعد العصر لأنه أتاه مال فشغله عن الركعتين بعد الظهر فصلاهما بعد العصر ثم لم يَعُدْ لَهُمَا. وفي الباب عن عائشة وأم سلمة وميمونة وأبي موسى. قال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث حسن وقد روى غير واحد عن النبي ﷺ أنه صلى بعد العصر ركعتين هذا خلاف ما روي أنه ﷺ نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس. وحديث ابن عباس أصح حيث قال: لم يعد لهما، وقد روي عن زيد بن ثابت نحو حديث ابن عباس. وقد روي عن عائشة في هذا الباب روايات: روي عنها أن النبي ﷺ ما دخل عليها بعد العصر إلا صلى ركعتين. ووي عنها عن أم سلمة عن النبي ﷺ أنه نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس وبعد الصبح حتى تطلع الشمس. والذي أجمع عليه أكثر أهل العلم على كراهة الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس وبعد الصبح حتى تطلع الشمس إلا ما استثني من ذلك مثل الصلاة بمكة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس بعد الطواف، فقد روي عن النبي ﷺ رخصة في ذلك. وقد قال به قوم من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق. وقد كره قوم من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم الصلاة بمكة أيضًا بعد العصر وبعد الصبح وبه يقول سفيان الثوري ومالك بن أنس وبعض أهل الكوفة.

стр. 1438

* الكلام عليه: في إسناده عطاء بن السائب وكان من الحفاظ ثم اختلط بأخرة فمن روى عنه قبل الاختلاط كشعبة وسفيان فحديثه صحيح إلا ما استثني منه، ومن روى عنه بعد الاختلاط كجرير وخالد بن عبد الله وإسماعيل بن علية وعلي بن عاصم فليس حديثه كذلك، ويلتحق بهذا القسم الثاني من روى عنه قبل الاختلاط وبعده حتى يتبين، ذكر عباس الدوري عن يحيى بن معين أنه قال: عطاء بن السائب اختلط فمن سمع منه قديمًا فهو صحيح. وذكر أحمد ويحيى أن جرير سمع منه أخيرًا. قال أحمد: فليس بشيء وقال يحيى: وقد سمع منه أبو عوانة في الصحة والاختلاط جميعًا ولا نحتج به. وقال وهيب: لما قدم عطاء البصرة قال: كتبت عن عبيدة ثلاثين حديثًا. ولم يسمع من عبيدة شيئًا فهذا اختلاط شديد وأما حديثه عن سعيد بن جبير فقال: قال أحمد: كان يرفع عن سعيد بن جبير أشياء لم يكن يرفعها يعني قبل الاختلاط. وقال أبو حاتم: وفي حديث البصريين عنه تخاليط كثيرة لأنه قدم عليهم في آخر عمره، وما روى عنه ابن فضيل ففيه غلط واضطراب رفع أشياء كان يرويها عن التابعين فرفعها إلى الصحابة. فلهذا عدل الترمذي عن تصحيح حديثه هنا لكنه قد أخرج حديثه في مواضع من كتابه وصحح منها جملة وحسن بعضها وسكت عن بعضها وسيأتي الكلام عليها في مواضعها لاختلاف الحكم باختلاف الرواة عن عطاء. والذي يورد عليه هنا حديثه عن قتيبة عن جرير عنه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعًا: "إذا أكل أحدكم طعامًا فلا يأكل من أعلى الصحفة". وحديث: "نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضًا من اللبن" بهذا الإسناد بعينه، وقد صححها ولم يصحح حديث الباب وإسناد الثلاثة واحد.

стр. 1439

وتلخيص الجواب عن ذلك أن التصحيح قد يتعلق بأمور خارجة عن المسند الذي خرج به الحديث عند من أخرجه به من متابعة ثقة أو يكون مشهور المتن معروف الأصل في الجملة كما ذكر مسلم في جواب من اعتراض عليه في تخريج حديث أسباط بن نصر وأحمد بن عيسى التستري وقطن بن نسير في الصحيح بأنه ما خرج في كتابه من حديث هؤلاء وأمثالهم إلا ما عرف صحته من خارج فكذلك هنا. أما حديث: "إذا أكل أحدكم طعامًا" فقد رواه شعبة عن عطاء، رواه أبو داود عن مسلم بن إبراهيم عن شعبة عنه. وما كان من رواية شعبة وسفيان عنه فهو صحيح عندهم كما تقدم. وأما حديث: "نزل الحجر الأسود من الجنة" فمن رواية حماد بن سلمة عن عطاء رواه من حديثه النسائي. وقد ألحق يحيى بن معين حديث حماد عن عطاء بحديث شعبة وسفيان عنه، فقال مرة: وجميع من روى عن عطاء روى عنه في الاختلاط إلا شعبة وسفيان وذكر مرة معهما حماد بن سلمة. والمستثنى من حديث شعبة عنه ما ذكر علي بن المديني قال: سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: ما سمعت أحدًا من الناس يقول في عطاء بن السائب شيئًا قط في حديثه القديم إلا حديثين كان شعبة يقول لسمعتهما منه بآخرة عن زاذان. قلتُ: وليس شيء من هذا عن زاذان. وأما حديث الباب في الركعتين بعد العصر فلم نجده من رواية أحد من متقدمي أصحاب عطاء بعد عن عطاء فلذلك لم يحكم بصحته، وأما التحسين في مثل هذا فهو جار على رسمه في الحسن لوجود الشواهد له من حديث عائشة وأم سلمة وميمونة وأبي موسى كما ذكر، وأما لو لم يكن له شواهد ففيه نظر على أن ابن

стр. 1440

عدي قال في ترجمة عطاء: ومن سمع منه بعد الاختلاط فأحاديثه (١) فيها بعض النكرة. وأما حديث عائشة فعند مسلم عن أبي سلمة أنه سأل عائشة عن السجدتين اللتين كان رسول الله ﷺ يصليهما بعد العصر فقالت: كان يصليهما قبل العصر، ثم إنه شغل عنهما أو نسيهما فصلاهما بعد العصر ثم أثبتهما وكان إذا صلى صلاة أثبتها. وروى أبو دواد عن ذكوان مولى عائشة أنها حدثته أن رسول الله ﷺ كان يصلي بعد العصر تعني ركعتين وينهى عنهما ويواصل وينهى عن الوصال. وحديث أم سلمة قال البخاري: وقال كريب عن أم سلمة: صلى النبي ﷺ بعد العصر ركعتين وقال: "شغلني ناس من عبد القيس عن الركعتين بعد الظهر". وروينا من طريق الطبراني (٢): نا مصعب: قال: نا أبي، نا عبد العزيز بن محمد عن موسى بن عبيدة بن نشيط عن ثابت مولى أم سلمة عن أم سلمة: أن رسول الله ﷺ انصرف إلى بيتها فصلى به ركعتين بعد العصر، فأرسلت عائشة إلى أم سلمة، فقالت: أرى النبي ﷺ كان يصلي بعد الظهر ركعتين فقدم عليه وفد بني المصطلق في شأن ما صنع بهم عاملهم الوليد بن عقبة، فلم يزالوا يعتذرون إلى النبي ﷺ حتى جاء المؤذن يدعوه إلى صلاة العصر، فصلى المكتوبة ثم صلى في بيتي تلك الركعتين، ما صلاهما قبل ولا بعد، الحديث، وهو طويل، وأنا اختصرته، ولعله الذي أشار إليه الترمذي. هكذا أورده تعليقًا باللفظ الجازم عن كريب وقد أورده مسلم متصلًا.

стр. 1441

وحديث ميمونة: روى الطبراني من حديث حنظلة السدوسي أنه سمع عبد الله بن الحارث يقول: حدثتني ميمونة: أن النبي ﷺ كان يصلي قبل العصر ركعتين (١). رواه عن محمد بن الفضل السقطي نا سعيد بن سليمان عن عباد بن العوام ح قال ونا محمود بن محمد نا زكريا بن يحيى حمويه نا صالح بن عمير عن حنظلة، هكذا رأيت هذا الحديث عند الطبراني فلا أدري أهو قطعة من الحديث وفي بقيته المعنى الذي أشار إليه الترمذي أو لميمونة حديث آخر في الباب (٢) كما ذكره والله أعلم. وحديث أبي موسى ذكر النسائي في كتاب "الأسماء والكنى" له في ترجمة أبي دراس سماعيل بن دراس من روايته عن عبد الصمد نا أبو مرداس نا أبو بردة عن أبيه عن النبي ﷺ صلى ركعتين بعد العصر (٣). وقوله: وحديث ابن عباس أصح حيث قال: لم يعد لهما، ظاهره أنه يريد أنه أصح ممن روى أنه صلى الركعتين بعد العصر، وأطلق، وفي هذا نظر، فقد رويناه كذلك مطلقًا في حديث عائشة وأم سلمة وهما صحيحان وأما الروايات التي أشار إليها عن عائشة في المواظبة عليها بعد ذلك فصحيحة لا مطعن فيها منها عند مسلم

стр. 1442

رواية ابن طاوس عن أبيه عنها قالت: لم يَدَعْ رسول الله ﷺ ركعتين بعد العصر. وعند البخاري من حديث عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عنها أنها قالت: ركعتان لم يكن رسول الله ﷺ يدعهما سرًّا ولا علانية ركعتان قبل الصبح وركعتان بعد العصر ومنها عنده أيضًا من حديث شعبة عن أبي إسحق قال: رأيت الأسود ومسروقًا شهدا على عائشة قالت: ما كان النبي في يأتيني في يوم بعد العصر إلا صلى ركعتين. وروى عبد الواحد بن أيمن قال حدثني أبي أنه سمع عائشة قالت: والذي ذهب به ما تركهما حتى لقي الله وما لقي الله حتى ثقل عن الصلاة وكان يصلي كثيرًا من صلاته قاعدًا -تعني الركعتين بعد العصر- وكان النبي ﷺ يصليهما ولا يصليهما في المسجد مخافة أن يثقل على أمته وكان يحب ما يخفف عنهم. وهذه معارضة لرواية ابن عباس في قوله: ثم لم يعد لهما وهي أصح منها بيقين. وإن كان يريد أن الأصح في العمل أنه لا نافلة بعد العصر خلافًا لمن ذكر في ذلك عن أبي أيوب وزيد بن خالد وتميم الداري فصحيح لكن تنزيل عبارته عليه بعيد. وأما الرواية عن عائشة عن أم سلمة فروينا من طريق الطبراني نا علي بن عبد العزيز نا حجاج بن المنهال نا حمَّاد عن الأزرق بن قيس عن ذكوان عن عائشة أن أم سلمة قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ بعد العصر فصلى ركعتين فقلت: يا رسول الله ما هاتان الركعتان؛ قال: "كنت أصليهما بعد الظهر فجاءني مال فشغلني عنهما حتى صليت العصر فصليتهما الآن". وهذه غير ما ذكر عنها في النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر ولا مانع من أن تكون عائشة روت عن أم سلمة الخبرين معًا ولكنه لم يذكر رواية أم سلمة في

стр. 1443

الباب [السابق] في النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر وقد ذكر فيه عن جماعة كبيرة من الصحابة يبعد أن يكون عنده [فيه] شيء عن غيرهم ولا يذكره غير أنه ذكر هناك بصيغة الجزم فقال: وفي الباب عن فلان وفلان، وهاهنا لم يجزم حيث قال: ورُوي فقد يكون عنده في ذلك شيء لم يثبت عنده ثبوت ما سبق في الباب قبله. فيه مسائل: الأولى: المشهور في (إنما) اقتضاؤها الحصر وينشدون عليه قول الشاعر (١): أنا الفارس الحامي الذمار وإنما ... يقاتل عن أحسابهم أنا أو مثلي ولفظ حديث الباب هنا: إنما صلى الركعتين بعد العصر، لأنه أتاه مال فشغله، فيقتضي حصر السببية في ذلك. وكذا جاء عند ابن ماجه (٢) وعن غيره أنه بعث ساعيًا، وكان يهمه أمر المهاجرين إذ ضرب الباب فخرج فصلى الظهر، ثم جاء فقسم ما جاء به، فلم يزل كذلك حتى صلى العصر، ثم دخل منزله فصلى ركعتين، ثم قال: "شغلني أمر الساعي أن أصليهما بعد الظهر، فصليتهما بعد العصر"، لفظ الطبراني. والذي ثبت في الصحيح أن أم سلمة أرسلت الجارية إلى النبي ﷺ وهو يصليهما بعد العصر، فقالت: قومي بجنبه فقولي له: تقول أم سلمة: يا رسول الله إني سمعتك تنهى عن هاتين الركعتين وأراك تصليهما فإن أشار بيده فاستأخري عنه قال: ففعلت الجارية فأشار بيده فاستأخرت عنه فلما انصرف قال: "يا بنت أبي أمية سألت عن الركعتين بعد العصر، إنه أتاني ناس من عبد القيس

стр. 1444

بالإسلام من قومهم فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر وهما هاتان"، وهذا غير الأول وما ذكرناه من طريق الطبراني في اشتغاله ببني المصطلق حين اعتذروا إليه من قول الوليد بن عقبة سبب ثالث. الثانية: قال بعض المتأخرين فيه قبول خبر الواحد وخبر المرأة وقد يمنع لأن صلاته ﵇ كانت في بيت أم سلمة وهي تشاهده وإنما أرسلت الجارية تسأله لشغلها بمن كان عندها من نساء الأنصار. وأما جوابه ﵇ فواصل إليها من غير واسطة الجارية وكذلك وقع وخاطبها ﵇ بالجواب بقوله: "يا بنت أبي أمية" ولو كانت الجارية هي المخاطبة بالجواب لما كان ذلك مانعًا من سماع أم سلمة منه ﵇ لاجتماعهم في مجلس واحد. الثالثة: فيه قضاء النوافل الفائتة وقد تقدم في (باب الرجل ينسى الصلاة) ما في ذلك من الخلاف بين العلماء. الرابعة: دل الحديث على جواز قضائها في وقت الكراهة وكذلك صلاة قيس بن قهد ركعتي الفجر بعد صلاة الصبح وإقراره ﵇ إياه على ذلك فإذا ثبت لها الجواز في وقت الكراهة فلأن يجوز في غيره من باب أولى، وقال المالكيون في النوافل: لا تقضى المرتبة معها ولا غيرها وقالوا: من ضاق عليه الوقت فصلى الصبح وترك ركعتي الفجر فإنه يصليهما بعد طلوع الشمس إن شاء وقيل لا يصليهما حينئذ ثم إذا قلنا يصليهما فهل ما يفعله قضاء أو ركعتان ينوب له ثوابهما عن ثواب ركعتي الفجر؟ قال الشيخ أبو بكر: وهذا الجاري على أصل المذهب، وذكر القضاء تَجوّز. الخامسة: اختلفت الروايات في النافلة المقضية في بيت أم سلمة هل هي الركعتان بعد الظهر المتعلقة به أو هي سنة العصر الركعتان قبله، وينبني عليه: السادسة: إن قلنا إنها سنة الظهر ففيه التنفل بعد الظهر راتبًا كما ذهب إليه

стр. 1445

كثير من العلماء خلافًا لمالك وفي الكتاب: قلت: هل كان مالك يوقت قبل الظهر من النافلة ركعات معلومات، أو بعد الظهر أو قبل العصر، أو بعد المغرب فيما بين المغرب والعشاء، أو بعد العشاء؟ قال: لا وإنما يوقت في هذا أهل العراق. السابعة: وعلى رواية من قال هما الركعتان قبل العصر فيه التنفل قبل العصر وقد اختلف الناس هل للعصر سنة راتبة قبلها أو لا؟ وعند الأكثر من أصحاب الشافعي أن رواتب الصلوات من النوافل عشر سوى الوتر وهي ركعتان قبل الصبح وركعتان قبل الظهر وركعتان بعده وركعتان بعد المغرب وركعتان بعد العشاء. ومنهم من زاد أربعًا قبل العصر ومنهم من زاد ركعتين قبل الظهر فجعلها أربعًا ولا خلاف في أصل الاستحباب عندنا في الكل وإنما الخلاف في أن المؤكد الراتب، ما هو وسيأتي تفصيل هذه المذاهب في صلاة التطوع إن شاء الله. الثامنة: فإن قلنا إنها سنة العصر التي قبلها فهل يكون قضاء أو أداء؟ [اختلف الناس في ذلك] والمعروف من مذهب الشافعي أن الرواتب التي تسبق الفرائض يبقى وقت جوازها ما بقي وقت الفريضة ووقت اختيارها ما قبل الفريضة. قال الغزالي: وركعتا الصبح بعد فرض الصبح أداء وليس بقضاء وقال غيره وتقديمهما يعني على الصبح مستحب لا مستحق. التاسعة: وإن قلنا إنهما بعد الظهر اختلف أصحابنا القائلون بقضاء النوافل ونقلوا فيه قولين أصحهما -وهو اختيار المزني-: تقضى أبدًا، والثاني أنها لا تقضى أبدًا، وعلى هذا إلى متى تقضى؟ أما السق الرواتب ففيها قولان: أنه لا يقضى الوتر بعد صلاة الصبح ولا ركعتا الفجر بعد صلاة الظهر. قال إمام الحرمين: وعلى هذا النسق سائر التوابع لأنه إذا استفتح فريضة أخرى انقطع حكم التبعية عن الصلاة السابقة.

стр. 1446

وحُكي على هذا القول وجه آخر أن الاعتبار بدخول وقت الصلاة المستقبلة لا بفعلها فعلى هذا تقضى ركعتا الفجر ما لم تزل الشمس فإذا زالت فلا، والقول الثاني نقله المسعودي عن القديم أن ما كان من صلاة النهار يقضى ما لم تغرب الشمس وما كان من صلاة الليل يقضى ما لم يطلع الفجر، وفي الحديث دليل لما اختاره المزني ولما حكاه المسعودي عن القديم من قولي الشافعي. العاشرة: في جوابه ﵇ وقد سئل عن هاتين الركعتين بأنهما الركعتان بعد الظهر أو قبل العصر ما يدل على أنَّه لا سنة بعد العصر كما ذهب إليه الجمهور، وقد كان قوم من الصحابة ﵃ يصلونها وممن بعدهم أيضًا وقد سأل طاوس ابن عباس عنهما فنهاه ابن عباس فقال طاوس: لا أدعهما، فقال ابن عباس: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ولم يأخذوا ذلك والله أعلم إلا من مواظبته ﵇ عليهما، فالسنية لا تثبت بالمرة الواحدة. الحادية عشرة: من فاتته سنة راتبة فقضاها في وقت النهي فهل له أن يدوم على صلاة مثلها في ذلك الوقت أولًا؟ فيه وجهان حكاهما المتولي وغيره: أحدهما: القول به كما فعل ﵇. والثاني: وهو الأصح الأشهر ليس له ذلك وأن ذلك من خصائصه ﵇، وقد تقدم ما يدل على ذلك قول عائشة: وكان إذا صلى صلاة أثبتها، وقولها أيضًا: إنه ﵇ كان يصليهما وينهى عنهما. وللأول منع اختصاصه ﵇ بهما لأن الأصل عدم الخصوصية وسيأتي لهذا مزيد بيان. الثانية عشرة: قال جماعة من السلف إن النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد

стр. 1447

العصر إنما هو إعلام منه ﵇ بأنهما لا يُتطوع بعدهما ولم يُقصد الوقت بالنهي كما قُصِدَ وقت الطلوع ووقت الغروب وذكروا ما روى عاصم بن ضمرة عن علي قال: كان رسول الله ﷺ ، يصلي في إثر كل صلاة مكتوبة ركعتين إلا الفجر والعصر. وقد تقدم. الثالثة عشرة: وحمل آخرون النهي عن الصلاة في هذين الوقتين على إنه إنما أريد به النهي عن تأخير الفرائض لغير عذر حتَّى تقع مقارنة الطلوع والغروب، روى وهيب عن ابن طاوس عن أبيه عن عائشة أنها قالت: أوهم عمر إنما نهى رسول الله ﷺ عن الصلاة أن يتحرى بها طلوع الشمس وغروبها. وممن قال لا بأس بالتطوع بعد الصبح وبعد العصر ما لم تقارن حالة طلوع الشمس وغروبها عائشة وابن عمر وابن مسعود وزيد بن خالد وتميم الداري وعطاء وطاوس وعمرو بن دينار وابن جريج. ذكر عبد الرزاق عن ابن جريج عن نافع أنَّه سمع ابن عمر يقول: أما أنا فلا أنهى أحدًا يصلي من ليل أو نهار أي ساعة شاء غير أن لا يتحرى طلوع الشمس ولا غروبها. ومن حجة هؤلاء حديث علي عن النبي ﵇ أنَّه قال: "لا تصلوا بعد الصبح ولا بعد العصر إلا تكون الشمس بيضاء نقية" رواه النسائي وأبو داود ولفظه: نهى عن الصلاة بعد العصر إلا والشمس مرتفعة. الرابعة عشرة (١): الخامسة عشرة: وفرق قوم بين الصبح والعصر فجوزوا صلاة التطوع بعد العصر ومنعوا من ذلك بعد الصبح، قالوا قد صح حديث عائشة: ما ترك رسول الله ﷺ : ركعتين بعد العصر في بيتي قط. وأما التطوع بعد الصبح فلا لأن الآثار غير ثابتة في

стр. 1448

ذلك والصلاة بر والأصل أن لا يمنع من عمل البر إلا بدليل لا معارض له وهو قول داود بن علي. السادسة عشرة: عند مسلم قال ابن عباس: وكنت أضرب مع عمر بن الخطاب الناس عليهما، وفي بعض ألفاظه: أصرف الناس عنهما وقد يكون ذلك كله واقعًا وليس تغييرًا (١) من الرواة إذ من الجائز أن يضرب عليهما في وقت ويصرف في وقت بحسب اختلاف الأوقات في تفاوت الكراهة كما سبق فليست الكراهة حالة مقارنة الطلوع والغروب كالكراهة فيما قبل ذينك الوقتين من بعد الصبح وبعد العصر عند من يفرق بينهما أو لعله يضرب من بلغه النهي ويصرف من لم يبلغه وفي ضرب عمر على هاتين الركعتين فوائد أولاها وهي: السابعة عشرة: ما يجب على الإمام من الاحتياط لرعيته ومنعهم من المحدثات والبدع وارتكاب ما نهى الشارع عنه. الثامنة عشرة: جواز التعزير في ارتكاب البدع، والبدعة عندهم ما أحدث شعارًا في الدين، وعمر ﵁ يعلم أنَّه ليس للعصر سنة بعدها، فكان يخشى أن يستمر الناس على هاتين الركعتين فتستقر سنة ولا أصل لها. التاسعة عشرة: سد الذرائع وهي قاعدة أكثر الفقهاء من استعمالها واشتهر بها أصحاب مالك ﵏ وقد روى يحيى بن بكير قال حدثني الليث بن سعد عن أبي الأسود عن عروة أخبرني تميم الداري أو أخبرت أن تميمًا الداري ركع ركعتين بعد العصر من بعد نهي عمر بن الخطاب ﵄ فأتاه فضربه بالدرة فأشار إليه تميم أن اجلس وهو في صلاته فجلس عمر حتَّى فرغ تميم، فقال: يا عمر لم ضربتني؟ قال: لأنك ركعت هاتين الركعتين وقد نهيت عنهما، قال: فإني صليتهما

стр. 1449

مع من هو خير منك رسول الله ﷺ . قال عمر: إنه ليس بي إياكم هذا الرهط ولكني أخاف أن يأتي بعدكم قوم يصلون ما بين العصر إلى الغروب حتَّى يمروا بالساعة التي نهى رسول الله ﷺ أن يصلي فيها كما تصلون بين الظهر والعصر ثم يقولون قد رأينا فلانًا يصلون بعد العصر، وكذلك أنكر عمر على زيد بن خالد هذه الصلاة وضربه عليه بالدرة فقال زيد: يا أمير المؤمنين اضرب أو لا تضرب فوالله لا أدعهما بعد أن رأيت رسول الله ﷺ يصليهما. فقال له عمر: يا زيد لولا أني أخشى أن يتخذها الناس سلمًا إلى الصلاة حتَّى الليل لم أضرب فيهما. فقال المعتذرون عن هذا النهي: إنما خرج هذا النهي على سبيل قطع الذريعة لأنه لو أبيحت النافلة بعد الصبح وبعد العصر لم يؤمن التمادي فيها إلى طلوع الشمس وغروبها. الموفية عشرين: فيما تقدمت حكايته عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى: إن رواتب الفرائض من النوافل إن كانت وحدها لم تقض وإن كانت مع الصلاة التي هي راتبة لها قضيت وفي الحديث رد على هذا لأن فريضة الظهر قد كان النبي ﷺ : صلاها وإنما قضى النافلة بعد العصر مجردة عن الفريضة التي هي من رواتبها. الحادية والعشرون: قول ابن عباس: أتاه مال فشغله عن الركعتين بعد الظهر، يريد فشغله قسمته وتفرقته على مستحقيه وذوي الحاجة إليه وإلا لم يكن المال ليشغله ﷺ على غير هذا الوجه وقد رويناه مبينًا من طريق ابن ماجة أنَّه بعث ساعيًا وكان يهمه أمر المهاجرين إذ ضرب الباب فخرج فصلى الظهر ثم جاء فقسم ما جاء به فلم يزل كذلك حتَّى صلى العصر ... الحديث. الثانية والعشرون: فيه تقديم أرجح المصلحتين على أخفهما ولما كانت صلاة النافلة من المصالح الدينية والاشتغال بتعليم النفر من عبد القيس شرائع الإسلام أو قسمة المال في فقراء المهاجرين ليسدّ خلتهم، أو جلوسه ﵇ مع بني

стр. 1450

المصطلق ليستبين عذرهم؛ مصلحة أهم من الأول لتعدي منفعتها واختصاصه ﵇ بما فيها من التبيلغ والمصالح المنوطة به قدم النبي ﷺ هذه مبادرة إلى تحصيل أعظم المصلحتين وإن أدى تأخير الصلاة التي كانت قرة عينه فيها وكان بالمؤمنين رحيمًا. الثالثة والعشرون: قول عائشة ﵂ عن هاتين الركعتين: ما تركهما في بيتها قط تعني من الوقت الَّذي شغل عنهما فيه عند الظهر فقضاهما بعد العصر لا أنَّه لم يزل يصليهما قبل ذلك. الرابعة والعشرون: في صلاته ﵇ إياهما في بيته عند عائشة أو أم سلمة ما كان ﵇ من الرأفة بأمته فإنه إنما فعل ذلك خشية أن يتكرر منه فعلها في المسجد فيفعلها الناس فيشق عليهم، كما فعل في قيام رمضان، وفي هذا ما يشعر بعدم الخصوصية فإنها لو كانت من خصائصه لأداها في المسجد وغيره وكان يعلم خصائصه فلا يلزم ....... (١) غيره منها ما يلزمه. الخامسة والعشرون: في حديث أم سلمة أنها أرسلت الجارية إلى النبي ﷺ وهو يصلي فقالت: قومي بجنبه فقولي له: تقول أم سلمة: يا رسول الله إني أسمعك تنهى عن هاتين الركعتين وأراك تصليهما فإن أشار بيده فاستأخري، قالت: ففعلت الجارية فأشار بيده فاستأخرت ... الحديث، فيه أن العمل اليسير في الصلاة كهذه الإشارة لا يبطلها. السادسة والعشرون: في قولها عن نفسها: (تقول أم سلمة)، ولم تقل: تقول هند، وعدلت عن اسمها إلى كنيتها في مخاطبة من هو أكبر منها دليل على أنَّه لا ينكر مثله لا سيما في حق من لا يعرف إلا بالكنية أو من اشتهر بها وهي هند بنت

стр. 1451

أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم أم سلمة وهو ابن أبي سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عمر بن مخزوم. ومعنى قولها أسمعك [.... قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ أي قد رأينا. والذي حسن هذا هنا تساوي الجملتين في المضارع: (أسمعك، أراك)؛ فإن الرؤية فيه من أسماء المضارع فلو كانت سمعتك وأراك لا ..... اختلاف الحكم ..... لاختلاف الرؤية] (١). السابعة والعشرون: قال: [بعض العلماء] (٢) إلا ما استثني من ذلك مثل الصلاة بمكة وذكر ركعتي الطواف وقد اختلف الناس فيهما في وقت الكراهة، فالمروي عن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير والحسن والحسين وعطاء وطاوس ومجاهد والقاسم بن محمد وعروة بن الزبير أنهم كانوا يطوفون بعد العصر وبعضهم بعد الصبح أيضًا ويصلون بإثر فراغهم من طوافهم ركعتين في ذلك الوقت وبه قال الشافعي وأحمد وإسحق وأبو ثور وداود. وقال مالك: من طاف بالبيت بعد العصر أخّر ركعتي الطواف حتَّى تغرب الشمس وكذلك من طاف بعد الصبح لم يركعهما حتَّى تطلع الشمس، وقال أبو حنيفة: يركعهما إلا عند طلوع الشمس وغروبها واستوائها، وقال بعض أصحاب مالك: يركعهما بعد الصبح ولا يركعهما بعد العصر. قال أبو عمر: وهذا لا وجه له في النظر ولا يصح به أثر. الثامنة والعشرون: من أصحاب الشافعي من قال مكة كسائر البلاد في أوقات الكراهة والاستثناء لركعتي الطواف فإن للطائف أن يطوف متى شاء ومتى

стр. 1452

طاف صلى ركعتي الطواف لأنها صلاة لها سبب ومنهم من قال وهو الأصح عندهم أن مكة تخالف سائر البلاد لشرف البقعة وزيادة فضيلة الصلاة فلا تمنع فيها الصلاة بحال ثم ليس المراد من مكة نفس البلد بل جميع الحرم للاستواء في الفضيلة، وفي وجه: يختص بالاستثناء المسجد الحرام وما عداه كسائر البلاد والمشهور الصحيح الأول، ولهم في ذلك حديث جبير بن مطعم أن النبي ﷺ قال: "يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت فصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار"، وصححه الترمذي وسيأتي، وأخرجه الحاكم في "مستدركه". وحديث مجاهد عن أبي ذر: أنَّه قام فأخذ بحلقة باب الكعبة ثم قال: من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا جندب صاحب رسول الله ﷺ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا صلاة بعد العصر حتَّى تغرب الشمس ولا صلاة بعد الصبح حتَّى تطلع الشمس إلا بمكة إلا بمكة إلا بمكة" رواه الشافعي عن عبد الله بن المؤمل عن حميد مولى عفراء عن قيس بن سعد عن مجاهد. عبد الله بن المؤمل وحميد مولى عفراء ضعيفان ومجاهد لم يسمع من أبي ذر. التاسعة والعشرون: في الجمع بين ما وقع الاختلاف فيه من ألفاظ هذا الحديث، وهو في موضعين: الأول: السبب الَّذي حصل به الشغل عن الصلاة المقضية وهو ثلاثة، كما سبق، ليس في كل خبر إلا سبب منها. الثاني: الصلاة المقضية؛ هل هي سنة الظهر بعدها أو سنة الظهر قبلها. فأما الأول فلا مانع من اجتماع الأسباب الثلاثة، وأن يكون ﵇ أخبر كل سائل عن سبب.

стр. 1453

الثاني: قال القاضي عياض: ينبغي أن يحمل على سنة الظهر، وسنة العصر تسميتها إنها قبل العصر. قال: وليس بشيء لأنه ينعكس ملخصه أن تقول: ينبغي أن يحمل على سنة العصر، فسنة العصر تصح تسميتها أنها بعد الظهر. الموفية ثلاثين: يؤخذ من استحباب أداء النوافل الرواتب في المساجد، وهو مما اختلف الناس فيه، وسيأتي عدو له ﵇ عن صلاة هاتين الركعتين في المسجد كان لعلة، وحيث تنتفي العلة ينتفي المعلول. * * *

стр. 1454

٢٢ - باب ما جاء في الصلاة قبل الغرب ثنا هناد نا وكيع عن كهمس بن الحسن عن عبد الله بن بريدة عن عبد الله بن مغفل عن النبي ﷺ قال: "بين كل أذانين صلاة لمن شاء". وفي الباب عن عبد الله بن الزبير. قال أبو عيسى: حديث عبد الله بن مغفل حديث حسن صحيح. وقد اختلف أصحاب النبي ﷺ في الصلاة قبل الغرب، فلم ير بعضهم الصلاة قبل المغرب. وقد روي عن غير واحد من أصحاب النبي ﷺ أنهم كانوا يصلون قبل صلاة المغرب ركعتين بين الأذان والإقامة. وقال أحمد وإسحق: إن صلاهما فحسن وهذا عندهما على الاستحباب. * الكلام عليه: حديث ابن مغفل هكذا رواه الثقات الأثبات عن ابن بريدة عنه. وهو عند البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجة وعند بعضهم: "بين كل أذانين صلاة" قالها ثلاثًا وقال في الثالثة: "لمن شاء" وفي رواية في الرابعة. وقد رواه حيان بن عبيد الله عن ابن بريدة عن أبيه عن النبي ﷺ قال: "بين كل أذانين صلاة إلا المغرب". وحيان هذا هو ابن عبيد الله بن زهير أبو زهير العبدي ذكر حديثه هذا أبو بكر البزار وقال حيان بن عبيد الله: هذا رجل من أهل البصرة مشهور ليس به بأس. وقال فيه أبو حاتم: صدوق. وأما من رماه بالجهالة فلعله اشتبه عليه بحيان بن عبيد الله المروزي وقد ذكرهما ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" وقال في المروزي: مجهول، وقد روى البخاري وأبو داود من حديث ابن مغفل قال: قال رسول الله ﷺ : "صلوا قبل

стр. 1455

المغرب ركعتين" ثم قال: "صلوا قبل المغرب ركعتين لمن شاء خشية أن يتخذها الناس سنة". وأما حديث ابن الزبير فروينا عن الطبراني قال أنا الحسين بن إسحق التستري نا علي بن نمر نا سويد بن عبد العزيز نا ثابت بن عجلان عن سُليم أبي عامر عن عبد الله بن الزبير قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من صلاة مفروضة إلا وبين يديها ركعتين". وفي الباب أيضًا عن المختار بن فلفل عن أنس بن مالك ﵁ قال: صليت الركعتين قبل المغرب على عهد رسول الله ﷺ قال: قلت لأنس: أرآاكم رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. فلم يأمرنا ولم ينهنا. أخرجه مسلم وأبو داود. قال مرثد بن عبد الله اليزني: أتيت عقبة بن عامر الجهني، فقلت: ألا أعجبك من أبي تميم؟ يركع ركعتين قبل صلاة المغرب! فقال عقبة: إنا كنا نفعله على عهد رسول الله ﷺ . قلت: فما يمنعك الآن منه؟ قال: الشغل (١). وفيه أيضًا عن ابن عمر من طريق طاوس عنه أنَّه سئل عن الركعتين قبل المغرب؟ فقال: ما رأيت أحدًا على عهد رسول الله ﷺ يصليهما، وكان يرخص في الركعتين (بعد) العصر، رواه أبو داود (٢).

стр. 1456

فيه مسائل: الأولى: المراد بالأذانين الأذان والإقامة فهو من باب التغليب، كالعمرين والقمرين، قال: أخذنا بآفاق السماء عليكم ... لنا قمراها والنجوم الطوالع (١) يريد الشمس والقمر فغلب محل التذكير إذ القمر مذكر والشمس مؤنثة وكذلك التغليب في الأذان والإقامة طلبًا للخفة إذ المذكر أخف من المؤنث. الثانية: قد يؤخذ منه أن الأمر للوجوب لتعليقه إياه بالمشيئة وبقائه بعد التعليق على الندب والاستحباب والمختار عند الأكثرين أن صيغة أفعل للترجيح المانع من النقيض وقال أبو هاشم: هي للندب، وقال المرتضى: هي مشتركة للوجوب والندب وقال غيره: هي إما للوجوب أو للندب أو لهما فخفي علينا فتوقفنا هذه طريقة الغزالي لكن معناها هاهنا أمر زائد على مطلق الأمر وهو تكراره في قوله: "صلوا قبل المغرب ركعتين، صلوا قبل المغرب ركعتين". في لفظ البخاري. وفي قوله في حديث مسلم: "بين كل أذانين صلاة بين كل أذانين صلاة" حتَّى قال في الثالثة أو في الرابعة: "لمن شاء". والمختار عند الأكثرين أن مثل هذا من التكرار يفيد شيئًا آخر لأن إيجاب الثاني لتناول الأول تحصيل الحاصل وهو محال والمنقول عن أبي الحسين البصري في مثل هذا التوقف. الثالثة: في استحباب الركعتين قبل صلاة الغرب وفي هذه المسألة وجهان لأصحابنا أشهرهما لا يستحب وأصحهما عند بعض المتأخرين يستحب وإن لم يكونا من الرواتب، وللسلف في المسألة مذهبان فاستحبهما جماعة من الصحابة والتابعين

стр. 1457

وممن بعدهم أحمد وإسحاق ولم يستحبهما الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ومن الفقهاء مالك وأبو حنيفة وقال النخعي: هما بدعة ولعله لم يبلغه الحديث في ذلك وظاهر هذه الأحاديث أن فعل هذه الصلاة قبل المغرب كان أمرًا أقر النبي ﷺ أصحابه عليه وأنهم عملوا بذلك وتضافروا عليه حتَّى كانوا يبتدرون السواري لذلك وهذا يدل على الجواز وعدم الكراهية بل على الاستحباب. الرابعة: من لم ير الاستحباب في ذلك يستدل بالاستثناء في حديث ابن بريدة عن أبيه وفيه: "إلا المغرب" وهذا الاستثناء وإن خالف فيه حيان بن عبيد الله البصري الثقات الحفاظ من أصحاب عبد الله بن بريدة وحاله لا تحتمل مثل هذا التفرد فإنه قد عضده عمل الخلفاء الأربعة عليه ومن ذكرنا من السلف فقوي بذلك. الخامسة: قال الشيخ محيي الدين ﵀: وزعم بعضهم يعني بعض من أنكر هاتين الركعتين في جواب هذه الأحاديث أنها منسوخة ثم قال: وأما من زعم النسخ فهو مجازفة لا يصار إليه إلا إذا عجزنا عن التأويل والجمع بين الأحاديث وعلمنا التاريخ وليس هنا شيء من ذلك انتهى. وليس دعوى النسخ فيها ببعيد لثبوت أصلها عن النبي ﷺ وعن الصحابة قولًا وفعلًا ثم عارض تلك الأحاديث حديث ابن بريدة عن أبيه وفيه: إلا المغرب. وما روى طاوس عن ابن عمر أنَّه سئل عن الركعتين قبل المغرب، فقال: ما رأيت أحدًا على عهد رسول الله ﷺ يصليهما ... ، الحديث رواه أبو داود. ولما كان التاريخ عندنا مجهولًا ونظرنا فيما استمر عليه عمل الخلفاء الراشدين بعده فإذا هو ترك العمل عملنا أن آخر الأمرين ترك العمل. وقد نقلت فيما سلف في هذا الكتاب عن بعض السلف إذا تعارضت الأحاديث ولم يعلم الناسخ فيها من المنسوخ فانظر ما عمل به أبو بكر وعمر بعد النبي ﷺ فهو الناسخ وهذا ظاهر ولم يبق أكثر من

стр. 1458

الترجيح لأحاديث الباب على ما يعارضها من حيث الإسناد وهو قريب مع ثبوت المعارض وتقويته باستمرار العمل عليه وقد زوي عن عمر أنَّه كان يضرب الناس عليهما. السادسة: فيه التفرقة بين المستحب والسنة لأنه ﵇ لا يأمر بما دون المستحب على سبيل الترغيب فيه وقد أمر بهاتين الركعتين وتحرج بقوله: لمن شاء أن تتخذ سنة فاقتضى الفرق بين المستحب والسنة، وكلاهما من قسم المندوب وهو ما فعله راجح شرعًا وتركه جائز فالسنة تناول ما علم بأمره ﵇ أو إدامة فعله عند بعضهم والمستحب لا يتوقف على إدامة الفعل بل يثبت بالمرة الواحدة. السابعة: زعم بعض من قال بالكراهة في هاتين الركعتين أن ذلك لما فيه من تأخير المغرب وصاحب هذا القول لا ...... بطائل من وجوه النظر لأن زمن الركعتين يسير وقد فعلهما الصحابة بين يدي النبي ﷺ بأمره وما كان ﵇ ليأمرهم بما فيه تأخير المغرب المرة بعد المرة إلا أن يضم هذا القائل إلى قوله: أن الكراهة لما يخشى من استمرار الناس عليهما من الانبساط في إطالة زمنهما الإطالة التي على طول المدى قد يخشى معها من التأخير فيجعله من باب سد الذرائع فيتوجه حينئذ حمل الكراهة على قاعدة معروفة. الثامنة: فيه أن ما فعل بين يدي النبي ﵇ مما لم يسبق منه نهي عنه ولا عرف تحريمه فسكت عن فاعله وأقره عليه أن ذلك السكوت والإقرار يدل على جواز ذلك الفعل ورفع الحرج عن فاعله، فإن المختار بن فلفل سأل أنس بن مالك لما أخبره عن الركعتين أرآكم النبي ﷺ ؟ قال: نعم. فلم يأمرنا ولم ينهنا ذكره أنس على سبيل الحجة للجواز ورضي به المختار. التاسعة: ذكر الترمذي حديث: "بين كل أذانين صلاة" وليس على عمومه

стр. 1459

عند أكثرهم بدليل العشاء الآخرة فإنه ليس بين الأذان لها وإقامتها صلاة أعلى أن النووي قد ذكر في "شرح المهذب" استحباب التنفل بين الأذان للعشاء الآخرة والإقامة مستدلًا بهذا الحديث] (١) وكذلك حديث ابن الزبير وعدل عن حديث البخاري: "صلوا قبل المغرب ركعتين صلوا قبل المغرب ركعتين" من طريق ابن مغفل وهو أصرح في الدلالة وأسلم من التعليل ويمكن أن يقال كلا اللفظين عنده وعند البخاري في حديث عبد الله بن مغفل، فكله حديث واحد اختلفت ألفاظه فلا حرج عليه في أي اللفظين ذكر لتقويته بالآخر واعتضاده به إذا كان الخبر واحدًا وفيه ضعف على أن حديث ابن مغفل عند الترمذي من طريق كهمس عن ابن بريدة وقد رواه عن ابن بريدة سعيد الجريري ورواه من طريقه مسلم وغيره وطريق كهمس أولى لأن سعيدًا الجريري من الختلطين، فسلمت طريق الترمذي من الإعلال به. العاشرة: قال المهلب بن أبي صفرة: وصلاتها كان في أول الإسلام ليتبين خروج الوقت المنهي عنه بمغيب الشمس ثم التزم المبادرة بالمغرب لئلا يتباطأ الناس عن وقت الفضيلة للمغرب انتهى. أما قوله: ليتبين خروج الوقت المنهي عنه، فإنهم إنما كانوا يصلونها بعد الأذان وقبل الإقامة بدليل: بين كل أذانين صلاة، وبالأذان إن (٢) علم خروج الوقت المكروه للصلاة بدخول وقت الغرب. وأما قوله: لئلا يتباطأ الناس، ففيه الإشارة لما سبق من سد الذريعة وفيه المثابرة على التعجيل بالمغرب والإشارة إلى ضيق وقتها وقد تقدم ذلك في بابه. * * *

стр. 1460

٢٣ - باب ما جاء فيمن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس ثنا إسحاق بن موسى الأنصاري نا معن نا مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار وعن بسر بن سعيد وعن الأعرج يحدثونه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ومن أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر". وفي الباب عن عائشة. قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح وبه يقول أصحابنا والشافعي وأحمد وإسحاق. ومعنى هذا الحديث عندهم لصاحب العذر مثل الرجل ينام عن الصلاة أو ينساها فيستيقظ ويذكر عند طلوع الشمس وعند غروبها. * الكلام عليه: أخرجه البخاري ومسلم والنسائي من حديث مالك. وحديث عائشة رواه مسلم من طريق يونس عن ابن شهاب أن عروة بن الزبير حدثه عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "من أدرك من العصر سجدة قبل أن تغرب الشمس أو من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها" والسجدة إنما هي الركعة. فيه مسائل: الأولى: ظاهر هذا الحديث: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة"،

стр. 1461

أن مدرك الركعة مدرك للصلاة فلا يصح بدليل قوله ﵇: "ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا" وبفعل (١) النبي ﷺ حيث فاتته ركعة من صلاته خلف عبد الرحمن بن عوف، فلما سلم عبد الرحمن قام النبي ﷺ فصلى الركعة التي سبقه بها. وقد روى أبو بكر البزار حديث: "من أدرك ركعة من الصلاة"، فقال فيه: "فقد أدرك الصلاة كلها إلا أنَّه يقضي ما فاته"، فلا خلاف في ذلك فتعين تأويل شيئين كما يأتي. الثانية: قيل: معناه فقد أدرك الوقت أي إن أتم ما بقي عليه بعد طلوع الشمس أو غروبها فقد أدرك من وقتها ما قام له مقام من أدركها كلها في الوقت وقد روى الحديث محمد بن مطرف عن زيد بن أسلم عن عطاء عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "من صلى سجدة واحدة من العصر قبل غروب الشمس ثم صلى ما بقي بعد غروب الشمس فلم يفته العصر"، وقال مثله في الصبح، ورواه إسماعيل بن عياش عن زيد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس وصلى الأخرى بعد طلوع الشمس فقد أدرك" وقال مثله في العصر. الثالثة: اختلف السلف في القدر الزائد على ما سبق في المواقيت من امتداد وقت هاتين الصلاتين إلى الطلوع والغروب، فقال قوم منهم أبو حنيفة: هو زيادة بيان على البيان السابق في حديث المواقيت والوقت يمتد مطلقًا لسائر الناس على ما في هذا الحديث. وفرق الأكثرون بين وقت أرباب الرفاهية ووقت أرباب الأعذار فحملوا ما تقدم على الوقت في حق أرباب الرفاهية مختارة وجائزة وحملوا ما في هذه الأحاديث على الوقت لأرباب الأعذار الذين يأتي ذكرهم.

стр. 1462

الرابعة: وقيل معناه فقد أدرك فضل الجماعة وقد روى أبو علي الحنفي عن مالك عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الفرض (١) " ورواه أبو أحمد بن عدي وقال: "فقد أدرك فضل الجماعة". وخرج الحاكم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من توضأ فأحسن الوضوء ثم راح فوجد الناس قد صلوا أعطاه الله مثل أجر من صلاها وحضرها لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا"، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. الخامسة: إذا قلنا إنه أدرك فضل الجماعة، فهل يكون ذلك الفضل مضاعفًا كما يكون لمن حضرها من أولها أو يكون غير مضاعف؟ اختلف فيه على قولين وإلى التضعيف ذهب أبو هريرة وغيره من السلف، وإلى عدم التضعيف ذهبت طائفة أخرى حكاه القرطبي في "المفهم" قال: وإلى هذا يشير قول أبي هريرة: ومن فاته قراءة أم القرآن فقد فاته خير كثير. السادسة: وقيل معناه أدرك حكم الصلاة أي يلزمه من أحكام الصلاة ما يلزم الإمام من الفساد والسهو وغير ذلك. السابعة: اختلف العلماء فيمن أدرك أقل من ركعة، وفيه مسائل أولاها، وهي: الثامنة: إذا أدرك من لا تجب عليه الصلاة ركعة من وقتها لزمته تلك الصلاة وذلك في الصبي يبلغ والمجنون والمغمى عليه يفيقان والحائض والنفساء تطهران والكافر يسلم، فمن أدرك من هؤلاء ركعة قبل خروج وقت الصلاة لزمته تلك الصلاة

стр. 1463

هذا مذهب الشافعي وإن أدرك دون ركعة كتكبيرة ففيه قولان للشافعي: أحدهما لا تلزمه ويُروى (١) عن مالك عملا بمفهوم هذا الحديث وأصحهما عند الأصحاب تلزمه وبه قال أبو حنيفة لأنه إدراك جزءٍ من الوقت فاستوى قليله وكثيرة ولأنه لا يشترط قدر الصلاة بكمالها بالاتفاق فينبغي أن لا يفرق بين تكبيرة وركعة وأجابوا عن مفهوم الحديث بأن التقييد بركعة خرج على الغالب، فإن غالب ما يمكن معرفة إدراكه ركعة ونحوها، وأما التكبيرة فلا يكاد يحس بها. التاسعة: وهل يشترط مع التكبيرة أو الركعة إمكان الطهارة فيه وجهان لأصحابنا أصحهما لا يشترط. العاشرة: إذا دخل في الصلاة في آخر وقتها فصلى ركعة ثم خرج الوقت كان مدركًا لأدائها وتكون كلها أداء هذا هو الصحيح. وقال بعض الأصحاب: تكون كلها قضاء وقال بعضهم: ما وقع في الوقت أداء وما وقع بعده قضاء وكلاهما مخالف لظاهر الحديث إن حمل على الوقت. الحادية عشرة: وينبني على هذا الخلاف المسافر إذا نوى القصر وصلى ركعة في الوقت وباقيها بعده، فإن قلنا الجميع أداء فله قصرها وإن قلنا كلها قضاء أو بعضها قضاء وبعضها أداء وجب إتمامها أربعًا إن قلنا أن فائتة السفر إذا قضاها في السفر (٢) يجب إتمامها. الثانية عشرة: فإن كان ما أدركه في الوقت دون ركعة فقال بعض الأصحاب: هو كالركعة وقال الجمهور تكون كلها قضاء وهو مقتضى الحديث مع اتفاقهم على أنَّه لا تجوز تعمد التأخير إلى هذا الوقت وإن قلنا بالأداء.

стр. 1464

الثالثة عشرة: إذا أدرك المسبوق مع الإمام ركعة كان مدركًا لفضيلة الجماعة بلا خلاف وإن لم يدرك ركعة بل أدركه قبل السلام ففيه وجهان لأصحابنا: أحدهما: لا يكون مدركًا للجماعة لمفهوم قوله ﵇: "من أدرك ركعة". والثاني: وهو الصحيح وبه قال جمهور الأصحاب يكون مدركًا لفضيلة الجماعة ويجاب عن مفهوم الحديث بما سبق من أن الركعة تقييد بالغالب، قال أبو عمر: ظاهر الحديث أن مدرك ركعة من صلاة الإمام مدرك للفضل، والوقت في الحكم كله إن شاء الله وإن من لم يدرك الركعة بتمامها فلم يدرك حكم الصلاة، وأما الفضل فإن الله يتفضل على من يشاء بما شاء وإذا كان الَّذي ينام عن صلاته [بالليل] يكتب له أجر صلاته والذي ينوي الجهاد ويحبسه العذر يكتب له أجر المجاهد والمريض يكتب له أجر ما كان يعمله صحيحًا ومنتظر الصلاة في صلاة فأي مدخل للنظر هاهنا وقد وردت آثار عن النبي ﷺ فيمن توضأ فأحسن وضوءه ثم راح فوجد الناس قد صلوا أن الله يعطيه مثل أجر من صلاها وحضرها. وعن أبي هريرة وهو راوي الحديث: إذا انتهى إلى القوم وهم قعود فقد دخل في التضعيف وإذا انتهى إلى القوم وقد سلم الإمام ولم يتفرقوا فقد دخل في التضعيف. وقال عطاء بن أبي رباح: كان يقال: إذا خرج من بيته وهو ينويهم فقد دخل في التضعيف وعن أبي وائل وشريك: من أدرك في التشهد فقد [أدرك] فضلها، وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: من خرج من بيته قبل أن يسلم الإمام فقد أدرك. الرابعة عشرة: الركعة المقيد (١) بها في هذه المسائل تختلف فأما الركعة التي

стр. 1465

يدركون بها الوقت فهي بقدر ما يكبر فيه للإحرام ويقرأ أم القرآن قراءة معتدلة ويركع ويرفع ويسجد سجدتين يجلس بينهما ويطمئن في كل ذلك على قول من أوجب الطمأنينة وعلى مذهب من لا يوجب قراءة أم القرآن في كل ركعة يكفيه قدر تكبيرة الإحرام والوقوف لها، قال الرافعي: والمعتبر في الركعة أخف ما يقدر عليه أحد وأما الركعة التي يدرك بها فضيلة الجماعة وحكمها فأن يكبر لإحرامه قائمًا ثم يركع ويمكن يديه من ركبتيه قبل رفع الإمام رأسه هذا مذهب الجمهور وروي عن أبي هريرة أنَّه لا يعتد بالركعة ما لم يدرك الإمام قائمًا قبل أن يركعها معه وروي معناه عن أشهب وروي عن جماعة من السلف أنَّه متى أحرم والإمام راكع أجزأه وإن لم يدرك الركوع وركع بعد الإمام كالناعس اعتد بالركعة وقيل تجزيه وإن رفع الإمام ما لم يرفع الناس وقيل تجزئه وإن أحرم قبل سجود الإمام حكى هذه الأقوال القاضي عياض ﵀. الخامسة عشرة: قوله من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ظاهره أن الصبح وقت ضرورة كالعصر وهو أحد القولين عند مالك وقيل ليس للصبح وقت ضرورة بخلاف العصر وقد تقدم ذلك في أوقات الصلوات. السادسة عشرة: الحديث يقتضي التسوية بين حكم الصبح والعصر في إدراك الوقت بإدراك ركعة في كل من الصلاتين فيه وإتمام كل منهما بعد الطلوع والغروب وهو مذهب الجمهور. وخالف أبو حنيفة فجعل المدرك يتم في العصر ولا يتم في الصبح لأنه دخل عليه وقت تمنع فيه الصلاة فتفسد عليه عنده الصبح ولأن النبي ﷺ : تحول من الوادي الَّذي حصل فيه النوم عن الصبح ورأى أن ذلك ليقظتهم عند طلوع الشمس والصحيح في حديث الوادي أن التحول إنما كان لأن فيه شيطانًا بذلك علله النبي

стр. 1466

- ﷺ حيث قال: "تحولوا عن هذا الوادي فإن به شيطانًا" وأيضًا فقد ركع وركع المسلمون فيه الفجر وما كان لتجوز فيه النافلة ولا تجوز فيه الفريضة، وأقوى (١) من هذا في الدلالة قول راوي الخبر: فما أيقظهم إلا حر الشمس ومعلوم أن الشمس لا يكون لها حر إلا بعد ارتفاعها. وأما قولهم: إن صلاة الصبح تفسد عليه بذلك، ويستقبلها بعد طلوع الشمس وارتفاعها بدعوى من ادعى منهم النسخ لهذه الأحاديث بحديث النهي عن الصلوات في الأوقات المكروهة فليست هذه الدعوى بالأولى من عكسها، إذ لا دليل على شيء من .... (٢) إقرار بالخصوص في أحاديث النهي، وإنما يصار إلى النسخ إذا تعذر الجمع. وإذا حملنا أحاديث النهي على ما لا سبب له كما سبق أمكن الجمع بينهما بتخصيص بعضها بعضًا، والتخصيص أولى من النسخ، ولو طردوا ما زعموا من النسخ لما فرقوا بين الصبح والعصر، والحديث سوّى بينهما، وقد وجدنا في الصبح بخصوصها نصًّا صريحًا، وهو ما رويناه من طريق ..... روح بن عبادة نا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن خلاس عن أبي رافع عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: "من صلى من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس وطلعت الشمس فليصل إليها أخرى"، ويحتاج من رد هذا النص أن يأتي بمثله. السابعة عشرة: في حديث عائشة: (من أدرك من العصر سجدة) ووقع

стр. 1467

تفسيره في الأصل والسجدة إنما هي الركعة فبين أنَّه قد يعبر بكل منهما عن الآخر فاحتج به الحنفي والشافعي في أحد قوليه في أن مدرك تكبيرة الإحرام مدركًا كما سبق وأن تعبيره مرة بالسجدة ومرة بالركعة عبارة عن بعض الصلاة وإدراك شيء منها وأنه لم يرد بالسجدة الركعة على ظاهره ولا أراد بالركعة الحدّ أنَّه لا تجزيء ما هو أقل منها لذكره السجدة. الثامنة عشرة: اختلف العلماء فيما لزم أصحاب الأعذار من أدرك منهم ركعة قبل الغروب أو قبل الطلوع فقال الشافعي في أصح قوليه: إذا طهرت الحائض قبل مغيب الشمس بركعة أعادت الظهر والعصر وكذلك إن طهرت قبل الفجر بركعة أعادت المغرب والعشاء. والثاني: كقول مالك إن كان بقي عليها من النهار مقدار ما تصلي فيه خمس ركعات صلت الظهر والعصر وإن لم يكن بقي عليها من النهار قدر ما تصلي فيه خمس ركعات صلت العصر وإذا طهرت قبل الفجر فكان ما بقي عليها من الليل قدر ما تصلي أربع ركعات ثلاثًا للمغرب وركعة من العشاء صلت المغرب والعشاء. ذكره ابن القاسم وابن وهب وأشهب وابن عبد الحكم عن مالك وما ذكرته عن الشافعي حكاه عنه أبو عمر، [وحكى عنه قولًا ثالثًا، قاله في المغمى عليه إذا أفاق، وقد بقي عليه من النهار مقدار تكبيرة الإحرام أعاد الظهر والعصر،] (١) وحجتهم في ذلك حديث الباب وجمعه ﵇ بين الصلاتين في أسفاره وبعرفة والمزدلفة في وقت إحداهما صلاتي الليل وصلاتي النهار جعل الوقت لهما مما وقتًا واحدًا. روى البغوي عن سريج بن يونس عن عبد العزيز الدراوردي عن محمد بن عثمان بن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع عن جده عبد الرحمن عن مولى لعبد

стр. 1468

الرحمن بن عوف عن عبد الرحمن بن عوف قال: "إذا طهرت الحائض قبل أن تغرب الشمس صلت الظهر والعصر جميعًا وإذا طهرت قبل القجر صلت المغرب والعشاء جميعًا" أخرجه البيهقي من هذا الوجه، ورواه الخلال عن عبد الله بن أحمد عن شريح، قال أحمد بن حنبل: محمد بن عثمان هذا ثقة. وفي إسناده مولى لعبد الرحمن بن عوف لعله يعني أنَّه مجهول قال وكان ابن عيينة يهم فيه فيقول سعيد بن عبد الرحمن وإنما هو عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع، قيل لأحمد: رواه حاتم والدراوردي فأيهما أحب إليك؟ قال: حاتم وحمل على الدراوردي وقال: كان يحدث أحاديث مناكير. وروى زائدة ثنا يزيد بن أبي زياد عن طاوس عن ابن عباس قال: إذا طهرت المرأة في وقت صلاة العصر فلتبدأ بالظهر فلتصلها ثم لتصل العصر وإذا طهرت في وقت العشاء الآخرة فلتبدأ ولتصل المغرب والعشاء، أخرجه البيهقي في سننه عن الحاكم عن أبي بكر ابن إسحاق الفقيه عن محمد بن أحمد بن النضر عن معاوية بن عمرو عن زائدة. ورواه الحاكم من حديث ليث بن أبي سليم عن طاووس وعطاء عن ابن عباس، وقال عن ليث عن طاوس وعطاء من قولهما أيضًا. قال البيهقي: ورويناه عن جماعة سواهما وعن الفقهاء السبعة من أهل المدينة ولذلك شرط في مذهبنا وهو أن تمتد السلامة عن الموانع قدر إمكان فعل الطهارة وتلك الصلاة أما لو عاد مانع قبل ذلك فلا، مثاله إذا بلغ الصبي في آخر وقت العصر ثم جن أو أفاق المجنون ثم عاد جنونه أو طهرت حائض ثم جنت أو أفاقت مجنونة ثم حاضت وقال أبو حنيفة وأصحابه وحماد بن أبي سليمان وهو قول ابن علية: من طهر من الحيّض أو بلغ من الصبيان أو أسلم من الكفار لم يكن عليه أن يصلي شيئًا مما فات وقته وإنما يقضي ما أدرك وقته بمقدار ركعة فما زاد إلا أنهم لا يقولون باشتراك الأوقات لا في صلاتي النهار ولا في صلاتي النهار. وقال زفر: لا يجب على واحد منهم قضاء صلاة إلا بأن

стр. 1469

يدركوا من وقتها مقدار الصلاة بكمالها كما لا يجب عليهم من الصيام إلا ما أدركوا وقته بكماله وقول أبي ثور في هذا الباب كقول مالك وقال أحمد في الحائض: تطهر والكافر يسلم والغلام يحتلم مثل ذلك أيضًا. التاسعة عشرة: تلخيص مذهب الشافعي في ذلك؛ قال الرافعي: وإذا جمعت بين الأقوال التي حكيناها حصل عندك في القدر التي تلزم به كل صلاة من إدراك آخر وقتها أربعة أقوال أصحها قدر تكبيرة، وثانيها: هذا مع زمان طهارة، وثالثها: قدر ركعة، ورابعها: هذا مع زمان طهارة. وفيما يلزم الظهر مع العصر ثمانية أقوال هذه الأربعة وخامسها: قدر أربع ركعات وتكبيرة، وسادسها: هذا مع زمان طهارة، وسابعها: قدر خمسة ركعات، وثامنها: هذا مع زيادة طهارة. وفيما تلزم به العشاء مع المغرب مع هذه الثمانية أربعة أخرى إحداها: ثلاث ركعات وتكبيرة، والثاني: هذا مع زمان الطهارة، والثالث: أربع ركعات، والرابع: هذا مع زمان الطهارة. الموفية عشرين: فإذا صلى الصبي وظيفة الوقت ثم بلغ وقد بقي شيء من الوقت إما بالسن أو بالاحتلام فيستحب له أن يعيد بخلاف من ذكرناه من أصحاب الأعذار، فإن الصلاة تصح منه، ولا تصح منهم. وخزج ابن سريج أنَّه تجب الإعادة لأن ما أداه في حال الصغر واقع في حال النقصان فلا تجزئ عن الفرض بعد حصول الكمال في الوقت والمفعول مع النقصان كغير المفعول وهذا مذهب أبي حنيفة والمزني ورواه القاضي الروياني عن مالك قال وعن أحمد روايتان ولا فرق عند ابن سريج بين أن يكون الباقي من الوقت حين بلغ قليلًا أو كثيرًا، وعن الإصطخري أنَّه إن بلغ والباقي من الوقت ما يسع تلك الصلاة لزمت الإعادة والإ فلا وإن بلغ في أثناء

стр. 1470

الصلاة وإنما يكون ذلك بالسن فقد قال الشافعي: أحببت أن يتم ويعيد ولا يتبين لي أن عليه الإعادة ومعناه عند الجمهور من أصحابه أن الإتمام واجب والإعادة مستحبة وقال ابن سريج الإتمام مستحب والإعادة واجبة، والإصطخري جرى على التفصيل الَّذي سبق. الحادية والعشرون: وهذا فيما إذا وجد العذر أول الوقت وخلا عنه آخره أما إذا خلا عنه أول الوقت وطرأ بعد ذلك ما يمكن أن يطرأ منه كالحيض وغيره فإنه ينظر في الماضي من الوقت إن كان قدر ما يسع لتلك الصلاة لزمها القضاء وعن مالك لا يلزمها تلك الصلاة ما لم تدرك آخر الوقت وإليه ذهب ابن علية وبه قال أبو حنيفة وخرج ابن سريج مثل ذلك على أصل الشافعي في المسافر أثناء الوقت يجوز له القصر وإن مضى من الوقت ما يسع للصلاة الثانية وسيأتي في بابه إن شاء الله تعالى، ووجه الأول أن الصلاة تجب بأول الوقت وليست السعة في الوقت تسقط ما وجب بأوله ولم يجعلوا أول الوقت هنا كآخره فيلزمها بإدراك ركعة منه الصلاة كلها أو الصلاتان لأن البناء في آخر الوقت يتهيأ على الركعة ولا يتهيأ البناء في أول الوقت لأن تقديم شيء من الصلاة قبل دخول الوقت لا تجوز ثم المعتبر على ظاهر المذهب أخف ما يمكن من الصلاة. الثانية والعشرون: ولو كان مسافرًا فطرأ عليه إغماء بعدما ما مضى من وقت الصلاة المقصورة ما يسع ركعتين لزمه القضاء لأنه لو قصر لأمكنه أداؤها ولا يعتبر هنا إمكان الطهارة من الوقت لأنه يمكنه تقديم الطهارة على الوقت إلا طهارة لا يجوز تقديمها كالتيمم والمستحاضة. الثالثة والعشرون: [قال الحسن بن حي والليث والشافعي: إذا خرج المسافر بعد دخول الوقت بمقدار ما كان يصلي تلك الصلاة أثم لأن الصلاة تجب عندهم بأول

стр. 1471

الوقت وجوبًا موسعًا وليست السعة بمسقطة ما وجب، قالوا: وان قدم المسافر قبل خروج الوقت أتم، وأصل الشافعي في القصر أنَّه رخصة فمن شاء قصر ومن شاء أتم، وقال أبو حنيفة والأوزاعي و ........ (١): إذا خرج من مصره قبل خروج الوقت صلى ركعتين وإن قدم كذلك أتم، وعن مالك مثله إلا أنَّه زاد: إذا بقي عليه من النهار مقدار ركعة صلى العصر أو ثلاث صلى الظهر والعصر مقصورتين]. الرابعة والعشرون: قال أصحابنا: والإغماء كالجنون يستوي قليله وكثيره في إسقاط القضاء إذا استغرق وقت العذر والضرورة وهو قول ابن شهاب والحسن وابن سيرين وربيعة ومالك والشافعي وأبي ثور وهو مذهب عبد الله بن عمر فقد أغمي عليه فلم يقض شيئًا فات وقته، وقال أبو حنيفة وأصحابه فيمن أغمي عليه خمس صلوات فأقل ثم أفاق أنَّه يقضيها، ومن أغمي عليه أكثر من ذلك ثم أفاق: لا يقضي شيئًا، وهو مذهب الثوري، إلا أنَّه قال: أحب إلي أن يقضي. وقال الحسن بن حي: إذا أغمي عليه خمس صلوات فما دون، قضى ذلك إذا أفاق، فإذا أغمي عليه أيامًا قضى خمس صلوات فقط، ينظر حين يفيق فيقضي ما عليه، وقول زفر في المغمى عليه كقوله في الحائض لا يجب القضاء إلا بأن يدرك من وقت الصلاة مقدار الصلاة كلها وقد تقدم. وقال أحمد بن حنبل: في المغمى عليه يقضي الصلوات كلها التي كانت في إغمائه وهو قول عبيد الله بن الحسن لا فرق عندهم بين النائم والمغمى عليه وهو قول عطاء بن أبي رباح وروي ذلك عن عمار بن ياسر وعمران بن الحصين وروى ابن رستم عن محمد بن الحسن أن النائم إذا نام أكثر من يوم وليلة فلا قضاء عليه والمشهور عن محمد في كتبه غير ذلك.

стр. 1472

الخامسة والعشرون: ولا يلحق بالجنون والإغماء زوال العقل بسبب محرم كشرب مسكر أو دواء مزيل للعقل بل يجب عليه القضاء لأنه غير معذورو هذا في حالة العمد من غير حاجة أما إذا لم يعلم أن الدواء مزيل للعقل وأن المشروب مسكر فلا قضاء عليه كما في الإغماء ولو عرف أن ...... (١) مسكر لكن ظن أن ذلك القدر لقلته لا يسكر فليس ذلك بعذر ولو وثب من موضع لحاجة فزال عقله فلا قضاء عليه وإن فعله عبثًا قضى. * * *

стр. 1473

شرح الترمذي «النفح الشذي شرح جامع الترمذي» تأليف ابن سيد الناس اليعمري ﵀ (ت ٧٣٤ هـ) تحقيق أبو جابر الأنصاري - عبد العزيز أبو رحلة - صالح اللحام [الجزء الرابع]

стр. 1474

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1475

شَرْحُ التِّرمِذِيّ «النَّفْحُ الشَّذيّ شَرْحُ جَامِعُ التِّرمِذيّ» [٤]
следующие страницы →