← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16599

النفح الشذي شرح جامع الترمذي ط الصميعي

ابن سيد الناس

Полный текст (2 088 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

الوقت وجوبًا موسعًا وليست السعة بمسقطة ما وجب، قالوا: وان قدم المسافر قبل خروج الوقت أتم، وأصل الشافعي في القصر أنَّه رخصة فمن شاء قصر ومن شاء أتم، وقال أبو حنيفة والأوزاعي و ........ (١): إذا خرج من مصره قبل خروج الوقت صلى ركعتين وإن قدم كذلك أتم، وعن مالك مثله إلا أنَّه زاد: إذا بقي عليه من النهار مقدار ركعة صلى العصر أو ثلاث صلى الظهر والعصر مقصورتين]. الرابعة والعشرون: قال أصحابنا: والإغماء كالجنون يستوي قليله وكثيره في إسقاط القضاء إذا استغرق وقت العذر والضرورة وهو قول ابن شهاب والحسن وابن سيرين وربيعة ومالك والشافعي وأبي ثور وهو مذهب عبد الله بن عمر فقد أغمي عليه فلم يقض شيئًا فات وقته، وقال أبو حنيفة وأصحابه فيمن أغمي عليه خمس صلوات فأقل ثم أفاق أنَّه يقضيها، ومن أغمي عليه أكثر من ذلك ثم أفاق: لا يقضي شيئًا، وهو مذهب الثوري، إلا أنَّه قال: أحب إلي أن يقضي. وقال الحسن بن حي: إذا أغمي عليه خمس صلوات فما دون، قضى ذلك إذا أفاق، فإذا أغمي عليه أيامًا قضى خمس صلوات فقط، ينظر حين يفيق فيقضي ما عليه، وقول زفر في المغمى عليه كقوله في الحائض لا يجب القضاء إلا بأن يدرك من وقت الصلاة مقدار الصلاة كلها وقد تقدم. وقال أحمد بن حنبل: في المغمى عليه يقضي الصلوات كلها التي كانت في إغمائه وهو قول عبيد الله بن الحسن لا فرق عندهم بين النائم والمغمى عليه وهو قول عطاء بن أبي رباح وروي ذلك عن عمار بن ياسر وعمران بن الحصين وروى ابن رستم عن محمد بن الحسن أن النائم إذا نام أكثر من يوم وليلة فلا قضاء عليه والمشهور عن محمد في كتبه غير ذلك.

стр. 1472

الخامسة والعشرون: ولا يلحق بالجنون والإغماء زوال العقل بسبب محرم كشرب مسكر أو دواء مزيل للعقل بل يجب عليه القضاء لأنه غير معذورو هذا في حالة العمد من غير حاجة أما إذا لم يعلم أن الدواء مزيل للعقل وأن المشروب مسكر فلا قضاء عليه كما في الإغماء ولو عرف أن ...... (١) مسكر لكن ظن أن ذلك القدر لقلته لا يسكر فليس ذلك بعذر ولو وثب من موضع لحاجة فزال عقله فلا قضاء عليه وإن فعله عبثًا قضى. * * *

стр. 1473

شرح الترمذي «النفح الشذي شرح جامع الترمذي» تأليف ابن سيد الناس اليعمري ﵀ (ت ٧٣٤ هـ) تحقيق أبو جابر الأنصاري - عبد العزيز أبو رحلة - صالح اللحام [الجزء الرابع]

стр. 1474

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1475

شَرْحُ التِّرمِذِيّ «النَّفْحُ الشَّذيّ شَرْحُ جَامِعُ التِّرمِذيّ» [٤]

стр. 1476

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ جَمِيع حُقُوق الملكية الأدبية مَحْفُوظَة للناشر، فَلَا يسمح مُطلقًا بطبع أَو نشر أَو تَصْوِير أَو إِعَادَة تنضيد الْكتاب كَامِلا أَو مجزأ. ويحظر تخزينه أَو برمجته أَو نسخه أَو تسجيله فِي نطاق استعادة المعلومات فِي أَي نظام كَانَ ميكانيكي أَو الكتروني أَو غَيره يُمكن من استرجاع الْكتاب أَو جُزْء مِنْهُ. وَلَا يسمح بترجمة الْكتاب أَو جُزْء مِنْهُ إِلَى أَي لُغَة أُخْرَى دون الْحُصُول على إِذن خطي مسبق من الناشر. حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة للناشر دَار الصميعي الطبعة الأولى ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م دَار الصميعي للنشر والتوزيع هَاتِف: ٤٢٦٢٩٤٥ - ٤٢٥١٤٥٩، فاكس: ٤٢٤٥٣٤١ المركز الرئيس، الرياض - شَارِع السويدي الْعَام ص. ب: ٤٩٦٧، الرَّمْز البريدي: ١١٤١٢ المملكة الْعَرَبيَّة السعودية فرع القصيم: عنيزة - أَمَام جَامع الشَّيْخ (بن عثيمين) يرحمه الله هَاتِف: ٣٦٢٤٤٢٨، تلفاكس: ٣٦٢١٧٢٨

стр. 1477

٢٤ - باب ما جاء في الجمع بين الصلاتين في الحضر ثنا هناد نا أبو معاوية عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر، قال: فقيل لابن عباس: ما أراد بذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته. وفي الباب عن أبي هريرة. قال أبو عيسى: حديث ابن عباس قد روي عنه من غير وجه رواه جابر بن زيد وسعيد بن جبير وعبد الله بن شقيق العقيلي. وقد روي عن ابن عباس عن النبي ﷺ غير هذا. حدثنا أبو سلمة يحيى بن خلف البصري ثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه عن حنش عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى بابًا من أبواب الكبائر". قال أبو عيسى: وحنش هذا هو أبو علي الرحبي وهو حنش بن قيس وهو ضعيف عند أهل الحديث ضعفه أحمد وغيره. والعمل على هذا عند أهل العلم أن لا يجمع بين الصلاتين إلا في سفر أو بعرفة، ورخص بعض أهل العلم من التابعين في الجمع بين الصلاتين للمريض وبه يقول أحمد وإسحاق وقال بعض أهل العلم: يجمع بين الصلاتين في المطر، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق ولم ير الشافعي للمريض أن يجمع بين الصلاتين.

стр. 1478

* الكلام عليه: حديث ابن عباس مخرج في الصحيحين ولفظه لسلم ورواه أبو داود وقال: في غير خوف ولا سفر. قال مالك: أرى أن ذلك في مطر. وفي رواية عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ جمع بين الصلاتين في سفرة سافرها في غزوة تبوك فجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء. قال سعيد بن جبير: فقلت لابن عباس: ما حمله على ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته. وفي رواية عن معاذ بن جبل مثله سواء وقال: إنه في غزوة تبوك، وقال مثل كلام ابن عباس، وفي رواية عن عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء جابر بن زيد عن ابن عباس قال: صليت مع النبي ﷺ ثمانيًا جميعًا وسبعًا جميعًا قلت: يا أبا الشعثاء أظنه أخّر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء قال: وأنا أظن ذلك. وفي رواية عن عبد الله بن شقيق قال: خطبنا ابن عباس يومًا بعد العصر حتَّى غربت الشمس وبدت النجوم، فجعل الناس يقولون: الصلاة الصلاة، فجاءه رجل من بني تميم فجعل لا يفتُر ولا ينثني: الصلاة الصلاة فقال ابن عباس: أتعلمني بالسنة، لا أم لك؟! رأيت رسول الله ﷺ جمع بين الظهر والعصر والغرب والعشاء. قال عبد الله بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء، فأتيت أبو هريرة فسألته فصدق مقالته، هذه الروايات عند مسلم. وفي هذا الحديث مسائل: الأولى: قوله: أراد أن لا يحرج أمته، وقد اختلف في تقييده فروي: يُحرج بالياء المضمومة من آخر الحروف مبني لما لم يسم فاعله. وأمته منصوب على أنَّه مفعوله، وروي تحرج بالتاء ثالثة الحروف مفتوحة وضم أمتُه على أنها فاعلة ومعناه إنما فعل ذلك لئلا يشق عليهم ويثقل فقصد إلى التخفيف

стр. 1479

عنهم كما يأتي بيانه. الثانية: قال بعض العلماء في قوله أن لا يحرج أمته: المراد بالحرج هنا الإثم لا المشقة، لأن لنا التأخير إلى آخر الوقت وإيقاع الصلاة في آخر الوقت لا مشقة فيه، وإنما المعنى في ذلك الصنيع الَّذي صنع من التأخير لئلا يقع المكلف في المحظور لأنه لو كلف إيقاع الصلاة في آخر جزء من وقت الصلاة الأولى وابتداء الثانية في أول جزء من وقتها لم يقدر على تحديد ذلك إلا بتقريب وربما أخذ جزءًا من الأولى في جزء من وقت الثانية فكان يخرج بعض الأولى عن وقتها وهو محظور. انتهى. وكأنه يشير إلى أن هذا إذا وقع محررًا انتفى معه الإثم كما أوقعه النبي ﵇ فكان ذلك في المرة الواحدة لبيان الجواز، ولم يتكرر خوفًا من الإثم. ويحتمل عندي أن يكون من الضيق ومعناه أنَّه ﵇ لو لم يبين الجواز بهذه المرة لفات أمته العلم بأن لها مثل ذلك تضيقت على أنفسها فيما وسع عليها فيه، هذا إن أولنا الجمع بذلك وسيأتي. والثالثة: قال الترمذي في آخر "جامعه": ليس في كتابي حديث أجمعت الأمة على ترك العمل به إلا حديث ابن عباس في الجمع بالمدينة من غير خوف ولا مطر، وحديث قاتل شارب الخمر في المرة الرابعة. فأما حديث ابن عباس فلم يجمعوا على ترك العمل به وقد اختلفوا فيه كما نبينه إن شاء الله تعالى. وأما حديث قتل شارب الخمر في الرابعة فقد قال به ابن حزم وحكى فيه شيئًا عن عبد الله بن عمرو بن العاص. الرابعة: قال بظاهر هذا الحديث في جواز الجمع بين الصلاتين في الحضر

стр. 1480

للحاجة لمن لا يتخذه عادةً قوم منهم ابن سيرين وأشهب واختاره ابن المنذر، حيث لم يعلله ابن عباس بمرض ولا غيره وتأوله آخرون. الخامسة: الذين تأولوه اختلفوا فقال بعضهم: لعذر المطر وقد تقدم عن مالك ويرده رواية من روى: من غير خوف ولا مطر. ومنهم من تأوله على أنَّه كان في غيم فصلى الظهر ثم انكشف الغيم وبان أن وقت العصر دخل فصلاها، وهذا يرده الجمع بين المغرب والعشاء ومثله لا يتأتى فيه وهو حديث واحد. ومنهم من تأوله على تأخير الأولى إلى آخر وقتها وإقامة الثانية في أول وقتها واستحسنه أبو العباس القرطبي ورجحه وقال الشيخ محيى الدين ﵀: وهذا ضعيف أو باطل لأنه مخالف للظاهر مخالفة لا تحتمل، وفعل ابن عباس الَّذي ذكرناه حين خطب واستدلاله بالحديث لتصويب فعله وتصديق أبي هريرة له وعدم إنكاره صريح في رد هذا التأويل. قال: ومنهم من قال: هو محمول على الجمع بعذر المرض أو نحوه مما هو في معناه وهو قول أحمد بن حنبل والقاضي حسين واختاره الخطابي والمتولي والروياني وهو المختار في تأويله. انتهى. وعندي أن ما اختاره القرطبي من التأويل أولى لأمور: أولها: أن أبا الشعثاء راويه عن ابن عباس قد أوله بذلك. الثاني: أن في ألفاظ الحديث نفي الأعذار المبيحة للجمع من الخوف والسفر والمطر، فلو حكى خلفها عذر المرض، لما عدل ابن عباس عنه إلى قوله: (أراد أن لا يحرج أمته)، ولما غفل أبو هريرة عن الرد على ابن عباس به، وإخراج الصلاة عن وقتها لغير عذر لا تجوز باتفاق.

стр. 1481

الثالثة: أن حديث عبد الله بن شقيق وقد استعمله النووي في رد ما اختاره القرطبي وترجيح ما ذهب هو إليه وهو بالعكس أولى لأنه ليس فيه أكثر من أن ابن عباس خطبهم يومًا بعد العصر حتَّى غربت الشمس وبدت النجوم وذكر الحديث فليس في هذا مرض وإنما فيه أنَّه لم يصل المغرب حتَّى غربت الشمس وبدت النجوم، ثم من المعلوم أنَّه قضى عند ذاك الخطبة وصلى بالناس الصلاتين فأي بعد في أن يكون أتى بالأولى في آخر الوقت والثانية في أوله؟ وأمر الصلاة أهم من الخطبة فكيف جاز أن يشغلهم المرض عن الصلاة ولم يشغلهم محن سماع الخطبة. ويعضد هذا ما سبق من حمل الحرج على التضييق. السادسة: فيه الجمع بين الصلاتين في السفر حسبما تضمنته رواية من روى فيه عن ابن عباس: وكان في سفرة سافرها في غزوة تبوك، وكذلك عن معاذ بن جبل وسيأتي في بابه. هذا إن جوزنا أن يكون الحديث واحدًا اختلفت الروايات فيه عن ابن عباس ولكن هذا بعيد لأن في حديث الباب: بالمدينة، وفي حديث أبي داود: من غير خوف ولا سفر، فلا مانع من كون الحديثين عند ابن عباس حديث الجمع بالمدينة، وحديث الجمع بتبوك. السابعة: ومما يقوي هذا رواية من روي فيه ثمانيًا جميعًا وسبعًا جميعًا وهي لا تكون كذلك إلا وهي تامة ولو كانت سفرية لكانت مع الجمع مقصورة. الثامنة: المراد من الجمع في هذا الباب إنما هو إخراج إحدى الصلاتي المشركتين في الوقت عند من قال بالاشتراك، ومن لم يقل به عن وقت جوازها وإيقاعها في وقت الأخرى مضمومة إليها وهو إنما يكون بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء ولا مدخل للصبح في ذلك بالإجماع. التاسعة: ثم الجمع متفق عليه ومختلف فيه، فالأول هو الجمع بعرفة

стр. 1482

ومزدلفة، والمختلف فيه ما عدا ذلك، فأما في السفر فإليه ذهب جماعة السلف وفقهاء المحدثين والشافعي وهو مشهور مذهب مالك ومنع أبو حنيفة من الجمع للمسافر وكرهه الحسن وابن سيرين وروي عن مالك كراهيته وروي عنه أنَّه كرهه للرجال دون النساء وتأول أبو حنيفة أحاديث الجمع على تأخير الأولى إلى آخر الوقت وتقديم الثانية أوله وهو جائز باتفاق لكن ترد عليه الأحاديث التي تضمنت تقديم الثانية إلى وقت الأولى وستأتي. العاشرة: الجمع بعذر (١) المطر وهو جائز عندنا في وقت الأولى ولا تجوز في وقت الثانية على الأصح لعدم الوثوق باستمراره إلى وقت الثانية وشرط وجوده عند الإحرام بالأولى والفراغ منها وافتتاح الثانية ويجوز ذلك لمن يمشي إلى الجماعة في غير كنَّ بحيث يلحقه بلل المطر، والأصح أنَّه لا يجوز لغيره، وقد تقدم عن الترمذي حكاية القول بالجمع في المطر عن أحمد وإسحق وإليه ذهب أيضًا أبو ثور والطبري وغيرهما ومنع منه أبو حنيفة وأصحابه وأهل الظاهر والليث بن سعد. الثانية عشرة (٢): القائلون بجواز الجمع لعذر المطر اختلفوا في الجمع بين الظهر والعصر، فقال به الشافعي وطائفة وذهب مالك وآخرون إلى أنَّه يختص المغرب والعشاء. الثالثة عشرة: وأما الجمع لعذر المرض فالمشهور من ذهب إليه الشافعي أنَّه لا يجوز، وجوزه أحمد وقال مالك: إذا خاف الإغماء على عقله فله تقديم الثانية في

стр. 1483

وقت الأولى وقال النووي: هو قوي في الدليل نظرًا إلى حمل حديث ابن عباس على ذلك وقد تقدم ضعف ذلك الحمل. الرابعة عشرة: الحديث الأول اقتضى وقوع الجمع بين الصلاتين والثاني اقتضى أن الجمع باب من أبواب الكبائر ويمكن أن يقال الجمع المباح في الحديث الأول، بمعنى التقديم والتأخير كما سبق وفي الثاني الإتيان بالصلاتين في وقت الثانية. الوجه الثاني: أنْ يقال الثاني ناسخ للأول إن علم التاريخ. الثالث: أن يقال وقوع الكبيرة في الثاني مشروط بنفي الأعذار مطلقًا والحديث الأول إنما فيه نفي أعذار مذكورة فيمكن إن يخلفها ما يشبهها ولأجل ذلك تطرق التأويل والاحتمال هذا على مذهب الجمهور في منع ذلك الجمع. الخامسة عشرة: من قال بجواز الجمع للحاجة لمن لا يتخذه عادة يحتاج إلى الجواب عن الحديث الثاني، إما بضعف سنده أو بحمله إياه على من يتخذه عادة. وقوله ﵇: "من جمع" يعم من يعتاد ذلك ومن لا يعتاد والحديث وإن كان ضعيفًا من حيث الإسناد فإنه قوي من حيث الاستعمال ولا يمكن أن يقال المراد بالحاجة العذر الشرعي لأنه لا مدخل للعادة في ذلك. السادسة عشرة: يؤخذ منه قضاء الفوائت المتروكة عمدًا لغير عذر لأن قوله (من جمع بين الصلاتين) يحتمل معنيين إما بتأخير الأولى عن وقتها أو بتركها في الذمة حيث لم يقع فعلها كذلك مسقطًا لفرضها كما زعمه بعضهم وكل من التأخير والترك كبيرة. لكن الحمل على التأخير هنا أولى؛ لأنه سماها صلاة في قوله: "من جمع بين الصلاتين" وتسميتها صلاة مع التأخير حقيقة ومع الترك مجاز وسمّاها مجموعة مع التي تليها في قوله: "من جمع" والجمع حقيقة هو الإتيان بهما لا

стр. 1484

بأحدهما وترك الأخرى. [السابعة] عشرة: الألف واللام في قوله: "من جمع بين الصلاتين" للعموم لا للعهد، لأنا إن حملناها على العهد وقد تقدم أن الجمع يختص بعض الصلوات توجه المنع إلى تلك المعهودة دون غيرها ولا قائل به، بل أي صلاة كانت صبحًا أو غيرها متى أخرها المكلف على أي حالة كان لغير عذر حتَّى يأتي بها مجموعة مع صلاة أخرى أتى وقتها فقد أتى الكبيرة لأن الجمع الَّذي يختص بعض الصلوات إنما هو الجمع المشروع. [الثامنة] عشرة: ويلحق بذلك ما إذا صلى صلاة فرط فيها في غير وقت صلاة أخرى كما لو صلى الصبح بعدما طلعت الشمس أو العشاء في الثلت الآخر من الليل عند من يقول بانقضاء وقتها قبل ذلك، لما تقدم من أن العلة إنما هي التأخير لغير عذر. * * *

стр. 1485

أبواب الأذان ٢٥ - باب ما جاء في بدء الأذان ثنا سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي نا أبي ثنا محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن محمد بن عبد الله بن زيد عن أبيه قال: لما أصبحنا أتينا رسول الله ﷺ فأخبرته بالرؤيا، فقال: "إن هذه لرؤيا حق. فقم مع بلال فإنه أندى أو أمد صوتًا منك فألق عليه ما قيل لك وليناد بذلك". قال: فلما سمع عمر بن الخطاب نداء بلال بالصلاة خرج إلى رسول الله ﷺ وهو يجر إزاره وهو يقول: يا رسول الله والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل الَّذي قال، فقال رسول الله ﷺ : "فلله الحمد فذلك أثبت". قال: حديث عبد الله بن زيد حديث حسن صحيح. قال: وفي الباب عن ابن عمر. حدثنا أبو بكر بن أبي النضر ثنا حخاج بن محمد قال: قال ابن جريج: أنا نافع عن ابن عمر قال: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاة وليس ينادي بها أحد فتكلموا يومًا في ذلك. فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسًا مثل ناقوس النصارى. وقال بعضهم: اتخذوا قرنًا مثل قرن اليهود. قال: فقال عمر: ألا تبعثوا رجلًا ينادي بالصلاة. قال: فقال رسول الله ﷺ : "يا بلال قم فناد بالصلاة". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث ابن عمر، وحديث عبد الله بن زيد حديث حسن صحيح، وقد روى هذا الحديث إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق أتم من هذا الحديث وأطول وذكر فيه قصة الأذان مثنى

стр. 1486

مثنى والإقامة مرة. وعبد الله بن زيد هو ابن عبد ربه ولا نعرف له عن رسول الله ﷺ شيئًا يصح إلا هذا الحديث الواحد في الأذان. وعبد الله بن زيد بن عاصم المازني له أحاديث عن النبي ﷺ وهو عم عباد بن تميم. * الكلام عليه: حديث عبد الله بن زيد أخرجه أبو داود كاملًا مطولًا وأخرجه الإمام أحمد وزاد فيه أحمد: فكان بلال مولى أبي بكر يؤذن بذلك ويدعو رسول الله ﷺ : إلى الصلاة. قال: فجاءه فدعاه ذات غداة إلى الفجر فقيل له: إن رسول الله نائم. قال: فصرخ بلال بأعلى صوته: الصلاة خير من النوم. قال سعيد بن المسيب: فأدخلت هذه الكلمة في التأذين إلى صلاة الفجر. وحديث ابن عمر أخرجه البخاري ومسلم. وقول الترمذي: وقد روى هذا الحديث إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق يعني حديث عبد الله بن زيد وطريق إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق المطولة التي أشار إليها عند أبي داود. وقد أخرجه ابن ماجة من حديث سلمة عن ابن إسحاق وفيه: ثنا محمد بن إبراهيم، وفيه بعد قول عمر: يا رسول الله والله لقد رأيت مثل الَّذي رأى. قال أبو عبيد وأخبرني أبو بكر الحكمي (١) أن عبد الله بن زيد الأنصاري قال في ذلك:

стр. 1487

أحمد الله ذا الجلال وذا الإكرام ... حمدًا على الأذان كثيرًا إذ أتاني به البشير من الله ... فأكرم به لدي بشيرًا في ليال والى بهن بمنى ثلاث ... كلما جاء زادني توقيرًا وذكر البيهقي عن ابن خزيمة أنَّه قال؛ وخبر محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه عن أبيه ثابت صحيح من جهة النقل ومحمد بن عبد الله بن زيد سمعه من أبيه ومحمد بن إسحاق سمعه من محمد بن إبراهيم التيمي وليس هو مما دلسه ابن إسحاق. وقد روينا حديث ابن عمر من طريق عبد الله بن نافع عن أبيه عن ابن عمر: أن بلالًا كان يقول أول ما أذن: أشهد أن لا إله إلَّا الله حي على الصلاة. فقال عمر: قل في إثرها: أشهد أن محمد رسول الله فقال رسول الله ﷺ : "قل كما أمرك عمر". أخبرنيه الحافظ أبو محمد عبد الحق بن خلف الدمياطي قال أنا أبو محمد عبد الله بن الحسين بن رواحة الأنصاري قال أنا الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد السلفي قال أنا القاضي أبو رجاء بندار بن محمد بن أحمد بن جعفر الخلقاني أنا أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي بكر محمد بن أبي علي الهمداني أنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان قال: ثنا محمد بن يحيى ثنا بندار ثنا أبو بكر الحنفي عن عبد الله بن نافع فذكره. أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه"، وقد قال النسائي: عبد الله بن نافع متروك الحديث. وروينا من طريق أبي محمد بن حيان بالسند المتقدم من جهة إبراهيم بن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال: الأذان نزل على رسول الله ﷺ مع فرض الصلاة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ

стр. 1488

فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾، رواه عن علي بن الحسن بن سالم الرازي كتابة ثنا مسروق عن إبراهيم بن المنذر عن عبد العزيز بن عمران عنه. وقد روي أن ابتداء الأذان كان ليلة الإسراء في خبر رويناه من طريق الحافظين أبي محمد بن حيان وأبي القاسم الطلحي واستغربه الطلحي وإسناده ضعيف. وأما حديث ابن عباس ففيه عبد العزيز بن عمران وغيره ممن لا تقوم به حجة. وأحاديث الباب تتعلق بها فوائد: الأولى: عبد الله بن زيد، اثنان من الأنصار من بني مازن، رويا عن النبي ﷺ . فأحدهما ابن عبد ربه صاحب حديث الأذان والآخر ابن عاصم له أحاديث في الوضوء وصلاة الاستسقاء وغير ذلك. وقد نُسب بعض المتقدمين إلى الوهم حيث جعل حديث الأذان لابن عاصم قاله البخاري عن سفيان بن عيينة قال: ولم يصنع شيئًا. الثانية: قال الترمذي: وهو عم عباد بن تميم وكذا وقع في أحاديث ابن عاصم من طريقه عن عباد بن تميم عن عمه عبد الله بن زيد فأوجب ذلك لبعضهم أن نسب عبادًا فقال: ابن تميم بن زيد بن عاصم ورفعه إلى مازن، كذلك فعل الكلاباذي وغيره وليس كذلك وإنما عبد الله بن زيد أمه أم عمارة نسيبة تزوجها زيد فولدت له عبد الله وحبيبًا ثم خلف عليها غزية بن عمرو بن عطية بن خنساء بن مبذول بن صحر بن غنم بن مازن بن النجار فولدت له تميمًا وأبا حنة -وقيده بعضهم بالنون وبعضهم بالباء- فهو عمه بمعنى أنَّه زوج أمه (١) كذلك ذكره محمد بن سعد وغيره. الثالثة: قال القاضي أبو بكر بن العربي ﵀ وعجبًا لأبي عيسى يقول: حديث ابن عمر صحيح وفيه: أن النبي ﷺ أمر بالأذان لقول عمر وإنما أمر به لقول

стр. 1489

عبد الله بن زيد. انتهى. وحديث ابن عمر هذا قد أخرجه البخاري ومسلم وأبو عوانة في "صحيحه" وغيرهم من أهل الصحة، وقال ابن منده في كلام له على هذا الحديث: هذا إسناد مجمع على صحته من حديث ابن جريج، فأي عجب في تصحيح الترمذي إياه [بعد ذلك]. وقد أخرجه الحاكم فيما خرج على كتاب مسلم من رواية محمد بن بكر عن ابن جريج، وهو عند مسلم من رواية حجاج عن ابن جريج فكيف يستدرك عليه وهو عنده؟ الرابعة: قال أهل اللغة: الأذان الإعلام، قال الله تعالى: ﴿وَأَذَانُ مِنَ اللهِ﴾ وقال تعالى: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِنٌ بَيْنَهُمْ﴾، ويقال: الأذان والتأذين [والأذين]. الخامسة: قوله: (يجتمعون فيتحينون الصلوات)، قال القاضي عياض: معناه يقدرون حينها ليأتوا إليها فيه والحين الوقت من الزمان. السادسة: قوله: فقال بعضهم اتخذوا ناقوسًا، قال أهل اللغة: هو الَّذي تضرب به النصارى لأوقات صلواتهم وجمعه نواقيس والنقس ضرب الناقوس ووقع في حديث معاذ بن جبل: أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال فذكر تحويل القبلة ثم قال: وكانوا صحون للصلاة ويؤذن بعضهم بعضًا حتَّى نقسوا أو كادوا ينقسوا ... الحديث. قال أهل اللغة: نقست نقسًا ضربت ضربًا بالناقوس ونقَّست بالتشديد جعلت في الدواة نِقسًا وهو ما يكتب به. السابعة: قوله وقال بعضهم اتخذوا قرنًا مثل قرن اليهود ووقع في بعض الألفاظ الشَبُّور وفي بعضها القُنْعُ: قال: فذكر القُنْعُ يعني: الشبّور، قال الخطابي: قوله القُنْعُ هكذا قاله ابن داسة وحدثناه ابن الأعرابي عن أبي داود مرتين فقال مرة

стр. 1490

القُنْع بالنون الساكنة ومرة القبع بالباء مفتوحة وجاء في الحديث تفسيره أنَّه الشبور وهو البوق وقد سألت عنه غير واحد من أهل اللغة فلم يثبتوه لي على واحد من الوجهين فإن كانت رواية القنع صحيحة فلا أراه سمي إلا لإقناع الصوت وهو رفعه يقال أقنع الرجل صوته وأقنع رأسه أي رفعه. وأما القبع بالباء فلا أحسبه سمي قبعًا إلا أنَّه يقبع فا (١) صاحبه أي يستره يقال: قبع الرجل رأسه في جيبه إذا أدخله فيه وسمعت أبا عمر (٢) يقول: هو القثع بالثاء المثلثة يعني البوق ولم أسمع هذا الحرف من غيره (٣). الثامنة: في اجتماعهم ﵃ وتشاورهم من غير نص دليل على طلب الحق في الدين من غير النصوص الظواهر في المعاني المستنبطة المحمولة على الأصول المنصوصة قاله ابن العربي. التاسعة: المشاورة في مثل هذا من الأمور الدينية المهمة مستحبة في حقنا بإجماع العلماء، وقال بعض متأخري الشافعية: واختلف أصحابنا هل كانت المشاورة واجبة على النبي ﷺ أو مستحبة في حقه والصحيح عندهم وجوبها لقوله تعالى: ﴿وَشَاورْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾. العاشرة: [يستدل به من يجيز الاجتهاد للنبي ﵇ في الشرعيات.

стр. 1491

قال القاضي عياض لكن هذه بالمصالح أشبه لأن القصد الاتفاق على شيء يكون علمًا للاجتماع لئلا يحصل الضرر في التأخر بفوات الجماعة وفي التقدم بتعطيلهم عن مصالحهم هذا معناه]. الحادية عشرة: الرؤيا من الأنبياء ﵈ وحي ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ ومن غيرهم ليست كذلك ولا يبنى عليها حكم شرعي. وكيف انبنى حكم الأذان هنا على رؤيا من رآه من الصحابة ﵃. وقد أجاب عنه بعض العلماء من وجوه ثلاثة: الأول: أنَّه يحتمل أنَّه قيل للنبي ﵇: أنفذها وحيًا فأنفذها. الثاني: أنها كانت مما يتشوق إليها ويميل إلى العمل بها، فأمر بها حتَّى ينظر أيقر عليها أم ينهى عنها. الثالث: أنَّه رأى للأذان نظمًا لا يستطيعه الشيطان ولا يدخل في جملة الوسواس والخواطر المرسلة. ثم أورد على الأول قوله ﵇ لعمر: "فذلك أثبت" يعني لو استند ذلك إلى وحي من الله لاستغنى عن الاستئناس برؤيا عمر. انتهى. وأما الثاني فينبني على مسألة الاجتهاد في الأحكام للنبي ﵇ وقد سبق، وذكر أبو داود في "مراسيله": أن عمر لما رأى الأذان في المنام أتى ليخبر به النبي ﵇ وقد جاء الوحي بذلك فما راعه إلا بلالًا يؤذن فقال له النبي ﵇: "سبقك بذلك الوحي" وهذا يعضد التأويل الأول. الثانية عشرة: وقع في حديث ابن زيد أن النبي ﵇ أمر بالأذان لرؤياه وفي حديث عمر قوله: ألا تبعثوا رجلًا ينادي بالصلاة؟ فقال ﵇: "قم يا بلال فناد بالصلاة"، وظاهره يقتضي التعارض حتَّى حمل ذلك ابن العربي على أن رد حديث عمر وليس كما زعم وطريق الجمع بينهما أن نداء بلال لم يكن إذ أشار به

стр. 1492

عمر على صورة الأذان الشرعي بل لعله على سبيل الإعلام بدخول الوقت وإنما استقر الأذان الشرعي بعد ذلك، ولا يعارض هذا رؤيا عمر لجواز وقوعها بعد ذلك ولا في حديثه أكثر من مطلق النداء. الثالثة عشرة ولما كان الأذان إنما ثبت عن مشورة أوقعها النبي ﵇ بين أصحابه حتَّى استقر برؤيا من رآه منهم فأقره على فعل غيره وهذا أشبه بالمسنون منه بالواجب وكان مما أمر به ﵇ وواظب عليه وهذا شأن الفرض، اختلف السلف في حكمه فقال عطاء ومجاهد والأوزاعي وداود: الأذان فرض ولم يقولوا على الكفاية وكذلك قالوا في الإقامة وأن الإعادة على من تركها عامدًا أو ساهيًا هذا ما حكاه أبو عمر. وقد ذكر عنهم الماوردي تفصيلًا في ذلك فحكى عن مجاهد أن الأذان والإقامة واجبان عنده معًا لا ينوب أحدهما عن الآخر فإن تركهما أو أحدهما فسدت صلاته. وقال الأوزاعي: الأذان إن كان وقت الصلاة باقيًا أعاد ولم يعد إن كان فائتًا. وقال عطاء: الإقامة واجبة دون الأذان فإن تركها لعذر أجزأه وإن كان لغير عذر قضى، وقال آخرون. الأذان فرض على الكفاية، واختلف أصحابنا في الأذان والإقامة أهما سنتان أم فرضا كفاية على ثلاثة أوجه: أصحها: أنهما سنتان، والثاني: أنهما فرضا كفاية، والثالث: أنهما مسنونان في غير الجمعة وفرض كفاية في الجمعة. قال ابن عبد البر: وجملة القول في الأذان أنَّه عند مالك وأصحابه سنة مؤكدة واجبة على الكفاية وليس بفرض وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. قال: وتحصيل مذهب مالك في الإقامة أنها سنة أيضًا مؤكدة إلا أنها أوكد من الأذان عنده وعند أصحابه ومن تركها فهو مسيء وصلاته مجزئة وهو قول الشافعي وسائر الفقهاء فيمن ترك الإقامة أنَّه مسيء بتركها ولا إعادة عليه.

стр. 1493

الرابعة عشرة: فعلى هذا إذا قيل بوجوبه على الكفاية، فاتفق أهل بلد على تركه قوتلوا، وإن قيل: أنَّه سنة، هل يقاتلوا أو لا؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأن في تركه ذريعة إلى ترك السنن، وإبطالها. والثاني: لا، بل ...... (١) لأنهم لو قوتلوا لخرج عن حد المسنون إلى الواجب. الخامسة عشرة: في محل الأذان وهو يختص من الصلوات فرائضها فليس في غير المفروضة أذان ولا إقامة سواء فيه الصلاة التي تسن لها الجماعة كالعيدين، والكسوفين، والاستسقاء، والتي لا تسن كصلاة الضحى، ولكن ينادى لصلاة العيدين والكسوفين والاستسقاء: الصلاة جامعة وكذلك لصلاة التراويح إذا أقيمت جماعة. واختلف أصحابنا في صلاة الجنازة هل ينادى لها كذلك أو لا؟ وحكى ابن شاس عن مذهب مالك: ولا أذان في غير المفروضة كصلاة الكسوف والاستسقاء والجنائز وصلاة العيد ولا ينادى لها: الصلاة جامعة. روى أبو الأحوص عن سماك عن جابر قال: صليت مع رسول الله ﷺ العيد غير مرة ولا مرتين بغير أذان ولا إقامة. لفظ رواية مسلم. وقد كان بنو أمية أحدثوا من الأذان والإقامة لصلاة العيدين ما نسبوا فيه إلى البدعة، ثم انقرض. وروى ابن جريج قال أخبرني عطاء عن ابن عباس وعن جابر بن عبد الله الأنصاري قالا: لم يكن يؤذن يوم الفطر ولا يوم الأضحى. وسألت بعد ذلك فأخبرني قال أنا جابر بن عبد الله الأنصاري أن لا أذان للصلاة يوم الفطر حتَّى يخرج الإمام ولا بعدما يخرج ولا إقامة ولا نداء ولا شيء. وعن ابن جريج أيضًا قال أخبرني عطاء أن ابن عباس أرسل إلى ابن الزبير أول ما بويع له أنَّه لم يكن يؤذن للصلاة يوم الفطر فلا تؤذن لها. قال: فلم يؤذن لها ابن

стр. 1494

الزبير يومئذ ... الحديث. وروى ابن شهاب عن عروة عن عائشة أن الشمس كسفت على عهد سول الله ﷺ فبعث مناديًا بالصلاة جامعة فاجتمعوا. وروى يحيى بن أبي كثير قال أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن عن غير عبد الله بن عمرو بن العاص أنَّه قال: لما انكسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ نودي بالصلاة جامعة. الحديث. كلها عند مسلم. السادسة عشرة: ويختص أيضًا الرجال دون النساء، وفي جماعة النساء ثلاثة أقوال: أصحها، وهو المنصوص عليه في "الأم" و"المختصر": أنَّه يستحب لهن الإقامة دون الأذان. والثاني: لا أذان ولا إقامة. أما الأول: فلما يحتاج إليه الأذان من رفع الصوت وما يخشى من الافتتان من ذلك. وأما الثاني: فلأن الإقامة تبع للأذان. والثالث: استحبابهما معًا روينا عن طريق ابن حيان بالسند المتقدم قال ثنا ابن صاعد ثنا ابن عبد الرحيم البرقي ثنا عمرو بن أبي سلمة قال: سألت ابن ثوبان: هل على النساء إقامة؟ فحدثني أن أباه حدثه قال: سألت مكحولًا فقال: إذا أذن وأقمن فذلك أفضل، وإن لم يزدن على الإقامة أجزأت عنهن. قال ابن ثوبان: فإن لم يقمن، فإن الزهري حدث عن عروة عن عائشة قالت: كنا نصلي بغير إقامة. قال ابن حيان: وثنا محمد بن عبد الله ابن رستة ثنا لوين ثنا سويد بن عبد العزيز عن ابن السِمط عن الحكم الأيلي عن القاسم بن محمد عن أسماء بنت أبي بكر أن النبي ﷺ قال: "ليس على النساء أذان ولا إقامة". الحكم هو ابن عبد الله بن سعد الأيلي، قال يحيى بن معين: ليس بثقة ولا مأمون. وقال البخاري: تركوه. وقال النسائي: متروك. وقال ابن المنذر: وروينا عن عائشة أنها كانت تؤذن وتقيم. السابعة عشرة: تختص المؤداة، ففي الفائتة ثلاثة أقوال الجديد أنَّه لا يؤذن لها

стр. 1495

لحديث أبي سعيد في صلاة الخندق ولفظه: فدعا ﵇ بلالًا فأقام للظهر ثم أقام للعصر ثم أقام للمغرب ... الحديث. ولم يذكر فيه أذانًا كذا ذكر الفقهاء من الأصحاب هذا الخبر محتجين به لهذا القول وهو كذلك من طريق ابن أبي ذئب ثنا سعيد بن أبي سعيد عن عبد الرحمن أبي سعيد عن أبيه ... فذكره. رواه النسائي عن عمرو بن علي عن يحيى بن سعيد عنه. وسيأتي بغير هذا اللفظ. الثاني: يؤذن لها وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد. ذكر أبو محمد بن حزم من طريق النسائي حديث أبي سعيد بطريقه عن عمرو بن علي إلى آخره ولفظه: شغلنا المشركون عن صلاة الظهر حتَّى غربت الشمسى يوم الخندق، قال: وذلك قبيل أن ينزل في القتال فأنزل الله بعد: ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِيْنَ الْقِتَالَ﴾، فأمر رسول الله ﷺ بلالًا فأذن للظهر فصلاها في وقتها ثم أذن للعصر فصلاها في وقتها ثم أذن للمغرب فصلاها في وقتها. قال أبو محمد: وهذا الخبر زائد على كل خبر ورد في هذه القصة والأخذ بالزيادة واجب. وروى البيهقي من حديث بشر بن الوليد عن أبي يوسف ثنا ابن أبي أنيسة عن زبيد الإيامي عن أبي عبد الرحمن السلمي عن ابن مسعود قال: شغل المشركون رسول الله ﷺ يوم الخندق عن الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فأمر بلالًا فأذن وأقام فصلى الظهر وأذن وأقام فصلى العصر وأذن وأقام فصلى المغرب وذكر العشاء أيضًا. رواه عن أبي الحسين بن الفضل عن أبي عمرو السماك عن أحمد بن القاسم بن الحسين عنه. وروى البزار من طريق حماد بن سلمة عن عبد الكريم بن أبي المخارق عن

стр. 1496

[مجاهد] عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ شغل يوم الخندق عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فأمر بلالًا فأذن فصلى الظهر ثم أمره فأذن وأقام فصلى العصر ثم أمره فأذن وأقام فصلى الغرب ثم أمره فأذن وأقام ثم صلى العشاء الحديث. قال البزار: لا نعلمه يروى عن جابر بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه، وقد اختلف عن مجاهد فرواه مؤمل من حديث عبد الكريم عن مجاهد عن أبي عبيدة عن عبد الله وهذا الحديث لا نعلمه رواه عن حماد بن سلمة بهذا الإسناد إلا مؤمل. رواه البزار عن محمد بن معمر عن مؤمل وعبد الكريم قد ضعف. هذا في الأذان لكل فائتة فاتته إذا اجتمعت، وقد جاء في الأذان للأول منها فقط والإقامة لما بعدها واحدة واحدة حديث ابن مسعود من طريق أبي عبيدة ابنه عنه بلفظ آخر عند الإمام أحمد والنسائي والترمذي وسيأتي، وفيه الأذان والإقامة للأول والإقامة لما بعدها. وقد ثبت من حديث أبي قتادة خبر النوم في الوادي عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس وفيه: "يا بلال قم فأذن الناس بالصلاة"، فتوضأ فلما ارتفعت الشمس وابياضت قام فصلى رواه البخاري، ولمسلم نحوه. ورواه أبو داود من حديث أبي هريرة فذكر الأذان والإقامة وقال: لم يذكر أحد الأذان في حديث الزهريّ إلا الأوزاعي وأبان العطار عن معمر. وقد ذكر مسلم الحديث فذكر الإقامة ولم يذكر الأذان. ورواه الإمام أحمد وأبو داود من حديث عمرو بن أمية الضمري ولفظ أبي داود: ثم أمر بلالًا فأذن ثم توضؤوا وصلوا ركعتي الفجر ثم أمر بلالًا فأقام الصلاة فصلى بهم صلاة الصبح. ولفظ أحمد: أن رسول الله ﷺ بدأ بالركعتين فركعهما ثم أقام الصلاة فصلى، لم يذكر الأذان. وقد رواه جبير بن مطعم وعمران بن حصين وابن مسعود فذكروا فيه الأذان

стр. 1497

وهي عند أحمد، وحديث ابن جبير عند النسائي وحديث عمران عند أبي داود. ورواه بريد بن أبي مريم عن أبيه قال: كنا مع رسول الله ﷺ الحديث، وفيه: فأمر رسول الله ﷺ المؤذن فأذن ثم أمره فأقام. مختصر وهو عند النسائي. ورواه أبو داود من حديث ذي مخمر وهو ابن أخي النجاشي (١) وكان يخدم النبي ﷺ وفيه ذكر الأذان. الثامنة عشرة: كونه لصلاة الجماعة، وسيأتي حكم المنفرد في باب الأذان للمسافر إن شاء الله تعالى. واشترطوا في الجماعة أن تكون الجماعة الأولى على التفصيل الذي نذكره. قالوا: ومهما أقيمت الجماعة في مسجد فحضر قوم فإن لم يكن له إمام راتب لم تكره لهم إقامة الجماعة فيه كان كان ففيه وجهان أصحهما أنه يكره وبه قال أبو حنيفة، وإذا أقاموا جماعة ثانية مكروهة كانت أو غير مكروهة فهل يسن لهم الأذان؟ حكى إمام الحرمين عن رواية صاحب "التقريب" فيه قولين: أحدهما: لا، لأن كل واحد منهم مدعو بالأذان الأول وقد أجاب بالحضور فصاروا كالحاضرين في الجماعة الأولى بعد الأذان. الثاني: نعم، لأن الأذان الأول قد انتهى حكمه بإقامة الجماعة الأولى، ولكن الأذان الثاني لا يرفع الصوت فيه كيلا يلتبس الأمر على الناس وهذا أظهر. والأول مذهب أبي حنيفة، قال الكرخي في "مختصره": ولا يُؤذن في مسجد له إمام معروف مرتين.

стр. 1498

وروى البيهقي بإسناده إلى الحسين بن حفص عن سفيان عن يونس عن أبي عثمان قال: جاء أنس بن مالك وقد صلينا الفجر فأذن وأقام وصلى بأصحابه في المسجد وقد صلوا فيه. هذا موقوف. ثم رواه من جهة عباس الدوري ثنا الأسود بن عامر ثنا سفيان فذكره. وقال: عن أنس أنه دخل مسجد وقد جمع فيه ومعه نفر فأذن وأقام وأمّهم فيه. وهو موقوف على أنس. التاسعة عشرة: أخذ بعض المالكية من قوله ﵇: "يا بلال قم فناد بالصلاة"، مشروعية الأذان من قيام وأنه لا يجوز الأذان قاعدًا. قال: وهو مذهب العلماء كافة إلا أبا ثور ووافقه أبو الفرج المالكي وهو ضعيف لوجهين: أحدهما: أنه استنبط ذلك من حديث عمر بعد أن قرر في الجمع بينه وبين حديث عبد الله بن زيد أن حديث عمر هذا كان قبل مشروعية الأذان وأن المراد منه الإعلام بدخول الوقت من حيث الجملة وأن الأذان المشروع هو ما في حديث عبد الله بن زيد وكان بعد ذلك. الثاني: ما تقبله لفظة (قم فناد بالصلاة) من المنازعة في المعنى الذي قصد إليه. فلمن لا يرى ذلك أن يقول ليس المراد إلا قم لتذهب إلى موضع بارز يراك الناس فيه ولتسمع من بَعُد من غير تعرض للأذان قائمًا. والمشهور من مذهب الشافعي أنه سنة فلو أذن قاعدًا لغير عذر صح لكن فاتته الفضيلة، وكذا لو أذن مضطجعًا مع قدرته على القيام صح أذانه على الأصح لأن المراد الإعلام وقد حصل. قال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن من السنة أن يؤذن الؤذن قائمًا. وقد روينا عن أبي زيد صاحب رسول الله ﷺ وكانت رجله أصيبت في سبيل الله أنه أذن وهو قاعد.

стр. 1499

وروينا عن أبي محمد بن حيان بالسند المتقدم قال نا عبدان نا هلال بن بشر ثنا عمير بن عمران العلاف ثنا الحارث بن عتبة عن عبد الجبار بن وائل عن أبيه قال: حق وسنة مسنونة، أن لا يؤذن إلا وهو طاهر ولا يؤذن إلا وهو قائم. وروينا عن الطبراني عن إسحاق بن إبراهيم عن عبد الرزاق عن يحيى بن العلاء عن عبد الرحمن بن زياد عن زياد بن نعيم عن زياد بن الحارث الصدائي قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر فحضرت صلاة الصبح فقال: "أذن أخا صُداء"، وأنا على راحلتي، فأذنت. وروى البيهقي من طريق يحيى بن أبي طالب نا عبد الوهاب بن عطاء نا سعيد عن الحسن أن رسول الله ﷺ أمر بلالًا في سفر فأذن على راحلته ثم نزل فصلوا ركعتين ثم أمره فأقام ثم صلى بهم الصبح، قال: هذا مرسل. قال ابن المنذر: ثبت أن ابن عمر كان يؤذن على البعير وينزل فيقيم. الموفية عشرين: في قوله ﵇: "فإنه أندى صوتًا منك" استحباب كون المؤذن حسن الصوت. ومن ذلك ما رويناه من طريق الدارمي وأبي الشيخ بن حيان من حديث سعيد بن عامر ثنا همام عن عامر عن مكحول عن عبد الله بن محيريز عن أبي محذورة أن رسول الله ﷺ أمر بنحو من عشرين رجلًا فأذنوا فأعجبه صوت أبي محذورة فعلمه الأذان. قال ابن حيان ثنا إسحق بن جميل ثنا عمرو بن العباس نا سعيد بن عامر فذكره. ورواه الدارمي عن أبي الوليد الطيالسي وحجاج بن منهال عن همام، هذا على شرط مسلم لتفرده بعامر الأحول، ورواه ابن خزيمة في "صحيحه". وقال الشافعي: وأحب أن يكون يعني المؤذن صيتًا حسن الصوت لأن الحسن

стр. 1500

الصوت أرق لسامعيه، وقال الفقهاء من أصحابه: فلو وجد مؤذن حسن الصوت يطلب على الأذان رزقًا وغير حسن الصوت يتبرع بالأذان فأيهما يؤخذ؟ فيه وجهان أصحهما يرزق حسن الصوت وهو قول ابن سريج. قال الزبير بن بكار: كان أبو محذورة أحسن الناس أذانًا وأنداهم صوتًا، ولبعض شعراء قريش في أذان أبي محذورة: أما ورب الكعبة المستورة ... وماتلا محمد من سورة والنغمات من أبي محذورة ... لأفعلن فعلةً مذكورة الحادية والعشرون: وقوله: "أو أمد صوتًا منك" فيه رفع الصوت بالأذان، وينبغي للمؤذن أن يرفع الصوت بالأذان، وأن يبالغ ما لم يجهده لأنه أمر بالمجيء إلى الصلاة، فكلما كان أدعى لإسماع المأمورين بذلك كان أولى، ولقوله ﵇ لأبي محذورة: "ارجع فارفع صوتك" وهذا أمر برفع الصوت ولقوله ﵇: "المؤذن يغفر له مدى صوته" أي يستكمل مغفرة الله إذا استنفذ وسعه في رفع صوته فيبلغ الغاية في المغفرة إذا بلغ الغاية في الصوت. وقيل هو تمثيل كأنه يقول لو كان بين المكان الذي يؤذن فيه والمكان الذي يبلغه صوته ذنوب تملأ تلك المسافة لغفرها الله له. وقد قال ﵇: "إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان" الحديث. وطرد الشيطان فعل حسن، قال أبو عمر: وفي هذا الحديث فضل عظيم للأذان، ألا ترى أن الشيطان يدبر منه ولا يدبر من تلاوة القرآن في الصلاة بدليل قوله: "فإذا قضى التثويب أقبل". وروى ابن القاسم وابن وهب عن مالك قال: استعمل زيد بن أسلم على معدن بني سليم وكان معدنًا لا يزال يصاب الناس فيه من قبل الجن، فلما وليهم شكوا ذلك إليه فأمرهم بالأذان وأن يرفعوا أصواتهم به ففعلوا فارتفع ذلك عنهم فهم

стр. 1501

عليه حتى اليوم. قال مالك: وأعجبني ذلك من رأي زيد بن أسلم. وقد رُوي عن عمر في حديث: "فإذا خشيتم شيئًا من ذلك فأذنوا بالصلاة". وروى ابن أبي شيبة عن أبي معاوية عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: قال النبي ﵇: "إذا نادى المؤذن بالأذان هرب الشيطان حتى يكون بالروحاء" وهي ثلاثون ميلًا من المدينة.

стр. 1502

٢٦ - باب ما جاء في الترجيع في الأذان ثنا بشر بن معاذ البصري ثنا إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة أخبرني أبي وجدي جميعًا عن أبي محذورة أن رسول الله ﷺ أقعده وألقى عليه الأذان حرفًا حرفًا. قال إبراهيم مثل أذاننا. قال بشر: فقلت له: أعد عليّ فوصف الأذان بالترجيع. قال أبو عيسى: حديث أبي محذورة في الأذان حديث صحيح. وقد روي عنه من غير وجه وعليه العمل بمكة وهو قول الشافعي. حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى نا عفان نا همام عن عامر بن عبد الواحد الأحول عن مكحول عن عبد الله بن محيريز عن أبي محذورة أن النبي ﷺ علمه الأذان تسع عشرة كلمة والإقامة سبع عشرة كلمة. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. وأبو محذورة اسمه سمرة بن مِعْيَر. وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا في الأذان. وقد روى عن أبي محذورة أنه كان يفرد الإقامة. * الكلام عليه: حديث أبي محذورة من الطريق الأولى في إسناده عبد اللك بن أبي محذورة وقد ذكره ابن حبان في "ثقاته". وإبراهيم بن عبد العزيز عن أبيه وهما مستورا الحال معروفا العين وإن كان حديثهما قد لا يرتقي إلى درجة الصحيح فلذلك قال الترمذي: حديث أبي محذورة

стр. 1503

في الأذان صحيح ولم يقل: هذا حديث صحيح، كما قال في الحديث بعده، اختيارًا منه أن لا يتقلد مثل ذلك، وليس هو كالذي بعده إسنادًا ولا متنًا، لما فيه من الإجمال في قوله: (مثل أذاننا) غير أن أذان المكيين معروف، وسأزيده بيانًا، غير أن الترجيع فيه صريح، وهو مستفاد في الذي بعده من قوله (تسع عشرة كلمة). ومن الطريق الثانية عند مسلم من حديث معاذ بن هشام عن أبيه عن عامر، رواه عن مالك المسمعي وإسحاق بن إبراهيم كلاهما عن معاذ، لكن التكبير فيه مثنى أوله. وكذلك رواه أبو داود من طريق نافع بن عمر الجمحي عن عبد الملك بن أبي محذورة عن ابن محيريز عن أبي محذورة. وقد رواه الدارقطني أيضًا كذلك من حديث إسماعيل بن عياش عن إبراهيم ابن أبي محذورة عن أبيه عن جده وهذا ومثله من حديث ابن عياش ضعيف. وأخرجه النسائي عن إسحاق بن إبراهيم أحد شيخي مسلم فيه بسنده فذكر التكبير أوله مربعًا. وأخرجه الحاكم في مستدركه على مسلم من جهة عبد الله بن سعيد وأبي موسى وإسحاق بن إبراهيم كلهم عن معاذ بن هشام وفي أوله تربيع التكبير، وكذلك رواه غيرهما. وقال ابن القطان: إن الصحيح عن عامر المذكور في هذا الحديث إنما هو تربيع التكبير في الأذان كذلك رواه عن عامر المذكور جماعة منهم عفان وسعيد بن عامر، وحجاج، ورواه عن هؤلاء الحسن بن علي ذكر ذلك أبو داود عنه وبذلك يصح كون الإذان تسع عشرة كلمة. وقد قيده بذلك في نفس الحديث كما قيد فيه الإقامة بسبع عشرة كلمة يزيد عليها الأذان بالترجيع في الشهادتين. قال وقد يقع في بعض روايات [كتاب] مسلم هذا الحديث مربعًا فيه التكبير

стр. 1504

وهي التني ينبغي أن تعد فيه الصحيح وقد ساقه البيهقي في كتابه من رواية إسحاق بن إبراهيم عن معاذ بن هشام عن أبيه بالتكبير مربعًا. ثم قال البيهقي: أخرجه مسلم في الصحيح وإسحاق بن إبراهيم أحد من رواه عنه مسلم. فهو إذن مربع فيه التكبير فاعلم ذلك انتهى كلامه. وعليه فيه مآخذ: الأول: قوله رواه عن عامر جماعة منهم عفان وسعيد بن عامر وحجاج ليس بمُستقيم لم يروه أحد من هؤلاء عن عامر وإنما رووه عن هشام عن عامر كذلك هو في الموضع الذي نقله منه عند أبي داود وعند غيره كما سنذكره. الثاني: أن هذا من تصرفه ترجيح بالأكثر حيث أشار إلى أن طريق مسلم من جهة هشام الدستوائي عن عامر وهذه عمن ذكره عن عامر فترجحت لذلك وليس كما ذكرو إنما طريق مسلم من جهة الدستوائي وطريق أبي داود من جهة همام كلاهما عن عامر فلا أكثرية هنا. الثالث: تناقضه في هذا التصرف فإنه يعترف بأن طرق مسلم كلها عن معاذ اقتضت تثنية التكبير أول الأذان ثم قال: وقد يقع في بعض روايات كتاب مسلم الحديث مربعًا وهي التي ينبغي أن تُعد فيه الصحيح، فأين مراعاة الترجيح بالأكثر هنا ولو اطرد ذلك الترجيح لاقتضى ترجيح التكبير فيه عن عامر وتثنيته عند مسلم. الرابع: حكايته عن البيهقي أنه خرجه من طريق إسحاق بن إبراهيم عن معاذ مربعًا ثم أتبعه البيهقي أن قال أخرجه مسلم في الصحيح ولعل هذا عن البيهقي هو الذي حمله على أن قال: وقد وقع في بعض روايات كتاب مسلم هذا الحديث مربعًا فيه التكبير وليس ذلك شيء؛ لأن البيهقي إنما يشير بذلك إلى أصل الحديث لا إلى الاتحاد في الألفاظ التي عنده وعند من عزا الحديث إلى تخريجه

стр. 1505

جريًا على مصطلح أهل الحديث فذلك شأنهم وعليه بنوا تخاريجهم الحديثية وكتب الأطراف ويلزم الفقيه المستنبط للأحكام من ألفاظ الحديث من الاعتراض في ذلك ما لا يلزم المشير إلى أصل الحديث والتعريف بمخارجه وفي غير موضع تكرر من الحافظ أبي الحسن الاعتراض بذلك وإلزام المحدث فيه ما يلزم الفقيه وقد نبهت على ذلك غير مرة. ولنرجع الآن إلى الكلام على حديث عامر فنقول: الصحيح فيه عن عامر التربيع كما ذكر ابن القطان لكنه لم يسلك طريقًا تخرجه إلى ما أراد وقد رواه عن عامر: همام وهشام الدستوائي وسعيد بن أبي عروبة. فأما حديث همّام فأخبرنا عبد الرحيم بن يوسف الموصلي قراءة عليه وأنا أسمع أن أبا حفص بن طبرزد أخبره قال: أنا أبو الفتح مفلح بن أحمد أنا الحافظ أبو بكر الخطيب قال قرأت على أبي عمر الهاشمي أنا أبو علي بن لؤلؤ أنا أبو داود السجستاني ثنا الحسن بن علي نا عفان وسعيد بن عامر وحجاج المعنى واحد قالوا ثنا همام نا عامر الأحول حدئني مكحول أن ابن محيريز حدئه أن أبا محذورة حدثه أن رسول الله ﷺ علمه الأذان تسع عشرة كلمة فذكر التكبير مربعًا وذكر الترجيع. وقرأت على الحافظ أبي العباس أحمد بن محمد بن الطاهر وعلى غيره أخبركم أبو المنجا عبد الله بن عمر البغدادي قراءة عليه وأنتم تسمعون أنا أبو الوقت قال نا أبو الوليد الطيالسي وحجاج بن منهال قالا نا همام نا عامر عن مكحول أن ابن محيريز حدثه أن رسول الله ﷺ علمه الأذان تسعة عشر كلمة والإقامة سبعة عشر كلمة [ورواه عن همام كرواية من ذكرنا حفص بن عمر الحوضي عند الطبراني وابن المبارك عند النسائي، ورواه عن عفان عن همام كذلك أبو بكر بن أبي شيبة في

стр. 1506

"منده" وهو عند ابن ماجه عنه ومحمد بن يحيى الذهلي عند ابن الجارود] (١). وأما حديث هشام الدستوائي فقرأت على أبي عبد الله محمد بن عبد المؤمن الحنبلي بمرج دمشق أخبركم الشيخان أبو الفخر أسعد بن سعيد بن روح وأم حبيبة عائشة بنت معمر ابن الفاخر الأصبهانيان كتابة منها قالا أخبرتنا أم إبراهيم فاطمة بنت عبد الله الجوزدانية قالت: أنا أبو بكر بن ريذة أنا الطبراني قال نا أحمد بن شعيب أبو عبد الرحمن النسائي ثنا إسحق بن إبراهيم بن راهويه ثنا معاذ بن هشام ثنا أبي عن عامر الأحول عن مكحول عن عبد الله بن محيريز عن أبي محذورة قال: علمني رسول الله ﷺ فقال: "الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدًا رسول الله أشهد أن محمدًا رسول الله ثم تعود فتقول أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدًا رسول الله أشهد أن محمدًا رسول الله حي على الصلاة حي على الصلاة حي علي الفلاح حي على الفلاح الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله". ورواه كذلك عن معاذ بن هشام عن أبيه علي بن المديني عند أبي عوانة يعقوب وأبو موسى عند الترمذي وعبيد الله بن سعيد عند البيهقي [وعبيد الله بن عمر ذكر عند ابن منده، ورواه عن هشام الدستوائي كرواية ابنه معاذ عنه هذه أبو الوليد الطيالسي رويناه من طريق أبي الشيخ ابن حيان بالسند المتقدم. أنا الخزاعي أنا أبو الوليد الطيالسي ثنا هشام ثنا عامر الأحول عن مكحول أن ابن محيريز أخبره أن أبا محذورة أخبره أن رسول الله ﷺ علمه الأذان تسعة عشرة كلمة الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر أرج مرات أشهد أن لا إله إلا الله مرتين أشهد أن محمد رسول الله مرتين حي على الصلاة مرتين حي على الفلاح مرتين الله

стр. 1507

أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والإقامة مثل هذا مثنى مثنى يقول: قد قامت الصلاة. وأما حديث ابن أبي عروبة عن عامر فروينا عن الطبراني في "المعجم الكبير": نا بكر بن سهل الدمياطي نا عمرو بن هاشم البيروتي أنا عبدة بن سليمان عن سعيد بن أبي عروبة وغيره عن عامر بن عبد الواحد عن مكحول عن عبد الله بن محيريز عن أبي محذورة قال: علمني رسول الله ﷺ الأذان تسع عشرة كلمة والإقامة سبع عشرة كلمة. فقد رواه من أصحاب عامر ثلاثة لم يختلف عليهم فيه ومن أصحابهم عفان والطيالسي وحجاج بن منهال وحفص بن عمر الحوضي وسعيد بن عامر وابن المبارك ومعاذ بن هشام عن أبيه وعبدة بن سليمان عن ابن أبي عروبة فهؤلاء ثمانية لم يختلف عليهم أيضًا. ورواه من أصحاب هؤلاء الثمانية الحسن بن علي وأبو موسى محمد بن المثنى وعبد الله الدارمي وأبو بكر بي أبي شيبة ومحمد بن يحيى الذهلي وعلي بن المديني وعبيد الله بن سعيد وعمرو بن هاشم البيروتي وعبيد الله بن عمر على التفصيل الذي ذكرناه. ولم يختلف عليهم أيضًا. ورواه من هذه الطبقة إسحاق بن إبراهيم واختلف عليه كما تقدم. وروى التكبير فيه مثنى أبو غسان مالك بن عبد الواحد وتابعه على ذلك عن معاذ عبد الرحمن بن محمد بن منصور والعباس بن يزيد. قرأت على الحافظ النسّابة أبي محمد الدمياطي ﵀ أخبركم ابن خليل أنا أبو الفتح ناصر بن محمد القطان أنا إسماعيل بن الفضل السراج أنا ابن عبد الرحيم أنا الدارقطني ثنا القاضي الحاملي ثنا العباس بن يزيدح ونا الحسين بن القاسم الكوكبي نا عبد الرحمن بن محمد بن منصور قالا نا معاذ بن هشام قال

стр. 1508

حدثني أبي عن عامر الأحول عن مكحول عن عبد الله بن محيريز عن أبي محذورة أن نبي الله ﷺ علمه هذا الأذان الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدًا رسول الله أشهد أن محمدًا رسول الله ثم تعود فتقول أشهد أن لا إله إلا الله مرتين أشهد أن محمدًا رسول الله مرتين حي على الصلاة مرتين حي على الفلاح مرتين. وعبد الرحمن بن محمد بن منصور بن حبيب أبو سعيد الجاري بصري قال ابن أبي حاتم: كتبت عنه مع أبي وتكلموا فيه سئل أبي عنه فقال: شيخ. وذكره الدارقطني فقال: ليس بالقوي وذكر ابن عدي أنه حدث بأشياء لا يتابعه عليها أحد. قال وسمعت إبراهيم بن محمد يقول: كان موسى بن هارون يرضاه وكان حسن الرأي فيه. قال وأبو محذورة اسمه سمرة بن مِغيَر هذا الذي اختاره الترمذي وقال غيره ويقال أوس بن مِعْيَر ويقال سمرة بن عمير وقيل غير ذلك، أسلم بعد الفتح مات بمكة سنة سبع وخمسين وقيل: سنة تسع وسبعين. والأذان فيه تسع عشرة كلمة بإثبات الترجيع وهو ذكر الشهادتين مرتين قبل الجهر. والترجيع سنة على المذهب الصحيح عند الأكثرين. وقد نقل البيهقي عن الشافعي أنه إذا ترك الترجيع لا يصح أذانه والمذهب الأول لثبوت الأحاديث التي لا ترجيع فيها كحديث عبد الله بن زيد، وإلى أن الأذان تسع عشرة كلمة كما ذكرنا ذهب طائفة من أهل العلم بالحجاز وغيره وقال مالك: هو سبع عشرة كلمة أسقط تكبيرتين من أوله وقال أبو حنيفة وسفيان الثوري: هو خمس عشرة كلمة فأسقطا الترجيع وجعلا التكبير أربعًا. وقال أحمد وإسحاق إثبات الترجيع وحذفه كلاهما سنة، وحكى الخرقي عن أحمد أنه لا يرجع، واحتج لأبي حنيفة وموافقيه في إسقاط الترجيع بحديث ابن

стр. 1509

زيد وما في معناه، ولأصحابنا بحديث أبي محذورة قالوا وهو مرجح على حديث عبد الله بن زيد لوجوه أربعة: الأول: أنه متأخر لأن أبا محذورة كما ذكرنا من مسلمة الفتح. الثاني: أنه تضمن زيادة وهي عن ثقة فيجب قبولها. الثالثة: أن النبي ﷺ لقنه إياه. الرابع: عمل أهل الحرمين بالترجيع. واحتج لمن سوى بين ثبوت الترجيع ونفيه بصحة الأحاديث في ذلك كله والعمل به كله في زمن الصحابة والتابعين ومن بعدهم. فليس عمل أهل المدينة في ذلك بأولى من عمل أهل مكة وقد حجها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان فمن بعدهم من أكابر الصحابة فلم يغيروا ما سمعوه من ذلك ولا بأولى من عمل أهل الكوفة وعمال عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان لها كأبي موسى الأشعري وعبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر والمغيرة بن شعبة وسعد بن أبي وقاص ثم سكنها علي بن أبي طالب ﵃ إلى أن مات ولم يغيروا أذان أهل الكوفة ثم كانت عمال علي ﵇ في البلاد وكل على ما هو عليه فثبت أن الكل سنة صحيحة والله أعلم.

стр. 1510

٢٧ - باب ما جاء في إفراد الإقامة حدثنا قتيبة نا عبد الوهاب الثقفي ويزيد بن زريع عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أنس بن مالك قال: أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة. وفي الباب عن ابن عمر. قال أبو عيسى: حديث أنس حديث حسن صحيح. وهو قول بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين. وبه يقول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق. * الكلام عليه: حديث أنس مخرج في صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما. وحديث ابن عمر: إنما كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ مرتين مرتين والإقامة مرة مرة غير أنه يقول: قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح. والآمر لبلال بشفع الأذان ووتر الإقامة هو النبي ﷺ من غير شك وقد روى البيهقي فيه بالسند الصحيح عن أنس أن رسول الله ﷺ أمر بلالًا أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة لا ما حكى عن بعضهم من أن الامر لبلال بذلك كان من بعد رسول الله ﷺ إذ من المنقول أن بلالًا لم يؤذن لأحد بعد رسول الله ﷺ إلا لأبي بكر، وقيل لم يؤذن لأحد بعد موت رسول الله ﷺ إلا مرة واحدة بالشام لعمر ولم يتم أذانه. وفي لفظة للبخاري وغيره: أمر بلالًا أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة إلا الإقامة يعني إلا قوله قد قامت الصلاة، بيّن ذلك حديث ابن عمر الذي ذكرناه: غير أنه
следующие страницы →