← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16599

النفح الشذي شرح جامع الترمذي ط الصميعي

ابن سيد الناس

Полный текст (2 088 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ابن كعب بن سلمة الأنصاري السلمي، وقيل: النعمان بن ربعي، وقيل: النعمان بن عمرو بن بلدمة وقيل: عمرو بن ربعي بن بلدمة. واختلف في تقييدها؛ فقيل: مهملة الدال وأولها باء (١) ثاني الحروف مفتوحتان، وقيل: مضمومتان، وقيل: بالذال المعجمة مضمومة. قال ابن دريد (٢): البلدمة لحم الصدر ونحوه وهو أيضًا الرجل الثقيل حلّه (!) بالمهملة. وقال أبو عبيد: البلذم بالمعجمة الحلقوم. وقال ابن دريد (٣): هو ما اضطرب من المريء. وقال الأصمعي (٤) في "الفرس": البلدم: هو ما اضطرب من حلقومه ومريئه. وأمه كبشة بنت مطهر بن حرام بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة، اخُتلف في شهوده بدرًا فلم يذكره ابن عقبة ولا ابن إسحاق في البدريين، وشهد أحدًا وما بعدها من المشاهد كُلِّها. وذكر الواقدي (٥) قال: حدثني يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، عن أبي قتادة؛ قال: "أدركني رسول الله ﷺ يوم ذي قرد، فنظر إلي، فقال: اللهم بارك في شعره وبشره، وقال: أفلح وجهك، قلت: ووجهك يا رسول الله؛ قال قتلت

стр. 177

مسعدة؛ قلت: نعم، قال: فما هذا الذي بوجهك، قلت: سهم قد رميت به يا رسول الله! قال: فادن، فدنوت منه فبصق عليه فما ضرب عليَّ قطٌ ولا قاح". وروى من مرسل محمد بن المنكدر (١) ومرسل عطاء (٢) ومرسل عروة: أن رسول الله ﷺ قال لأبي قتادة: "من اتخذ شعرًا فليحسن إليه أو ليحلقه"، وقال له: "أكرم جُمَّتك وأحسن إليها (٣). فكان يرجلها غبًّا" وكان يُقال لأبي قتادة: فارسُ رسول الله [روينا عن النبي] أنه قال: "خير فرساننا أبو قتادة وخير رجالتنا سلمة بن الأكوع" (٤). روي له عن رسول الله ﷺ مئة حديث وسبعون حديثًا اتفقا منها على أحد عشر حديثًا وانفرد البخاري بحديثين وانفرد مسلم بثمانية أحاديث. روى عنه ابنه عبد الله، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن كعب بن نافع، وأبو الجليل صالح بن أبي مريم، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعمرو بن سليم، ومعبد بن كعب بن مالك، وأبو محمد بن نافع مولاه، وعبد الله بن رباح الأنصاري، وعبد الله بن معبد الرماني، وعلي بن رباح وعطاء بن يسار، وعمار مولى بني هاشم. واختلف في وفاته قال أبو عمر: "فقيل: مات بالمدينة سنة أربع وخمسين" وقيل: بل مات في خلافة علي ﵁ بالكوفة وهو ابن سبعين سنة وصلى عليه علي ﵁ وكبر عليه سبعًا. قال الشعبي: وكان بدريًّا.

стр. 178

وقال الحسن بن عثمان: مات سنة أربعين وشهد أبو قتادة مع علي ﵄ مشاهده كلها (١). وقال الواقدي: لم أر بين ولد أبي قتادة وأهل البلد عندنا اختلافًا: أنَّ أبا قتادة توفي بالمدينة سنة أربع وخمسين وهو ابن سبعين، وروى أهل الكوفة أنه توفي بالكوفة وعلي بن أبي طالب بها وهو صلى عليه، فالله أعلم (٢). وقوله: "نهى أنْ يمسَّ الرجلُ ذكره بيمينه" ظاهُر النهي التحريم، وعليه حمله الظاهري فإنه قال: من استنجى بيمينه لا يجزئه لاقتضاء النهي فساد المنهي عنه، وعند الجمهور لا يقتضيه وأيضًا فإن الجمهور صرفوا هذا النهي إلى غير ذات المنهي (٣) عنه وهو احترام المطعوم واليمين والمطلوب الذي هو الإنقاء قد حصل، فيجزئ عندهم لكنه أساء، واللفظ الذي ذكره الترمذي يقتضي النهي عن مس الذكر باليمين مطلقًا، فمن الناس من أخذ بهذا العام. ولفظ مسلم: "لا يمسكنَّ أحدُكم ذكره بيمينه وهو يبول" فقد سبق إلى الفهم أن العام محمول على الخاص، فيختص النهي بهذه الحالة، وهذا هو الظاهر في هذه الصورة؛ فإن الحديثَ واحدٌ والمخرج واحد وكله راجع إلى حديث يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه؛ فزيادة الثقة فيه مقبولة مقيدة بمطلق من لم يزد، وأما إذا اختلف الحديثان فقد يتوجه ذلك في بعض الصور وقد لا يتوجه كما سيأتي في موضعه إن شاء الله. قال الخطابي (٤): "إنما كره مس الذكر باليمين تنزيهًا له عن مباشرة العضو الذي

стр. 179

يكون منه [الأذى والحديث، وكان ﷺ يجعل يمناه لطعامه وشرابه ولباسه ويسراه لما عداها من بقية البدن"] (١). وقد تعرض ها هنا شبهة وتشكل مسألة؛ فيقال: قد نهى عن الاستنجاء باليمين، ونهى عن مس الذكر باليمين، فكيف يعمل إذا أراد الاستنجاء من البول؟ فإنه إن أمسك ذكره بشماله احتاج إلى أن يستنجي بيمينه، وإن أمسكه بيمينه يقع الاستنجاء بشماله، فقد دخل في النهي؟ والجواب: أن الصواب في هذا أن يتوخى الاستنجاء بالحجر الضخم الذي لا يزول عن مكانه بأدنى حركة تصيبه، أو بالجدار، أو بالوضع الثاني، ومن وجه الأرض، وبنحوها من الأشياء؛ فإن أدت الضرورة إلى الاستنجاء بالحجارة والنبل ونحوها، فالوجه أن يأتي لذلك بأن يلصق مقعدته إلى الأرض ويمسك الممسوح بين عقبيه، ويتناول عضوه بشماله فيمسحه به وينزه عنه يمينه. وسمعت ابن أبي هريرة يقول: حضرت مجلس المحاملي وقد حضره شيخ من أهل أصفهان نبيل الهيئة، قدم أيام الموسم حاجًّا، فأقبلت عليه وسألته عن مسألة في الطهارة، فتضجر وقال: مثلي يسأل عن مسائل الطهارة؟! فقلت: لا والله، إن سألتك إلا عن الاستنجاء نفسه. فألقيت عليه هذه المسألة فبقي متحيرًا لا يحسن الخروج منها إلى أن فهمته (٢). قوله: "بالحجارة والنبل"، النبل: حجارة صغار بعد الاستنجاء، وفي الحديث: "اتقوا اللاعن وأعدوا النبل" (٣).

стр. 180

قال أبو العباس القرطبي (١): في النهي عن إمساك الذكر باليمين وعن التمسح في الخلاء باليمين يلزم منهما تعذر، اختلف علماؤنا في كيفية التخلص منه. فقال المازري (٢): يأخذ ذكره بشماله ثم يمسح به حجرًا ليسلم على مقتضى الحديثين. قال: هذا إن أمكنه حجر ثابت أو أمكنه أن يسترخي فيتمسح بالأرض، فإذا لم يمكنه شيء من ذلك، فقال الخطابي (٣): وذكر عنه ما حكيناه، ثم قال: وقد يكون موضع لا يآتى له فيه الجلوس. فقال عياض (٤): أولى ذلك أن يأخذ ذكره بشماله ثم يأخذ الحجر بيمينه فيمسكه أمامه، ويتناول بالشمال تحريك رأس ذكره ويمسحه بذلك دون أن يستعمل اليمين، في غير إمساك على ما يتمسح به. قال أبو العباس (٥): وهذه الكيفية أحسنها لقلة تكلفها ولتأتيها ولسلامتها على ارتكاب منهي عنه، إذ لم يمسك ذكره باليمين ولا تمسَّح به وإنما أمسك ما يتمسَّح به. وسيأتي لهذا مزيد بيان في الكلام على الحديث الذي يلي هذا إن شاء الله تعالى. وقوله: "ولا يتنفس في الإناء" وهو نهي تنزيه كما سبق من باب التأدب

стр. 181

والمبالغة في النظافة (١). قال العلماء (١): إذ قد يخرج مع النفس بصاق أو مخاط أو بخار رديء فيكسبه رائحة كريهة فيتقزز الغير عن شربه أو الشارب نفسه، وهذا كالنهي عن النفخ في الشراب وما أشبهه. ١٢ - باب الاستنجاء بالحجارة حدثنا هناد، نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد؛ قال: قيل لسلمان: "قد علَّمكم نَبيُّكُم كُلَّ شيء حتى الِخراءةَ، فقال سلمانُ: أجلْ نهانا أن نستقبلَ القبلةَ بغائطٍ أو بول، أو أنْ نستنجيَ باليمين، أو يستنجيَ أحدُنا بأقلِ من ثلاثةِ أحجارِ، أو أنْ نستنجيَ برجيع أو بعظمٍ". قال: وفي الباب عن عائشة، وخزيمة بن ثابت، وخابر، وخلاد بن السائب عن أبيه. قال: حديث سلمان حديث حسن صحيح، وهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، ومن بعدهم رأوا أن الاستنجاء بالحجارة يجزئ وإن لم يستنجىِ بالماء إذا اتَّقى أثرَ الغائط والبولِ؛ وبه يقول الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق (٢). قد تقدم في الباب قبل هذا أن مسلمًا أخرج حديث سلمان هذا (٣). وأما حديث عائشة فعند الدارقطني خرَّجه (٤)، وقال: حسن صحيح (٥).

стр. 182

ورواه أيضًا: أحمد (١)، وأبو داود (٢)، وابن ماجه (٣). وذكر الترمذي في "العلل (٤) ": ثنا هناد، ثنا عبدة، عن هشام بن عروة، عن عمرو بن خزيمة المزني، عن عمارة بن خزيمة بن ثابت؛ قال: قال رسول الله ﷺ فذكره. وقال وكيع: عن هشام، عن أبي خزيمة، عن عمارة بن خزيمة، عن خزيمة بن ثابت عن النبي ﷺ . وقال أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن عبد الرحمن بن سعد، عن عمرو بن خزيمة [عن عمارة بن خزيمة] (٥)، عن خزيمة بن ثابت. وقال مالك عن هشام بن عروة عن أبيه، عن النبي ﷺ ، فسألت محمدًا عن هذا؟ فقال: الصحيح ما روى عبدة ووكيع. وحديث مالك، عن هشام صحيح أيضًا، وأبو معاوية أخطأ في هذا الحديث إذ زاد: عبد الرحمن بن سعد. وحديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "الاستجمار توّ، ورمي الجمار توّ، والسعي [بين الصفا والمروة] (٦) توّ، والطواف توّ، وإذا استجمر أحدكم فليستجمر بتوّ". رواه مسلم (٧).

стр. 183

ولجابر ﵁ في الباب حديث آخر رواه أحمد (١): أن النبي ﷺ قال: "إذا استجمر أحدكم فليستجمر ثلاثًا". وحديث خلاد بن السائب عن أبيه؛ قال أبو عمر (٢): قرأت على عبد الوارث بن سفيان أن قاسم بن أصبغ حدثهم: ثنا علي بن عبد العزيز: ثنا هدبة بن خالد: ثنا حماد بن الجعد: ثنا قتادة، حدثني خلاد بن السائب الجهني، عن أبيه السائب: أن نبي الله ﷺ ؛ قال: "إذا دخل أحدكم الخلاء فليستنج بثلاثة أحجار". قال الترمذي (٣): سألت محمدًا عن حديث خلاد بن السائب هذا، فقال: لم أر أحدًا رواه عن قتادة غير حماد بن الجعد، وابن مهدي كان يتكلم في حماد بن الجعد. وفي الباب أيضًا عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : "الاستنجاء بثلاثة أحجار وبالتراب إذا لم يجد حجرًا ولا يستنجي بشيء قد استُنجي به مرة". رواه البيهقي (٤) وفي إسناده عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي. قال البيهقي: تكلموا فيه يروي عن قوم مجهولين (٥). وفي الباب عن سهل بن سعد ﵁ أن النبي ﷺ ، قال: "أولًا يجد أحدكم حجرين للصفحتين وحجرًا للمسربة". رواه الدارقطني (٦) وقال: إسناده حسن.

стр. 184

وفي الباب عن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: أتي النبي ﷺ الغائط فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار. الحديث: رواه البخاري (١) وأحمد (٢) والدارقطني (٣). وفي الباب عن أبي هريرة؛ قال: اتبعت النبي ﷺ وخرج لحاجته فكان لا يلتفت فدنوت منه، فقال: "ابغني أحجارًا أستنفض بها أو نحوه، ولا تأتني بعظم ولا روث". الحديث رواه البخاري (٤). وعن أبي هريرة أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ : ". . . مثل الوالد -وفيه كان يأمر بثلاثة أحجار وينهى عن الروث والرمة". رواه الإمام أحمد (٥)، وأبو داود (٦)، والنسائي (٧)، وابن ماجه (٨). وفي الباب عن طاوس؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أتى أحدكم البراز فليكرم قبلة الله فلا يستقبلها ولا يستدبرها ثم ليستطب بثلاثة أحجار أو ثلاثة أعواد أو ثلاث حثيات من تراب، ثم ليقل الحمد لله الذي أخرج ما يؤذيني وأمسك عليَّ ما ينفعني". رواه الدارقطني (٩) كذا مرسلًا.

стр. 185

وروى بعضه مرفوعًا عن ابن عباس وضعف من رفعه وقد تقدم. وفي الباب عن أبي أيوب، قال ابن عبد البر (١): حدثنا خلف بن القاسم: ثنا أبو الفوارس أحمد بن محمد: ثنا الربيع بن سليمان: ثنا بشر بن بكر؛ ثنا الأوزاعي: ثنا عثمان بن أبي سودة؛ قال: حدثني أبو شعيب الحضرمي؛ قال: سمعت أبا أيوب الأنصاري الذي نزل عليه رسول الله ﷺ يقول: قال رسول الله ﷺ : "إذا تغوط أحدكم فليستنج بثلاثة أحجار فإن ذلك طهوره". وكُلُّ هذه الأحاديثُ -من حديث أنس بن مالك وإلى حديث أبي أيوب- ليس بما أشار إليه الترمذي. قال القاضي عياض ﵀ في "مشارق الأنوار (٢) ": والاستنجاء إزالة النجو وهو الأذى الباقي في فمِّ المخرج، وأكثر ما يستعمل في الأحجار، وأصله من النجو وهو القشر والإزالة، وقيل: من النجو وهو ما ارتفع من الأرض لاستتارهم وقيل: لارتفاعهم وتجافيهم عن الأرض عند ذلك. وقال ابن سيده (٣): والنجو: ما يخرج من البطن من ريح أو غائط، وقد نجا الإنسان والكلب نجوًا، والاستنجاء: الاغتسال بالماء من النجو والتمسح منه بالحجارة. وقال كراع: هو قطع الأذى بأيهما كان ونجا غصون الشجرة واستنجاها قطعها (٤). انتهى كلامه.

стр. 186

واعلم: أن استفعل تكون متعدية وغير متعدية، فالمتعدية نحو استنجيت الشيء، وغير المتعدية نحو استقدم واستأخر، وتكون مبنية من فعل متعد وغير متعد؛ فالمبنية من متعد نحو استعصم أو استعلم هما مبنيان من عصم وعلم، والمبنية من غير المتعدي نحو استحسن واستفتح هما مبنيان من حسن وفتح. ولها خمسة معان؛ * إحداها: الإصابة؛ كقولك استجدته أي أصبته جيدًا، واستكرمته واستعظمته أصبته كريمًا وعظيمًا. * والثاني: الطلب؛ كقولك استعطيته العطية واستعتبته؛ أي: طلبت له العتبى، واستفهمته أي: طلبت منه أن يفهمني. * والثالث: التحول من حال إلى حال نحو استنوق الجمل واستتيست الشاة. * الرابع: معنى تفعّل؛ كقولهم تعظم واستعظم وتكبر واستكبر. * والخامس: معنى فعل؛ كقولك مرّ واستمرّ وقرّ واستقرّ. فأما الاستنجاء ها هنا؛ فهو من المعنى الثاني الذي هو الطلب كيف ما قدرته إن كان من باب الإزالة والقطع والقشر، كما ذكره كراع وعياض، أو من النجو؛ يريد المكان المرتفع الذي يصلح لارتياد ذلك؛ فهو طلب للإزالة أو طلب المكان الصالح للإزالة، وإن كان النجو هو نفس الخارج كما ذكره ابن سيده فهو أيضًا كذلك من باب الطلب له والتتبع بالآلة المقصودة لإزالته من ماء أو حجر. والخراءة؛ قال القاضي في "المشارق (١) ": هي هيئة جلسة المتخلي لقضاء الحاجة، أو صفة التنظف منه.

стр. 187

وأجل؛ بمعنى انعم؛ بفتح الهمزة والجيم وتخفيف اللام والسكون. قال الأخفش: إلا أنه أحسن من نعم في الخبر، ونعم أحسن منه في الاستفهام؛ وهما لتصديق ما قبلهما مطلقًا نفيًا كان أو إيجابًا، وبلى: ليست كذلك. قال الجوهري (١): بلى؛ إيجاب لما يقال لك لأنهما ترك للنفي، وربما ناقضتها نعم؛ فإذا قال: ليس لك وديعة، فتقول: نعم؛ تصديق له، وقولك: بلى؛ تكذيب له ولكل كلمة مبنية على الوقف. والرجيع: الروث؛ لأنه رجع عن الطعام فصار نجسًا، فعلى هذا يكون استنجاء مضمرًا دل عليه مظهرًا تقديره يستنجي بثلاثة وما قام مقامها ليس فيها رجيع ولا عظم. والثاني: أن الرجيع هو الحجر الذي قد استعمل مرة فصار راجعًا عن الموضع النجس؛ فعلى هذا يكون تقدير الكلام: ويستنجي بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع ولا عظم؛ قاله الماوردي. واستقبال القبلة واستدبارها قد تقدم الكلام فيه. وأما الاستنجاء باليمين؛ فقد سبق في الباب قبل هذا بعضه، وينبغي أن يتقدم ذلك حكم الاستنجاء، أولًا، وما للعلماء فيه من الخلاف، ثم يأتي بعد ذلك حكمه باليمين إذ هو صفة له، والموصوف من حقه أن يتقدم الصفة [و] (٢) إلى وجوب الاستنجاء، ذهب الجمهور.

стр. 188

وقال أبو حنيفة: الاستنجاء غير (١) واجب، ويستدل له في ذلك بحديث أبي سعيد الخير عن أبي هريرة الذي تقدم ذكره في الباب قبل هذا (٢): "من أتى الغائط فليستتر" الحديث، وفيه: "من اكتحل فليوتر؛ من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج، ومن استجمر فليوتر؛ من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج"؛ فلما قرنه بالاكتحال ورفع الحرج عن تاركه دل على عدم الإيجاب؛ من حديث أبي هريرة هذا. رواه الإمام أحمد (٣) وأبو داود (٤) وابن ماجه (٥) كما سبق بيانه. وقد نقل تصحيحه عن أبي حاتم بن حبان (٦) وغيره. وذُكر أبو سعيد الخير في الصحابة (٧). ومع ذلك ففيه مجهولان؛ أحدهما (٨). والثاني: أبو سعيد الخير كما تقدم. وأيضًا فالجواب عن قوله: "ومن لا فلا حرج" لو كان ثابتًا من وجهين؛

стр. 189

أحدهما: أن قوله "من لا" عائد إلى الإيتار فإذا تركه إلى الشفع فلا حرج. الثاني: عائد إلى ترك الأحجار فلا حرج فيه إذا تركه لما هو قائم مقامه. وأما الاستنجاء باليمين: فالجمهور على أن كراهته والنهي عنه للتنزيه لا للتحريم، وقد قال بالتحريم فيه قوم من الظاهرية وغيرهم. قال الحسين بن عبد الله الناصري البغدادي أحد فقهاء الظاهرية في كتابه المسمىَّ بـ "البرهان الواضح بالدليل الراجح": ولا يجزئ الاستنجاء باليمين. قال أصحابنا: ويستحب أن لا يستعين باليد اليمنى في شيء من أمور الاستنجاء إلا لعذر، وقد سبقت الكيفية في الباب قبله وكل ما كان من باب التكريم والتشريف كلبس الثوب ودخول المسجد والسواك والاكتحال وتقليم الأظفار وقص الشارب وترجيل الشعر ونتف الإبط، وغير ذلك مما هو في معناه. والتيامن فيه مستحب كما يستحب التياسر في عكسه كما يأتي بيان ذلك مفصلًا في الكلام على حديث أبي هريرة عند الترمذي (١): أن رسول الله ﷺ قال: "إذا لبستم وإذا توضأتم فابدأوا (٢) بأيمانكم" الحديث. وتقديم اليمين على اليسار من اليدين والرجلين في الوضوء لو خالفهما فاته الفضل وصحَّ وضوءه، خلافًا للشيعة فهو عندهم واجب، ولا اعتداد بخلافهم؛ قاله

стр. 190

الشيخ محيي الدين (١) وقال: واعلم أن من أعضاء الوضوء ما لا يستحب فيه التيامن؛ وهو الأذنان والكفان والخدان بل يُطهَّران دفعةً واحدةً، فإنْ تعذر ذلك كما في حق الأقطع ونحوه، قدَّم اليميَن (٢). وفيه الاستنجاء بالحجارة، وقد تعلق به أهل الظاهر وقالوا: الحجر متعين لا يجزئ غيره. وقد سئل سعيد بن المسيب عن الاستنجاء بالماء فقال: إنما ذلك وضوء النساء (٣). وعن غيره من السلف ما يشعر بذلك (٤) أيضًا. والسنة دلَّتْ على الاستنجاء بالماء كما سيأتي في حديثه بعد هذا بيسير إن شاء الله تعالى، ولعل سعيد بن المسيب ﵀ فهم من أحد غلوًا في هذا الباب بحيث يمنع الاستجمار بالأحجار فقصد في مقابلته أن يذكر هذا اللفظ لإزالة ذلك الغلو وبالغ في إفراده إياه على هذه الصيغة. وقد ذهب بعضُ الفقهاء وهو ابن حبيب من أصحاب مالك إلى أن الاستنجاء بالحجارة إنما هو عند عدم الماء (٥). فإذا ذهب إليه بعض الفقهاء فلا يبعد أن يقع لغيرهم في زمن سعيد، وكذلك غير الحجارة مما يستنجى به من خرق وخشب وغير ذلك كل ذلك قائم مقام الحجارة؛ وإنما المقصود إزالة العين، والتقييد بالحجارة تقييد بالغالب لأنها المتيسرة، فلا يدلُّ

стр. 191

على نفي الحكم عمَّا عداه، ويدلُّ على عدم تعين الحجر نهيه ﷺ عن العظم والبعر والرجيع، ولو كان الحجر متعينًا لنهى عما سواه مطلقًا والذي يقوم مقام الحجر كُلُّ جامدٍ طاهرٍ مزيلٍ للعيِن ليس له حرمةٌ ولا هو جزءٌ من حيوان، قالوا: ولا يشترط اتحاد جنسه؛ فيجوز في القبل أحجار وفي الدبر خرق ويجوز في أحدهما حجر مع خرقتين أو مع خرقة وخشبة أو نحو ذلك. والحديثُ نصٌّ في ثلاثة أحجار وهو محمول عندهم على ثلاث مسحات واستيفاؤها لا بدَّ منه عند أصحابنا. قال الشيخ محيي الدين (١): فلو مسح مرةً أو مرتين فزالت عين النجاسة وجبت مسحةً ثالثة وبهذا قال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور. وقال مالك وداود: الواجب الإنقاء فإنْ حصل بحجر أجزأه، وهو وجه لبعض أصحابنا والمعروف من مذهبنا ما قدَّمناه. قال أصحابُنا: ولو استنجى بحجر له ثلاثةُ أحرف مسحَ بكل حرف مسحةً أجزأه؛ لأنَّ المراد المسحات. والأحجار الثلاثة أفضل من حجر له ثلاثةُ أحرف، ولو استنجى في القُبل والدُبر وجب ستُ مسحاتٍ لكلِّ واحد ثلاثُ مسحات، والأفضل أن تكون ستةُ أحجارٍ فإنْ اقتصرَ على حجر واحد له ستةُ أحرف أجزأه، وكذلك الخرقة الصَفِيْقَة التي إذا مُسحَ بأحد جانبيها لا يصل البللُ إلى الجانب الآخر، يجوز أن يمسح بجانبيها. وإذا حصل الإنقاء بثلاثة أحجار فلا زيادة عليها فإنْ لم يَحُصْل بثلاثةٍ وجبْ رابعٌ فإن حصل الإنقاء به لم تجب الزيادة ولكن يستحب الإيتار بخامس، فإن لم يحصل بالأربعة وجب خامسٌ فإن حصل به فلا زيادة وهكذا فيما زاد حتى يحصل الإنقاء بوتر فلا زيادة وإلا وجب الإنقاء واستحب الإيتار.

стр. 192

قوله: "أو يستنجي برجيع أو عظم" قد تقدم تفسير الرجيع والعلة فيه النجاسة وقد أخذ النبيُّ ﷺ بحجرين وألقى [الروثة] (١) وقال: "هذه ركسٌ" في حديث ابن مسعود، ويلتحق به ما في معناه ولا فرق في النجس بين المائع والجامد فإن استنجى بنجس لم يصح استنجاؤه ووجب عليه بعد ذلك الاستنجاء بالماء ولا يجزئه الحجر لأن الموضع صار نجسًا بنجاسة أَجْنَبْيَّةٍ. [فأما] (٢) العظم فلكونه طعامًا للجن فنبَّه به على جميع المطعومات ويلتحق بها المحترمات كأجزاء الحيوان وأوراق كتب العلم وغير ذلك، وقد علَّل النهي عن الاستنجاء بالرجيع والعظم معًا لكونهما زادٌ للجنِّ. روى أبو داود (٣) من حديث عبد الله بن مسعي قال: قدم وفدُ الجن على النَّبيِّ ﷺ ، فقالوا: يا محمد! انه أُمَّتك أن يستنجوا بعظم أو روثة أو حُمَمَة؛ فإن الله جعل لنا فيها رزقًا؛ قال: فنهى النبيُّ ﷺ . وروى البخاري (٤) من حديث أبي هريرة قال: فقلت: ما بال العظم والروثة؟ قال: "هما من طعام الجن، وإنه أتاني وفد جن نَصِيْبيِنَ ونعم الجن؛ فسألوني الزاد فدعوت الله أن لا يمروا بعظم ولا روثة إلا وجدوا عليها طعامًا". وفي بعض الحديث "فأما الروث فعلف دوابهم". ويؤخذ من هذا الحديث احترامُ أطعمةِ بني آدم وتنزيهها من استعمالها في هذه القاذورات، ووجهه أنه إذا منع من الاستنجاء بالعظم والروث لأنهما زاد الجن وطعامهم فأحرى وأولى زاد الإنس وطعامهم.

стр. 193

والرِمَّة: العظم البالي فالمنع في الرمة معللٌ بما سبق من كونه عظمًا فيجدون عليه طعامًا أو لأنها تتفتت فلا تثبت عند الاستنجاء بها ولا يتأتى بها قطع ما هنالك. وقيل: لأنها تصير مثل الزجاج من حيث ملوسها فلا تقطع شيئًا. والحُمَم: الفحم وقد عُلِّلَ بأنه زاد الجن وهو أيضًا لا صلابة لأكثره فيتفتت عند الاستنجاء ويلوث الجسد وينجسه والدين ينبني على النظافة. قال أصحابنا: ولو استنجى بمطعوم أو غيره من المحترمات الطاهرات فالأصح أنه لا يصح استنجاؤه، ولكن يجزئه الحجر بعد ذلك إن لم يكن نقل النجاسة من موضعها. وقيل: إن استنجاؤه الأول يجزئه مع المعصية، والله أعلم. ١٣ - باب ما جاء في الاستنجاء بالحجرين حدثنا هناد وقتيبة قالا: ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: "خرج النبي ﷺ لحاجته فقال: التمس لي ثلاثة أحجار؛ قال: فأتيته بحجرين وروثة، فأخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال: إنها ركس". قال أبو عيسى: وهكذا روى قيس بن الربيع هذا الحديث عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله نحو حديث إسرائيل. وروى معمر وعمار بن زريق عن أبي إسحاق، عن علقمة، عن عبد الله. وروى زهير، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عبد الله، وروى زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد عن الأسود بن يزيد، عن عبد الله، وهذا حديث فيه اضطراب.

стр. 194

قال: سألت عبد الله بن عبد الرحمن: أي الروايات في هذا عن أبي إسحاق أصح؟ فلم يقض فيه بشيء. قال: وسألت محمدًا عن هذا؟ فلم يقض فيه بشيء؛ وكأنه رأى حديث زهير عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عبد الله أشبه (١) ووضعه في كتاب الجامع (٢). وأصحُّ شيءٍ في هذا عندي حديثَ إسرائيل وقيس، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله؛ لأنَّ إسرائيل أثبت وأحفظ لحديث أبي إسحاق من هؤلاء. وتابعه على ذلك قيس بن الربيع؛ قال: وسمعت أبا موسى محمد بن المثنى يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: ما فاتني الذي فاتني من حديث سفيان الثوري عن أبي إسحاق إلا لما اتَّكلتُ به على إسرائيل لأنه كان يأتي به أتم. قال أبو عيسى: وزهير في أبي إسحاق ليس بذاك لأن سماعه منه بأخرة؛ قال: سمعت أحمد بن الحسن، يقول: سمعت أحمد بن حنبل، يقول: إذا سمعت الحديث عن زائدة وزهير فلا تبالي أن لا تسمع من غيرهما إلا حديث أبي إسحاق. وأبو إسحاق اسمه: عمرو بن عبد الله السبيعي الهمداني، وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه ولا نعرف اسمه. حدثنا محمد بن بشار: ثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن عمرو بن مرة؛ قال: سألت أبا عبيدة بن عبد الله هل تذكر من عبد الله شيئًا؟ قال: لا (٣). * الكلام (٤) عليه: هذا حديث لم يصفه بأكثر من أنه مضطرب لكنه اضطراب لا يمنع من القول

стр. 195

بصحته فقد تضمَّن كلامه أن البخاري أخرج حديث زهير عن أبي إسحاق والبخاري اشترط الصحيح وأنه أخرج (١) حديث إسرائيل عن أبي إسحاق ورجَّح إسرائيل في أبي إسحاق على زهير فهو عنده أصح مما أخرجه البخاري فقد تضمَّن ذلك منه الحكم بصحة مخرجه فهذا تصحيح مع الاضطراب وكثيرًا ما يُعِلُّون بالاضطراب فتبيَّن أنَّ الاضطراب ليس قادحًا على الإطلاق بل منه القادح وغيره فينبغي تمييز القادح من غيره فنقول: قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح (٢): المضطرب من الحديث هو الذي تختلف الرواية فيه فيرويه بعضهم على وجه وبعضهم على وجه آخر مخالف له، وإنما نُسمِّيه مضطربًا إذا تساوت [الروايتان] (٣). أما إذا ترجحت إحداهما بحيث لا تقاويها (٤) الأخرى بأن يكون رواتها أحفظ وأكثر صحبة للمروي عنه أو غير ذلك من وجوه الترجيحات المعتمدة؛ فالحكم للراجح ولا يطلق عليه حينئذ وصف الاضطراب ولا له حكمه، ثم يقع الاضطراب في متن الحديث وقد يقع في الإسناد وقد يقع ذلك من راوٍ واحد وقد يقع من رواة له جماعة، والاضطراب يوجب ضعف الحديث لإشعاره بأنه لم يضبط. قلت: هذه الضوابط في هذا وأمثاله ليست مضطربة اقتضتها الأدلة ولا هي مما أدَّى إليه السبر والتقسيم وإنما هي حكاية عن اصطلاح قوم، وما ذكره الشيخ أبو عمرو: في المضطرب ينبغي أن يكون أحد أقسامه وإلا كان الاضطراب مظنة الضعف أو مظنة الوقف، ولأدى إلى أن لا يقبل مضطرب وليس كذلك.

стр. 196

فأما الاضطراب فإنه يرجع تارة إلى السند وتارة إلى المتن وفي كُلِّ منهما القادح وغيره، فصارت أقسامًا أربعة: * فالأول الحديث يروى عن الثقة عن ثقة مثله تارة وعن من تُكُلِّمَ فيه تارة والراوي عنهما واحد والطرق إليه مختلفة، كما وقع من الاختلاف في الحديث المروي عن عبيد الله العمري وعبد الله أخيه عن الزهري أو غيره من الشيوخ فإنَّ عبيد الله مجمع على قوله وعبد الله مختلف فيه فهذا اضطراب يرجع إلى الإسناد وهو مما يوجب الوهن لأنَّ ناقل الحديث في نفس الأمر أشكلَ علينا ودار الأمر فيه: متفق عليه، ومختلف فيه فلم يثبت عن من نعرف حاله يقينًا بغير شك. * الثاني: الاضطراب الإسنادي غير القادح وهو أن يكون الانتقال فيه من ثقة إلى ثقة كالحديث الذي نحن فيه فقد وصفوه كلهم بالاضطراب وخرج مع ذلك في الصحيح وهو اضطراب يرجع إلى الإسناد، والخلاف فيه على أبي إسحاق بين أبي عبيدة والأسود بن يزيد وعبد الرحمن ابنه وعبد الرحمن بن يزيد وعلقمة وكلُّهم ثقاتٌ فكيف ما انقلبنا انقلبنا (١) إلى ثقة فهذا وأمثاله لا يضر ولا يُعدُّ قادحًا. وأما الراجع إلى المتن؛ فأن تختلف ألفاظه اختلافًا كبيرًا فإن أمكن أن يرد إلى شيء واحد ومعان متقاربة كما في قوله ﵇: "اذهب فقد زوجتكها أو أنكحتكها أو ملكتها" إلى غير ذلك من الألفاظ التي إنْ وقع بينها خلاف في المعنى فيسير محتمل، فهذا اضطراب يرجع وهو غيرُ قادح، وإن اختلف أهل العلم فيما يستنبطونه من تلك الألفاظ بحسب اختلاف معانيها عند بعضهم أو اتفاقها عند بعضهم؛ إذ لولا ذلك الاختلاف اليسير من حيث المعنى عند من رواه لكان الخلف

стр. 197

في ذلك من باب الرواية بالمعنى ولم يكن من باب الاضطراب كما ذكرنا وإن اختلفت مدلولات ألفاظه وتباينت معانيه ولم يمكن أن تردَّ إلى معنىَّ واحد ولا معانٍ يَقرب بعضُها منْ بعض فهذا اضطراب من حيث المتن يوجب التوقف عند تساوي الطرق. وأما ترجيحه لحديث إسرائيل على حديث زهير فلخصوصية لإسرائيلَ بجدِّه أبي إسحاق وإلا بين الرجلين بَوْنٌ. وأما اختصاصه بحفظ حديث جدِّه أبي إسحاق وتقديمه فيه على غيره فغير مدفوع عن ذلك وإلى ذلك ذهب أبو زرعة (١)، قال: "الصحيح عندي حديثُ أبي عبيدة (٢) وروى (٣) إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن إسرائيل، وإسرائيل أحفظهم". قلت: هذا هو المشهور وقد ذكر العجلي (٤)، قال: زكريا بن أبي زائدة من أصحاب الشعبي، وكان ثقةً إلا أنَّ سماعه من أبي إسحاق بأخرة بعد ما كَبُر أبو إسحاق وروايته ورواية زهير بن معاوية وإسرائيل بن يونس قريب من السواء، ويقال: إن شريكًا أقدمُ سماعًا من أبي إسحاق من هؤلاء. وسنذكر من حال كُلٍّ منهما ما يعرف به منزلته ومحله عند أهل العلم. فأما إسرائيلُ: فهو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي أبو يوسف الكوفي أخو عيسى. سمع: جدَّه أبا إسحاق وعبد الملك بن عمير، والمقدام بن شريح، وإسماعيل

стр. 198

ابن عبد الرحمن السُّدي، ومُغيرة بن مُقسم، وسِماك بن حرب، ومنصور بن المعتمر، والأعمش وغيرهم. روى عنه: إسماعيل بن جعفر، ووكيع، وابن مهدي، وأبو نعيم، ويحيى بن آدم، ومصعب بن المقدام، ومحمد بن يوسف الفريابي، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة وغيرهم. قال عيسى بن يونس (١): قال لي إسرائيل: كنث أحفظ حديث أبي إسحاق كما أحفظ السورةَ من القرآن. وقال علي بن المديني (١): سمعت يحيى بن سعيد يقول: إسرائيل بن يونس فوق أبي بكر بن عياش. وقال أحمد بن حنبل (٢): كان شيخًا ثقة، وجعل (٣) يعجب من حفظه وهو أحبُّ إليَّ من سهل لأنه صاحبُ كتاب. وقال يحيى بن معين: هو ثقة (٤). وقال أبو حاتم الرازي (٥): ثقة متقن من أتقن أصحاب أبي إسحاق. وقال شبابة: قلت ليونس بن أبي إسحاق: أملّ عليَّ حديثَ أبيك؛ قال: اكتبه عن إسرائيل؛ فإن أبي أملَّه عليه (٦). وقال أبو بكر بن أبي شيبة (٦): سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: كان

стр. 199

إسرائيل في الحديث لصًّا؛ يعني: أنه يتلقَّف العلم تلقفًا. ولد: سنة مئة (١) ومات سنة ستين (٢) وقيل: إحدى (٣)، وقيل: اثنتين وستين ومئه (٤). روى له الجماعة (٥). وأما زهير؛ فهو ابن معاوية بن حُديج بالحاء المهملة المضمومة بعدها دال مهملة مفتوحة، ابن الرحيل بالراء المضمومة، والحاء المفتوحة المهملتين. ابن زهير بن خيثمة بن زهير بن خيثمة بن الحارث بن معاوية بن مالك بن عوف بن سعد بن عوف بن حرم بالحاء المفتوحة والراء المكسورة المهملتين. ابن جعفي الجعفي أبو خيثمة الكوفي سكن الجزيرة. سمع: أبا إسحاق السبيعي وأبا الزبير المكي والأسود بن قيس وهشام بن عروة، وعلي بن زيد بن جدعان، وزياد بن علاقة، وعاصم بن أبي النجود، والأعمش وغيرهم. روى عنه: يحيى القطان، ويحيى بن آدم، ويحيى بن يحيى ويحيى بن أبي بكير وأبو نعيم وعبيد الله بن موسى، وعبد الله بن محمد بن نفيل، وأبو داود الطيالسي، وأحمد بن عبد الله بن يونس، وعلي بن الجعد، والحسن بن موسى الأشيب، وأبو الوليد الطيالسي وآخرون. قال يحيى بن أيوب (٦)، عن معاذ بن معاذ: والله ما كان سفيان أثبت من

стр. 200

زهير، فإذا سمعتُ الحديثَ من زهير فلا أبالي أنْ لا أسمعه من سفيان. وقال يحيى بن أيوب (١)، عن شعيب بن حرب: أنه حدثنا يومًا بحديث عن زهير وشعبة، فقيل له: تُقدَّم زهيرًا على شعبة؟ فقال: كان [زهير] (٢) أحفظ من عشرين مثل شعبة. وقال بشر بن عمر: سمعت ابن عيينة يقول: عليك بزهير بن معاوية فما في الكوفة مثله. وقال الميموني (٣): قال أحمد بن حنبل: ليس نجد أحدًا يرفع غير زهير؛ يعني: في المُحرم إذا لم يجد النعلين، وكان زهير من معادن (٤) العلم. وقال صالح (٥): قال أبي: زهير فيما روي عن المشايخ: ثبت بخ بخ، وفي حديثه عن أبي إسحاق: لين، سمع منه بأخرة (٦). وقال يحيى بن معين: ثقة (٧). وقال أبو حاتم (٨): زهير أحبُّ إلينا من إسرائيل في كُلِّ شيءٍ إلا في حديث

стр. 201

أبي إسحاق، قيل لأبي حاتم: فزائدة وزهير؛ قال: زهير أتقن من زائدة، وما أشبه حديث زهير بحديث زيد بن أبي أنيسة وهو أحفظ من أبي عوانة، وهما يوازيان، إذا حدَّثا من كتابها لم أبال بأيهما بطشت، وإذا حدَّثا من حفظهما فزهير أحبُّ إليَّ. وزهير ثقةٌ متقن صاحب سنة تأخر سماعه من أبي إسحاق وزهير أحبُ إليَّ من جرير بن عبد الحميد، وخالد الواسطي. قيل لأبي حاتم: زهير وحديج ورحيل؛ قال: كانوا ثلاثة أخوة وأوثقهم زهير ثم رحيل (١). وسئل أبو زرعة عن زهير فقال: ثقة إلا أنه سمع من أبي إسحاق بعد الاختلاط (٢). وقال ابن منجويه: مات زهير سنة سبع ومئة وكان حافظًا متقنًا وكان أهل العراق يُقدِّمونه في الإتقان على أقرانه (٣). وقال أحمد بن عبد الله العجلي: مأمون (٤). وقال مطين: مات سنة اثنتين وسبعين ومئة، وقيل: سنة ثلاث وسبعين وأُخْبِرتُ أنه قَدِمَ الجزيرة فلم يزل مقيمًا بها حتى مات (٥). وقال الخطيبُ: حدَّث عن زهير بن معاوية: ابنُ جريج، وعبد السلام ابن

стр. 202

عبد الحميد الحراني وبين وفاتيهما سبع، وقيل: ست، وقيل: خمس وتسعون سنة (١). روى له الجماعة، وكان فُلج قبل موته بسنة ونصف فقد ظهر بهذا ترجيح زهير على إسرائيل في المعرفة والحفظ والإتقان في الشيوخ وترجيح إسرائيل عليه في أبي إسحاق خاصةً، فإلى الترجيح المطلق نظر البخاري وإلى الترجيح الخاص نظر الترمذي، وقد كان يشبه أنَّ يكون الترمذي أولى بالصواب لولا أنَّ في حديث أبي عبيدة علَّةُ الانقطاع التي سلم منها حديث زُهير، فقد قيل: إنَّ أبا عبيدة لم يسمع من أبيه عبد الله شيئًا؛ ذكر ذلك غيرُ واحدٍ منْ الحفاظ منهم الترمذي وغيره. ووجهٌ ثان من ترجيح حديث زهير: يستفاد من الكيفية التي وقع الإخبار بها عند البخاري وغيره ممن خرَّجه؛ وهي قول أبي إسحاق: ليس أبو عبيدة ذكره ولكن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه، فقد اقتضى هذا استحضار أبي إسحاق للسندين عند إرادة التحديث، واختياره حديث عبد الرحمن بن الأسود وأنَّ ذلك صدر عن يقظة وتثبت وإضراب عن حديث أبي عبيدة على عَمَد وأنه آخرُ الأمرين من أبي إسحاق لا سيما عند من يرى أنَّ سماعَ زهيرٍ منه متأخرٌ عن سماع إسرائيل، فلولا شبهة اختلاط أبي إسحاق بأخرة لكانت هذه الرواية قاضية على تلك ولتعيَّن المصير إليها. ولعلَّ عدوله عن حديث أبي عبيدة إنما هو للانقطاع الذي ذكره الترمذي، وأما ما زعمه ابن الشاذكوني من أنَّ ذلك من خفي التدليس (٢) وتبعه على هذا القول من قلَّده فيه فقول بلا برهان وسيأتي الكلامُ عليه إن شاء الله تعالى. وأيضًا فحديثُ زهيرٍ أشهر مخرجًا رواه البخاري عن أبي نعيم عنه (٣)؛ والنسائي (٤)

стр. 203

عن أحمد بن سليمان، عن أبي نعيم وابن ماجه (١)، عن أبي بكر بن خلاد، عن يحيى بن سعيد كلهم عن زهير. ورواه البيهقي (٢) من حديث أبي نعيم وأحمد بن يونس عنه، وحديث إسرائيل، عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة، عن عبيد الله، عن عبد الله ذكره الترمذي (٣). ورواه أيضًا الدارقطني من حديث عيسى بن جعفر وعبيد الله بن موسى وأبي أحمد الزبيري وغيرهم كُلُّهم عن إسرائيل (٤) فهذا وجه ثالث. ووجه رابع: حديث زهير غير مختلف عليه فيه كما ذكره البخاري وغيره، وحديث إسرائيل مختلف عليه فيه، فقد ذكرنا أنَّ الدارقطني رواه من طريقه كرواية الترمذي وقد رويناه من طريق أبي عبد الله محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني في "مسنده"؛ قال: ثنا سفيان، عن إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق، عن جدِّه أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله؛ قال: "ناولت النَّبي ﷺ حجرين وروثة فأخذ الحجرين ورمى الروثة، وقال: إنَّها ركس"، يعني: رجيع، فهذا عن سفيان، عن إسرائيل مخالف لرواية الترمذي عن وكيع عنه. وقد ذكر الدارقطني (٥) أنَّ عباد بن ثابت القطواني وخالد [العبد] (٦) روياه عن إسرائيل عن أبي إسحاق، عن علقمة، عن عبد الله؛ فهذا طريق ثالث.

стр. 204

وذكر الحاكم عن علي بن المديني، قال: كان زهير وإسرائيل يقولان عن أبي إسحاق أنه كان يقول: ليس أبو عبيدة حدثنا ولكن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن النبي ﷺ في حديث الاستنجاء بالأحجار الثلاثة (١). وهناك ذكر الحاكم عن ابن الشاذكوني: هذا من التدليس الخفي فإن كان هذا فهمًا فهمه من كلام ابن المديني فليس في كلام ابن المديني ما يدلُّ عليه وإن كان غير ذلك فيحتاج إلى البيان، فلنذكر كلام الشاذكوني بنصه ثم نذكر ما يمكن أنَّ يرد به عليه؛ قال: وما سمعت بتدليس قط أعجب من هذا ولا أخفى (٢): (قال أبو عبيدة لم يحدِّثنا ولكن فلان عن فلان) ولم يقل حدثني فجاز الحديث وسار (٢). وأمَّا ما يمكن أنَّ يردَّ به عليه فنقول: إن كلام سليمان الشاذكوني يقتضي الانقطاع من الطريقين؛ أما طريق أبي عبيدة فلإضراب أبي إسحاق عنها. وأما طريق عبد الرحمن بن الأسود فلما أشار إليه بالتدليس في إبهام السماع الذي لم يقع، والحمل على الاتصال أولى من الحمل على الانقطاع ها هنا. لأنَّ البخاري أورده في صحيحه (٣) المشروط فيه الاتصال من طريق عبد الرحمن بن الأسود ولو كانت هذه الصيغة محمولة عنده على التدليس المؤدِّي إلى الانقطاع لما ذكره. وإن الترمذي أورده في "جامعه " ذاهبًا إلى الاتصال بين أبي إسحاق وأبي عبيد [ة] (٤) بل مرجحًا لهذه الطريق على غيرها ولو احتمل عنده الانقطاع لنبه عليه كما نبه على الانقطاع بين أبي عبيدة وأبيه، ولأن الدَّارمي لما سأله

стр. 205

الترمذي (١) عن طرق هذا الحديث لم يقض بشيء ولو كانت هذه عنده منقطعة لقضى عليها بالانقطاع ولرجح عليها غيرها. الوجه الثاني: أنَّ البخاري رواه تعليقًا فصرح فيه برواية إبي إسحاق عن عبد الرحمن بن الأسود؛ قال البخاري: وقال إبراهيم بن يوسف، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بهذا. ورواه الطبراني في "معجمه الكبير" من حديث شريك، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود (٢). ورواه أيضًا من حديث يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن أبيه، عن [أبي إسحاق عن] (٣) عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه (٤). ورواه عن مطين حدثنا أبو كريب عنه (٥). وهذا إسناد صحيح وإبراهيم بن يوسف الذي علَّق عنه البخاري هو ابن إسحاق بن أبي إسحاق السبيعي. وقد تكلَّم فيه بعضهم وقد احتجَّ به الشيخان والحاكمُ في "مستدركه "وابنُ حبان في "صحيحه". الثالث: أنَّ قوله: "ليس أبو عبيدة ذكره أو حدَّثنا" مع أنَّه قد ذكره عن أبي عبيدة، وحدَّث به عنه كذا رواه عنه قيس بن الربيع وقد وثَّقه شعبه وسفيان

стр. 206

وغيرهما (١)، وسفيان الثوري وهو أوثق أصحابه وأبيه يونس وهو أعلم بحديثه وابن إسرائيل وهو من أحفظ أصحابه لحديثه وغيرهم عن أبي عبيدة. ورواه زهير عنه، عن عبد الرحمن بن الأسود أيضًا (٢). ورواه من ذكرنا في المتابعات إذا علمناه على أنه رواه من الطريقين وحدَّت به مرةً كذا ومرةً كذا وكان معنى قوله في هذه الطريق: ليس أبو عبيدة حدثنا أي بما أرويه لكم الآن، وإنما أحدَّثكم به من طريق عبد الرحمن ليس فيه تناقض وإذا كان حدَّث به عن كل واحدٍ منهما ثمً نبَّه على أنه لم يسمعه من واحد منهما كان في ذلك تناقض يرتفع أبو إسحاق السبيعي عن مثله، والله أعلم. وأما ترجيح أبي زرعة فليس راجعًا إلى المجموع بل هو ترجيح لرواية أبي إسحاق عن أبي عبيدة، على رواية أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود. وقد نقلنا عن أحمد بن عبد الله العجلي: أنهما قريب من السواء (٣). وأما المتابعات فقد ذكر متابعة قيس بن الربيع لإسرائيل على الوجه الذي رواه عنه من طريق وكيع وقد ذكر أبو الحسن الدارقطني روايةَ محمد بن الحسن عن يونس: ثنا أبو إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله (٤)؛ قال: وكذلك روي عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله (٥) وذكر الحديثين -فقد تابع إسرائيلَ أبوه يونس، وقيس بن الربيع، وسفيان الثوري، وهو أثبت الناس في زهير" فتابعه أبو حمَّاد الحنفي وأبو مريم وشريك من رواية الحماني عنه، وزكريا بن أبي

стр. 207

زائدة من رواية ابنه يحيى عنه ذكر ذلك الدارقطني (١). وتابعه أيضًا ليث بن أبي سليم، ذكر حديثه بذلك البيهقي (٢). قال الدارقطني: وروى معمر، وعمار بن زريق، عن أبي إسحاق، عن علقمة، عن عبد الله وكذلك رواه أيضًا أبو شيبة إبراهيم بن عثمان، وورقاء بن عمر، وسليمان بن قرم، وإبراهيم الصائغ، وعبد الكبير بن دينار الصائغ، ومحمد بن جابر، وصباح بن يحيى المزني، وروح بن مسافر كلهم، عن أبي إسحاق، عن علقمة، عن عبد الله؛ ذكر ذلك الشيخ أبو الحسن الدارقطني (٣) وقد تركتُ ذكرَ أحاديثهم اختصارًا غير أنِّي وجدت زيادة حسنة ينبني عليها مسألة اختلف فيها العلماء في رواية معمر، وأبي شيبة فأَثرت ذكرها لذلك. قال الدارقطني: حدثنا المحاملي: ثنا أبو بكر بن زنجويه: ثنا محمد بن إسماعيل بن إسحاق الفارسي: ثنا إسحاق بن إبراهيم الصنعاني؛ قالوا: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن علقمة بن قيس، عن ابن مسعو: أنَّ النبي ﷺ ذهب لحاجة فأمر ابن مسعود أنَّ يأتيه بثلاثة أحجار فجاءه بحجرين وروثة، فألقى الروثة وقال: إنها ركس فأتيني بحجر. قال الدارقطني: هذه زيادة حسنة؛ يعني: قوله: "فأتيني بحجر" وافقه عليها أبو شيبة إبراهيم بن عثمان (٤). حدثنا يوسف بن يعقوب بن إسحاق البهلول: ثنا جدي: ثنا أبي، عن أبي

стр. 208

شيبة، عن أبي إسحاق، عن علقمة، عن عبد الله، قال: "خرجت يومًا مع النبي ﷺ ؛ قال: فأمرني أنَّ آتيه بثلاثة أحجار، فأتيته بحجرين وروثة؛ قال: فألقى الروثة وقال: إنها ركس، فأتني بغيرها" (١). وقد ذكرنا الكلام على رواية زهير. وأما رواية ابن أبي زائدة فمختلف عليه فيها فابنه يحيى يروي عنه، عن أبي إسحاق كرواية زهير وقد أشرنا إليه في متابعات زهير. وسلمة بن رجاء يرويه عن زكريا، عن أبي إسحاق، عن الأسود -لا يدخل بين أبي إسحاق والأسود أحدًا- والفضل بن موسى، وعبد الرحيم بن سليمان، وإسحاق الأزرق، وإسماعيل بن أبان [الغنوي] (٢) وغيرهم. كلهم عن زكريا، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد عن الأسود، وكذلك رواه غير واحد عن سفيان أيضًا. والخلف فيه كبير جدًّا وإنما وقع الكلام فيه على الخلف من الوجه الذي أشار إليه الترمذي خاصة على سبيل الاختصار، وعبد الله بن عبد الرحمن الذي سأله هو أبو محمد الدارمي الحافظ صاحب المسند. وأبو إسحاق السبيعي عمرو بن عبد الله بن علي، ويقال: عمرو بن عبد الله بن عبيد، ويقال: بن عبد الله بن ذي يحمد، ويقال: ابن عبد الله بن أبي شعيرة ويحمد هو أبو شعيرة. وقال السلفي: عمرو بن عبد الله بن عبد؛ بضم العين والدال المهملتين كذا

стр. 209

رأيته بخط شيخنا الحافظ الدمياطي ﵀ الهمداني الكوفي. والسبيع: هو ابن سبع بن صعب بن معاوية بن كثير بن مالك بن جشم بن حاشد بن جشم بن [خيوان] (١) بن نوف بن همدان. قال شريك: ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان بن عفان، ورأى علي بن أبي طالب، وأسامة بن زيد، والمغيرة بن شعبة، ولم يصحَّ له منهم سماع وسمع ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، ومعاوية بن أبي سفيان (٢). قال أحمد بن عبد الله العجلي: كوفي ثقة، سمع (٣) ثمانية وثلاثين من أصحاب النبي ﷺ (٤). وسمع من التابعين عمرو بن ميمون، والأسود بن يزيد، وسعيد بن وهب، وأبا الأحوص عوف بن مالك، ومسروق بن الأجدع، وعبد الرحمن بن يزيد، وعبد الله بن معقل، وعبد الرحمن بن الأسود وغيرهم. روى عنه: سليمان التيمي، والأعمش، ومنصور بن المعتمر، وقتادة، والثوري، وهو أثبت الناس فيه، وإسماعيل بن أبي خالد، ومسعر، وعمار بن زريق وغيرهم. قال شعبة: كان أبو إسحاق أحسن حديثًا من مجاهد والحسن، وابن سيرين (٥).

стр. 210

ولم يسمع أبو إسحاق من علقمة بن قيس شيئًا (١)، ولم يسمع من حديث الأعور إلا أربعة أحاديث؛ وسائر ذلك إنما هو كتاب أخذه. وقال أبو حاتم: هو ثقة وأحفظ من أبي إسحاق الشيباني (٢)، ويشبَّه بالزهري في كثرة الرواية (٣). وقال أحمد بن حنبل: هو ثقة ولكن هؤلاء الذين حدثوا عنه بأخرة (٤). وقال يحيى بن معين: هو ثقة (٥). وقال علي بن المديني: لم يرو عن هبيرة بن يريم، وهانئ بن هانئ؛ إلا أبو إسحاق وقد روى عن سبعين أو ثمانين لم يرو عنهم غيره وأحصينا مشيخته نحوًا من ثلاث مئة أو أربع مئة شيخ (٦). قال سفيان: مات سنة ست وعشرين (٧). وقال يحيى: سنة سبع وعشرين (٨). وقال أبو نعيم: سنة ثمان وعشرين (٩).

стр. 211

وقال عمرو بن علي: سنة تسع وعشرين (١). روى له الجماعة (٢). وأما أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، فقال (٣): لم يوقف على اسمه. وقد ذكر أنَّ اسمه عامر، وقيل: اسمه كنيته. سمع: أبا موسى الأشعري وأكثر الرواية عن أبيه، ولم يسمع منه. وروى عن كعب بن عجرة، وعمرو بن الحارث. روى عنه: عمرو بن مرة، وأبو إسحاق السبيعي، وإبراهيم بن يزيد النخعي، ونافع بن جبير، وأبو مجلز، وسلمة بن كهيل وغيرهم. قال عبد الغني: روى له الجماعة إلا البخاري (٤). وقال غيره: روى البخاري محتجًا به. قوله: (إنها ركس). قال القاضي: كقوله رجيع؛ يعني: نجسًا؛ لأنها أركست أي: ردت في النجاسة بعد أن كانت طعامًا (٥). ضمَّن الحديث العدد فيما يُستنجى به وطهارة ما يستنجى به وفي كل من المسألتين خلافُ بين العلماء.

стр. 212

قال الرافعي: وقد ذكر حديث سلمان: "أمرنا رسول الله ﷺ أن لا نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار". وظاهر الأمر الوجوب فيجب رعاية العدد. وعند أبي حنيفة: الاستنجاء مستحب من أصله والعدد غير مستحب فيه وإنما الاعتبار الإنقاء. وقال مالك: إذا حصل الإنقاء بدون الثالث كفى (١). وهذا الحديث وإن كان في بادئ الرأي يقتضي اشتراط العدد في الأحجار فليس يقتضي ذلك إذا حقق بل إذا أنعم النظر فيه اقتضى عدم الاشتراط لأن النبي ﷺ لما طلب الثلاثة وتعذر عليه استعمال الثالثة فرمى بها لم تكن الثالثة شرطًا إذ لو كانت شرطًا لطلب عوضها. وأما رواية معمر التي ذكرناها "فألقى الروثة، وقال: إنها ركس، فأتني بحجر". ورواية أبي شيبة عن أبي إسحاق: فأتني بغيرها، فكلاهما من رواية أبي إسحاق عن علقمة بن قيس، ولم يسمع منه شيئًا، فلا تقوم بها حجة وقد ذكرنا ذلك في ترجمة أبي إسحاق السبيعي. وقال الحافظ أبو القاسم بن عساكر: قرأت بخط النسائي: أبو إسحاق لم يسمع من علقمة. وكذلك قال ابن أبي حاتم، عن أبي زرعة: أبو إسحاق لم يسمع من علقمة (٢).

стр. 213

وقد يستفاد هذا المعنى الذي ذكرته من تبويب الترمذي باب في الاستنجاء بالحجرين لا سيما وقد تقدم عنده باب في الاستنجاء بالحجارة فقصد المغايرة بين الحكمين في البابين ولو صحت عنده الزيادة في طلب الحجر الثالث لدخل حديث هذا الباب في الباب قبله ويبعد أن يقال لعلمه: لم يصر عليها، فإنها من طريق معمر وهو قد نبه في كلامه على هذا الحديث على طريق معمر. وأما طلبه ﵇ الثلاثة أولًا فلعله بطريق الأولوية والتحري أو ليستعمل منها ما تدعو الحاجة إلى استعماله، ويرفض ما عداه أو خشية من أنَّ يقع مثل ما وقع، فاستظهر بطلب زيادة على المقصود لذلك. وأما طهارة ما يستنجى به فمستفاد من تعليله ﵇ إلقاء الروثة بأنها ركس. وقد سبق تفسير الركس بالنجس، وإلى اشتراط الطهارة ذهب مالك والشافعي (١) وغيرهما (٢). ولم يره أبو حنيفة ﵀ شرطًا (٣). واحتج أصحابنا بحديث النهي عن الروث والرمة، وما في معناه، وقالوا: ولأن النجاسة لا تزال بالنجس كما لا يزال بالماء النجس ولا فرق بين نجس العين كالروث وما تنجس بعارض. وقد قال الشافعي ﵀: ولا يستنجى بحجر قد مسح به مرة إلا أن يكون قد طهره بالماء (٤).

стр. 214

قال الرافعي: وله شروط: * أحدها: أنَّ يكون [طاهرًا] (١). * الثاني: أنَّ يكون خشنًا قالعًا للنجاسة فما لا يقلع لملاسته كالزجاج الأملس والقصب، والحديد الأملس، لا يجوز الاستنجاء به لأنه لا يزيل النجاسة وعد من ذلك التراب المتناثر. * والثالث: أنَّ لا يكون محترمًا فلا يجوز الاستنجاء بالمطعومات لحرمتها، والعظم معدود من المطعومات؛ لأنَّ النبي ﷺ نهى عن الاستنجاء بالعظم وقال: "إنه زاد إخوانكم من الجن"، وليس له حكم طعامنا من تحريم الربا فيه وغيره. وعند مالك لا يمنع من الاستنجاء بالعظم الطاهر والخبر حجة عليه (٢). قلت: ليس هذا معروفًا من مذهب مالك بل المستنجَّى به عندهم الماء والحجر وما في معناه (٣)، وهو كُلُّ جامد طاهرٍ خشن ليس بمطعوم ولا ذي حرمة، قالوا: والعظم مطعوم وعلى هذا فرَّعوا. وأما التراب فقد سبق ذكره في حديث طاوس عن ابن عباس، فيما يستنجى به (٤). وقد روى عنه عن النبي ﷺ مرسلًا (٥). وقد روى عنه من قوله (٥): قال البيهقي: وهو الصحيح عن طاوس من

стр. 215

قوله (١). وأما مرفوع هذا الخبر ففيه أحمد بن الحسن المصري، وهو كذاب متروك. وفيه أيضًا حديث عن سراقة بن مالك وقد تقدم رده بمبشر بن عبيد الحلبي فيما حكيناه، عن الدارقطني (٢). وفيه: أنه عن عمر أنه كان إذا بال يأتي حائطًا يتمسح به أو يمسه الأرض. قال البيهقي وهذا أصحُّ ما روى في هذا الباب وأعلاه (٣). ١٤ - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به حدثنا هنَّاد: ثنا حفص بن غياث، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام فإنَّه زاد إخوانكم من الجن". قال: في الباب عن أبي هريرة، وجابر، وابن عمر. قال: وقد روى هذا الحديث إسماعيل بن إبراهيم وغيره عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن علقمة، عن عبد الله: أنه كان مع النبي ﷺ ليلة الجن ... الحديث بطوله. وقال الشعبي: إن رسول الله ﷺ قال: "لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام فإنه زاد إخوانكم من الجن"، وكأن رواية إسماعيل أصح من رواية حفص بن غياث. والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم (٤).
следующие страницы →