← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16599

النفح الشذي شرح جامع الترمذي ط الصميعي

ابن سيد الناس

Полный текст (2 088 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

هذا لفظ أبي داود وإسناده جيد وضعف أبي يحيى قريب. وفيه تقييد الصلاة المؤذن لها بأنها الظهر أو العصر وليس ذلك عند الترمذي فقد يكون التثويب لغير الصبح هو البدعة عند ابن عمر لا تثويبًا آخر غير المعروف. فليس في ألفاظ الحديث تثويب معين وإذا لم يكن فحمله على المشهور أولى والذي يظهر من كلام الترمذي أن مراد ابن عمر عنده التثويب الذي حكاه عن إسحاق من قول المؤذن إذا استبطأ القوم بين الأذان والإقامة قد قامت الصلاة حي على الصلاة حي على الفلاح. وقوله في آخر الخبر: إنما كره عبد الله التثويب الذي أحدثه الناس اليوم يحتمل ما أحدث الناس في لفظ التثويب مما لم يكن. ويحتمل التثويب لصلاة لم يكن يثوب لها احتمالًا على ........ (١) ... والصلاة خير من النوم من رواية محمد بن عبد الملك بن أبي محذورة عن أبيه عن جده عند ابن حيان من طريق ابن محيريز عن أبي محذورة؛ ثم أمران يقول في الأذان الأول من الصبح: الصلاة خير من النوم مرتين، وهو أولى لكون الصلاة مذكورة في لفظ أبي داود فيقوى التعليل بها والتثويب غير مذكور عند واحد منهما فالتعليل به أضعف. [وأما قوله: (وفي الباب عن أبي محذورة) فإن أراد بالمعنى الأول التثويب في صلاة الفجر فقد ذكرناه. كان أراد بالمعنى الثاني أنه لا تثويب إلا في الفجر فقد وقفت على طرق شتى لحديث أبي محذورة ولم أجد ذلك، وإن أشار إلى المعنى الأول فقد كان ينبغي أن

стр. 1542

يذكر عن غير أبي محذورة أيضًا ممن ذكرناه والله أعلم] (١). وأما معنى التثويب فذكر الخطابي أنه الإعلام بالشيء والإنذار بوقوعه وأصله أن يلوح الرجل لصاحبه بثوبه ينذره عند الأمر يرهبه من خوف أو عدو، ثم استعمل في كل إعلام تجهر به صوت وعلل أيضًا تسمية الإقامة تثويبًا بأنه إعلام بإقامة الصلاة والأذان إعلام بوقت الصلاة. وحكى ابن عبد البر أن ابن الأنباري قال: إنما سمي التثويب تثويبًا وهو قول المؤذن الصلاة خير من النوم لأنه دعاء ثان إلى الصلاة والأول عنده حي على الصلاة حي على الفلاح. والتثويب عند العرب العود. وقال ابن سيده: التثويب الدعاء للصلاة وغيرها وأصله أن الرجل إذا جاء مستصرخًا لوح بثوبه فكان ذلك كالدعاء وقيل التثويب تثنية الدعاء. والمشهور في كيفية التثويب الصلاة خير من النوم. والكيفية الثانية محكية عن إسحاق وغيره. وروينا من طريق أبي الشيخ ثنا محمد بن جعفر الشعيري نا الجراح بن مخلد نا محمد بن سعيد السراج نا محبوب بن محرز عن كامل أبي العلاء عن أبي صالح عن أبي هريرة أنه كان يأتي النبي ﷺ يعني بلالًا فإذا أذن أتى النبي ﷺ فقال: السلام عليك يا رسول الله الصلاة يا رسول الله حي على الصلاة حي على الفلاح الصلاة يا رسول الله. وقد رويت في ذلك أحاديث عن أبي هريرة وجابر بن سمرة في الاستئذان

стр. 1543

على الإمام من المؤذن في أذانه. والتثويب على الوجه الأول في صلاة الصبح سنة اتفق عليها أصحاب الشافعي وهو رواية في القديم ومكروه عنده في الجديد وعلل بعضهم الكراهة بأن أبا محذورة لم يحكه، وقد تقدم عن أبي محذورة صحيحًا بتصحيح ابن خزيمة وغيره. والفتيا في هذه المسألة عند أصحاب الشافعي على القديم من قوليه وممن قال قال بالتثويب عمر بن الخطاب وابنه وأنس والحسن البصري وابن سيرين والزهري ومالك والثوري وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود ولم يقل أبو حنيفة بالتثويب على هذا الوجه واختلف السلف في محله فالمشهور أن محله صلاة الصبح وذكر عن النخعي أنه سنة في الصلوات كالصبح. وحكى القاضي أبو الطيب عن الحسن بن صالح أنه مستحب في أذان العشاء أيضًا. وقد ذكرنا عن الشعبي وغيره أنه مستحب (١) في العشاء والفجر. والمروي عن أبي حنيفة أنه يمكث بعد الأذان بقدر عشرين آية ثم يقول: حي على الصلاة حي على الفلاح وقال إنه التثويب. قال الرافعي: المشهور في التثويب القطع بأنه ليس بركن في الأذان. وقال إمام الحرمين: فيه احتمال عندي من جهة أنه يضاهي كلمات الأذان في شرع رفع الصوت به فكان أولى بالخلاف من الترجيع وإطلاقهم مشروعية التثويب في الأذان للصبح يشمل الأذان الأول والثاني لكن ذكر صاحب "التهذيب" أنه إذا أذن مرتين وثوب في الأول لا يثوب في الثاني على أصح الوجهي.

стр. 1544

٣٢ - باب ما جاء أن من أذن فهو يقيم ثنا هناد نا عبدة ويعلى عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي عن زياد بن نعيم الحضرمي عن زياد بن الحارث الصُّدائي قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أؤذن في صلاة الفجر فأذنت فأراد بلال أن يقيم، فقال رسول الله: "إن أخا صُداء قد أذن فمن أذن فهو يقيم". قال: وفي الباب عن ابن عمر. قال أبو عيسى: وحديث زياد إنما يعرف من حديث الإفريقي وهو ضعيف عند أهل الحديث. ضعفه يحيى بن سعيد القطان وغيره. قال أحمد: لا أكتب حديث الإفريقي. رأيت محمد بن إسماعيل يقوي أمره ويقول: هو مقارب الحديث والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم أن من أذن فهو يقيم. * الكلام عليه: رواه أبو داود وابن ماجه من طريق الإفريقي وتكلم فيه قوم وكان سفيان الثوري يعظمه. وقال ابن أبي داود: إنما تكلم الناس فيه لأنه روى عن مسلم بن يسار، فقيل له: أين رأيته؟ فقال: بإفريقية فقالوا: ما دخل مسلم بن يسار إفريقية قط يعنون البصري ولم يعلموا أن مسلم بن يسار آخر يقال له أبو عثمان الطنبذي وعنه روى. وكان الإفريقي رجلًا صالحًا وله أخبار حسان وقد ذكرته قبل هذا بأوفى من هذا.

стр. 1545

وقال ابن يونس: هو أول مولود ولد في الإسلام بإفريقية وتوفي سنة ست وخمسين ومائة. وأما حديث ابن عمر فروينا عن أبي الشيخ ثنا إبراهيم بن علي العمري نا معلي بن مهدي نا سعيد بن راشد عن عطاء عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما يقيم من أذن". ذكر ابن أبي حاتم أنه سأل أباه عن سعيد بن راشد هذا فقال: ضعيف الحديث منكر الحديث. وذكر في كتاب "العلل" أنه سأل أباه عن هذا الحديث فقال: منكر وسعيد ضعيف الحديث منكر. وقال مرة: متروك الحديث. قال الحازمي في كتابه في "الناسخ والمنسوخ": واتفق أهل العلم في الرجل يؤذن ويقيم غيره أن ذلك جائز واختلفوا في الأولوية، فقال أكثرهم: لا فرق والأمر متسع وممن رأى ذلك مالك وأكثر أهل الحجاز وأبو حنيفة وأكثر أهل الكوفة وأبو ثور. وقال بعض العلماء: الأولى أن من أذن فهو يقيم. قال الشافعي: وإذا أذن الرجل أحببت أن يتولى الإقامة. انتهى. أما حجة الشافعي ومن قال بقوله فما ذكر في الباب. وأما حجة الآخرين فروى أبو داود من حديث عبد الله بن زيد أنه حين رأى الأذان وقال له ﵇: "ألقه على بلال" فقال عبد الله: أنا رأيته وأنا كنت أريده قال: "فأقم أنت". وذكر أبو الشيخ من حديث مقسم عن ابن عباس قال: كان أول من أذن في الإسلام بلال وأول من أقام عبد الله بن زيد فلما أذن بلال أراد أن يقيم فقال

стр. 1546

عبد الله بن زيد: أنا الذي رأيتُ الرؤيا فأذن بلال ويقيم أيضًا؟ قال: "فأقم أنت" في حديث أبي داود: محمد بن عمرو وهو الواقفي الأنصاري البصري ضعفه القطان جدًّا وابن نمير ويحيى بن معين والأخذ بحديث الصُّدائي أولى لأن حديث ابن زيد كان أول ما شرع الأذان في السنة الأولى وحديث الصدائي بعده بلا شك. وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من أمر رسول الله ﷺ فإذا أذن واحد فقط فهو الذي يقيم وإذا أذن جماعة دفعة واتفقوا على من يقيم منهم فهو الذي يقيم. وإن تشاحُّوا أقرع بينهم. وإن أذنوا واحدًا بعد واحد فإن كان الأول هو المؤذن الراتب أو لم يكن هناك مؤذن راتب فالذي يقيم هو الأول وإن كان الذي أذن أولًا أجنبيًّا وأذن بعده الراتب فمن أولى بالإقامة؟ فيه وجهان حكاهما الخراسانيون أصحهما الراتب لأنه صاحب ولاية الأذان والإقامة وقد أذن. والثاني: الأجنبي لأن بأذانه الأول حصلت سنة الأذان أو فرضه ولو أقام في هذه الصورة غير من له ولاية الإقامة ممن أذن أو أجنبي اعتدّ بإقامته على المذهب وبه قطع الجمهور. وحكى الخراسانيون وجهًا أنه لا يعتد به تخريجًا من قول الشافعي أنه لا يجوز أن يخطب واحد ويصلي آخر وهذا ليس بشيء ويستحب أن لا يقيم في المسجد الواحد إلا واحد إلا إذا لم تحصل به الكفاية وفيه وجه أنه لا بأس بأن يقيموا جميعًا إذا لم يؤد إلى تهويش وبهذا قطع البغوي. وإن أقام غير من أذن فهو خلاف الأولى ولا يقال مكروه وقيل إنه مكروه وبه جزم العبدري نقل مثله عن أحمد وقال مالك وأبو حنيفة: لا يكره.

стр. 1547

٣٣ - باب ما جاء في كراهية الأذان بغير وضوء ثنا علي بن حجر نا الوليد بن مسلم عن معاوية بن يحيى عن الزهري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لا يؤذن إلا متوضئ". حدثنا يحيى بن موسى نا عبد الله بن وهب عن يونس عن ابن شهاب قال: قال أبو هريرة: لا ينادي بالصلاة إلا متوضئ. وهذا أصح من الأول. قال أبو عيسى: وحديث أبي هريرة لم يرفعه ابن وهب وهو أصح من حديث الوليد بن مسلم. والزهري لم يسمع من أبي هريرة. واختلف أهل العلم في الأذان على غير وضوء، فكرهه بعض أهل العلم وبه يقول الشافعي وإسحاق. ورخص في ذلك بعض أهل العلم وبه يقول سفيان وابن المبارك وأحمد. * الكلام عليه: هذا منقطع بين الزهري وأبي هريرة، فإنه لم يسمعه منه كما ذكر الترمذي وغيره. ومختلف (١) في رفعه ووقفه. فالوليد بن مسلم عن معاوية بن يحيى يرفعه. وابن وهب عن يونس يقفه.

стр. 1548

ورجح الترمذي الوقف لجلالة من وقفه [وهو يونس والأوزاعي. وذكر ابن أبي شيبة نا عمر بن هارون عن الأوزاعي عن الزهري قال: قال أبو هريرة: لا يؤذن المؤذن إلا متوضئًا]. وانحطاط درجة من رفعه وهو معاوية بن يحيى أبو روح الصدفي الدمشقي. روى عن مكحول الزهري ويونس بن ميسرة بن حلبس والقاسم بن عبد الرحمن. روي عنه الهقل بن زياد وعيسى بن يونس وإسحاق بن سليمان الرازي وغيرهم. قال البخاري: أحاديثه عن الزهري مستقيمة كأنها من كتاب، وروى عن عيسى بن يونس وإسحاق بن سليمان أحاديث مناكير كأنها من حفظه. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال الحاكم أبو أحمد: يروي عنه الهقل بن زياد عن الزهري أحاديث منكرة شبيهة بالموضوعة. وقال السعدي: ذاهب الحديث. وقال أبو زُرْعة: ليس بقوي أحاديثه كلها مقلوبة ما حدث بالري، والذي حدث بالشام أحسن حالًا. وقال أبو حاتم: هو ضعيف في الحديث، في حديثه إنكار. وقال النسائي أيضًا: ضعيف.

стр. 1549

وقال ابن خراش: ما نقل عنه الهقل صحيح ورواية إسحاق الرازي عنه مقلوبة. وقال الدارقطني: يكتب ما روى الهقل عنه ويتجنب ما سواه خاصة ما روى إسحاق بن سليمان الرازي. ومثل هذا لا يعدل بيونس الأيلي وهو من أحفظ أصحاب الزهري وألزمهم له لا سيما وقد تابعه الأوزاعي، فهو مع الانقطاع إما موقوف أو مرفوع عن ضعيف، وقد روينا حديث معاوية بن يحيى عنه عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: لا يؤذن إلا متوضئ. من طريق ابن حيان أنا ابن أبي عاصم نا هشام بن عمار نا الوليد بن مسلم عن معاوية فذكره. فهو إذن مختلف فيه على الوليد بن مسلم. فهشام بن عمار يسنده عن سعيد وعلي بن حجر يرسله عن الزهري وليس فيه على هذا إلا ما ذكر من حال معاوية بن يحيى وهو قريب الحال من حديثه إذ هو من حديثه بالشام على رأي أبي زرعة. وله شاهد من طريق ابن عباس ووائل بن حجر كما سيأتي. وفي الباب مما لم يذكره عن وائل بن حجر وابن عباس روينا عن ابن حيان قال نا علي بن سعيد العسكري نا أبو بدر نا عمير بن عمران الحنفي نا الحارث بن عتبة عن عبد الجبار بن وائل عن أبيه قال: حق وسنة مسنونة أن لا يؤذن إلا وهو طاهر (١). قال: ثنا الطبركي نا عبد الله بن هارون الفروي حدثني أبي عن جدي أبي علقمة عن محمد بن مالك قال: أذنت يومًا في مسجد علي بن عبد الله بن عباس

стр. 1550

الصبح قال: لا تؤذن إلا وأنت طاهر. قال أبي وحدثني يعني عبد الله بن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "يا ابن عباس إن الأذان متصل بالصلاة فلا يؤذن أحدكم إلا وهو طاهر". حديث عبد الجبار موقوف مرسل. قال يحيى بن معين: هو ثبت ولم يسمع من أبيه شيئًا، وفي رواية: ثقة. وقيل أنه ولد بعد موت أبيه بستة أشهر. روى له مسلم وذكره ابن حبان في الثقات وقال: توفي سنة اثنتي عشرة ومائة، القول بأنه ولد بعد موت أبيه بستة أشهر، مذكور. وقد روينا من طريق الطبراني نا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: ثنا محمد بن عبيد بن حساب نا عبد الوارث نا محمد بن جحادة عن عبد الجبار بن وائل قال: كنت غلامًا لا أعقل صلاة أبي فحدثني علقمة بن وائل فذكر حديثًا. وتكلم ابن عدي في عبد الله بن هارون الفروي وهو ابن موسى ابن أبي علقمة وقال له: مناكير. وأبو هارون بن موسى بن أبي علقمة، قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه؟ فقال: شيخ. وقد اختلف السلف في الأذان بغير طهارة والإقامة. فقال قوم: لا بأس أن يؤذن على غير وضوء. رواه منصور عن إبراهيم وجابر عن عبد الرحمن بن الأسود وحجاج عن عطاء. وروى أيضًا عن حماد بن أبي سليمان.

стр. 1551

وكرهه آخرون، وقد ذكرنا عن أبي هريرة ما عنه في ذلك. وروي مثله عن عطاء ومجاهد ويذكر عن الأوزاعي وإسحاق، وفرق آخرون بين الأذان والإقامة. فعن قتادة: لا بأس أن يؤذن الرجل على غير وضوء فإذا أراد أن يقيم توضأ. وعن الحسن: لا بأس أن يؤذن غير طاهر ويقيم وهو طاهر وإليه ذهب مالك. والذي ذهب إليه الشافعي أنه يستحب أن يؤذن على طهارة فإن أذن وهو محدث أو جنب أو أقام الصلاة وهو محدث أو جنب صح أذانه وإقامته. لكنه مكروه نص على كراهته الشافعي والأصحاب واتفقوا عليها قالوا والكراهة في الجنب أشد منها في المحدث وفي الإقامة أغلظ. قال في "الأم": ولو ابتدأ بالأذان طاهرًا ثم انتقضت طهارته بنى على أذانه ولم يقطعه سواء كان حدثه جنابة أو غيرها قال: ولو قطعه وتطهر ثم رجع بنى على أذانه ولو استأنف كان أحبّ إلي. هذا نصه. وتابعه الأصحاب قالوا: وإنما استحب إتمامه ولا يقطعه لئلا يظن أنه متلاعب، وإنما يصح البناء إذا لم يطل الفصل طولًا فاحشًا وإن طال طولًا غير فاحش ففي صحة البناء طريقان حكاهما صاحب "البيان" وآخرون: أحدهما: يصح البناء قولًا واحدًا وبه قطع الشيخ أبو حامد وآخرون. والثاني: فيه قولان. وإذا أذن وأقام وهو جنب في المسجد أثم بلبثه في المسجد وصح أذانه وإقامته، لأن المراد حصول الإعلام وقد حصل والتحريم لمعنى آخر وهو حرمة المسجد. وقال صاحب "البيان" وغيره التحريم على الجنب.

стр. 1552

قال الماوردي وغيره: ولو أذن مكشوف العورة أثم وأجزأ. قال النووي: وكمذهبنا أن أذان الجنب والمحدث وإقامتهما صحيحان مع الكراهة. وقال به الحسن البصري وقتادة وحماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة والثوري وأحمد وأبو ثور وابن المنذر وداود. * * *

стр. 1553

٣٤ - باب ما جاء أن الإمام أحق بالإقامة حدثنا يحيى بن موسى ثنا عبد الرزاق أنا إسرائيل أخبرني سماك بن حرب سمع جابر بن سمرة يقول: كان مؤذن رسول الله ﷺ يمهل فلا يقيم حتى إذا رأى رسول الله ﷺ قد خرج أقام الصلاة حين يراه. قال أبو عيسى: حديث جابر بن سمرة هو حديث حسن وحديث سماك لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وهكذا قال بعض أهل العلم: أن المؤذن أملك بالأذان والإمام أملك بالإقامة. * الكلام عليه: أخرجه مسلم وأبو داود وهو صحيح ويكفي من ذاك تصحيح مسلم إياه. وله شاهد من حديث أبي هريرة وابن عمر. وأما من قصر عن التصحيح؛ فإن سماكًا كان يقبل التلقين، وليس من شرط الصحيح عند بعضهم، على أن الترمذي يصحح حديثه، ولكنه هنا يقول: لا يعرف حديث سماك إلا من هذا الوجه، فقد انضم إلى تليين سماك التفرد الذي أشار إليه، فلذلك لم يبلغ درجة الصحيح عنده، وكأنه جاء إلى شاهده المروي من حديث أبي هريرة وابن عمر فنسبه إلى قول بعض أهل العلم، ولم يورد ذلك منسوبًا إلى رواته من الصحابة كعادته، ولو اطلع عليه في ذلك لصححه، ولولا شاهده لكان الترمذي أسعد فيه بالصواب من مسلم. وقوله: (قال بعض أهل العلم: إن المؤذن أملك بالأذان) الفصل فقد حصل لنا مرويًّا عن النبي ﷺ من حديث أبي هريرة ومن حديث ابن عمر أيضًا كما سنذكره.

стр. 1554

وروينا من طريق أبي الشيخ بن حيان قال: نا قاسم المطرز وعبد الله بن محمد بن الحسن قالا: نا علي بن إشكاب نا يحيى بن إسحاق نا شريك عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "المؤذن أملك بالأذان، والإمام أملك بالإقامة". قال: نا محمد بن يعقوب الأهوازي نا أحمد بن المقدام نا يوسف بن الحجاج نا المعارك بن عباد عن يحيى بن أبي الفضل عن أبي .... عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: "المؤذن أحق بالآذان، والإمام أحق بالإقامة". وعن علي ﵇ قال: "المؤذن أملك بالأذان، والإمام أملك بالإقامة" رواه البيهقي. فيه الإقامة عند خروج الإمام ولا يصح تقدمها على وقت الصلاة ولا على إرادة الدخول فيها ولا بد من هذين الشرطين وهما دخول الوقت وإرادة الدخول في الصلاة فإن أقام قبيل الوقت بجزء لطيف بحيث دخل الوقت عقيب الإقامة ثم شرع في الصلاة عقيب ذلك لم تصح إقامته وإن كان فصل بينها وبين الصلاة لكونها وقعت قبل الوقت وقد نص في "الأم" على هذا. وإن أقام في الوقت وأخر الدخول في الصلاة بطلت إقامته إن طال الفصل لأنها تراد للدخول في الصلاة فلا يجوز الفصل. [(١) وظاهر حديث [ابن] سمرة هذا أن المؤذن لم يكن ليقيم الصلاة حتى يرى رسول الله ﷺ قد خرج للصلاة وهو مخالف لظاهر حديث: "لا تقوموا حتى تروني"، فإنه يقتضي أن من شأنهم القيام قبل رؤيته وهم كانوا لا يقومون حتى

стр. 1555

تقام الصلاة. فقيامهم قبل رؤيته يدل على أن الصلاة كانت تقام قبل رؤيته قال ......... وقوله إذا أقيمت الصلاة قلا تقوموا حتى تروني ظاهره أن الصلاة كانت تقام قبل أن يخرج النبي ﷺ من بيته ويعارضه حديث بلال أنه كان لا يقيم حتى يخرج النبي ﷺ ، ووجه الجمع أن بلالًا كان يراقب النبي ﷺ فيرى أول خروجه قبل أن يراه من هناك. فيشرع في الإقامة إذ ذاك ثم لا يقوم الناس حتى يروا النبي ﷺ ، ثم لا يقوم النبي ﷺ مقامه حتى يعدلوا صفوفهم وبهذا الترتيب يصح الجمع بين الأحاديث المتعارضة في هذا المعنى. وقد اختلف السلف في متى يقوم الناس إلى الصلاة ومتى يكبر لها. فذهبت طائفة إلى أنه ليس لقيام الناس حد، يحكى ذلك عن مالك، قال لأن الناس تختلف أحوالهم فمنهم الثقيل والخفيف. وروى أبو عمر بإسناده عن عمرو بن مهاجر قال: رأيت عمر بن عبد العزيز ومحمد بن كعب القرظي وسالم بن عبد الله وأبا قلابة وعراك بن مالك الغفاري ومحمد بن مسلم الزهري وسليمان بن حبيب يقومون إلى الصلاة في أول بدء من الإقامة قال: وكان عمر بن عبد العزيز إذا قال المؤذن قد قامت الصلاة عدل الصفوف بيده عن يمينه ويساره، فإذا فرغ المؤذن كبر. وعن ابن عجلان عن أبي عبيد قال: سمعت عمر بن عبد العزيز بخناصرة يقول حين يقول المؤذن قد قامت الصلاة: قوموا قد قامت الصلاة. وعن ابن المبارك عن أبي يعلى قال: رأيت أنس بن مالك إذا قيل: قد قامت الصلاة قام فثوب.

стр. 1556

وعن الزهري قال: ما كان المؤذن يقول قد قامت الصلاة حتى تعتدل الصفوف. وعن الحسن وابن سيرين أنهما كانا يكرهان أن يقوما حتى يقول المؤذن قد قامت الصلاة. وقال فرقد السبخي للحسن: أرأيت إذا أذن المؤذن في الإقامة أأقوم أم حتى يقول المؤذن قد قامت الصلاة؟ فقال الحسن: أي ذلك شئت. وقال سعيد بن المسيب: إذا قال المؤذن الله أكبر وجب القيام فإذا قال حي على الصلاة اعتدلت الصفوف فإذا قال لا إله لا الله كبر الإمام. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: إذا كان الإمام معهم في المسجد فإنهم يقومون في الصف إذا قال المؤذن حي على الفلاح. وقال الشافعي وداود: والبدار إلى القيام في الصلاة أولى في أخذ المؤذن في الإقامة لأنه بدار إلى فعل بر. وليس في ذلك شيء محدود عندهم. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي عن الإمام يكبر إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة أو حين يفرغ من الإقامة؟ فقال: حديث أبي قتادة: "لا تقوموا حتى تروني". وذهب جماعة إلى أنه لا يكبر حتى يفرغ المؤذن من الإقامة]. * * *

стр. 1557

٣٥ - باب ما جاء في الأذان بالليل نا قتيبة نا الليث عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه أن النبي ﷺ قال: "إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا تأذين ابن أم مكتوم". قال: وفي الباب عن ابن مسعود وعائشة وأنيسة وأنس وأبي ذر وسمرة. قال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن صحيح. وقد اختلف أهل العلم في الأذان بالليل. فقال بعض أهل العلم: إذا أذن المؤذن بالليل أجزأه ولا يعيد، وهو قول مالك وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق. قال بعض أهل العلم: إذا أذن بالليل أعاد وبه يقول سفيان الثوري. وروى حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر: أن بلالًا أذن بليل فأمره النبي أن يناد إن العبد نام. قال أبو عيسى: هذا حديث غير محفوظ، والصحيح ما روى عبيد الله بن عمر وغيره عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم". قال وروى عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع أن مؤذنًا لعمر أذن بليل فأمره عمر أن يعيد الأذان. وهذا لا يصح لأنه عن نافع عن عمر منقطع. ولعل حماد بن سلمة أراد هذا الحديث. والصحيح رواية عبيد الله وغير واحد عن نافع عن ابن عمر، والزهري عن

стр. 1558

سالم عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "إن بلالًا يؤذن بليل". قال أبو عيسى: فلو كان حديث حماد صحيحًا لم يكن لهذا الحديث معنى إذ قال رسول الله ﷺ إن بلالًا يؤذن بليل. فإنما أمرهم فيما يستقبل، فقال إن بلالًا يؤذن بليل، ولو أنه أمره بإعادة الأذان حين أذن قبل طلوع الفجر لم يقل إن بلالًا يؤذن بليل. قال علي بن المديني: حديث حماد بن سلمة [عن أيوب] (١) عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ غير محفوظ وأخطأ فيه حماد بن سلمة. * الكلام عليه: أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما [ورواه أيضًا مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي ﷺ وهو عند البخاري وغيره] (٢). وحديث ابن مسعود روى سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن عبد الله ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: لا يمنعن أحدكم أو واحدًا منكم أذان بلال من سحوره فإنه يؤذن أو ينادي بليل ليرجع قائمكم وينبه نائمكم وليس أن يقول الفجر أو الصبح وقال بأصابعه ورفعها إلى فوق وطأطأ إلى أسفل حتى يقول هكذا. وقال زهير بسبابتيه إحداهما فوق الأخرى ثم مدهما عن يمينه وشماله. رواه البخاري ومسلم واللفظ للبخاري. وأما حديث عائشة فروى ابن خزيمة من حديثها أن رسول الله ﷺ قال: "إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال"، وكان بلال لا يؤذن حتى يرى الفجر.

стр. 1559

قال: وليس هذا الخبر يُضاد خبر سالم عن ابن عمر، وخبر القاسم عن عائشة إذ جائز أن يكون النبي ﷺ قد كان جعل الأذان بالليل نوائب بين بلال وبين أم مكتوم فأمر في بعض الليالي بلالًا أن يؤذن أولًا بالليل فإذا نزل بلال صعد ابن أم مكتوم فأذن بعده بالنهار، فإذا جاءت نوبة ابن أم مكتوم بدأ ابن أم مكتوم فأذن بليل فإذا نزل صعد بلال فأذن بعده بالنهار ثم ذكر كلامًا ثم قال: فكان النبي ﷺ يعلم الناس في كلا الوقتين أن أذان الأول منهما هو أذان بليل لا بنهار وأنه لا يمنع من أراد الصوم طعامًا ولا شرابًا وأن أذان الثاني إنما يمنع الطعام والشراب إذ هو بنهار لا بليل. وأما حديث أنيسة فروى خُبيب بن عبد الرحمن عن عمته أنيسة بنت خُبيب قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا أذن ابن مكتوم فكلوا واشربوا وإذا أذن بلال فلا تأكلوا ولا تشربوا"، فإن كانت المرأة منا ليبقى عليها شيء من سحورها فتقول لبلال: أمهل حتى أفرغ من سحوري. رواه الإمام أحمد وأبو بكر بن خزيمة في صحيحه وابن حبان وقال ابن خزيمة: هذا خبر قد اختلف فيه يعني على حُبيب بن عبد الرحمن رواه شعبة عنه عن عمته أنيسة فقال: "ابن أم مكتوم أو بلالًا ينادي بليل"، وهو عند أحمد. وحديث أنس عند الطحاوي [من حديث سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يغرنكم أذان بلال فإن في بصره شيئًا". وحديث أبي ذر عنده أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ : "إنك تؤذن إذا كان الفجر ساطعًا وليس ذلك الصبح إنما الصبح هكذا" معترضًا في إسناده ابن لهيعة. وحديث] (١) سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يغرنكم أذان بلال ولا هذا العارض لعمود الصبح حتى يستطير" رواه مسلم.

стр. 1560

وذكر الترمذي حديث حماد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أن بلالًا أذن بليل فأمره النبي ﷺ أن ينادي إن العبد نام. وحديث ابن أبي رواد عن نافع أن مؤذنًا لعمر، وردّهما. وقال أبو داود في حديث حماد: لم يروه عن أيوب إلا حماد بن سلمة. قال أبو عمر: تفرد به حماد بن سلمة دون أصحاب أيوب، وأصحاب أيوب يروونه عن أيوب قال: أذن بلال مرةً بليل [فذكره مقطوعًا هكذا ذكره عبد الرزاق عن معمر عن أيوب] (١) وقال الأثرم: وأما حديث حماد بن سلمة فإنه خطأ معروف من خطأ حماد بن سلمة وإنما أصل الحديث عن نافع عن ابن عمر أن مؤذنًا لعمر، يقال له مسروح وقال بعضهم: مسعود أذن بليل فأمره عمر أن يرجع فينادي ألا إن مسروحًا نام. وكذا قال الترمذي: لعل خبر مؤذن عمر هذا هو الذي أراد حماد بن سلمة. وقال أبو داود نحوه، غير أن الترمذي رده بالانقطاع بين نافع وعمر وليس صريحًا من رواية نافع عن عمر عنده بل لعله من رواية نافع عن مؤذن عمر عن عمر. وقد ذكره أبو عمر ورده بالانقطاع المذكور ثم قال: ولكن الدراوردي وحماد بن زيد قد رويا هذا الخبر عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر مثله. انتهى. أما حديث ابن أبي رواد فإن أبا داود ذكره عن نافع عن مؤذن لعمر يقال له مسروح ثم قال: وقد رواه حماد بن زيد عن عبيد الله بن عمر عن نافع أو غيره. قال أبو داود: وهذا أصح من ذلك. وقد رواه الدارقطني من حديث عامر بن مدرك عن ابن أبي رواد عن نافع عن

стр. 1561

ابن عمر أن بلالًا أذن قبل الفجر فغضب النبي ﷺ وأمره أن ينادي إن العبد نام فوجد بلال وجدًا شديدًا. وقال: وهم فيه عامر بن مدرك والصواب عن شعيب بن حرب عن عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع عن مؤذن عمر ﵁ من قوله. فيه مسائل: الأولى: جوار الأذان بالليل لصلاة الصبح قبل دخول الوقت إذ لا أذان عند الجميع للنوافل بليل ولا غيره. وقد اختلف العلماء في جواز الأذان لصلاة الصبح قبل دخول وقتها، فقال أكثرهم بجواز ذلك وممن أجازه مالك وأصحابه والأوزاعي والشافعي وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق وداود والطبري وهو قول أبي يوسف القاضي. وحجّتهم قوله ﷺ : "إن بلالًا ينادي بليل" وما سبق مما في معناه. وفي قوله هذا إخبار منه أن شأن بلال أن يؤذن للصبح بليل يقول فإذا جاء شهر رمضان فلا يمنعكم أذانه من سحوركم فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم فإن من شأنه أن يقارب الصبح بأذانه. وقال أبو حنيفة والثوري ومحمد بن الحسن: لا يجوز الأذان لصلاة الفجر قبل دخول وقتها ومن أذن لها قبل الفجر لزمه إعادة الأذان وحجتهم ما رواه وكيع عن جعفر بن برقان عن شداد مولى عياض بن عامر عن بلال أن رسول الله ﷺ قال له: "لا تؤذن حتى يستبين لك الفجر هكذا"، ومد يده عرضًا: رواه أبو داود، وقال: شداد مولى عياض لم يدرك بلالًا. وقال غيره: وهو أيضًا مجهول. وروى من حديث الحسن بن عمارة عن طلحة بن مصرف عن سويد بن غفلة

стр. 1562

عن بلال كذا هو عند البيهقي. والحسن بن عمارة متروك. وروى البيهقي من طريق الحميدي عن سفيان نا سليمان التيمي عن أبي عثمان أن النبي ﷺ قال لبلال: "لا تؤذن والفجر هكذا" وجمع سفيان أصابعه الثلاثة التي يأكل بها: "لا تؤذن حتى يقول الفجر هكذا" وصف سفيان بين السبابتين ثم فرق بينهما وهذا مرسل، أخرجه ورجال إسناده ثقات. قال البيهقي: وروينا عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن أبي مسعود ﵁ ما دل على أذان بلال بليل وأن النبي ﷺ ذكر تأذينه بليل وذلك أولى بالقبول لكونه موصولًا وهذا مرسل. واحتجوا أيضًا بما تقدم من حديث حماد بن سلمة عن أيوب وحديث الدراوردي عن مؤذن عمر وقد سبق تعليلهما، وبحديث حجاج عن عطاء عن أبي محذورة أنه أذن لرسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر لا يؤذن حتى يطلع الفجر. ضعفه الأثرم وكأنه يريد تضعيفه بحجاج، وأيضًا فلا يمنع أذان أبي محذورة بعد طلوع الفجر أذان بلال أو غيره قبيل ذلك. وليس في التضعيف بحجاج بن أرطاة كبير أمر. ونحا بعضهم في الاحتجاج نحو آخر فزعم أن أذان بلال قبل الفجر كان خطأ وذكر في ذلك حديث أنس الذي ذكرناه من طريق الطحاوي وفيه: "لا يغرنكم أذان بلال فإن في بصره شيئًا". وما روى البيهقي من جهة محمد بن بكر قال نا إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك أبي محذورة عن عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال له: "ما حملك على ذلك"؟ قال: استيقظت وأنا وسنان فظننت أن الفجر طلع فأمره النبي ﷺ أن ينادي بالمدينة ثلاثًا إن العبد قد نام ثم أقعده إلى جنبه

стр. 1563

حتى طلع الفجر. وما ذكره أبو القاسم البغوي في معجمه من طريق حفص بن غياث عن أشعث عن أبي هبيرة عن جده شيبان قال: تسحرت ثم أتيت المسجد فاستندت إلى حجرة النبي ﷺ ، وإذا النبي ﷺ يتسحر فقال: "أبو يحيى"؟ فقلت: أبو يحيى، قال: "هلم إلى الغداء"، قلت: أنا أريد الصيام قال: "وأنا أريد الصيام ولكن مؤذننا هذا في بصره سوء أو شيء وإنه أذن قبل طلوع الفجر". أخرجه عن داود بن رشيد عن حفص. أشعث هذا هو ابن سوّار. كذا رواه الطبراني من حديثه ونسبه، وهو الكوفي القاضي، كان ابن مهدي يخط على حديثه. وضعفه أحمد ويحيى والنسائي والدارقطني. وقال ابن حبان: هو فاحش الخطأ كثير الوهم. وروى عبد الرحمن بن مهدي عن عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن إسماعيل بن مسلم قلت للحسن البصري: يا أبا سعيد الرجل يؤذن قبل الفجر يوقظ الناس فغضب وقال: علوج فُرّاغ، لو أدركهم عمر بن الخطاب لأوجع جنوبهم، من أذن قبل الفجر فإنما صلى أهل ذلك المسجد بإقامة لا أذان فيه. وعن إبراهيم النخعي أنه كان يكره أن يؤذن قبل الفجر. وعنه قال: سمع علقمة بن قيس مؤذنًا بليل فقال: لقد خالف هذا سنة من سنة أصحاب رسول الله ﷺ لو نام على فراشه لكان خيرًا له. وروي من طريق زبيد اليامي عن إبراهيم النخعي قال: كانوا إذا أذن المؤذن بليل

стр. 1564

قالوا له: اتق الله وأعد أذانك. ومن طريق عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري عن أبي إسحاق السبيعي عن الأسود بن يزيد قال: قلت لعائشة أم المؤمنين: متى توترين؟ قالت: بين الأذان والإقامة وما كانوا يؤذنون حتى يصبحوا. وروى يحيى القطان نا عبيد الله نا نافع قال: ما كانوا يؤذنون حتى يطلع الفجر. وما ثبت عن النبي ﷺ -أولى أن يرجع إليه من جميع ما ذكرناه من الآثار والأحاديث المعلولة. قالت طائفة: يجوز أن يؤذن قبل الفجر إن كان يؤذن بعده حكاه ابن المنذر. قال الفقهاء من أصحاب الشافعي: والسنة أن يؤذن للصبح مرتان إحداهما قبل الفجر والأخرى عقيب طلوعه للحديث في ذلك، قالوا: وجاز أن يكون بعض الكلمات قبل الفجر وبعضها بعده، فإن اقتصر على أذان واحد فالأفضل أن يكون بعد الفجر على ما هو المعهود في سائر الصلوات، قال ابن عبد البر: والذي أحبه أن يكون مؤذن آخر بعد الفجر، وهذا محمول عندهم على الأفضلية لا على الوجوب كما حكيناه عمن ذكره عنه ابن المنذر، وأما غيرها من الصلوات فلا يصح الأذان لها قبل وقتها بإجماع نقله ابن جرير وغيره. الثانية: القائلون بجواز الأذان للصبح قبل وقتها من أصحابنا اختلفوا في الوقت الذي يجوز فيه من الليل على خمسة أوجه: فقول أكثرهم، وبه قطع معظم العراقيين: يدخل وقت أذانها من نصف الليل. الثاني: قبيل طلوع الفجر في السحر وبه قطع البغوي، وصححه القاضي حسين والمتولي وهذا يعضده ما ثبت في الباب من حديث عائشة وقولها: لم يكن

стр. 1565

بينهما إلا أن ينزل هذا ويصعد هذا. الثالث: يؤذن في الشتاء لسبع يبقى من الليل وفي الصيف لنصف سبع نقله إمام الحرمين وآخرون من الخراسانيين ورجحه الرافعي وذكروا فيه حديثًا ضعيفًا لا تقوم به حجة عن سعد القرظ قال: أذنا في زمن النبي ﷺ بقباء وفي زمن عمر بالمدينة فكان أذاننا للصبح في الشتاء لسبع ونصف يبقى من الليل وفي الصيف لسبع يبقى منه، رواه الشافعي في القديم وهو مع ضعفه مخالف لقول صاحب هذا الوجه. الرابع: أنه يؤذن بعد وقت العشاء المختار وهو ثلث الليل في قول ونصفه في قول، حكاه القاضي حسين وصاحبا "الإبانة" و"التتمة" وغيرهم. الخامس: جميع الليل وقت لأذان الصبح حكاه إمام الحرمين وصاحبا "العدة" و"البيان" وهو في غاية الضعف، بل غلط، قال إمام الحرمين: لولا علو قدر الحاكي له وهو الشيخ أبو علي وأنه لا ينقل إلا ما صح وتنقح عنده لما استجزت نقل هذا الوجه وكيف يحسن الدعاء لصلاة الصبح في وقت الدعاء إلى المغرب والسرف في كل شيء مطرح. الثالثة: فيه دليل على اتخاذ مؤذنين في مسجد واحد وقد استحب ذلك أصحاب الشافعي وأما الاقتصار على مؤذن واحد فغير مكروه. وفرق بين أن يكون الفعل مستحبًا وأن يكون تركه مكروهًا وأما الزيادة على مؤذنين فليس في الحديث تعرض له ونقل عن بعض أصحاب الشافعي أنه يكره الزيادة على أربعة. قالوا: قد اتخذ عثمان ﵁ أربعة من المؤذنين ولم تنقل الزيادة عن أحد من الخلفاء الرشدين على أكثر من هذا العدد. وجوزه بعضهم من غير كراهة، قالوا: إذا جازت الزيادة لعثمان على ما كان في زمن النبي ﷺ للضرورة جازت الزيادة لغيره عليه وهو ظاهر.

стр. 1566

قال أبو عمر: وإذا جاز اتخاذ مؤذنين جاز أكثر من هذا العدد إلا أن يمنع من ذلك ما يجب التسليم له (١). الرابعة: إذا قلنا بجواز اتخاذ مؤذنين فصاعدًا إلى أربعة أو أكثر من ذلك عند من يقول به من غير كراهة فالمستحب أن يتعاقبوا واحدًا بعد واحد كما اقتضاه الحديث إن اتسع الوقت لذلك كصلاة الفجر. وأما في المغرب فلم ينقل فيها مؤذنان، فإن تنازعوا في البداية أقرع بينهم لقوله ﵇: "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاسْتهموا" الحديث [وقد أقرع سعد بن أبي وقاص بين المتشاحنين في الأذان إذ قتل المؤذن يوم القادسية]. وإن ضاق الوقت فإن كان المسجد كبيرًا أذنوا متفرقين في أقطار المسجد فإنه أبلغ في الإسماع وإن كان صغيرًا وقفوا معًا وأذنوا وهذا إذا لم يؤد اختلاف الأصوات إلى تشويش، فإن أدى لم يؤذن إلا واحد فإن أذنوا على الترتيب فالأول أولى بالإقامة. وقد سبق تفرج مسألة الإقامة في باب من أذن فهو يقيم. الخامسة: فيه دليل على جواز أذان الأعمى. قال أبو عمر: وذلك عند أهل العلم إذا كان معه مؤذن آخر يهديه للأوقات وقد نقل عن السلف خلاف في ذلك،

стр. 1567

ذكر ابن أبي شيبة بسنده عن ابن مسعود: لا أحب أن يكون مؤذنوكم عميانكم، قال: حسبته قال: ولا قراؤكم. وعن ابن عباس أنه كره إقامة الأعمى. وعن ابن الزبير أنه كان يكره أن يؤذن المؤذن وهو أعمى. وعن منصور قال: كان مؤذن إبراهيم أعمى. ولعل الكراهة في ذلك عند من قال بها إذا لم يجد المؤذن دليلًا على معرفة الوقت أو كان منفردًا بالأذان وأما إذا معه غيره فلا كراهة. وقال أصحابنا: يكره أن يكون الأعمى مؤذنًا وحده. السادسة: وإذا كان كذلك ففيه جواز تقليد الأعمى للبصير في الوقت أو جواز اجتهاده فيه، فإن ابن أم مكتوم لا بد له من طريق يرجع إليه في طلوع الفجر، وذلك إما سماع من بصير أو اجتهاد وقد جاء في الحديث: "وكان لا يؤذن حتى يقال له أصبحت أصبحت" فهذا يدل على رجوعه إلى البصير ولو لم يرد ذلك لم يكن في هذا اللفظ دليل على جواز رجوعه إلى الاجتهاد بعينه، لأن الدال على أحد الأمرين مبهمًا لا يدل على واحد منهما معينًا. السابعة: قال أبو عمر: وفيه دليل على جواز شهادة الأعمى على ما استثبته من الأصوات، ألا ترى أنه إذا قيل له: أصبحت قبل ذلك وشهد عليه، ولخصمه أن يقول هذا من باب الخبر ليس من باب الشهادة التي يتوجه القضاء بها على معين وإنما أخبره بالوقت من سكنت نفسه لأخباره فأخبر هو به مستندًا إلى ذلك. الثامنة: فيه إطلاق الشيء على ما قاربه، قال ابن شهاب: وكان ابن أم مكتوم رجلًا أعمى لا ينادي حتى يقال له أصبحت أصبحت قال أبو عمر: معناه المقاربة أي قاربت الصبح، والعرب تسمى الشيء باسم ما قرب منه ومنه قول الله عز

стр. 1568

وجل ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ الآية. وهذا على القرب عند الجميع لا على البلوغ الحقيقي لأن الأجل لو انقضى وهو انقضاء العدة لم يجز لهم إمساكهن وهذا إجماع لا خلاف فيه فدل على أن قرب الشيء قد يعبر به عنه، ومعلوم أن النبي ﷺ لا يأمر أصحابه أن يأكلوا ويشربوا حتى يؤذن من لا يؤذن إلا وقد أصبح. التاسعة: وفيه استمرار وقت السحور إلى تبين الفجر الصادق. وسيأتي في كتاب الصيام إن شاء الله تعالى. العاشرة: في قول ابن شهاب: وكان ابن أم مكتوم رجلًا أعمى، وكذلك في الصحيح من حديث ابن عمر: كان لرسول الله ﷺ مؤذنان بلال وابن أم مكتوم الأعمى، جواز وصف الإنسان بعيب فيه للتعريف به أولمصلحة تترتب عليه لا لقصد التنقيص وهذا أحد وجوه الغيبة المباحة وهي ستة مواضع. * * *

стр. 1569

٣٦ - باب ما جاء في كراهية الخروج من المسجد بعد الأذان ثنا هناد نا وكيع عن سفيان عن إبراهيم بن المهاجر عن أبي الشعثاء قال: خرج رجل من المسجد بعدما أذن فيه بالعصر، فقال أبو هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ . قال: وفي الباب عن عثمان. قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح. وعلى هذا العمل عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم أن لا يخرج أحد من المسجد بعد الأذان إلا من عذر أن يكون على غير وضوء أو أمر لا بد منه. ويروى عن إبراهيم النخعي أنه قال: يخرج ما لم يأخذ المؤذن في الإقامة، وهذا عندنا لمن له عذر في الخروج منه. وأبو الشعثاء اسمه سليم بن أسود وهو والد أشعث بن أبي الشعثاء قال: وقد روى أشعث بن أبي الشعثاء هذا الحديث عن أبيه. * الكلام عليه: أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه. وذكر بعضهم أن هذا موقوف. وقال أبو عمر: هو مسند عندهم. وقال: لا يختلفون في هذا وذاك أنهما مسندان مرفوعان يعني هذا وقول أبي هريرة: ومن لم يجب يعني الدعوة فقد عصى الله ورسوله، وفي إسناده إبراهيم بن المهاجر وقد ضعف ووثق وأخرج له الجماعة إلا البخاري.

стр. 1570

وفي الرواة ممن يسمى إبراهيم بن مهاجر ثلاثة: أحدهم: هذا أبو إسحاق البجلي الكوفي يروي عن قيس بن أبي حازم وزيد بن وهب ومجاهد وإبراهيم وطارق بن شهاب وعطاء. ضعفه يحيى بن معين. وقال علي والنسائي: ليس بالقوي. وقال أبو حاتم الرازي: منكر الحديث. وقال ابن حبان: هو كثير الخطأ. وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة يحمل بعضها بعضًا ويشبه بعضها بعضًا وهو عندي أصلح من إبراهيم الهجري وحديثه يكتب في الضعفاء. والثاني: إبراهيم بن مهاجر بن مسمار المدني مولى سعد بن أبي وقاص يروي عن أبيه وعن صفوان بن سليم وعمر بن حفص بن ذكوان. قال البخاري والنسائي: هو ضعيف. وقال يحيى بن معين: لا بأس به. وقال أحمد: ليس به بأس حكاه ابن عدي في ترجمة ابنه إسماعيل بن إبراهيم. والثالث: يقال له الأزدي الكوفي سمع الأعمش وجعفر بن محمد لم يتكلموا فيه فيما علمتُ. وأما حديث عثمان فعند ابن سنجر (١) من حديث عثمان قال: قال رسول الله

стр. 1571

- ﷺ : "من أدركه الأذان وهو في المسجد ثم خرج لم يخرج لحاجة وهو يريد [لا] الرجعة فهو منافق". ذكره عنه الزيدوني في "أحكامه". وأما حديث أشعث بن أبي الشعثاء عن أبيه، فروينا عن ابن حيان نا بالسند المتقدم ثنا ابن أبي حاتم نا أحمد بن محمد الأطرابلسي نا موسى بن داود نا شريك عن أشعث بن أبي الشعثاء عن أبيه عن أبي هريرة قال: إذا أقيمت الصلاة وأحدكم في المسجد فلا يخرج حتى يصلي؛ فإن رسول الله ﷺ كان يأمر بذلك (١). ورواه عن أبي هريرة أبو صالح ومحمد بن زاذان وسعيد بن المسيب وقول أبي هريرة ﵁ في الخارج من المسجد: أما هذا فقد عصى أبا القاسم؛ محمول على أنه حديث مرفوع إلى رسول الله ﷺ عنده كما تقدم ولولا أنه سمع ما يقتضي تحريم الخروج من المسجد بعد الأذان لما أطلق لفظ المعصية على الخارج، وقد تبين ذلك بما ذكرناه من حديث أشعث عن أبيه وكذا لفظ سعيد بن المسيب [عن أبي هريرة] (٢) عن النبي ﷺ : "لا يخرج بعد الأذان من المسجد إلا منافق إلا أحد أخرجته حاجة وهو يريد الرجعة إلى الصلاة". كذا رويناه عن سعيد من طرق متعددة يشهد بعضها لبعض، قال القرطبي:

стр. 1572

فإذا ثبت هذا استُثمِر منه أن من دخل المسجد لصلاة فرض فأذن مؤذن ذلك الوقت حرم عليه أن يخرج منه لغير ضرورة حتى يصلي فيه تلك الصلاة، لأن ذلك المسجد تعين لتلك الصلاة أو لأنه (١) إذا خرج قد يمنعه مانع من الرجوع إليه، أو إلى غيره فتفوته الصلاة. ذكر أبو محمد بن حزم تحريم الخروج من المسجد على هذه الحالة. * * *

стр. 1573

٣٧ - باب ما جاء في الأذان في السفر ثنا محمود بن غيلان ثنا وكيع عن سفيان عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن مالك بن الحويرث قال: قدمت على رسول الله ﷺ أنا وابن عم لي، فقال لنا: "إذا سافرتما فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، اختاروا الأذان في السفر، وقال بعضهم: تجزئ الإقامة إنما الأذان على من يريد أن يجمع الناس. والقول الأول أصح وبه يقول أحمد وإسحاق. * الكلام عليه: حديث مالك بن الحويرث هذا أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما وقد هذا المعنى المعنى في عدة أحاديث من رواية ابن مسعود [وأنس] (١) وابن عمر وأبي برزة وسلمان وعقبة بن عامر وأبي سعيد الخدري ﵃ عن النبي ﷺ . أما ابن مسعود فعند أحمد من حديثه قال: بينا نحن مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره سمعنا مناديًا ينادي الله أكبر الله أكبر فقال نبي الله: "على الفطرة"، فقال: أشهد أن لا إله إلّا الله فقال نبي الله: "خرج من النار". قال: فابتدرناه فإذا هو صاحب ماشية وعند مسلم نحوه عن أنس سماعهم إياه من بُعد يرجح كون عمله كان أذانًا لا إقامة إذ الأذان مظنة رفع الصوت دون الإقامة.

стр. 1574

وأما حديث ابن عمر فعند البخاري من رواية نافع عنه أنه أذن في ليلة باردة بضجنان ثم قال: فصلوا في رحالكم، وأخبرنا أن رسول الله ﷺ كان يأمر مؤذنًا يؤذن ثم يقول على إثره ألا صلوا في رحالكم، في الليلة الباردة أو المطيرة في السفر. وعن أبي برزة الأسلمي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من عبد أذن في أرض في (١) فيبقى شجر ولا مدر ولا تراب ولا شيء إلا استحلا البكاء لقلة ذاكر الله في ذلك المكان" (٢). رواه أبو بشر إسماعيل بن عبد الله المعروف بسمويه الأصبهاني في "فوائده". وأما حديث سلمان فروينا عن ابن حيان بالسند المتقدم إليه: نا إسحاق بن حكيم نا إسحاق بن إبراهيم عن عبد الرزاق (٣) عن ابن التيمي عن أبيه عن أبي عثمان عن سلمان قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان الرجل بأرض فحانت الصلاة فليتوضأ فإن لم يجد ماء فليتيمم وليقم فإن أقام صلى معه ملكان وإن أذن وأقام صلى خلفه من خلق الله ما لا يُرى طرفاه". أخرجه في الأمر بالأذان في السفر هكذا. وأما حديث عقب: بن عامر فروى أبو مسلم الكشي (٤) في "سننه" من حديث ابن وهب عن عمرو بن الحارث أن أبا عشانة حدثه أنه سمع عقبة بن عامر يحدث أن رسول الله ﷺ قال: "يعجب ربكم من راعي غنم على رأس شظية جبل ينادي

стр. 1575

ويقيم الصلاة فيقول الله : عبدي يؤذن ويقيم ويصلي اشهدوا إني قد غفرت له وأدخلته الجنة". رواه عن سليمان بن داود عنه. أبو عُشانة حي بن يؤمن وثقه أحمد ويحيى. وحديث أبي سعيد روى مالك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة عن أبيه أنه أخبره أن أبا سعيد الخدري قال له: إني أراك تحبُ الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو في باديتك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء فإنه لا يسمع صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة. قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله ﷺ . أخرجه البخاري (١) عن عبد الله بن يوسف عن مالك. وروي في ذلك عن أبي موسى من فعله ما ذكره ابن أبي شيبة (٢) نا محمد بن عبيد عن الأعمش عن مالك بن الحارث عن أبيه قال: كنا مع أبي موسى بعين التمر في دار البريد فأذن وأقام فقلنا له: لو خرجت إلى البرية، فقال: ذا وذاك سواء. فيه دليل على أن الأذان لا يدعه حاضر ولا مسافر وهو موضع اختلف العلماء فيه مع إجماعهم على أن رسول الله ﷺ كان يؤذن له في حياته كلها لكل سفر

стр. 1576

وحضر وأنه ندب المسلمين إلى ذلك وكان ﷺ في غزواته إذا سمع أذانًا كف وعلم أنها دار إيمان وإذا لم يسمعه أغار وكان يأمر بذلك. واختلف العلماء في وجوب الأذان وقد تقدم في باب بدء الأذان من ذلك ما فيه مغنى. الثانية: حكم المسافر في ذلك، وقد اختلف العلماء فيه فقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما وهو قول أبي ثور وأحمد وإسحاق والطبري: إذا ترك المسافر الأذان عامدًا أو ناسيًا أجزأته صلاته وكذلك لو ترك الإقامة عندهم لم يكن عليه إعادة صلاته وقد أساء إن تركها عامدًا قاله أبو عمر، قال: وهو تحصيل مذهب مالك أيضًا. وروى ابن القاسم عن مالك أن الأذان إنما هو في المصر للجماعات في المساجد. وروى أشهب عن مالك قال: إن ترك الأذان مسافرًا عمدًا فعليه إعادة الصلاة ذكره الطبري قال أخبرني يونس بن عبد الأعلى قال: أنا أشهب عن مالك. وقال أبو حنيفة وأصحابه: أما المسافر فيصلي بأذان وإقامة قالوا ويكره أن يصلي بغير أذان ولا إقامة. وأما في المصر فيستحب للرجل إذا صلى وحده أن يؤذن ويقيم فإن اجتزأ بأذان الناس وإقامتهم أجزأه. وقال الثوري: لا يجتزئ بإقامة أهل المصر. وقال الأوزاعي: لا يجزئ المسافر ولا الحاضر صلاة إذا ترك الإقامة. وقال داود بن علي: الأذان واجب على كل مسافر في خاصته والإقامة كذلك واحتج بحديث الباب وهو قول أهل الظاهر. قال أبو عمر: ولا أعلم أحد قال بقوله من فقهاء الأمصار إلا ما روي عن

стр. 1577

أشهب عن مالك وما روي عن الأوزاعي فيمن ترك الإقامة دون الأذان وهو قول عطاء ومجاهد. وقال الثوري: تجزئك الإقامة في السفر عن الأذان وإن شئت أذنت وأقمت وتكفيك الإقامة وإن صليت بغير أذان ولا إقامة أجزأتك صلاتك. وقد نقل عن بعض السلف من الصحابة التفريق في فعل الأذان بين بعض الصلوات وبعض. فروى أيوب عن نافع عن ابن عمر أنه كان في السفر يصلي بإقامة إلا الغداة فإنه كان يؤذن لها ويقيم وهي صلاة الصبح. وذكر ابن أبي شيبة نا عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن ابن أخي الزهري عن عمه عن محمد بن جبير بن مطعم: أن النبي ﷺ لم يكن يؤذن في شيء من الصلاة في السفر إلا الإقامة إلا في صلاة الصبح فإنه كان يؤذن ويقيم. وعن ابن علية عن أيوب عن ابن سيرين قال: كانوا يؤمرون في السفر أن يؤذنوا ويقيموا وأن يؤمهم أقرؤهم. ووكيع عن بريد عن ابن سيرين قال: تجزئ الإقامة إلا في الفجر فإنهم كانوا يقولون يؤذن ويقيم. وعن هشام بن عروة عن أبيه: إذا كنت في سفر فأذن وأقم وإن شئت فأقم ولا تؤذن. وعن القاسم قال: تجزئه الإقامة. وعن الحكم عن إبراهيم قال: إذا كنت في بيتك أو في سفرك أجزأتك الإقامة وإن شئت أذنت غير أن لا تدع أن تثني الإقامة.

стр. 1578

وعن عطاء أنه سئل عن المسافرين يؤذنون ويقيمون قال: تجزئهم الإقامة إلا أن يكونوا متفرقين فيريد أن يجمعهم فيؤذن ويقيم. وعن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: أقمت مع مكحول بدابق خمس عشرة فلم يكن يزيد على الإقامة ولا يؤذن. الثالثة: حكم المنفرد في ذلك، قال أصحابنا: المنفرد في صحراء أو بلد يؤذن على المذهب المنصوص في الجديد والقديم لإطلاق الأحاديث وفيه وجه مخرّج أنه لا يؤذن ووجه خرجه أبو إسحاق المروزي من نصه في الإملاء إن رجا حضور جماعة أذن وإلا فلا. هذا كله إذا لم يبلغ المنفرد أذان غيره فإن بلغه فطريقان: أحدهما: أنه كما لو لم يبلغه فيكون فيه الخلاف وبهذا الطريق قطع الماوردي والبندنيجي. قال البندنيجي: القول الجديد يؤذن والقديم لا. الطريق الثاني: لا يؤذن لأن مقصود الأذان حصل بأذان غيره فإن قلنا يؤذن أقام وإن قلنا لا يؤذن فهل يقيم فيه طريقان: الصحيح: وبه قطع الجمهور يقيم. والثاني: حكاه جماعة من الخراسانيين فيه وجهان قال النووي: وهذا غلط. وإذا قلنا: يؤذن فهل يرفع صوته نظر إن صلى في مسجد قد صلت فيه جماعة لم يرفع لئلا يوهم دخول وقت صلاة أخرى نص عليه في "الأم" واتفقوا عليه. وإن لم يكن كذلك فوجهان الأصح يرفع لعموم الأحاديث في رفع الصوت بالأذان والثاني إن رجا جماعة رفع وإلا فلا.

стр. 1579

الرابعة: الأذان عند الشافعي في الجديد: حق الوقت، وفي القديم: حق الفريضة، وفي الإملاء: حق الجماعة، وحديث الباب يقتضي ترجيح القول بأنه حق الفريضة أو الوقت على القول بأنه حق الجماعة. الخامسة: قال المازري: وفيه دلالة على أن الأذان ليس بمستحق للأفضل ويحتمل أن يكون الفرق بين الأذان والإمامة أن القصد من الأذان الإسماع وذلك متأت من غير الأفضل كتأتيه من الأفضل، بل ربما كان الأنقص فضلًا أرفع صوتًا وقد قال ﵇ في حديث آخر: "فاطلبوا لي أنداكم صوتًا" وهو هاهنا بمعنى: أبلغ في الإسماع، قال الشاعر: فقلت أدعى وأدعوا إن أندى ... لصوت أن ينادي داعيان قال القاضي عياض: وقد يكون أندى من باب ألين وأسلس ويدل عليه قوله في بعض الروايات لعبد الله بن زيد: "إنك فظيع الصوت فألقه على بلال فإنه أندى منك صوتًا". مع قول عمر بن عبد العزيز: أذن أذانًا سمحًا أو اعتزلنا. انتهى. وقول عمر بن عبد العزيز لمؤذنه: أذن أذانًا سمحًا ليس راجعًا إلى حسن الصوت فالذي جبل عليه من ذلك لا يتغير وإنما هو محمول عندهم على تلحين الأذان وتمطيطه وأن ذلك مكروه وقد سبق في باب ما جاء في الترسل في الأذان. وقول المازري: إن الأذان ليس بمستحق للأفضل إن أراد الأفضل من الإمام فقريب وإن أراد الأفضلية المطلقة فقد روينا من طريق ابن حيان بالسند المتقدم نا حسن بن هارون بن سليمان نا عثمان بن أبي شيبة أنا حسين بن عيسى الحنفي عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "ليؤذن لكم خياركم ويؤمكم أقرؤكم". رواه أبو داود وابن ماجه.

стр. 1580

وذكر ابن أبي شيبة بسنده أن عمر قال: من مؤذنوكم؟ قالوا: عبيدنا وموالينا. قال إن ذلك لنقص بكم كبير. السادسة: قوله: (وليؤمكما أكبركما) يدل على تساويهما في شروط الإمامة فهناك يرجع إلى الترجيح بالسن وسيأتي في أبواب الإمامة بيان ذلك إن شاء الله تعالى. * * *
следующие страницы →