وحضر وأنه ندب المسلمين إلى ذلك وكان ﷺ في غزواته إذا سمع أذانًا كف وعلم أنها دار إيمان وإذا لم يسمعه أغار وكان يأمر بذلك.
واختلف العلماء في وجوب الأذان وقد تقدم في باب بدء الأذان من ذلك ما فيه مغنى.
الثانية: حكم المسافر في ذلك، وقد اختلف العلماء فيه فقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما وهو قول أبي ثور وأحمد وإسحاق والطبري: إذا ترك المسافر الأذان عامدًا أو ناسيًا أجزأته صلاته وكذلك لو ترك الإقامة عندهم لم يكن عليه إعادة صلاته وقد أساء إن تركها عامدًا قاله أبو عمر، قال: وهو تحصيل مذهب مالك أيضًا.
وروى ابن القاسم عن مالك أن الأذان إنما هو في المصر للجماعات في المساجد.
وروى أشهب عن مالك قال: إن ترك الأذان مسافرًا عمدًا فعليه إعادة الصلاة ذكره الطبري قال أخبرني يونس بن عبد الأعلى قال: أنا أشهب عن مالك.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: أما المسافر فيصلي بأذان وإقامة قالوا ويكره أن يصلي بغير أذان ولا إقامة. وأما في المصر فيستحب للرجل إذا صلى وحده أن يؤذن ويقيم فإن اجتزأ بأذان الناس وإقامتهم أجزأه.
وقال الثوري: لا يجتزئ بإقامة أهل المصر.
وقال الأوزاعي: لا يجزئ المسافر ولا الحاضر صلاة إذا ترك الإقامة.
وقال داود بن علي: الأذان واجب على كل مسافر في خاصته والإقامة كذلك واحتج بحديث الباب وهو قول أهل الظاهر.
قال أبو عمر: ولا أعلم أحد قال بقوله من فقهاء الأمصار إلا ما روي عن
стр. 1577
أشهب عن مالك وما روي عن الأوزاعي فيمن ترك الإقامة دون الأذان وهو قول عطاء ومجاهد.
وقال الثوري: تجزئك الإقامة في السفر عن الأذان وإن شئت أذنت وأقمت وتكفيك الإقامة وإن صليت بغير أذان ولا إقامة أجزأتك صلاتك.
وقد نقل عن بعض السلف من الصحابة التفريق في فعل الأذان بين بعض الصلوات وبعض.
فروى أيوب عن نافع عن ابن عمر أنه كان في السفر يصلي بإقامة إلا الغداة فإنه كان يؤذن لها ويقيم وهي صلاة الصبح.
وذكر ابن أبي شيبة نا عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن ابن أخي الزهري عن عمه عن محمد بن جبير بن مطعم: أن النبي ﷺ لم يكن يؤذن في شيء من الصلاة في السفر إلا الإقامة إلا في صلاة الصبح فإنه كان يؤذن ويقيم.
وعن ابن علية عن أيوب عن ابن سيرين قال: كانوا يؤمرون في السفر أن يؤذنوا ويقيموا وأن يؤمهم أقرؤهم.
ووكيع عن بريد عن ابن سيرين قال: تجزئ الإقامة إلا في الفجر فإنهم كانوا يقولون يؤذن ويقيم.
وعن هشام بن عروة عن أبيه: إذا كنت في سفر فأذن وأقم وإن شئت فأقم ولا تؤذن.
وعن القاسم قال: تجزئه الإقامة.
وعن الحكم عن إبراهيم قال: إذا كنت في بيتك أو في سفرك أجزأتك الإقامة وإن شئت أذنت غير أن لا تدع أن تثني الإقامة.
стр. 1578
وعن عطاء أنه سئل عن المسافرين يؤذنون ويقيمون قال: تجزئهم الإقامة إلا أن يكونوا متفرقين فيريد أن يجمعهم فيؤذن ويقيم.
وعن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: أقمت مع مكحول بدابق خمس عشرة فلم يكن يزيد على الإقامة ولا يؤذن.
الثالثة: حكم المنفرد في ذلك، قال أصحابنا: المنفرد في صحراء أو بلد يؤذن على المذهب المنصوص في الجديد والقديم لإطلاق الأحاديث وفيه وجه مخرّج أنه لا يؤذن ووجه خرجه أبو إسحاق المروزي من نصه في الإملاء إن رجا حضور جماعة أذن وإلا فلا.
هذا كله إذا لم يبلغ المنفرد أذان غيره فإن بلغه فطريقان:
أحدهما: أنه كما لو لم يبلغه فيكون فيه الخلاف وبهذا الطريق قطع الماوردي والبندنيجي.
قال البندنيجي: القول الجديد يؤذن والقديم لا.
الطريق الثاني: لا يؤذن لأن مقصود الأذان حصل بأذان غيره فإن قلنا يؤذن أقام وإن قلنا لا يؤذن فهل يقيم فيه طريقان:
الصحيح: وبه قطع الجمهور يقيم.
والثاني: حكاه جماعة من الخراسانيين فيه وجهان قال النووي: وهذا غلط.
وإذا قلنا: يؤذن فهل يرفع صوته نظر إن صلى في مسجد قد صلت فيه جماعة لم يرفع لئلا يوهم دخول وقت صلاة أخرى نص عليه في "الأم" واتفقوا عليه.
وإن لم يكن كذلك فوجهان الأصح يرفع لعموم الأحاديث في رفع الصوت بالأذان والثاني إن رجا جماعة رفع وإلا فلا.
стр. 1579
الرابعة: الأذان عند الشافعي في الجديد: حق الوقت، وفي القديم: حق الفريضة، وفي الإملاء: حق الجماعة، وحديث الباب يقتضي ترجيح القول بأنه حق الفريضة أو الوقت على القول بأنه حق الجماعة.
الخامسة: قال المازري: وفيه دلالة على أن الأذان ليس بمستحق للأفضل ويحتمل أن يكون الفرق بين الأذان والإمامة أن القصد من الأذان الإسماع وذلك متأت من غير الأفضل كتأتيه من الأفضل، بل ربما كان الأنقص فضلًا أرفع صوتًا وقد قال ﵇ في حديث آخر: "فاطلبوا لي أنداكم صوتًا" وهو هاهنا بمعنى: أبلغ في الإسماع، قال الشاعر:
فقلت أدعى وأدعوا إن أندى ... لصوت أن ينادي داعيان
قال القاضي عياض: وقد يكون أندى من باب ألين وأسلس ويدل عليه قوله في بعض الروايات لعبد الله بن زيد: "إنك فظيع الصوت فألقه على بلال فإنه أندى منك صوتًا". مع قول عمر بن عبد العزيز: أذن أذانًا سمحًا أو اعتزلنا. انتهى.
وقول عمر بن عبد العزيز لمؤذنه: أذن أذانًا سمحًا ليس راجعًا إلى حسن الصوت فالذي جبل عليه من ذلك لا يتغير وإنما هو محمول عندهم على تلحين الأذان وتمطيطه وأن ذلك مكروه وقد سبق في باب ما جاء في الترسل في الأذان.
وقول المازري: إن الأذان ليس بمستحق للأفضل إن أراد الأفضل من الإمام فقريب وإن أراد الأفضلية المطلقة فقد روينا من طريق ابن حيان بالسند المتقدم نا حسن بن هارون بن سليمان نا عثمان بن أبي شيبة أنا حسين بن عيسى الحنفي عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "ليؤذن لكم خياركم ويؤمكم أقرؤكم". رواه أبو داود وابن ماجه.
стр. 1580
وذكر ابن أبي شيبة بسنده أن عمر قال: من مؤذنوكم؟
قالوا: عبيدنا وموالينا. قال إن ذلك لنقص بكم كبير.
السادسة: قوله: (وليؤمكما أكبركما) يدل على تساويهما في شروط الإمامة فهناك يرجع إلى الترجيح بالسن وسيأتي في أبواب الإمامة بيان ذلك إن شاء الله تعالى.
* * *
стр. 1581
٣٨ - باب ما جاء في فضل الأذان
نا محمد بن حميد الرازي نا أبو تميلة نا أبو حمزة عن جابر عن مجاهد عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال "من أذن سبع سنين محتسبًا كتب له براءة من النار".
قال: وفي الباب عن ابن مسعود وثوبان ومعاوية وأنس وأبي هريرة وأبي سعيد.
قال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث غريب.
وأبو تميلة اسمه يحيى بن واضح.
وأبو حمزة السكري اسمه محمد بن ميمون.
وجابر بن يزيد الجعفي ضعفوه وتركه يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، قال: سمعت الجارود يقول: سمعت وكيعًا يقول: لولا جابر لكان أهل الكوفة بغير حديث ولولا حماد لكان أهل الكوفة بغير فقه.
* الكلام عليه:
رواه ابن ماجة أيضًا.
وجابر بن يزيد أبو يزيد الجعفي كذبه أيضًا أيوب السختياني وزائدة.
وقال أبو حنيفة: ما لقيت أكذب منه.
وقال جرير: لا أستحل أن أروي عنه.
وقال ابن معين: لا يكتب حديثه ولا كرامة وليس بشيء.
وقد وثقه الثوري وشعبة.
стр. 1582
وروى أبو داود عن أحمد بن حنبل قال: لم يتكلم في جابر في حديثه، إنما تكلم فيه لرأيه، قال أبو داود: وليس عندي بالقوي في حديثه.
وقال النسائي: متروك.
وأما أبو تميلة يحيى بن واضح فأخرج له البخاري.
وقد زعم الإمام أبو الفرج بن الجوزي أن البخاري أدخله في كتاب الضعفاء ولم نره فالحديث ضعيف على هذا.
وقد تقدم في الباب قبل هذا حديث ابن مسعود وحديث ثوبان روينا عن ابن حيان بالسند المتقدم إليه نا محمد بن يحيى وإسحاق بن أحمد قالا نا يحيى بن طلحة نا أبو معاوية عن أبي قيس السكوني عن عبادة بن نسي عن أبي مريم السكوني عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : "من حافظ على النداء بالأذان سنة أوجب الجنة".
وأما حديث معاوية فروى مسلم من حديث معاوية بن أبي سفيان قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "المؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة".
وحديث أنس تقدم في الباب قبل هذا.
وذكر الطبراني أيضًا من حديث صفوان بن سليم عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أذن في قرية أمنها الله من عذابه ذلك اليوم".
وحديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا" الحديث.
رواه البخاري ومسلم.
وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "المؤذن يغفر له مد صوته ويشهد له كل رطب ويابس".
стр. 1583
رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
وحديث أبي سعيد الخدري تقدم في الباب قبل هذا أيضًا.
وفيه مما لم يذكره عن عقبة بن عامر وقد تقدم.
وعن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "من أذن اثنتي عشرة سنة وجبت له الجنة وكتب له بتأذينه في كل يوم ستون حسنة وبإقامته ثلاثون حسنة".
رواه ابن ماجه والدارقطني وفي إسناده عبد الله بن صالح كاتب الليث بن سعد وسيأتي له أعني ابن عمر حديث في الباب عند الترمذي: "ثلاثة على كثبان المسك يوم القيامة رجل أم قومًا وهم به راضون ورجل يؤذن في كل يوم خمس صلوات وعبد أدى حق الله وحق مواليه" رواه الإمام أحمد.
وعن البراء بن عازب أن نبي الله ﷺ قال: "إن الله وملائكته يصلون على الصف المقدم، والمؤذن يغفر له بمد صوته ويصدقه من سمعه من رطب ويابس وله مثل أجر من صلى معه". رواه الإمام أحمد والنسائي.
وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: قال رسول الله ﷺ : "إن خيار عباد الله الذين يراعون الشمس والقمر والأظلة لذكر الله " أخرجه ابن شاهين بسنده وقال: حديث غريب صحيح.
وقال سعد بن أبي وقاص: لأن أقوى على الأذان أحب إلي من أحج وأعتمر وأجاهد.
وعن زاذان أنه قال: لو يعلم الناس ما في فضل الأذان لاضربوا عليه بالسيوف.
والأحاديث في هذا الباب عن النبي ﷺ كثيرة.
стр. 1584
فقد روينا في ذلك عن جماعة غير من ذكرناه من الصحابة عن النبي ﷺ منهم معقل بن يسار وعمران بن الحصين والحفصي رجل من الأنصار عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ وأبو موسى الأشعري وجابر بن عبد الله وأبي بن كعب وصفوان بن عسال وزيد بن أرقم وعبد الله بن عمرو.
وروى ابن أبي شيبة ثنا وكيع عن عبيد الله بن الوليد عن عبيد الله بن عبيد بن عمير عن عائشة قالت: ما أرى هذه الآية نزلت إلا في المؤذنين: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.
وروي عن أبي هريرة قال: ارفع صوتك بالأذان فإنه يشهد لك كل شيء سمعك.
وعن ابن عمر أنه قال لرجل: ما عملك؟ قال: الأذان، قال: نعم العمل عملك يشهد لك كل شيء سمعك.
وقال أبو مسعود: لو كنت مؤذنًا ما باليت أن لا أحج ولا أغزو.
وقال عمر: لو كنت أطيق الأذان مع الخليفي لأذنت يعني مع الخلافة.
وعن مصعب بن عبد الرحمن عن كعب قال: من أذن كتبت له سبعون حسنة وإن أقام فهو أفضل.
وعن الحسن البصري قال: أهل الصلاح والحسبة من المؤذنين أول من يكسى يوم القيامة.
وعن مجاهد قال: المؤذن يشهد له كل رطب ويابس سمعه.
والآثار في ذلك كثيرة.
ولفظ حديث ابن عباس: "من أذن سبع سنين محتسبًا"، وحديث ثوبان:
стр. 1585
"سنة"، وحديث ابن عمر: لا اثنتي عشرة سنة".
وقد روينا في ذلك عن أبي الشيخ بالسند المتقدم إليه قال: نا عبد الله بن سنده نا إسماعيل بن يزيد نا إبراهيم بن رستم نا حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من أذن خمس صلوات إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه".
ولا تعارض بين هذه المدد المختلفة في الإقامة بوظيفة الأذان بالطول والقصر لاختلاف الثواب المترتب عليها ففي حديث أبي هريرة: "غفر له ما تقدم من ذنبه" وهو وإن كان ثوابًا حسنًا فليس فيه ما يقتضي دخول الجنة ولا البراءة من النار لما قد يحدث منه بعد مما قد يُطلبُ بعهدته وحديث ثوبان المقيد بسنة أطول مدة وأكمل ثوابًا إذ الوعد فيه بالجنة محقق فهو يقتضي السلامة مما يحول بينه وبين الجنة فيما تقدم له قبل الأذان تلك المدة وما تأخر عنها.
وحديث ابن عباس المقيد بسبع سنين كذلك أيضًا إذ البراءة من النار أمر زائد على دخول الجنة، فليس كل من دخلها سلم من النار.
وحديث ابن عمر الأطول منها كلها مدة تضمن [مع وجوب الجنة له] (١) زيادة تسعين حسنة كل يوم على الأذان والإقامة يقتضي زيادة في رفع الدرجات في الجنة إن شاء الله تعالى.
قال القاضي عياض: واعلم أن الأذان كلمة جامعة لعقيدة الإيمان مشتملة على نوعيه من العقليات والسمعيات فأوله إثبات الذات وما تستحقه من الكمال والتنزيه عن أضدادها وذلك بقول الله أكبر.
وهذه اللفظة مع اختصار لفظها دالة على ما ذكرناه.
стр. 1586
ثم صرح بإثبات الوحدانية ونفي ضدها من الشركة المستحيلة في حقه .
وهذه عمدة الإيمان والتوحيد المقدمة على كل وظائف الدين.
ثم صرح بإثبات النبوة والشهادة بالرسالة لنبينا ﷺ وهي قاعدة عظيمة بعد الشهادة بالوحدانية وموضعها بعد التوحيد لأنها من الأفعال الجائزة الوقوع.
وتلك المقدمات من باب الواجبات وبعد هذه القواعد كملت العقائد العقليات فيما يجب ويستحيل ويجوز في حقه .
ثم دعا إلى ما دعاهم إليه من العبادات، فدعاهم إلى الصلاة وعقبهما بعد إثبات النبوة، لأن معرفة وجوبها من جهة النبي ﷺ لا من جهة العقل.
ثم دعا إلى الفلاح وهو الفوز والبقاء في النعيم المقيم وفيه إشعار بأمور الآخرة من البعث والجزاء وهي آخر تراجم عقائد الإسلام.
ثم كرر ذلك بإقامة الصلاة للإعلام بالشروع فيها وهو متضمن لتأكيد الإيمان وتكرار ذكره عند الشروع في العبادة بالقلب واللسان وليدخل المصلي فيها على بينة من أمره وبصيرة من إيمانه ويستشعر عظيم ما دخل فيه وعظمة حق من يعبده وجزيل ثوابه انتهى.
فمن أتى بذلك محتسبًا أجره على الله تعالى فالله أكرم أن يخيب سعيه ومن رزقه طول المدة في ذلك رزقه جزيل الثواب عليه وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
* * *
стр. 1587
٣٩ - باب ما جاء أن الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن
حدثنا هناد نا أبو الأحوص وأبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن، اللهم ارشد الأئمة واغفر للمؤذنين".
وفي الباب عن عائشة وسهل بن سعد وعقبة بن عامر.
قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة رواه سفيان الثوري وحفص بن غياث وغير واحد عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ .
ورواه أسباط بن محمد عن الأعمش قال: حُدثت عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ .
وروى نافع بن سليمان عن محمد بن أبي صالح عن أبيه عن عائشة عن النبي ﷺ هذا الحديث.
قال: وسمعت أبا زرعة يقول حديث أبي صالح عن أبي هريرة أصح من حديث أبي صالح عن عائشة.
قال: وسمعت محمدًا يقول حديث أبي صالح عن عائشة أصح.
وذُكر عن علي بن المديني أنه لم يثبت حديث أبي صالح عن أبي هريرة ولا حديث أبي صالح عن عائشة.
* الكلام عليه:
هذا حديث معلل وقد حكى الترمذي فيه كلام أبي زرعة والبخاري وذكر كلام ابن المديني في حديثي أبي هريرة وعائشة [وقال أبو بكر بن مفوز الحافظ
стр. 1588
الأندلسي: قال ابن المديني: رواه أبو صالح عن عائشة بإسناد جيد وطرق أبي هريرة معلولة وقال الترمذي عن ابن المديني في العلل وكأنه رأى أصح شيء في هذا الباب عن الحسن عن النبي ﷺ مرسلًا] (١).
وممن ضعفه أيضًا أحمد بن حنبل وهو معلل عندهم بأمرين:
أحدهما: الانقطاع بين الأعمش وأبي صالح.
الثاني: الاختلاف فيه على أبي صالح.
فأما الأول فقد روي عن الأعمش عن أبي صالح كذا هو عند جماعة من أصحاب الأعمش منهم الثوري وحفص، وأبو الأحوص وأبو معاوية والأوزاعي وعيسى بن يونس [وكذلك أخرجه في كتاب "العلل" له عن أبي بدر شجاع بن الوليد قال: سمعت الأعمش يقول: حُدثت عن أبي صالح فذكره] (٢).
ورُوي عن الأعمش قول: حُدثت عن أبي صالح حكاه الترمذي عن أسباط بن نصر وهو عند أبي داود وعن أحمد بن حنبل عن محمد بن فضيل قال نا الأعمش عن رجل عن أبي صالح ... الحديث.
ورواه أبو داود من جهة ابن نمير عن الأعمش قال: نُبئت عن أبي صالح ولا أراني إلا قد سمعته منه.
وقد ذكره أبو الحسن علي بن عبد العزيز في "مسنده" فصرح فيه بسماع الأعمش من أبي صالح.
الثاني: الاختلاف على أبي صالح في إسناده فذكر عنه أبو هريرة وروي عنه
стр. 1589
عن أبي هريرة عن عائشة، رواه كذلك الطبراني عن فضيل بن محمد الملطي عن موسى بن داود الضبي عن زهير بن معاوية عن أبي إسحاق عن أبي صالح عن أبي هريرة عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن فأرشد الله الإمام وغفر للمؤذنين". رواه الإمام أحمد.
وذكره نافع بن سليمان عن محمد بن أبي صالح عن أبيه عن عائشة أخرجه البيهقي في سننه الكبير بإسناده من طريق أبي عبد الرحمن المقري قال حدثني حيوة قال حدثني نافع.
ووثق ابن معين نافع بن سليمان.
روراه الحارث بن أبي أسامة عن المقري أيضًا.
ورواه الشافعي عن إبراهيم بن محمد بن سهيل بإسناده المذكور ولفظه: "الأئمة ضمناء والمؤذنون أمناء فأرشد الله الأئمة وغفر للمؤذنين". أخرجه البيهقي من جهة الشافعي.
وقال البيهقي: لم يسمعه سهيل من أبيه، إنما سمعه من الأعمش.
ثم أخرجه من حديث سهيل عن الأعمش عن أبي صالح.
وقد روري أيضًا من جهة الأعمش عن مجاهد عن ابن عمر أخرجه البيهقي من حديث إبراهيم بن طهمان عنه عطفًا على حديث ابن عمر: "المؤذن يغفر له مد صوته ويصدقه كل رطب ويابس".
ثم روى من حديث عمار بن رزيق عن الأعمش به: "يغفر الله للمؤذن مد صوته" الحديث.
وقال: هذا القدر مرفوعًا دون الحديث الآخر.
стр. 1590
كأن البيهقي -والله أعلم- يشير إلى تعليل حديث إبراهيم بن طهمان بحديث عمار بن رزيق، وإبراهيم بن طهمان [ثقة] (١) وقد زاد زيادة فلا يعلها تقصير من قصر عن الإتيان بها.
ومرسل الحسن الذي تقدمت الإشارة إليه عن علي بن المديني رواه البيهقي بسنده إلى ابن المديني ثنا محمد بن أبي عدي أنبأنا يونس عن الحسن ذكر ﷺ أنه قال: "الإمام ضامن" الحديث.
قال المقدسي محمد بن عبد الواحد: وقد رواه أحمد عن قتيبة عن عبد العزيز بن محمد عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة.
وقد روى مسلم بهذا الإسناد نحوًا من أربعة عشر حديثًا انتهى.
يريد بذلك أنه على شرط مسلم، ولولا إعلاله بأن سهيلًا لم يسمعه من أبيه لصح ذلك وقد يجاب عنه بأن الواسطة بينهما قد عرف وهو الأعمش كما تقدم فلا يضر هذا الانقطاع إذ قد عرف الواسطة وأنه ثقة.
ثم يبقى بعد ذلك الانقطاع الثاني بين الأعمش وأبي صالح الذي تقدم فيه قول من قال عنه رجل عن أبي صالح أو حدثت عن أبي صالح ولم يعرف الواسطة من هو.
ويجاب عن هذا الثاني بأن ابن نمير قد قال: عن الأعمش حدثت عن أبي صالح ولا أراني إلا قد سمعته.
وقال إبراهيم بن حميد الرؤاسي عن الأعمش عن رجل عن أبي صالح عن أبي هريرة قال الأعمش وقد سمعته من أبي صالح.
стр. 1591
[وقال هشيم عن الأعمش ثنا أبو صالح عن أبي هريرة ذكرها الدارقطني فبينت هذه الطرق أن الأعمش سمعه عن أبي صالح، ثم سمعه منه، فالكل صحيح، والحديث متصل إن شاء الله.
وفي الباب مما لم يذكره عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "خصلتان معلقتان في أعناق المؤذنين للمسلمين صيامهم وصلاتهم".
رواه ابن ماجه (١) من طريق مروان بن سالم قال أحمد: ليس بثقة وقد روى ابن عساكر أنا أبو نصر محمد بن محمود الشحامي السرخسي أنا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن يحيى النيسابوري أنا أبو نصر محمد بن الحسين بن جعفر الصوفي نا الأصم أنا الربيع أنا الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن" الحديث ذكره القشيري في "أحكامه"، وحكى عن ابن عساكر استغرابه].
وفيه من حديث واثلة بن الأسقع روينا عن ابن حيان بالسند المتقدم إليه قال نا أبو الوليد بشر بن محمد الكوفي نا الحلواني نا يزيد بن هارون نا عنبسة بن سعيد بن حماد مولى بني أمية نا حجاج مولى الوليد بن عبد الملك عن واثلة بن الأسقع قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن اللهم اغفر للمؤذنين واهد الأئمة".
حماد مولى بني أمية، قال الأزدي: متروك الحديث.
وروى البيهقي بسنده إلى علي بن المديني قال نا روح بن عبادة نا حماد بن سلمة أنا أبو غالب قال سمعت أبا أمامة يقول: "المؤذنون أمناء والأئمة ضمناء" قال:
стр. 1592
والأذان أحب إلي من الإمامة.
وعن أبي محذورة قال: قال رسول الله ﷺ : "أمناء المسلمين على صلاتهم وسحورهم المؤذنون" أخرجه البيهقي من طريق يحيى بن عبد الحميد وفيه كلام.
وقد تقدم حديث ابن عباس: "ليؤذن لكم خياركم"، عن أبي داود وابن ماجه.
والضمان في اللغة هو الكفالة والحفظ والرعاية، قال الهروي وغيره قال الشاعر:
رعاك ضمان الله يا أم مالك
وقيل في معناه هنا أربعة أوجه:
الأول: أنهم ضمناء لما عانوا عليه من الإسرار بالقراءة والذكر، حكي عن الشافعي في "الأم".
الثاني: المراد ضمان الدعاء أن يعم القوم به ولا تخص نفسه به.
الثالث: لأنه يتحمل القيام والقراءة عن المسبوق (١).
وقال الخطابي: معناه: أنه يحفظ على القوم صلاتهم وليس هو من الضمان الموجب للغرامة.
وأما أمانة المؤذنين فقيل لأنهم أمناء على مواقيت الصلاة وقيل أمناء على حُرم الناس لأنهم يشرفون على المواضع العالية وقيل أمناء في تبرعهم بالأذان.
وقد اختلف الفقهاء هل يجري بين الأذان والإمامة تفضيل أو لا؟ فمنعه
стр. 1593
بعضهم وقال: هما سواء حكاه صاحب "البيان" والرافعي، وقال بإجراء التفضيل بينهما آخرون واختلفوا، فقال بعضهم: الأذان أفضل وهو نص الشافعي في "الأم" وإليه ذهب العراقيون والسرخسي والبغوي [وآخرون].
قال المحاملي منهم: لأن الأمين متطوع بعمله والضامن يجب عليه فعل ذلك وذكروا قوله ﵇: "المؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة" أي أكثرهم تشوفًا إلى رحمة الله تعالى إذ المتشوف إلى الشيء يُطيل عنقه نحوه.
وقال النضر بن شميل: إذا ألجم الناس العرق طالت أعناقهم لئلا يغشاهم ذلك العرق والكرب.
وقيل معناه: أنهم رؤساء والعرب تصف السادة بطول الأعناق.
قال الشاعر:
يشبهون سيوفًا في صرامهم ... وطول أنضية الأعناق واللمم
النّضي ما بين الرأس والكاهل من العنق.
وقيل أكثر الناس أتباعًا.
وقال ابن الأعرابي: أكثر الناس أعمالًا.
وفي الحديث: "تخرج من النار عنق" يقال لفلان عنق من الخير أي قطعة منه.
قال القاضي عياض: ورواه بعضهم إعناقًا بكسر الهمزة وهو ضرب من السير أي إسراعًا يعني إلى الجنة.
والعنق ضرب من السير، ومنه: لا يزال الرجل معنقًا ما لم يُصيب دمًا.
стр. 1594
وذكروا ما سبق من الأحاديث في الباب قبل هذا.
وقال آخرون منهم: الإمامة أفضل وهو الأصح عند الخراسانيين ونقلوه أيضًا عن نص الشافعي وصححه القاضي أبو الطيب الطبري وقطع به الدارمي.
واحتج هؤلاء بأن النبي ﷺ والخلفاء الراشدين بعده أمّوا ولم يؤذنوا، وكذا كبار العلماء بعدهم وبحديث مالك بن الحويرث الذي تقدم وفيه فليؤذن لكما أحدكما وليؤمكما أكبركما وقد سبق الكلام عليه.
وقال آخرون: إن علم من نفسه القيام بحقوق الإمامة وجمع خصالها فهي أفضل وإلا فالأذان حكاه الشيخ أبو حامد وصاحب "البيان" وغيرهما ونقله الرافعي عن أبي علي الطبري وابن كج والمسعودي والقاضي حسين.
قال النووي: والمذهب ترجيح الأذان وقد نص في "الأم" على كراهة الإمامة فقال: أحب الأذان لقول رسول الله ﷺ : "اللهم اغفر للمؤذنين" وأكره الإمامة للضمان وما على الإمام فيها هذا نصه. وقال أبو الفتح: انتهى كلام النووي ولو استوعب نص الشافعي لم يستنبط منه ذلك فبقية كلام الشافعي في "الأم" وإذا أم ينبغي له أن يتقي ويؤدي ما عليه فإذا فعل ذلك رجوت أن يكون أحسن حالًا من غيره انتهى كلام الشافعي وليس فيه كراهية الإمامة مطلقًا كما حكى عنه وإنما فيه ... أن يتقِ الله وأن يؤدي ما عليه فيها، وهذا ظاهر.
وأما الجمع بين الأذان والإمامة للشخص الواحد فقال أبو محمد الجويني والبغوي وغيرهما: يكره أن يكون الإمام هو المؤذن.
[واحتجوا بحديث عن جابر رواه البيهقي وقال: هو ضعيف بمرة وسنذكره] (١).
стр. 1595
وقد روى في ذلك عن جابر وأنس خبران ضعيفان.
أما حديث جابر فرويناه عن ابن حيان بالسند المتقدم إليه ثنا الطهراني نا أبو أنس كثير بن محمد التميمي نا إسحاق بن إبراهيم الجعفي الصيني نا معلى عن محمد بن سُوقة عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ أن يكون المؤذن إمامًا.
معلى هو ابن هلال بن سويد أبو عبد الله الطحان رماه السفيانان بالكذب وابن المبارك وابن المديني بوضع الحديث.
ورماه بالكذب ووضع الحديث معًا أحمد ويحيى.
وتركه الأزدي والدارقطني وتكلم فيه غيرهم.
وأما حديث أنس فذكره ابن عدي من طريق سلام الطويل عن زيد العمي عن قتادة عن أنس عن النبي ﷺ قال: "يكره للمؤذن أن يكون إمامًا".
قال: ولعل البلاء فيه من سلام أو من زيد أو منهما.
وقال القاضي أبو الطيب: قال أبو علي الطبري: الأفضل أن يجمع الرجل بين الأذان والإمامة ليحوز الفضيلتين وبهذا قطع صاحب "الحاوي" قال: وفي كل واحد من الأذان والإمامة فضل وللإنسان فيهما أربعة أحوال، حال يمكنه القيام بهما والفراغ لهما فالأفضل أن يجمع بينهما.
وحال يعجز عن الإمامة لقلة علمه وضعف قراءته ويقدر على الأذان لعلو صوته ومعرفته بالأوقات فالانفراد بالأذان أفضل.
وحال يعجز عن الأذان لضعف صوته وقلة إبلاغه ويكون قيمًا بالإمامة لمعرفة أحكام الصلاة وحسن قراءته فالإمامة أفضل.
стр. 1596
وحال يقدر على كل واحد ويصلح له ولا يمكنه الجمع بينهما فأيهما أفضل؟ فيه وجهان وقد صحح الشيخ محيي الدين القول بالجمع بينهما لمن أمكنه وقد يحتج لهذا بما رواه الترمذي من حديث يعلى بن مرة فيه: وأذن رسول الله ﷺ على راحلته وأقام وسيأتي في بابه إن شاء الله تعالى.
* * *
стр. 1597
٤٠ - باب ما جاء ما يقول الرجل إذا أذن المؤذن
حدثنا الأنصاري نا معن نا مالك ونا قتيبة عن مالك عن الزهري عن عطاء بن يزيد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن".
قال: وفي الباب عن أبي رافع وأبي هريرة وأم حبيبة وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن ربيعة وعائشة ومعاذ بن أنس ومعاوية.
قال أبو عيسى: حديث أبي سعيد حديث حسن صحيح.
وهكذا روى معمر وغير واحد عن الزهري مثل حديث مالك وروى عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري هذا الحديث عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ . ورواية مالك أصح.
* الكلام عليه:
أخرجه البخاري ومسلم.
وكقول الترمذي في ترجيح رواية مالك قال ابن أبي حاتم في "علله"، قال الدارقطني: حدث به إسحاق بن إبراهيم الحنيني عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد ووهم فيه على مالك. والصحيح عن مالك عن الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي سعيد.
وكذلك رواه أصحاب "الموطأ" والحفاظ عن مالك عن الزهري وكذلك رواه يونس ومعمر عن الزهري عن عطاء بن يزيد عن أبي سعيد وخالفهم عبد الرحمن بن إسحاق وهو عباد فرواه عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ولا يصح فيه سعيد والصحيح ما ذكرناه.
стр. 1598
قال أبو عمر: إن المغيرة رواه عن مالك عن الزهري عن سعيد بن المسيب وعطاء بن يزيد الليثي جميعًا عن أبي سعيد الخدري ولم يذكر سعيدًا في إسناد هذا الحديث غيره.
وقد روي هذا الحديث عن مسدد عن يحيى القطان عن مالك عن الزهري عن السائب بن يزيد عن النبي ﷺ وذلك خطأ من كل من رواه بهذا الإسناد عن مسدد أو غيره ولا يعرف فيه ويحفظ إلا حديث الزهري عن عطاء بن يزيد عن أبي سعيد الخدري وهو الصحيح [فيه] والله أعلم (١).
وأما حديث أبي رافع فعند النسائي من حديث شريك ........... (٢) عن أبي رافع قال: كان رسول الله ﷺ إذا سمع المؤذن قال مثل ما يقول حتى إذا بلغ حي على الصلاة حي على الفلاح قال: "لا حول ولا قوة إلا بالله".
وأما حديث أبي هريرة فعند النسائي (٣) أيضًا عنه قال: كنا مع رسول الله ﷺ فقام بلال ينادي فلما سكت قال رسول الله ﷺ : "من قال مثل هذا يقينًا دخل الجنة".
وحديث أم حبيبة عند الطحاوي وابن عبد البر من طريق أبي بشر عن أبي المليح عن عبد الله بن عتبة عن عمته أم حبيبة بنت أبي سفيان قالت: كان رسول الله ﷺ إذا كان عندي فسمع المؤذن قال كما يقول حتى يسكت. لفظ أبي عمر.
стр. 1599
وحديث عبد الله بن عمرو: أن رجلًا قال: يا رسول الله إن المؤذنين يفضلوننا، فقال رسول الله ﷺ : "قل كما يقولون فإذا انتهيت فسل تعطه".
رواه أبو داود والنسائي.
وحديث عبد الله بن رُبَيّعة -بضم الراء المهملة وفتح الباء ثاني الحروف وتشديد الياء آخر الحروف وبعدها عين مهملة وهاء- روى شعبة عن الحكم عن ابن أبي ليلى عن عبد الله بن ربيّعة أن رسول الله ﷺ سمع رجلًا يؤذن في سفر فقال: الله أكبر الله أكبر، فقال النبي ﷺ : "الله أكبر الله أكبر" فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: "أشهد أن لا إله إلا الله" قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، قال: "أشهد أن محمدًا رسول الله" رواه النسائي في "اليوم والليلة".
وحديث عائشة: روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي ﷺ كان إذا سمع المؤذن يتشهد قال: "وأنا"، أخرجه أبو داود عن إبراهيم بن مهدي عن علي بن مسهر عنه.
وحديث معاذ بن أنس روينا عن أبي الشيخ بن حيان ثنا محمد بن يعقوب بن أبي يعقوب نا أبو كريب نا رشدين بن سعد عن زبان بن فائد عن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا سمعتم المؤذن يثوب بالصلاة فقولوا كما يقول".
وحديث معاوية أخرجه النسائي من رواية الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن إبراهيم عن عيسى بن طلحة قال: كنا عند معاوية فلما قال المؤذن: الله أكبر، قال هو: الله أكبر فلما قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، فلما قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، قال معاوية: وأنا أشهد، ثم
стр. 1600
قال: هكذا سمعت رسول الله ﷺ .
محمد بن إبراهيم هو التيمي.
وروى البخاري من حديث أبي أمامة أسعد بن سهل بن حنيف قال: سمعت معاوية بن أبي سفيان وهو جالس على المنبر أذن المؤذن قال: الله أكبر الله أكبر، قال معاوية: الله أكبر الله أكبر، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقال معاوية: وأنا، قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، قال معاوية: وأنا، فلما أن قضى التأذين قال: يا أيها الناس إني سمعت رسول الله ﷺ على هذا المجلس من المنبر حين أذن المؤذن يقول ما سمعتم مني من مقالتي.
وفي رواية أنه لما قال: حي على الصلاة قال: لا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال: هكذا سمعنا نبيكم يقول. رواه البخاري.
وفي الباب مما لم يذكره عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ : "وإذا قال المؤذن الله أكبر الله أكبر فقال أحدكم الله أكبر الله أكبر، ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله قال أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال أشهد أن محمد رسول الله قال أشهد أن محمد رسول الله، ثم قال حي علي الصلاة قال لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال حي على الفلاح قال لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال الله أكبر الله أكبر قال الله أكبر الله أكبر ثم قال لا إله إلا الله قال لا إله إلا الله دخل الجنة" رواه مسلم.
وعن سعد بن أبي وقاص عن النبي ﷺ أنه قال: "من قال حين يسمع المؤذن أشهد أن لا إله لا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله رضيت بالله ربًا وبمحمد رسولًا وبالإسلام دينًا غفر الله ذنبه". وراه مسلم.
وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: "من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمد الوسيلة والفضيلة وابعثه
стр. 1601
مقامًا محمودًا الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة".
وعن عبد الله بن مسعود من طريق الحكم بن طاهر عن عاصم عن زر عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا إذن المؤذن فقال: الله أكبر الله أكبر قال النبي ﷺ : "الله أكبر الله أكبر" فإذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله قال النبي ﷺ : "أشهد أن لا إله إلا الله" فإذا قال: أشهد أن محمد رسول الله قال: "قال أشهد أن محمد رسول الله" ثم يسكت.
قال الأثرم: حديث الحكم بن طاهر واهٍ، كأنه يعله بالحكم فقد تكلموا فيه.
وروينا عن أبي محمد بن حيان بالسند المتقدم إليه ثنا ابن الطهراني ثنا أحمد بن محمد بن المعلى ثنا حفص بن عمّار عن مبارك بن فضالة عن الحسن عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ كان إذا سمع المؤذن قال كما يقول وأنه كان يقول إذا بلغ حي على الفلاح: "لا حول ولا قوة إلا بالله".
وبه إلى ابن حيان أيضًا قال نا محمد بن إبراهيم بن شبيب نا سليمان بن داود نا أبو محمد الحسن البجلي عن عبد الله بن أبي المجالد عن وراد عن المغيرة بن شعبة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من قال حين يؤذن المؤذن مثل قوله غفر له".
وبه قال نا أبو سعيد الواسطي نا أحمد بن عبد المؤمن المصري نا ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن يحيى بن عبد الرحمن أنه حدثه عن عون بن عبد الله عن يوسف بن عبد الله بن سلَّام عن أبيه سمع رسول الله ﷺ نداءً وهو يشهد أن لا إله إلا الله فقال: "وأنا أشهد، لا يشهد بها أحد إلا برئ من النار".
قال أبو عمر: اختلف العلماء في معنى هذا الحديث بعد إجماعهم على
стр. 1602
صحته. فذهب قوم إلى أن الذي سمع النداء يقول مثل ما يقول المؤذن من أول الأذان إلى آخره.
وحجتهم حديث الباب وما في معناه.
وقال آخرون: يقول مثل ما يقول المؤذن في كل شيء إلا في قوله حي على الصلاة وفي قوله حي على الفلاح فإنه إذا سمع المؤذن ينادي بذلك يقول لا حول ولا قوة إلا بالله ثم يتم الأذان معه إلى آخره، واحتجوا بحديث عمر بن الخطاب الذي تقدم وما في معناه وإليه ذهب الشافعي تقديمًا لخصوص الجواب بالحوقلة على عموم حديث الجواب المماثلة، وفيه من المعنى أن الكلمات الخارجة عن الحيعلة يحصل ثوابها بذكرها فيشترك السامع والمؤذن في ثوابها إذا حكاها السامع، وأما الحيعلة فمقصودها الدعاء إلى الصلاة وذلك يحصل من المؤذن وحده فعوض السامع عن ذلك الثواب الذي يحصل للمؤذن بالحيعلة بالثواب الذي يحصل له بالحوقلة وسنتكلم على مدلول لفظة الحيعلة والحوقلة في آخر الباب إن شاء الله.
وقال آخرون: يقول مثل ما يقول المؤذن حتى يبلغ حي على الصلاة حي على الفلاح فيقول لا حول ولا قوة إلا بالله بدل كل كلمة منها مرتين مرتين على حسب ما يقول المؤذن ثم لا يزيد على ذلك وليس عليه أن يختم الأذان.
واحتجوا بحديث معاوية الذي ذكرناه.
وقال آخرون: إنما يقول مثل ما يقول المؤذن في التكبير والشهادتين لا غير واحتجوا بما روى أبو أمامة بن سهل بن حنيف قال: سمعت معاوية إذا كبر المؤذن اثنتين كبر اثنتين فإذا شهد أن لا إله إلا الله اثنتين شهد اثنتين وإذا شهد أن محمدًا رسول الله اثنتين شهد اثنتين ثم التفت إلي.
فقال: هكذا سمعت رسول الله ﷺ يقول عند الأذان.
стр. 1603
وقال آخرون: إنما يقول مثل ما يقول المؤذن في التشهد دون التكبير ودون سائر الأذان واحتجوا بحديث رواه الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا سمعتم المؤذن يتشهد فقولوا مثل قوله"، وبحديث سعد بن أبي وقاص الآتي بعد هذا ولفظه: "من قال حين يسمع المؤذن وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله رضيت بالله ربًا وبمحمد رسولًا وبالسلام دينًا غفر له".
ومن قال بهذا الحديث يقول إنه لا يلزم من سمع المؤذن أن يأتي بألفاظه إذا أتي (١) بمعناه من التشهد والإخلاص والتوحيد.
ومن حجة من ذهب هذا المذهب أيضًا حديث عائشة أنه ﵇ كان إذا سمع المؤذن يتشهد قال: "وأنا وأنا"، والمشهور في هذه المتابعة أنها سنة ليست بواجبة وحكى الطحاوي خلافًا لبعض السلف في إيجابها.
قال أصحابنا: ويستحب لسامع المؤذن أن يتابعه في ألفاظ الأذان ويقول في الحيلتين لا حول ولا قوة إلا بالله ويقول إذا سمع المؤذن لصلاة الصبح يقول الصلاة خير من النوم استحب له أن يقول: صدقت وبررت هذا هو المشهور وحكى الرافعي وجهان: أنه يقول صدق رسول الله ﷺ الصلاة خير من النوم ويستحب أن يتابعه في ألفاظ الإقامة إلا أنه يقول في كلمة الإقامة: أقامها الله وأدامها هكذا قطع به الأصحاب إلا الغزالي فحكى في "البسيط" عن صاحب "التقريب" وجهًا أنه لا يستحب متابعته إلا في كلمة الإقامة وهذا شاذ ضعيف.
стр. 1604
ويستحب لمن يتابع المؤذن أن يتابعه في كل كلمة عقيب فراغ المؤذن منها ولا يؤخر ذلك عن فراغه من الكلمة لما تقتضيه الفاء من التعقيب في قوله: إذا سمعتم النداء فقولوا، فإن قيل: النداء حقيقة يطلق على مجموع الأذان فليكن الشروع في الإجابة عند تمام الأذان ولم يقولوا به، فيقال في الجواب عنه: قَدْ بُيّن لنا إن هذه الحقيقة غير مرادة، والأحاديث التي تضمنت الإجابة كلمة كلمة قولًا وفعلًا كما في حديث عمر وابن مسعود وغيرهما، ويستحب متابعته لكل سامع من طاهر ومحدث وجنب وحائض وكبير وصغير ويستثنى من هذا المصلي ومن هو على الخلاء والجماع على اختلاف في المصلي بين السلف وتفصيل لمتقدمي العلماء ومتأخريهم سنذكره.
فإذا فرغ ذو الخلاء والجماع مما كانا فيه تابع كل منهما، صرح به الماوردي، وكذا إذا كان السامع في قراءة أو ذكر أو درس علم أو نحو ذلك فإنه يقطع ما هو فيه ويتابع المؤذن ثم إن شاء رجع إلى ما كان عليه.
مسألة: سامع المؤذن وهو في الصلاة، المنقول عن الشافعي وأصحابه أنه لا يتابعه في الصلاة فرضًا كانت أو نفلًا فإذا فرغ منها قاله.
وحكى الخراسانيون في استحباب متابعته إياه وهو في الصلاة قولًا شاذًا.
فإذا قلنا على المذهب أنه لا يتابعه فتابعه فقولان أصحهما أنه يكره والثاني أنه خلاف الأولى وقيل إنه مباح لا يستحب فعله ولا تركه وهذا اختيار الشيخ أبي علي السنجي وإمام الحرمين والمذهب كراهته.
فإذا تابعه في ألفاظ الأذكار وقال في الحيعلتين لا حول ولا قوة إلّا بالله لم تبطل صلاته لأنها أذكار والصلاة لا تبطلها الأذكار. وإن أتى في متابعة الحيعلتين بحكايتهما نصًّا فهو كلام آدمي، فإن كان عالمًا بأنه في الصلاة وأن هذا كلام آدمي
стр. 1605
بطلت صلاته وإن كان ناسيًا للصلاة لم تبطل.
وإن كان عالمًا بالصلاة جاهلًا بأن ذلك كلام آدمي وأنه ممنوع منه ففي بطلان صلاته وجهان حكاهما القاضي حسين.
أصحهما لا تبطل وبه قطع الأكثرون.
قالوا: ويسجد للسهو الناسي، وكذا الجاهل إذا لم تبطلها لأنه تكلم في صلاته ناسيًا.
قال القاضي حسين: ولو قال في متابعته في التثويب: صدقت وبررت فهو كقوله حي على الصلاة لأنه كلام آدمي.
وقال: كذا لو قال مثله الصلاة خير من النوم ولو قال صدق رسول الله لم تبطل ولو قال قد قامت الصلاة بطلت صلاته كما لو قال حضرت الصلاة.
ولو قال أقامها الله وأدامها لم تبطل واتفقوا على أنه لا يتابعه إذا كان في قراءة الفاتحة فلو تابع وجب استئناف القراءة بخلاف ما لو أمّن فيها لتأمين الإمام فإنه لا يوجب الاستئناف على الأصح، لأن التأمين مستحب.
قال أبو إسحاق: وليس التأكيد في متابعة المؤذن بعد فراغ المصلي كالتأكيد في متابعة من ليس هو في صلاة.
قال صاحب "الحاوي": ولو سمعه وهو في طواف تابعه وهو على طوافه، لأن الطواف لا يمنع الكلام.
وقال مالك: إذا أذن وأنت في صلاة مكتوبة فلا تقل مثل ما يقول، وإذا كنت في نافلة فقل مثل ما يقول: التكبير والتشهد فإنه يقع في نفسي أنه الذي أريد بالحديث، هذه رواية ابن القاسم ومذهبه.
стр. 1606
وقال ابن وهب من رأيه: يقول المصلي ما يقول المؤذن في المكتوبة والنافلة.
وقال سحنون: لا يقول ذلك في مكتوبة ولا نافلة.
وقال الليث مثل قول مالك.
ويقول في موضع حي على الصلاة حي على الفلاح لا حول ولا قوة إلا بالله.
وذكر ابن خويز منداد عن مالك أنه قال: يجوز أن يقول المصلي في صلاة النافلة مثل ما يقول المؤذن من التكبير والشهادتين، فإن قال حي على الصلاة حي على الفلاح الأذان كله كان مسيئًا وصلاته تامة.
وكره أن يقول في الفريضة مثل ما يقول المؤذن فإن قال الأذان كله في الفريضة أيضًا لم تبطل صلاته ولكن الكراهية في الفريضة أشد.
وقال أبو جعفر الطحاوي: لم أجد عن أصحابنا في هذا شيئًا منصوصًا.
وقد حدثنا ابن أبي عمران عن أبي سماعة عن أبي يوسف فيمن أذن صلاته إلى قوله أشهد أن محمدًا رسول الله ولم يقل حي على الصلاة أن صلاته لا تفسد إن أراد الأذان في قول أبي يوسف.
وفي قول أبي حنيفة يعيد إذا أراد الأذان.
قال أبو جعفر: وقول محمد كقول أبي حنيفة، لأنه يقول فيمن يجيب إنسانًا وهو يصلي بلا إله إلا الله أن صلاته فاسدة.
قال أبو جعفر: فهذا يدل على أن من قولهم إن من سمع الأذان وهو في الصلاة لا يقوله.
стр. 1607
مسألة:
إذا سمع مؤذنًا بعد مؤذن، هل يختص استحباب المتابعة بالأول أم يستحب متابعة كل مؤذن؟ فيه خلاف بين السلف حكاه القاضي عياض.
فمن رأى الاقتصار على الإجابة الأولى فحجته أن الأمر لا يقتضي التكرار، قاله بعض المتأخرين.
ويلزمه على ذلك أن يكتفي في الاستحباب بإجابة المؤذن مرة واحدة في العمر، وليس كذلك.
مسألة:
قال الشيخ محيي الدين النووي رحمه الله تعالى: لم أبي لأصحابنا كلامًا في أنه هل يستحب متابعة المؤذن في الترجيع أم لا؟ ويحتمل أن يقال لا يستحب لأنه لا يسمعه.
ويحتمل أن يقال: يستحب لقوله ﷺ : "فقولوا مثل ما يقول" ولم يقل فقولوا مثل ما تسمعون، والترجيع مما يقوله وهذا الاحتمال أظهر وأحوط.
مسألة:
في الحديث دليل على أن المماثلة لا تقتضي المساواة من كل وجه لاتفاقهم على أنه لا يلزم المجيب أن يرفع صوته كما يفعل المؤذن ولا غير ذلك.
الكلام في تفسير الحيعلة والحوقلة:
قال أبو عمر المطرز في كتاب "اليواقيت": الأفعال التي أخذت من أسمائها سبعة وهي:
- بسمل إذا قال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
стр. 1608
- وسبحل إذا قال: سبحان الله.
- وحوقل إذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله.
- وحيعل إذا قال: حي على الفلاح.
- وحمدل إذا قال: الحمد لله.
- وهلل إذا قال: لا إله إلا الله.
- وجعفل إذا قال: جُعلتُ فداءَك.
قال: وتجيء على القياس الحيصلة إذا قال حي على الصلاة.
ولم يذكره عن غيره.
زاد الثعالبي الطبقلة إذا قال: أطال الله بقاءك.
والدمعزة إذا قال: أدام الله عزك.
قال ابن الأنباري: ومعنى حيّ في كلام العرب هلمّ وأقبل، ويقال بلفظ واحد للواحد والجميع.
وهي من أسماء الأفعال. وفتحت الياء من حي لسكونها وسكون التي قبلها، كما قالوا ليت.
وفيها لغات: حَيَّ، وحَيَّهَلا غير منون، وحَيَّهَلْ ساكنة اللام.
قال: ولقد تسمع قولي حَيَّهَلْ.
ومنه قول عبد الله بن مسعود: إذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر أي: أقبلوا على ذكر عمر.
وقيل: قياس المطرز الحيصلة على الحيعلة غير صحيح، بل الحيعلة تطلق على
стр. 1609
حي على الصلاة، وعلى حي على الفلاح، وهذا ظاهر لأنه كما أن الحيعلة في حي على الفلاح ليس فيها شيء من حروف الفلاح كذلك الحيعلة في حي على الصلاة ليس فيها شيء من لفظ الصلاة وإنما هي مركبة من حيّ وعلى.
ولو كان كذلك لكان حق حي على الفلاح أن تكون الحيفلة وليس كذلك.
والفلاح الفوز والنجاة وإصابة الخير، قالوا وليس في كلام العرب كلمة أجمع للخير من لفظة الفلاح.
ويقال الحوقلة والحولقة: وهي لا حول ولا قوة إلا بالله، فتكون اللام في الحوقلة من اسم الله تعالى، وأما في الحوقلة فمن الحول والحول والقوة ليسا بمترادفين.
فالقوة القدرة على الشيء، والحول الاعتمال في تحصيله والمحاولة له، وقد نقلت فيها لغة ضعيفة لا حيل بالياء ولا قوة إلا بالله.
* * *
стр. 1610
٤١ - باب ما جاء في كراهية أن يأخذ المؤذن على الأذان أجرًا
ثنا هناد نا أبو زبيد (١) وهو عبثر بن القاسم عن أشعث عن الحسن عن عثمان بن أبي العاص قال: إن من آخر ما عهد إليّ رسول الله ﷺ أن أتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا.
قال أبو عيسى: حديث عثمان حديث حسن.
والعمل على هذا عند أهل العلم كرهوا أن يأخذ المؤذن على الأذان أجرًا، واستحبوا للمؤذن أن يحتسب في أذانه.
* الكلام عليه:
رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث مطرف عن عثمان بن أبي العاص.
وهو عند ابن ماجه أيضًا من حديث الحسن عنه.
وقال ابن المنذر: ثبت أن رسول الله ﷺ قال لعثمان بن أبي العاص: "واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا".
وروينا من طريق ابن حيان بالسند المتقدم أنا أبو القاسم البغوي نا شيبان نا سلام بن مسكين عن يحيى البكاء قال: سمعت رجلًا قال لابن عمر: إني أحبك في الله فقال له ابن عمر: إني لأبغضك في الله، فقال: سبحان الله! أحبك في الله وتبغضني في الله.
قال: نعم إنك تسأل على أذانك أجرًا.
стр. 1611
وروى وكيع عن المسعودي هو أبو عميس عتبة بن عبد الله عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود قال: أربع لا يؤخذ عليهن أجرًا الأذان وقراءة القرآن والمقاسم والقضاء.
وقال ابن أبي شيبة ثنا ابن مبارك عن جويبر عن الضحاك أنه كره أن يأخذ
المؤذن على أذانه جعلًا، ويقول إن أعطي بغير مسألة فلا بأس.
وقال حدثنا وكيع عن عون بن موسى عن معاوية بن قرة قال: كان يقال: لا يؤذن لك إلا محتسب.
وهو قول أبي حنيفة وغيره. وقال مالك: لا بأس بأخذ الأجرة على ذلك.
وقال الأوزاعي: يجاعل عليه ولا يؤاجر، كأنه ألحقه بالعمل المجهول.
وقال الشافعي في "الأم": أحب أن يكون المؤذنون متطوعين.
قال: وليس للإمام أن يرزقهم وهو يجد من يؤذن متطوعًا ممن له أمانة، إلا أن يرزقهم من ماله. قال: ولا أحسب أحدًا ببلد كثير الأهل يعوزه أن يجد مؤذنًا أمينًا يؤذن متطوعًا فإن لم تجده فلا بأس أن يرزق مؤذنًا ولا يرزقه إلا من خمس الخمس.
وقال ابن العربي: الصحيح جواز أخذ الأجرة على الأذان والصلاة والقضاء وجميع الأعمال الدينية، فإن الخليفة يأخذ أجرته على هذا كله وفي كل واحد منها يأخذ النائب أجرة كما يأخذ المستنيب، والأصل في ذلك قول النبي ﷺ : "ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة".
فقاس المؤذن على العامل وهو قياس في مصادمة النص، وفتيا ابن عمر التي رويناها عنه لا مخالف له من الصحابة فيها واردة على من خالفها ممن يلتزم ذلك في أصوله.
وقد عقد ابن حيان ترجمة على الرخصة في ذلك قال فيها ثنا إبراهيم بن
стр. 1612
محمد بن الحسن المصيصي ثنا حجاج قال: قال ابن جريج أخبرني عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة أن عبد الله بن محيريز أخبره عن أبي محذورة في حديثه قال: فألقى علي رسول الله ﷺ الأذان فأذنت ثم أعطاني حين قضيت التأذين صرةً فيها شيء من فضة. رواه النسائي عن إبراهيم بن محمد هذا ويوسف بن سعيد عن حجاج به.
ولا دليل فيه لوجهين:
الأول: أن قصة أبي محذورة أول ما أسلم لأنه أعطاه حين علمه الأذان وذلك قبل إسلام عثمان فحديث عثمان متأخر بيقين.
الثاني: أنها واقعة يتطرق إليها والاحتمال بل أقرب الاحتمالات منها أن يكون من باب التأليف لحداثة عهده بالإسلام كما أعطى حينئذ غيره من المؤلفة قلوبهم، ووقائع الأحوال إذا تطرق إليها الاحتمال سلبها الاستدلال، لما يبقى فيها من الإجمال.
* * *
стр. 1613
٤٢ - باب ما يقول الرجل إذا أذن المؤذن من الدعاء
نا قتيبة نا الليث عن حُكيم بن عبد الله بن قيس عن عامر بن سعد عن سعد بن أبي وقاص عن رسول الله ﷺ قال: "من قال حين يسمع المؤذن وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله رضيت بالله ربًا وبمحمد رسولًا وبالإسلام دينًا غفر له ذنبه".
قال أبو عيسى: وهذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث ليث بن سعد عن حُكيم بن عبد الله بن قيس.
* * *
стр. 1614
٤٣ - باب منه آخر
ثنا محمد بن سهل بن عسكر البغدادي وإبراهيم بن يعقوب قالا: نا علي بن عياش الحمصي نا شعيب بن أبي حمزة ثنا محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال حين يسمع النداء اللهم ربَّ هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدًا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته إلا حلت له الشفاعة يوم القيامة".
قال أبو عيسى: حديث جابر حسن غريب من حديث محمد بن المنكدر، لا نعلم أحدًا رواه غير شعيب بن أبي حمزة.
* الكلام عليه:
حسَّن الحديثين السابقين في هذا الباب والذي قبله وكلاهما صحيح.
أما الأول من حديث سعد بن أبي وقاص فعند مسلم وقال: فيه لا نعرفه إلا من حديث الليث بن سعد عن حُكيم.
وقد رواه الطحاوي عن روح بن الفرج عن سعيد بن كثير بن عفير عن يحيى بن أيوب عن عبد الله بن المغيرة عن حُكيم بن عبد الله بن قيس به وهذا متابع ليث على روايته.
وأما حديث جابر الذي يليه فعند البخاري في "صحيحه".
وفي الباب مما لم يذكره عن عبد الله بن مسعود وأبي أمامة وأنس وابن عباس.
أما حديث ابن مسعود فعند الطحاوي من حديث يحيى بن يحيى النيسابوري
стр. 1615
أنا أبو عمر البزاز (١) عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عنه أن رسول الله ﷺ قال: "ما من مسلم يقول إذا سمع النداء وكبر المنادي فكبر ثم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فيشهد ثم يقول: اللهم أعط محمدًا الوسيلة واجعله في الأعلين درجة وفي المصطفين محبة وفي المقربين داره إلا وجبت له شفاعة النبي ﷺ يوم القيامة".
وأما حديث أنس فروى أبو محمد بن حيان في "فوائد الأصبهانيين" نا إسحاق بن محمد نا المسعودي نا الفريابي عن سفيان عن أبي إسحاق عن بريد بن أبي مريم عن أنس بن مالك قال: قال النبي ﷺ : "إذا قال الرجل إذا أذن المؤذن اللهم ربَّ هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة أعط محمدًا سؤله نالته شفاعة محمد ﷺ ".
وأما حديث ابن عباس فعند ابن حيان في كتاب "الأذان" بسنده عن سعيد بن جبير عنه أن نبي الله ﷺ قال: "من سمع النداء فقال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله أبلغه الدرجة الوسيلة عندك واجعلنا في شفاعته يوم القيامة إلا وجبت له الشفاعة".
وأما حديث أبي أمامة فذكر الحافظ ضياء الدين المقدسي ﵀ عن أبي عيسى الأسواري قال: كان ابن عمر إذا سمع النداء قال: اللهم ربّ هذه الدعوة المستجابة والمستجاب لها دعوة الحق وكلمة التقوى توفني عليها وأحيني عليها واجعلني من صالح أهلها عملًا يوم القيامة.
رواه البيهقي، قال المقدسي: وقد روي هذا الحديث مرفوعًا إلى النبي ﷺ