← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16599

النفح الشذي شرح جامع الترمذي ط الصميعي

ابن سيد الناس

Полный текст (2 088 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

وروى وكيع عن المسعودي هو أبو عميس عتبة بن عبد الله عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود قال: أربع لا يؤخذ عليهن أجرًا الأذان وقراءة القرآن والمقاسم والقضاء. وقال ابن أبي شيبة ثنا ابن مبارك عن جويبر عن الضحاك أنه كره أن يأخذ المؤذن على أذانه جعلًا، ويقول إن أعطي بغير مسألة فلا بأس. وقال حدثنا وكيع عن عون بن موسى عن معاوية بن قرة قال: كان يقال: لا يؤذن لك إلا محتسب. وهو قول أبي حنيفة وغيره. وقال مالك: لا بأس بأخذ الأجرة على ذلك. وقال الأوزاعي: يجاعل عليه ولا يؤاجر، كأنه ألحقه بالعمل المجهول. وقال الشافعي في "الأم": أحب أن يكون المؤذنون متطوعين. قال: وليس للإمام أن يرزقهم وهو يجد من يؤذن متطوعًا ممن له أمانة، إلا أن يرزقهم من ماله. قال: ولا أحسب أحدًا ببلد كثير الأهل يعوزه أن يجد مؤذنًا أمينًا يؤذن متطوعًا فإن لم تجده فلا بأس أن يرزق مؤذنًا ولا يرزقه إلا من خمس الخمس. وقال ابن العربي: الصحيح جواز أخذ الأجرة على الأذان والصلاة والقضاء وجميع الأعمال الدينية، فإن الخليفة يأخذ أجرته على هذا كله وفي كل واحد منها يأخذ النائب أجرة كما يأخذ المستنيب، والأصل في ذلك قول النبي ﷺ : "ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة". فقاس المؤذن على العامل وهو قياس في مصادمة النص، وفتيا ابن عمر التي رويناها عنه لا مخالف له من الصحابة فيها واردة على من خالفها ممن يلتزم ذلك في أصوله. وقد عقد ابن حيان ترجمة على الرخصة في ذلك قال فيها ثنا إبراهيم بن

стр. 1612

محمد بن الحسن المصيصي ثنا حجاج قال: قال ابن جريج أخبرني عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة أن عبد الله بن محيريز أخبره عن أبي محذورة في حديثه قال: فألقى علي رسول الله ﷺ الأذان فأذنت ثم أعطاني حين قضيت التأذين صرةً فيها شيء من فضة. رواه النسائي عن إبراهيم بن محمد هذا ويوسف بن سعيد عن حجاج به. ولا دليل فيه لوجهين: الأول: أن قصة أبي محذورة أول ما أسلم لأنه أعطاه حين علمه الأذان وذلك قبل إسلام عثمان فحديث عثمان متأخر بيقين. الثاني: أنها واقعة يتطرق إليها والاحتمال بل أقرب الاحتمالات منها أن يكون من باب التأليف لحداثة عهده بالإسلام كما أعطى حينئذ غيره من المؤلفة قلوبهم، ووقائع الأحوال إذا تطرق إليها الاحتمال سلبها الاستدلال، لما يبقى فيها من الإجمال. * * *

стр. 1613

٤٢ - باب ما يقول الرجل إذا أذن المؤذن من الدعاء نا قتيبة نا الليث عن حُكيم بن عبد الله بن قيس عن عامر بن سعد عن سعد بن أبي وقاص عن رسول الله ﷺ قال: "من قال حين يسمع المؤذن وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله رضيت بالله ربًا وبمحمد رسولًا وبالإسلام دينًا غفر له ذنبه". قال أبو عيسى: وهذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث ليث بن سعد عن حُكيم بن عبد الله بن قيس. * * *

стр. 1614

٤٣ - باب منه آخر ثنا محمد بن سهل بن عسكر البغدادي وإبراهيم بن يعقوب قالا: نا علي بن عياش الحمصي نا شعيب بن أبي حمزة ثنا محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال حين يسمع النداء اللهم ربَّ هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدًا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته إلا حلت له الشفاعة يوم القيامة". قال أبو عيسى: حديث جابر حسن غريب من حديث محمد بن المنكدر، لا نعلم أحدًا رواه غير شعيب بن أبي حمزة. * الكلام عليه: حسَّن الحديثين السابقين في هذا الباب والذي قبله وكلاهما صحيح. أما الأول من حديث سعد بن أبي وقاص فعند مسلم وقال: فيه لا نعرفه إلا من حديث الليث بن سعد عن حُكيم. وقد رواه الطحاوي عن روح بن الفرج عن سعيد بن كثير بن عفير عن يحيى بن أيوب عن عبد الله بن المغيرة عن حُكيم بن عبد الله بن قيس به وهذا متابع ليث على روايته. وأما حديث جابر الذي يليه فعند البخاري في "صحيحه". وفي الباب مما لم يذكره عن عبد الله بن مسعود وأبي أمامة وأنس وابن عباس. أما حديث ابن مسعود فعند الطحاوي من حديث يحيى بن يحيى النيسابوري

стр. 1615

أنا أبو عمر البزاز (١) عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عنه أن رسول الله ﷺ قال: "ما من مسلم يقول إذا سمع النداء وكبر المنادي فكبر ثم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فيشهد ثم يقول: اللهم أعط محمدًا الوسيلة واجعله في الأعلين درجة وفي المصطفين محبة وفي المقربين داره إلا وجبت له شفاعة النبي ﷺ يوم القيامة". وأما حديث أنس فروى أبو محمد بن حيان في "فوائد الأصبهانيين" نا إسحاق بن محمد نا المسعودي نا الفريابي عن سفيان عن أبي إسحاق عن بريد بن أبي مريم عن أنس بن مالك قال: قال النبي ﷺ : "إذا قال الرجل إذا أذن المؤذن اللهم ربَّ هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة أعط محمدًا سؤله نالته شفاعة محمد ﷺ ". وأما حديث ابن عباس فعند ابن حيان في كتاب "الأذان" بسنده عن سعيد بن جبير عنه أن نبي الله ﷺ قال: "من سمع النداء فقال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله أبلغه الدرجة الوسيلة عندك واجعلنا في شفاعته يوم القيامة إلا وجبت له الشفاعة". وأما حديث أبي أمامة فذكر الحافظ ضياء الدين المقدسي ﵀ عن أبي عيسى الأسواري قال: كان ابن عمر إذا سمع النداء قال: اللهم ربّ هذه الدعوة المستجابة والمستجاب لها دعوة الحق وكلمة التقوى توفني عليها وأحيني عليها واجعلني من صالح أهلها عملًا يوم القيامة. رواه البيهقي، قال المقدسي: وقد روي هذا الحديث مرفوعًا إلى النبي ﷺ

стр. 1616

من حديث أبي أمامة. رواه الحاكم في المستدرك غير أنه من رواية عفير بن معدان وقد تكلم فيه غير واحد. قوله: الوسيلة هي منزلة في الجنة في حديث عبد الله بن عمرو في معنى أحاديث الباب، وهو عند مسلم ورواه الترمذي، وسيأتي في موضعه. ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة. والدعوة التامة بفتح الدال هي دعوة الأذان عندهم، سميت بذلك لكمالها وعظم موقعها. والصلاة القائمة التي ستقوم أي تقام وتحضر. وقوله مقامًا محمودًا كذا ورد منكرًا حكاية للفظ القرآن ﴿عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا﴾. ويستحب للمؤذن أن يقول بعد فراغه من أذانه هذه الأذكار المأثورة من الدعاء والصلاة على النبي ﷺ وسؤال الوسيلة له وأن يقول عند أذان المغرب ما رواه الترمذي أيضًا من حديث أم سلمة مما سيأتي ذكره في موضعه وهو ما روت عن النبي ﷺ أنه علمها أن تقول عند أذان المغرب: "اللهم هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات دعائك فاغفر لي". رواه أبو داود وهذا لفظه. ويستحب لسامع المؤذن أن يتابعه في ألفاظ الأذان كما سبق ويقول في الحيعلتين لا حول ولا قوة إلا بالله، فإذا فرغ من متابعته استحب له أن يقول هذه

стр. 1617

الألفاظ كلها. وروى الطبراني من حديث محمد بن سيرين وغيره عن عثمان أنه كان إذا سمع الأذان وفي لفظ إذا قال المؤذن حي على الفلاح قال مرحبًا بالقائلين عدلًا وبالصلاة مرحبًا وأهلًا. * * *

стр. 1618

٤٤ - باب ما جاء في أن الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة حدثنا محمود بن غيلان نا وكيع وعبد الرزاق وأبو أحمد وأبو نعيم قالوا نا سفيان عن زيد العمي عن أبي إياس معاوية بن قرة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة". قال أبو عيسى: حديث أنس حديث حسن. وقد رواه أبو إسحاق الهمداني عن بريد بن أبي مريم عن أنس عن النبي ﷺ مثل هذا. * الكلام عليه: أخرجه أبو داود وهو عند النسائي من حديث بريد بن أبي مريم في اليوم والليلة. قال المنذري: وهو أجود من حديث معاوية بن قرة. وقد روي عن قتادة عن أنس موقوفًا. ورواه سليمان التيمي عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: إذا نودي بالأذان فتحت أبواب السماء واستجيب الدعاء. وروى يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "عند الأذان تفتح أبواب السماء وعند الإقامة لا ترد دعوة". [وقال أبو الفتح: ذكر الترمذي حديث معاوية بسنده وحديث يزيد بطرقه شاهدًا للتقوية وقال المنذري: حديث يزيد أجود ولم يبين ذلك وسنبينه، فكان الأولى إخراجه من حديث يزيد إذ هو الأجود وإنما كان الأجود لأنه لم يختلف في

стр. 1619

رفعه، وحديث معاوية مختلف في رفعه ووقفه وموقوفه عنده أصح فمن وقفه عن سفيان: ابن مهدي، فما صنعه الترمذي أولى لأنه أخرج المختلف فيه، واستشهد بما لا يختلف فيه، لأن الاستشهاد لا يحسن بمختلف فيه، وحديث التيمي روي عنه عن أنس، ورواه ابن المبارك عنه عن قتادة عن أنس، رفعه بعض أصحابه ووقفه بعضهم، قال الدارقطني: ورفعه وهم، والصحيح فيه موقوف] (١). وقد روي من حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁. رواه مالك عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: ساعتان تفتح لهما أبواب السماء وقل داع تُرد عليه دعوته حضرة النداء للصلاة والصف في سبيل الله. قال أبو عمر: هكذا هو موقوف على سهل بن سعد في الموطأ عند جماعة الرواة ومثله لا يقال بالرأي، ثم ساقه مرفوعًا من طريق أبي بشر الدولابي قال نا أبو عمير أحمد بن عبد العزيز بن سويد البلوي نا أيوب بن سويد قال: نا مالك عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : "ساعتان تفتح فيهما أبواب السماء وقل ما ترد على داع دعوته لحضور الصلاة والصف في سبيل الله". * * *

стр. 1620

٤٥ - باب كم فرض الله على عباده من الصلوات ثنا محمد بن يحيى نا عبد الرزاق أنا معمر عن الزهري عن أنس بن مالك قال: فرضت على النبي ﷺ في ليلة أسرى به الصلوات خمسين ثم نقصت حتى جعلت خمسًا ثم نودي يا محمد إنه لا يبدل القول لدي وإن لك بهذا الخمس خمسين. قال: وفي الباب عن عبادة بن الصامت وطلحة بن عبيد الله وأبي ذر وأبي قتادة ومالك بن صعصعة وأبي سعيد الخدري. قال أبو عيسى: حديث أنس حديث حسن صحيح. * الكلام عليه: حديث الباب أخرجه البخاري ومسلم وعن أبي ذر وعن مالك بن صعصعة عن النبي ﷺ حديث الإسراء وذكر الصلاة بنحو هذا وكلاهما في الصحيح. وروى الدارقطني من حديث قتادة عن أنس قال: قال رجل يا رسول الله كم افترض الله على عباده من الصلوات؟ قال: "خمس صلوات"، قال: هل قبلهن أو بعدهن شيء؟ قال: "افترض الله على عباده صلوات خمسًا"، قال: هل قبلهن أو بعدهن شيء؟ فقال: "افترض الله على عباده صلوات خمسًا". فحلف الرجل بالله لا يزيد عليهن ولا ينتقص. فقال رسول الله ﷺ : "إن صدق دخل الجنة". رواه النسائي. وعن عبادة بن الصامت قال: أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خمس صلوات افترضهن الله من أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن وأتم ركوعهن وخشوعهن كان له عند الله عهد أن يغفر له، ومن لم يفعل فليس له عند الله عهد

стр. 1621

إن شاء غفر له وإن شاء عذبه". رواه الإمام أحمد وأبو داود وهذا لفظه والنسائي وابن ماجه. وعن طلحة بن عبيد الله قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ﷺ من أهل نجد ثائر الرأس يسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول حتى دنا من رسول الله ﷺ فإذا هو يسأل عن الإسلام فقال رسول الله ﷺ : "خمس صلوات في اليوم والليلة"، قال الرجل: عليَّ غيرهن؟ قال: "لا إلا إن تطوع". فقال رسول الله ﷺ : "وصيام شهر رمضان". قال: هل عليَّ غيره؟ قال: "لا إلا أن تطوع". قال: وذكر له رسول الله ﷺ الزكاة. قال: هل عليّ غيرها؟ قال: "لا إلا أن تطوع". قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص. فقال رسول الله ﷺ : "أفلح إن صدق". رواه البخاري ومسلم. وحديث أبي قتادة: "قال الله : افترَضتُّ على أمتك خمس صلوات". رواه ابن ماجه في الصلاة عن يحيى بن عثمان بن دينار عن بقية بن الوليد عن ضبارة بن عبد الله بن أبي السليل عن ذويد بن نافع عن الزهري عن سعيد بن المسيب عنه. وحديث أبي سعيد قد تقدم في باب المواقيت للصلاة إمامة جبريل بالنبي ﷺ وإقامة الصلوات الخمس يومين في أول الوقت وآخره (١). وفي الباب أيضًا عن معاذ بن جبل قال: بعثني رسول الله ﷺ فقال: "إنك ستأتي قومًا من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ﷺ فإن هم أطاعوا لذلك فاعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة فإن

стр. 1622

هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" رواه مسلم كذلك ورواه أيضًا من حديث أبي عاصم عن زكريا بن إسحاق عن يحيى بن عبد الله بن صيفي عن أبي معبد عن ابن عباس: أن النبي ﷺ بعث معاذًا ... فذكره. قال الدارقطني: الصحيح أنه من مسند ابن عباس. وفيه عن أبي أمامة الباهلي: سمعت رسول الله ﷺ يقول يوم حجة الوداع: "اعبدوا ربكم وصلوا خمسكم وصوموا شهركم وأدّوا زكاة أموالكم وأطيعوا أمر ربكم تدخلوا جنة ربكم". أخرجه الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم ولا نعرف له علة. وذكر أيضًا في حديث من طريق عبد الله بن فضالة عن أبيه قال: علمني رسول الله ﷺ فكان فيما علمني أن قال: "حافظ على الصلوات الخمس" الحديث. مالك بن صعصعة المذكور هو ابن وهب بن عدي بن مالك بن عدي بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار أخو قيس بن صعصعة وعبد الله روى حديثه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وقد تقدم في باب مواقيت الصلاة شيء من ذكر الخلاف بين السلف في تاريخ الإسراء وأن الصلاة كانت صبيحته أعني صلاة جبريل بالنبي ﷺ وكيف كانت الصلاة قبل الإسراء فأغنى ذلك عن الإعادة هاهنا. وفيه جواز نسخ الشيء قبل فعله فإن ما زاد على الخمس التي استقر فرضها من تمام الخمسين نسخ قبل أن يقام شيء منه. وقوله: لا يبدل القول لدي، فيه دليل على استقرار هذا العدد فلا يزاد فيه ولا ينقص منه وفيه الرد على من أوجب صلاة سادسة وهي الوتر من وجهين:

стр. 1623

أحدهما: ما ذكرناه. والثاني: من التضعيف فإن الحسنة بعشر أمثالها فلو كانت مما يستقر في علم الله ستًّا لبدّأ فرضها ستين. وقوله وإن ذلك بهذا الخمس خمسين يعني أنها إن كانت خمسًا بالفعل فهي خمسون في الأجر وبها يتم الثواب ويسقط الفرض الأول وينتظم أول الأمر وآخره فلا يكون فيه تبديل. وقد روينا من طريق النسائي (١) أنا قتيبة عن مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن ابن محيريز: أن رجلًا من كنانة يدعى المخدجي سمع رجلًا من الأنصار بالشام يكنى أبا محمد يقول: الوتر واجب قال الخدجي: فرجعت إلى عبادة بن الصامت فاعترضت له وهو رائح إلى المسجد فأخبرته بالذي قال أبو محمد فقال عبادة بن الصامت: كذب أبو محمد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خمس صلوات كتبهن الله على العباد من جاء بهن لم يضيع منهن شيئًا استخفافًا بحقهن كان له عهد عند الله أن يدخله الجنة". * * *

стр. 1624

٤٦ - باب ما جاء في فضل الصلوات الخمس ثنا علي بن حجر أنا إسماعيل بن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن ما لم تغش الكبائر". قال: وفي الباب عن جابر وأنس وحنظلة الأسيدي (١). قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح. * الكلام عليه: حديث أبي هريرة هذا أخرجه مسلم من هذا الوجه وغيره. وحديث جابر قرأت على الحافظ أبي العباس بن الطاهر أخبركم ابن اللتي أنا أبو الوقت أنا الداودي أنا ابن حمويه أنا عيسى بن عمر السمرقندي أنا الدارمي أنا يعلى بن عبيد نا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "مثل الصلوات المكتوبة كمثل نهر جار عذب على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات" رواه مسلم من حديث الأعمش. وحديث أنس أخرجه أبو يعلى الموصلي في مسنده من طريق علي بن زيد بن جدعان عن أنس عن النبي ﷺ قال: "مثل الصلوات الخمس كمثل نهر عذب جار أو غمر على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات ما يبقى عليه من درنه" رواه عن زكريا بن يحيى الواسطي نا داود بن الزبرقان عنه. وحديث حنظلة رواه الطبراني في "المعجم الكبير" من حديث سعيد بن أبي

стр. 1625

عروبة عن قتادة عن حنظلة الأسيدي وكان يقال له كاتب رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: "من حافظ على الصلوات الخمس والصلاة المكتوبة على وضوئها وعلى مواقيتها وركوعها وسجودها يراه حقًّا حرم الله عليه النار. أخرجه عن عبيد بن غنام ومحمد بن عبيد الله الحضرمي قالا نا أبو بكر بن أبي شيبة قال: وثنا الحسين بن إسحاق التستري ثنا عثمان بن أبي شيبة قالا: نا محمد بن بشر نا سعيد بن أبي عروبة. وفي الباب عن أبي أيوب الأنصاري ﵁، قال أبو العباس السراج في مسنده نا أبو يحيى نا الهيثم بن خارجة نا يحيى بن حمزة عن عتبة بن أبي حكيم حدثني طلحة بن نافع حدثني أبو أيوب الأنصاري أن رسول الله ﷺ قال: "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة وأداء الأمانة كفارات لما بينها". فقلت: وما أداء الأمانة؟ قال: "غُسل الجنابة فإن تحت كل شعرة جنابة". وروى مسلم من حديث عثمان بن عفان ﵁ من طرق أحدها قال عثمان: ثنا رسول الله ﷺ قال: "ما من مسلم يتطهر فيتم الطهور الذي كتب الله عليه فيصلي هذه الصلوات الخمس إلا كانت كفارات لما بينهن" تقدم الكلام على شيء من معاني هذا الحديث، وتكفير الذنوب بالطهارة للصلاة وأن الذنوب التي يكفرها الوضوء هي الصغائر دون الكبائر في باب ما جاء في فضل الطهور، في قوله ﵇: "إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرجت كل خطيئة نظر إليها بعينه مع الماء أو مع آخر قطر الماء ... " الحديث. قال أبو عمر: قال بعض المنتسبين إلى العلم الكبائر والصغائر تكفر بالصلاة والطهارة واحتج بقوله ﷺ : "فما ترون ذلك يبقي من درنه"، وما في معناه. قال: وهذا جهل وموافقة للمرجئة فيما ذهبوا إليه من ذلك وكيف يجوز لذي

стр. 1626

لب أن يحمل هذه الآثار على عمومها وهو يسمع قول الله : ﴿يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وتوبوا إلى الله جميعًا أيها المؤمنون﴾ في آي كثير من كتابه، ولو كانت الطهارة والصلاة وأعمال البر مكفرة للكبائر لما كان لأمر الله بالتوبة معنى، ولا كان من توضأ وصلى مشهودًا له بالجنة بإثر سلامه من صلاته وإن ارتكب ما شاء من الموبقات الكبائر وهذا لا يقوله أحدٌ ممن له فهم صحيح. وقد أجمع المسلمون أن التوبة على المذنب فرض، والفرض لا يصح أداء شيء منه إلا بقصد ونية، فأما أن يصلي وهو غير ذاكر لما ارتكب من الكبائر ولا نادم على ذلك، وحكمه حكم التائب محال، وقد قال ﷺ : "الندم توبة". وقال ﷺ : "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لا بينهن ما اجتنبت الكبائر". وأسند في ذلك حديث العلاء عن أبيه عن أبي هريرة المذكور في الباب، وحديث الحسن عن عمران بن الحصين وحديث الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله قوله، وعن طارق بن شهاب سمع سلمان الفارسي يقول: "حافظوا على الصلوات الخمس فإنهن كفارات لهذه الجراح، ما لم تصب المقتلة". وذكر من طريق ابن أبي شيبة حديث إبراهيم عن علقمة عن سلمان أن رسول الله ﷺ قال: "ألا أحدثكم عن يوم الجمعة لا يتطهر رجل ثم يأتي الجمعة فيجلس وينصت حتى يقضي الإمام صلاته إلا كانت كفارة لا بين الجمعة إلى الجمعة ما اجتنبت المقتلة". ومن طريق إسماعيل القاضي حديث الحسن عن أبي هريرة: "ما اجتنبت الكبائر"، وذكر قول الله : ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه﴾ الآية.

стр. 1627

فإن مات صاحب الكبيرة عن غير توبة فمصيره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له وإن تاب قبل حضور الموت ومعاينته وندم واعتقد أن لا يعود واستغفر ووجل كان كمن لم يذنب. وبهذا كله الآثار الصحاح عن السلف قد جاءت وعليه جماعة علماء المسلمين. انتهى كلام أبي عمر. وقول سلمان في حديثه ما اجتنبت المقتلة عبر بالمقتلة عن الكبائر، كما عبر بالجراح عن الصغائر فهو في معنى غيره من أحاديث الباب لا أنه أراد القتل والجراح المعروفة فتلك حقوق الآدميين لا يكفرها وضوء ولا صلاة، وفي رد أبي عمر على هذا القائل في معنى الأحاديث التي لا ذكر للكبائر فيها بالأحاديث التي فيها ذكر الكبائر. والمقتلة تسليم لكون تلك الأحاديث تقتضي ما ادعاه وليس كذلك، وإنما اقتضت تكفير خطايا أعضاء الوضوء المذكورة فيه من الوجه واليد والرجل عمّا اجترحه كل عضو بانفراده لا ما أمد بعضها فيه بعضًا واشتركت فيه. وقوله بعد ذلك: (حتى يخرج نقيًّا من الذنوب) فحمل الألف واللام هنا على العهد والمراد به الذنوب الصادرة من الأعضاء الذكورة لا كل الذنوب عمومًا. فقد قال ﵇: "العينان تزنيان واليدان تزنيان والفم يزني يصدق ذلك كله الفرج أو يكذبه". وليس للفرج في الأعضاء المذكورة مدخل فيكون الوضوء مكفرًا لكبيرة الزنا. وكذلك خطيئة الرجل هي أن يمشي بها إلى خطيئة أخرى كبيرة أو صغيرة وما يمشي بها إليه غير المشي الذي هو من كسبها وكذا ما انفردت به اليد من الخطايا غير الحقوق البشرية في تلك الأعضاء كلها من القتل والسرقة والغيبة وما أشبه ذلك فالأمر في تلك مبني على المشاحة ويزيد ذلك بيانًا أنه لما كانت أحاديث الوضوء تقتضي تكفير الذنوب عن أعضاء مخصوصة والأحاديث في كفارة ما بين الصلاتين

стр. 1628

أو الجمعتين لا يقتضي أعضاء مخصوصة احتيج إلى استثناء الكبائر في ذلك ولم يحتج إليه هاهنا وإذا انتفى التكفير عما فيه شائبة الحقوق البشرية من القتل والعقوق والسرقة والتولي يوم الزحف المؤدي إلى خذلان من تجب نصرته والغيبة والنميمة وما أشبه ذلك وعن ما ليس من كسب الأعضاء المذكورة كالزنا وعن ما اشتركت فيه الأعضاء وأمد بعضها بعضًا كتعاطي المحرمات من حضور مجالس اللهو وشرب الخمر وغير ذلك فخليق بأن لا يرد التكفير إلا على الصغائر بل ليس كل الصغائر داخلًا في ذلك إذ منها ما يشترك فيه الأعضاء المذكورة مع غيرها ومنها ما ليس من كسبها كالظن والعزم المستمر على المعصية وأنواع الترك وما أشبه مما خرج عن التكفير بالوضوء فداخل ذلك فيما تكفره الصلاة إلى الصلاة والجمعة إلى الجمعة فيكون الوضوء مكفرًا لبعض الصغائر والصلاة التي هي أكبر وسيلة تأتي على ما لم يأت عليه الوضوء من الصغائر. وقد قال أبو العباس القرطبي وغيره من المتأخرين: لا بعد في أن يكون بعض الأشخاص تكفر له بذلك الكبائر والصغائر بحسب ما يحضره من الإخلاص ويرد عنه من الإحسان والآداب وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وقد اختلفت ألفاظ الحديث ففي بعضها ما اجتنبت الكبائر وفي بعضهما ما اجتنبت المقتلة وفي بعضها ما لم تغش الكبائر والمراد منها أن بهذه الطاعات تكفر الصغائر دون الكبائر لا أن الصغائر لا تكفر إلا بشرط اجتناب الكبائر وإن كان السابق إلى الذهن معنى الشرطية فيه وأن المعنى الآخر لا يأباه اللفظ وعليه المعنى وإلا لامتنع التكفير بالصلوات والجمعة ورمضان غالبًا إذ التنزه عن كل كبيرة عزيز جدًّا وقد أورد على هذا إذا كفر الوضوء فماذا تكفر الصلاة والجمعة ورمضان وما أشبه ذلك من صوم يوم عرفة ويوم عاشوراء وقوله: "من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه"؟

стр. 1629

وأجيب بأن كل واحد من هذه صالح للتكفير فإن وجد ما يكفره كفره وإن لم يصادف صغيرة ولا كبيرة كتب به حسنات ورفع به درجات. قال النووي: وإن صادف كبيرة أو كبائر ولم يصادف صغيرة رجونا أن يخفف من الكبائر انتهى. ويمكن أن يقال أيضًا إذا تقرر أن الصلاة تكفر ما لا يكفره الوضوء كما سبق فكذلك الجمعة إلى الجمعة ربما كفرت ما لم تكن الصلاة في غير الجمعة مكفرة له، وكذلك رمضان إلى رمضان ربما كفر ما لم تكن الجمعة إلى الجمعة تكفره، ولما كانت الصغائر متفاوتة كالكبائر فكذلك مكفراتها. ويمكن أن يقال أيضًا أن تكفير مجموع الصغائر مترتب على الإتيان بجميع الطاعات المذكورات، وكذلك هو في "صحيح مسلم" نصًّا في خبر واحد: "الصلاة إلى الصلاة والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر" فترد الأحاديث التي لم تأت بهذا التمام إليه ومن حفظ حجة على من لم يحفظ ومن أتى بالزيادة حجة على من لم يأت إذا كان ثقة. فلا يرد هذا السؤال فإنه إنما يرد على تقدير أن يكون كل من هذه الطاعات مستقلًا بالتكفير وإنما المراد أن كلها مكفرات إذا اجتمعت لا أن كلًّا منها مستقل بالتكفير إذا انفرد. وأما صوم يوم عرفة وعاشوراء ففي قوة ما يكفر صغائر صائمه لسنة أو سنتين إن وجد ذلك بمعنى أن توابه بهذه المثابة وأجر صائمه في هذه الرتبة إن لم يجد ما يكفره. وأما قول الشيخ محيي الدين ﵀: رجونا أن يخفف من الكبائر ففيه نظر من وجهين:

стр. 1630

الأول: أن تكفير الذنوب والثواب المرتب على الطاعات أمر توقيفي ليس للظن فيه مجال. الثاني: أن النص الوارد باجتناب الكبائر يرده، فمعلوم أن الثواب على الإتيان بالمفترضات أعظم من الثواب على التطوعات فكيف يقال في صوم يوم عرفة ويوم عاشوراء وموافقة تأمين المصلي تأمين الملائكة وليس شيء من ذلك فرضًا أنه يخفف من الكبائر مع قيام النص المقيد باجتناب الكبائر في الفرائض من الخمس والجمعة ورمضان والذي نقله المحققون أن الكبائر لا تكفرها إلا التوبة. * * *

стр. 1631

٤٧ - باب ما جاء في فضل الجماعة ثنا هناد نا عبدة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة الجماعة تفضل على صلاة الرجل وحده بسبع وعشرين درجة". وقال: وفي الباب عن عبد الله بن مسعود وأبي ومعاذ بن جبل وأبي لسعيد وأبي هريرة وأنس. قال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن صحيح. وهكذا روى نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "تفضل صلاة الجميع على صلاة الرجل وحده بسبع وعشرين درجة". وعامة من روى عن النبي ﷺ إنما قالوا: خمسة وعشرين إلا ابن عمر فإنه قال: "بسبع وعشرين". حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري ثنا معن نا مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إن صلاة الرجل في الجماعة تزيد على صلاته وحده بخمس وعشرين جزءًا". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. * الكلام عليه: حديث الباب من رواية ابن عمر وأبي هريرة عند البخاري ومسلم. وعن عبد الله بن مسعود أن نبي الله ﷺ قال: "صلاة الجميع تفضل على صلاة الرجل وحده خمسة وعشرين ضعفًا كلها مثل صلاته". رواه الإمام أحمد. وعن أبي بن كعب قال: صلى بنا رسول الله ﷺ يومًا الصبح فقال: "أشاهد

стр. 1632

فلان"؟ قالوا: لا. قال: "أشاهد فلان"؟ قالوا: لا. قال: "إن هاتين الصلاتين أثقل الصلوات على المنافقين، ولو تعلمون ما فيهما لأتيتموهما ولو حبوًا على الركب، وإن الصف الأول على مثل صف الملاكة ولو علمتم ما فضيلته لابتدرتموه وإن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل وما كثر فهو أحب إلى الله " رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه، وفي إسناده عبد الله بن أبي بصير يرويه عن أبي بن كعب، لم يرو عنه غير السبيعي، وقد وثقه ابن حبان. وعن معاذ بن جبل عن النبي ﷺ قال: "فضل صلاة الجميع على صلاة الرجل وحده خمس وعشرين". قرأته على ابن ساعد أخبركم ابن خليل أنا الطرسوسي وابن أبي زيد قالا أنا محمود الصيرفي أنا ابن فاذشاه أنا الطبراني نا محمد بن عبدوس بن كامل السراج ثنا محمد بن بكار نا عبد الحكيم بن منصور عن عبد اللك بن عمير عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ به. عبد الحكيم بن منصور روى له الترمذي وقد تكلموا فيه. وعن أبي سعيد الخدري أنه سمع النبي ﷺ يقول: "صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة"، رواه البخاري. وعنه أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ : "الصلاة في جماعة تعدل خمسًا وعشرين صلاة فإذا صلاها في فلاة فأتم ركوعها وسجودها بلغت خمسين صلاة"، رواه أبو داود من طريق هلال بن ميمون. وقال أبو داود: قال عبد الواحد بن زياد في هذا الحديث: "صلاة الرجل في الفلاة تضاعف على صلاته في الجماعة"، وساق الحديث قال ابن عدي: هلال بن

стр. 1633

ميمون عامة ما يرويه لا يتابعه الثقات عليه. وحديث أنس بن مالك وجدته عند أبي العباس السراج موقوفًا قال نا جعفر الصايغ نا عبيد الله بن محمد بن حفص نا حماد بن سلمة عن عاصم عن أنس موقوفًا أنه قال: تفضل صلاة الجميع على صلاة الرجل بضعًا وعشرين صلاة. وسئل عنه الشيخ أبو الحسنن الدارقطني فقال: يرويه حجاج بن منهال عن حماد بن سلمة عن عاصم الأحول عن أنس عن النبي ﷺ ، ورواه أبو داود الطيالسي موقوفًا عن حماد وهو الصحيح. ورواه أيضًا شعيب بن الحبحاب عن أنس عن النبي ﷺ واختلف عليه، فرواه صالح بن عبد الكبير بن شعيب عن عمه عبد السلام عن أبيه شعيب عن أنس عن النبي ﷺ . ورواه أبو عتاب الدلال عن عبد السلام بن شعيب موقوفًا وهو أشبه بالصواب. وفي الباب مما لم يذكره عن عائشة. روينا عن أبي العباس السراج في مسنده ثنا محمد بن بشار بندار نا يحيى بن سعيد نا عبد الرحمن بن عمار عن القاسم عن عائشة عن النبي ﷺ قال: "صلاة الرجل في الجميع تفضل على صلاته وحده خمسًا وعشرين درجة". عبد الرحمن بن عمار هذا هو ابن أبي زينب وثقة أحمد والنسائي. وفي هذه الأحاديث مسائل: الأولى: فضل الصلاة في الجماعة ولا نزاع في ذلك. الثانية: استدل بها على صحة صلاة الفذ وأن الجماعة ليست بشرط وذلك أن لفظة أفعل تقتضي الاشتراك في الأصل مع ثبوت التفاضل في أحد الجانبين وذلك

стр. 1634

يقتضي وجود فضيلة في صلاة الفذ، لأن ما لا يصح لا فضيلة فيه. فإن قيل إن صيغة أفعل قد ترد من غير اشتراك في الأصل كما قيل في قوله تعالى: ﴿أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرًا وأحسن مقيلًا﴾. فالجواب: أن مثل ذلك على قلته في الكلام إنما يكون عند الإطلاق وأما إذا حصل التفاضل بزيادة عدد معين اقتضى ولا بد أن يكون ثم جرْء معدود تزيد عليه أجزاء أخر كما إذ قلنا هذا العدد أزيد من ذاك بكذا وكذا فلا بد من وجود أصل العدد وجزء معلوم في الآخر. ويزيد ذلك وضوحًا لفظ حديث أبي هريرة حيث قال: صلاة الرجل في الجماعة تزيد على صلاته وحده. فإن ذلك يقتضي ثبوت شيء يزاد عليه. وقد اختلف الناس في الجماعة هل هي سنة أو فرض كفاية أو فرض [عين] أو هي شرط في صحة الصلاة كما سنذكره في الباب بعد هذا. ومن ادعى فرضية الصلاة في الجماعة يحمل لفظ الفذ هنا على الفذ العذور في التخلف عن الجماعة ولا يستقيم له ذلك، لأن الفذ معرف بالألف واللام فيعم الفذ المعذور وغيره، فإخراج غير المعذور تخصيص من غير مخصص. قال أبو عمر: لا يخلو قوله ﷺ : "صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ" من أحد ثلاثة أوجه: إما أن يكون المراد بذلك صلاة النافلة أو يكون المراد بذلك من تخلف من عذر أو يكون المراد من تخلف من غير عذر. وقد ثبت عن النبي ﵇: "صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة" فعلمنا بذلك أنه لم يرد بحديث الباب صلاة النافلة

стр. 1635

وكذلك لما قال ﷺ : "من كانت له صلاة بليل فغلبه عليها نوم كتب له أجر صلاته وكان نومه عليه صدقة". وقال ﵇: "إذا شغل العبد عن عمل كان يعمله مرض ابتلاه الله به كتب له أجر ذلك العمل ما دام في وثاق مرضه". فعلمنا بذلك أن من تخلف لعذر لم يدخل في معنى هذا الحديث، وإذا بطل هذان الوجهان صح أن المراد بذلك هو المتخلف عما نُدبَ إليه ووجب وجوب سنة عليه من غير عذر وعلمنا أن النبي ﵇ لم يفاضل بينهما إلا وهما جائزان إلا أن أحدهما أفضل من الآخر. الثالثة: اختلفوا في الجماعات هل يتفاوت فضلها بالقلة والكثرة أم لا؟ وإلى التفاوت ذهب الشافعي ومن قال بقوله، وإلى عدمه ذهب مالك في آخرين على المشهور عنه. وقال ابن حبيب بل تفضل جماعة جماعة بالكثرة وفضيلة الإمام، وحجة الأول حديث أبي بن كعب: صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل وما كثر فهو أحب إلى الله . قال أبو عمر: ليس بالقوي ولا يحتج بمثله. ولست أدري لم ذلك، فإن أبا داود رواه عن حفص بن عمر نا شعبة عن أبي إسحاق عن عبد الله بن أبي بصير عن أبي بن كعب وليس في هؤلاء من يسئل عنه غير عبد الله بن أبي بصير ولم نقف فيه على جرح وقد وثقه ابن حبان وما قيل من أنه لم يرو عنه غير السبيعي ليس ضارًا مع وجود التوثيق. وأجود من قول أبي عمر هذا قوله في موضع آخر: وقد رويت آثار مرفوعة منها حديث أبي كعب وذكره وهي آثار كلها ليست في القوة والثبوت والصحة كآثار هذا الباب على أن ابن حبان قد حكم بصحة حديث أُبي بن كعب هذا.

стр. 1636

وأما من ذهب إلى عدم التفاوت فيقول دل الحديث على فضيلة صلاة الجماعة بالعدد المعين فيدخل تحته كل جماعة ومن جملة ذلك الجماعة الكبرى والجماعة الصغرى والتقدير فيهما واحد بمقتضى العموم. وروى الحكيم بن عمير وكان صحابيًّا قال: قال رسول الله ﷺ : "اثنان فما فوقهما جماعة". وروى ابن أبي شيبة نا يزيد بن هارون نا الربيع بن بدر عن أبيه عن جده عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: "الاثنان فما فوقهما جماعة". قال أبو عمر: واستدلوا أيضًا بما عليه أكثر العلماء فيمن صلى في جماعة اثنين فما فوقهما أنه لا يعيد في جماعة أكثر منها. ومعلوم أن إعادة الفذ لما صلى وحده مع الجماعة إنما كان لفضل الجماعة على الانفراد. فإذا لم يعد من صلى مع اثنين أو ثلاثة في الجماعة الكبيرة دل على ما وصفناه انتهى. أما من لم يرى لكثرة الجماعة مزية فضل فهو مستغن عن الإعادة. وأما من يرى الفضل يتفاوت بالكثرة وهم أصحاب الشافعي فقالوا: من صلى إحدى الخمس في جماعة ثم أدرك جماعة أخرى فهل يعيدها معهم؟ فيه وجوه: ثالثها: إن كان في الجماعة الثانية زيادة فضيلة لكون الإمام أعلم أو أورع أو لكون الجماعة أكثر أو لكون المكان أفضل فتستحب الإعادة وإلا فلا، ورابعها يستحب إعادة الظهر والمغرب والعشاء دون الصبح والعصر لما روي في كراهية الصلاة بعد الصبح وبعد العصر. وقد قيل نحوًا من ذلك إعادة المصلي منفردًا أيضًا.

стр. 1637

وأما مالك ﵀ فيرى أن من صلى في جماعة لا يعيد في أكثر منها إلا إن كان في أحد المساجد الثلاثة في الجماعة. الرابعة: في حديث ابن عمر التفضيل بسبع وعشرين درجة وفي حديث أبي هريرة بخمس وعشرين جزءًا وفي بعض ألفاظه ببضع وعشرين. فاختلف في الجزء والدرجة هل مقدارهما واحد أم لا؟ فقيل: الدرجة أصغر من الجزء فكأن الخمسة وعشرين إذا جزئت درجات كانت سبعًا وعشرين. وقيل: يحمل على أن الله تعالى كتب فيها أنها أفضل بخمسة وعشرين جزءًا ثم تفضل بزيادة درجتين وقيل إن هذا بحسب أحوال المصلين وقيل راجع إلى أعيان الصلوات ثم قيل بعد ذلك الزيادة لصلاة الصبح والعصر، وقيل لصلاة الصبح والعشاء، وقيل يحتمل أن يختلف باختلاف الأماكن بالمسجد وغيره. الخامسة: هل هذه الدرجات أو الأجزاء بمعنى الصلوات فتكون صلاة الجماعة بمثابة خمس وعشرين، أو سبع وعشرين صلاة، أو يقال: إن لفظ الدرجة والجزء لا يلزم منهما أن يكون بمقدار الصلاة، وقد كان القول بهذا الثاني يمكن لكن يضعفه ما تشعر به لفظة تضاعف الواردة في كثير من طرق هذه الأحاديث من المساواة للصلاة الأولى في مقدار الفضل [والزيادة عليه] (١) وأيضًا فألفاظ الأحاديث صرحت بذكر الصلاة، ففي حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "صلاة الجماعة تعدل خمسة وعشرين صلاة من صلاة الفذ" رواه السراج نا الفضل بن سهل نا القعنبي نا أفلح بن حميد عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن سلمان الأغر عن أبي هريرة. وهذا من أصح الأسانيد.

стр. 1638

وفي لفظة له: صلاة مع الإمام أفضل من خمسة وعشرين يصليها وحده. إسناده كإسناد الذي قبله. ومن حديث ابن مسعود بخمس وعشرين صلاة. السادسة: حديث ابن عمر وحديث أبي هريرة عند الترمذي تضمنا حصول التضعيف المذكور بالصلاة في الجماعة فقط من غير قيد آخر وحديث أبي هريرة الذي لفظه: "وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة ... " الحديث. وقد تقدم وهو مخرج في الصحيحين يقتضي ترتب الثواب على المجموع من الجماعة وإحسان الوضوء والخطا إلى المساجد وغير ذلك مما تضمنه لفظه لما يشعر به لفظه (وذلك) من التعليل كأنه يقول وهذا التضعيف المذكور شبيه كيت وكيت مما ذكره وإذا كان كذلك فما رتب على موضوعات متعددة لا يوجد بوجود بعضها إلا إذا دل الدليل على إلغاء ما ليس معتبرًا منها وتنبني على ذلك مسألتان الأولى وهي: السابعة: روي عن أحمد بن حنبل ﵀ أنه ليس يتأدى فرض الجماعة بإقامتها في البيوت وهو نظر إلى لفظ الحديث الذي ذكرناه: "صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسًا وعشرين ضعفًا"، ومأخذه أنها زيادة صحت فهي معقولة المعنى فالأخذ بها متوجه. الثانية وهي الثامنة: القائلون من أصحاب الشافعي بأن الجماعة فرض كفاية. قالوا: لو امتنع أهل بلدة، أو قرية من إقامتها قاتلهم الإمام ولا يسقط الحرج إلا إذا أقاموها بحيث يظهر هذا الشعار، ففي القرية الصغيرة يكفي إقامتها في موضع واحد وفي القرى الكبيرة والبلاد تقام في محالها ولو أطبقوا على إقامة الجماعة في البيوت، فعن أبي إسحاق المروزي أنه لا يسقط الفرض بذلك، لأن الشعار في البلد

стр. 1639

لا يظهر به، ونازعه فيه بعضهم إذا ظهر ذلك في الأسواق. ووجه الأولى أن أصل المشروعية إنما كان في جماعة المساجد وهذا وصف معتبر لا يتأتى إلغاؤه. وهذه المسألة غير التي قبلها إذ الحكم في تلك متعلق بكل فرد من المصلين، والحكم في هذه متعلق بإقامة الشعار المسقط حكم القتال عن أهل البلد أو القرية إذا امتنعوا منه. التاسعة: قال شيخنا الإمام أبو الفتح القشيري ﵀: قوله ﵇: "صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وسوقه" يتصدى النظر هاهنا هل صلاته في المسجد في جماعة مفضل على صلاته في بيته وسوقه جماعة أو يفضل عليها منفردًا أما الحديث فمقتضاه أن صلاته في المسجد جماعة تفضل على صلاته في بيته وسوقه جماعة وفرادى بهذا القدر، لأن قوله: (صلاة الرجل في جماعة) محمول على الصلاة في المسجد لأنه قوبل بالصلاة في بيته وسوقه ولو جرينا على إطلاق اللفظ لم يحصل القابلة لأنه يكون قسيم الشيء قسيمًا منه وهو باطل. وإذا حمل على صلاته في المسجد، فقوله ﵇: (صلاته في بيته وسوقه) عام يتناول الانفراد والجماعة وقد أشار بعضهم إلى هذا بالنسبة إلى المسجد والسوق من جهة ما ورد أن الأسواق موضع الشياطين، فتكون الصلاة فيها ناقصة الرتبة كالصلاة في الموضع المكروه لأجل الشياطين كالحمام وهذا الذي قاله وإن أمكن في السوق ليس يطرد في البيت فلا ينبغي أن تتساوى فضيلة الصلاة في البيت جماعة مع فضيلة الصلاة في السوق جماعة في مقدار الفضيلة الذي لا يؤخذ إلا بالتوقيف، فإن الأصل أن لا يتساوى ما ؤجد فيه مفسدة معينة مع ما لم توجد فيه

стр. 1640

تلك المفسدة. هذا ما يتعلق بمقتضى اللفظ ولكن الظاهر مما يقتضيه السياق أن المراد تفضيل صلاة الجماعة في المسجد على صلاته في بيته وسوقه منفردًا فكأنه خرج مخرج الغالب في أن من لم يحضر الجماعة في المسجد صلى منفردًا وبهذا يرتفع الإشكال الذي قدمناه من استبعاد تساوي صلاته في البيت مع صلاته في السوق جماعة فيهما. وذلك لأن من اعتبر معنى السوق مع إقامة الجماعة فيه وجعله سببًا لنقصان الجماعة فيه عن الجماعة في المسجد يلزمه تساوي ما وجدت فيه مفسدة معتبرة مع ما لم توجد فيه تلك المفسدة في مقدار التفاضل، وأما إذا جعلنا التفاضل بين صلاة الجماعة في المسجد وصلاتها في البيت والسوق منفردًا فوصف السوف هاهنا ملغى غير معتبر فلا يلزم تساوي ما فيه مفسدة مع ما لا مفسدة فيه من مقدار التفاضل والذي يؤيد هذا أنهم لم يذكروه والسوق في الأماكن المكروهة للصلاة وبهذا فارق الحمام المستشهد بها. العاشرة: حيث تقدمت الإشارة في المباحث السابقة في معنى حديث أبي هريرة إلى أن الأوصاف التي يظهر ترتب الثواب المذكور عليها منها ما يحتمل أن يكون ملغى، ومنها ما ليس كذلك، فليقع النظر في تمييز ما هو معتبر منها مما يمكن أن يكون ملغى فنقول: أما وصف الرجولية فحيث يجوز للمرأة الخروج إلى المسجد ينبغي أن يتساوى مع الرجل لأن وصف الرجولية بالنسبة إلى ثواب الأعمال غير معتبر شرعًا، وسنذكر أحكام المرأة في الجماعة بعد هذا إن شاء الله تعالى. وأما الوضوء في البيت فوصف كونه في البيت غير داخل في التعليل. وأما الوضوء فمعتبر مناسب، لكن هل المقصود منه مجرد كونه طاهرًا أو فعل

стр. 1641

الطهارة؟ فيه نظر ويترجح الثاني بأن تجديد الطهارة مستحب، لكن الأظهر أن قوله ﵇: "إذا توضأ" لا يتقيد بالفعل إنما خرج مخرج الغلبة أو ضرب المثال؛ لأنه لو كان على طهارة متقدمة خرج بها إلى صلاة سابقة لكان حكمه في التضعيف المذكور حكم من توضأ لصلاته الحاضرة بعينها. وأما إحسان الوضوء فمعتبر، وأما خروجه إلى الصلاة فيشعر بأن الخروج لأجلها وقد ورد مصرحًا به في حديث آخر "ولا ينهزه إلّا الصلاة" وهذا وصف معتبر. وأما الجماعة فبالضرورة لا بد من اعتباره، وأما تضعيف الصلاة في الجماعة على الصلاة في السوق والبيت فقد سبق ما فيه. وأما كثرة الخطا وانتظار الصلاة فثوابه غير الثواب الأول من تعدد الحسنات بتعدد الخطا من صلاة الملائكة على من هو بهذه المثابة. الحادية عشرة: الخَطوة بفتح الحاء هي الفَعلة وبضم الخاء ما بين قدمي الماشي وفي هذا الموضع هي مفتوحة الخاء لأن المراد فعل الماشي والله أعلم. * * *

стр. 1642

٤٨ - باب ما جاء فيمن يسمع النداء فلا يجيب نا هناد نا وكيع عن جعفر بن برقان عن يزيد بن الأصم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لقد هممت أن آمر فتيتي أن يجمعوا حزم الحطب ثم آمر بالصلاة فتقام ثم أحرق على أقوام لا يشهدون الصلاة". قال أبو عيسى: وفي الباب عن عبد الله بن مسعود وأبي الدرداء وابن عباس ومعاذ بن أنس وجابر. قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديت حسن صحيح. وقد روي عن غير واحد من أصحاب النبي ﷺ أنهم قالوا: من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له. وقال بعض أهل العلم: هذا على التغليظ والتشديد ولا رخصة لأحد في ترك الجماعة إلا من عذر. قال مجاهد: وسئل ابن عباس عن رجل يصوم النهار ويقوم الليل ولا يشهد جمعة ولا جماعة، قال: هو في النار. قال ثنا بذلك هناد نا المحاربي أنا هشيم عن ليث عن مجاهد. ومعنى هذا الحديث أن لا يشهد الجماعة والجمعة رغبة عنها واستخفافًا بحقها وتهاونًا بها. * الكلام عليه: حديث الباب رواه البخاري ومسلم وفيه: "والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عَرْقًا سمينًا أو مر ماتين حسنتين لشهد العشاء".

стр. 1643

وعن عبد الله بن مسعود قال: من سره أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادي بهن، فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى وإنهن من سنن الهدى ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة ويرفع بها درجة ويحط عنه بها سيئة ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق ولقد كان الرجل يؤتى به يهادي بين الرجلين حتى يقام في الصف". وفي لفظ وقال: إن رسول الله ﷺ علمنا سنهن الهدى وإن من سنهن الهدى الصلاة في المسجد الذي يؤذن فيه، رواه مسلم. وأما حديث أبي الدرداء فروينا عن أبي القاسم الطبراني في "المعجم الكبير" قال: نا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة نا أبي ح ونا ورد بن أحمد بن لبيد البيروتي ثنا صفوان بن صالح قالا نا الوليد بن مسلم عن هشام بن سعد عن حاتم بن أبي نصر عن عبادة بن نسي عن معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: "ما من خمسة أبيات لا يجمعون الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان". ورواه من وجه آخر عن السائب بن حبيش شيخ من أهل الشام عن معدان عن أبي الدرداء قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "ما من ثلاثة في قرية لا يؤذن ولا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان". [وأخرج حديث أبي الدرداء أبو داود والنسائي]. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "من سمع المنادي فلم يمنعه من اتباعه عذر"، قالوا: وما العذر؟ قال: "خوف أو مرض لم تقبل منه الصلاة التي صلى".

стр. 1644

رواه أبو داود واللفظ له وابن ماجه وأبو حاتم بن حبان وهو عند الدارقطني. وحديث معاذ بن أنس قرأت على ابن ساعد أخبركم ابن خليل أنا أبو جعفر الطرسوسي وابن أبي زيد قالا أنا محمود الصيرفي عن أبي الحسين بن فاذشاه -زاد الطرسوسي: وأنا أبو نهشل العنبري أنا ابن ريذة- قالا أنا الطبراني نا أبو يزيد القراطيسي نا أسد بن موسى قال نا ابن لهيعة عن زبّان بن فايد عن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه عن رسول الله ﷺ قال: "الجفاء كل الجفاء والكفر والنفاق من سمع منادي الله ينادي بالصلاة ويدعوا إلى الفلاح فلا يجيبه". وزبّان بن فايد قال فيه أبو حاتم: صالح. [وسهل بن معاذ] وثقه ابن حبان وتكلم فيهما غيرهما. وابن لهيعة مشهور الحال. وحديث جابر قال الدارقطني نا أبو حامد محمد بن هارون الحضرمي نا أبو السُكين الطائي زكريا بن يحيى وحدثنا محمد بن مخلد ثنا جنيد بن حكيم نا أبو السكين الطائي ثنا محمد بن سُكين الشَقَري المؤذن نا عبد الله بن بكير الغنوي عن محمد بن سوقة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: فقد النبي ﷺ قومًا في الصلاة فقال: "ما خلَّفكم عن الصلاة؟ " قالوا: لحاء كان بيننا. فقال: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد". هذا لفظ ابن مخلد. وقال أبو حامد: "لا صلاة لمن يسمع النداء ثم لم يأت إلا من عذر". وذكر أيضًا من حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد".

стр. 1645

رواه عن يعقوب بن عبد الرحمن المذكر نا أبو يحيى العطار محمد بن سعيد بن غالب نا يحيى بن أبي إسحاق عن سليمان بن داود اليمامي عنه. أسانيده ضعيفة ولا يثبت مرفوعًا. وفي الباب مما لم يذكره حديث ابن أم مكتوم أن رسول الله ﷺ أتى المسجد فرأى في القوم رقة، فقال: "إني لأهم أن أجعل للناس إمامًا ثم أخرج فلا أقدر على إنسان يتخلف عن الصلاة في بيته إلا أحرقته عليه". فقال ابن أم مكتوم: يا رسول الله إن بيني وبين المسجد نخلًا وشجرًا ولا أقدر على قائد كل ساعة أيسعني أن أصلي في بيتي؟ قال: "أتسمع الإقامة"؟ قال: نعم، قال: "فأتها". رواه الإمام أحمد، وهو عند أبي داود والنسائي وابن ماجه مختصر. وفيه عن عائشة قال ابن أبي شيبة نا أبو خالد الأحمر عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: لقد رأيت رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه وإنه ليهادي بين رجلين حتى دخل الصف، مخرج في الصحيح. وروي عن ابن نمير عن أبي حسان عن أبيه عن الربيع بن خثيم أنه كان به مرض فكان يهادي بين رجلين إلى الصلاة فيقال له: يا أبا يزيد إنك إن شاء الله في عذر. فيقول: أجل ولكني أسمع المؤذن يقول حي على الصلاة حي على الفلاح فمن سمعها فليأتها ولو حبوا ولو زحفًا. وعن سعيد بن المسيب قال: ما أذن المؤذن منذ ثلاثين سنة إلا وأنا في المسجد. ذكر حفص بن سليمان عن معاوية بن قرة قال: كان حذيفة إذا فاتته الصلاة في مسجد قومه يعلق نعليه ويتبع المساجد حتى يصليها في جماعة.

стр. 1646

وعن إبراهيم عن الأسود أنه كان إذا فاتته الصلاة في مسجد قومه ذهب إلى مسجد غيره. فيه فوائد: الأولى: اختلف العلماء في الصلاة التي أراد رسول الله ﷺ إحراق بيوت المتخلفين عنها ما هي؟ فقيل هي صلاة العشاء روى ابن وهب عن ابن أبي ذئب عن عجلان مولى المشمعل عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لينتهين رجال ممن حول المسجد لا يشهدون العشاء أو لأحرقن حول بيوتهم بحزم الحطب". وذكر ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب قال: كانت الصلاة التي أراد النبي ﵇ أن يحرق على من تخلف عنها صلاة العشاء. وقيل هي العشاء أو الفجر قال أبو بكر نا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﵇ أنه قال: "هي العشاء أو الفجر". هكذا رواه مرفوعًا على الشك. وقال آخرون: بل هي صلاة الجمعة رواه ابن أبي شيبة نا الفضل بن دكين عن زهير عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله عن النبي ﵇ قال: "هي الجمعة" هكذا ذكره أيضًا مرفوعًا. ثم روى عن عتاب نا حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن نحوه. وقال يحيى بن معين: هو في الجمعة لا في غيرها واحتج بحديث عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: "لقد هممت أن آمر رجلًا يصلي بالناس ثم أحرق على قوم يتخلفون عن الجمعة بيوتهم".

стр. 1647

وقال آخرون: هي كل صلاة وذكروا في ذلك حديث يزيد بن الأصم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لقد هممت أن آمر بالصلاة" الحديث، وفيه: فسئل يزيد بن الأصم: أفي الجمعة هذا أم في غيرها؟ فقال: ما سمعت أبا هريرة ذكر جمعة ولا غيرها. الثانية: إذا قلنا إنها الجمعة ففيه مشروعية فرضيتها على الأعيان كما سيأتي في بابه إن شاء الله تعالى. الثالثة: وإن كان المراد بها كل صلاة كما ذهب إليه بعضهم ويشهد له ظاهر حديث الباب، فقد احتج به من قال وجوب الجماعة فرضًا على الأعيان كما ذهب إليه عطاء بن أبي رباح وأحمد بن حنبل وأبو ثور وأهل الظاهر وجماعة. واختلف القائلون بذلك، فقال بعضهم: هي شرط في صحة الصلاة روي عن داود وقيل عن أحمد وقال بعضهم هي فرض عين غير شرط قالوا: لأنها إن كانت فرض كفاية فقد تأدى بفعله ﵇ وفعل من معه، وإن كانت سنة فلا يقتل تارك السنة. ذكر أبو محمد الظاهري عن أبي هريرة أنه رأى إنسانًا خرج من المسجد بعد الأذان فقال: أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ . ومن طريق وكيع عن مسعر بن كدام عن أبي حصين عن أبي بردة بن أبي موسى عن أبي موسى الأشعري قال: من سمع المنادي فلم يجب من غير عذر فلا صلاة له. وعن ابن مسعود مثله. وعن ابن عمر أنه صلى ركعتين من المكتوبة في منزله فسمع الإقامة فخرج إليها.

стр. 1648

قال أبو محمد: لو أجزأت ابن عمر صلاته في بيته لما قطعها. وعن أبي هريرة: لأن تمتليء أذنا ابن آدم رصاصًا مذابًا خير له من أن يسمع المنادي فلا يجيبه. وعن عائشة: من سمع النداء فلم يأته فلم يُرد خيرًا ولم يُرَد به. وعن علي بن أبي طالب: لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد. فقيل له: ومن جار المسجد؟ قال: من سمع الأذان. وعن ابن عباس: من سمع النداء فلم يأت فلا صلاة له إلا من عذر، وقد تقدم عنه مرفوعًا. وعن عطاء: لا رخصة له في ذلك. وعن إبراهيم النخعي أنه كان لا يرخص في ترك الصلاة في الجماعة إلا لمريض أو خائف. فلما اختلفت ألفاظ المروي في هذا الباب كما سبق، ففي حديث أبي هريرة: (لا يشهدون الصلاة) وفي حديث ابن مسعود: (صلاة الجمعة) اقتضى رأي من لم يرى الجماعة فرض عين تقييد مطلق حديث أبي هريرة في الصلاة بحديث ابن مسعود في صلاة الجمعة، نظرًا إلى أن ذلك كله حديث واحد حمل فيه المطلق على المقيد. فقال خصمه: بل هما حديثان أحدهما عند ابن مسعود في الجمعة، والآخر عند أبي هريرة في الصلوات مطلقًا. ولما لم يقم على الأول دليل كان القول بالثاني أولى لأنه قد روي عن أبي هريرة أنها العشاء، وروي عنه أنها: العشاء أو الفجر، فلم يبق فيه إطلاق يقبل

стр. 1649

التقييد بحديث ابن مسعود وتبين أنه غيره، وإذا ثبت ذلك في العشاء ثبت في غيرها إذ لا فارق بينها وبين غيرها في ذلك. وقال آخرون: هي فرض كفاية منهم ابن سريج وأبو إسحاق المروزي وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعي. وذكر المحاملي وجماعة أن هذا ظاهر المذهب. والوجه الثاني: أنها سنة وهو أظهر الوجهين عند أبي حامد الغزالي وصاحب "التهذيب"، وإليه ذهب مالك وأبو حنيفة. وأجاب بعضهم عن حديث الباب أنه فيمن يتخلف عن الجمعة كما سبق أو في المنافقين لقوله ﵇: "لو يعلم أحدهم أنه يجد عظمًا سمينًا ... " الحديث. قال: ومعاذ الله أن تكون هذه صفات المؤمنين من الصحابة ﵁ قال أبو عمر: معلوم أنه لا يتخلف عن الصلاة مع النبي ﷺ من غير عذر إلا من كان منافقًا صحيح النفاق. قالوا: ولأنه ﵇ همّ ولم يفعل. وقال القاضي عياض: ولأنه لم يخبرهم أن من تخلف عن الجماعة فصلاته غير مجزئة وهو موضع البيان (١). ويرد على الأول أنه ﵇ لا يهم إلا بما يجوز له فعله لو فعله. وعلى الثاني: أن البيان قد يكون بالتنصيص وقد يكون بالدلالة، ولما قاله عليه

стр. 1650

السلام: "لقد هممت ... " إلى آخره، دل على وجوب الحضور عليهم لصلاة الجماعة. هذا حكم الرجال وأما النساء فليست عليهن فرض عين ولا فرض كفاية. وقال أصحابنا: ويستحب لهن، ولكن فيه وجهان ذكرهما القاضي الروياني: أحدهما: أن استحبابها لهن كاستحبابها للرجال لعموم وأظهرهما الذي ذكره المعظم أنه لا يتأكد في حقهن تأكده في حق الرجال. وقال أبو حنيفة ومالك: يكره لهن أن يصلين جماعة وبه قال أحمد في رواية والأصح عنده مثل مذهبنا وجماعتهن في البيوت أفضل، فإن أردن حضور المسجد في جماعة الرجال كره ذلك للشواب لخوف الفتنة ولم يكره للعجائز. قال الحافظ أبو محمد: وقد صح في الأثر كون نساء النبي ﷺ في حجرهن لم يخرجن إلى المساجد. وقد روى مسلم من حديث ابن عمر مرفوعًا: "إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها". وعنده من حديثه: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله". وعنده عنه أيضًا: "لا تمنعوا النساء من الخروج إلى المساجد بالليل". وعنده عن زينب امرأة ابن مسعود قالت: قال لنا رسول الله ﷺ : "إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبًا". وفي حديث لأبي هريرة عنه ﵇: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ولا يخرجن إلا وهن تفلات". الرابعة: وعلى القول بأن الجماعة سنة ففيه جواز المقاتلة على ترك السنن
следующие страницы →