← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16599

النفح الشذي شرح جامع الترمذي ط الصميعي

ابن سيد الناس

Полный текст (2 088 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

وعن إبراهيم عن الأسود أنه كان إذا فاتته الصلاة في مسجد قومه ذهب إلى مسجد غيره. فيه فوائد: الأولى: اختلف العلماء في الصلاة التي أراد رسول الله ﷺ إحراق بيوت المتخلفين عنها ما هي؟ فقيل هي صلاة العشاء روى ابن وهب عن ابن أبي ذئب عن عجلان مولى المشمعل عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لينتهين رجال ممن حول المسجد لا يشهدون العشاء أو لأحرقن حول بيوتهم بحزم الحطب". وذكر ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب قال: كانت الصلاة التي أراد النبي ﵇ أن يحرق على من تخلف عنها صلاة العشاء. وقيل هي العشاء أو الفجر قال أبو بكر نا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﵇ أنه قال: "هي العشاء أو الفجر". هكذا رواه مرفوعًا على الشك. وقال آخرون: بل هي صلاة الجمعة رواه ابن أبي شيبة نا الفضل بن دكين عن زهير عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله عن النبي ﵇ قال: "هي الجمعة" هكذا ذكره أيضًا مرفوعًا. ثم روى عن عتاب نا حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن نحوه. وقال يحيى بن معين: هو في الجمعة لا في غيرها واحتج بحديث عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: "لقد هممت أن آمر رجلًا يصلي بالناس ثم أحرق على قوم يتخلفون عن الجمعة بيوتهم".

стр. 1647

وقال آخرون: هي كل صلاة وذكروا في ذلك حديث يزيد بن الأصم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لقد هممت أن آمر بالصلاة" الحديث، وفيه: فسئل يزيد بن الأصم: أفي الجمعة هذا أم في غيرها؟ فقال: ما سمعت أبا هريرة ذكر جمعة ولا غيرها. الثانية: إذا قلنا إنها الجمعة ففيه مشروعية فرضيتها على الأعيان كما سيأتي في بابه إن شاء الله تعالى. الثالثة: وإن كان المراد بها كل صلاة كما ذهب إليه بعضهم ويشهد له ظاهر حديث الباب، فقد احتج به من قال وجوب الجماعة فرضًا على الأعيان كما ذهب إليه عطاء بن أبي رباح وأحمد بن حنبل وأبو ثور وأهل الظاهر وجماعة. واختلف القائلون بذلك، فقال بعضهم: هي شرط في صحة الصلاة روي عن داود وقيل عن أحمد وقال بعضهم هي فرض عين غير شرط قالوا: لأنها إن كانت فرض كفاية فقد تأدى بفعله ﵇ وفعل من معه، وإن كانت سنة فلا يقتل تارك السنة. ذكر أبو محمد الظاهري عن أبي هريرة أنه رأى إنسانًا خرج من المسجد بعد الأذان فقال: أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ . ومن طريق وكيع عن مسعر بن كدام عن أبي حصين عن أبي بردة بن أبي موسى عن أبي موسى الأشعري قال: من سمع المنادي فلم يجب من غير عذر فلا صلاة له. وعن ابن مسعود مثله. وعن ابن عمر أنه صلى ركعتين من المكتوبة في منزله فسمع الإقامة فخرج إليها.

стр. 1648

قال أبو محمد: لو أجزأت ابن عمر صلاته في بيته لما قطعها. وعن أبي هريرة: لأن تمتليء أذنا ابن آدم رصاصًا مذابًا خير له من أن يسمع المنادي فلا يجيبه. وعن عائشة: من سمع النداء فلم يأته فلم يُرد خيرًا ولم يُرَد به. وعن علي بن أبي طالب: لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد. فقيل له: ومن جار المسجد؟ قال: من سمع الأذان. وعن ابن عباس: من سمع النداء فلم يأت فلا صلاة له إلا من عذر، وقد تقدم عنه مرفوعًا. وعن عطاء: لا رخصة له في ذلك. وعن إبراهيم النخعي أنه كان لا يرخص في ترك الصلاة في الجماعة إلا لمريض أو خائف. فلما اختلفت ألفاظ المروي في هذا الباب كما سبق، ففي حديث أبي هريرة: (لا يشهدون الصلاة) وفي حديث ابن مسعود: (صلاة الجمعة) اقتضى رأي من لم يرى الجماعة فرض عين تقييد مطلق حديث أبي هريرة في الصلاة بحديث ابن مسعود في صلاة الجمعة، نظرًا إلى أن ذلك كله حديث واحد حمل فيه المطلق على المقيد. فقال خصمه: بل هما حديثان أحدهما عند ابن مسعود في الجمعة، والآخر عند أبي هريرة في الصلوات مطلقًا. ولما لم يقم على الأول دليل كان القول بالثاني أولى لأنه قد روي عن أبي هريرة أنها العشاء، وروي عنه أنها: العشاء أو الفجر، فلم يبق فيه إطلاق يقبل

стр. 1649

التقييد بحديث ابن مسعود وتبين أنه غيره، وإذا ثبت ذلك في العشاء ثبت في غيرها إذ لا فارق بينها وبين غيرها في ذلك. وقال آخرون: هي فرض كفاية منهم ابن سريج وأبو إسحاق المروزي وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعي. وذكر المحاملي وجماعة أن هذا ظاهر المذهب. والوجه الثاني: أنها سنة وهو أظهر الوجهين عند أبي حامد الغزالي وصاحب "التهذيب"، وإليه ذهب مالك وأبو حنيفة. وأجاب بعضهم عن حديث الباب أنه فيمن يتخلف عن الجمعة كما سبق أو في المنافقين لقوله ﵇: "لو يعلم أحدهم أنه يجد عظمًا سمينًا ... " الحديث. قال: ومعاذ الله أن تكون هذه صفات المؤمنين من الصحابة ﵁ قال أبو عمر: معلوم أنه لا يتخلف عن الصلاة مع النبي ﷺ من غير عذر إلا من كان منافقًا صحيح النفاق. قالوا: ولأنه ﵇ همّ ولم يفعل. وقال القاضي عياض: ولأنه لم يخبرهم أن من تخلف عن الجماعة فصلاته غير مجزئة وهو موضع البيان (١). ويرد على الأول أنه ﵇ لا يهم إلا بما يجوز له فعله لو فعله. وعلى الثاني: أن البيان قد يكون بالتنصيص وقد يكون بالدلالة، ولما قاله عليه

стр. 1650

السلام: "لقد هممت ... " إلى آخره، دل على وجوب الحضور عليهم لصلاة الجماعة. هذا حكم الرجال وأما النساء فليست عليهن فرض عين ولا فرض كفاية. وقال أصحابنا: ويستحب لهن، ولكن فيه وجهان ذكرهما القاضي الروياني: أحدهما: أن استحبابها لهن كاستحبابها للرجال لعموم وأظهرهما الذي ذكره المعظم أنه لا يتأكد في حقهن تأكده في حق الرجال. وقال أبو حنيفة ومالك: يكره لهن أن يصلين جماعة وبه قال أحمد في رواية والأصح عنده مثل مذهبنا وجماعتهن في البيوت أفضل، فإن أردن حضور المسجد في جماعة الرجال كره ذلك للشواب لخوف الفتنة ولم يكره للعجائز. قال الحافظ أبو محمد: وقد صح في الأثر كون نساء النبي ﷺ في حجرهن لم يخرجن إلى المساجد. وقد روى مسلم من حديث ابن عمر مرفوعًا: "إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها". وعنده من حديثه: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله". وعنده عنه أيضًا: "لا تمنعوا النساء من الخروج إلى المساجد بالليل". وعنده عن زينب امرأة ابن مسعود قالت: قال لنا رسول الله ﷺ : "إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبًا". وفي حديث لأبي هريرة عنه ﵇: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ولا يخرجن إلا وهن تفلات". الرابعة: وعلى القول بأن الجماعة سنة ففيه جواز المقاتلة على ترك السنن

стр. 1651

الظاهرة، قال القاضي: اختلف في التمالؤ على ترك ظاهر السنن؛ هل يقاتل عليها تاركيها إلى أن يجيبوا إلى فعلها أم لا؟ والصحيح قتالهم لأن التمالؤ عليها إماتتها، بخلاف ما لا يجاهر به منها كالوتر، ونحوها. وقد أطلق بعض شيوخنا القتال على المواطأة على ترك السنن من غير تفصيل والأول أبين. الخامسة والسادسة: وإذا جوزنا المقاتلة على ترك السنن ففيه عند من يقول بأن الجماعة فرض كفاية أو فرض على الأعيان جواز المقاتلة على فروض الكفايات وفروض الأعيان من باب أولى. السابعة: التحريق بالنار وقد ذكر بعضهم الإجماع على منع العقوبة بتحريق البيوت إلا في المتخلف عن الصلاة ومن غل في الغنائم، ففيه اختلف العلماء، قال الباجي: ويحتمل أن يكون تشبيه عقوبتهم بعقوبة أهل الكفر في تحريق بيوتهم وتخريب ديارهم. الثامنة: فيه العقوبة بالمال أشار إليه المازري. وقال القاضي عياض في قوله: (ثم يحرق بيوتًا على من فيها) إن العقوبة ليست قاصرة على المال. التاسعة: فيه دليل على قتل تارك الصلاة تهاونًا وقد تقدم. العاشرة: فيه جواز أخذ أهل الجرائم والجنايات على غرّة لقوله: (ثم أخالف إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم) ومعنى أخالف هنا أي: أتخلف عن الصلاة بعد إقامتها لعقوبتهم وجاء خالف بمعنى تخلف ومنه: خالف عنا علي والزبير أي تخلفا أو يكون أخالف بمعنى آتيهم من خلفهم وأخذهم على غرّة أو معناه أخالف فعل الذي أظهرت من إقامة الصلاة فأتركها وأسير إليهم لأحرقهم أو أخالف

стр. 1652

ظنهم في أَني في الصلاة بقصدي إليهم. الحادية عشرة: استدل به البخاري على إخراج أهل المعاصي من بيوتهم وترجم بذلك عليه يريد أن من طلب منهم واختفى أخرج من بيته بما يقدر عليه كما أراد النبي ﵇ إخراج هؤلاء بإلقاء النار عليهم في بيوتهم وذلك فيمن عرف واشتهر بذلك منهم. الثانية عشرة: فيه أن الإمام إذا عرض له شغل يجوز له أن يستخلف من يصلي بالناس، لأنه ﵇ إنما همَّ بإتيانهم بعد إقامة الصلاة. لأن ذلك الوقت يتحقق تخلفهم عن الصلاة فيتوجه اللوم عليهم. الثالثة عشرة: فيه جواز الانصراف بعد إقامة الصلاة لعذر لأنه ﵇ إنما همّ بالتوجه إليهم بعد إقامة الصلاة. الرابعة عشرة: فيه إمامة المفضول بحضرة الفاضل إذا دعت إلى ذلك مصلحة عامة. الخامسة عشرة: ذكر أبو عمر من حديث مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة وفيه: "والذي نفسي بيده لقد هممت" الحديث وقال: فيه من الفقه معرفة يمين رسول الله ﷺ وأنه كان يحلف على ما يريد بالله وفي ذلك رد لمن قال لا يحلف بالله صادقًا ولا كاذبًا وفي قوله ﵇: "من كان حالفًا فليحلف بالله" كفاية. السادسة عشرة: فيه الإنذار والتهديد والوعيد قبل الفعل وهذا الوعيد منه ﵇ كسائر ما جاء من الوعيد في الكتاب والسنة وليس من لم ينفذه مخلفًا ولكنه محسن ذو عفو محمود على ذلك، قال بعضهم يتمدح بمثل ذلك: وإني وإن أوعدته لمخلف ... إيعادي ومنجز موعدي

стр. 1653

السابعة عشرة: قوله ﵇: "لو يعلم أحدهم أنه يجد عَرْقًا سمينًا". العَرْق -مفتوح العين ساكن الراء المهملتين وبعدهما قاف-: العظم عليه اللحم، ويقال له العُراق أيضًا وفي بعض ألفاظ الحديث: عظمًا سمينًا أو مرماتين، والمِرماة بكسر الميم المشهور فيها وذكر بعضهم فتحها وقد اختلف فيهما فقال ابن حبيب: هما السهمان، وقال الأخفش: المرماة لعبة كانوا يلعبونها بنصال محددة يرمونها في كوم من تراب فأيهم أثبتها في الكوم غلب وهي المرماة والمدحاة والجمع مَرامٍ ومداح. وقال أبو عبيد: المرماة ما بين ظلفي الشاة، قال: وهذا حرف لا أدري ما هو ولا ما وجهه إلا أن هذا تفسيره انتهى. وهو مثل ضربه ﵇ أن أحد هؤلاء المتخلفين عن الجماعة لو علم أنه يدرك الشيء الحقير والنزر اليسير من متاع الدنيا أو لهوها لبادر إلى حضور الجماعة إيثارًا لذلك على ما أعده الله له من الثواب على شهود الجماعة وهي ضعة لا يليق بغير المنافقين والله أعلم. * * *

стр. 1654

٤٩ - باب ما جاء في الرجل يصلي وحده ثم يدرك الجماعة حدثنا أحمد بن منيع أنا هشيم عن يعلى بن عطاء ثنا جابر بن يزيد بن الأسود عن أبيه قال: شهدت مع النبي ﷺ حجته فصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخيف فلما قضى صلاته وانحرف إذا هو برجلين في أخرى القوم لم يصليا معه فقال: "عليَّ بهما"، فجيء بهما ترعد فرائصهما، فقال: "ما منعكما أن تصليا معنا"؟ فقالا: يا رسول الله إنا كنا صلينا في رحالنا. قال: "فلا تفعلا إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة". قال: وفي الباب عن محجن ويزيد بن عامر. قال أبو عيسى: حديث يزيد بن الأسود حديث حسن صحيح. وهو قول غير واحد من أهل العلم وبه يقول سفيان والشافعي وأحمد وإسحاق. قالوا: إذا صلى الرجل وحده ثم أدرك الجماعة فإنه يعيد الصلوات كلها في الجماعة وإذا صلى الرجل المغرب وحده ثم أدرك الجماعة قالوا: فإنه يصليها معهم ويشفع بركعة والتي صلى وحده هي المكتوبة عندهم. * الكلام عليه: حديث الباب أخرجه أبو داود والنسائي. ورواه شعبة عن يعلى بن عطاء بإسناده مثله. وجابر بن يزيد بن الأسود السوائي الخزاعي سمع أباه. روى عنه يعلى بن عطاء، قال ابن المديني: لم يرو عنه غيره. روى له أبو داود والنسائي، ووثقه وابن ماجه.

стр. 1655

وحديث محجن روى مالك في موطئه عن زيد بن أسلم عن رجل من بني الديل يقال له: بسر بن محجن عن أبيه محجن أنه كان في مجلس مع رسول الله ﷺ فأذن بالصلاة فقام رسول الله ﷺ فصلى ثم رجع ومحجن في مجلسه، فقال له رسول الله ﷺ : "ما منعك أن تصلي مع الناس ألست برجل مسلم؟ ". قال: بلى يا رسول الله ولكن قد صليت في أهلي، فقال له رسول الله ﷺ : "إذا جئت فصل مع الناس وإن كنت قد صليت". لفظ يحيى بن يحيى عن مالك. ورواه النسائي عن قتيبة عن مالك. وبسر، بضم الباء وسكون السين المهملة، كذا يقول مالك عن زيد بن أسلم، وغيره. والثوري وآخرون يقولون فيه: بشر بكسر الباء، والشين المعجمة ساكنة، وكان أبو نعيم يصوب قول مالك، وذكر أحمد بن صالح أنه سأل جماعة من ولده ومن رهطه فما اختلف منهم اثنان أنه (بشر) بالمعجمة، كما قال الثوري. وحديث يزيد بن عامر قال: جئت والنبي ﷺ في الصلاة فجلست ولم أدخل معهم في الصلاة فانصرف علينا رسول الله ﷺ فرأى يزيد جالسًا فقال: "ألم تسلم يا يزيد؟ " قال: بلى يا رسول الله قد أسلمت. قال: "فما منعك أن تدخل مع الناس في صلاتهم؟ ". قال: إني كنت قد صليت في منزلي وأنا أحسب أن قد صليتم، فقال: "إذا جئت إلى الصلاة فوجدت الناس فصل معهم وإن كنت قد صليت تكن لك نافلة وهذه مكتوبة"، لفظ أبي داود.

стр. 1656

وفي الباب (١) مما لم يذكره الترمذي عن أبي أيوب الأنصاري ذكر مالك في "الموطأ" عن عفيف بن عمرو السهمي عن رجل من بني أسد أنه سأل أبا أيوب الأنصاري فقال: إني أصلي في بيتي ثمَّ آتي المسجد فأجد الإمام يصلي أفأصلي معه؟ فقال أبو أيوب: نعم صل معه فإن من صلى ذلك فإن له سهم جمع أو مثل سهم جمع. رواه أبو داود في "سننه" مرفوعًا فقال عن أبي أيوب: سألنا عن ذلك النبي ﷺ فقال: "فذلك له سهم جمع". قال أبو زرعة: إنما هو عفيف بن عمرو بن المسيب السهمي: أن رجلًا من بني أسد سأل أبا أيوب عن ذلك، فقال: سألت النبي ﷺ . وفسر ابن وهب قوله: سهم جمع أي يضاعف له الأجر كأنه يعني أن له أجر الصلاة مرتين. وفسر غيره الجمع بالجيش من قوله: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾ يريد أن له أجر المغازي والأول أولى. وقد ذكر الزبير بن بكار (٢) عن عمه مصعب قال: كان في وصية المنذر بن الزبير بن العوام أن لفلان بغلتي الشهباء ولفلان عشرة آلاف ولفلان سهم جمع.

стр. 1657

قال مصعب: فسألت عبد الله بن المنذر بن الزبير ما يعني بسهم جمع؟ قال: نصيب رجلين. وفي الحديث فوائد: الأولى: ترعد فرائصهما، الفرائص جمع فريصة، قال ابن سيده: والفريصة لحمة عند نغض الكتف في وسط الجنب عند منبض القلب وهما فريصتان ترتعدان عند الفزع. الثانية: النافلة قال ابن سيدة: أيضًا النافلة الغنيمة والنافلة العطية والنافلة ما يفعله الإنسان مما لا يجب عليه وفي التنزيل: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ والنافلة ولد الولد وهو من ذلك. الثالثة: قال ابن العربي: فيه دليل على أن الوالي إذا دعا أحدًا فزع من دعائه له، ولا يدرك الوالي أيضًا حرج منه إذا كان عدلًا. الرابعة: فيه أن من أقر بالصلاة وبعملها وإقامتها فإنه يوكل إلى ذلك إذا قال: إني أصلي لقولهما: إنا كنا صلينا في رحالنا وقبول ذلك منهما. وأشار أبو عمر إلى أنه لا حجة فيه لن قال: إني مؤمن بالصلاة مقر بها غير أني لا أصلي أن ذلك يحقن دمه لأن الجواب إنما كان بأن الصلاة قد وقعت منهما لا بأنهما مقران بالصلاة هذا معنى كلامه على حديث بسر بن محجن عن أبيه الذي سبق ذكره. الخامسة: وفيه أن من صلى في رحله ثم دخل المسجد فأقيمت عليه تلك الصلاة أنه يصليها مع جماعة المسجد وسواء أكان صلاها في رحله فردًا أو في جماعة لما تضمنه الجواب من العموم وترك الاستفصال منه ﵇ هل كانت صلاتهما في رحالهما جماعة أو لا.

стр. 1658

وقد اختلف العلماء فيمن صلى جماعة ثم أدرك الصلاة تقام لجماعة أخرى هل يعيد تلك الصلاة معهم أم لا؟ فيه وجوه أصحها عند عامة الأصحاب أنه يعيد كالمنفرد لإطلاق الخبر. الثاني: وهو الأصح عند الصيدلاني والغزالي أنَّه لا تستحب الإعادة لأن فضيلة الجماعة قد حصلت فلا معنى للإعادة والأول مروي عن أبي موسى الأشعري وحذيفة بن اليمان وأنس بن مالك وصلة بن زفر والشعبي والنخعي أن الصلاة يعيدها في جماعة من كان صلاها في جماعة وبه قال حماد بن زيد وسليمان بن حرب وإليه ذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وداود بن علي. قال أحمد: لا يجوز له أن يخرج من المسجد حتى يصليها وإن كان قد صلى في جماعة. واحتج بقول أبي هريرة في الذي خرج من المسجد عند الإقامة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ . وإلى الثاني ذهب مالك وأبو حنيفة وجمهور الفقهاء ويحتج لذلك بما روى أبو داود والنسائي من حديث عمرو بن شعيب عن سليمان بن يسار قال: أتيت ابن عمر على البلاط وهم يصلون، فقلت: ألا تصلي معهم؟ قال: قد صليت إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تصلوا صلاة في يوم مرتين". وقالوا: معنى هذا الحديث أن من صلى في جماعة لا يعيد في جماعة. وقال أحمد وإسحاق: بل معناه أن من صلى الفريضة لا يقوم فيصليها ينوي بها الفريضة معتقدًا ذلك، فأما إذا صلاها مع الإمام على أنها سنة تطوع فليس بإعادة الصلاة. الوجه الثالث: أنه إن كان في الجماعة الثانية زيادة فضيلة لكون الإمام أورع

стр. 1659

أو أعلم أو لكون الجمع أكثر أو لكون المكان أفضل فتستحب الإعادة وإلا فلا. قال مالك: ومن صلى في جماعة ولو مع واحد فإنه لا يعيد تلك الصلاة إلا أن يعيدها في مسجد النبي ﵇ أو في المسجد الحرام أو بيت القدس. الوجه الرابع: يستحب إعادة الظهر والمغرب والعشاء ولا يستحب إعادة الصبح والعصر. السادسة: اختلف الناس فيما يعاد من الصلوات في الجماعة فقيل كلها وإليه ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق ويروى عن الحسن والزهري عملًا بظاهر الحديث وعمومه. وقال آخرون: تعاد كلها إلا المغرب وبه قال إبراهيم ومالك والثوري ويروى عن أبي مجلز لأنها وتر النهار وبالتكرار تصير شفعًا ولضيق وقتها. وقال مالك: أدركت عمل أهل المدينة على ذلك. وقال آخرون: إن أعاد المغرب شفعها بركعة رواه قتادة عن سعيد بن المسيب، وهو وجه في مذهب الشافعي، ويروى عن حذيفة وعطاء وإبراهيم ومسروق، ورواه الحارث عن علي، وأنكره بعض أهل العلم، قال أبو عمر. وقد كان جماعة من العلماء ينكرون أشياء من حديث قتادة عن سعيد بن المسيب منها هذا. وقال أبو ثور: يعيدها كلها إلا الفجر والعصر إلا أن يكون بمسجد فتقام الصلاة فلا يخرج حتى يصليها، ويحتج لهذا بنهيه ﵇ عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر، وذكر الدارقطني عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "من صلى وحده، ثم أدرك الجماعة فليصل إلا الفجر والعصر" رواه سهل بن صالح نا الأنطاكي وكان ثقة عن يحيى القطان عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر موقوفًا.

стр. 1660

وخالفه الفلاس عن يحيى فوقفه، وتابعه ابن نمير وأبو أسامة عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر موقوفًا. وكذلك قال مالك والليث عن نافع عن ابن عمر من قوله. وإليه ذهب الحسن فيما روى ابن أبي عروبة عنه. وعن الحكم تعاد إلا الفجر. وقالت طائفة: لا تعاد شيء من الصلوات، روي عن عمر وابن عمر، قال عمر: لا تعاد الصلاة، وقال ابن عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تصلى صلاة في يوم مرتين" وقد تقدم. وقال آخرون: تعاد كلها إلا الصبح والمغرب قاله ابن عمر والنخعي والأوزاعي، وقد سبق تعليل الإعادة في المغرب وأما الصبح فللنهي عن الصلاة بعدها وبعد العصر وفرقوا بينهما فإن النبي ﷺ صلى بعد العصر ركعتين وجاء عن جماعة من السلف أنهم كانوا يتطوعون بعد العصر ما كانت الشمس بيضاء نقية ولم يجيء ذلك عن واحد منهم في الصلاة بعد الصبح. وقال آخرون: تعاد الصلوات إلا الصبح والعصر والمغرب، أما المغرب فلما تقدم، وأما الصبح والعصر فللحديث الثابت في النهي عن الصلاة بعدهما يحكى ذلك عن أبي حنيفة وأصحابه وقد اعترض بعض العلماء على القول بالمنع من الإعادة بعد الصبح وبعد العصر أن النهي عن الصلاة بعدهما إنما هي عن صلاة بعدهما غيرهما فأما هما فتصليان في وقت النهي يكرران في الجماعة لأنه لا يصح من هذا اللفظ دخولهما تحت الخطاب إذ المراد النهي عن الصلاة بعد فعل هذين الصلاتين لا بعد دخول وقتهما وإعادتهما إنما هي من تمامهما. السابعة: إذا قلنا بالإعادة في حق المنفرد وفي حق من صلى في جماعة

стр. 1661

فأيهما الفرض؟ الجديد عندنا وبه قال أحمد وأبو حنيفة أن الفريضة هي الأولى لحديث الباب وبه قال ابن عمر والحسن وإبراهيم، والقديم أن الفريضة إحداهما لا بعينها والله يحتسب ما شاء منهما وربما قيل يحتسب بأكملهما ويروى هذا القول عن "الإملاء" وبه قال مالك ويروى عن ابن عمر وسعيد بن المسيب ذلك إلى الله يجعل أيتهما شاء وقد تأوله أبو عمر بالقبول أي إن الله يتقبل أيتهما شاء فقد يقبل الفريضة أو النافلة أو يقبلهما معًا، وقد لا يقبل واحدة منهما. وقد كان بعض الصالحين يقول: طوبى لمن تقبلت منه صلاة واحدة. وذكر هشام بن عمار نا هشام بن يحيى الغساني عن أبيه قال: جاء سائل إلى ابن عمر فقال لابنه: أعطه دينارًا، فقال ابنه: تقبل الله منك يا أبتاه. فقال: لو علمت أن الله تقبل مني سجدة واحدة أو صدقة درهم واحد لم يكن غائب أحب إلي من الموت أتدري ممن يتقبل الله إنما يتقبل الله من المتقين، وقد تأول هذا التأويل ابن الماجشون. وذكر صاحب "التتمة" أن بعض الأصحاب صار إلى أنهما جميعًا يقعان عن الفرض، وعن الشيخ أبي محمد أن بعضهم قال فيما إذا صلى منفردًا أن الفريضة هي الثانية لكمالها بالجماعة وقد تقدم في حديث يزيد بن عامر من طريق أبي داود قوله ﵇: "فصل معهم وإن كنت قد صليت تكن لك نافلة وهذه مكتوبة" وهو ظاهر في الاحتجاج بهذا المذهب وبه قال سعيد بن المسيب في رواية عنه، وهو قول عطاء. الثامنة: إذا فرّعنا على الجديد فهل ينوي بالثانية الفرض فيه وجهان قال الصيدلاني في الصحيح أنه ينوي الفرض وبه قال الأكثرون واستبعده الإمام وقال كيف ينوي الفرض مع القطع بأن الثانية ليست بفريضة بل الوجه أن ينوي الظهر والعصر ولا يتعرض للفريضة ويكون ظهره نفلًا كظهر الصبي.

стр. 1662

٥٠ - باب ما جاء في الجماعة في مسجد قد صلي فيه مرة حدثنا هناد نا عبدة عن سعيد بن أبي عروبة عن سليمان الناجي عن أبي المتوكل عن أبي سعيد قال: جاء رجل وقد صلى رسول الله ﷺ فقال: "أيّكم يتجر على هذا"! فقام رجل فصلى معه. قال: وفي الباب عن أبي أمامة وأبي موسى والحكم بن عمير. قال أبو عيسى: حديث أبي سعيد حديث حسن وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم من التابعين، قالوا: لا بأس أن يصلي القوم جماعة في مسجد قد صلي فيه جماعة وبه يقول أحمد وإسحاق وقال آخرون: من أهل العلم يصلون فرادى وبه يقول سفيان ومالك وابن المبارك والشافعي يختارون الصلاة فرادى. * الكلام عليه: رواه أبو داود، وسليمان الناجي هو الأسود البصري روى عن أبي المتوكل علي الناجي روى عنه وهيب وعبد العزيز بن المختار ومرجى بن رجا والأنصاري وسعيد بن أبي عروبة. قال يحيى بن معين: هو ثقة. وقال محمد بن سعد: كان نازلًا في بني ناجية لا يدرى كان من أنفسهم أو مولى لهم، وكانت عنده أحاديث، روى له أبو داود والترمذي. وذكر البيهقي حديث أبي سعيد هذا في كتاب "المعرفة" له من حديث سليمان بن حرب عن وهيب عن سليمان الأسود عن أبي المتوكل عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا يصلي وحده فقال: "ألا رجل يتصدق على

стр. 1663

هذا فيصلي معه". ثم قال: أنا أبو الحسن بن الفضل أنا أبو سهل بن زياد نا إسحاق بن الحسن الحربي نا عفان نا وهيب نا خالد فذكره بإسناده إلا أنه قال: دخل رجل المسجد وقد صلى النبي ﷺ فقال: والرجل الذي صلى ندب النبي ﷺ إلى ذلك هو أبو بكر الصديق ﵁، ذكر ابن أبي شيبة بسند له عن الحسن: أن رجلًا دخل المسجد وقد صلى النبي ﷺ فقال: "ألا رجل يقوم إلى هذا فيصلي معه"؟ فقام أبو بكر فصلى معه، وقد كان صلى تلك الصلاة. وقال وروينا عن يونس عن أبي عثمان قال: جاءنا أنس بن مالك وقد صلينا فأذن وأقام وصلى بأصحابه. قال: وفي حديث أبي سعيد دلالة على أنه إذا ائتم واحد برجل فهي صلاة جماعة كما قال الشافعي وكلما كثرت الجماعة مع الإمام كان أحب إليّ وأقرب إن شاء الله. وأما حديث أبي موسى والحكم بن عمير فذاك معناهما أن الاثنين فما فوقهما جماعة وهو أحد معنيي حديث أبي سعيد، روى ابن ماجه من حديث أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : "اثنان فما فوقهما جماعة" وكذلك حديث الحكم بن عمير ذكره البغوي في "معجم الصحابة" ثنا داود بن رشيد نا بقية عن عيسى بن إبراهيم القرشي عن موسى بن أبي حبيب عن الحكم بن عمير الثمالي وكان من أصحاب النبي ﷺ قال: قال النبي ﷺ : "اثنان فما فوق ذلك جماعة". الحكم بن عمرو الثمالي ذكره أبو عمر (١) وقال: ابن عمرو وقال: وثمالة في

стр. 1664

الأزد، شهد بدرًا رويت عنه أحاديث مناكير من حديث أهل الشام لا تصح. وقد اختلف السلف في إقامة الجماعة في مسجد أقيمت فيه الجماعة قبل ذلك كره جماعة من السلف قال الشافعي: فيما حكى عنه البيهقي وإنما كرهت ذلك لهم لأنه ليس مما فعله السلف ثم قال: قلنا بل قد عابه بعضهم ثم لم يكرهها في مسجد لا يكون له مؤذن راتب [وإمام] معلوم قال: لأنه ليس فيه المعنى الذي وصفت من تفرق الكلمة وأن يرغب رجال عن إمامة رجل فيتخذوا إمامًا غيره. قال الماوردي: فأما إذا كان المسجد بظاهر الطريق تصلي فيه المارة والمجتازون فلا بأس أن تعاد فيه صلاة الجماعة مرارًا لأن العادة جارية به. قال البيهقي: وقد حكى ابن المنذر كراهيته عن سالم بن عبد الله وأبي قلابة وابن عون وأيوب والبتي ومالك والليث وسفيان الثوري والأوزاعي وأصحاب الرأي. وقال: في كتاب البويطي وقد قيل: لا بأس بذلك لقول النبي ﷺ : "من يتصدق على هذا فيصلي معه" وروى يونس عن الحسن أنه كره، وقال بعض المالكية: ينبغي إذا أذن الإمام في ذلك أن يجوز وهذا مبني على أن ذلك حق الإسلام أو حق الإمام، فإن كان المسجد ليليًّا فقال مالك: فصلى فيه الآتون إليه جماعة نهارًا للأمن من ذلك. وروى سلمة بن كهيل أن ابن مسعود دخل المسجد وقد صلوا فجمع بعلقمة ومسروق والأسود. وقال عبد الله بن يزيد دخلت مع إبراهيم مسجد محارب وقد صلوا فأمني، وعن الحسن مثله، عن ..... وعن قتادة: يصلون جميعًا في صف واحدٍ إمامهم وسطهم، وكذلك فعل أنس بن مالك. وفيه أن أقل الجماعة إمام ومأموم كما ذهب إليه الشافعي ومن قال بقوله.

стр. 1665

وقوله: (يتصدق على هذا أو يتجر على هذا) كله واحد، لأن التجارة مع الله صدقة من المتجر على نفسه وربح. مسألة: استدل أبو الحسن الماوردي بهذا الحديث عل أن صلاة الجماعة ليست فرضًا على الأعيان، وقال: روي أنه ﵇ رأى رجلًا قد دخل بعد فراغ الناس من الصلاة، فقال: "من يتصدق على هذا فيصلي معه"، ولو كانت الجماعة واجبة لأنكر عليه تأخره عنها، ولنهاه عن مثله، ولما أخبر أن الصلاة معه صدقة عليه. انتهى. أما الإنكار والنهي الذي أشار إليه فلم يبلغنا، وعدم البلوغ لا يدل على عدم الوقوع. وأما الصدقة عليه بالصلاة معه، فلا يدل على الوجوب، ولا على عدمه، والقائلون بوجوب الجماعة لا يمنعون من تعذرت عليه الجماعة أن يأتي بها منفردًا. * * *

стр. 1666

٥١ - باب ما جاء في فضل العشاء والفجر في الجماعة ثنا محمود بن غيلان ثنا بشر بن السري نا سفيان عن عثمان بن حكيم عن عبد الرحمن بن أبي عمرة عن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله ﷺ : "من شهد العشاء في جماعة كان له قيام نصف الليل ومن صلى العشاء والفجر في جماعة كان له كقيام الليل". قال: وفي الباب عن ابن عمر وأبي هريرة وأنس وعمارة بن رويبة وجندب وأبيّ وأبي موسى وبريدة. حدثنا محمد بن بشار نا يزيد بن هارون أنا داود بن أبي هند عن الحسن عن جندب بن سفيان عن النبي ﷺ قال: "من صلى الصبح فهو في ذمة الله فلا تخفرو الله في ذمته". قال أبو عيسى: حديث عثمان حديث حسن صحيح. وقد روي هذا الحديث عن عبد الرحمن بن أبي عمرة عن عثمان موقوف. وروى من غير وجه عن عثمان مرفوع. حدثنا عباس العنبري نا يحيى بن كثير أبو غسان العنبري عن إسماعيل الكحال عن عبد الله بن أوس الخزاعي عن بريدة الأسلمي عن النبي ﷺ قال: "بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة". قال أبو عيسى: هذا حديث غريب. * الكلام عليه: حديث عثمان رواه مسلم من حديث عبد الواحد بن زياد عن عثمان بن حكيم به، وحديث الترمذي أتم من طريق سفيان عن عثمان وحديث جندب سكت

стр. 1667

عنه الترمذي وهو صحيح أيضًا بإخراج مسلم إياه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن بريد بن هارون به، وقال: جندب بن عبد الله، وهو صحيح هو جندب بن عبد الله بن سفيان البجلي العلقي بطن من بجيلة علقة بن عبقر بن أنمار بن أراش بن عمرو بن الغوث، صحبته ليست بالقديمة يكنى أبا عبد الله نزل الكوفة ثم البصرة وحدث بهما عن النبي ﷺ وعن أبي بن كعب وحذيفة، ومن الرواة عنه من ينسبه إلى جده فيقول جندب بن سفيان. وحديث بريدة أخرجه أبو داود وغرابته تفرد إسماعيل بن سليمان الضبي البصري الكحال به عن عبد الله بن أوس ذكر هذا التفرد الشيخ أبو الحسنن الدارقطني ويمكن مع التفرد أن يكون حسنًا فإن إسماعيل قال فيه أبو حاتم: صالح، وابن أوس وثقه ابن حبان. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من غدا للمسجد وراح أعد الله له نزله من الجنة كلما غدا أو راح". اتفقا عليه واللفظ للبخاري. وعنه أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ : "المشاءون إلى المساجد في الظلم أولئك الخواضون في رحمة الله"، رواه ابن ماجه. وحديث أنس أنه سئل هل اتخذ رسول الله ﷺ خاتمًا؟ فقال: نعم أخرّ ليلة صلاها العشاء إلى شطر الليل ثم أقبل بوجهه بعدما صلى فقال: "صلى الناس ورقدوا ولم تزالوا في صلاة منذ انتظرتموها" قال: فكأني انظر إلى وبيص خاتمه، رواه البخاري. وعن أبي بن كعب قال: كان رجل لا أعلم أحدًا أبعد من المسجد منه فكان لا تخطئه صلاة فقيل له أو قلت له لو اشتريت حمارًا تركبه في الظلماء والرمضاء قال ما أحب أن منزلي إلى جنب المسجد إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد

стр. 1668

ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي فقال رسول الله ﷺ : "قد جمع الله لك ذلك كله"، رواه مسلم. وعن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أعظم الناس أجرًا في الصلاة أبعدهم إليها ممشى فأبعدهم والذي يتنظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجرًا والذي يصلي ثم ينام وفي رواية حتى يصليها مع الإمام في جماعة"، رواه البخاري ومسلم. وفي الباب عن عبد الله بن عمرو قال: صلينا مع رسول الله ﷺ المغرب فرجع من رجع وعقب من عقب فجاء رسول الله ﷺ مسرعًا قد حفزه النفس قد حسر عن ركبتيه فقال: "أبشروا هذا ربكم قد فتح بابًا من أبواب السماء يباهي بكم الملائكة يقول: انظروا إلى عبادي قد قضوا فريضة وهم ينتظرون أخرى" أخرجه ابن ماجه عن أحمد بن سعيد الدارمي عن النضر بن شميل عن حماد عن ثابت عن أبي أيوب يحيى بن مالك الأزدي المراغي عنه. أبو أيوب يحيى بن مالك روى له الجماعة إلا الترمذي، ووثقه النسائي وغيره. وفيه عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : "ليبشر المشاؤون في الظلم إلى المساجد بنور تام يوم القيامة"، رواه ابن ماجه. وفيه عن أبي الدرداء قال ابن أبي شيبة نا أبو أسامة عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن مكحول عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: "من مشى في ظلمة الليل إلى المسجد لقي الله بنور تام يوم القيامة". وحديث عثمان الذي تقدم ذكره رواه مسلم قال: ثنا إسحاق بن إبراهيم قال: أنا المغيرة بن سلمة المخزومي قال: نا عبد الواحد بن زياد نا عثمان بن حكيم نا عبد الرحمن بن أبي عمرة قال: دخل عثمان بن عفان المسجد بعد صلاة المغرب فقعد

стр. 1669

وحده فقعدت إليه فقال: يا ابن أخي سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله". وحدثنيه زهير بن حرب قال نا محمد بن عبد الله الأسدي، ح وحدثني محمَّد بن رافع قال نا عبد الرزاق جميعًا عن سفيان عن أبي سهل عثمان بن حكيم بهذا الإسناد مثله. كذا قال عن لفظ سفيان مثله يعني مثل اللفظ الذي ساقه عن عبد الواحد وبينهما بون بعيد فلفظ عبد الواحد: "إن صلاة العشاء في الجماعة كقيام نصف الليل وإن صلاة الفجر كقيام الليل كله"، ولفظ سفيان: "إن العشاء كنصف الليل والعشاء والفجر كقيام الليل كله"، كما ذكره الترمذي، وكذلك ذكره أبو نعيم عن لفظ سفيان وكذا هو عند أبي داود أيضًا، فاللفظان مختلفان أعني لفظ حديث عبد الواحد مع حديث سفيان وقد ساقه أبو عمر من حديث أبي حفص الأبار عن عبد الرحمن عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن أبي عمرة عن عثمان قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة العشاء في جماعة تعدل قيام ليلة وصلاة الفجر في جماعة تعدل قيام نصف ليلة". وهذا اللفظ ثابت وقد رفعه عن عثمان عبد الواحد بن زياد وسفيان ووقفه مروان الفزاري عن عثمان بن حكيم وكذا عن يحيى بن سعيد رفعه الأبار، كما ذكرناه وخالفه مالك وحماد بن زيد وابن المبارك وابن عيينة فوقفوه. حكى ذلك الدارقطني ثم قال بعد الفراغ من تعليله: والأشبه بالصواب حديث الثوري وقد خرجه مسلم في الصحيح. وقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ من قوله: لأن أشهد صلاة

стр. 1670

الصبح في جماعة أحب إلى من قيام ليلة. فيه دليل على أن إعمال الفرائض والسنن وإقامتها على وجوهها أفضل من النوافل والتطوع كله وكذلك قال عمر بن عبد العزيز ﵀ أفضل الفضائل أداء الفرائض واجتناب المحارم. وهذا شيء لا خلاف فيه، وترتيب الفضائل عند العلماء: الفرائض المتعينة كالصلوات الخمس وما أشبهها. ثم ما كان فرضًا على الكفاية كالجهاد وطلب العلم والصلاة على الجنازة. ثم السنن التي سنها رسول الله ﷺ في جماعة كالعيدين والكسوف والاستسقاء. ثم كل ما واظب عليه من النوافل كصلاة الليل والوتر وركعتي الفجر وما أشبه ذلك. ثم سائر التطوع.

стр. 1671

٥٢ - باب ما جاء في فضل الصف الأول ثنا قتيبة نا عبد العزيز بن محمَّد عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها". قال: وفي الباب عن جابر وابن عباس وأبي سعيد وأبي وعائشة والعرباض بن سارية وأنس. قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح. وقد روي عن النبي ﷺ أنه كان يستغفر للصف الأول ثلاثًا وللثاني مرة. وقال النبي ﷺ : "لو أن الناس يعلمون ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه"، قال: ثنا بذلك إسحاق بن موسى الأنصاري نا معن نا مالك عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ . * الكلام عليه: حديث أبي هريرة: "خير صفوف الرجال" رواه مسلم. وحديثه: "لو أن الناس يعلمون ما في النداء والصف الأول" رواه البخاري ومسلم. وحديث جابر ذكر ابن أبي شيبة ثنا وكيع عن سفيان عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ "خير صفوف النساء آخرها وشرها مقدمها". وحديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يتقدم الصف الأول

стр. 1672

أعرابي ولا أعجمي ولا غلام ولم يحتلم" رواه الدارقطني من حديث ليث بن أبي سليم عن مجاهد عنه وليث ضعيف عندهم. وعن ابن عباس قال: كانت امرأة تصلي خلف رسول الله ﷺ من أحسن الناس قال: فكان بعض القوم يتقدم في الصف الأول لأن لا يراها ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر فإذا ركع نظر من تحت إبطه فأنزل الله ﵎: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾. رواه الترمذي والنسائي وهذا لفظه وابن ماجه وسيأتي في موضعه. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: أن رسول الله ﷺ رأى في أصحابه تأخرًا فقال لهم: "تقدموا فائتموا بي وليأتم بكم من بعدكم ولا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله "، رواه مسلم. وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "ألا أدلكم على ما يكفر الله به الخطايا ويزيد به في الحسنات"، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظاره الصلاة بعد الصلاة"، وذكر حديثًا طويلًا ثم قال: "وإن خير الصفوف صفوف الرجال المقدم وشرها المؤخر، وخير صفوف النساء المؤخر وشرها المقدم"، الحديث رواه الإمام أحمد. وحديث أبي بن كعب عند أبي عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "الصف الأول لعلى مثل صف الملائكة ولو تعلمون ما فيه لابتدرتموه". وعنه أيضًا عند النسائي من حديث أبي مجلز عن قيس بن عباد قال: بينا أنا في المسجد في الصف المقدم فجبذني (١) رجل من خلفي جبذة فنحاني وقام مقامي

стр. 1673

فوالله ما عقلت صلاتي فلما انصرف فإذا هو أبي بن كعب فقال: يا فتى لا يسوءك الله إن هذا عهد من النبي ﷺ إلينا أن نليه ثم استقبل القبلة فقال: هلك أهل العقد ورب الكعبة ثلاثًا ثم قال: والله ما عليهم آسى ولكن آسى على من أضلوا، قلت: يا أبا يعقوب ما تعني به أهل العقد؟ قال: الأمراء. أخرجه عن محمد بن عمر بن مقدم نا يوسف بن يعقوب قال أخبرني التيمي عن أبي مجلز، وصححه ابن خزيمة وهو عند الإمام أحمد بلفظ أتم من هذا. وحديث عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا يزال قوم يتأخرون عن الصف الأول حتى يؤخرهم الله إلى النار" رواه ابن ماجه. وعند أبي داود عنها أن النبي ﷺ قال: "إن الله وملائكته يصلون على ميامين الصفوف". وعن العرباض بن سارية: أن رسول الله ﷺ كان يستغفر للصف المقدم ثلاثًا وللثاني مرة. رواه النسائي وابن ماجه. وعن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أتموا الصف المقدم ثم الذي يليه فما كان من نقص فليكن في الصف المؤخر" أخرجه أبو داود والنسائي. وفي الباب أيضًا عن عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول"، رواه ابن ماجه. وفيه عن النعمان بن بشير قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول، أو الصفوف الأول"، رواه الإمام أحمد. وفيه عن البراء قال: كان رسول الله ﷺ يتخلل الصف من ناحية إلى ناحية يمسح صدورنا ومناكبنا ويقول: "لا تختلفوا فتختلف قلوبكم" وكان يقول: "إن الله عز

стр. 1674

وجل وملائكته يصلون على الصف الأول" رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وهذا لفظ أبي داود. قوله ﵇: (خير صفوف الرجال أولها) يعني أكثرها أجرًا (وشرها آخرها) يعني أقلها أجرًا، وكذلك المعنى في صفوف النساء، وإنما كان ذلك لأن الصف الأول من صفوف الرجال مستحق لكمال الأوصاف، ويختص بكمال الضبط عن الإمام والاقتداء به والتبليغ عنه وكل ذلك معدوم في النساء فاقتضى ذلك تأخيرهن. وقد استدل بهذا الحديث بعض العلماء على أن المرأة لا تكون إمامًا لا للنساء ولا للرجال. وأما الصف الأول من صفوف النساء فإنما كان شرًّا من آخرها لما فيه من مقاربة أنفاس الرجال للنساء فقد يخاف أن تشوش المرأة على الرجل، والرجل على المرأة وهذا القول في تفضيل التقديم في حق الرجال على إطلاقه، وأما القول في صفوف النساء فليس على إطلاقه وإنما هو حيث يكن مع الرجال، فأما صفوف النساء إذا لم يكن مع رجال فأولها خيرها والقول فيها كالقول في صفوف الرجال سواء. وقال القاضي عياض في معنى قوله ﵇: وشر صفوف الرجال آخرها: قد يكون سمّاه شرًّا لمخالفة أمره فيها ﵇ وتحذيرًا من فعل المنافقين بتأخرهم عنه وعن سماع ما يأتي به. وقد اختلف السلف في معنى الصف المقدم ما هو فذهبت طائفة إلى أنه الصف الذي يلي الإمام من أول الحائط إلى آخره سواء أجاء صاحبه متقدمًا أو متأخرًا وسواء أتخللته مقصورة ونحوها أم لا. وذهب آخرون إلى أنه الذي يلي الإمام لا تتخلله مقصورة ولا غيرها، فإن

стр. 1675

تخلله شيء فليس بأول. روى وكيع عن شعبة عن الحكم عن يحيى بن الجزار قال: كان أصحاب عبد الله يقولون: الصف الأول الذي يلي المقصورة. وروى وكيع عن المسعودي عن ثابت بن عبيد قال: سمعت أبا عبيدة يقول: الصف الأول الذي يلي المقصورة، ذكره ابن أبي شيبة. وقال: ثنا حفص عن الشيباني قال: رأيت أبا عبد الرحمن وزر بن حبيش وعمرو بن ميمون يصلون عن يمين المقصورة. وقال حفص مرة: ما بين الأسطوانة إلى الحائط. وقال: ثنا ابن مهدي نا عبد الواحد بن زياد قال: قلت للحسن: إنهم يقولون: الصف الأول الذي يلي المقصورة فقال: هو الذي يلي الحائط. وقال آخرون: الصف الأول عبارة عن مجيء الإنسان إلى الصلاة أولًا وإن صلى في صف متأخر وهذا هو اختيار أبي عمر وأنكره بعض المتأخرين وزعم أنه غلط. قال أبو عمر بعد كلام له: وفي هذا ما يوضح لك معنى الصف الأول وأنه ورد من أجل البكور إليه والتقدم، قال: ولا أعلم خلافًا بين العلماء أن من بكر وانتظر الصلاة وإن لم يصل في الصف الأول أفضل ممن تأخر ثم صلى في الصف الأول انتهى. والصف الأول فيمن يلي الإمام حقيقة سواء تقدم في الحضور صاحبه أو تأخر. وفيمن تقدم في الحضور وإن حال بينه وبين الإمام صف؛ مجاز لا يحسن

стр. 1676

الحمل عليه إلا إذا تعذرت الحقيقة ولم يتعذر بل هما فضلان المتقدم في الحضور والقرب من الإمام في الصف ولا يلزم من فوت أحدهما فوت الآخر. فليس موضع النزاع، وقد جاء في لفظ امسلم: "لو تعلمون ما في الصف الأول المقدم". وفيه أيضًا مع فضل الصف الأول ذكر فضل التهجير والمسابقة فدل على أنه غير الصف الأول. وحكى الماوردي عن غيره: قيل: هو الصف الأول في الجهاد، فهو الذي تنال فيه المشقات، وفيه بعد. وأما قوله ﵇: (لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله في النار) وما أشبه ذلك من الوعيد في هذا الباب فمحمول عندهم على المنافقين الذين كانوا يرغبون عن رسول الله ﷺ وعن القرب منه ويتأخرون عن الصلاة استثقالا لها. وقوله ﵇: (لو أن الناس يعلمون ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا) فيه إثبات القرعة وهي مع تساوي الحقوق معمول بها عند الأكثرين وجاءت بها نصوص صريحة في غير هذا الموضع. وأما الضمير في قوله: (لاستهموا عليه) فاختار بعضهم عوده على الصف الأول إذ هو أقرب مذكور، وقد روي منصوصًا عن النبي ﵇ وعن طائفة من أصحابه ﵃: لو يعلم الناس ما في الصف الأول ما صفوا فيه إلا بقرعة واختار بعضهم عوده على النداء والصف، وأجاب عن إفراد الضمير بتقدير محذوف كأنه قال: لو يعلمون ما في ثواب النداء والصف لاستهموا عليه؛ أي: على ذلك الثواب.

стр. 1677

وقد روي عن سعد بن أبي وقاص أنَّه أقرع بين قوم اختلفوا في الأذان بالقادسية. وقد اختلفوا: هل المراد بالنداء هنا النداء للجمعة فقط أو لها ولغيرها وإلى الأولى ذهب الداودي وإلى الثاني ذهب الجمهور. وإنما يقع الاستهام على النداء إذا استووا في معرفه الوقت وغيره مما هو مطلوب في المؤذن وتشاحوا كان مرادهم أن يؤذنوا واحدًا بعد واحد لئلا يخفى صوت أحدهم أو كان الأذان للمغرب لضيق وقتها عند من لا يرى لها إلا وقتًا واحدًا. وأما إذا كان للمسجد مؤذن تقدم لمراعاة الوقت فهو أحق من غيره وإن ساواه بمعرفته لولايته السابقة كما أن السابق إلى الصف أحق به وإنما يصح الاستهام عليه إذا قدرنا وصول الجماعة إليه في حالة لا يسع جميعهم وهم متساوون في مرتبة فأما إذا تفاوتت مراتبهم وبعضهم من أهل العلم والنهى، فمن كان كذلك فهو أحق بالقرب من الإمام دون قرعة كمن سبق إليه. هذا إن حملنا الاستهام على الحقيقة وقد اختار بعضهم حمله على المجاز والتمثيل فيكون المراد بالاستهام الإشارة إلى تأكد طلبيه ذلك السبق والحرص عليه وهو حسن ومثله في فصيح الكلام كثير، ومنه قوله ﵇: "لو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا"، ومنه حديث أبي سعيد: "لو علم الناس ما في التأذين لتضاربوا عليه بالسيوف" رواه الإمام أحمد مرفوعًا.

стр. 1678

٥٣ - باب ما جاء في إقامة الصفوف نا قتيبة نا أبو عوانة عن سماك بن حرب عن النعمان بن بشير قال: كان رسول الله ﷺ يسوي صفوفنا فخرج يومًا فرأى رجلًا خارجًا صدره عن القوم فقال: "لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم". قال: وفي الباب عن جابر بن سمرة والبراء وجابر بن عبد الله وأنس وأبي هريرة وعائشة. قال أبو عيسى: حديث النعمان بن بشير حديث حسن صحيح وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من تمام الصلاة إقامة الصف". وروي عن عمر أنه كان يوكل رجالًا بإقامة الصفوف فلا يكبر حتى يخبر أن الصفوف استوت. وروي عن علي وعثمان أنهما كانا يتعاهدان ذلك ويقولان: استووا. وكان علي يقول: تقدم يا فلان تأخر يا فلان. * الكلام عليه: حديث النعمان رواه البخاري ومسلم من حديث شعبة عن عمرو بن مرة عن سالم بن أبي الجعد عنه، فالبخاري عن أبي الوليد ومسلم عن ابن أبي شيبة وابن مثنى، وابن بشار كلهم عن غندر كلاهما عن شعبة ورواه مسلم من طرق منها نا قتيبة نا أبو عوانة عن سماك. والبخاري لا يحتج بسماك. وعند أبي داود قال: قال: أقبل رسول الله ﷺ على الناس بوجهه فقال: "أقيموا صفوفكم ثلاثًا والله لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم"، قال:

стр. 1679

فرأيت الرجل يلزق منكبه بمنكب صاحبه وركبته بركبة صاحبه وكعبه بكعبه. وفي لفظ لأبي داود أيضًا فيه قال: كان رسول الله ﷺ يسوي صفوفنا إذا قمنا للصلاة فإذا استوينا كبر. وحديث جابر بن سمرة قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: "ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها"، فقلنا: يا رسول الله وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: "يتمون الصفوف الأوّل ويتراصون في الصف"، رواه مسلم. وحديث البراء قال: كان رسول الله ﷺ يتخلل الصف من ناحية إلى ناحية يمسح صدورنا ومناكبنا ويقول: "لا تختلفوا فتختلف قلوبكم"، الحديث تقدم في الباب قبل هذا. وحديث جابر بن عبد الله أنه صلى مع رسول الله ﷺ هو وجبار بن صخر قال: فأخذ بأيدينا جميعًا فدفعنا حتى أقامنا خلفه. رواه مسلم أطول من هذا. روى عبد الرزاق عن معمر عن محمد عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "إن من تمام الصلاة لإقامة الصف". وحديث أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "سووا صفوفكم فإن تسوية الصف من تمام الصلاة" رواه البخاري ومسلم وهذا لفظه. وعن أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ أنه قال: "رصوا صفوفكم وقاربوا بينها وحاذوا بالأعناق فوالذي نفسي بيده إني لأرى الشياطين تدخل من خلل الصفوف كأنها الحذف" رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي. الحذف صغار الغنم. وعن أنس بن مالك قال: أقيمت الصلاة فأقبل علينا رسول الله ﷺ بوجهه

стр. 1680

فقال: "أقيموا صفوفكم وتراصوا فإني أراكم من وراء ظهري فكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه"، رواه البخاري. وعن محمَّد بن السائب صاحب المقصورة قال: صليت إلى جنب أنس بن مالك يومًا فقال: هل تدري لم صنع هذا العود؟ فقلت: لا والله. قال إن رسول الله ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة أخذه بيمينه ثمَّ التفت فقال: "اعتدلوا سووا صفوفكم" ثم أخذه بيساره فقال: "اعتدلوا سووا صفوفكم"، رواه أبو داود. وروى الدارقطني من حديث حميد عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام في الصلاة قال هكذا وهكذا عن يمينه وعن شماله ثم يقول: "استووا وتعادلوا". وحديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "أقيموا الصف في الصلاة فإن إقامة الصف من حسن الصلاة"، رواه مسلم. وحديث عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "إن الله وملائكته يصلون على الذين يصلون الصفوف" رواه الإمام أحمد وابن ماجه وزاد: "ومن سد فرجة رفعه الله بها درجة". وفي الباب أيضًا عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "أقيموا الصفوف وحاذوا بين المناكب وسدوا الخلل ولينوا بأيدي إخوانكم ولا تذروا فرجات للشياطين ومن وصل صفًّا وصله الله ومن قطع صفًّا قطعه الله"، رواه أحمد وأبو داود. وأما الرواية عن عمر ﵁ فذكر عبد الرزاق عن ابن جريج قال: أخبرني نافع مولى ابن عمر قال: كان عمر يبعث رجلًا يقوم الصفوف ثم لا يكبر حتى يأتيه فيخبره أن الصفوف قد اعتدلت. وروي أيضًا عن معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: كان عمر لا يكبر حتى تعدل الصفوف يوكل بذلك رجالًا.

стр. 1681

وعن مالك عن نافع أن عمر بن الخطاب كان يأمر بتسوية الصفوف فإذا جاءوه فأخبروه أنها قد استوت كبر. وعن الثوري عن عاصم عن أبي عثمان قال: رأيت عمر إذا تقدم إلى الصلاة ينظر إلى المناكب والأقدام. وروى عبد الرزاق عن مالك عن أبي النضر عن مالك بن أبي عامر عن عثمان بن عفان أنه كان يقول في خطبته قل ما يدع أن يخطب به: إذا قام الإمام فاستمعوا وأنصتوا فإن للمنصت الذي لا يسمع من الحظ مثل ما للمستمع المنصت فإذا قامت الصلاة فاعدلوا الصفوف وحاذوا بالمناكب فإن اعتدال الصف من تمام الصلاة ثم لا يكبر حتى يأتيه رجال قد وكلهم بتسوية الصفوف فيخبرونه أنها قد استوت فيكبر. وعن الثوري عن الأعمش عن عمارة بن عمران الجعفي عن سويد بن غفلة قال: كان بلال يضرب أقدامنا في الصلاة ويسوي مناكبنا. والآثار في هذا الباب كثيرة عمن ذكرنا وعن غيرهم ولا يختلف فيه أنه من سنن جماعات الصلاة، وتسويته ﵇ صفوفهم لتتم الاستقامة والاعتدال في ذلك، ولئلا تتخللهم الشياطين كما جاء في الحديث وتشبيهًا بالملائكة في صفوفها ذكر عبد الرزاق عن ابن جريج قال: حدثت أنهم كانوا لا يصفون حتى نزلت: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ ولما في ذلك من هيئة الجماعة في الصلاة وحسنها وتأتي صلاتهم في صفوفهم دون أن يضيق بعضهم على بعض ولأن في ذلك مراعاة تمكنهم من صلاتهم مع تكثر جمعهم أكثر مما يكون مع الاختلاط ولئلا يشغل بعضهم بعضًا بالنظر إلى ما يشغله منه إذا كانوا مختلطين وفي الصفوف غابت وجوه بعضهم عن بعض وكثير من حركاتهم وإنما يلي بعضهم من بعض ظهورهم. وقوله: (أو ليخالفن الله بين وجوهكم) يحتمل أن يريد المخالفة الخلقية كما في

стр. 1682

الحديث الآخر: "أن يحول الله صورته صورة حمار" فيخالف بصفتهم إلى غيرها من مسخ، ويحتمل أن يكون المراد بالمخالفة بين الوجوه تغير القلوب وتنكر وجه من أقام الصف لمن لم يقمه، إذ تغير الوجوه ناشيءٌ عن تغير القلوب. والتواد والألفة أمر مطلوب فيفوتهم ذلك وقد تقدم في حديث النعمان عند أبي داود: "أو ليخالفن الله بين قلوبكم". وفي حديث البراء: "لا تختلفوا فتختلف قلوبكم"، والحمل على الثاني أولى لوجهين: الأول: ما يقتضيه لفظ البينية في قوله: (بين وجوهكم) إذ لو أراد الأول لقال ليخالف الله وجوهكم. الثاني: هذه المخالفة إنما هي في أمر مستحب فعله مندوب إلى وقوعه فلا يبلغ الوعيد عليها مبلغ التغيير والمسخ. هذا ما ذهب إليه الجمهور وسيأتي قول من قال بخلافه. وقوله: (فرأى رجلًا خارجًا صدره عن القوم) وكذلك قوله: (يمسح صدورنا ومناكبنا) وقوله: (فرأيت الرجل يلزق منكبه بمنكب صاحبه وركبته بركبة صاحبه وكعبه بكعبه)، فيه التنبيه على كيفية التسوية وأن القدر اليسير من الاختلاف بها غير محتمل وتسوية الصفوف عندهم اعتدال القائمين بها على سمت واحد وقد تدل تسويتها أيضًا على سد الفرج وكلاهما مطلوب وقد تقدم في حديث عائشة. "ومن سد فرجة رفعه الله بها درجة"، وفي حديث ابن عمر: "وسدوا الخلل"، وقد روي عن ابن عمر من قوله: لأن تخر ثنيتاي أحب إليّ من أن أرى في الصف خللًا فلا أسده. وقوله: (فإن تسوية الصف من تمام الصلاة أو من حسن الصلاة) دليل على أن

стр. 1683

تعديل الصفوف غير واجب وأنه سنة مستحبة وإليه ذهب الجمهور إذ تمام الشيء أمر زائد على وجود حقيقته، ويرد عليه رواية من روى: "فإن تسوية الصف من إقامة الصلاة" كذا هو عند البخاري وغيره. وإلى فرضيته ذهب أبو محمد الظاهري محتجًا بهذا اللفظ، قال: وإذا كان من إقامة الصلاة فهو فرض، لأن إقامة الصلاة فرض، وما كان من الفرض فهو فرض. والجواب: أن الحديث ثبت بلفظ: الإقامة، وثبت بلفظ التمام، ولا يتم له الاستدلال إلا بِرَدّ لفظ التمام إلى لفظ الإقامة، وليس ذلك بأولى من العكس. وأما قوله: وإقامة الصلاة فرض، فإقامة الصلاة مطلق، ويراد به فعل الصلاة، ويراد به الإقامة للصلاة التي تلي التأذين لها، وليست إرادة الأول -كما زعم- بأولى من إرادة الثاني، إذ الأمر بتسوية الصفوف بعقب الإقامة، وهذين فعل الإمام، أو من يوظفه الإمام، وهو مقيم الصلاة غالبًا. وأما قوله: وما كان من الفرض فهو فرض، المعلوم أن .... الفرض .... ، وأن الصلاة فرض، وأن .... فرض، وهو قد استعمل كل منهما على ما هو فرض، وما ليس فرضًا. ثم لو سلم ما أراده في لفظ: (من إقامة الصلاة) لأورد عليه لفظ: (من تمام الصلاة)، وهو صحيح أيضًا؛ كيف له أن يجيب بأن تمام الشيء قد ينطلق بحسب الوضع على ما لا تتم الحقيقة إلا به. وما ذهب إليه الجمهور أولى، ويحمل لفظ الإقامة فيه على الإقامة التي تلي التأذين أو يقدر له محذوف، تقديره: من تمام إقامة الصلاة وينتظم به إجمال الألفاظ الواردة في ذلك كلها، وذلك أولى من إكمال بعضها وإلغاء بعض.

стр. 1684

وقد ثبت في "صحيح مسلم" من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : "فإن إقامة الصلاة من حسن الصلاة". وفي حديث أنس: أقيمت الصلاة فأقبل علينا رسول الله ﷺ بوجهه فقال: "أقيموا صفوفكم وتراصوا ... " الحديث، دليل على جواز الكلام بين الإقامة والصلاة وقد أجازه الأكثرون ومنعه بعضهم، وفرق آخرون بين الكلام لمصلحة الصلاة فرأوا جوازه، أو في غير ذلك فرأوا المنع ومن حجة المجيزين قول أنس: أقيمت .... إلخ. * * *

стр. 1685

٥٤ - باب ما جاء ليليني منكم أولو الأحلام والنهى حدثنا نصر بن علي الجهضمي ثنا يزيد بن زريع نا خالد الحذاء عن أبي معشر عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله عن النبي ﷺ قال: "ليليني منكم أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم وإياكم وهيشات الأسواق". قال: وفي الباب عن أبي بن كعب وأبي مسعود وأبي سعيد والبراء وأنس. قال أبو عيسى: حديث ابن مسعود حديث حسن غريب. وروي عن النبي ﷺ أنه كان يعجبه أن يليه المهاجرون والأنصار ليحفظوا عنه. قال: وخالد الحذاء هو خالد بن مهران يكنى أبا المنازل. قال: وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: إن خالدًا الحذاء ما حذا نعلًا قط إنما كان يجلس إلى حذاء فنسب إليه، قال: وأبو معشر اسمه زياد بن كليب. * الكلام عليه: حديث الباب رواه مسلم نا نصر بن حبيب وصالح بن حاتم بن وردان قالا نا يزيد بن زريع فهو صحيح لثقة رواته وكثرة الشواهد له كما سيأتي ولذلك حكم بصحته مسلم وأما غرابته فليست تنافي الصحة في بعض الأحيان (١) كما سبق فلأنه عن يزيد بن زريع اشتهر فرواه أبو داود عن مسدد والنسائي عن حميد بن مسعدة كلاهما عن يزيد بن زريع كما سبق.
следующие страницы →