← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16599

النفح الشذي شرح جامع الترمذي ط الصميعي

ابن سيد الناس

Полный текст (2 088 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

وعن مالك عن نافع أن عمر بن الخطاب كان يأمر بتسوية الصفوف فإذا جاءوه فأخبروه أنها قد استوت كبر. وعن الثوري عن عاصم عن أبي عثمان قال: رأيت عمر إذا تقدم إلى الصلاة ينظر إلى المناكب والأقدام. وروى عبد الرزاق عن مالك عن أبي النضر عن مالك بن أبي عامر عن عثمان بن عفان أنه كان يقول في خطبته قل ما يدع أن يخطب به: إذا قام الإمام فاستمعوا وأنصتوا فإن للمنصت الذي لا يسمع من الحظ مثل ما للمستمع المنصت فإذا قامت الصلاة فاعدلوا الصفوف وحاذوا بالمناكب فإن اعتدال الصف من تمام الصلاة ثم لا يكبر حتى يأتيه رجال قد وكلهم بتسوية الصفوف فيخبرونه أنها قد استوت فيكبر. وعن الثوري عن الأعمش عن عمارة بن عمران الجعفي عن سويد بن غفلة قال: كان بلال يضرب أقدامنا في الصلاة ويسوي مناكبنا. والآثار في هذا الباب كثيرة عمن ذكرنا وعن غيرهم ولا يختلف فيه أنه من سنن جماعات الصلاة، وتسويته ﵇ صفوفهم لتتم الاستقامة والاعتدال في ذلك، ولئلا تتخللهم الشياطين كما جاء في الحديث وتشبيهًا بالملائكة في صفوفها ذكر عبد الرزاق عن ابن جريج قال: حدثت أنهم كانوا لا يصفون حتى نزلت: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ ولما في ذلك من هيئة الجماعة في الصلاة وحسنها وتأتي صلاتهم في صفوفهم دون أن يضيق بعضهم على بعض ولأن في ذلك مراعاة تمكنهم من صلاتهم مع تكثر جمعهم أكثر مما يكون مع الاختلاط ولئلا يشغل بعضهم بعضًا بالنظر إلى ما يشغله منه إذا كانوا مختلطين وفي الصفوف غابت وجوه بعضهم عن بعض وكثير من حركاتهم وإنما يلي بعضهم من بعض ظهورهم. وقوله: (أو ليخالفن الله بين وجوهكم) يحتمل أن يريد المخالفة الخلقية كما في

стр. 1682

الحديث الآخر: "أن يحول الله صورته صورة حمار" فيخالف بصفتهم إلى غيرها من مسخ، ويحتمل أن يكون المراد بالمخالفة بين الوجوه تغير القلوب وتنكر وجه من أقام الصف لمن لم يقمه، إذ تغير الوجوه ناشيءٌ عن تغير القلوب. والتواد والألفة أمر مطلوب فيفوتهم ذلك وقد تقدم في حديث النعمان عند أبي داود: "أو ليخالفن الله بين قلوبكم". وفي حديث البراء: "لا تختلفوا فتختلف قلوبكم"، والحمل على الثاني أولى لوجهين: الأول: ما يقتضيه لفظ البينية في قوله: (بين وجوهكم) إذ لو أراد الأول لقال ليخالف الله وجوهكم. الثاني: هذه المخالفة إنما هي في أمر مستحب فعله مندوب إلى وقوعه فلا يبلغ الوعيد عليها مبلغ التغيير والمسخ. هذا ما ذهب إليه الجمهور وسيأتي قول من قال بخلافه. وقوله: (فرأى رجلًا خارجًا صدره عن القوم) وكذلك قوله: (يمسح صدورنا ومناكبنا) وقوله: (فرأيت الرجل يلزق منكبه بمنكب صاحبه وركبته بركبة صاحبه وكعبه بكعبه)، فيه التنبيه على كيفية التسوية وأن القدر اليسير من الاختلاف بها غير محتمل وتسوية الصفوف عندهم اعتدال القائمين بها على سمت واحد وقد تدل تسويتها أيضًا على سد الفرج وكلاهما مطلوب وقد تقدم في حديث عائشة. "ومن سد فرجة رفعه الله بها درجة"، وفي حديث ابن عمر: "وسدوا الخلل"، وقد روي عن ابن عمر من قوله: لأن تخر ثنيتاي أحب إليّ من أن أرى في الصف خللًا فلا أسده. وقوله: (فإن تسوية الصف من تمام الصلاة أو من حسن الصلاة) دليل على أن

стр. 1683

تعديل الصفوف غير واجب وأنه سنة مستحبة وإليه ذهب الجمهور إذ تمام الشيء أمر زائد على وجود حقيقته، ويرد عليه رواية من روى: "فإن تسوية الصف من إقامة الصلاة" كذا هو عند البخاري وغيره. وإلى فرضيته ذهب أبو محمد الظاهري محتجًا بهذا اللفظ، قال: وإذا كان من إقامة الصلاة فهو فرض، لأن إقامة الصلاة فرض، وما كان من الفرض فهو فرض. والجواب: أن الحديث ثبت بلفظ: الإقامة، وثبت بلفظ التمام، ولا يتم له الاستدلال إلا بِرَدّ لفظ التمام إلى لفظ الإقامة، وليس ذلك بأولى من العكس. وأما قوله: وإقامة الصلاة فرض، فإقامة الصلاة مطلق، ويراد به فعل الصلاة، ويراد به الإقامة للصلاة التي تلي التأذين لها، وليست إرادة الأول -كما زعم- بأولى من إرادة الثاني، إذ الأمر بتسوية الصفوف بعقب الإقامة، وهذين فعل الإمام، أو من يوظفه الإمام، وهو مقيم الصلاة غالبًا. وأما قوله: وما كان من الفرض فهو فرض، المعلوم أن .... الفرض .... ، وأن الصلاة فرض، وأن .... فرض، وهو قد استعمل كل منهما على ما هو فرض، وما ليس فرضًا. ثم لو سلم ما أراده في لفظ: (من إقامة الصلاة) لأورد عليه لفظ: (من تمام الصلاة)، وهو صحيح أيضًا؛ كيف له أن يجيب بأن تمام الشيء قد ينطلق بحسب الوضع على ما لا تتم الحقيقة إلا به. وما ذهب إليه الجمهور أولى، ويحمل لفظ الإقامة فيه على الإقامة التي تلي التأذين أو يقدر له محذوف، تقديره: من تمام إقامة الصلاة وينتظم به إجمال الألفاظ الواردة في ذلك كلها، وذلك أولى من إكمال بعضها وإلغاء بعض.

стр. 1684

وقد ثبت في "صحيح مسلم" من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : "فإن إقامة الصلاة من حسن الصلاة". وفي حديث أنس: أقيمت الصلاة فأقبل علينا رسول الله ﷺ بوجهه فقال: "أقيموا صفوفكم وتراصوا ... " الحديث، دليل على جواز الكلام بين الإقامة والصلاة وقد أجازه الأكثرون ومنعه بعضهم، وفرق آخرون بين الكلام لمصلحة الصلاة فرأوا جوازه، أو في غير ذلك فرأوا المنع ومن حجة المجيزين قول أنس: أقيمت .... إلخ. * * *

стр. 1685

٥٤ - باب ما جاء ليليني منكم أولو الأحلام والنهى حدثنا نصر بن علي الجهضمي ثنا يزيد بن زريع نا خالد الحذاء عن أبي معشر عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله عن النبي ﷺ قال: "ليليني منكم أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم وإياكم وهيشات الأسواق". قال: وفي الباب عن أبي بن كعب وأبي مسعود وأبي سعيد والبراء وأنس. قال أبو عيسى: حديث ابن مسعود حديث حسن غريب. وروي عن النبي ﷺ أنه كان يعجبه أن يليه المهاجرون والأنصار ليحفظوا عنه. قال: وخالد الحذاء هو خالد بن مهران يكنى أبا المنازل. قال: وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: إن خالدًا الحذاء ما حذا نعلًا قط إنما كان يجلس إلى حذاء فنسب إليه، قال: وأبو معشر اسمه زياد بن كليب. * الكلام عليه: حديث الباب رواه مسلم نا نصر بن حبيب وصالح بن حاتم بن وردان قالا نا يزيد بن زريع فهو صحيح لثقة رواته وكثرة الشواهد له كما سيأتي ولذلك حكم بصحته مسلم وأما غرابته فليست تنافي الصحة في بعض الأحيان (١) كما سبق فلأنه عن يزيد بن زريع اشتهر فرواه أبو داود عن مسدد والنسائي عن حميد بن مسعدة كلاهما عن يزيد بن زريع كما سبق.

стр. 1686

وأما الغرابة التي أشار إليها فقد قال الدارقطني: تفرد به خالد بن مهران الحذاء عن أبي معشر زياد بن كليب. انتهى. فهو على هذا غريب من حديث أبي معشر وكذلك هو عند أبي معشر عن إبراهيم، وبهذا التفرد يوجه القول بتحسينه وسيأتي لهذا مزيد بيان عند الكلام على ترجمة أبي معشر. وحديث أبي بن كعب رواه الإمام أحمد من حديث قيس بن عباد قال: قدمت المدينة للقاء أصحاب محمد ﷺ وما كان بينهم رجل ألقاه أحب إليّ من أبي هو ابن كعب فأقيمت الصلاة فخرج عمر مع أصحاب رسول الله ﷺ فقمت في الصف الأول فجاء رجل فنظر في وجوه القوم فعرفهم غيري فنحاني وقام في مكاني فما عقلت صلاتي فلما صلى قال: يا بني لا يسوءك الله إني لم آت الذي أتيت بجهالة ولكن رسول الله ﷺ قال لنا: "كونوا في الصف الذي يليني"، وإني نظرت في وجوه القوم فعرفتهم غيرك ثم حدّث، فما رأيت الرجال متحت أعناقها إلى شيء متوجهًا إليه قال: فسمعته يقول: هلك أهل العقدة ورب الكعبة ألا لا عليهم آسى ولكن آسى على من يُهلكون من المسلمين، وإذا هو أبيّ، رواه النسائي، وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" واللفظ لأحمد. متحت أعناقها: بتاءين ثالث الحروف وحاء مهملة، أي: مدّت. وأهل العُقدة بضم العين المهملة وسكون القاف يريد البيعة المعقودة للولاية. وحديث أبي مسعود قال: كان رسول الله ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: "استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم ليليني منكم أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم"، قال أبو مسعود: فأنتم اليوم أشد اختلافًا. رواه مسلم. وحديث أبي سعيد: أن رسول الله ﷺ رأى في أصحابه تأخرًا ... الحديث، تقدم في باب فضل الصف الأول.

стр. 1687

وحديث البراء لعله قوله: كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ حببت أن أكون عن يمينه. رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والنسائي وهذا لفظه. وحديث أنس قال: كان رسول الله ﷺ يحب أن يليه المهاجرون والأنصار ليأخذوا عنه. رواه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه. وقول الترمذي وفي الباب عن فلان وفلان وأنس ثم ذكر بعده: وقد روي عن النبي ﷺ أنه كان يعجبه أن يليه المهاجرون والأنصار ليحفظوا عنه يشير إلى أنه غير ما تقدم عن أنس. ومما لم يذكره: رويناه في "المعجم الكبير" للطبراني من حديث سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن عن سمرة: أن النبي ﷺ قال: "ليقم الأعرابي خلف المهاجرين والأنصار ليقتدوا بهم في الصلاة". رواه عن محمَّد بن هارون بن محمَّد بن بكار عن أبيه عن جده. وعن الحسن بن إسحاق التستري نا مخلد بن مالك نا محمَّد بن سليمان بن أبي داود الحراني قالا: عن سعيد بن بشير به. قال: وخالد الحذاء هو خالد بن مهران يكنى أبا المنازل البصري القرشي مولاهم وقيل مولى بني مجاشع، رأى أنس بن مالك وسمع أبا عثمان النهدي وأبا المتوكل الناجي والحسن البصري ومحمد وأنسًا ابني سيرين وأختهما حفصة وسعيد بن أبي الحسن وعطاء بن أبي رباح وأبا قلابة وعبد الرحمن بن أبي بكرة وعمارًا مولى بني هاشم وعطاء بن أبي ميمونة وعبد الله بن شقيق وأبا المليح والحكم بن الأعرج وابن أشوع وأبا المنهال سيار بن سلامة وأبا معشر زياد بن كليب. سمع منه محمد بن سيرين والأعمش ومنصور بن المعتمر وروى عنه ابن جريج والثوري وشعبة والحمادان وابن علية وبشر بن المفضل وهشيم وخالد بن عبد

стр. 1688

الله وعبد الوهاب الثقفي ووهيب بن خالد ويزيد بن زريع وأبو إسحاق الفزاري ومعتمر بن سليمان وعبد العزيز بن المختار وعبيد الله العنبري. قال أحمد بن حنبل: ثبت. وقال يحيى بن معين: ثقة. وقال محمد بن سعد: هو مولى لآل عبد الله بن عامر بن كريز، ولم يكن بحذاء ولكن كان يجلس إليهم. وقال فهد بن حيان: لم يَحْذُ خالد قط وإنما كان يقول: احذوا على هذا النحو فلقب الحذاء، قال: وكان خالد ثقة رجلًا مهيبًا لا يجتريء عليه أحد وكان كثير الحديث. وقال: ما كتبت شيئًا قط إلا حديثًا طويلًا فلما حفظته محوته، وكان قد استعمل على القبة (١) ودار العشور بالبصرة، وتوفي سنة إحدى وأربعين ومائة في خلافة أبي جعفر المنصور، وقال ابن المثنى عن قريش بن أنس: مات سنة ثنتين وأربعين أو أكثر. وقال الخطيب: حدث عن خالد: ابن سيرين وعبد الوهاب الثقفي وبين وفاتيهما ست وتسعون سنة روى له الجماعة. وأبو معشر زياد بن كليب التميمي الحنظلي الكوفي روى عن إبراهيم النخعي وسعيد بن جبير وفضيل بن عمرو. وروى عنه قتادة وأيوب السختياني ويونس بن عبيد وخالد الحذاء وأبو بشر

стр. 1689

جعفر بن أبي وحشية وهشام بن حسَّان وسعيد بن أبي عروبة ومغيرة بن مقسم وشعبة. قال أبو حاتم: هو من قدماء أصحاب إبراهيم وهو أحب إليّ من حماد بن أبي سليمان ليس بالمتين في حفظه قيل: هو ثقة، قال: صالح، وقال أحمد بن عبد الله: كان ثقة في الحديث قديم الموت، روى له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي. وقال ابن حبان: كان من الحفاظ المتقنين انتهى. فيتوجه على ما وصف به ابن حبان أبا معشر من الحفظ والإتقان تصحيح حديثه فيما تفرد به، وعلى ما قال أبو حاتم الرازي تحسينه وعلى كلا التقديرين فهو صحيح غريب أو حسن غريب من هذا الوجه، وأما بانضمام الشواهد له من حديث أبي مسعود وغيره كما تقدم فهو صحيح والله أعلم. وقوله ﷺ : (ليليني منكم أولو الأحلام والنهى ثمَّ الذين يلونهم) الأحلام النهي بمعنى واحد وهي (١) العقول واحدها نهى والنهية بالضم واحدة النهي وهي العقول لأنها تنهى عن القبح والنهى بالكسر الغدير في لغة نجد، وغيرهم يقوله بالفتح والجمع نهاء وأنهاء وقيل سمي نهيًا لأن الماء ينتهي إليه. وقال بعضهم: المراد بأولي الأحلام البالغون وبأولي النهي العقلاء فعلى الأول يكون العطف فيه من باب أقوى وأقفر بعد أم الهيثم. ونحو فألفى (٢) قولها كذبًا ومينًا، وهو أن تغاير اللفظ قام مقام تغاير المعنى وهو كثير في الكلام وعلى الثاني يكون لكل لفظ معنى مستقل. وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه كان إذا رأى صبيًّا في الصف أخرجه.

стр. 1690

وعن زر بن حبيش وأبي وائل مثل ذلك. وقد وجه بأحد أمرين: إما أن يكون الصبي لا يؤمن لهوه ولعبه، وإما أن يكون كره له التقدم في الصف لمنعه الشيوخ من ذلك الموضع وذكر عن أحمد بن حنبل أنه كان يذهب إلى كراهة ذلك قال الأثرم: سمعت أحمد بن حنبل كره أن يقوم مع الناس في المسجد خلف الإمام إلا من قد احتلم وأنبت وبلغ خمس عشرة سنة فقلت له: أو أثنتي عشرة سنة أو نحوها قال: ما أدري فقلت له: فكأنك تكره ما دون هذا السن فذكرت له حديث أنس: واليتيم وراءنا، قال: ذلك في التطوع. فيه تقديم الأفضل فالأفضل إلى الإمام لأنه أولى بالإكرام ولأنه ربما احتاج الإمام إلى استخلاف فيكون هو أولى، ولأنه يتفطن لتنبيه الإمام على السهو ما لا يتفطن له غيره ولأنهم أمسّ بضبط صفة الصلاة وحفظها ونقلها وتبليغها الناس وليقتدي بأفعالهم من وراءهم. ويؤخذ من التقديم في هذا المحل التقديم فيما أشبهه من الإمامة ومواقف القتال ومجالس القضاء والعلم والتدريس وما يجري مجرى ذلك فيكون الناس في كل الأمور على طبقاتهم من المعرفة والعلم والدين والعقل والشرف. وقد قالت عائشة ﵂: أمرنا رسول الله ﷺ أن ننزل الناس منازلهم. قوله ﵇: (وإياكم وهيشات الأسواق) بفتح الهاء وإسكان الياء آخر الحروف وبعدها شين معجمة أي: اختلاطها والمنازعة والخصومات وارتفاع الأصوات واللغط والفتن التي فيها. وقد تقدم الكلام على قوله: (ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم) في الباب قبل هذا.

стр. 1691

٥٥ - باب ما جاء في كراهية الصف بين السواري ثنا هناد ثنا وكيع عن سفيان عن يحيى بن هانئ بن عروة المرادي عن عبد الحميد بن محمود قال: صلينا خلف أمير من الأمراء فاضطرنا الناس فصلينا بين ساريتين فلما صلينا قال أنس بن مالك: كنا نتقي هذا على عهد رسول الله ﷺ . وفي الباب عن قرة بن إياس المزني. قال أبو عيسى: حديث أنس حديث حسن. وقد كره قوم من أهل العلم أن يصف بين السواري، وبه يقول أحمد وإسحاق ورخص قوم من أهل العلم في ذلك. * الكلام عليه: حديث الباب رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي. ويحيى بن هانئ بن عروة المرادي كوفي كان من أشراف العرب. روى عن عبد الحميد بن محمود ورجاء الزبيدي وابنه ونعيم بن دجاجة وأبي حميد. روى عنه الثوري وشعبة وشريك بن عبد الله سمعت أبي يقول ذلك قاله ابن أبي حاتم ووثقه يحيى بن معين. وقال أبو زرعة: ثقة صالح روى عنه الثوري وشعبة، سيد من سادات أهل الكوفة. وقال شعبة: أخبرني يحيى بن هانئ وكان سيدًا من سادات أهل الكوفة. وعبد الحميد بن محمود هذا بصري روى عبد الله بن عباس وأنس بن مالك.

стр. 1692

روى عنه يحيى بن هانئ المرادي وعمرو بن هرم وابنه حمزة بن عبد الحميد بن محمود. قال أبو حاتم: هو شيخ. وقال الدارقطني: كوفي ثقة يحتج به. روى له أبو داود والنسائي والترمذي. وقد ضعف أبو محمد عبد الحق هذا الحديث بعبد الحميد بن محمود هذا وقال: ليس هو ممن يحتج بحديثه. فقال أبو الحسن بن القطان ردًّا عليه: ولا أدري من أنبأه بهذا ولم أر أحدًا ممن صنف الضعفاء ذكره فيهم ونهاية ما يؤخذ فيه مما يوهم ضعفًا قول أبي حاتم الرازي وقد سئل عنه: هو شيخ، وهذا ليس بتضعيف وإنما هو إخبار بأنه ليس من أعلام أهل العلم وإنما هو شيخ وقعت له روايات أخذت عنه. وقد ذكره أبو عبد الرحمن النسائي فقال فيه: ثقة، على شحه بهذه اللفظة. وحديث قرة بن إياس المزني مروي من طريق معاوية بن قرة عن أبيه قال: كنا ننهى أن نصف بين السواري على عهد رسول الله ﷺ ونطرد عنها طردًا. رواه ابن ماجه. وروى حرب الكرماني بإسناد له عن أنس قال: نهى النبي ﷺ أن يصف بين السواري. وذكر الحافظ ضياء الدين محمَّد بن عبد الواحد المقدسي في الصلاة بين السواري حديث ابن عمر أن النبي ﷺ دخل الكعبة وأسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة الحجبي فأغلقها عليه ومكث فيها فسألت بلالًا حين خرج: ما صنع النبي

стр. 1693

- ﷺ ؟ قال: جعل عمودًا عن يمينه وعمودًا عن يساره وثلاثة أعمدة وراءه وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة ثم صلى، وفي رواية عمودين عن يمينه. رواه البخاري ومسلم. فيه كراهة الصف بين السواري. قال القاضي أبو بكر بن العربي: وذلك إما لانقطاع الصف وهو المراد من التبويب وإما لأنه موضع جمع النعال والأول أشبه لأن الثاني محدث. ولا خلاف في جوازه عند الضيق وأما عند السعة فهو مكروه للجماعة فأما الواحد فلا بأس به وقد صلى النبي ﷺ في الكعبة بين سواري انتهى. أما التفريق بين حالة الضيق والسعة فكذلك هو الحكم وحديث الباب إنما ورد في حالة الضيق لقوله: فاضطرنا الناس فيمكن أن يقال إن الضرورة أشار إليها في الحديث لم تبلغ قدر الضرورة التي يرتفع الحرج معها. وحديث قرة لا ذكر فيه للضرورة، أما التفريق بين حكم الجماعة والمنفرد فالحديث إنما ورد في حكم [صلاة] الجماعة كذا رواه أبو داود من طريق عبد الحميد قال: صليت مع أنس بن مالك يوم الجمعة فدفعنا إلى السواري فتقدمنا وتأخرنا ... الحديث (١)، ولذلك اختلف الناس في الكراهة والإباحة كما سنذكره. ذكر عبد الرزاق في "مصنفه" عن معمر عن أبي إسحاق عن معدي كرب قال قال ابن مسعود: لا تصفوا بين السواري ولا تأتموا بالقوم وهم يتحدثون.

стр. 1694

وذكر عن الثوري وابن عيينة عن أبي إسحاق عن معدي كرب الهمداني قال: سمعت ابن مسعود يقول: لا تصطفوا بين الأساطين ولا تصل وبين يديك قوم يمترون أو قال: يلعبون. وذكر عن هشام بن حسّان عن الحسن أنه كره الصف بين السواري قال هشام بن حسان وسألت عنه ابن سيرين فلم ير به بأسًا. وبالكراهة قال النخعي وإسحاق ورخص فيه أبو حنيفة ومالك والشافعي وابن المنذر قياسًا على الإمام والمنفرد قالوا وقد ثبت أن النبي ﷺ صلى في الكعبة بين ساريتين (١). واستدل من قال بالكراهة بما ذكرنا من أحاديث الباب وبما روى سعيد بن منصور في "سننه" عن ابن مسعود وابن عباس وحذيفة من النهي عن ذلك ولا يعرف لهم مخالف من الصحابة وإذا كانت العلة في الكراهة قطع الصفوف فلا معنى للقياس على الإمام والمنفرد لانتفاء العلة هناك. * * *

стр. 1695

٥٦ - باب ما جاء في الصلاة خلف الصف وحده ثنا هناد نا أبو الأحوص عن حصين عن هلال بن يسار فقال: أخذ زياد بن أبي الجعد بيدي ونحن بالرقة فقام بي على شيخ يقاله له وابصة بن معبد من بني أسد فقال زياد: حدثني هذا الشيخ: أن رجلًا صلى خلف الصف وحده -والشيخ يسمع (١) - فأمره رسول الله ﷺ أن يعيد الصلاة. قال أبو عيسى: وفي الباب عن علي بن شيبان وابن عباس. قال: وحديث وابصة حديث حسن. وقد كره قوم من أهل العلم أن يصلي الرجل خلف الصف وحده وقالوا: يعيد إذا صلى خلف الصف وحده، وبه يقول أحمد وإسحاق. وقد قال قوم من أهل العلم: يجزئه إذا صلى خلف الصف وحده وهو قول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي. وقد ذهب قوم من أهل الكوفة إلى حديث وابصة بن معبد أيضًا قالوا من صلى خلف الصف وحده يعيد، منهم حماد بن أبي سليمان وابن أبي ليلى ووكيع. وروى حديث حصين عن هلال بن يساف غير واحد مثل رواية أبي الأحوص عن زياد بن أبي الجعد عن وابصة. وفي حديث حصين ما يدل أن هلالًا قد أدرك وابصة، واختلف أهل الحديث في هذا، فقال بعضهم: حديث عمرو بن مرة عن هلال بن يساف عن عمرو بن راشد عن وابصة أصح.

стр. 1696

وقال بعضهم: حديث حصين عن هلال بن يساف عن زياد بن أبي الجعد عن وابصة بن معبد أصح. قال أبو عيسى: وهذا عندي أصح من حديث عمرو بن مرة لأنه قد روي من غير حديث هلال بن يساف عن زياد بن أبي الجعد عن وابصة: حدثنا محمد بن بشار نا محمد بن جعفر نا شعبة عن عمرو بن مرة عن هلال بن يساف عن عمرو بن راشد عن وابصة بن معبد: أن رجلًا صلى خلف الصف وحده فأمره النبي أن يعيد الصلاة. قال: سمعت الجارود يقول: سمعت وكيعًا يقول: إذا صلى الرجل خلف الصف وحده فإنه يعيد. * الكلام عليه: حديث وابصة رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه وحسنه الترمذي وأما أبو عمر فقال: وحديث وابصة مضطرب الإسناد لا يثبته جماعة من أهل الحديث. وليس الاضطراب الذي وجد فيه مما يضره لما سنذكره، وذلك أنا روينا هذا الحديث من طريق هلال بن يساف على وجوه أربعة، فبعضها: عن هلال عن زياد بن أبي الجعد عن وابصة كذا هو عند منصور بن المعتمر وزائدة بن قدامة وحصين من رواية جرير عنه. وبعضها: عن هلال عن عمرو بن راشد عن وابصة كذا رواه عمرو بن مرة وهو عند أبي داود عن سليمان بن حرب وحفص بن عمر عن شعبة عن عمرو بن مرة، وتابع شعبة عليه زيد بن أبي أنيسة وأبو خالد الدالاني: وبعضها عن هلال عن وابصة بإسقاطهما كذا رواه عن هلال شمر بن عطية والحجاج بن أرطاة وحصين من رواية شريك عنه.

стр. 1697

وبعضها عن هلال قال: أخذ زياد بن أبي الجعد بيدي فأوقفني على شيخ بالرقة يقال له وابصة بن معبد نحو ما رواه الترمذي، كذا رواه ابن إدريس وأبو الأحوص وزهير بن معاوية والحسن بن صالح وخالد الطحان عن حصين عن هلال. فجمعت هذه الرواية بين طريقي من أثبت زيادًا وأسقطه وبينت أن كلا الروايتين صواب. وأما الخُلف على هلال بدخول عمرو بن راشد بدل زياد فلا يضر لوجهين: الأول: ما بينته هذه الطريق من سماع هلال من وابصة، فعمرو مستغنىً عنه. الثاني: ثقة عمرو بن راشد وزياد بن أبي الجعد وقد نقلت عن ابن حبان، فكيف ما انقلبنا انقلبنا إلى ثقة وإنما يكون الاختلاف موثرًا لو اختلف حالهما، بجرح أحدهما وتعديل الآخر. قال: (وروى حديث حصين عن هلال غير واحد مثل رواية أبي الأحوص عن زياد بن أبي الجعد عن وابصة) يريد بذلك حديث حصين [الذي تبين فيه سماع هلال من وابصة] والذي لم يتبين كما نص عليه هنا وإلا فقد روي عن حصين عن هلال بسقوط زياد كما نقلناه من رواية شريك عنه وقد ذكرناه عن جماعة كذلك. قال: وفي حديث حصين ما يدل أن هلالًا قد أدرك وابصة، يعني: من الوجه الذي ذكره وإلا فالروايات عن حصين منها ما يدل على ذلك، ومنها ما لا يدل عليه، وأما رواية هلال: وابصة: فقد أنا أبو عمران موسى بن عثمان أبو محمد البزار قراءة عليه وأنا أسمع، نا

стр. 1698

أبو القاسم عبد الرحيم بن يوسف بن الطفيل -قراءة عليه وأنا أسمع- أنا الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد السلفي ربما قال: أنا أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفي بمدينة السلام، فيما قرأت عليه من أهل سماعه، أنا أبو عبد الله الحسين بن جعفر السلماسي أنا أبو أحمد محمد بن عبد الله بن أحمد بن القاسم بن جامع الدهان، أنا أبو علي محمد بن سعيد بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن عيسى بن مرزوق القشيري الحراني حافظ الرقة بالرقة في سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، قال: أنا أبو الهيثم محمد بن عبد الصمد: حدثني عمي عبد السلام بن عبد الرحمن بن صخر عن أبيه عن شيبان بن عبد الرحمن بن حصين بن عبد الرحمن عن هلال بن يساف، قال: قدمت الرقة، فقال بعض أصحابي: هل لك في رجل من أصحاب رسول الله ﷺ ؟ فقلت: غنيمة! فدفعنا إلى وابصة بن معبد، فقلت لصاحبي أو لأصحابي: نبدأ فنظر إلى دله، فإذا عليه قلنسوة لاطئة ذات أذنين، وبرنس خز أغبر، وإذا هو قائم يصلي يعتمد على عصا في صلاته، فقلنا له بعد أن سلمنا عليه: ما دعاك إلى العصا؟ قال: حدثتني أم قيس بنت محصن: أن رسول الله ﷺ لما أسن وحمل اللحم اتخذ عمودًا في مصلاه يعتمد عليه. وبه إلى أبي علي القشيري حافظ الرقة قال: نا جعفر بن محمد بن حجاج نا عبد السلام نا أبي عن شيبان بن عبد الرحمن عن حصين بن عبد الرحمن [عن هلال] بن يساف، قال: قدمت الرقة فذكر نحوه. وقد رويناه من طريق أبي داود في "سننه" عن عبد السلام به، فتعلو لنا درجة والحمد لله. ونقل الخلاف في الترجيح بين حديث عمرو بن مرة وحديث حصين ورجح حديث حصين بأن غير هلال قد رواه عن زياد بن أبي الجعد.

стр. 1699

والحديث الذي أشار إإليه أناه أبو عبد الله بن ساعد أنا ابن الحجاج بن خليل أنا الشيخان أبو عبد الله محمد بن أبي زيد بن أحمد الكرّاني وأبو جعفر محمد بن إسماعيل الطرسوسي قالا: أنا أبو منصور محمود بن إسماعيل الصيرفي قال: أنا أبو الحسين بن فاشاذه زاد الطرسوسي وأنا أبو نهشل عبد الصمد بن أحمد بن أبي الفضل العنبري أنا أبو بكر بن ريذة سماعًا وأبو الحسين بن فاشاذه إجازة قالا أنا أبو القاسم الطبراني ثنا محمد بن إسحاق بن راهويه ثنا أبي ثنا وكيع عن يزيد بن زياد بن أبي الجعد عن عمه عبيد بن أبي الجعد عن زياد بن أبي الجعد عن وابصة: أن رجلًا صلى خلف الصف وحده فأمره رسول الله ﷺ أن يعيد الصلاة. وبه إلى الطبراني: ثنا محمد بن راشد الأصبهاني ثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري ثنا محمد بن ربيعة الكلابي عن يزيد بن زياد بن أبي الجعد عن عمه عبيد عن زياد عن وابصة نحوه. ورويناه أيضًا من طريق الأعمش عن عبيد بن أبي الجعد عن زياد بن أبي الجعد عن وابصة. ووجه الترجيح بما أشار إليه أن رواية عمرو بن راشد نقلت عن هلال وحده ورواية زياد نقلت عن هلال وعن عبيد بن أبي الجعد فساوتها في الطريق الأول وامتازت عنها بالطريق الثاني. وقد رويناه من طريق سالم بن أبي الجعد والشعبي وحنش بن المعتمر كلهم عن وابصة من وجوه لا تبلغ درجة حديث عمرو بن راشد وزياد بن أبي الجعد. قال ابن المنذر: وقد ثبت الحديث أحمد وإسحاق. قال: (وفي الباب على علي بن شيبان وابن عباس). أما حديث علي بن شيبان فمن رواية ابنه عبد الرحمن عنه، قال: خرجنا حتى قدمنا على النبي ﷺ فبايعناه وصلينا خلفه قال: ثم صلينا وراءه صلاة أخرى

стр. 1700

فقضى الصلاة فرأى رجلًا فردًا خلف الصف فوقف عليه نبي الله حين انصرف قال: "استقبل صلاتك لا صلاة للذي خلف الصف". رواه الإمام أحمد وابن ماجه وهذا لفظه. وفي رواية للإمام أحمد أنه قال: صليت خلف رسول الله ﷺ وانصرف فرأى رجلًا يصلي فردًا خلف الصف فوقف نبي الله ﷺ حتى انصرف الرجل فقال له: "استقبل صلاتك فلا صلاة لفرد خلف الصف". رواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن ملازم بن عمرو عن عبد الله بن بدر عن عبد الرحمن بن علي بن شيبان. ملازم وابن بدر ثقتان وعبد الرحمن وثقه ابن حبان فرواته ثقات معروفون. وقال أبو محمد بن حزم: وما نعلم أحدًا عاب عبد الرحمن بأكثر من أنه لم يرو عنه إلا عبد الله بن بدر وهذا ليس جرحًا. انتهى. عبد الرحمن هذا روى عنه أيضًا ابنه محمد ووعلة بن عبد الرحمن بن وثاب (١) وقد وثقه ابن حبان كما ذكرنا وروى له أبو داود وابن ماجه. وحديث ابن عباس لعله الآتي في الباب بعد هذا. وقد اعتل به قوم ممن رأى جواز صلاة المنفرد خلف الصف ولا وجه للاعتلال به كما سنذكره. وقد اختلف السلف في صلاة المأموم خلف الصف وحده فقالت طائفة: لا يجوز وممن قال به بذلك النخعي والحكم والحسن بن صالح وأحمد وإسحاق. وأجاز ذلك الحسن البصري والأوزاعي ومالك والشافعي وأصحاب الرأي. وفرق آخرون بين الرجل والمرأة في ذلك فرأوا على الرجل الإعادة دون المرأة

стр. 1701

أخذًا بحديث: فصففت أنا واليتيم وراءه يعني رسول الله ﷺ والعجوز من ورائنا، في حق المرأة، وبحديثي الباب في حق الرجل حكى ذلك عن أحمد بن حنبل والحميدي وأبي ثور وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج عن عبد الكريم أبي أمية عن إبراهيم قال: إذا دحس الصف فلم يكن فيه مدخل فليستخرج رجلًا من ذلك الصف فليقم معه فإن لم يفعل فصلاته تلك صلاة واحد ليست بصلاة جماعة. وذكر أيضًا عن ابن جريج قال: قلت لعطاء أيكره أن يقوم الرجل وحده وراء الصف؟ قال: نعم والرجلان والثلاثة إلا في الصف فإن فيها فرجًا، قلت لعطاء: أرأيت إن وجدت الصف مدحوسًا لا أرى فرجة أقوم وراءهم قال: لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها وأحبُّ إليّ أن أدخل فيه. وروى عبد الرزاق عن عبد الله بن كثير عن شعبة قال: سألت الحكم بن عتيبة وحمادًا عن ذلك فقال الحكم: يعيد وحماد: لا يعيد وقال ابن عيينة. قال شعبة: يذكر عن بعضهم أن إبراهيم قال: إذا قام حذو الإمام لم يُعِد. وعن ابن جريج عن عطاء قال: لا يعيد والأمر في ذلك محمول عند أصحابنا من الشافعيين على الكراهة قالوا: ومتى وجد الداخل إلى الصلاة فرجة أو سعة في الصف دخل وله أن يخرق الصف الأخر إن لم يجد فرجة فيه ووجدها في صف تقدمه لأنهم قصروا حيث لم يتموه. وإن لم تجد فرجة ولا سعة في الصف فما الذي يفعل؟ حكى عن نصه في البويطي: أنه يقف منفردًا ولا يجذب إلى نفسه أحدًا لأنه لو جذب إلى نفسه واحدًا ليفوت عليه فضيلة الصف الأول ولأوقع الخلل في الصف وبهذا قال أبو الطيب الطبري: وحكاه عن مالك وقال أكثر الأصحاب: إنه يجر إلى نفسه واحدًا. قالوا: وإنما يجره بعد أن يتحرم بالصلاة ويستحب أن يساعده ولا فرق

стр. 1702

بين الداخل في أثناء الصلاة والحاضر في ابتدائها في ذلك لعموم الأمر به. وقد اختلف السلف في الداخل للصلاة والصفوف قد استوت واتصلت هل له أن يجذب إلى نفسه واحدًا ليقوم معه أو لا؟. روي الأول عن عطاء وإبراهيم والنخعي (١) وقال بعضهم جذب الرجل في الصف ظلم وممن كره ذلك مالك والأوزاعي واستقبح ذلك أحمد وإسحاق. وتمسك من رأى على المنفرد الإعادة بحديثي الباب ومن لا يرى الإعادة عليه بثلاثة أحاديث لا حجة لهم في شيء منها: الأول: حديث أنس: صلى رسول الله ﷺ في بيت أم سليم فقمت أنا ويتيم خلفه وأم سليم خلفنا. رواه البخاري ومسلم. وكان شيخنا الإمام أبو الفتح القشيري يقول: ولم يحسن من استدل به على أن صلاة المنفرد خلف الصف صحيحة فإن هذه الصورة ليست من صور الخلاف. وقال بعض أهل العلم: إنما في حديث أنس حكم النساء إذا كنّ خلف الرجال وإلا فعليهن من إقامة الصفوف إذا كثرن ما على الرجال لعموم الأمر بذلك. الثاني: ما روي عن ابن عباس وجابر إذ جاء كل منهما فوقف عن يسار رسول الله ﷺ مؤتمًا به وحده فأدار ﵇ كل واحد منهما حتى جعله عن يمينه، قالوا: فقد صار كل واحد منهما خلف رسول الله ﷺ في تلك الإدارة، وهذا كالذي قبله إذ المُدار من اليسار إلى اليمين لا يسمّى مصليًا خلف الصف بيقين وإنما هو مصل عن اليمين كما هو موقفه في تلك الحالة. الثالث: حديث أبي بكرة حين ركع خلف الصف وحده فقال له رسول الله

стр. 1703

- ﷺ : "زادك الله حرصًا ولا تعد"، ولم يأمره بإعادة الصلاة، قالوا: وقوله لأبي بكرة: (لا تعد) أي: لا تعد للتأخر عن الصلاة حتى تفوتك، وإذا جاز للرجال الركوع خلف الصف وحده وأجزأ عنه فكذلك سائر صلاته لأن الركوع ركن من أركانها فإذا جاز للمصلي أن يركع خلف الصف وحده جاز له أن يسجد وأن يتم صلاته وقد روينا الخبر بأصح إسناد عن أبي بكرة أنه دخل المسجد ورسول الله يصلي وقد ركع فركع ثم دخل الصف وهو راكع فلما انصرف رسول الله ﷺ قال: "أيكم دخل الصف وهو راكع"؟ فقال له أبو بكرة: أنا قال: "زادك الله حرصًا ولا تعد"، فتبين بهذا اللفظ كيف كان ركوعه وأنه لم يكن منه غير ابتداء الركوع وإنما ركع في الصف ولم يعلم ما في ابتداء الركوع على تلك الحال فلم يُؤمر بالإعادة لأن النهي عن ذلك لم يكن تقدم فيكون معنى قوله: ولا تعد أنه إن عاد لزمته الإعادة لعلمه بالنهي، وذكر المهلب أنه ﵇ لم يكره ذلك منه إلا أنه مثل بنفسه في مشيه في حال الركوع وأن ذلك ليس من مشي الناس وإنما تمشى كذلك البهائم فلذلك قال: لا تعد وشكر له حرصه لأنه لم يسهل عليه المشي على تلك الحالة إلا الحرص. ولا يُعد حكم الشروع في الركوع حكم الصلاة كلها فهذا أحمد بن حنبل يرى أن صلاة المنفرد خلف الصف باطلة ويرى أن الركوع دون الصف جائز. واختلف السلف في الركوع دون الصف فرخص فيه زيد بن ثابت وفعل ذلك ابن مسعود وزيد بن وهب وروي عن سعيد بن جبير وأبي سلمة بن عبد الرحمن وعروة وابن جريج ومعمر أنهم فعلوا ذلك. وقال الزهري: إن كان قريبًا من الصف فعل وإن كان بعيدًا لم يفعل وبه قال الأوزاعي. * * *

стр. 1704

٥٧ - باب ما جاء في الرجل يصلي ومعه رجل ثنا قتيبة نا داود بن عبد الرحمن العطار (١) عن عمرو بن دينار عن كريب مولى ابن عباس عن ابن عباس قال: صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة فقمت عن يساره فأخذه رسول الله ﷺ برأسي من ورائي فجعلني عن يمينه. قال أبو عيسى: وفي الباب عن أنس. قال: وحديث ابن عباس حديث حسن صحيح والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم قالوا: إذا كان الرجل مع الإمام يقوم عن يمين الإمام. * الكلام عليه: حديث ابن عباس رواه البخاري ومسلم، وحديث أنس أن النبي ﷺ صلى به وبامرأة فجعله عن يمينه والمرأة عن خلفه. رواه مسلم. وفي الباب أيضًا عن جابر ﵁ قال: كنت مع رسول الله ﷺ في سفر فانتهينا إلى مشرعة فقال: "ألا تشرع يا جابر" قلت: بلى قال: فنزل رسول الله ﷺ وأشرعت قال: ثم ذهب لحاجته ووضعت له وضوءًا قال: فجاء فتوضأ، ثم قام فصلى في ثوب واحد خالف بين طرفيه فقمت خلفه فأخذ بأذني فجعلني عن يمينه. رواه مسلم. وفي لفظ للإمام أحمد فيه: فقمنا إلى جنبه عن يساره فنهاني فجعلني عن يمينه.

стр. 1705

وفيه ....... (١)، وسيأتي في طرق حديث الباب الآتي بعده. وكان مبيت عبد الله بن عباس بن عباس تلك الليلة في بيت خالته ميمونة بنت الحارث زوج النبي ﷺ وأم عبد الله بن عباس لبابة الكبرى بنت الحارث بن حزن بن بحير بن الهزم بن رويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة الهلالية. ففيه جواز مثل ذلك من المبيت عند المحارم من الزوج وقيل: إنه تحرى وقتًا لذلك لا يكون فيه ضرر بالنبي ﷺ وهو وقت الحيض وقيل: إنه بات عندها لينظر إلى صلاة النبي ﷺ . وفيه دليل على أن للصبي موقفًا مع الإمام في الصف وإذا أخذ ما ورد في غير هذه الرواية من أن ابن عباس دخل في الصلاة بعد دخول النبي ﷺ فيها ففيه دليل على جواز الائتمام بمن لم ينو الإمامة. وفيه أن موقف المأموم الواحد مع الإمام عن يمينه وهو المشهور عند السلف أخذًا بهذا الحديث وما في معناه وعن سعيد بن المسيب يقوم عن يساره وعن النخعي يقوم خلفه ما بينه وبين أن يركع فإن جاء أحد وإلا قام عن يمينه، حكاه ابن المنذر ﵀. وفيه أن العمل اليسير في الصلاة لا يبطلها وأخذه ﵇ برأسه قيل تثبيتًا للتعليم أو زيادة في التأنيس والتسكين وقيل فعل ذلك لينفي عنه العين لما أعجبه فعله ذلك. * * *

стр. 1706

٥٨ - باب ما جاء في الرجل يصلي مع الرجلين حدثنا بندار محمد بن بشار ثنا ابن أبي عدي قال أنبأنا إسماعيل بن مسلم عن الحسن عن سمرة بن جندب قال: أمرنا رسول الله ﷺ إذا كنا ثلاثة أن يتقدمنا أحدنا. قال أبو عيسى: وفي الباب عن ابن مسعود وجابر وأنس بن مالك: قال وحديث سمرة حديث غريب. والعمل على هذا عند أهل العلم قالوا: إذا كانوا ثلاثة قام رجلان خلف الإمام. وروي عن ابن مسعود أنه صلى بعلقمة والأسود وأقام أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، ورواه عن النبي ﷺ . وقد تكلم بعض الناس في إسماعيل بن مسلم من قبل حفظه. " الكلام عليه: حديث ابن مسعود عند أبي داود من طريق الأسود بن يزيد النخعي قال: استأذن علقمة والأسود على عبد الله، وقد كنا أطلنا القعود على بابه فخرجت الجارية فاستأذنت لهما فأذن لهما ثم قام فصلى بيني وبينه ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ فعل. وأخرجه النسائي وفي إسناده هارون بن عنترة وقد تكلم فيه بعضهم. قال أبو عمر: هذا الحديث لا يصح رفعه والصحيح فيه عندهم التوقيف على ابن مسعود أنه كذلك صلى بعلقمة والأسود، وهذا الذي أشار إليه أبو عمر فقد أخرجه مسلم في "صحيحه": أن ابن مسعود صلى بعلقمة والأسود وهو موقوف.

стр. 1707

وقال بعضهم: حديث ابن مسعود منسوخ لأنه إنما تعلم هذه الصلاة من النبي ﷺ وهو بمكة وفيها التطبيق وأحكام أخر هي الآن متروكة وهذا الحكم من جملتها فلما قدم النبي ﷺ المدينة تركه. وأما حديث جابر فعند مسلم عن جابر بن عبد الله قال: سرنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كان عشيشية ودنونا من ماء من مياه العرب قال رسول الله ﷺ : "من يتقدمنا فيمدر الحوض فيشرب ويسقينا" قال جابر: فقمت فقلت: هذا رجل يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ : "أي رجل مع جابر" فقام جبار بن صخر فانطلقنا إلى البئر فنزعنا في الحوض سجلًا أو سجلين ثم مدرناه ثم نزعنا فيه حتى أفهقناه فكان أول طالع علينا رسول الله ﷺ ، وفيه: ثم جاء رسول الله ﷺ فتوضأ فيه ثم قمت فتوضأت من متوضأ رسول الله ﷺ فذهب جبار بن صخر يقضي حاجته فقام رسول الله ﷺ ليصلي ثم جئت حتى قمت عن يسار رسول الله ﷺ فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه ثم جاء جبار بن صخر فتوضأ ثم جاء فقام عن يسار رسول الله ﷺ فأخذ بأيدينا جميعًا فدفعنا حتى أقامنا خلفه وكان هذا في غزوة تبوك. وحديث أنس الذي أشار إليه يأتي في الباب الذي يلي هذا إن شاء الله تعالى. وأما حديث الباب فقد استغربه الترمذي فقط فيما وقفت عليه وذكر ابن عساكر في "الأطراف" أنه قال فيه: حسن غريب. وذكر ابن العربي أنه ضعفه، ولم نجده، إلا إن أراد بذلك تضعيف إسماعيل بن مسلم راويه، فقد يمكن (١).

стр. 1708

وأخرج من إسناده إسماعيل بن مسلم. وحكى عن بعض الناس أنه تكلم فيه من قبل حفظه وهو إسماعيل بن مسلم المكي أصله بصري سكن مكة وكان فقيهًا مفتيًا، ونسب المكي لكثرة مجاورته بمكة. روى عن أبي رجاء العطاردي والحسن والزهري وعمارة بن القعقاع وقتادة وحماد بن أبي سليمان وعمرو بن دينار وعطاء بن أبي رباح ومحمد بن المنكدر. روى عنه الأعمش والأوزاعي والثوري وشريك وابن المبارك وعلي بن مسهر وعبد الوهاب بن عطاء الخفاف. قال البخاري: تركه ابن المبارك وربما روى عنه. وقال يحيى بن سعيد: لم يزل مختلطًا وكان يحدث بالحديث الواحد على ثلاثة أضرب. وقال أحمد بن حنبل: هو منكر الحديث. وقال عمرو بن علي: كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه. وقال يحيى بن معين: لا شيء. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث يكتب حديثه ليس بمتروك. وقال علي بن المديني: ليس بشيء، وقال مرة: ضعيف لا يكتب حديثه أجمع أصحابنا على ترك حديثه. وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث. وقال سفيان: كان يخطئ في الحديث. وقال النسائي وعلي بن الجنيد: متروك الحديث.

стр. 1709

وقال السعدي: هو واهٍ جدًّا. وقال عمرو بن علي: كان ضعيفًا في الحديث يهم فيه وكان صدوقًا كثير الغلط يحدث عنه من لا ينظر في الرجال. وقال ابن عدي: أحاديثه غير محفوظة إلا أنه ممن يكتب حديثه. وفيه مع ما ذكر من حال إسماعيل بن مسلم علتان: الأولى: ابن أبي عدي رواه عن إسماعيل بصيغة تحتمل الإجازة لقوله فيه: أنبأنا إسماعيل. الثاني: الاختلاف في سماع الحسن من سمرة فقد أنكر مطلقًا وقدح يحيى بن معين في إسناد الخبر الذي فيه قيل للحسن ممن سمعت حديث العقيقة فقال: من سمرة، ومن الناس من أثبته مطلقًا، ومنهم وهم الأكثرون من يرى روايته عنه حديث العقيقة سماعًا وما عداه كتابة. وقد رويناه من طريق الطبراني من حديث غير ابن أبي عدي عن إسماعيل قال: أنا أحمد بن علي الأبار نا عبد الرحمن بن بكر بن الربيع قال: نا محمد بن حمران عن إسماعيل بن مسلم به. محمد بن حمران قال أبو حاتم: صالح. وقال أبو زرعة: محله الصدق. فذهب التعليل بالانقطاع المحتمل بين ابن أبي عدي وإسماعيل. ورويناه أيضًا عن سمرة من غير طريق الحسن، قال الطبراني: ثنا موسى بن هارون ثنا مروان بن جعفر السمري ثنا محمد بن إبراهيم بن خُبيب بن سليمان بن سمرة ثنا جعفر بن سعد بن سمرة عن خبيب بن سليمان بن سمرة عن أبيه عن سمرة فذكره.

стр. 1710

وقال: أيضًا ثنا عبد الله بن أحمد نا دحيم نا يحيى بن حسان نا سليمان بن موسى ثنا جعفر بن سعد بن سمرة قال: حدثني خبيب بن سليمان عن أبيه سليمان عن سمرة بن جندب قال: أمرنا رسول الله ﷺ إذا أدركنا الصلاة ونحن ثلاثة أو أكثر من ذلك أن نقدم لنا رجلًا منا فيكون إمامًا وإن كنا اثنين أن نصف جميعًا. ولفظ الذي قبله مثله. هذا إسناد لا بأس به وأقل مراتبه أن يكون حسنًا. جعفر بن سعد بن سمرة مستور الحال. روى عنه سليمان بن موسى ومحمد بن إبراهيم بن خبيب بن سليمان وعبد الجبار بن العباس الشبامي وغيرهم. روى له أبو داود ولم نقف على جرح فيه. وخبيب وأبوه سليمان وثقهما ابن حبان. ومن عداهم فأشهر من أن يعرف بحاله في الإسناد الثاني للطبراني، وللأول متابع له يعضده فسقط بهذا أيضًا التعليل بالانقطاع المختلف فيه بين الحسن وسمرة وتبين أن متن الحديث روي من غير وجه وأن الغرابة فيه إنما تتعلق بالإسناد أو بعضه من الوجه الذي ذكره فليست مما يوثر فيه وهنًا وليس للأفراد إذا كانوا ثلاثة أن يتقدمهم أحدهم مفهوم خطاب لأنه إذا كانا اثنين أمهما أحدهما ولعله إنما خص الثلاثة بالذكر لأنه سئل عنهم والله أعلم. فيه أن موقف الرجلين مع الإمام في الصلاة خلفه وبه قال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عمر وجابر بن زيد والحسن وعطاء وإليه ذهب مالك والشافعي وغيرهما وقالت طائفة: يقف الإمام بينهما روي ذلك عن ابن مسعود وقد تقدم، وبه قال النخعي وأبو حنيفة وجماعة من فقهاء الكوفة وليس ذلك شرطًا عند

стр. 1711

أحد منهم ولكن الخلاف في الأولى والأحسن وهذا حكمهم في الشروع، أما إذا أحرم الإمام ومعه رجل فسبيله أن يقف عن يمينه عند الجمهور كما تقدم. قال أصحابنا: ثم إن حضر آخر وقف على يساره وأحرم ثم يتقدم الإمام أو يتأخر المأمومان إن أمكن وأيهما أولى فيه وجهان: أحدهما: وبه قال القفال أن تقدمه أولى لأنه يبصر ما بين يديه فيعرف كيف يتقدم وأصحهما ولم يذكر الأكثرون سواه أن تأخرهما أولى لأن النبي ﵇ أخر جابرًا وجبار بن صخر فدفعهما حتى أقامهما خلفه كما سبق وإن لم يمكن التقدم والتأخر لضيق المكان من أحد الجانبين حافظوا على الممكن هذا في القيام أما إذا لحق الثاني في التشهد أو في السجود فلا تقدم ولا تأخر حتى يقوموا. * * *

стр. 1712

٥٩ - باب ما جاء في الرجل يصلي ومعه الرجال والنساء حدثنا الأنصاري ثنا معن نا مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك أن جدته مُليكة دعت رسول الله ﷺ إلى طعام صنعته فأكل منه ثم قال: "قوموا فلأصلي بكم" قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسودّ من طول ما لبس فنضحته بالماء فقام عليه رسول الله وصففت عليه أنا واليتيم وراءه والعجوز من ورائنا فصلى بنا ركعتين ثم انصرف. قال أبو عيسى: حديث أنس حسن صحيح، والعمل عليه عند أهل العلم قالوا: إذا كان مع الإمام رجل وامرأة قام الرجل عن يمين الإمام والمرأة خلفهما وقد احتج بعض الناس بهذا الحديث في إجازة الصلاة إذا كان الرجل خلف الصف وحده، وقالوا: إن الصبي لم تكن له صلاة وكأن أنسًا كان خلف النبي ﷺ وحده في الصف وليس الأمر على ما ذهبوا إليه لأن النبي صلى الله عليه ويلزم أقامه مع اليتيم خلفه فلولا أن النبي ﷺ جعل لليتيم صلاة لما أقام اليتيم معه ولأقامه عن يمينه. وقد روي عن موسى بن أنس إنه صلى مع النبي ﷺ فأقامه عن يمينه وهذا الحديث دلالة أنه إنما صلى تطوعًا أراد إدخال البركة عليهم. * الكلام عليه: أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي. واليتيم هو ضُمَيرة بن أبي ضميرة له ولأبيه صحبة وعدادهما في أهل المدينة. قال أبو عمر في قوله جدته مليكة إن مالكًا يقوله، وعاد بقوله الجدة يعني جدة إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة فيكون الضمير على إسحاق عائدًا وهي جدته أم أبيه عبد الله بن أبي طلحة وهي أم سليم بنت ملحان زوج أبي طلحة الأنصاري وأم

стр. 1713

أنس بن مالك وقال غير أبي عمر الضمير يعود على أنس بن مالك وهو القائل أن جدته وهي جدة أنس بن مالك أم أمه واسمها مليكة بنت مالك بن عدي والقول الأول رواه النسائي في "سننه" من طريق يحيى بن سعيد عن إسحاق بن عبد الله وقال فيه: أن أم سليم سألت رسول الله ﷺ . وذكر عبد الرزاق عن مالك عن إسحاق عن أنس: أن جدته مليكة يعني جدة إسحاق دعت النبي ﷺ إلى طعام ... الحديث، فتكون على هذا المراد جدة أبيه إذا كان الضمير عائدًا على إسحاق. وفيه مسائل: الأولى: إجابة الدعوة إلى الطعام وذلك مشروع فيما إذا كان طعام الداعي مباحًا أكله ولم يكن هناك شيء من المعاصي، والإجابة في طعام الوليمة آكد لقوله ﵇ فيها: "ومن لم يأت الدعوة فقد عصى الله ورسوله" وسيأتي الكلام على طعام الوليمة في بابه من هذا الكتاب إن شاء الله. الثانية: إجابة الدعوة إلى غير الوليمة وقد ذهب مالك والثوري إلى أن إجابة الوليمة واجب دون غيرها وخالفهم في ذلك غيرهم لقوله ﵇: "ولو أهدى إليّ كراع لقبلت ولو دعيت إلى ذراع لأجبت"، رواه شعبة عن قتادة عن أنس عن النبي ﷺ وقال ﵇: "أجيبوا الداعي إذا دعيتم" (١)، رواه أيوب السختياني وموسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ . وروى عبيد الله بن عمر ومالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليأتها"، زاد عبيد الله في حديثه:

стр. 1714

"فإن كان مفطرًا فليطعم وإن كان صائمًا فليدعُ" قال: وكان ابن عمر إذا دعي أجاب فإن كان صائمًا ترك وإن مفطرًا أكل. وقد رويناه عن أيوب بأصح إسناد وعن الزُبيدي بسند جيد أيضًا فقالا فيه: عن نافع عن ابن عمر: "إذا دعا أحدكم أخاه فليجب عرسًا كان أو غيره". أخبرنا بحديث أيوب أبو الفضل عبد الرحيم بن يوسف بن يحيى بن المعلم الموصلي قراءة عليه وأنا أسمع في كتاب "السنن" لأبي داود عن أبي حفص بن طبرزذ حضورًا في الخامسة أنا أبو الفتح مفلح بن أحمد بن محمد الثقفي أنا الحافظ أبو بكر الخطيب قال: قرأت على أبي عمر الهاشمي أخبركم أبو علي محمد بن أحمد اللؤلؤي ثنا أبو داود نا الحسن بن علي نا عبد الرزاق أنا معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا دعا أحدكم أخاه فليجب عرسًا كان أو نحوه". وبه إلى أبي داود نا ابن المصفى نا بقية نا الزبيدي عن نافع بإسناد أيوب ومعناه. وقد رواه موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "أجيبوا الدعوة ذا دعيتم" وهذا على عمومه لم يخص فيه دعوة من دعوة، وقد رويناه عن جابر، وبه إلى أبي داود نا محمد بن كثير أنا سفيان عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "من دُعي فليجب فإن شاء طعم وإن شاء ترك". وروينا عن أبي داود بالسند المتقدم إليه قال: نا درست بن زياد عن أبان بن طارق عن نافع قال عبد الله بن عمر: قال رسول الله ﷺ : "من دعي فلم يجب فقد عصى الله ورسوله". الحديث.

стр. 1715

وروى الأعمش عن شقيق عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "أجيبوا الداعي ولا تردوا الهدية ولا تضربوا المسلمين". وروى أبو معمر نا عبد الوارث قال نا أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال: إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن كان مفطرًا فليأكل وإن كان صائمًا فليصل، يقول: فليدع. وذهب أهل الظاهر إلى إيجاب إتيان الدعوة وجوب فرض لظاهر هذه الأخبار، وحملها سائر أهل العلم على الندب للتآلف والتحاب وقال بعضهم: إنما يجب إتيان طعام القادم من سفر وطعام الختان وطعام الوليمة وهذا تخصيص لما ذكرناه من الأحاديث الثابتة من غير مخصص. وفي حديث معاوية بن سويد بن مقرن عن البراء قال: أمرنا رسول الله ﷺ بسبع ونهانا عن سبع: أمرنا بعيادة المريض واتباع الجنائز وإفشاء السلام وإجابة الداعي وتشميت العاطس ونصر المظلوم وإبرار المقسم ونهانا عن الشرب في آنية الفضة وعن التختم بالذهب وعن ركوب المياثر وعن لبس القسي والحرير والإستبرق والديباج، فذكر إجابة الداعي وذكر أشياء منها ما هو فرض على الكافية ومنها ما هو سنة فكذلك إجابة الدعوة. وقيل هي فرض كفاية. الثالثة: إجابة دعوة المرأة الصالحة قال أبو عمر (١): والمرأة المتجالّة والمرأة الصالحة إذا دعت إلى طعام أجيبت قال: وفي قول الله : ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ كفاية.

стр. 1716

وقال ابن العربي: وقد كرهه مالك لأهل الفضل لفساد الناس إلا في موضع يؤمن فيه ما يخاف من ضعة أو ريبة. الرابعة: فيه ما كان ﵇ من التواضع، وقد قال ﵇: "إن الله خيرني بين أن أكون نبيًّا عبدًا أو نبيًّا ملكًا، فأشار لي جبريل أن تواضع فقلت: يا رب بل نبيًّا عبدًا" الحديث والآثار في ذلك كثيرة. الخامسة: قوله: (فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس)، أخذ منه أن الافتراش يطلق عليه لباس وينبني على ذلك مسألتان: الأولى: وهي: السادسة: من فوائد الحديث على ذلك لو حلف لا يلبس ثوبًا ولم تكن له نية فافترشه قال أصحابنا: لا يحنث وقال المالكيون إنه يحنث أخذًا بظاهر الحديث. الثانية: وهي: السابعة: من الفوائد إن افتراش الحرير لباس له فيحرم، على أن افتراش الحرير قد ورد فيه نص يخصه من حديث حذيفة مرفوعًا رواه البخاري، وعن قتيبة بن سعيد ثنا الفضل بن عياض عن هشام عن ابن سيرين قال: قلت لعبيدة: افتراش الحرير كلبسه؟ قال: نعم. الثامنة: النضح يطلق على ما دون الغسل في الأشهر لإزالة ما يشك في نجاسته عند من يقول به لتطيب الأنفس باستعماله. قال الأخفش: كل ما وقع عليك من الماء مفرقًا فهو نضح ويكون باليد والفم أيضًا، والنضخ بالخاء المعجمة أكثر منه قال الله تعالى: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ أي: منهمرتان بالماء الكثير، ومن النضخ بهذا الاعتبار ما روي عن عمر بن

стр. 1717

الخطاب (١) ﵁ أنه احتلم في ثوبه فقال: أغسل منه ما رأيت وأنضخ ما لم ير. ويطلق ويراد به الغسل، ومنه الحديث: "إني لأعرف أرضًا يقال لها عمان ينضخ البحر بناحيتها"، وقد تقدم الكلام عليه في كتاب الطهارة مبسوطًا. ويحتمل أن يكون المراد به هنا الأول ويحتمل الثاني كما سنذكره. التاسعة: [إذا قلنا إن المراد به الغسل فقد علل بقطع الوسواس ورفع الشك]. اختلفوا فيما إذا تعارض الأصل والغالب أيهما يقدم والمختار تقديم الغالب عند الأكثرين ورجح بعض الفقهاء الشافعية العمل بالأصل وليس للفقهاء غالبًا في ذلك عمل مطّرد والأصل في ثوب المسلم وجسمه وما يفترشه الطهارة والغالب من حال الأطفال عدم الاحتراز من النجاسات، وقد جاء أن النبي ﷺ كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب ولأبي العاص بن الربيع فإذا قام رفعها وإذا سجد وضعها. قال الشافعي: وثوب أمامة ثوب صبي إشارة إلى ما يحتمل وروده عليه من النجاسات، وقد كان في البيت المذكور في هذا الحديث أبو عمير وهو صغير يطأ الحصير ويجلس عليها واحتراز الصبيان عن النجاسة بعيد فمن نظر إلى الأصل يحسن حمل النضح عنده على ما دون الغسل ومن نظر إلى الغالب فالأولى به حمله على الغسل. العاشرة: قال إسماعيل بن إسحاق القاضي وغيره من أصحاب مالك رحمهم الله تعالى: كانوا يقولون ذلك إنما كان لتليين الحصير لا لنجاسة فيه ويؤيد هذا أن النضح في الخبر معلل باسوداد الحصير من طول اللبس لا لنجاسة متحققة ولا

стр. 1718

مشكوك فيها وقد جاء أن الحصير كان من جريد لعله من زعف الجريد فيحتاج في تليينه وإزالة ما علق به من الغبار وإلى مرور الماء عليه وأما القاضي عياض فقال: الأظهر أنه كان للشك في نجاسته على مذهبهم في أن النجاسة المشكوك فيها يزيلها النضح من غير غسل. الحادية عشرة: فيه رد على من قال فقهاء الكوفة إن الثلاثة يتوسطهم أحدهم إذا كان إمامًا ولا يتقدمهم وقد سبق ذلك في الباب قبله. الثانية عشرة: قال بعض الفقهاء: فيه حجة على من أبطل صلاة المصلي خلف الصف وحده، واختلف مأخذهم في ذلك فذكر الترمذي أن ذلك مستفاد من وقوف أنس مع الصبي وأن الصبي لم تكن له صلاة فكأن أنسًا وحده. وقال الخطابي وغيره: ذلك مستفاد من وقوف المرأة وحدها وكلاهما ضعيف أما الأول ففي رواية إبراهيم بن طهمان وعبد الله بن عون وموسى بن أعين عن مالك عن إسحاق عن أنس قال: فأكلوا وأكلت معهم ثم دعا بوضوء يعني النبي ﵇ وقال: "مُر هذا اليتيم فليتوضأ ولأصلِّ لكم" وهذا ظاهر في أن أمره ﵇ بوضوء اليتيم إنما هو ليصلي معهم. وأما الثاني فليس فيه وقوف الرجل خلف الصف إذا كان منفردًا وإنما فيه موقف المرأة مع الرجال وأن سبيلها أن يقوم من ورائهم وهذا متفق عليه وهو بيقين غير الأول المختلف فيه. الثالثة عشرة: فيه على رواية إبراهيم بن طهمان ومن ذكر معه أمر الصبي بالصلاة لما يقتضيه الأمر بالوضوء وصلاته بعد ذلك معهم، وقد ذكر عبد الحق في ذلك حديث سبرة بن معبد: "علموا الصبي الصلاة ابن سبع" من كتاب الترمذي وحكى عنه تحسينه، ومن طريق أبي داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده،

стр. 1719

ومن طريقه أيضًا عن امرأة معاذ بن عبد الله بن حبيب قالت: كان رجل منا يذكر عن رسول الله ﷺ أنه سئل عن ذلك فقال: "إذا عرف يمينه من شماله فمروه بالصلاة". قال: حديث سبرة أصح ما في هذا الباب انتهى. وحديث أنس هذا الذي نحن فيه أصح من حديث سبرة. الرابعة عشرة إلى الموفية عشرين: وفيه: أمر الصبي بذلك وإن كانت الصلاة نافلة. وفيه: إقامة النافلة في الجماعة. وفيه: أن الأفضل أن تكون نافلة النهار كنافلة الليل ركعتين. وفيه: الصلاة للتعليم أو لحصول البركة. وفيه: التبرك بحلول الرجل العالم والصالح في منزل القوم. وفيه: جواز الصلاة على الحصير وسائر ما تنبته الأرض قياسًا على الحصير، وما روي عن عمر بن عبد العزيز من استحبابه مباشرة نفس الأرض للمصلي محمول على النواصي. وفيه: أن للصبي موقفًا من الصف وهو الصحيح المشهور من مذهبنا وبه قال جمهور العلماء: وقد روى عن عمر خلاف ذلك وأنه كان إذا رأى في الصف صبيًّا أخرجه. وعن زر بن حبيش ﷺ وأبي وائل مثل ذلك، وكان أحمد بن حنبل يذهب إلى كراهة ذلك وأن لا يقوم مع الناس في المسجد خلف الإمام إلا من احتلم وأنبت

стр. 1720

وبلغ خمس عشرة سنة وذكر له الأثرم حديث أنس هذا فقال: ذاك في التطوع. الحادية والعشرون: وفيه موقف المرأة في الصف خلف موقف الرجال وقد روي فيه حديث موضوع قال أبو عمر: وضعه إسماعيل بن يحيى بن عبيد الله التيمي عن المسعودي عن ابن أبي مليكة عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "المرأة وحدها صف". قال: وهذا لا يعرف إلا بإسماعيل. الثانية والعشرون: وفيه الترتيب وتقديم الأفضل فالأفضل في الصف وروى ابن عيينة عن الثوري عن ليث عن شهر بن حوشب عن أبي مالك الأشعري أن النبي ﷺ كان يصف الرجال ثم الصبيان خلف الرجال ثم النساء خلف الصبيان. رواه أبو داود فذكر الرجال والغلمان خلفهمك. ورواه الإمام أحمد: وزاد والنساء خلف الغلمان. قال أصحابنا: وإن حضر مع الإمام في الابتداء رجل وصبي قاما خلفه صفًّا وإن لم يحضر معه إلا الإناث صفهن خلفه الواحدة والاثنتان والثلاث فصاعدًا وإن حضر مع الإمام رجل وامرأة قام الرجل عن يمينه والمرأة خلف الرجل، وإن حضرت امرأة مع رجلين أو مع رجل وصبي قام الرجلان أو الرجل والصبي خلف الإمام صفًّا وقامت المرأة خلفهما وإن كان معه رجل وامرأة وخنثى وقف الرجل عن يمينه والخنثى خلفهما لاحتمال أنه امرأة والمرأة خلف الخنثى لاحتمال أنه رجل وإن حضر رجال وصبيان وقف الرجال خلف الإمام في صف أو صفوف والصبيان خلفهم. وعن بعض الأصحاب أنه يوقف بين كل رجلين صبي ليتعلموا منهم أفعال الصلاة، ولو حضر معهم نساء أخر صف النساء عن صف الصبيان.
следующие страницы →