وقال ابن العربي: وقد كرهه مالك لأهل الفضل لفساد الناس إلا في موضع يؤمن فيه ما يخاف من ضعة أو ريبة.
الرابعة: فيه ما كان ﵇ من التواضع، وقد قال ﵇: "إن الله خيرني بين أن أكون نبيًّا عبدًا أو نبيًّا ملكًا، فأشار لي جبريل أن تواضع فقلت: يا رب بل نبيًّا عبدًا" الحديث والآثار في ذلك كثيرة.
الخامسة: قوله: (فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس)، أخذ منه أن الافتراش يطلق عليه لباس وينبني على ذلك مسألتان:
الأولى: وهي:
السادسة: من فوائد الحديث على ذلك لو حلف لا يلبس ثوبًا ولم تكن له نية فافترشه قال أصحابنا: لا يحنث وقال المالكيون إنه يحنث أخذًا بظاهر الحديث.
الثانية: وهي:
السابعة: من الفوائد إن افتراش الحرير لباس له فيحرم، على أن افتراش الحرير قد ورد فيه نص يخصه من حديث حذيفة مرفوعًا رواه البخاري، وعن قتيبة بن سعيد ثنا الفضل بن عياض عن هشام عن ابن سيرين قال: قلت لعبيدة: افتراش الحرير كلبسه؟ قال: نعم.
الثامنة: النضح يطلق على ما دون الغسل في الأشهر لإزالة ما يشك في نجاسته عند من يقول به لتطيب الأنفس باستعماله.
قال الأخفش: كل ما وقع عليك من الماء مفرقًا فهو نضح ويكون باليد والفم أيضًا، والنضخ بالخاء المعجمة أكثر منه قال الله تعالى: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ أي: منهمرتان بالماء الكثير، ومن النضخ بهذا الاعتبار ما روي عن عمر بن
стр. 1717
الخطاب (١) ﵁ أنه احتلم في ثوبه فقال: أغسل منه ما رأيت وأنضخ ما لم ير.
ويطلق ويراد به الغسل، ومنه الحديث: "إني لأعرف أرضًا يقال لها عمان ينضخ البحر بناحيتها"، وقد تقدم الكلام عليه في كتاب الطهارة مبسوطًا.
ويحتمل أن يكون المراد به هنا الأول ويحتمل الثاني كما سنذكره.
التاسعة: [إذا قلنا إن المراد به الغسل فقد علل بقطع الوسواس ورفع الشك].
اختلفوا فيما إذا تعارض الأصل والغالب أيهما يقدم والمختار تقديم الغالب عند الأكثرين ورجح بعض الفقهاء الشافعية العمل بالأصل وليس للفقهاء غالبًا في ذلك عمل مطّرد والأصل في ثوب المسلم وجسمه وما يفترشه الطهارة والغالب من حال الأطفال عدم الاحتراز من النجاسات، وقد جاء أن النبي ﷺ كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب ولأبي العاص بن الربيع فإذا قام رفعها وإذا سجد وضعها.
قال الشافعي: وثوب أمامة ثوب صبي إشارة إلى ما يحتمل وروده عليه من النجاسات، وقد كان في البيت المذكور في هذا الحديث أبو عمير وهو صغير يطأ الحصير ويجلس عليها واحتراز الصبيان عن النجاسة بعيد فمن نظر إلى الأصل يحسن حمل النضح عنده على ما دون الغسل ومن نظر إلى الغالب فالأولى به حمله على الغسل.
العاشرة: قال إسماعيل بن إسحاق القاضي وغيره من أصحاب مالك رحمهم الله تعالى: كانوا يقولون ذلك إنما كان لتليين الحصير لا لنجاسة فيه ويؤيد هذا أن النضح في الخبر معلل باسوداد الحصير من طول اللبس لا لنجاسة متحققة ولا
стр. 1718
مشكوك فيها وقد جاء أن الحصير كان من جريد لعله من زعف الجريد فيحتاج في تليينه وإزالة ما علق به من الغبار وإلى مرور الماء عليه وأما القاضي عياض فقال: الأظهر أنه كان للشك في نجاسته على مذهبهم في أن النجاسة المشكوك فيها يزيلها النضح من غير غسل.
الحادية عشرة: فيه رد على من قال فقهاء الكوفة إن الثلاثة يتوسطهم أحدهم إذا كان إمامًا ولا يتقدمهم وقد سبق ذلك في الباب قبله.
الثانية عشرة: قال بعض الفقهاء: فيه حجة على من أبطل صلاة المصلي خلف الصف وحده، واختلف مأخذهم في ذلك فذكر الترمذي أن ذلك مستفاد من وقوف أنس مع الصبي وأن الصبي لم تكن له صلاة فكأن أنسًا وحده.
وقال الخطابي وغيره: ذلك مستفاد من وقوف المرأة وحدها وكلاهما ضعيف أما الأول ففي رواية إبراهيم بن طهمان وعبد الله بن عون وموسى بن أعين عن مالك عن إسحاق عن أنس قال: فأكلوا وأكلت معهم ثم دعا بوضوء يعني النبي ﵇ وقال: "مُر هذا اليتيم فليتوضأ ولأصلِّ لكم" وهذا ظاهر في أن أمره ﵇ بوضوء اليتيم إنما هو ليصلي معهم.
وأما الثاني فليس فيه وقوف الرجل خلف الصف إذا كان منفردًا وإنما فيه موقف المرأة مع الرجال وأن سبيلها أن يقوم من ورائهم وهذا متفق عليه وهو بيقين غير الأول المختلف فيه.
الثالثة عشرة: فيه على رواية إبراهيم بن طهمان ومن ذكر معه أمر الصبي بالصلاة لما يقتضيه الأمر بالوضوء وصلاته بعد ذلك معهم، وقد ذكر عبد الحق في ذلك حديث سبرة بن معبد: "علموا الصبي الصلاة ابن سبع" من كتاب الترمذي وحكى عنه تحسينه، ومن طريق أبي داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده،
стр. 1719
ومن طريقه أيضًا عن امرأة معاذ بن عبد الله بن حبيب قالت: كان رجل منا يذكر عن رسول الله ﷺ أنه سئل عن ذلك فقال: "إذا عرف يمينه من شماله فمروه بالصلاة".
قال: حديث سبرة أصح ما في هذا الباب انتهى.
وحديث أنس هذا الذي نحن فيه أصح من حديث سبرة.
الرابعة عشرة إلى الموفية عشرين:
وفيه: أمر الصبي بذلك وإن كانت الصلاة نافلة.
وفيه: إقامة النافلة في الجماعة.
وفيه: أن الأفضل أن تكون نافلة النهار كنافلة الليل ركعتين.
وفيه: الصلاة للتعليم أو لحصول البركة.
وفيه: التبرك بحلول الرجل العالم والصالح في منزل القوم.
وفيه: جواز الصلاة على الحصير وسائر ما تنبته الأرض قياسًا على الحصير، وما روي عن عمر بن عبد العزيز من استحبابه مباشرة نفس الأرض للمصلي محمول على النواصي.
وفيه: أن للصبي موقفًا من الصف وهو الصحيح المشهور من مذهبنا وبه قال جمهور العلماء: وقد روى عن عمر خلاف ذلك وأنه كان إذا رأى في الصف صبيًّا أخرجه.
وعن زر بن حبيش ﷺ وأبي وائل مثل ذلك، وكان أحمد بن حنبل يذهب إلى كراهة ذلك وأن لا يقوم مع الناس في المسجد خلف الإمام إلا من احتلم وأنبت
стр. 1720
وبلغ خمس عشرة سنة وذكر له الأثرم حديث أنس هذا فقال: ذاك في التطوع.
الحادية والعشرون: وفيه موقف المرأة في الصف خلف موقف الرجال وقد روي فيه حديث موضوع قال أبو عمر: وضعه إسماعيل بن يحيى بن عبيد الله التيمي عن المسعودي عن ابن أبي مليكة عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "المرأة وحدها صف".
قال: وهذا لا يعرف إلا بإسماعيل.
الثانية والعشرون: وفيه الترتيب وتقديم الأفضل فالأفضل في الصف وروى ابن عيينة عن الثوري عن ليث عن شهر بن حوشب عن أبي مالك الأشعري أن النبي ﷺ كان يصف الرجال ثم الصبيان خلف الرجال ثم النساء خلف الصبيان. رواه أبو داود فذكر الرجال والغلمان خلفهمك.
ورواه الإمام أحمد: وزاد والنساء خلف الغلمان.
قال أصحابنا: وإن حضر مع الإمام في الابتداء رجل وصبي قاما خلفه صفًّا وإن لم يحضر معه إلا الإناث صفهن خلفه الواحدة والاثنتان والثلاث فصاعدًا وإن حضر مع الإمام رجل وامرأة قام الرجل عن يمينه والمرأة خلف الرجل، وإن حضرت امرأة مع رجلين أو مع رجل وصبي قام الرجلان أو الرجل والصبي خلف الإمام صفًّا وقامت المرأة خلفهما وإن كان معه رجل وامرأة وخنثى وقف الرجل عن يمينه والخنثى خلفهما لاحتمال أنه امرأة والمرأة خلف الخنثى لاحتمال أنه رجل وإن حضر رجال وصبيان وقف الرجال خلف الإمام في صف أو صفوف والصبيان خلفهم.
وعن بعض الأصحاب أنه يوقف بين كل رجلين صبي ليتعلموا منهم أفعال الصلاة، ولو حضر معهم نساء أخر صف النساء عن صف الصبيان.
стр. 1721
الثالثة والعشرون: قال الإمام أبو سليمان الخطابي من الشافعية وغيره من المالكيين: وعلى هذا القياس إذا صلى على جماعة من الموتى فيهم رجال ونساء وصبيان وخناثى فإن الأفضل فالأفضل منهم يلي الإمام فيكون الرجال أقربهم منه ثم الصبي ثم الخنثى ثم المرأة.
الرابعة والعشرون: وكذلك إذا دفنوا في قبر واحد كان أفضلهم أقربهم إلى القبلة فيكون الرجل مقدمًا ثم الذي يليه كما ذكرنا وتكون المرأة آخرهم إلا أنه يكون بينها وبين الرجال حاجزًا من لبن أو نحوه.
الخامسة والعشرون: استدل به قوم من أتباع مالك والشافعي على أن المرأة لا يجوز أن تؤم الرجال.
قال الخطابي منهم: وفيه دليل على أن إمامة المرأة للرجال غير جائزة لأنها لما زحمت عن مساواتهم في مقام الصف كانت من أن تتقدمهم أبعد.
السادسة والعشرون: قوله: (ثم انصرف) الأقرب أنه أراد الانصراف عن البيت ويحتمل أنه أراد الانصراف عن الصلاة، أما على رأي أبي حنيفة بناء على أن السلام لا يسمى يدخل تحت مسمى الركعتين، وأما على رأي غيره فيكون الانصراف عبارة عن التحلل الذي يستعقب السلام.
السابعة والعشرون: قال أبو عمر بن عبد البر: وفي هذا الحديث صلاة الضحى وكذلك ساقه مالك ﵀ ثم قال ثنا عبد الوارث بن سفيان نا قاسم بن أصبغ نا محمد بن عبد السلام نا محمد بن بشار ثنا محمد بن جعفر نا شعبة عن محمد بن سيرين عن أنس بن مالك قال: كان رجل ضخم لا يستطيع أن يصلي مع النبي ﷺ فقال: إني لا أستطيع أن أصلي معك فلو أتيت إلى منزلي وصليت
стр. 1722
وأقتدي بك، فصنع الرجل طعامًا ثم دعا النبي ﷺ ونضح حصيرًا لهم فصلى النبي ﷺ ركعتين فقال رجل من آل الجارود لأنس: أكان رسول الله ﷺ يصلي الضحى؟ فقال: ما رأيته صلاها إلا يومئذ.
أما هذا الحديث ففيه صلاة الضحى، ولكن ألفاظه مباينة لكثير من ألفاظ حديث الباب وما أراه إلا غيره والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1723
٦٠ - باب ما جاء من أحق بالإمامة
ثنا هناد نا أبو معاوية عن الأعمش، قال ونا محمود بن غيلان نا أبو معاوية وعبد الله بن نمير عن الأعمش عن إسماعيل بن رجاء الزُبيدي عن أوس بن ضمعج قال: سمعت أبا مسعود الأ نصاري يقول: قال رسول الله ﷺ : "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأكبرهم سنًّا ولا يؤم الرجل في سلطانه ولا يجلس على تكرمته في بيته إلا بإذنه".
قال محمود: قال ابن نمير في حديثه: أقدمهم سنًّا.
قال أبو عيسى: وفي الباب عن أبي سعيد وأنس بن مالك، ومالك بن الحويرث وعمرو بن سلمة.
قال: وحديث أبي مسعود حديث حسن.
والعمل عليه عند أهل العلم قالوا أحق الناس بالإمامة أقرؤهم لكتاب الله وأعلمهم بالسنة. وقالوا: صاحب النزاع أحق بالإمامة، وقال بعضهم: إذا أذن صاحب المنزل لغيره فلا بأس أن يصلي به، وكرهه بعضهم، وقالوا: السنة أن يصلي صاحب البيت.
قال أحمد بن حنبل: قول النبي ﷺ : "ولا يؤم الرجل في سلطانه ولا يجلس على تكرمته في بيته" فإذا أذن فأرجو أن الإذن في الكل، ولم ير بأسًا إذا أذن له أن يصلي به.
стр. 1724
* الكلام عليه:
حديث أبي مسعود هذا حسنه الترمذي كذا هو في بعض النسخ وكذا هو في "الأطراف" وفي بعض النسخ تصحيحه.
وقد أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
وإسماعيل بن رجاء الزُبيدي روى عنه الأعمش وشعبة وإدريس الأودي ومحمد بن جحادة وهاشم بن البريد ووثقه ابن معين وأبو حاتم.
وذكر ابن فضيل عن الأعمش أن إسماعيل هذا كان يجمع صبيان المكاتب ويحدثهم لكيلا ينسى حديثه، روى له الجماعة إلا البخاري.
وأوس بن ضمعج الحضرمي الكوفي عن سلمان الفارسي وأبي مسعود البدري وعائشة.
وعنه السبيعي وابن رجاء وابنه عمران بن أوس والسدي.
وقال فيه إسماعيل بن أبي خالد: كان من القراء الأُول وذكر منه فضلًا.
وقال شعبة: ما أراه كان إلا شيطانًا يعني لجودة حديثه.
قال شباب: مات سنة أربع وسبعين في ولاية بشر بن مروان.
روى له الجماعة إلا البخاري.
وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم". رواه مسلم.
وفي لفظ له: (سلمًا) مكان (سنًّا)، وفي لفظ لمسلم: "فلا يؤمن الرجل في بيته".
стр. 1725
وعند أبي داود: "لا يؤمن الرجل في بيته".
وعند البخاري عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة".
وقد أخرجه الحاكم من حديث جرير عن الأعمش فقال: "يؤم القوم أكثرهم قرآنًا فإن كانوا في القرآن واحدًا فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة واحدًا فأفقههم فقهًا فإن كانوا في الفقه واحدًا فأكبرهم سنًّا". وصححه بهذا اللفظ وذكر له شاهدًا من حديث الحجاج بن أرطاة عن الأعمش.
وذكر أبو أحمد بن عدي من حديث زيد العمي عن قتادة عن أنس عن النبي ﷺ قال: "يكره للمؤذن أن يكون إمامًا" وزيد هذا مضعف، ويرويه عنه سلام الطويل وهو أضعف منه.
وحديث مالك بن الحويرث قال: أتينا رسول الله ﷺ ونحن شببة متقاربون فأقمنا عنده عشرين ليلة وكان رسول الله ﷺ رحيمًا رفيقًا فظن أنا قد اشتقنا أهلنا فسألنا عمن تركنا من أهلنا فأخبرناه فقال: ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم ثم ليؤمكم أكبركم، قال الحذاء: وكانوا متقاربين في القراءة.
رواه البخاري ومسلم واللفظ له زاد البخاري بعد (مروهم): "وصلوا كما رأيتموني أصلي".
وليس عند البخاري قول خالد الحذاء.
وحديث عمرو بن سلمة -بكسر اللام- قال: كنا بماء ممر الناس وكان يمر بنا الركبان نسألهم: ما للناس ما للناس ما هذا الرجل؟ فيقولون: يزعم أن الله أرسله، أوحي إليه كذا، أوحي إليه كذا، وكنت أحفظ ذلك الكلام فكأنما يُغرى في صدري
стр. 1726
وكانت العرب تلوّم بإسلامهم الفتح فيقولون: اتركوه وقومه فإن ظهر عليهم فهو نبي صادق فلما كانت وقعة الفتح بادر كل قوم بإسلامهم وبدر أبي قومي بإسلامهم فلما قدم قال: جئتكم والله من عند النبي ﷺ حقًّا فقال: "صلوا في حين كذا صلاة كذا وصلوا في حين كذا صلاة كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآنًا" فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآنًا مني لما كنت أتلقى من الركبان فقدموني بين أيديهم وأنا ابن ست أو سبع سنين وكانت عليّ بردة كنت إذا سجدت تقلصت عني فقالت امرأة من الحي: ألا تغطوا عنا است قارئكم فاشتروا فقطعوا لي قميصًا فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص. أخرجه البخاري (١) وغيره.
وفي الباب مما لم يذكره: عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "ليؤذن لكم خياركم وليؤمكم قراؤكم". رواه أبو داود وابن ماجه من حديث الحسين بن عيسى الحنفي عن الحكم بن أبان، والحسين هذا ضعفه الرازيان وذكر الدارقطني أنه تفرد به عن الحكم.
وفيه أيضًا: عن ابن عمر أنه لما قدم المهاجرون الأولون نزلوا العصبة قبل مقدم رسول الله ﷺ فكان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة وكان أكثرهم قرآنًا. رواه البخاري (٢) وأبو داود وزاد: وفيهم عمر بن الخطاب، وأبو سلمة بن عبد الأسد.
وعنه أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ : "اجعلوا أئمتكم خياركم فإنهم وفدكم إلى الله " رواه الدارقطني (٣) من طريق سلام بن سليمان عن عمر عن محمد
стр. 1727
ابن واسع عن سعيد بن جبير عن ابن عمر، ثم قال: عمر عندي عمر بن يزيد قاضي المدائن لم يزد على هذا، وعمر بن يزيد المدايني قال فيه ابن عدي: منكر الحديث.
وسلام بن سليمان مديني ليس بقوي، وهو عنده عن الحسين بن نصر المؤذن عن سلام والحسين لا يعرف.
وذكر العقيلي (١) من حديث الهيثم بن عُقاب عن محارب بن دثار عن ابن عمر قال: قال النبي ﷺ : "من أمّ قومًا وفيهم من هو أقرأ منه لكتاب الله لم يزل في سفال إلى يوم القيامة".
وقال: الهيثم بن عُقاب كوفي مجهول وحديثه غير محفوظ وفي إسناده أيضًا عنده علي بن يزيد الصدائي، قال أبو حاتم الرازي فيه: منكر الحديث عن الثقات، وقال ابن عدي (٢): لا تشبه أحاديثه أحاديث الثقات، إما أن يأتي بإسناد لا يتابع عليه أو بمتن عن الثقات منكر أو يروي عن مجهول وعامة ما يرويه مما لا يتابع عليه.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ : قال: "إن سرّكم أن تزكوا صلاتكم فقدّموا أخياركم".
قال: في إسناده أبو الوليد خالد بن إسماعيل المخزومي وهو ضعيف. انتهى.
وذكر أبو أحمد أن أبا الوليد هذا كان يضع الأحاديث على ثقات المسلمين، والحديث عند الدراقطني من رواية العلاء بن سالم عنه، والعلاء مجهول.
وذكر الدراقطني من حديث العلاء بن سالم وأبو أحمد من حديث محمد بن المغيرة الشهرزوري كلاهما عن خالد بن إسماعيل عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "صلوا على من قال لا إله إلا الله وصلوا وراء من
стр. 1728
قال لا إله إلا الله".
في إسناده خالد بن إسماعيل عندهما والعلاء بن سالم وقد تقدما، ومحمد بن المغيرة عند أبي أحمد وذكر عنه أنه ممن يسرق الحديث وممن يضعه.
وذكر أبو محمد بن حزم في كتاب الإغراب (١) غير موصل من حديث محمد بن الفضل بن عطية عن صالح بن حيان عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "يؤمكم أقرؤكم وإن كان ولد زنا".
محمد بن الفضل بن عطية كذاب متروك.
وذكر أبو بكر البزار عن مهاصر بن حبيب عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا سافرتم فليؤمكم أقرؤكم وإن كان أصغركم، وإذا أمّكم فهو أميركم".
قال أبو بكر البزار: نا محمد بن حميد القطّان الجنديسابوري نا عبد الله بن رشيد نا محمد بن الزبرقان نا ثور بن يزيد عن مهاصر فذكره، قال: لا نعلمه يروي عن النبي ﵇ إلا من رواية أبي هريرة بهذا الإسناد.
قال أبو محمد عبد الحق: مهاصر بن حبيب لا بأس به، وعبد الله بن رشيد لم أسمع فيه شيئًا وكتبته حتى أسأل عنه أو أجد ذكره وكذلك محمد بن حميد (٢).
وذكر الدارقطني من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "سيليكم بعدي ولاة فيليكم البر ببره والفاجر بفجوره فاسمعوا له وأطيعوا ما وافق الحق وصلوا
стр. 1729
وراءهم، فإن أحسنوا فلكم ولهم وإن أساء فلكم وعليهم" في إسناده عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة وهو ضعيف جدًّا.
وفيه تقديم أقرأ الرجلين على أفقههما في الإمامة وبه قال الأحنف بن قيس وابن سيرين والثوري وأبو حنيفة وأحمد وبعض أصحابهما.
وقال الشافعي ومالك وأصحابهما: الأفقه مقدم على الأقرأ، لأن الذي يحتاج إليه من القراءة مضبوط، والذي يحتاج إليه من الفقه غير مضبوط، وقد يعرض في الصلاة أمر لا يقدر على مراعاة الصواب فيه إلا كامل الفقه.
قالوا: ولهذا قدم النبي ﷺ أبا بكر في الصلاة على الباقين مع أنه ﷺ نص على أن غيره أقرأ منه وذكروا حديث أبي في القراءة وفيه نظر، لأنه لا ذكر لأبي بكر في ذلك الحديث وقد ذكر فيه الأقضى والأعلم بالحلال والحرام.
وإلى تقديم الأفقه ذهب عطاء والأوزاعي وأبو ثور، وأجابوا عن الحديث بأن الأقرأ من الصحابة كان هو الأفقه، لكن قوله: "فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة" دليل على تقديم الأقرأ مطلقًا.
ولنا وجه اختاره جماعة من الأصحاب أن الأورع مقدم على الأفقه والأقرأ، لأن مقصود الإمامة تحصل من الأورع أكثر من غيره.
وقوله: (فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة) فيه مراعاة الترتيب بتقديم الأقرأ ثم الأفقه ثم الأقدم هجرة وتضمن ذلك أن أمر الهجرة محكم غير منسوخ، وإليه ذهب الجمهور.
ومن قال بالنسخ تمسك بقوله ﷺ : "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية" الحديث، وهو محمول عند الأكثرين على أن المراد لا هجرة من مكة إلى المدينة، لأن مكة صارت دار إسلام فنسخ حكم الهجرة منها إلى المدينة كما كان قبل فتحها، أو
стр. 1730
لا هجرة لها الآن فضل كفضل الهجرة قبل الفتح.
قال الأصحاب: ويدخل تحت قوله: "أقدمهم هجرة" طائفتان:
أحدهما: الذين يهاجرون اليوم من دار الحرب إلى دار الإسلام، فإن حكم الهجرة باق كما تقدم.
الثانية: أولاد المهاجرين إلى رسول الله ﷺ ، فإذا استوى اثنان في الفقه والقراءة وأحدهما من أولاد من تقدمت هجرته والآخر من ذرية من تأخرت هجرته قدم الأول.
وقوله: "فإن كانوا في الهجرة سواء فأكبرهم سنًّا" وفي لفظ لمسلم: "فأقدمهم سلمًا" فيه الترجيح بتقدم الإسلام أو كبر السن بعد الاستواء في القراءة والفقه والهجرة والمعتبر في السن عندهم قدم مدته في الإسلام، فلا يقدم شيخ أسلم الأن على شاب نشأ في الإسلام ولا على شاب أسلم أمس، وهذا الحديث أصل في الترجيح بالفضائل في هذا الباب، وقد ذكر العلماء فيه الترجيح بالنسب ولا خلاف عندنا أن نسب قريش معتبر، وهل يعتبر غيره؟ قال صاحب "النهاية": رأيت في كلام الأئمة ترددًا فيه والظاهرأنه لا يخص قريشًا بل يعتبر ما يعتبر في الكفاءة في باب النكاح، ثم مع التساوي في ذلك كله يقدم بنظافة الثوب والبدن ثم بحسن الصوت ثم بحسن الصورة وما أشبه ذلك. وقد روي عن الزهري في هذا الحديث: "فإن كانوا في السن سواء فأصبحهم وجهًا ... " الحديث.
ويستثنى من ذلك السلطان وصاحب البيت بالنص فلا يؤم ذا السلطان ولا صاحب البيت الأقرأ منهما ولا الأفقه ولا من كان مشتملًا على المرجحات المذكورات أكثر من اشتمال السلطان وصاحب البيت عليها، وألحق بذلك إمام المسجد وما في معناه، ولا بد في ذلك كله من المعرفة بما يقيم الصلاة.
стр. 1731
قال الخطابي في إمامة صاحب البيت: معناه إذا كان من القراءة والعلم بحيث يمكنه أن يقيم الصلاة.
فإن شاء أحد هؤلاء تقدم أو قدم من يريده ..... وإن كان ذلك المقدّم مفضولًا بالنسبة إلى باقي الحاضرين، وإن حضر السلطان أو نائبه قدم على صاحب المنزل وإمام المسجد وغيرهما، ثم يراعى في الولاة تفاوت الدرجة، فالإمام الأعظم أولى من غيره ثم الأعلى فالأعلى من الولاة والحكام.
قال الترمذي: وقال بعضهم: إذا أذن صاحب المنزل لغيره فلا بأس أن يصلي به وكرهه بعضهم.
والمعروف عندنا في ذلك الاستحباب من (١) أصحاب الشافعي ومالك قالوا: ويستحب لصاحب البيت أن يأذن لمن هو أفضل منه.
وذكر ابن شاس قال: وقد قال مالك: صاحب الدار أحق بالإمامة وإن كان عبدًا ولو كانت الدار لامرأة لم يبطل حقها بل لها أن تستخلف من يؤم.
ويستحب لها أن تستخلف أحق القوم بالإمامة.
وذكر أبو عيسى عن الإمام أحمد: فإذا أذن فأرجو أن الإذن في الكل يعني في الجلوس على التكرمة وفي الإمامة.
وقد اختلف العلماء في الضمير والوصف والاستثناء يتعقب الجمل هل يختص الجملة الأخيرة أو يعود عليها وعلى ما قبلها، وإلى الثاني نحا الإمام أحمد هنا وحكى الترمذي عن إسحاق أنه شدد في أن يصلي أحد بصاحب المنزل وإن أذن له صاحب المنزل وسيأتي في باب ما جاء فيمن زار قومًا لا يصلي بهم إن شاء الله تعالى.
стр. 1732
وذهب الخطابي إلى (١) تقديم السلطان في الإمامة على من هو أفضل منه لأن (١) الإمامة هناك يراد بها الإمامة في الجُمع والأعياد لتعلقها بالسلاطين فأما في الصلوات المكتوبات فأعلمهم أولاهم وهو مذهب مرجوح.
وقد تقدم الأمراء من عهد النبي ﷺ إلى ما بعد ذلك على من تحت أيديهم وإن كان فيهم الأفضل وقد كان ابن عمر يصلي خلف الحجاج.
وأما القوم فيطلق على الرجال، قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾ الآية فعطف النساء على القوم والعطف يقتضي المغايرة وقال الشاعر:
وما أدري وسوف أخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء
وقال الزبيدي في "مختصر العين": القوم الرجال دون النساء وذلك لأنهم القائمون بالأمور.
ففيه إمامة الرجال الرجال والرد على من ذهب إلى أن المرأة تؤم الرجال ويحكي عن محمد بن جرير الطبري. والشافعي يوجب الإعادة على من صلى من الرجال خلف المرأة، وقال أبو ثور: لا إعادة عليهم، وهو قياس قول المزني.
وقال أصحاب مالك ﵏: فإن اجتمع من تساوت أحوالهم في جميع ما ذكرنا أو بعضه وتشاحّوا أقرع بينهم إذا كان مقصدهم حيازة فضل الإمامة لا طلب الرياسة الدنيوية، وجميع ما تقدم من مسائل هذا الباب فليس الترتيب فيه على سبيل الإجزاء والكمال وإنما هو على سبيل الأولوية إلا من ذكرنا من إمامة المرأة، فإنها لا تؤم عندنا إلا النساء مثلها.
* * *
стр. 1733
٦١ - باب ما جاء إذا أمّ أحدكم الناس فليخفف
ثنا قتيبة ثنا المغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "إذا أَمَّ أحدكم النّاس فليخفف، فإن فيهم الصغير والكبير والضعيف والمريض، فإذا صلى وحده فليصلي كيف شاء".
قال أبو عيسى: وفي الباب عن عدي بن حاتم وأنس وجابر بن سمرة ومالك بن عبد الله وأبي واقد وعثمان بن أبي العاص وأبي مسعود وجابر بن عبد الله وابن عباس.
قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح، وهو قول أكثر أهل العلم، اختاروا أن لا يطيل الإمام الصلاة مخافة المشقة على الضعيف والكبير والمريض.
وأبو الزناد اسمه عبد الله بن ذكوان، والأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز المديني ويكنى أبا داود.
حدثنا قتيبة نا أبو عوانة عن قتادة عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ من أخف الناس صلاة في تمام.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
* الكلام عليه:
حديث أبي هريرة هذا متفق عليه.
وحديث عدي بن حاتم قال ابن أبي شيبة في "مسنده": نا زيد بن الحباب عن يحيى بن الوليد بن الميسر قال: أخبرني محل عن عدي بن حاتم قال:
стр. 1734
من أمنا (١) فليتم الركوع والسجود فإن فينا الضعيف والكبير والمريض والعابر سبيل وذو الحاجة، وكذا كنا نصلي مع رسول الله ﷺ .
يحيى بن الوليد؛ قال النسائي: ليس به بأس.
ومحل، سمع عدي بن حاتم (٢) ..... ، وثقه ابن معين وأبو حاتم، وأخرج له البخاري.
وحديث أنس، روى ابن ماجه من حديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يوجز ويتم الصلاة.
رواه عن أحمد بن عبدة وحميد بن مسعدة قالا: أنا حماد بن زيد عنه رواه مسلم في "صحيحه"، ورواه البخاري عن أنس قال: كان النبي ﷺ يوجز الصلاة ويكملها، وفي رواية: يوجز الصلاة ويتم.
وروى الإمام أحمد عن أنس قال: كان معاذ بن جبل يؤم قومه فدخل حرام وهو يريد أن يسقي نخله، فدخل المسجد مع القوم، فلما رأى معاذًا طول تجوز في صلاته ولحق بنخله يسقيه، فلما قضى معاذ الصلاة قيل له ذلك قال: إنه لمنافق يعجل عن الصلاة من أجل سقي نخله، قال: فجاء حرام إلى النبي ﷺ ومعاذ عنده فقال: يا نبي الله إني أردت أن أسقي نخلًا فدخلت المسجد لأصلي مع القوم، فلمّا طوّل تجوزت في صلاتي ولحقت بنخلي أسقيه فزعم أني منافق، فأقبل النبي ﷺ على معاذ فقال: "أفتّان أنت، لا تطول بهم اقرأ بسبح اسم
стр. 1735
ربك الأعلى، والشمس وضحاها ونحوهما".
وحديث جابر بن سمرة قال الطبراني نا معاذ بن المثنى نا مسدد وحدثنا العباس بن الفضل الأسفاطي نا أبو الوليد الطيالسي قالا: نا أبو عوانة عن سماك عن جابر بن سمرة قال: كان رسول الله ﷺ يصلي الصلوات نحوًا من صلاتكم ويؤخر العتمة بعد صلاتكم شيئًا وكان يخف الصلاة.
وذكر عن محمود بن علي الأصبهاني ثنا يونس بن حبيب ثنا أبو داود نا قيس عن سماك عن جابر حديثًا ثم قال عطفًا عليه: وعن سماك يعني بهذا الإسناد، قال: قلت لجابر بن سمرة: كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ ؟ قال: كانت خطبته قصدًا وصلاته قصدًا (١).
وذكر عبد الرزاق في "مصنفه": أنا إسرائيل عن سماك بن حرب أنه سمع جابر بن سمرة يقول: كان رسول الله ﷺ يصلي الصلوات كنحو من صلاتكم التي تصلون اليوم ولكن كان يخفف، كانت صلاته أخف من صلاتكم كان يقرأ في الفجر الواقعة ونحوها من السور.
وحديث مالك بن عبد الله وهو الخزاعي روينا عن الطبراني (٢) قال: ثنا محمد بن الحسن كيسان المصيصي ثنا معلي بن أسد العمي. وحدثنا أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي قال نا عفان ونا أبو خليفة الفضل بن الحباب قال نا عبد الرحمن بن المبارك العيشي قالوا نا عبد الواحد بن زياد عن منصور بن حيان عن سليمان الخزاعي عن خاله مالك بن عبد الله قال: غزوت مع رسول الله ﷺ فما صليت خلف إمام قوم أخف صلاة من رسول الله ﷺ .
стр. 1736
حدثنا عبيد بن غنام قال: نا أبو بكر بن أبي شيبة قال نا مروان بن معاوية عن منصور بن حيان قال نا سليمان بن بُسر الخزاعي عن خاله مالك بن عبد الله قال: غزوت مع رسول الله ﷺ ، فلم أصل خلف إمام كان أخف صلاة في المكتوبة منه.
منصور بن حيان وثقه ابن معين والكوفي (١) وغيرهما وسليمان بن .......... (٢).
وحديث أبي واقد الليثي واسمه الحارث بن عوف ويقال الحارث بن مالك ويقال عوف بن مالك ويقال الحارث بن عوف، روى الطبراني من حديث عبد الله بن عثمان بن خُثيم عن نافع بن سرجس قال: عُدنا أبا واقد البكري في وجعه الذي مات فيه فسمعته يقول: كان رسول الله ﷺ أخف الناس صلاة على الناس وأطول الناس صلاة لنفسه.
قال نا الدبري أنا عبد الرزاق عن ابن جريج عنه، تابع ابن جريج على روايته عن ابن خثيم زائدة وداود بن عبد الرحمن العطار وإسماعيل بن عياش ووهيب وكلها عند الطبراني بأسانيد جيدة، وفي بعضها: كان من أخف الناس صلاة للناس وفي بعضها: بالناس.
ابن خثيم روى له مسلم ووثقه ابن معين والعجلي.
ونافع بن سرجس سمئل عنه أحمد بن حنبل فقال: لا أعلم إلا خيرًا.
стр. 1737
وحديث عثمان بن أبي العاص الثقفي أن النبي ﷺ قال له: "أمّ قومك" قال: قلت يا رسول الله: إني أجد في نفسي شيئًا. قال: "ادنه". فأجلسني بين يديه ثم وضع كفه في صدري بين ثديي ثم قال: "تحول" فوضعها في ظهري بين كتفي ثم قال: "أمّ قومك، فمن أَمّ قومًا فليخف، فإن فيهم الكبير وإن فيهم المريض وإن فيهم الضعيف وإن فيهم ذا الحاجة، فإذا صلى أحدكم وحده فليصل كيف شاء". رواه مسلم.
وفي رواية: "فإذا أممت قومًا فأخف بهم الصلاة".
وفي رواية عن عثمان عند مسلم: آخر ما عهد إليّ رسول الله ﷺ : "إذا أممت قومًا فأخف بهم الصلاة".
وحديث أبي مسعود أن رجلًا قال: يا رسول الله إني لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان مما يطيل بنا، فما رأيت رسول الله ﷺ في موعظة أشد غضبًا منه يومئذ، ثم قال: "أيها الناس إن منكم منفرين، فأيكم ما صلى بالناس فليتجوز فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة"، رواه البخاري ومسلم، وفي رواية للبخاري: "فإن فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة".
وحديث جابر بن عبد الله قال: أقبل رجل بناضحين وقد جنح الليل فوافق معاذًا يصلي، فترك ناضحه وأقبل إلى معاذ فقرأ بسورة البقرة والنساء، فانطلق الرجل وبلغه أن معاذ نال منه فأتى النبي ﷺ فشكى إليه معاذًا، فقال النبي ﷺ : "أفتان أنت أو أفاتن أنت ثلاث مرار، فلولا صليت بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى، فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة"، رواه البخاري وهذا لفظه ومسلم.
وحديث ابن عباس ذكر أبو بكر بن أبي شيبة في "مسنده" قال: نا وكيع عن
стр. 1738
سفيان عن سلمة بن كهيل عن الحسن العُرني عن ابن عباس قال: ما أدري أكان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر أم لا؟ ولكنا نقرأ.
الحسن بن عبد الله العُرني هذا وثقه أبو زرعة وابن معين إلا أن ابن معين قال: يقال لم يسمع من ابن عباس، وروى له أبو داود والنسائي وابن ماجه وروى له البخاري مقرونًا بغيره.
وفي الباب مما لم يذكره حديث حزم بن أبي كعب الأنصاري عند أبي داود عن موسى بن إسماعيل عن طالب بن حبيب قال سمعت عبد الرحمن بن جابر عن حزم بن أبي كعب الأنصاري: أنه أتى معاذًا بن جبل وهو يصلي بقوم صلاة المغرب، وفي هذا الخبر قال: فقال رسول الله ﷺ : "يا معاذ لا تكن فتّانًا، فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة والمسافر".
طالب بن حبيب هذا يعرف بالضجيعي كان جده ضجيع حمزة بن عبد المطلب أنصاري مدني، سمع عبد الرحمن ومحمدًا ابني جابر، روى عنه موسى بن إسماعيل وأبو داود الطيالسي.
قال البخاري: فيه نظر، قال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به.
وفيه عند الإمام أحمد (١) من طريق عمرو بن يحيى المازني عن معاذ بن رفاعة عن رجل من بني سلمة يقال له سُليم من أصحاب النبي ﷺ أنه أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن معاذ بن جبل يأتينا (٢) بعدما ننام ونكون في أعمالنا بالنهار فيُنادي بالصلاة، فنخرج إليه فيُطول علينا، فقال رسول الله ﷺ : "يا معاذ بن جبل
стр. 1739
لا تكن فتّانًا، إما أن تصلي معي وإما أن تخفف على قومك".
أعله أبو محمد بن حزم بالانقطاع، لأن معاذ بن رفاعة لم يدرك النبي ﷺ ، ولا أدرك هذا الذي شكا إلى رسول الله لأن هذا الشاكي قتل يوم أحد.
وفيه عن بريدة قال: إن معاذ صلى بأصحابه صلاة العشاء، فقرأ فيها ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾، فقام رجل من قبل أن يفرغ فصلى وذهب فقال له معاذ قولًا شديدًا، فأتى الرجل النبي فاعتذر إليه، فقال: إني كنت أعمل في نخلي وخفت على الماء فقال رسول الله: "صل بالشمس وضحاها ونحوها من السور".
رواه الإمام أحمد (١)، قال الحافظ ضياء الدين المقدسي: وهذا يدل على أن قصة معاذ كانت غير واحدة.
وفيه عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا بالتخفيف ويؤمنا بالصافات. رواه النسائي.
وفيه حديث أبي قتادة عن النبي ﵇ قال: "إني لأدخل في الصلاة أريد أن أطول فيها، فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه". رواه البخاري.
في هذه الأحاديث مسائل:
الأولى: أمر الأئمة بالتخفيف، وترك التطويل لعلل قد بانت في قوله ﵇: "فإن فيهم السقيم والكبير وذا الحاجة".
قال أبو عمر: التخفيف لكل إمام أمر مجتمع عليه مندوب عند العلماء إليه،
стр. 1740
إلا أن ذلك إنما هو أقل الكمال وأما الحذف والنقصان فلا، لأن رسول الله ﷺ قد نهى عن نقر الغراب، ورأى رجلًا يصلي ولم يتم ركوعه وسجوده فقال له: "ارجع فصل فإنك لم تصل"، وقال ﷺ : "لا ينظر الله إلى من لا يقيم صلبه في ركوعه وسجوده"، وقال أنس: كان رسول الله ﷺ أخف الناس صلاة في تمام.
ورأى حذيفة رجلًا يصلي لا يتم ركوعه ولا سجوده، فلما انصرف دعاه فقال: مذ كم صليت هذه الصلاة؟ قال: صليتها منذ كذا وكذا، قال: فقال حذيفة: ما صليت أو قال: ما صليت لله قال: وأحسبه قال: وإن متَّ متّ على غير سنة محمد ﷺ .
قال الشافعي: أقل ما يجزئ من عمل الصلاة أن يحرم ويقرأ بأم القرآن إن أحسنها ويركع حتى يطمئن راكعًا ويرفع حتى يعتدل قائمًا ويسجد حتى يطمئن ساجدًا على الجبهة، ثم يرفع حتى يعتدل جالسًا ثم يسجد الأخرى كما وصفت ثم يقوم بفعل ذلك في كل ركعة ويجلس في الرابعة ويتشهد ويصلي على النبي ﷺ ويسلم تسليمة يقول السلام عليكم، فإذا فعل ذلك أجزأته صلاته، وقد ضيع حظ نفسه فيما ترك.
قال أبو عمر: وأقل ما يجزئ من القراءة فاتحة الكتاب بقراءة تفهم حروفها.
وقال ابن القاسم عن مالك: في الركوع إذا أمكن يديه من ركبتيه وإن لم يسبح فهو مجزئ عنه وكان لا يوقت تسبيحًا.
قال أبو عمر: لا أعلم بين أهل العلم خلافًا في استحباب التخفيف لكل من أمّ قومًا على ما شرطنا من الإتمام بأقل ما يجزئ والفريضة والنافلة إذا صليت جماعة عند جميعهم في ذلك سواء إلا ما جاء في صلاة الكسوف على سنتها.
وقد روي عن عمر بن الخطاب ضي الله عنه أنه قال: لا تبغِّضوا الله إلى عباده يطوّل أحدكم في صلاته حتى يشق على من خلفه.
стр. 1741
الثانية: أنه إذا أحس الإمام بداخلٍ إلى الصلاة وهو راكع استحب له أن ينتظره، وهي مسألة اختلف فيها، قال الخطابي: كان له أن ينتظره راكعًا ليدرك فضيلة الركعة في الجماعة، لأنه إذا كان له أن يحذف من طول الصلاة لحاجة إنسان في بعض أمور الدنيا كان له أن يزيد فيها لعبادة الله بل هو أحق بذلك وأولى وقال بعض المالكية: لا دليل فيه نظرًا إلى أن الاختصار والحذف من الصلاة أحق من الزيادة فيها والانتظار زيادة وعمل.
الثالثة: قوله: (وإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء) في الأركان التي يستحب فيها الإطالة من القيام والركوع والسجود والتشهد دون الاعتدال والجلوس بين السجدتين كما سيأتي.
الرابعة: وفيه جواز التأخير عن صلاة الجماعة إذا علم من حال الإمام التطويل الكثير قاله النووي، وفيه نظر، لأن الجواز الذي أشار إليه إنما يؤخذ عنده من إقرار النبي ﷺ ، ولم يقر ﵇ ذلك، بل أنكر على الإمام ذلك وغضب أشد الغضب وإنكاره على الإمام إنما هو لما أضاعه من حق المأموم ومن تأخره عن الجماعة، ففيه تأكد طلبية الجماعة ثم التنبيه على فضلها.
الخامسة: وفيه جواز ذكر الإنسان بمثل هذا في معرض الشكوى والاستفتاء.
السادسة: فإن قيل الحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا وقد تضمن الحديث التنبيه على علة الحكم بالأعذار المذكورة من الضعف والمرض وغيرهما، فينبغي إذا انتفت العلة أن ينتفي المعلول وإذا علم الإمام من أحوال المأمومين طلب الإطالة والقدرة عليها حرصًا على الخير أن يطيل، فالجواب من وجهين:
الأول: أن الأحكام تناط بالغالب ولا تتبع الصور النادرة كقصر الصلاة في السفر معللًا بالمشقة وإن كان في المسافرين من لا مشقة عليه لكن الغالب المشقة
стр. 1742
فاطرد اعتبارها.
الثاني: أنه لا يؤمن من دخل في الصلاة مريدًا لإطالتها متمكنًا من ذلك أن يحدث عليه وهو في الصلاة ما يحول بينه وبين تلك الإرادة والتمكن من عارض حاجة أو آفة حدث بول وما أشبه ذلك، ولذلك فرق بين الإمام والمصلي لنفسه، فإن المصلي لنفسه يعلم من أحوال نفسه في الشروع والاستمرار ما لا يمكنه أن يعلمه من أحوال غيره، فكان التخفيف هو المطلوب مطلقًا لمن أمّ الناس علم قوتهم أو لم يعلم.
وقد نقل عن بعض الفقهاء أن الإمام إذا علم من المأمومين إيثار التطويل طول كما لو اجتمع قوم لقيام الليل، فإن ذلك وإن شق عليهم فقد آثروه ودخلوا عليه نظرًا إلى انتفاء العلة والأول أولى.
السابعة: تضمن الحديث تخفيف الإمام وإطالة المصلي لنفسه ما شاء من غير تحديد في الأول ولا الثاني، ويمكن أن يقال في تحديد الأول مع ما سبق من أنه لا ينقص عن أقل الكمال ما رويناه بالأسانيد الصحيحة من طريق أبي داود والنسائي من حديث حماد بن سلمة أنا سعيد الجريري عن أبي العلاء مطرف بن عبد الله بن الشخير عن عثمان بن أبي العاص قال: قلت يا رسول الله: اجعلني إمام قومي قال: "أنت إمامهم واقتد بأضعفهم واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على الأذان أجرًا".
فهذا حد حسن للتخفيف وهو أن ينظر إلى ما يحتمله أضعف من خلفه فيصلي على حسبه.
وأما حد إطالة المصلي لنفسه فما لم يخرج وقت الصلاة التي تلي الصلاة التي هو فيها لقوله ﵇: "إنما التفريط أن يؤخر صلاة حتى يدخل وقت أخرى" فالإطالة في صلاة حتى ينتهي وقتها ويدخل وقت التي تليها وينتهي؛ مُوقع في التفريط فهو حرص على خير على زعم فاعله شغل عما هو خير منه من أداء فرض
стр. 1743
الثانية في وقتها فلا خير فيه.
الثامنة: فيه الرد على من زعم أن صلاة الجماعة فرض عين كما سنذكره في بابه إن شاء الله تعالى.
لأنه ﵇ أنكر على معاذ الإطالة ولم ينكر على الرجل الذي فارق الجماعة وصلى وحده فعله ذلك كما تقدم في حديث بريدة، ونحو من ذلك حديث حزم بن أبي كعب ولو كانت الجماعة فرض عين لما أقرَّ ﵇ المنفرد على انفراده ولكان أجدر بالإنكار عليه.
التاسعة: في حديث عثمان بن أبي العاص قال: قلت: يا رسول الله إني أجد في نفسي، قيل يخشى الكبر والإعجاب لتقدمه بالناس إمامًا، وقيل يريد الوسواس وأي ذلك كان فقد أذهبه الله تعالى ببركة كف رسول الله ﷺ .
العاشرة: في حديث أبي مسعود: فما رأيت رسول الله ﷺ غضب في موعظة أشد غضبًا منه يومئذ، فيه الغضب في الموعظة، قال شيخنا القشيري رحمه الله تعالى: وذلك إما لمخالفة الموعوظ لما علمه وإما للتقصير في تعلمه.
قوله ﵀: لمخالفة الموعوظ لما علمه، يتوقف على تقدم الموعظة بذلك وعلم الموعوظ له بها، ونحوه التقصير في التعلم أيضًا إلا أن يكون ذلك مستفادًا من أمر عام من طلب الرفق بالمسلم أو ما أشبه إن كان ذلك قد كان وقع، وأقرب من ذلك أن يكون ما ظهر من صورة الغضب لإرادة الاهتمام بما يلقيه لأصحابه ﵃ وأن يكونوا من سماعه وتلقيه منه ﵇ على بال لئلا يعود من فعل ذلك إلى مثله ثانيًا.
الحادية عشرة: قوله: "أفتّان أنت أو فاتن أنت" الأولى أن يكون الشك من الراوي لا من باب الرواية بالمعنى كما زعم بعضهم لما تحلت به صيغة فعّال من
стр. 1744
المبالغة التي خلت منها صيغة فاعل.
الثانية عشرة: في حديث الباب من الأعذار المقتضية للتخفيف والصغر والكبر والضعف والمرض وهي جارية مجرى الأمثال لا تخص ما ذكر بل يأتي عليه وعلى من في معناه، ففي حديث عدي بن حاتم: والعابر سبيل، وفي حديث حزم بن أبي كعب: والمسافر، وفي حديث أنس: أن حرامًا كان يريد أن يسقي نخله، وفي حديث سُليم: نكون في أعمالنا بالنهار، وفي حديث أبي مسعود: وذا الحاجة، وهذا كله يوضح ما ذكرناه.
الثالثة عشرة: في حديث أبي قتادة: (فأسمع بكاء الصبي ...) الحديث، فيه ما كان ﵇ عليه من الرفق بأمته والرأفة بهم ومراعاة مصالحهم وتقديم حظهم من ذلك على حظ نفسه لإيثاره التخفيف عند سماعه بكاء الصبي بعد أن شرع مريدًا للإطالة التي فيها حظه ﷺ .
الرابعة عشرة: فيه أن من شرع مريدًا للإطالة ثم عرض له ما يقتضي التخفيف أن التخفيف له جائز وإذا جاز هذا في مثل هذا الأمر القريب من بكاء الصبي فلأن يكون حين دعاء الحاجة إليه أقوى أولى.
الخامسة عشرة: فيه جواز صلاة النساء مع الرجال في المساجد.
وقد ثبت فيه: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" رواه البخاري ومسلم وقد روى أبو داود عن ابن مسعود عن النبي قال: "صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها".
السادسة عشرة: فيه جواز إدخال الصبيان إلى المساجد مع أن الصبي لا يؤمن منه الحدث، وقد روى ابن مسعود عن النبي ﵇: "جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم" حكاه عبد الحق عن البزار، وفيه أيضًا من حديث مكحول
стр. 1745
عن واثلة وأبي الدرداء وأبي أمامة قالوا: سمعنا رسول الله ﷺ يقول: "جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم" الحديث ولا يثبت شيء من ذلك وزعم ابن القطان أن الأول ليس في "مسند البزار" قال: وقد يكون عنده في غير مسنده.
فأمّا حديث مكحول فعند ابن عدي وفيه العلاء بن كثير الدمشقي وفي الأول موسى بن عمر وكلاهما ضعيف جدًّا.
* * *
стр. 1746
٦٢ - باب ما جاء في تحريم الصلاة وتحليلها
ثنا سفيان بن وكيع ثنا محمد بن الفضيل عن أبي سفيان طريف السعدي عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم، ولا صلاة لمن لا يقرأ بالحمد وسورة في فريضة أو غيرها".
قال أبو عيسى: وفي الباب عن علي وعائشة.
قال: وحديث علي في هذا أجود إسنادًا وأصح من حديث أبي سعيد وقد كتبناه في أول كتاب الوضوء.
والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق أن تحريم الصلاة التكبير، ولا يكون الرجل داخلًا في الصلاة إلا بالتكبير قال: سمعت أبا بكر محمد بن أبان مستملي وكيع يقول: سمعت عبد الرحمن يقول: لو افتتح رجل الصلاة بسبعين اسم من أسماء الله ولم يكبّر لم تجزه، وإن أحدث قبل أن يسلم أمرتُه أن يتوضأ ثم يرجع إلى مكانه فيسلم، إنما الأمر على وجهه.
قال: أبو نضرة اسمه المنذر بن مالك بن قطعة.
* الكلام عليه:
حديث الباب رواه ابن ماجه في الطهارة عن سويد بن سعيد عن علي بن مسهر وعن أبي كريب محمد بن العلاء عن أبي معاوية الضرير كلاهما عن أبي سفيان به.
وخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في "مسنده" وقال: في كل ركعة ورأيته في "مسند بقي بن مخلد" عن أبي بكر عن محمد بن فضيل به وزاد فيه: في كل
стр. 1747
ركعتين تسليمة ولا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بالحمد وسورة.
قال ونا يحيى نا أبو معاوية.
سكت الترمذي عن هذا الحديث فلم يقل فيه أكثر من ترجيح حديث علي في الباب عليه، وحديث علي الذي أشار إليه عنده من رواية ابن عقيل عن ابن الحنفية. وابن عقيل مختلف فيه وقد تقدم في كتاب الطهارة الكلام على هذا الحديث وما يستحقه من إطلاق اسم الضعيف عليه وذكر عبد الحق هذا الحديث في أحكامه وقال: وهذا لا يصح لأن في إسناده أبا سفيان طريف بن شهاب.
وذكر أبو أحمد بن عدي من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وآيتين فهي خداج" رواه عن هشام شبيب بن شيبة الخطيب وليس بثقة، قاله يحيى بن معين.
وقال فيه أبو حاتم: ليس بقوي.
وقد زاد في هذا الحديث: "وآيتين" ورواه عمر بن يزيد المدايني عن عطاء عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تجزئ المكتوبة إلا بفاتحة الكتاب وثلاث آيات فصاعدًا" وهذا غير محفوظ وعمر بن يزيد منكر الحديث.
وحديث عائشة ﵂ الذي أشار إليه هو قولها: كان رسول الله ﷺ يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين. الحديث، وآخره: وكان يختم الصلاة بالتسليم. أخرجه مسلم وغيره وليس داخلًا فيما رجح الترمذي عليه حديث علي من حيث الصحة، فإن حديث علي هو أصح من حديث أبي سعيد -من رواية ابن عقيل وحديث أبي سعيد كما ذكر من ضَعْفِه وإنما مراده ترجيح حديث علي على حديث أبي سعيد فقط.
وقال في كتاب الطهارة في حديث علي: إنه أصح شيء في هذا الباب
стр. 1748
وأحسن فأطلق القول، ولم يقل هناك: وفي الباب عن عائشة، وأما هنا فأشار إلى حديث عائشة فلذلك قال: وحديث علي أصح من حديث أبي سعيد ولم يطلق القول بأن حديث علي أصح شيء في الباب.
وذكر أبا نضرة واسمه ونسبته وهو المنذر بن مالك بن قطعة العوَقي بفتح الواو والقاف والعوقة بطن من عبد القيس أبو نضرة العبدي البصري أدرك طلحة بن عبيد الله وسمع عبد الله بن عباس وأبا هريرة وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عامر وأبا ذر الغفاري وأبا سعيد الخدري وسمرة بن جندب وأنس بن مالك وعامر بن عبد الله وأسير بن جابر وقيس بن عباد.
روى عنه حميد الطويل وقتادة وعبد الرحمن بن شماسة وداود بن أبي هند وأبو مسلمة سعيد بن يزيد وأبو قزعة سويد بن حُجَيْر وأبو الأشهب جعفر بن حيان ويحيى بن أبي كثير وسليمان التيمي والقاسم بن الفضل الحدّائي وسعيد بن إياس الجريري وكهمس بن الحسن وعاصم الأحول والمستمر بن الريان وأبو عقيل الدورقي.
وثقه يحيى بن معين وأبو زرعة، وقال أحمد: ما علمت إلا خيرًا.
وقال أبو حاتم: هو أحب إليّ من عطية، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث وليس كل أحد يحتج به.
قيل: مات قبل الحسن بقليل. روى له الجماعة إلا البخاري وقد تقدم من مسائل هذا الباب في كتاب الطهارة ما يغني عن الإعادة هاهنا.
* * *
стр. 1749
٦٣ - باب ما جاء في نشر الأصابع عند التكبير
ثنا قتيبة وأبو سعيد الأشج قالا نا يحيى بن اليمان عن ابن أبي ذئب عن سعيد بن سمعان عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ إذا كبر للصلاة نشر أصابعه.
قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة قد روى هذا الحديث غير واحد عن ابن أبي ذئب عن سعيد بن سمعان عن أبي هريرة قال: أن النبي ﷺ كان إذا دخل في الصلاة رفع يديه مدًّا، وهذا أصح من رواية يحيى بن اليمان، وأخطأ يحيى بن اليمان في هذا الحديث.
قال: وثنا عبد الله بن عبد الرحمن أنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي ثنا ابن أبي ذئب عن سعيد بن سمعان قال: سمعت أبا هريرة يقول: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه مدًّا.
قال عبد الله: وهذ أصح من حديث يحيى بن اليمان وحديث يحيى بن اليمان خطأ.
* الكلام عليه من وجوه:
الأول: من حيث إسناده:
حديث يحيى بن يمان هذا انفرد الترمذي بإخراجه من بين أصحاب الكتب الستة، وإنما أخرجه كذلك لينبه على خطئه عنده. ثم ذكر الصواب بعده من حديث عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، وقد أخرجه أبو داود والنسائي كذلك على الصواب من حديث يحيى القطان عن ابن أبي ذئب، وأبو داود عن مسدد والنسائي عن عمرو بن علي كلاهما عن يحيى عن ابن أبي ذئب به.
стр. 1750
وقرأت على الحافظ أبي العباس أحمد بن محمد بن الطاهري ﵀ أخبركم أبو المنجا عبد الله بن عمر عن العتابي سماعًا عليه أنا أبو الوقت أنا أبو الحسن الداودي أنا أبو محمد بن حمّويه أنا عمران عيسى بن العباس السمرقندي أنا أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن أنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي ثنا ابن أبي ذئب عن محمد بن عمرو بن عطاء عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ لم يكن يقوم إلى الصلاة إلا رفع يديه مدًّا.
وهذا إسناد آخر، فإنه في الكتب التي تقدم ذكرها من حديث ابن أبي ذئب عن سعيد بن سمعان عن أبي هريرة، وهو هنا عند الدارمي الذي أخرجه عنه الترمذي بهذا الإسناد، فمن الجائز أن يكون عند عبيد الله الحنفي فيه إسنادان قد رواه عنه بهما الدارمي أو يكون حديث سعيد بن سمعان صوابًا والثاني وهمًا لأن يحيى أثبت من عبيد الله بن عبد المجيد، أو يكون عيسى بن العباس السمرقندي وهم على أبي محمد الدارمي إذ الخلف فيه بينه وبين الترمذي على الدارمي والله أعلم.
وأما حديث يحيى بن يمان فقد قال ابن أبي حاتم فيما روى في "العلل" عن أبيه: سمعت أبي وذكر حديث يحيى بن يمان عن ابن أبي ذئب عن سعيد بن سمعان عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة نشر أصابعه نشرًا.
قال أبي: وهم يحيى، إنما أراد كان إذا قام إلى الصلاة رفع يديه مدًّا، كذا رواه الثقات من أصحاب ابن أبي ذئب.
وقد روى البيهقي من حديث أبي عامر العقدي عن ابن أبي ذئب عن سعيد بن سمعان قال: دخل علينا أبي هريرة مسجد بني زريق فقال: ثلاث كان رسول الله ﷺ يعمل بهن تركهن الناس: كان إذا قام إلى الصلاة قال هكذا، وأشار أبو عامر
стр. 1751
بيده، ولم يفرج بين أصابعه، ولم يضمهما.
وفيه أيضًا مع ما نقل عن يحيى بن يمان سعيد بن سمعان وقد ضعفه الأزدي وذكر الخلال عن أبي داود: سمعت أحمد سئل عنه: أهو خطأ؟ قال: لا أدري.
وسئل: أروى عن سعيد بن سمعان غير ابن أبي ذئب؟ قال: لا أدري.
وقد أخرج ابن خزيمة في "صحيحه" حديث يحيى من هذا الوجه أن رسول الله ﷺ كان ينشر أصابعه في الصلاة نشرًا.
الوجه الثاني: في شيء من مفردات ألفاظه:
الأولى: لفظة (كان)، قال الراغب هو عبارة عما مضى من الزمان وفي كثير من وصف الله تنبيء عن معنى الأزلية، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾، وما استعمل منه في جنس الشيء متعلقًا بوصف له هو موجود فيه فتنبيه أن ذلك الوصف لازم له قليل الانفكاك منه، نحو قوله تعالى في الإنسان: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾، و ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾، و ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾، وإذا استعمل في الزمن الماضي فيه تجوز أن المستعمل فيه على حالته ويجوز أن يكون قد تغير نحو: كان فلان كذا فصار كذا.
وقال ما معناه: ولا فرق بين تقدم ذلك الزمن وقرب العهدية نحو قولك كان آدم كذا وكان زيد هاهنا. انتهى.
وقال أبو العباس القرطبي: زعم بعض من لقيناه من الفقهاء أن (كان) مهما أطلقت عن رسول الله ﷺ لزمها الدوام والكثرة بحكم عرفهم، قال أبو العباس: والشأن في نقل هذا العرف وإلا فأصلها أن يصدق على من فعل الشيء مرة واحدة، ونحن على الأصل حتى ينقل عنه انتهى.
стр. 1752
والمشهور أن لفظة (كان) إذا وليها الماضي دلت على الوقوع وإذا وليها المضارع دلت على التكرار وليس التكرار عندي مستفادًا من لفظة (كان) وإنما هو مستفاد من المضارع المتصل بها.
الثانية: نشر: قال أبو القاسم الراكب: النشر نشر الثوب والصحيفة والسحاب والنعمة والحديث وهو بسطها، قال تعالى: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾، وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ نُشْرًا (١) بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾، وقال: ﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾.
ومنه سمعت نشرًا حسنًا، أي: حديثًا ينشر، ونشر الميت نشورًا وأنشر الله الميت ينشر، قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ وقيل نشر الله الميت وأنشره بمعنى، والحقيقة أن نشر الله الميت مستعار من نشر الثوب، قال الشاعر:
طوتك خطوب دهرك بعد ... نشر كذاك خطوبة طيًّا ونشرًا
قال: وقال الله تعالى: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ وقرئ: ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾ أي تفرقوا.
وبسط القول في استعمال هذه اللفظة بأن لها معان متعددة والمراد هاهنا منها
стр. 1753
التفرقة ومن هنا استحب التفرقة من قال بها من الفقهاء كما سنذكره ويحتمل أن يكون المراد هنا البسط ضد الطي، أي: يمد أصابعه ولا يطويها فيكون من معنى اللفظ الأخير ورفع يديه مدًّا ويشهد له ما ذكرناه من طريق البيهقي: وأشار أبو عامر بيده ولم يفرج بين أصابعه ولم يضمهما فيحتاج من استحب التفرقة إلى دليله إن لم تحمل على المعنى الأول.
الثالثة: الأصابع، الإصبع: اسم يقع على السُلامى والظفر والأنملة والأُطرة والبُرجُمة معًا ويستعار للأثر الحسن فيقال لك على فلان إصبع كقولك لك عليه يد وفيه لغات عشر مشهورة.
الرابعة: رفع، الرفع يقال تارة في الأجسام الموضوعة إذا أعليتها عن مقرها نحو: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾، وتارة في البناء إذا طولته نحو: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ وتارة في الذكر إذا نوهته نحو: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ وتارة في المنزلة إذا شرفتها نحو: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ والرفع هنا من الأول.
الخامسة: المد، قال الراغب: أصله الجر ومنه المدة للوقت الممتد، ومدة الجرح ومد النهر ومده (١) نهر آخر ومددت عيني إلى كذا وذكر الجوهري ومَدَّ النهار ارتفاعه.
الوجه الثالث: في شيء من إعرابه:
قوله: (رفع يديه مدًّا) يجوز أن يكون المدّ مصدرًا مختصًا والمصدر المختص ما كان مفسرًا لنوع نحو مشى القهقرى وقعد القرفصاء واشتمل الصماء، فإن القهقرى نوع من المشي، وكذلك القرفصاء نوع من القعود، والصماء نوع من أنواع الاشتمال، أو حالًا من رفع.
وإن كان مأخوذًا من مد النهار وهو ارتفاعه فيكون مصدرًا من المعنى نحو
стр. 1754
قعدت جلوسًا وقمت وقوفًا.
الوجه الرابع: في الفوائد والمباحث المتعلقة به، وفيه مسائل:
الأولى: التكبير في الصلاة وهو ركن من أركانها وقد ثبت عند الجمهور أن النبي ﷺ قال لرجل علمه الصلاة: "إذا قمت إلى الصلاة فكبر"، وقد تقدم في أول كتاب الطهارة في الكلام على قوله ﵇: "تحريمها التكبير وتحليلها التسليم".
واختلاف العلماء في حكم التحريم وأن عامتهم ذهبوا إلى الوجوب إلا ما روي عن الزهري وابن المسيب والحكم والأوزاعي وقتادة: إنه سنة، وأنه يجري الدخول في الصلاة بالنية وهناك تقدم الكلام على شيء من مسائل هذا الباب، ويجب أن تقارن النية التكبير عندنا، وقال أبو حنيفة وأحمد: لو تقدمت على التكبير بزمن يسير ولم يعرض شاغل جاز الدخول في الصلاة بتلك النية.
ويتعين على القادر تلفظ التكبير الله أكبر أو الله الأكبر ولو قال: الله الجليل أكبر فوجهان ولا يجوز العدول إلى ذكر وإن قرب منها كقوله الرحمن أجل والرب أعظم، بل لا يجزئه قوله الرحمن أو الرحيم أكبر أيضًا ولا يجزئه ترجمة التكبير بلسان آخر عندنا خلافًا لأبي حنيفة في الفعلين حيث جوز الترجمة وإجزاء التسبيح والتهليل وسائر الأذكار والأثنية إلا أن يذكر اسمًا على سبيل النداء كقوله يا الله أو يقول اللهم اغفر لي وأجاز أبو يوسف الله الكبير، وأمّا مالك فلا يجيز إلا لفظة الله أكبر لا غير إذ الحواله في قوله ﵇: "تحريمها التكبير" على معهود دلت عليه الألف واللام وهو تكبيره ومعهوده الصيغة المذكورة.
وأما العاجز عن كلمة التكبير أو بعضها فله حالتان:
إحداهما: أن لا يمكنه كسب القدرة عليها فإن كان لخرس أو نحوه حرك لسانه
стр. 1755
وشفتيه ولهاته بالتكبير بحسب ما يمكنه.
وإن كان ناطقًا لكن لم يطاوعه لسانه على هذه الكلمة، فيأتي بترجمتها لأنه ركن عجز عنه فلا بد له من بدل وترجمته أول ما يجعل بدلًا عنه لأدائها معناه ولا يعدل إلى سائر الأذكار وهذا بخلاف ما لو عجز عن الفاتحة، فإنه لا يعدل إلى الترجمة عنها لأن القرآن معجز، وأمَّا من جوز الترجمة ممن حكينا خلافه حيث لا عذر فلأن يجوزها مع قيام العذر أولى.
الحالة الثانية: أن يمكنه كسب القدرة عليها إما بالتعلم أو مراجعة موضع كتبت هذه الصيغة عليه، فيلزمه ذلك وإن احتاج في تعلم ذلك إلى المسير إلى بلد آخر عن بلده ففيه وجهان.
الثانية (١): التكبير في الصلاة بعد تكبيرة الإحرام وسيأتي الكلام عليه في باب بعد هذا إن شاء الله تعالى.
الثالثة: واختلف أصحابنا في استحباب تفريق الأصاج وفيه حديث الباب، فاستحبه الجمهور، وقال الغزالي: لا يكلف الضم ولا التفريق بل يتركها منشورة على هيئتها.
وقال الرافعي: يفرق تفريقًا وسطًا، والمشهور الأول.
وقال صاحب "التهذيب": يستحب التفريق في كل موضع أمرنا فيه برفع اليدين وللأصابع في الصلاة أحوال:
أحدهما: حالة الرفع في تكبيرة الإحرام والركوع والرفع منه والقيام من التشهد الأول فيستحب التفريق فيها.