بيده، ولم يفرج بين أصابعه، ولم يضمهما.
وفيه أيضًا مع ما نقل عن يحيى بن يمان سعيد بن سمعان وقد ضعفه الأزدي وذكر الخلال عن أبي داود: سمعت أحمد سئل عنه: أهو خطأ؟ قال: لا أدري.
وسئل: أروى عن سعيد بن سمعان غير ابن أبي ذئب؟ قال: لا أدري.
وقد أخرج ابن خزيمة في "صحيحه" حديث يحيى من هذا الوجه أن رسول الله ﷺ كان ينشر أصابعه في الصلاة نشرًا.
الوجه الثاني: في شيء من مفردات ألفاظه:
الأولى: لفظة (كان)، قال الراغب هو عبارة عما مضى من الزمان وفي كثير من وصف الله تنبيء عن معنى الأزلية، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾، وما استعمل منه في جنس الشيء متعلقًا بوصف له هو موجود فيه فتنبيه أن ذلك الوصف لازم له قليل الانفكاك منه، نحو قوله تعالى في الإنسان: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾، و ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾، و ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾، وإذا استعمل في الزمن الماضي فيه تجوز أن المستعمل فيه على حالته ويجوز أن يكون قد تغير نحو: كان فلان كذا فصار كذا.
وقال ما معناه: ولا فرق بين تقدم ذلك الزمن وقرب العهدية نحو قولك كان آدم كذا وكان زيد هاهنا. انتهى.
وقال أبو العباس القرطبي: زعم بعض من لقيناه من الفقهاء أن (كان) مهما أطلقت عن رسول الله ﷺ لزمها الدوام والكثرة بحكم عرفهم، قال أبو العباس: والشأن في نقل هذا العرف وإلا فأصلها أن يصدق على من فعل الشيء مرة واحدة، ونحن على الأصل حتى ينقل عنه انتهى.
стр. 1752
والمشهور أن لفظة (كان) إذا وليها الماضي دلت على الوقوع وإذا وليها المضارع دلت على التكرار وليس التكرار عندي مستفادًا من لفظة (كان) وإنما هو مستفاد من المضارع المتصل بها.
الثانية: نشر: قال أبو القاسم الراكب: النشر نشر الثوب والصحيفة والسحاب والنعمة والحديث وهو بسطها، قال تعالى: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾، وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ نُشْرًا (١) بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾، وقال: ﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾.
ومنه سمعت نشرًا حسنًا، أي: حديثًا ينشر، ونشر الميت نشورًا وأنشر الله الميت ينشر، قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ وقيل نشر الله الميت وأنشره بمعنى، والحقيقة أن نشر الله الميت مستعار من نشر الثوب، قال الشاعر:
طوتك خطوب دهرك بعد ... نشر كذاك خطوبة طيًّا ونشرًا
قال: وقال الله تعالى: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ وقرئ: ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾ أي تفرقوا.
وبسط القول في استعمال هذه اللفظة بأن لها معان متعددة والمراد هاهنا منها
стр. 1753
التفرقة ومن هنا استحب التفرقة من قال بها من الفقهاء كما سنذكره ويحتمل أن يكون المراد هنا البسط ضد الطي، أي: يمد أصابعه ولا يطويها فيكون من معنى اللفظ الأخير ورفع يديه مدًّا ويشهد له ما ذكرناه من طريق البيهقي: وأشار أبو عامر بيده ولم يفرج بين أصابعه ولم يضمهما فيحتاج من استحب التفرقة إلى دليله إن لم تحمل على المعنى الأول.
الثالثة: الأصابع، الإصبع: اسم يقع على السُلامى والظفر والأنملة والأُطرة والبُرجُمة معًا ويستعار للأثر الحسن فيقال لك على فلان إصبع كقولك لك عليه يد وفيه لغات عشر مشهورة.
الرابعة: رفع، الرفع يقال تارة في الأجسام الموضوعة إذا أعليتها عن مقرها نحو: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾، وتارة في البناء إذا طولته نحو: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ وتارة في الذكر إذا نوهته نحو: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ وتارة في المنزلة إذا شرفتها نحو: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ والرفع هنا من الأول.
الخامسة: المد، قال الراغب: أصله الجر ومنه المدة للوقت الممتد، ومدة الجرح ومد النهر ومده (١) نهر آخر ومددت عيني إلى كذا وذكر الجوهري ومَدَّ النهار ارتفاعه.
الوجه الثالث: في شيء من إعرابه:
قوله: (رفع يديه مدًّا) يجوز أن يكون المدّ مصدرًا مختصًا والمصدر المختص ما كان مفسرًا لنوع نحو مشى القهقرى وقعد القرفصاء واشتمل الصماء، فإن القهقرى نوع من المشي، وكذلك القرفصاء نوع من القعود، والصماء نوع من أنواع الاشتمال، أو حالًا من رفع.
وإن كان مأخوذًا من مد النهار وهو ارتفاعه فيكون مصدرًا من المعنى نحو
стр. 1754
قعدت جلوسًا وقمت وقوفًا.
الوجه الرابع: في الفوائد والمباحث المتعلقة به، وفيه مسائل:
الأولى: التكبير في الصلاة وهو ركن من أركانها وقد ثبت عند الجمهور أن النبي ﷺ قال لرجل علمه الصلاة: "إذا قمت إلى الصلاة فكبر"، وقد تقدم في أول كتاب الطهارة في الكلام على قوله ﵇: "تحريمها التكبير وتحليلها التسليم".
واختلاف العلماء في حكم التحريم وأن عامتهم ذهبوا إلى الوجوب إلا ما روي عن الزهري وابن المسيب والحكم والأوزاعي وقتادة: إنه سنة، وأنه يجري الدخول في الصلاة بالنية وهناك تقدم الكلام على شيء من مسائل هذا الباب، ويجب أن تقارن النية التكبير عندنا، وقال أبو حنيفة وأحمد: لو تقدمت على التكبير بزمن يسير ولم يعرض شاغل جاز الدخول في الصلاة بتلك النية.
ويتعين على القادر تلفظ التكبير الله أكبر أو الله الأكبر ولو قال: الله الجليل أكبر فوجهان ولا يجوز العدول إلى ذكر وإن قرب منها كقوله الرحمن أجل والرب أعظم، بل لا يجزئه قوله الرحمن أو الرحيم أكبر أيضًا ولا يجزئه ترجمة التكبير بلسان آخر عندنا خلافًا لأبي حنيفة في الفعلين حيث جوز الترجمة وإجزاء التسبيح والتهليل وسائر الأذكار والأثنية إلا أن يذكر اسمًا على سبيل النداء كقوله يا الله أو يقول اللهم اغفر لي وأجاز أبو يوسف الله الكبير، وأمّا مالك فلا يجيز إلا لفظة الله أكبر لا غير إذ الحواله في قوله ﵇: "تحريمها التكبير" على معهود دلت عليه الألف واللام وهو تكبيره ومعهوده الصيغة المذكورة.
وأما العاجز عن كلمة التكبير أو بعضها فله حالتان:
إحداهما: أن لا يمكنه كسب القدرة عليها فإن كان لخرس أو نحوه حرك لسانه
стр. 1755
وشفتيه ولهاته بالتكبير بحسب ما يمكنه.
وإن كان ناطقًا لكن لم يطاوعه لسانه على هذه الكلمة، فيأتي بترجمتها لأنه ركن عجز عنه فلا بد له من بدل وترجمته أول ما يجعل بدلًا عنه لأدائها معناه ولا يعدل إلى سائر الأذكار وهذا بخلاف ما لو عجز عن الفاتحة، فإنه لا يعدل إلى الترجمة عنها لأن القرآن معجز، وأمَّا من جوز الترجمة ممن حكينا خلافه حيث لا عذر فلأن يجوزها مع قيام العذر أولى.
الحالة الثانية: أن يمكنه كسب القدرة عليها إما بالتعلم أو مراجعة موضع كتبت هذه الصيغة عليه، فيلزمه ذلك وإن احتاج في تعلم ذلك إلى المسير إلى بلد آخر عن بلده ففيه وجهان.
الثانية (١): التكبير في الصلاة بعد تكبيرة الإحرام وسيأتي الكلام عليه في باب بعد هذا إن شاء الله تعالى.
الثالثة: واختلف أصحابنا في استحباب تفريق الأصاج وفيه حديث الباب، فاستحبه الجمهور، وقال الغزالي: لا يكلف الضم ولا التفريق بل يتركها منشورة على هيئتها.
وقال الرافعي: يفرق تفريقًا وسطًا، والمشهور الأول.
وقال صاحب "التهذيب": يستحب التفريق في كل موضع أمرنا فيه برفع اليدين وللأصابع في الصلاة أحوال:
أحدهما: حالة الرفع في تكبيرة الإحرام والركوع والرفع منه والقيام من التشهد الأول فيستحب التفريق فيها.
стр. 1756
الثاني: حالة القيام والاعتدال من الركوع فلا يفرق فيه.
الثالث: حالة الركوع فيستحب تفريقها على الركبتين.
الرابع: حالة السجود فيستحب ضمها وتوجيهها إلى القبلة.
الخامس: حالة الجلوس بين السجدتين وفيه وجهان الصحيح أنه كحالة السجود والثاني يتركها على هيئتها ولا يتكلف ضمها.
السادس: حالة التشهد فاليمنى مقبوضة إلا المسبحة وفي الإبهام خلاف مشهور، واليسرى مبسوطة وفيها الوجهان اللذان في حالة الجلوس بين السجدتين الصحيح يضمها ويوجهها إلى القبلة.
* * *
стр. 1757
٦٤ - باب ما جاء في فضل التكبيرة الأولى
ثنا عقبة بن مكرم ونصر بن علي قالا نا أبو قتيبة سلم بن قتيبة عن طعمة بن عمرو عن حبيب بن أبي ثابت عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلى لله أربعين يومًا في جماعة يدرك التكبيرة الأولى، كتب له براءتان براءةً من النار وبراءة من النفاق".
قال أبو عيسى: وقد رُوي هذا الحديث عن أنس موقوفًا، ولا أعلم أحدًا رفعه إلا ما روى سلم بن قتيبة عن طعمة بن عمرو، وإنّما يُروى هذا عن حبيب بن أبي حبيب البجلي عن أنس قوله.
حدثنا بذلك هناد ثنا وكع عن خالد بن طهمان عن حبيب بن أبي حبيب البجلي عن أنس ولم يرفعه نحوه.
وقد روى إسماعيل بن عياش هذا الحديث عن عمارة بن غزية عن أنس عن عمر عن النبي، وهذا حديث غير محفوظ، وهو حديث مرسل؛ عمارة بن غزية لم يدرك أنسًا.
* الكلام عليه:
انفرد به الترمذي، وذكر ابن أبي حاتم في "علله" من طريق حبيب غير منسوب عن أنس، وأنه سأل أباه عن حبيب هذا، فلم يعرفه.
وسلم أخرج له الجماعة إلا مسلمًا، وطعمة وثقه ابن معين وقال: أبو حاتم صالح الحديث.
وقد أعل الترمذي طرقه الثلاثة:
стр. 1758
الأولى: بتفرد سلم برفعه.
والثانية: بالوقف.
والثالثة: بالانقطاع.
وفي الباب مما لم يذكره عن أبي الدرداء، قال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا أبو أسامة عن أبي فروة يزيد بن سنان قال: ثنا أبو عبيد الحاجب قال: سمعت شيخًا في المسجد الحرام يقول: قال أبو الدرداء: قال رسول الله ﷺ : "إن لكل شيء أنفة وإن أنفة الصلاة التكبيرة الأولى، فحافظوا عليها".
قال أبو عبيد: فحدثت به رجاء بن حيوة فقال: حدثتنيه أم الدرداء عن أبي الدرداء.
أبو عبيد حاجب سليمان بن عبد اللك اسمه حي وقيل حوي بن عمير وقيل عبد الملك شامي وثقه أبو زرعة، وأخرج له مسلم وغيره وذكر له البخاري تعليقًا.
فيه فضل إدراك التكبيرة الأولى، ولما فيه من الفضل صار أبو إسحاق المروزي إلى أن الساعي إلى الجماعة يسرع إذا خاف فوتها والصحيح أنه لا يسرع لثبوت قوله ﵇: "فلا تأتوها وأنتم تسعون" ثم بماذا يكون مدركًا لتلك الفضيلة، فيه وجوه:
أظهرها: أن من أدرك تكبيرة [مع] (٢) الإمام واشتغل عنها بعقد الصلاة كان مدركًا وإلا لم يدرك، لأنه إذا جرت التكبيرة في غيبته لم يكن مدركًا لها.
стр. 1759
الثاني: أن تلك الفضيلة تدرك بإدراك الركوع الأول.
الثالث: أن إدراك الركوع لا يكفي، بل يشترط إدراك شيء من القيام.
الرابع: إن شغله أمر دنيوي لم يكن بإدراك الركوع مدركًا للفضيلة، وإن منعه الاشتغال بأسباب الصلاة أو ما أشبه ذلك كفاه إدراك الركوع وقد روينا عن السلف في ذلك آثارًا حسانًا.
قال إبراهيم التيمي: إذا رأيت الرجل يتهاون بالتكبيرة الأولى فاغسل يديك منه.
وقال سعيد بن المسيب: ما فاتتني التكبيرة الأولى منذ خمسين سنة.
وعن سليمان التيمي أنه صلى الغداة بوضوء العشاء الآخرة أربعين سنة.
وقال ربيعة بن يزيد الدمشقي: ما أذن المؤذن لصلاة الظهر منذ أربعين سنة إلا وأنا في المسجد إلا أن أكون مريضًا أو مسافرًا.
وقال الفضل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾. قال الصلوات الخمس.
وذكر ابن أبي شيبة (١) نا أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق عن الوليد البجلي قال: قال عبد الله: عليكم بحد الصلاة التكبيرة الأولى.
قال: نا وكيع عن سفيان عن عمران بن مسلم عن خيثمة قال: بكر الصلاة التكبيرة الأولى.
* * *
стр. 1760
٦٥ - باب ما يقول عند افتتاح الصلاة
ثنا محمد بن موسى البصري نا جعفر بن سليمان الضبعي عن علي بن علي الرفاعي عن أبي المتوكل عن أبي سعيد قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام للصلاة كبر ثم يقول: "سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك"، ثم يقول: "الله أكبر الله أكبر" ثم يقول: "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفثه ونفخه".
قال أبو عيسى: وفي الباب عن علي وعائشة وعبد الله بن مسعود وجابر وجبير بن مطعم وابن عمر.
قال أبو عيسى: وحديث أبي سعيد أشهر في هذا الباب، وقد أخذ قوم من أهل العلم بهذا الحديث، وأما أكثر أهل العلم فقالوا: إنما روي عن النبي ﷺ أنه كان يقول: "سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك" هكذا روي عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود.
والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من التابعين وغيرهم، وقد تكلم في إسناد حديث أبي سعيد، كان يحيى بن سعيد يتكلم في علي بن علي.
وقال أحمد: لا يصح هذا الحديث.
حدثنا الحسن بن عرفة ويحيى بن موسى قالا نا أبو معاوية (١) عن حارثة بن أبي الرجال عن عمرة عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ إذا افتتح الصلاة قال: "سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدّك ولا إله غيرك".
قال أبو عيسى: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وحارثة قد تكلم فيه
стр. 1761
من قبل حفظه.
وأبو الرجال اسمه محمد بن عبد الرحمن المديني.
* الكلام عليه من وجوه:
الأول: من حيث الإسناد:
حديث أبي سعيد رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
ومحمد بن موسى البصري هو ابن نفيع الحرشي، روى عن حماد بن زيد وأبي داود الطيالسي وجعفر الضبعي.
روى عنه الترمذي والنسائي وأبو حاتم، وسئل عنه، فقال: شيخ، ووثقه ابن حبان.
مات سنة ثمان وأربعين ومائتين.
وجعفر بن سليمان أخرج له الشيخان وروى عنه ابن مهدي، وكان لا يحدث إلا عن ثقة عنده، ووثقه يحيى، وقال أحمد: لا بأس به، وقال ابن سعد: ثقة، وبه ضعف وكان يتشيع، ومات في رجب سنة ثمان وسبعين ومائة.
وقال ابن عدي: ولجعفر حديث صالح، وروايات كثيرة، وهو حسن الحديث، وهو معروف في التشيع وجمع الرقائق، جالس زهاد البصرة وأرجو أنه لا بأس به.
وعلي بن علي بن نجاد بن رفاعة الرفاعي البصري أبو إسماعيل، سمع الحسن البصري وأخاه سعيدًا.
روى عنه وكيع ووثقه وأبو نعيم وزيد بن الحباب وشيبان بن فروخ قال ابن سعد ثنا الفضل بن دكين وعفان قالا: كان علي بن علي الرفاعي يشبه بالنبي ﷺ .
стр. 1762
وقال أحمد بن حنبل: هو صالح، قيل: أكان يشبه النبي ﷺ ؟ قال: كذا كان يقال.
وقال محمد بن عبد الله بن عفار: كان علي بن علي الرفاعي زعموا أنه يصلي كل يوم ستمائة ركعة، وكان تشبه عينيه بعيني النبي ﷺ .
وكان رجلًا عابدًا ما أرى أن يكون له عشرون حديثًا قيل له: أكان ثقة؟ قال: نعم.
وقال ابن معين: ثقة.
وقال أبو حاتم: ليس به بأس، لا يحتج بحديته، انتهى.
وكان حسن الصوت بالقران، وكان فاضلًا في نفسه.
وقال يعقوب بن إسحاق: قدم علينا شعبة فقال: اذهبوا بنا إلى سيدنا وابن سيدنا علي بن علي الرفاعي.
روى له أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.
وأبو المتوكل الناجي علي بن داود وقيل: ابن داود معروف مشهور، وثقه يحيى وابن المديني وأبو زرعة.
وقال أحمد: ما علمت إلا خيرًا.
قال البخاري: له نحو خمسة عشر حديثًا.
قال ابن قانع: مات سنة اثنتين ومائة.
وقال ابن حبان: سنة ثمان ومائة، والأول أصح.
وأما حديث عائشة فرواه ابن ماجه والدارقطني، ورواه أبو داود وقال: ليس بالمشهور.
стр. 1763
وهو عند أبي داود عن عبد السلام بن حرب لم يروه إلا طلق بن غنام.
قال أبو داود: نا حسين بن عيسى عن طلق بن غنام عن عبد السلام بن حرب عن بديل بن ميسرة عن أبي الجوزاء عن عائشة.
قال الحافظ محمد بن عبد الواحد: وما علمت فيهم مجروحًا.
قال أبو الفتح: طلق بن غنام أخرج عنه البخاري في الصحيح، وعبد السلام بن حرب وثقه أبو حاتم وأخرج له الشيخان، وكذلك من فوقه إلى عائشة، وقد صححه الحاكم وذكر له شاهدًا عن عمرة عن عائشة.
وأما حارثة بن أبي الرجال: ضعفه أحمد ويحيى والرازيان وابن عدي وابن حبان، وقال: بلغني عن أحمد أنه نظر في جامع ابن راهويه فإذا أول حديث فيه عن حارثة، فأنكره جدًّا.
وأما حديث علي فرواه مسلم ولفظه عن رسول الله ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة قال: "وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما أنا من الشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعها لا يغفر الذنوب إلا أنت واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك والخير كله في يديك والشر ليس إليك، أنا بك وإليك تباركت وتعاليت استغفرك وأتوب إليك"، وإذا ركع قال: "اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي"، وإذا رفع قال: "اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات والأرض وما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد"، إذا سجد قال: "اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت سجد
стр. 1764
وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين" ثم يكون من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم: "اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت".
وحديث عائشة قد ذكره آخر الباب، وقد تقدم ذكر من خرجه أيضًا.
وأما حديث عبد الله بن مسعود فرواه ابن ماجه من حديثه عنه عن النبي ﷺ قال: "اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم وهمزه ونفخه ونفثه".
قال: همزه: الموتة، ونفثه: الشعر، ونفخه: الكبر.
رواه ابن ماجه وهذا لفظه والبيهقي، وفي روايته: كان رسول الله ﷺ إذا دخل في الصلاة، قال عطاء: فهمزه الموته وذكر باقيه.
وحديث جبير بن مطعم أنه رأى رسول الله ﷺ يصلي صلاة فقال: "الله أكبر كبيرًا، الله أكبر كبيرًا، الله أكبر كبيرًا، الحمد لله كثيرًا، الحمد لله كثيرًا وسبحان الله بكرةً وأصيلًا ثلاثًا، أعوذ بالله من الشيطان من نفخه ونفثه وهمزه"، قال: نفثه الشعر ونفخه الكبر وهمزه الموتة.
رواه الإمام أحمد وأبو داود واللفظ له وابن ماجه.
وأما حديث جابر فروى النسائي عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ كان إذا استفتح الصلاة كبّر ثم قال: "إن صلاتي ونسكي ومحياي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم اهدني لأحسن الأخلاق وأحسن الأعمال لا يهدي لأحسنها إلا أنت وقني سيئ الأعمال وسيئ الأخلاق ولا يقي سيئها إلا أنت".
стр. 1765
ورواه الدراقطني وعنده: ومحياي ومماتي.
وأما حديث ابن عمر فروى مسلم عن ابن عمر قال: بينما نحن نصلي مع رسول الله ﷺ إذ قال رجل في القوم: الله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا وسبحان الله بكرة وأصيلًا قال رسول الله ﷺ : "من القائل كلمة كذا وكذا"؛ فأرمَ القوم، فقال: "أيكم المتكلم بها فإنه لم يقل بأسًا" فقال رجل: جئت وقد حفزني النفس فقلتها، فقال: "لقد رأيت اثني عشر ملكًا يبتدرونها أيهم يرفعها". رواه مسلم.
وروى عبدة عند مسلم عن عمر بن الخطاب أنه كان يجهر بهؤلاء الكلمات يقول: "سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك" قال الغساني: عبدة بن أبي لبابة لم يسمع من عمر.
وفيه عند الدارقطني: وقال للأسود: رأيت عمر حين افتتح الصلاة كبر ثم قال: سبحانك اللهم وبحمدك إلى آخره ثم يتعوذ، وهو الذي أشار إليه الترمذي.
وفي الباب مما لم يذكره عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ يسكت بين التكبيرة وبين القراءة إسكاتة قال: أحسبه قال: هنيهة فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله إسكاتتك بين التكبيرة وبين القراءة ما تقول؛ قال: "أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد" أخرجاه واللفظ للبخاري.
وفيه عن رجل أنه سمع أبا أمامة الباهلي يقول: كان نبي الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة كبر ثلاث مرات ثم قال: "لا إله لا الله ثلاث مرات سبحان الله وبحمده" ثلاث مرات، ثم قال: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه"، رواه الإمام أحمد من طريق يعلى بن عطاء عن رجل، وفي رواية عن شيخ من أهل دمشق
стр. 1766
أنه سمع أبا أمامة.
وفيه عن سمرة وسيأتي عند الترمذي في باب آخر.
وفيه عن أنس الحديث الذي سبق عن ابن عمر وكلاهما عند مسلم، وفيه عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة كبَّر ثم رفع يديه حتى يحاذي إبهاماه أذنيه ثم يقول: "سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك".
رواه الدارقطني عن ابن صاعد عن الحسين بن علي بن الأسود العجلي عن محمد بن أبي الصلت نا أبو خالد الأحمر عن حميد عنه.
وفيه عن عمر بن الخطاب مثل اللفظ المذكور في حديث أنس وفيه: فإذا تعوذ قال: "أعوذ بالله من همز الشيطان ونفخه ونفثه"، ووي أيضًا موقوفًا هو الصواب قاله الدارقطني.
الثاني: في شيء من مفرداته:
الأولى: سبحانك: قال الراغب: السبح المر السريع في الماء أو في الهواء والتسبيح تنزيه الله تعالى وأصله المر السريع في عبادة الله تعالى، وجعل التسبيح عامًّا في العبادة قولا كان أو فعلًا أو نية.
وسبحان أصله مصدر مثل غفران، قال الله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إلا مَا عَلَّمْتَنَا﴾، وقول الشاعر:
وسبحان من علقمة الفاخر
قيل تقديره سبحان علقمة على طريق التهكّم فزاد فيه (من) ردًّا إلى أصله،
стр. 1767
وقيل أراد سبحان الله من أجل علقمة، فحذف المضاف إليه، والسبوح والقدوس من أسماء الله تعالى وليس في كلامهم فعُّول سواهما وقد يفتحان نحو سَلوب وسَمور، والسبحة التسبيح، وقد يقال في الخرزات التي يسبح بها: السبحة.
الثانية: اللهم: قيل معناه يا الله فأبدل من الياء الواقع في أوله الميمان في آخره وخصّ بدعاء الله تعالى، وقيل تقديره يا الله أمّنا بخير فركبا تركيب حيّهلا.
الثالثة: الحمد هو الثناء على الممدوح بصفاته الجميلة وأفعاله الحسنة، والشكر يتعلق بالإحسان الصادر منه، وقد تكلموا في العموم والخصوص بينهما مع أن المدح يعمهما معًا، والذي يتحرر أن الشكر يطلق على الفعل والقول جميعًا.
قال الله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ وقال ﵇ لما قام حتى تفطرت قدماه، فقيل له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؛ قال: "أفلا أكون عبدًا شكورًا"!
وقال الشاعر:
أفادتكم النعماء مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجبا
فهذا أعم بهذا الاعتبار.
والحمد يخص القول، فإذا نظرنا إليهما بالنسبة إلى القول خاصة كان الحمد أعم في هذا المحل لأنه يحمد على صفاته الجميلة وعلى الإحسان الصادر منه، يقال: حمدته على الشجاعة وعلى الإحسان، والشكر محله الإحسان.
وقال الخطابي: سألت الزجاج عن قوله: ﴿سبحانك اللهم وبحمدك﴾؛ فقال: سبحانك وبحمدك سبحتك.
الرابعة: تبارك اسمك: والبركة ثبوت الخير الإلهي في الشيء، قال تعالى:
стр. 1768
﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ وسمي بذلك لثبوت الخير فيه ثبوت الماء في البركة ويسمى محبس (١) الماء بِركة، والمبارك ما فيه ذلك الخير، وقوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ كل ذلك تنبيه على اختصاصه بالخيرات المذكورات مع تبارك وتبارك اسمك إشارة إلى اختصاص اسمائه تعالى بالبركات.
الخامسة: الجَدّ: قال أبو القاسم الراغب: الجد قطع الأرض المستوية ومنه جد في سيره يجد جدًّا وكذلك جد في أمره وأجد صار ذا جد، وتصور، ومنه جددت الأرض القطع الجرد فقيل جددت الثوب إذا قَطعته على جهة الإصلاح، وثوب جديد أصلة المقطوع ثم جعل لكل ما أحدث إنشاؤه قال تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ إشارة إلى الرجعة الثانية وذلك قولهم: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ وسمى الفيض الإلهي جدّا قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ أي فيضه وقيل عظمته وهو يرجع إلى المعنى الأول وإضافته إليه على سبيل اختصاصه بملكه.
وقوله ﷺ : "ولا ينفع ذا الجد منك الجد" أي لا يتوصل إلى ثواب الله تعالى في الآخرة بالجد إنما يتوصل إليه بالجد في الطاعة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ انتهى.
وقوله ﵇: "وتعالى جدك" هو ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ فما قيل هنالك مقول هنا.
السادسة: الهمز وقع في الحديث تفسير بماذا، ولم يقع تفسير الهمز ما هو؟
قال الراغب: الهمز كالعصر يقال همزت الشيء في كفي ومنه الهمز في
стр. 1769
الحروف، وهمز الإنسان اغتابه، قال : ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ يقال: رجل هامز وهمّاز وهمزة، قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ وقال الشاعر:
وإن أغيب فأنت الهامز اللمزة
وقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ وأما تفسير الهمز والنفث والنفخ الذي وقع بالموتة والشعر والكبر كما تقدم غير منسوب إلى قائله، فقد روينا الخبر عن أبي سعيد الخدري بذلك من طريق الدارمي أنا زكريا بن عدي أنا جعفر بن سليمان به ثم قال عند تمامه قال جعفر: وفسره مطر: همزه الموتة ونفثه الشعر ونفخه الكبر.
وقال الراغب: والمُوتة شبه الجنون كأنه من موت العلم والعقل ومنه رجل موتان القلب وامرأة موتانة.
السابعة: النفث: قذف الريق القليل، وهو أقل من التفل ونفث الراقي والساحر أن ينفث في عُقَده، قال تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ ومنه الحية تنفث السمّ وقيل: لو سألته نفاثة سواك ما أعطاك أي: ما بقي في أسنانك فنفثت ودم نفثت نفثه الجرح وفي المثل: لا بد للمصدور أن ينفث.
الثامنة: النفخ: نفخ الريح في الشيء، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ وقال ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾ ومنه نفخ الروح في النشأة الأولى، قال تعالى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ ويقال انتفخ بطنه ومنه استعير انتفخ النهار إذا ارتفع ورجل منفوخ أي سمين. انتهى.
وتفسير الهمز والنفث والنفخ بما فسر به من باب المجاز.
стр. 1770
الوجه الثالث في الفوائد والمباحث:
فيه مسائل:
الأولى: اختلف الناس في استحباب أدعية الافتتاح في الصلاة، فقال بالاستحباب جمهور العلماء أخذًا بأحاديث الباب، وقال مالك: لا يأتي بدعاء الاستفتاح، ولا بشيء من القراءة والتكبير أصلًا بل يقول: الله أكبر الحمد لله رب العالمين إلى آخر الفاتحة، وله: حديث أنس كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين، وحديث المسيء صلاته حين قال له رسول الله ﷺ : "إذا أردت الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن" وكلاهما صحيح.
ويمكن أن يجاب عن الأول بأن المراد افتتاح القراءة وكذلك في بعض ألفاظه: يفتتحون الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين.
وأما حديث المسيء صلاته فبأن النبي ﵇ إنما علمه الفرائض فقط، وهذا ليس منها، وأدعية الافتتاح ثابتة لا يُعارَض ثبوتها بسكوت من لم يذكرها ولا بنفي من نفاها، على أنه ليس في الخبرين ما يقتضي نفيها، ولو كان لكان من أثبت حجة على من نفى، وافتتاح القراءة بالحمد لله رب العالمين لا يدخل تحته الدعاءُ قبل القراءة، لأن مسمّى القراءة غير مسمى الدعاء، فقد كان ﵇ يفتتح الصلاة بالتكبير، ثم يذكر ما صح عنه من الذكر، ثم يفتتح القراءة بالحمد لله رب العالمين، فالذكر هنا زيادة على تلك الأخبار جاءت عن ثقات ولا سبيل إلى ردها إلا بمعارض ينهض بذلك، وقد روي ذلك عن جماعة من الصحابة والتابعين والعلماء، منهم عمر وابن مسعود وعلي بن أبي طالب ﵇ وابن عمر وطاوس، وهو قول الأوزاعي وسفيان وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم.
стр. 1771
الثانية: قال أصحابنا: يستحب لكل مصل من إمام ومأموم ومنفرد وامرأة وصبي ومسافر وقائم وقاعد ومضطجع، من مفترض أو متنفل أن يأتي به عقيب تكبيرة الإحرام، فلو تركه عمدًا أو سهوًا حتى شرع في التعوذ لم يعد إليه، وقال الشيخ أبو حامد في "تعليقه": يعود إليه من التعوذ، والمذهب الأول، لكن لو خالف فأتى به لم تبطل صلاته.
لأنه ذكر والذكر لا يقطع الصلاة، ولو أحرم مسبوق فأمن الإمام عقيب إحرامه أمن من معه ثم أتى بالاستفتاح، لأن التأمين يسير، ولو أدركه في التشهد لا يأتي به قاعدًا لفوات محله.
الثالثة: هذا الذي ذكرناه من حكم دعاء الاستفتاح، تدخل فيه النوافل المطلقة والمرتبة والعيد والكسوف والاستسقاء وغيرها ويستثنى منه موضعان:
أحدهما: صلاة الجنازة، فيه وجهان:
أحدهما: لا يشرع لأنها مبنية على الاختصار، الثاني: يستحب كغيرها.
الثاني: المسبوق إذا أدرك الإمام في غير القيام لا يأتي به كما سبق في المسالمة قبل هذا، وله فروع ليس هذا موضعها.
الرابعة: اختلف القائلون بالاستفتاح في الدعاء المستفتح به ما هو؟
فذهب سفيان الثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي إلى ما رويناه عن عمر بن الخطاب وابن مسعود.
وذهب الشافعي إلى ما روي عن علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه في الجنة)، حكاه ابن المنذر وقال: وأنا إلى حديث علي أميل وأي ذلك قال يجزئه.
الخامسة: قال بعض الظاهرية: ولا يقولها المأموم يعني أدعية الافتتاح لأن فيها
стр. 1772
شيئًا من القرآن، وقد نهى النبي ﵇ أن يقرأ خلف الإمام إلا أم القرآن فقط، قال: فإن دعا بعد قراءة أم القرآن في حال سكتة الإمام بما روي عن النبي فحسن. انتهى.
أما قوله: لأن فيها شيئًا من القرآن فليس ذلك إلا فيما روي عن علي.
وأما ما روي عن أبي سعيد وما روي عن عائشة وما روي عن عمر وابن مسعود من قولهما فليس في ذلك كله شيء من القرآن، وأما تأخيره ذلك إلى أن تنقضي قراءة الفاتحة فتأخير له عن محله وكيف يكون افتتاحًا وقد افتتح بغيره.
* * *
стр. 1773
٦٦ - باب ما جاء في ترك الجهر بـ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
حدثنا أحمد بن منيع ثنا إسماعيل بن إبراهيم ثنا سعيد الجُريري عن قيس بن عباية عن ابن عبد الله بن مغفل: سمعني أبي وأنا أقول: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فقال: أي بني محدّث إياك والحدث قال: فلم أر أحد من أصحاب رسول الله ﷺ كان أبغض إليه من الحدث في الإسلام، يعني منه. قال: وقد صليت مع النبي ﷺ ومع أبي بكر ومع عمر ومع عثمان فلم أسمع أحدًا منهم يقولها فلا تقلها، إذا أنت صليت فقل: الحمد لله رب العالمين.
قال أبو عيسى: حديث عبد الله بن مغفل حديث حسن.
والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم ومن بعدهم من التابعين وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق لا يرون أن يجهر ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قالوا ويقولها في نفسه.
* * *
стр. 1774
٦٧ - باب من رآى الجهر بـ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
حدثنا أحمد بن عبدة الضبي ثنا المعتمر بن سليمان قال حدثني إسماعيل بن حماد عن أبي خالد عن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ يفتتح صلاته ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
قال أبو عيسى: هذا حديث ليس إسناده بذاك، وقد قال بهذا عدة من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، منهم أبو هريرة وابن عمر وابن الزبير ومن بعدهم من التابعين رأوا الجهر ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وبه يقول الشافعي.
وقال: إسماعيل بن حمّاد هو ابن أبي سليمان.
وأبو خالد يقال: هو أبو خالد الوالبي واسمه هرمز وهو كوفي.
* * *
стр. 1775
٦٨ - باب ما جاء في افتتاح القراءة بـ: الحمد لله رب العالمين
ثنا قتيبة ثنا أبو عوانة عن قتادة عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم كانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين.
قال الشافعي: إنما معنى هذا الحديث أن النبي وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين معناه أنهم كانوا يبدؤون بقراءة فاتحة الكتاب قبل السورة، ليس معناه أنهم كانوا لا يقرؤون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وكان الشافعي يرى أن يبدأ ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ تجهر بها.
* الكلام على هذه الأبواب:
فلما كانت هذه الأبواب الثلاثة تتعلق بالإتيان بالبسملة قبل الفاتحة جهرًا أو إسرارًا أو بعدم الإتيان بها، رأينا أن يكون الكلام عليه في باب واحد لأخذ بعض الكلام فيها بأطراف بعض، فأما ما يتعلق بالأحاديث الواردة في الأبواب الثلاثة والكلام عليها من حيث الإسناد فنقول بالله التوفيق:
أما حديث ابن مغفل فرواه النسائي أيضًا وهو مشهور من حديث سعيد الجريري غريب عمن فوقه فيما تفرد به الجريري عن أبي نعامة قش بن عباية وهما ثقتان إلا أن الجريري اختلط بآخره، وقيل تفرد به أبو نعامة عن ابن مغفل وقد توبع الجريري عليه وهو من أفراد ابن مغفل وعليه مداره، وذكر أن اسمه يزيد وهو مجهول لا يعرف روى عنه إلا أبو نعامة المذكور، وقد روي من وجوه كما ذكر الترمذي عن
стр. 1776
سعيد الجريري عن قيس بن عباية.
ورواه معمر عن الجريري قال: أخبرني من سمع ابن عبد الله بن مغفل ورواه إسماعيل بن مسعود عن خالد بن عبد الله الواسطي عن عثمان بن غياث عن أبي نعامة لم يذكر الجريري، إسماعيلُ بن مسعود.
إسماعيل بن مسعود هذا هو الجحدري أخو الصلت بن مسعود.
قال: أبو حاتم صدوق.
رواه عنه النسائي فعثمان بن غياث متابع للجريري على روايته عن أبي نعامة.
وعثمان بن غياث وثقه أحمد ويحيى، روى له البخاري ومسلم.
ورواية معمر عن الجريري أخبرني من سمع ابن بريدة يحتمل أن يكون أبا نعامة وأن يكون غيره وقد حسن الترمذي هذا الحديث، وقال ابن خزيمة: هو غير صحيح، وقال ابن عبد البر: ابن عبد الله بن مغفل مجهول والمجهول لا تقوم به حجة، وقال الخطيب وغيره: ضعيف.
قال النووي: ولا يَرِدُ على هؤلاء الحفاظ قول الترمذي إنه حسن. انتهى.
والحديث عندي ليس معللًا بغير الجهالة في ابن مغفل وهي جهالة حالية لا عينية للعلم بوجوده، فقد كان لعبد الله بن مغفل سبعة أولاد سمّى هذا منهم يزيد وما رمي بأكثر من أنه لم يرو عنه إلا أبو نعامة فحكمه حكم المستور، وأما الترمذي فإنه لما عرف بالحسن عنده قال: هو الذي لا يتهم رواية بكذب وليس في رواة هذا الخبر من يتهم بكذب فهو جارٍ على رسم الحسن عنده، وأما تعليله بجهالة ابن عبد الله بن مغفل فما أراه يخرجه عن رسم الحسن عند الترمذي ولا غيره إذ الجهالة كما ذكرنا، وأما قول من قال: غير صحيح، فكل حسن كذلك.
стр. 1777
وفيه حديث أنس الذي ذكره الترمذي وصححه وهو أيضًا مخرج في الصحيح، وقد رواه الدارقطني وفيه: فلم أسمع أحدًا منهم يجهر ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، رواه سفيان الثوري وغيره عن خالد الحذاء عن أبي نعامة الحنفي عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر لا يجهرون ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
قال سفيان: كانوا يسرون بها، وهكذا رواية أبي قلابة والحسن وعائذ بن شريح عن أنس، وكذلك رواه جماعة من أصحاب قتادة عن قتادة عن أنس.
وفيه عن عائشة ﵂ من طريق ابن أبي عروبة عن بديل بن ميسرة عن أبي الجوزاء عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين. رواه مسلم إلا أن أبا الجوزاء يقال: لا يعرف له سماع من عائشة.
وفيه عن أبي هريرة من وجوه منها ما رواه بشر بن رافع أبو الأسباط الحارثي يمامي قال حدثني ابن عم أبي هريرة أنه سمع أبا هريرة يقول: كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين. أخرجه ابن ماجه من حديث بشر، وبشر ضعفه غير واحد وأحاديثه عندهم غير مقبولة يكنى أبا الأسباط الحارثي.
وعند يحيى بن معين والنسائي أن أبا الأسباط غيره، قال الحافظ عبد الغني المقدسي: وإن كانا اثنين فإن أحاديث بشر بن رافع أنكر من أحاديث أبي الأسباط.
وقال: ابن عدي هو مقارب الحديث لا بأس بأخباره ولم أجد له حديثًا منكرًا.
وابن عم أبي هريرة اسمه عبد الرحمن بن الصامت الدوسي، روى عنه أبو الزبير المكي، روى له أبو داود والنسائي وثقه ابن حبان.
стр. 1778
ومنها ما رواه عبد الواحد بن زياد عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ كان إذا نهض في الثانية استفتح بالحمد لله رب العالمين ولم يسكت، والحديث عند أبي داود والنسائي وابن ماجه من حديث عبد الواحد وغيره عن عمارة، وليس عند أبي داود إلا السكتة في الركعة الأولى وذكر دعاء الاستفتاح فيها وكذلك هو عند ابن ماجه بلفظ أبي داود وعند النسائي من هذا الوجه عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ كانت له سكتة إذا افتتح الصلاة.
ومنها حديث العلاء بن عبد الرحمن روى مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة أنه سمعه يقول: سمعت أبا هريرة يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله ﵎: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل" قال رسول الله ﷺ : "اقرؤوا: يقول العبد. الحمد لله رب العالمين يقول الله : حمدني عبدي يقول العبد: الرحمن الرحيم يقول الله تعالى: أثنى علي عبدي يقول العبد: مالك يوم الدين يقول الله: مجّدني عبدي يقول العبد: إيّاك نعبد وإياك نستعين فهذه الآية بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، ويقول العبد: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل".
رواه مسلم وهو مشهور من حديث العلاء بن عبد الرحمن مختلف عليه فيه فكرواية مالك رواه ابن جريج ومحمد بن إسحاق ومحمد بن عجلان والوليد بن كثير والليث بن سعد عنه عن أبي السائب عن أبي هريرة إلا أن الليث قال: عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "أيّما رجل صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج هي خداج غير تمام".
стр. 1779
قال: فقلت: إني لا أستطيع أن أقرأ مع الإمام، قال: اقرأ بها في نفسك، فإن الله يقول: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ... " وذكر تمام الخبر، فلم يرفع منه إلا قوله (خداج غير تمام)، ومالك أحفظ وزيادته مقبولة وقد تابعه عليها من ذكرناه.
ورواه سفيان الثوري وابن عيينة عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة، فأبدلوا أبا السائب بأبي العلاء بن عبد الرحمن وكلاهما ثقة فلا يضر هذا الخلف، وأيضًا فقد جمع بينهما أبو أويس فرواه عن العلاء عن أبيه وأبي السائب جميعًا عن أبي هريرة أخرجه الترمذي في التفسير كذلك من حديثه عنهما، وتابعه عباد بن صهيب على ذلك وهو أضعف منه، ومتابعتهما هذه وإن كانت مستغنى عنها فلا تخلو مع ضعفها من تقوية ما للحديث فلم تأت إلا بأمر محتمل وقد تقدم الكلام على العلاء بن عبد الرحمن بما يغني عن الإعادة هاهنا.
وقد روى منصور بن أبي مزاحم ثنا أبو أويس عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ كان لا يجهر ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
وأما الجهر ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ففيه حديث ابن عباس المخرج عند الترمذي وقد أعله ورواه الدارقطني ورواه إسحاق بن راهويه عن المعتمر عنه وذكره الساجي عن يحيى بن حبيب بن عربي عن معتمر أيضًا كما رواه الترمذي مرفوعًا.
وإسماعيل بن حماد بن أبي سليمان راويه عند الترمذي وثقه يحيى بن معين وقال أبو حاتم: يكتب حديثه.
وأبو خالد الوالبي اسمه هرمز وقيل هرم سمع ابن عباس وأبا هريرة وجابر بن سمرة، روى عن علي مرسلًا.
روى عنه منصور بن المعتمر والأعمش وفطر بن خليفة وإسماعيل بن حماد بن
стр. 1780
أبي سليمان.
قال أبو حاتم: صالح الحديث، قال أبان بن عثمان: مات سنة مائة، روى له أبو داود والترمذي وابن ماجه.
قال أبو عمر: الصحيح في هذا الحديث أنه روي عن ابن عباس من فعله لا مرفوعًا إلى النبي ﷺ . روى وكيع عن سفيان عن عاصم بن أبي النجود عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: أنه كان يجهر ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
ورواه عمرو بن دينار وعكرمة وغيرهما عن ابن عباس كذلك، وقال الحاكم: هذا إسناد صحيح وليس له علة.
وفيه عن أم سلمة أن النبي ﷺ قرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في أول الفاتحة في الصلاة وعدها آية، ذكره النووي بهذا اللفظ وقال: صححه ابن خزيمة، وروي من حديث عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة عن أم سلمة ذكرت قراءة النبي ﷺ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين عند أبي داود عن سعيد بن يحيى الأموي، وعند الترمذي في القراءة عن علي بن حجر كلاهما عن يحيى بن سعيد الأموي عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة ولم يذكر الترمذي التسمية وقال: غريب وليس إسناده بمتصل، لأن الليث روى شيئًا منه عن ابن أبي مليكة عن يعلى بن مالك به، ذكره الترمذي في فضائل القرآن وصححه هناك من ذلك الوجه وليس فيه التسمية.
وفيه حديث نعيم الجمر قال: صليت وراء أبي هريرة فقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ثم قرأ بأم القرآن حتى بلغ ولا الضالين فقال: آمين وقال الناس آمين الحديث، وفيه: ويقول إذا سلم: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ . رواه النسائي في الصلاة عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عن شعيب بن الليث بن سعد عن أبيه عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن نعيم به، وهؤلاء
стр. 1781
إلى خالد بن يزيد كلهم من أهل الثقة والعلم والفتوى، وكان خالد من أهل الفتوى ثقة ومن أجلّ أصحاب مالك.
وسعيد بن أبي هلال ونعيم المجمر ثقتان مخرج لهما في الصحيح، وقد صحح هذا الحديث ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وقال: على شرط البخاري ومسلم، والبيهقي قال: صحيح الإسناد، وله شواهد.
وأبو بكر الخطيب قال فيه: ثابت صحيح لا يتوجه عليه تعليل وذكره أبو عمر من طرق متعددة كلها يرجع إلى سعيد بن أبي هلال وقال: حديث سعيد هذا يعارض حديث العلاء (اقرأ بها في نفسك) وليس سعيد الذي يدور عليه هذا الحديث بدون العلاء.
وفيه ما روى الدارقطني (١): نا أبو طالب الحافظ نا أحمد بن محمد بن منصور بن أبي مزاحم نا جدي نا أبو أويس.
ونا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الفارسي نا عثمان بن خرزاذ نا منصور بن أبي مزاحم من كتابه ثم محاه بعد: نا أبو أويس عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه كان إذا قرأ وهو يؤم الناس افتتح ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قال أبو هريرة: هي اية من كتاب الله، اقرؤوا إن شئتم فاتحة الكتاب فإنها الآية السابعة. وفي رواية: أن النبي ﷺ كان إذا أمّ الناس قرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قال الدارقطني: رجال إسناده كلهم ثقات (٢)، وقد تقدم ذكر حديث منصور بن أبي مزاحم هذا من هذا الطريق أن النبي ﷺ كان لا يجهر ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ومن عند أبي عمر أورده مقطوعًا ولا يعارضه لأنه ليس فيه نفي [ذكر]
стр. 1782
البسملة وإنما تضمن نفي الجهر بها وقد أطلق الدارقطني على رجاله الثقة ومنهم أبو أويس وهو عبد الله بن عبد الله الأصبحي، اختلفت الروايات عن ابن معين فيه بتضعيفه وتوثيقه، وفي رواية عنه: صالح ولكن ليس حديثه بذاك الجائز، ووقال ابن المديني: كان عند أصحابنا ضعيفًا، وقال عمرو بن علي: فيه ضعف وهو عندهم من أهل الصدق، وتكلم فيه غيرهم.
وقال الدارقطني: في بعض حديثه عن الزهري شيء.
وقال ابن عدي: يكتب حديثه.
قال ابن قانع: مات سنة ست وسبعين ومائة (١).
روى له الجماعة إلا البخاري.
وقول الدارقطني: رجال إسناده كلهم ثقات لم أجده في أصل العتيق من "سننه" وإنما نقلته من كلام النووي وليس داخلًا في سماعي، وللشيخ أبي الحسن كتاب في الجهر ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يمكن أن يكون ذلك فيه لكنه عزاه إلى "سننه" فهو ثابت في غير طريقنا.
وفيه من طريق أبي هريرة أيضًا قال الدارقطني نا يحيى بن محمد بن صاعد ومحمد بن مخلد قالا: نا جعفر (٢) بن مكرم حدثنا أبو بكر الحنفي نا عبد الحميد بن جعفر أخبرني نوح بن أبي بلال عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قرأتم الحمد فاقرؤوا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، إنها أم
стр. 1783
القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني وبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إحداها (١) ".
قال أبو بكر الحنفي: ثم لقيت نوحًا فحدثني عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة بمثله ولم يرفعه. انتهى.
قال أبو الفتح: جميع رواته ثقات.
جعفر بن مكرم، قال ابن أبي حاتم: صدوق.
وأبو بكر الحنفي عبد الكبير بن عبد المجيد روى له البخاري ومسلم ووثقه غير واحد.
وعبد الحميد بن جعفر وثقه ابن معين وابن سعد، وقال أحمد والنسائي: لا بأس به، روى له مسلم.
ونوح بن أبي بلال وثقه أحمد ويحيى وأبو حاتم الرازي، وقال أبو زرعة والنسائي: لا بأس به.
فلم يبق فيه إلا تردد نوح بن أبي بلال فيه ووقفه إياه أخيرًا (٢).
وفيه عن علي بن أبي طالب وعمار بن ياسر: أن النبي ﷺ كان يجهر في المكتوبات ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ذكرها الدارقطني من طرق تدور على جابر
стр. 1784
الجعفي وإبراهيم بن الحكم بن ظهير وغيرهما ممن لا يعول عليه لا حاجة إلى ذكرها.
وفيه عن ابن عمر من طرق أحدها ما رواه الشيخ أبو الحسن قال: نا عمر بن الحسن بن علي الشيباني نا جعفر بن محمد بن مروان ثنا أبو الطاهر أحمد بن عيسى ثنا ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن نافع عن ابن عمر قال: صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر فكانوا يجهرون ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
عمر بن الحسن الشيباني يعرف بالأشناني القاضي وثقه بعضهم وتكلم فيه آخرون.
وجعفر بن محمد بن مروان لا أدري من هو.
وأبو الطاهر أحمد بن عيسى ذكره ابن أبي حاتم ونسبه إلى محمد بن عمر بن أبي طالب العلوي، روى عن ابن أبي فديك وابنه، روى عنه أبو يونس المدني (١)، وبقية من في الإسناد معروفون.
وفيه عن ابن عمر أيضًا عن النبي ﷺ أنه كان إذا قام في الصلاة فأراد أن يقرأ قال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ذكره أبو عمر من طريق علي بن حجر ثنا عبيد الله بن عمرو الرقي عن عبد الكريم الجزري عن أبي الزبير عن عبد الله بن عمر فذكره ثم قال: وقد رواه غيره أيضًا عن ابن عمر ولا يثبت فيه إلا أنه موقوف على ابن عمر من فعله، كذا رواه سالم ونافع ويزيد الفقير وذكره عن غيرهم أيضًا.
وفيه عن أم سلمة بنحو مما تقدم قال الدارقطني (٢) نا محمد بن القاسم بن زكريا نا عباد بن يعقوب نا عمر بن هارون ونا عبيد الله بن محمد بن عبد العزيز ثنا
стр. 1785
إبراهيم بن هانئ ثنا محمد بن سعيد بن الأصبهاني ثنا عمر بن هارون البلخي عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن أم سلمة: أن النبي ﷺ كان يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين، اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقطعها آية آية وعدها عد الأعراب وعد بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آية ولم يعد عليهم.
رواته موثقون (١)، فالبغوي معروف وابن هانئ قال ابن أبي حاتم: ثقة صدوق، وابن الأصبهاني روى عنه البخاري، وعمر بن هارون وثق فيه مقال، وقد تقدم عن الترمذي من حديث يحيى بن سعيد الأموي عن ابن جريج وهو أوثق من عمر بن هارون، لكن لم يذكر فيه التسمية فلذلك ذكرته من هذا الوجه، وفيه ما سبق من الإعلال بالانقطاع.
وفيه عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "كيف تقرأ إذا قمت في الصلاة"؟ قلت: أقرأ الحمد لله رب العالمين، قال: "قل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" رواه الشيخ أبو الحسن عن أبي بكر النيسابوري ثنا إبراهيم بن إسحاق الحربي ثنا إسماعيل بن عيسى نا عبد الله بن نافع الصايغ ثنا الجهم بن عثمان عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر.
الجهم بن عثمان ذكر ابن أبي حاتم أنه سأل أباه عنه فقال: مجهول.
وإسماعيل بن عيسى في هذه الطبقة رجل بغدادي يقال له العطار ذكره ابن أبي حاتم ولم يعرض له بجرح ولا تعديل وذكره الخطيب فوثقه وقال: مات سنة اثنتين وثلاثين وماثتين.
стр. 1786
وفيه عن سمرة قال الدارقطني: ثنا إبراهيم بن حماد ثنا جعفر بن محمد بن شاكر نا عفان نا حماد بن سلمة عن الحسن عن سمرة قال: كان للنبي ﷺ سكتتان سكتة إذا قرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وسكتة إذا فرغ من القراءة. فأنكر ذلك عمران بن الحصين فكتبوا إلى أبي بن كعب فكتب: أن صدق سمرة.
هذا إسناد جيد وفيه الحسن عن سمرة والكلام فيه معروف غير أن هذا الحديث من هذه الطريق عند الترمذي وأبي داود وغيرهما ولفظه: سكتة حين يفتتح الصلاة وسكتة إذا فرغ من السورة الثانية قبل أن يركع، وفي رواية: سكتة إذا كبر وسكتة إذا فرغ من غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
وكما ذكره الدارقطني ذكره أبو عمر بلفظه من حديث قاسم بن أصبغ نا جعفر بن محمد بن شاكر به، رواه عن عبد الوارث بن سفيان عن قاسم وهو إسناد صحيح.
وفيه عن أنس عند الدارقطني من جهة المعتمر بن سليمان عن أبيه عن أنس قال: كان النبي ﷺ يجهر بالقراءة ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
وعنده من طريق محمد بن أبي السري عن المعتمر عن أبيه عن أنس عن النبي ﷺ في معناه أخرجه الحاكم في مستدركه. وأخرج الحاكم من حديث شريك عن أنس: سمعت رسول الله ﷺ يجهر ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
قال: رواته كلهم ثقات.
وفيه عن علي: كان النبي ﷺ يقرأ ببسم الله في صلاته. أخرجه الدارقطني، وقال: هذا إسناد علوي لا بأس به ثم ذكر عن عبد خير عن علي أنه سئل عن السبع المثاني فقال: الحمد لله رب العالمين قيل: إنما هي ست، فقال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. إسناده كلهم ثقات.
стр. 1787
وفيه عن عائشة من طريق القاسم بن محمد عنها أن رسول الله ﷺ كان يجهر ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، رواه عن القاسم: الحكم بن عبد الله بن سعد، وقد تكلم فيه غير واحد.
وفيه عن بريدة بن الحصيب من طريق جابر الجعفي وليس بشيء، ومن طريق أخرى فيها سلمة بن صالح الأحمر وهو ذاهب الحديث.
وفيه عن الحكم بن عمرو وغيره من طرق لا يعول عليها لم أر لذكرها وجهًا.
وأما أحاديث افتتاح القراءة بالحمد لله رب العالمين، فإن من لا يجهر بالبسملة، اختلفوا في عدم الإتيان بها مطلقًا أو في عدم الإتيان بها جهرًا وأن يأتوا بها سرًّا على مذهبين لاختلاف ألفاظ الأحاديث الواردة في عدم الجهر بها كما سيأتي وقد سبق في أول الباب حديث عبد الله بن مغفل وما يقرب منه وسنذكر شيئًا مما يمكن أن يستدل به لكل من المذهبين مما لم يسبق له هناك ذكر.
فمن ذلك ما روى مالك في "الموطأ" عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب أن أبا سعيد مولى عامر بن كريز أخبره أن رسول الله ﷺ نادى أبي بن كعب وهو يصلي فلما فرغ من صلاته لحقه فوضع رسول الله يده على يده وهو يريد أن يخرج من باب المسجد فقال: "إني أرجو أن لا تخرج من المسجد حتى تعلّم سورة ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الفرقان مثلها". قال أبي: فجعلت أبطئ في المشي رجاء ذلك، ثم قلت: يا رسول الله السورة التي وعدتني قال: "كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة"؟ قال: فقرأت عليه الحمد لله رب العالمين حتى أتيت على آخرها، فقال رسول الله ﷺ : "هي هذه السورة والسبع المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيت".
وذكر أبو بكر بن أبي شيبة ثنا غندرعن خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي لسعيد بن المعلى قال: كنت أصلي فرآني النبي ﵇ -
стр. 1788
فدعاني فلم آته حتى صليت فقال: ما منعك أن تأتي؟ قلت: كنت أصلي! قال: "ألم يقل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ " ثم قال: "ألا أعلمك سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد"، قال: فذهب النبي ليخرج فأدركته فقال: "الحمد لله رب العالمين وهي السبع الثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته".
وفيه من حديث أنس بغير اللفظ السابق قال: صليت مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. رواه مسلم، وفي لفظ له: فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في أول قراءة ولا في آخرها.
وروى الطبراني (١) ثنا .... ثنا محمد بن أبي السري ثنا معتمر بن سليمان عن أبيه عن الحسن عن أنس: أن النبي ﷺ كان يسر ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وأبو بكر وعمر ﵄، رواه أبو جعفر محمد بن عبد الرحمن .... (٢).
قال الراوي عنه: الثقة المأمون، عن عبد الله بن وهيب بإسناده.
وقد اختلفت ألفاظ الناقلين لحديث قتادة عن أنس الصحيح الثابت رفعه عن قتادة عنه [عمن] ذكر فيه عن أنس أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان، فبعضهم يذكر عثمان وبعضهم يسقطه وبعضهم يقول: يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين، منهم أيوب بن أبي تميمة وهشام الدستوائي من رواية مسلم بن إبراهيم ومن
стр. 1789
طريق يحيى بن سعيد عنه أيضًا وشيبان بن عبد الرحمن وسعيد بن أبي عروبة ووكيع وأبي عوانة والأوزاعي.
وأما شعبة عنه فقال بعد ذكر عثمان: فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هكذا في رواية غندر عنه وفي رواية علي بن الجعد عن شعبة وشيبان عن قتادة: فلم أسمع أحدًا منهم يجهر.
وفي رواية لوكيع: فلم أسمعهم يجهرون، وكذلك رواه الأسود بن عامر وعبد الرحمن بن زياد الرصاصي عن شعبة، ورواه إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس فلكهم كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين، كذا رواه محمد بن كثير عن الأوزاعي عن إسحاق، وزاد الوليد عن الأوزاعي: لا يقرؤون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في أول السورة ولا في آخرها.
ورواه أبو قلابة الجرمي عن أنس من حديث الثوري عن خالد الحذاء عن أبي قلابة: لا يجهرون كذا رواه يحيى بن آدم عن الثوري وعبيد الله الأشجعي عن الثوري، ورواه الفريابي عن الثوري عن خالد الحذاء عن أبي نعامة عن أنس قال: كان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر لا يقرؤون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قال سفيان: يعني لا يجهرون بها.
وهذا الخلف على سفيان لا يضر لثقة كل من أبي قلابة وأبي نعامة، ويمكن أن يكون خالد الحذاء سمعه منهما فحدث به الثوريّ مرة عن أبي قلابة ومرة عن أبي نعامة، ورواه مالك بن دينار عن أنس: فكانوا يفتتحون، ورواه يزيد الرقاشي عن أنس؛ فلم نسمع أحدًا منهم يجهر ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
ورواه النسائي من حديث منصور بن زاذان عن أنس: صلى بنا رسول الله
стр. 1790
- ﷺ فلم يسمعنا قراءة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلّى بنا أبو بكر وعمر فلم نسمعها منهما، وروي عن الحسن عن أنس.
فبعض أصحاب الحسن يقول عنه: فلم أسمعهم يجهرون ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وبعضهم يقول فيه عن الحسن عن أنس: فكان النبي ﷺ يسر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وأبو بكر وعمر.
ورواه عائذ بن شريح عن أنس فقال: فلم يجهروا.
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يجهر بقراءة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وكان المشركون يقولون: تراه يدعو إلى إله أهل اليمامة يعنون مسيلمة، وكانوا يسمونه الرحمن، وكانوا يهزؤون فنزلت: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ فما جهر رسول الله ﷺ ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بعد.
وقد اختلف في تأويل هذه الآية.
وعن ابن مسعود ﵁ قال. ما جهر رسول الله ﷺ في صلاة مكتوبة ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ولا أبو بكر ولا عمر، رواه محمد بن جابر اليمامي عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم عنه.
ابن جابر ضعيف وإبراهيم لم يسمع من ابن مسعود.
وسئل الدارقطني بمصر حين صنف كتاب الجهر بالبسملة فقال: لم يصح في الجهر بها حديث.
وأما اختلاف الآثار في ذلك مما ذكره ابن أبي شيبة وعبد الرزاق ووكيع في مصنفاتهم بأسانيدهم وغيرهم عن الصحابة والتابعين، فمنها ما روي عن عمر بن الخطاب، قال أبو عمر: من وجوه ليست بالقائمة أنه قال: يخفي الإمام أربعًا: التعوذ وبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وآمين وربنا لك الحمد.