وفيه عن سمرة قال الدارقطني: ثنا إبراهيم بن حماد ثنا جعفر بن محمد بن شاكر نا عفان نا حماد بن سلمة عن الحسن عن سمرة قال: كان للنبي ﷺ سكتتان سكتة إذا قرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وسكتة إذا فرغ من القراءة. فأنكر ذلك عمران بن الحصين فكتبوا إلى أبي بن كعب فكتب: أن صدق سمرة.
هذا إسناد جيد وفيه الحسن عن سمرة والكلام فيه معروف غير أن هذا الحديث من هذه الطريق عند الترمذي وأبي داود وغيرهما ولفظه: سكتة حين يفتتح الصلاة وسكتة إذا فرغ من السورة الثانية قبل أن يركع، وفي رواية: سكتة إذا كبر وسكتة إذا فرغ من غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
وكما ذكره الدارقطني ذكره أبو عمر بلفظه من حديث قاسم بن أصبغ نا جعفر بن محمد بن شاكر به، رواه عن عبد الوارث بن سفيان عن قاسم وهو إسناد صحيح.
وفيه عن أنس عند الدارقطني من جهة المعتمر بن سليمان عن أبيه عن أنس قال: كان النبي ﷺ يجهر بالقراءة ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
وعنده من طريق محمد بن أبي السري عن المعتمر عن أبيه عن أنس عن النبي ﷺ في معناه أخرجه الحاكم في مستدركه. وأخرج الحاكم من حديث شريك عن أنس: سمعت رسول الله ﷺ يجهر ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
قال: رواته كلهم ثقات.
وفيه عن علي: كان النبي ﷺ يقرأ ببسم الله في صلاته. أخرجه الدارقطني، وقال: هذا إسناد علوي لا بأس به ثم ذكر عن عبد خير عن علي أنه سئل عن السبع المثاني فقال: الحمد لله رب العالمين قيل: إنما هي ست، فقال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. إسناده كلهم ثقات.
стр. 1787
وفيه عن عائشة من طريق القاسم بن محمد عنها أن رسول الله ﷺ كان يجهر ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، رواه عن القاسم: الحكم بن عبد الله بن سعد، وقد تكلم فيه غير واحد.
وفيه عن بريدة بن الحصيب من طريق جابر الجعفي وليس بشيء، ومن طريق أخرى فيها سلمة بن صالح الأحمر وهو ذاهب الحديث.
وفيه عن الحكم بن عمرو وغيره من طرق لا يعول عليها لم أر لذكرها وجهًا.
وأما أحاديث افتتاح القراءة بالحمد لله رب العالمين، فإن من لا يجهر بالبسملة، اختلفوا في عدم الإتيان بها مطلقًا أو في عدم الإتيان بها جهرًا وأن يأتوا بها سرًّا على مذهبين لاختلاف ألفاظ الأحاديث الواردة في عدم الجهر بها كما سيأتي وقد سبق في أول الباب حديث عبد الله بن مغفل وما يقرب منه وسنذكر شيئًا مما يمكن أن يستدل به لكل من المذهبين مما لم يسبق له هناك ذكر.
فمن ذلك ما روى مالك في "الموطأ" عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب أن أبا سعيد مولى عامر بن كريز أخبره أن رسول الله ﷺ نادى أبي بن كعب وهو يصلي فلما فرغ من صلاته لحقه فوضع رسول الله يده على يده وهو يريد أن يخرج من باب المسجد فقال: "إني أرجو أن لا تخرج من المسجد حتى تعلّم سورة ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الفرقان مثلها". قال أبي: فجعلت أبطئ في المشي رجاء ذلك، ثم قلت: يا رسول الله السورة التي وعدتني قال: "كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة"؟ قال: فقرأت عليه الحمد لله رب العالمين حتى أتيت على آخرها، فقال رسول الله ﷺ : "هي هذه السورة والسبع المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيت".
وذكر أبو بكر بن أبي شيبة ثنا غندرعن خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي لسعيد بن المعلى قال: كنت أصلي فرآني النبي ﵇ -
стр. 1788
فدعاني فلم آته حتى صليت فقال: ما منعك أن تأتي؟ قلت: كنت أصلي! قال: "ألم يقل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ " ثم قال: "ألا أعلمك سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد"، قال: فذهب النبي ليخرج فأدركته فقال: "الحمد لله رب العالمين وهي السبع الثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته".
وفيه من حديث أنس بغير اللفظ السابق قال: صليت مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. رواه مسلم، وفي لفظ له: فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في أول قراءة ولا في آخرها.
وروى الطبراني (١) ثنا .... ثنا محمد بن أبي السري ثنا معتمر بن سليمان عن أبيه عن الحسن عن أنس: أن النبي ﷺ كان يسر ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وأبو بكر وعمر ﵄، رواه أبو جعفر محمد بن عبد الرحمن .... (٢).
قال الراوي عنه: الثقة المأمون، عن عبد الله بن وهيب بإسناده.
وقد اختلفت ألفاظ الناقلين لحديث قتادة عن أنس الصحيح الثابت رفعه عن قتادة عنه [عمن] ذكر فيه عن أنس أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان، فبعضهم يذكر عثمان وبعضهم يسقطه وبعضهم يقول: يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين، منهم أيوب بن أبي تميمة وهشام الدستوائي من رواية مسلم بن إبراهيم ومن
стр. 1789
طريق يحيى بن سعيد عنه أيضًا وشيبان بن عبد الرحمن وسعيد بن أبي عروبة ووكيع وأبي عوانة والأوزاعي.
وأما شعبة عنه فقال بعد ذكر عثمان: فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هكذا في رواية غندر عنه وفي رواية علي بن الجعد عن شعبة وشيبان عن قتادة: فلم أسمع أحدًا منهم يجهر.
وفي رواية لوكيع: فلم أسمعهم يجهرون، وكذلك رواه الأسود بن عامر وعبد الرحمن بن زياد الرصاصي عن شعبة، ورواه إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس فلكهم كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين، كذا رواه محمد بن كثير عن الأوزاعي عن إسحاق، وزاد الوليد عن الأوزاعي: لا يقرؤون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في أول السورة ولا في آخرها.
ورواه أبو قلابة الجرمي عن أنس من حديث الثوري عن خالد الحذاء عن أبي قلابة: لا يجهرون كذا رواه يحيى بن آدم عن الثوري وعبيد الله الأشجعي عن الثوري، ورواه الفريابي عن الثوري عن خالد الحذاء عن أبي نعامة عن أنس قال: كان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر لا يقرؤون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قال سفيان: يعني لا يجهرون بها.
وهذا الخلف على سفيان لا يضر لثقة كل من أبي قلابة وأبي نعامة، ويمكن أن يكون خالد الحذاء سمعه منهما فحدث به الثوريّ مرة عن أبي قلابة ومرة عن أبي نعامة، ورواه مالك بن دينار عن أنس: فكانوا يفتتحون، ورواه يزيد الرقاشي عن أنس؛ فلم نسمع أحدًا منهم يجهر ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
ورواه النسائي من حديث منصور بن زاذان عن أنس: صلى بنا رسول الله
стр. 1790
- ﷺ فلم يسمعنا قراءة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلّى بنا أبو بكر وعمر فلم نسمعها منهما، وروي عن الحسن عن أنس.
فبعض أصحاب الحسن يقول عنه: فلم أسمعهم يجهرون ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وبعضهم يقول فيه عن الحسن عن أنس: فكان النبي ﷺ يسر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وأبو بكر وعمر.
ورواه عائذ بن شريح عن أنس فقال: فلم يجهروا.
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يجهر بقراءة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وكان المشركون يقولون: تراه يدعو إلى إله أهل اليمامة يعنون مسيلمة، وكانوا يسمونه الرحمن، وكانوا يهزؤون فنزلت: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ فما جهر رسول الله ﷺ ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بعد.
وقد اختلف في تأويل هذه الآية.
وعن ابن مسعود ﵁ قال. ما جهر رسول الله ﷺ في صلاة مكتوبة ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ولا أبو بكر ولا عمر، رواه محمد بن جابر اليمامي عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم عنه.
ابن جابر ضعيف وإبراهيم لم يسمع من ابن مسعود.
وسئل الدارقطني بمصر حين صنف كتاب الجهر بالبسملة فقال: لم يصح في الجهر بها حديث.
وأما اختلاف الآثار في ذلك مما ذكره ابن أبي شيبة وعبد الرزاق ووكيع في مصنفاتهم بأسانيدهم وغيرهم عن الصحابة والتابعين، فمنها ما روي عن عمر بن الخطاب، قال أبو عمر: من وجوه ليست بالقائمة أنه قال: يخفي الإمام أربعًا: التعوذ وبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وآمين وربنا لك الحمد.
стр. 1791
وروى إبراهيم عن علقمة والأسود عن عبد الله (١) قال: ثلاث يخفيهن الإمام: الاستعاذة وبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وآمين.
وعن إبراهيم قال: يسر الإمام أربعًا: الاستعاذة وبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وآمين وربنا لك الحمد، رواه حصين وحماد ومغيرة ومنصور عنه.
وروى الثوري عن منصور عنه: خمس يجهر بها (٢) الإمام لسبحانك اللهم وبحمدك والتعوذ وبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وآمين وربنا لك الحمد.
ذكر وكيع وعبد الرزاق عن الثوري عن الأسود: صليت خلف عمر سبعين صلاة فلم يجهر فيها ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
وذكر ابن أبي شيبة ثنا هشيم أنا مغيرة عن إبراهيم قال؛ الجهر ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بدعة. هذه طريقة علماء الكوفة ومن شايعهم.
وممن رأى الإسرار بها عمر وعلي وعمار، وقد اختلف عن بعضهم فروي عنه الجهر بها، وممن لم يختلف عنه أنه كان يسر بها عبد الله بن مسعود، وبه قال أبو جعفر محمد بن علي بن حسين والحسن وابن سيرين، وروي ذلك عن ابن عباس وابن الزبير، وروي عنه فيه الجهر بها، وروي عن علي أنه كان لا يجهر بها.
وعن سفيان: ثم اقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في نفسك، وإليه ذهب الحكم وحماد والأوزاعي وأبو حنيفة وأحمد وأبو عبيد وحكي عن النخعي.
وأما من يجهر بها من السلف فقد روي ذلك عن عمر وابن عمر وابن الزبير
стр. 1792
وابن عباس وعلي بن أبي طالب وعمار بن ياسر، وعن عمر فيها ثلاث روايات أنه لا يقرؤها وأنه يقرؤها سرًّا وأنه جهر بها، وكذلك اختلف عن أبي هريرة في جهره بها وإسراره.
وذكر الشافعي ثنا عبد المجيد بن عبد العزيز ثنا ابن جريج أخبرني عبد الله بن عثمان بن خثيم أن أبا بكر بن حفص بن عمر بن سعد أخبره أن أنس بن مالك أخبره قال: صلى معاوية بالمدينة صلاة جهر فيها بالقراءة، فلم يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ولم يكبر في الخفض والرفع، فلما فرغ ناداه المهاجرون والأنصار: يا معاوية نقصْتَ الصلاة أين بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وأين التكبير إذا خفضت ورفعت؟ فكان إذا صلى بهم بعد ذلك قرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وكبر.
أخرجه الحاكم في المستدرك وقال: صحيح على شرط مسلم فقد احتج بعبد المجيد وسائر رواته متفق على عدالتهم.
وذكره الخطيب عن أبي بكر الصديق وعثمان وأبي بن كعب وأبي قتادة وأبي سعيد وأنس وعبد الله بن أبي أوفى وشدّاد بن أوس وعبد الله بن جعفر والحسين بن علي ومعاوية.
قال الخطيب: وأما التابعون ومن بعدهم ممن قال بالجهر بها فهم أكثر من أن يذكروا وأوسع من أن يحضروا، منهم سعيد بن المسيب وطاوس وعطاء ومجاهد وأبو وائل وسعيد بن جبير وابن سيرين وعكرمة وعلي بن الحسين وابنه محمد بن علي وسالم بن عبد الله بن عمر ومحمد بن المنكدر وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ومحمد بن كعب ونافع مولى ابن عمر وأبو الشعثاء وعمر بن عبد العرْيز ومكحول وحبيب بن أبي ثابت والزهري وأبو قلابة وعلي بن عبد الله بن عباس وابنه والأزرق بن قيس وعبد الله بن معقل بن مقرن.
стр. 1793
وممن بعد التابعين عبيد الله العمري والحسن بن زيد وزيد بن علي بن حسين ومحمد بن عمر بن علي وابن أبي ذئب والليث بن سعيد وإسحاق بن راهويه.
وزاد البيهقي في التابعين: عبد الله بن صفوان ومحمد بن الحنفية وسليمان التيمي، ومن تابعيهم المعتمر بن سليمان.
وزاد أبو عمر: هو قول جماعة أصحاب ابن عباس طاوس وعكرمة وعمرو بن دينار وقول ابن جريج ومسلم بن خالد الزنجي وسائر أهل مكة وهو أحد قولي ابن وهب وروى أبو عمر عن أصبغ بن الفرج قال: كان ابن وهب يقول بالجهر ثم رجع إلى الإسرار وحكاه غيره عن ابن المبارك وأبي ثور.
وذكر البيهقي في "الخلافيات": اجتمع آل محمد على الجهر ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ثم حكاه عن أبي جعفر الهاشمي، وذكر الخطيب عن عكرمة أنه كان لا يصلي خلف من يجهر بالبسملة وعن أبي جعفر الهاشمي مثله.
فصل يتعلق بشيء من العربية
الباء في (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) متعلقة بمحذوف، وهو عند البصريين مبتدأ، والجار والمجرور خبره، تقديره: ابتدائي ببسم الله، أو: أبدأ. فالجار والمجرور في موضع نصب بالمحذوف، وهل المحذوف المقدر: البدأة دائمًا أو غير ذلك مما يناسب ما يلي البسملة كمن أكل وشرب إذا قال: بسم الله، هل المقدر: أكلت، أو: أكلي بسم الله، أو: شربي بسم الله، وجهان، هذا إذا وقع الابتداء بالبسملة.
وأما قول الراوي: (لا يجهرون، أو لا يقرأون، أو لا يذكرون بسم الله) مما تقدم عامله. فأما ما يتعدى بالباء مثل جهر فلا كلام فيه.
وأما ما لا يتعدى بالباء ففيه وجهان:
стр. 1794
إن شئت قدرت في الكلام محذوفًا يتعلق بالبداءة، فتكون الباء في موضع نصب على الحال، تقديره: يقرأون مبتدئين بسم الله.
الثاني: أن تكون زائدة على حدها في قول الشاعر:
سود المحاجر لا يقرأن بالسور
أي: لا يقرأن السور.
ومن رواة هذا الحديث من أتى بباءين، فقال: (لا يجهرون، أو: لا يقولون ببسم الله) فهي على هذا جملة محكية، دخلت عليها الباء.
فصل في ذكر المذاهب في هذه المسألة مختصرًا
ذهبت طائفة إلى الإتيان بالبسملة في الفرائض والنوافل عند قراءة الفاتحة فرض ولا تصح الصلاة إلا بها كباقي آيات الفاتحة، ويسن الجهر بها في الصلاة الجهرية في الفاتحة والسورة وهذا لا خلاف فيه عند الشافعي وسائر الأصحاب.
وروى يحيى بن يحيى عن عبد الله بن نافع، قال: لا أرى لأحد أن يترك قراءة (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) في فريضة ولا نافلة.
وقال آخرون: يذكر سرًّا لا جهرًا، ورأى بعضهم الجهر بها بدعة كما حكيناه.
وقال آخرون: لا تذكر سرًّا ولا جهرًا.
وقال طاوس: تذكر في فاتحة الكتاب ولا تذكر في السورة بعدها، وخالفه في ذلك أصحاب ابن عباس وعطاء وغيره فقالوا: تذكر في الموضعين ونقل عن مالك قراءتها في النوافل في فاتحة الكتاب وفي سائر سور القرآن، وهو قول محمد بن الحسن، ومذهب أحمد بن حنبل في ذلك كمذهب الكوفيين أنه لا يجهر بها إلا أن أحمد يراها واجبة في كل ركعة لأنها عنده من الفاتحة، وأبو حنيفة يرى أنها سنة
стр. 1795
ويقال أنه لا يأمر بها إلا في الركعة الأولى كالتعوذ.
قال أحمد: إلا في رمضان في غير فاتحة الكتاب بين السورتين، فإنه من فعل ذلك فلا بأس عليه يعني الجهر بها ..... مالك والأوزاعي ومحمد بن جرير، حكاه أبو عمر.
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: يقرأ الرجل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في أول كل سورة في قيام رمضان والذي يقرأ القرآن يختم كما في المصحف يعجبني ذلك.
وقال القاضي أبو الطيب الطبري: عن أبي ليلى والحكم أن الجهر والإسرار بها سواء، وقال ابن حبان: هذا عندي من الاختلاف المباح والجهر أحب إليَّ.
وأما كونها من القرآن وما حكمها في ذلك فمذهبنا أن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آية كاملة من أول فاتحة الكتاب بلا خلاف وليست في أول براءة بإجماع المسلمين هكذا ذكروا الإجماع وقد ذكر أرباب علم القراءات في كتبهم أنه يروى عن يحيى بن آدم وغيره عن أبي بكر عن عاصم أنه كان يثبت بين الأنفال وبراءة التسمية، ويروى ذلك عن زر عن عبد الله بن مسعود فإنه أثبته في مصحفه، وأما الذي نقله أصحابنا فتمسكوا فيه بمصحف عثمان وهو الذي انعقد عليه الإجماع.
وأما باقي السور غير الفاتحة وبراءة ففي كونها آية من أول كل سورة ثلاثة أقوال حكاها الخراسانيون أصحها وأشهرها أنها آية كاملة والثاني أنها بعض آية والثالث أنها ليست بقرآن في أوائل السور غير الفاتحة والمذهب الأول.
ثم هل هي في الفاتحة وغيرها قرآن على سبيل القطع كسائر القرآن أم على سبيل الحكم لاختلاف العلماء فيها؟ فيه وجهان مشهوران حكاهما المحاملي وصاحب
стр. 1796
الحاوي والبندنيجي أحدهما على سبيل القطع بمعنى أنه لا تصح الصلاة إلا بقراءتها في أول الفاتحة ولا يكون قارئًا لسورة غيرها بكمالها إلا إذا ابتدأ بالبسملة، والصحيح أنها على سبيل الحكم إذ لا خلاف بين المسلمين أن نافيها لا يكفر ولو كانت قرآنًا قطعًا لكفر كمن نفى غيرها، فعلى هذا يقبل في إثباتها خبر الواحد كسائر الأحكام وإذا قلنا هي قرآن على سبيل القطع لم يقبل في إثباتها خبر الواحد كسائر القرآن.
وإلى أن البسملة آية من الفاتحة ومن كل سورة غير براءة، ذهب ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وطاوس وعطاء ومكحول وابن المبارك وطائفة.
وذهب آخرون إلى أنها آية من الفاتحة يحكى ذلك عن أحمد وإسحاق وأبي عبيد وجماعة أهل الكوفة ومكة وأكثر العراقيين وحكاه الخطابي عن أبي هريرة وسعيد بن جبير ورواه البيهقي في الخلافيات بإسناده عن علي بن أبي طالب والزهري وسفيان الثوري، وفي السنن الكبير عن ابن عباس ومحمد بن كعب.
وذهب آخرون إلى أنها ليست آية [كاملة] في الفاتحة ولا في أوائل السور يحكى ذلك عن مالك والأوزاعي وأبي حنيفة وداود وهو أيضًا رواية عن أحمد وقد تقدم عنه غيرها.
وقال أبو بكر الرازي وغيره من الحنفية: هي آية بين كل سورتين غير الأنفال وبراءة وليست من السور بل هي قرآن مستقل كسورة قصيرة وحكي هذا عن داود وأصحابه أيضًا وهو رواية عن أحمد.
وقال محمد بن الحسن: ما بين دفتي المصحف قرآن وأجمعت الأمة على أنه لا يكفر من أثبتها ولا من نفاها لاختلاف العلماء فيها بخلاف ما لو نفى حرفًا مجمعًا عليه أو أثبت ما لم يقل به أحد فإنه يكفر بالإجماع، وهذا في البسملة التي في أوائل السور غير براءة، وأما البسملة التي في أثناء سورة النمل ﴿إنه من سليمان
стр. 1797
وإنه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فقرآن بالإجماع فمن جحد منها حرفًا كفر بالإجماع.
واحتج من لم يثبتها قرآنًا في أوائل السور -الفاتحة وغيرها- بأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، وبحديث أبي هريرة: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين"، ولا ذكر في الحديث للبسملة وهو صحيح رواه مسلم.
وبحديث أبي هريرة: "من القرآن سورة ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له وهي تبارك الذي بيده الملك"، رواه أبو داود الترمذي وقال: حديت حسن، وصححه ابن حبان، وأجمع القراء على أنها ثلاثون آية سوى البسملة.
وبحديث إتيان جبريل النبي ﵇ وقوله: اقرأ باسم ربك الذي خلق الحديث، رواه البخاري ومسلم.
وبحديث أنس: صليت مع النبي ﷺ وأبي بكر وعمر فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ رواه مسلم، قالوا: ولو كانت قرآنًا لكفر جاحدها وأجمعنا أنه لا يكفر، ولأن أهل العدد مجمعون على ترك عدّها آية من غير الفاتحة، واختلفوا في عدّها في الفاتحة، وبعمل أهل المدينة في افتتاح الصلاة بالحمد لله رب العالمين، وبقوله ﵇ لأبي بن كعب: "كيف تقرأ أم القرآن"؟ فقال: الحمد لله رب العالمين، وما في معناه من الأحاديث السابقة.
واحتج من أثبتها بما ثبت في المصاحف منها بغير تمييز كما ميزوا أسماء السور وعدد الآي بالحمرة أو غيرها مما يخالف صورة المكتوب قرآنًا.
فإن قيل: لعلها ثبتت للفصل بين السور، فقد أجيب عنه من وجوه:
الأول: هذا تغرير ولا يجوز ارتكابه لمجرد الفصل.
стр. 1798
الثاني: لو كان للفصل لكتب بين براءة والأنفال ولما كتب في أول الفاتحة.
الثالثة: أن الفصل كان ممكنًا بتراجم السور كما حصل بين براءة والأنفال.
وعن أم سلمة: أن النبي ﷺ قرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في أول الفاتحة في الصلاة وعدّها آية.
وعن ابن عباس في قوله: ﴿ولقد آتيناك سبعًا من المثاني﴾ قال: الفاتحة.
قيل: فأين السابعة؟ قال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. رواهما ابن خزيمة في صحيحه.
وعن أنس قال: بينا رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسمًا، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: "أنزلت عليّ آنفًا سورة" فقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ السورة، رواه مسلم.
وعنه أنه سئل عن قراءة النبي ﷺ فقال: كانت مدّا ثم قرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يمد بسم الله ويمد الرحمن الرحيم. رواه البخاري.
وعن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ لا يعرف فصل السور حتى ينزل عليه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، رواه الحاكم وصححه على شرطهما.
ومن رواية عمرو بن دينار وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن النبي كان إذا جاءه جبريل فقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ علم أنها سورة.
وفيه: كان النبي ﷺ لا يعلم ختم السور حتى ينزل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
وبه: كان المسلمون لا يعلمون انقضاء السورة حتى تنزل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. صححها كلها الحاكم.
стр. 1799
وذكر البيهقي في "سننه" عن علي وأبي هريرة وابن عباس وغيرهم أن الفاتحة هي السبع المثاني وهي سبع آيات وأن البسملة هي الآية السابعة.
وخرّج الدارقطني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قرأتم الحمد فاقرأوا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إنها أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني وبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إحدى آياتها (١) ".
وقال: رجال إسناده كلهم ثقات، وروي موقوفًا.
فهذه الأحاديث محصلة للظن القوي كونها قرآنًا مع ثبوتها في المصحف والمطلوب هنا الظن لا القطع خلافًا لابن الباقلاني وأنكر عليه الغزالي وتأول القاضي: كان ﵇ لا يعرف ختم السورة حتى تنزل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، بأنه ليس كل منزل قرآنًا.
قال الغزالي: وما منصف إلا يستبرد هذا التأويل واعترف بأن البسملة كتبت بأمر رسول الله ﷺ في أوائل السور وأنها منزلة، وهذا يوهم كل أحد أنها قرآن، فترك بيان أنها ليست قرآنًا دليل قاطع أو كالقاطع أنها قرآن.
فإن قيل: لو كانت قرآنًا لبينها.
فالجواب أنه ﵇ اكتفى بقوله إنها منزلة وبإملائها على الكاتب وبأنها تكتب بخط القرآن كما لم يبين عند كل آية أنها قرأن اكتفاءً بعلم ذلك من قرينة الحال.
فإن قيل: قوله: لا يعرف فصل السور، دليل على أنها للفصل.
قلنا: موضع الدلالة قوله: حتى تنزل فأخبر بنزولها وهذه صفة كل القرآن،
стр. 1800
وتقديره لا يعرف الشروع في سورة أخرى إلا بالبسملة فإنها لا تنزل إلا في السورة.
وقال الغزالي في آخر كلامه: الغرض بيان أن المسألة ليست قطعية بل ظنية، فإن الدلالة وإن كانت معارضة فجانب الشافعي فيها أرجح وأغلب.
والجواب عن قولهم لا يثبت القرآن إلا بالتواتر من وجهين:
الأول: إن إثباتها في المصحف في معنى التواتر.
الثاني: أن التواتر إنما يشترط فيما ثبت قرآنًا على سبيل القطع، فأما ما ثبت قرآنًا على سبيل الحكم فلا، والبسملة قرآن على سبيل الحكم على الصحيح كما سبق.
وأما الجواب عن حديث: "قسمت الصلاة" فمن وجوه:
أحدهما: أن البسملة إنما لم تذكر لاندراجها في الآيتين بعدها.
الثاني: أن يقال: معناه فإذا انتهى العبد في قراءته إلى الحمد لله رب العالمين فحينئذ تكون القسمة.
الثالث: أن يقال المقسوم يختص بالفاتحة من الآيات الكاملة واحترز بالكاملة عن قوله: ﴿وقيل الحمد لله رب العالمين﴾ وعن قوله: ﴿وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين﴾.
وأما البسملة فغير مختصة.
الرابع: لعله قاله قبل نزول البسملة.
الخامس: قد ورد للبسملة في القسمة ذكر عند الدارقطني والبيهقي في حديث نصه فإذا قال العبد: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يقول الله: ذكرني عبدي. لكن في إسناده ضعف.
стр. 1801
فإن قيل أجمعوا على أن الفاتحة سبع آيات، واختلفوا في السابعة، فمن جعل البسملة آية قال: السابعة من (صراط الذين أنعمت عليهم) إلى آخر السورة.
ومن نفاها قال: صراط الذين أنعمت عليهم سادسة وإلى آخر السورة سابعة.
قالوا: ويترجح هذا لأن به تحصل حقيقة التنصيف، فيكون لله تعالى ثلاث آيات ونصف وللعبد مثلها وموضع التنصيف نستعين، فلو عدت البسملة آية ولم تعد غير المغضوب عليهم صار لله تعالى أربع آيات ونصف وللعبد آيتان ونصف وهذا خلاف ما في الحديث، فالجواب من أوجه:
الأول: منع إرادة حقيقة التنصيف بل هو على حد قول الشاعر:
إذا مت كان الناس نصفان شامت ... وآخر مثن بالذي كنت أصنع
فيكون المراد أن الفاتحة قسمان، فأولها لله تعالى وآخرها للعبد.
الثاني: أن المراد بالتنصيف قسمة الثناء والدعاء من غير اعتبار الآيات.
الثالث: أن الفاتحة إذا قسمت باعتبار الحروف والكلمات والبسملة منها كان التنصيف في شطريها أقرب مما إذا قسمت بحذف البسملة.
ولعل المراد قسمتها باعتبار الحروف، فإن قيل بترجح جعل الآية السابعة غير المغضوب عليهم لقوله: إذا قال العبد اهدنا الصراط إلى آخر السورة. قال: فهؤلاء لعبدي، فلفظة هؤلاء جمع يقتضي ثلاث آيات وعلى قول الشافعي ليس للعبد إلا آيتان؟
فالجواب: إن أكثر الرواة رووه: فهذا لعبدي كذا هو عند مسلم، أو تكون الإشارة بهؤلاء إلى الكلمات أو الحروف أو إلى اثنتين ونصف من قوله: وإياك نستعين إلى آخر السورة.
ومثل هذا الجمع كقوله تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات﴾ والمراد شهران وبعض
стр. 1802
الثالث أو إلى اثنين فحسب، وذلك يطلق اسم الجمع عليه باتفاق، ولكن اختلفوا هل هو حقيقة أو مجاز والأكثرون على أنه مجاز في الاثنين حقيقة في الثلاثة.
وهذا إن سلمنا أن التنصيف متوجه إلى آيات الفاتحة وهو ممنوع، وإنما التنصيف متوجه إلى الصلاة قسمت الصلاة بيني وبين عبدي، فإن قيل المراد قراءة الصلاة قلنا بل قسمت ذكر الصلاة وهو ثناء ودعاء فالثناء منصوف إلى الله ما وقع من القراءة وما وقع في الركوع والسجود وغيرهما.
والدعاء منصرف إلى العبد كذلك ولا يشترط التساوي في ذلك لما سبق.
ثم ذكر النبي ﷺ بعد إخباره تقسيمه أذكار الصلاة أمرًا آخر وهو ما يقوله الله تعالى عند قراءة العبد هذه الآيات التي هي من جملة المقسوم، لأن ذلك تفسير لكل مقسوم.
فإن قيل: بترجيح كونه تفسيرًا له لذكره عقيبه.
قلنا: ليس كذلك، لأن قراءة الصلاة غير منحصرة في الفاتحة فحمل الحديث على قسمة الذكر أعم وأكثر فائدة.
وأما الجواب عن حديث: "شفاعة تبارك"، فهو أن المراد ما سوى البسملة لأنها غير مختصة بغير السورة.
ويحتمل أن يكون ذلك قبل نزول البسملة.
وأيضًا فراوي هذا الحديث أبو هريرة وهو ممن يثبت البسملة فهو أعلم بتأويله.
وأما الجواب عن حديث مبدأ الوحي اقرأ باسم ربك فهو أن البسملة نزلت بعد ذلك.
وأما ما روي عن ابن عمر عن النبي ﷺ أول ما ألقى عليّ جبريل بسم الله
стр. 1803
الرحمن الرحيم ونقله الواحدي في أسباب النزول عن الحسن وعكرمة فلا يثبت شيء من ذلك.
وأما الجواب عن حديث أنس عند مسلم فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ويستطرد الكلام عليه الكلام على مسألة الجهر والإسرار بالبسملة. فقال بعضهم: هذه رواية للفظ الأول بالمعنى الذي فهمه الراوي وعبّر عنه على قدر فهمه، فإن اللفظ الأول الذي اتفق الحفاظ عليه: فكانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين كذا هو عند البخاري وأبي داود والترمذي، والمراد به اسم السورة كما سبق ورواه الدارقطني فقال: فكانوا يستفتحون بأم القرآن فيما يجهر به، وقال: هذا صحيح وهو صريح لتأويلنا فقد ثبت الجهر بالبسملة عن أنس وغيره كما سبق فلا بد من تأويل ما ظاهره خلاف ذلك، قال الشيخ أبو محمد المقدسي: ثم للناس في تأويله والكلام عليه خمس طرق:
الأولى: وهي التي اختارها ابن عبد البر أنه لا يجوز الاحتجاج به لاضطرابه واختلاف ألفاظه مع تغاير معانيها، قال مرة: يفتتحون بالحمد لله رب العالمين، ومرة: لا يجهرون ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ومرة: لا يقرؤونها، ومرة: لم يسمعهم يقرؤونها، ومرة قال وقد سئل عن ذلك: كبرت ونسيت، فحاصل هذه الطريقة أنا نحكم بتعارض الروايات ولا نجعل بعضها أولى من بعض فنسقط الجميع.
ونظير ما فعلوا في رد حديث أنس هذا ما نقله الخطابي في "معالم السنن" عن أحمد بن حنبل أنه رد حديث رافع في المزارعة بالاضطراب.
الثانية: أن يرجح بعض ألفاظ هذه الروايات على باقيها ويرد ما خالفها إليها وإذا فعلنا ذلك فلا نجد الرجحان إلا للرواية التي على لفظ حديث عائشة: أنهم كانوا يفتتحون بالحمد أي السورة وهذه طريقة الشافعي ومن تبعه، لأن أكثر الرواة على هذا
стр. 1804
اللفظ، فكأن أنسًا أخرج هذا الكلام مستدلًا به على من يجوّز قراءة غير الفاتحة ويبدأ بغيرها، ثم افترقت الرواة عنه، فمنهم من أداه بلفظة فأصاب ومنهم من فهم منه حذف البسملة فعبر عنه بقوله كانوا لا يقرؤون أو: فلم أسمعهم يقرؤون البسملة، ومنهم من فهم الإسرار فعبر به، فإن قيل: إذا اختلفت ألفاظ حديث قضي بالمبين منها على المجمل فإن سلم أن رواية يفتتحون بالحمد مجملة فرواية لا يجهرون تبين المراد.
قلنا: ورواية بأم القرآن تعين المعنى الآخر فاستويا وسلم لنا ما سبق من الأحاديث المصرحة بالجهر عن أنس وغيره، وتلك لا تحتمل تأويلًا، وهذه أمكن تأويلها بما ذكرناه، فأولت وجمع بين الروايات وألفاظها.
الثالثة: ليس في هذه الروايات ما ينافي أحاديث الجهر الصحيحة السابقة، أما الرواية المتفق عليها فظاهرة، وإما لا يجهرون فيحمل على نفي الجهر الشديد الذي نهى الله تعالى عنه بقوله: ﴿ولا تجهر بصلاتك﴾، فنفى أنس الجهر الشديد بدليل أنه هو روى الجهر، وأما رواية يسرون فلم يُرد راويها حقيقة الإسرار وإنما أراد التوسط فيه وهو اختيار ابن خزيمة، وهذا معنى ما روي عن ابن عباس: الجهر ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قراءة الأعراب أراد الجهر الشديد لجفائهم لأنه ممن يرى الجهر.
الرابعة: ورجحها ابن خزيمة أن ترد جميع الروايات إلى معنى أنهم كانوا يسرون بالبسملة دون تركها، وقد ثبت الجهر بها بالأحاديت السابقة عن أنس، فكأن أنسًا بالغ في الرد على من أنكر الإسرار بها فقال: أنا صليت خلف النبي ﷺ وخلفائه فرأيتهم يسرون بها أي وقع ذلك منهم مرة أو مرات لبيان الجواز ولم يرد الدوام بدليل ما ثبت عنه من الجهر روايةً وفعلًا كما سبق.
الخامسة: أن يقال نطق أنس بكل هذه الألفاظ المروية في مجالس متعددة
стр. 1805
بحسب الحاجة إليها في الاستدلال والبيان.
فإن قيل فهلا حملتهم حديث أنس على أن آخر الأمرين من النبي ﷺ ترك الجهر بدليل أنه حكى ذلك عن الخلفاء بعده.
قلنا: منع من ذلك أن الجهر مروي عن أنس من فعله، وما كان ليختار لنفسه إلا ما هو آخر الأمرين.
ولنرجع إلى ما كنا فيه من الرد على من قال ليست البسملة في غير سورة النمل من القرآن.
وأما قولهم لو كانت قرآنًا لكفر جاحدها، فنقول لو لم تكن قرآنًا لكفر مثبتها.
الثاني: أن التكفير لا يكون بالظنيات بل بالقطعيات، والبسملة ظنية.
وأما قولهم أجمع أهل العدد أنها لا تعد آية، فجوابه من وجهين:
الأول: ليس أهل العدد كلّ الأمة، فيكون إجماعهم حجة، بل هم طائفة من الناس عدوا كذلك، أمّا لأنه مذهبهم في نفي البسملة وإما لاعتقادهم أنها مفردة ليست من السور، بل قرآن مستقل، وإمّا لاعتقادهم أنها بعض آية وأنها مع أول السورة آية.
الثاني: أنه معارض بما ورد عن ابن عباس وغيره: من تركها فقد ترك مائة وثلاث عشرة آية.
وأما الجواب عن نقل إجماع أهل المدينة، فلا نسلم إجماعهم، بل قد اختلف أهل المدينة في ذلك كما سبق الخلاف عن الصحابة فمن بعدهم من أهل المدينة وغيرهم، فكيف بدعوى الإجماع وقد أنكر المهاجرون والأنصار على معاوية تركها حين صلى بهم.
стр. 1806
قال أبو عمر: الخلاف في البسملة موجود قديمًا وحديثًا، قال: ولم يختلف أهل مكة أن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أول آية من الفاتحة ولو ثبت إجماع أهل المدينة لم يكن حجة مع وجود الخلاف لغيرهم هذا مذهب الجمهور.
وأما قولهم: قال النبي ﷺ لأبي بن كعب: "كيف تقرأ أم القرآن فقال: الحمد لله رب العالمين"، فجوابه أن هذا غير ثابت وإنما لفظه في كتاب الترمذي: "كيف تقرأ في الصلاة"، فقرأ أم القرآن وهذا لا دليل فيه، وفي سنن الدارقطني عكس ما ذكروه، وهو أنه ﵇ قال لبريدة: "بأي شيء تستفتح القرآن إذا افتتحت الصلاة"؟ قال: قلت: ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وعن علي وجابر عن النبي ﷺ بمعناه.
فصل
وأمّا الاحتجاج للمذاهب السابقة من الجهر بها أو الإسرار بها أو عدم الإتيان بها:
فأما من رأى الإسرار بها فيحتج بحديث أنس: فلم أسمع أحد منهم يجهر ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وقد تقدمت طرقه.
وحديث ابن مسعود: ما جهر رسول الله ﷺ في صلاة مكتوبة ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحديث وما في معناهما مما سبق.
قالوا: ولأن الجهر بها منسوخ وذكروا في ذلك حديث ابن عباس: أنه كان بمكة فكان المشركون يقولون: يدعو إلى رحمن اليمامة فتركه.
وما ذكرناه من قول الدارقطني: لم يصح في الجهر بها حديث وبقول بعض التابعين: بدعة كما تقدم.
وقالوا: قياسًا على التعوذ، وقالوا: لو كان الجهر بها ثابتًا لنقل نقلًا متواترًا
стр. 1807
لوروده في سائر القراءة.
واحتج أصحابنا على الجهر بها بالأحاديث والآثار السابقة في ذلك، قالوا: ولم يرد تصريح عن النبي ﷺ يقتضي عدم الجهر بها إلا في روايتين عن ابن مغفل وأنس وقد سبق تضعيف الأولى وتعليل الثانية.
ومنهم من استدل بحديث: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين"، ولا حجة فيه للإسرار، وإنما يمكن أن يحتج به لمذهب مالك كما سيأتي.
واحتجوا على الجهر بها بحديث أبي هريرة: لا صلاة إلا بقراءة، فما أعلن رسول الله ﷺ أعلنّاه وما أخفى أخفيناه، وكان ممن يجهر بالبسملة، فصار ذلك عن أبي هريرة رأيًا ورواية وهو في الصحيح، ومثله عن أبي هريرة حديث: إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ ، وقد تقدم؛ صححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم.
وتقدم عن أبي هريرة في ذلك عدة أحاديث.
وبحديث قتادة عن أنس: كيف كانت قراءة رسول الله ﷺ ؟ قال: كانت مدًّا ثم قرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
قال الحازمي: هذا حديث صحيح لا نعلم له علة وفيه دلالة على الجهر مطلقًا فيتناول الصلاة وغيرها، لأن قراءة رسول الله ﷺ لو اختلفت في الجهر بين حالتي الصلاة وغيرها لبينها، ولمَّا أطلق الجواب دل على أن القراءة كانت كذلك في الصلاة وغيرها.
وأما ما حكي عن الدارقطني: لا يصح فيها حديث فلا يصح هذا عن الدارقطني لأنه صحح في "سننه" في ذلك عدة أحاديث، وقد ذكرنا شيئًا منها.
وأما قول بعض التابعين بدعة فلا حجة فيه إن ثبت عنه لأنه أخبر عن
стр. 1808
اعتقاده كما قال أبو حنيفة العقيقة بدعة وصلاة الاستسقاء (١) بدعة، وقول واحد لا يكون حجة على الأكثرين.
وأما قياسهم ذلك على التعوذ فجوابه أن البسملة من الفاتحة ولم يقل أحد في التعوذ بذلك ومرسومة في المصحف بخلاف التعوذ أيضًا.
وأما قولهم لو كان الجهر بها ثابتًا لنقل متواترًا فلا يلزم، لأنه ليس كل حكم متواترًا.
وأما ما ذهب إليه من حكينا عنه أنه لا يأتي بها جهرًا ولا سرًّا كمالك ﵀ ومن ذكر هناك معه فيحتجون بحديث ابن مغفل وبكثير من ألفاظ حديث أنس فكانوا لا يذكرون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أو لا يقرؤون أو ما في معنى ذلك.
والجواب عن كلا الحديثين أن من أثبت حجة على من نفى مع ما سبق من إعلال الخبرين المذكورين، وقد سبق الجواب عن حديث أنس من وجوه، منها حمل الألفاظ المختلفة فيه من: لا يقرؤون ولا يجهرون وغير ذلك على رواية روى: يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين، وتأويل هذا اللفظ على أن المراد به البداءة بالفاتحة يعني قبل السورة.
وزعم بعضهم أن ما ورد في الحديث من قوله لا يذكرون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في أول قراءة ولا في آخرها من تفسير بعض رواة الحديث [عن أنس] (٢) أو عمن دونه على حسب فهمه وليس فهمه حجة على غيره، وليس من كلام أنس لسقوطه عن جل رواة هذا الخبر، فيكون عنده من المدرج.
والمدرج عندهم على أنواع، منها ما أدرج في حديث رسول الله ﷺ من كلام
стр. 1809
بعض رواته بأن يذكر الصحابي أو من بعده عقب ما يرويه من الحديث كلامًا من عند نفسه فيرويه مَنْ بعده موصولًا بالحديث غير فاصل بينهما بذكر قائله، فيلتبس الأمر فيه على من لا يعلم حقيقة الحال ويتوهم أن الجميع عن رسول الله ﷺ .
قال أبو الفتح: والكلام في هذه المسألة طويل، وقد أفرد لها جماعة من أكابر العلماء تصانيف أودعوها من صحيح الخبر وسقيمه و ......... الرأي وقويه أفانين جمعوا بين أوجها وحضيضها وأجلبوا بقضها وقضيضها، لم أضمن هذه الأوراق من مختارها إلا النزر اليسير ولا أودعتها من خلاصتها إلا القليل من الكثير.
وقد رأيت أن أختم الكلام في هذا الفصل بما رأيته عن بعض العلماء من الظاهرية قال ما معناه: إن القراءات السبع متواترة كلها إجماعًا، والبسملة ثابتة في بعضها يقينًا آية من الفاتحة وساقطة في بعضها كذلك وفرض الإتيان بالفاتحة بكمالها في الصلاة ثابت مع القدرة عندنا، فمن قرأ في صلاته برواية عاصم أو الكسائي أو ابن كثير أو غيرهم ممن يراها آية من الفاتحة ففرض عليه الإتيان بها لا تتم صلاته إلا بذلك، لأنه إن لم يأت بها لم يكن مكملًا لقراءة الفاتحة من غير عذر، ومن قرأ في صلاته برواية أبي عمرو أو ابن عامر أو غيرهما ممن لا يراها آية من الفاتحة فهو مخير بين الإتيان بها وعدمه.
ولم يسبق حكاية هذا مذهبًا لأحد ممن حكينا مذاهبهم ولمن أوجبها مطلقًا أن يقول: ثبت حكمها بالأخبار الثابتة حيث لم تثبت قراءة، إذ ليست فرائض الصلاة ولا .... كلها تثبت بالقرآن.
وأما قول الشيخ محيي الدين رحمه الله تعالى: واعلم أن مسألة الجهر ليست مرتبة على إثبات مسألة البسملة، لأن جماعة ممن يرى الجهر لا يعتقدونها قرآنًا، لأنها من السنن كالتعوذ والتأمين وجماعة ممن يرى الإسرار بها يعتقدونها قرآنًا.
стр. 1810
وإنما أسروا بها وجهر أولئك لما ترجح عند كل فريق من الأخبار والآثار، فنقول هنا مسألتان:
الأولى: الإتيان بها وعدمه وهذا هو المهم في الفرض الذي لا تتم الصلاة إلا به عند من رآه.
ولا شيء أحسن ولا أقوى من بناء ذلك على كونها قرانًا بالإجماع بطريق التواتر أولًا، وتصريف الحكم فيها على ذلك.
الثانية: مسألة الجهر بها أو الإسرار إنما تنبني على مسألة الإتيان بها.
وأكثر ما فيه خلاف في مستحب أو مسنون، وليس شيء من ترك الجهر يقدح في الصلاة ببطلان، فمن بنى قوله في الجهر بها أو الإسرار على ما ترجح عنده من السنن والآثار في ذلك المعارضة بما ليس عنده في درجتها فلا حرج عليه في ذلك.
* * *
стр. 1811
٦٩ - باب ما جاء أنه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب
ثنا محمد بن يحيى بن أبي عمر المكي أبو عبد الله العدني وعلي بن حجر قالا ثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت عن النبي قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب".
وفي الباب عن أبي هريرة وعائشة وأنس وأبي قتادة وعبد الله بن عمرو.
قال أبو عيسى: حديث عبادة حديث حسن صحيح والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ منهم عمر بن الخطاب وجابر بن عبد الله وعمران بن حصين وغيرهم.
قالوا: لا تجزئ صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب.
وبه يقول ابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق.
سمعت ابن أبي عمر يقول: اختلفت إلى ابن عيينة ثمانية عشرة سنة وكان الحميدي أكبر مني بسنة.
وسمعت ابن أبي عمر يقول: حججت سبعين حجة ماشيًا.
* الكلام عليه:
حديث عبادة رواه البخاري ومسلم.
وحديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : "من صلى لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ثلاثًا غير تمام" فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام فقال: اقرأ بها في نفسك فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين" الحديث السابق في الباب قبل هذا رواه مسلم.
стр. 1812
وفيه عن أبي هريرة أيضًا قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أنادي أنه لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد. رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وسيأتي.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب". صححه ابن خزيمة وابن حبان.
وحديث عائشة عند ابن ماجه من طريق محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خداج".
وحديث عبد الله بن عمرو عنده أيضًا من حديث حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: "كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج فهي خداج".
روي حديث عائشة عن الفضل بن يعقوب الجزري عن عبد الأعلى عن ابن (١) إسحاق.
وحديث عبد الله بن عمرو [من طريق الوليد بن عمرو] (٢) بن مسكين عن يوسف بن يعقوب السلمي عن حسين، وحديث أنس قد تقدم في الباب قبل هذا من طرق كثيرة أنه صلى خلف رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر -وفي بعض ألفاظه: وعثمان، وفي بعضها: وعلي ولا يثبت- فكانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين وتقدم ذكر من أخرجه.
وحديث أبي قتادة: كان النبي ﷺ يقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة وفي الأخريين بأم الكتاب ... الحديث أخرجه أبو
стр. 1813
داود عن ابن مثنى والنسائي عن قتيبة جميعًا عن ابن أبي عدي عن حجاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة، وعبد الله بن أبي قتادة عن أبي قتادة به.
وفي الباب مما لم يذكره عن أبي سعيد الخدري قال: أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر. رواه الإمام أحمد وأبو داود.
ورواه ابن ماجه من حديث أبي سفيان السعدي عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة الحمد وسورة في فريضة أو غيرها".
رواه عن أبي كريب ثنا محمد بن الفضل ح وثنا سويد بن سعيد ثنا علي بن مسهر جميعًا عن أبي سفيان.
أبو سفيان السعدي طريف بن شهاب ضعفوه، وهو عند أبي دواد بسند صحيح.
وفيه عن أبي الدرداء قال ابن ماجه: حدثنا علي بن محمد ثنا إسحاق بن سليمان نا معاوية بن يحيى عن يونس بن ميسرة عن أبي إدريس الخولاني عن أبي الدرداء قال: سأل رجل فقال: أقرأ والإمام يقرأ؟ قال: سأل رجل النبي ﷺ : أفي كل صلاة قراءة؟ فقال رسول الله ﷺ : "نعم"، فقال رجل من القوم: وجب هذا.
رواه النسائي وقال: هذا خطأ عن رسول الله ﷺ وإنما هو من قول أبي الدرداء.
وفيه عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: كنا نقرأ في الظهر والعصر خلف الإمام في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب.
стр. 1814
رواه ابن ماجه من حديث يزيد الفقير عنه.
وفيه عن علي من حديث أبي حاتم الرازي نا عبد الله أبو مسلمة المصري نا أبو مروان نا عبد الرحمن بن أبي الموالي عن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن علي بن أبي طالب قال: "كل صلاة لم يقرأ فيها أم الكتاب فهي خداج"، ذكر ذلك عن رسول الله ﷺ أخرجه البيهقي عن أبي عبد الله الحافظ عن الحسين بن الحسن بن أيوب الطوسي عنه.
قوله: (وسمعت ابن أبي عمر يقول) هو محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني أبو عبد الله، سكن مكة سمع سفيان بن عيينة وعبد العزيز الدراوردي ويزيد بن هارون ومعن بن عيسى وعبد العزيز بن عبد الصمد ووكيع بن الجراح وعبد الوهاب الثقفي ومروان الفزاري وعبد الرزاق وسعيد بن سالم القدّاح ويحيى بن سليم الطائفي وحسين الجعفي ومعتمر بن سليمان وعبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي روّاد وخلقًا سواهم.
وروى عنه مسلم وابن ماجه والمفضل بن محمد الجَنَدي وإسحاق بن أحمد بن نافع روى عنه "مسنده" وأحمد بن عمرو الخلال وروى النسائي عن رجل عنه.
قال ابن أبي حاتم عن أبيه: كان العدني رجلًا صالحًا وكان به غفلة رأيت عنده حديثًا موضوعًا حدث به عن ابن عيينة، وكان صدوقًا قيل حج سبعًا وسبعين حجة وكان كثير الطواف.
وسئل أحمد عن يكتب حديثه؟ فقال: بمكة ابن أبي عمر.
ووثقه ابن حبان.
قال البخاري: مات بمكة لإحدى عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة سنة ثلاث وأربعين ومائتين.
стр. 1815
الخداج النقصان قاله الخليل وغيره، يقال: خدجت الناقة إذا ألقت ولدها قبل أوان النتاج وإن كان تامًّا، وأخدجته إذا ولدته ناقصًا وإن كان تمام الولادة، ومنه قيل لذي الثدية مخدج اليد أي ناقصها، قالوا: فقوله ﵇ خداج أي ذات خداج، وقال آخرون. خدجت وأخدجت إذا ولدت لغير تمام.
الثانية: فاتحة الكتاب اسم للسورة وتسمى أيضًا أم القرآن وسورة الكنز والوافية وسورة الحمد والمثاني لأنها تثنى في كل ركعة وسورة الصلاة لأنها تكون مجزئة أو فاضلة تقرأ فيها وسورة الشفاء والشافية ذكره الزمخشري.
وزاد غيره: الأساس يحكى عن ابن عباس، وأم الكتاب، وحكى الماوردي عن الحسن وابن سيرين المنع من ذلك، قالا إنما ذلك اسم للوح المحفوظ.
وقد روى مسلم وأبو داود تسميتها بذلك من حديث أبي هريرة مرفوعًا.
الثالثة: القراءة: الذي ذهب إليه الجمهور أن الصلاة لا تصح إلا بقراءة، إلا ما حكاه أبو الطيب الطبري عن الحسن بن صالح وأبي بكر الأصم أنه لا تجب القراءة بل هي مستحبة، واحتج بما روي عن عمر أنه صلى المغرب فلم يقرأ فقيل له فقال: كيف كان الركوع والسجود؟ قالوا: حسنًا قال: فلا بأس.
وعن علي أنه قال له رجل: إني صليت ولم أقرأ، قال: أتممت الركوع والسجود؟ قال: نعم قال: تمت صلاتك. رواهما أبو عمر.
وعن زيد بن ثابت قال: القراءة سنة ذكره البيهقي.
ويجاب عن ذلك، أما الرواية عن عمر فمن طريق محمد بن إبراهيم التيمي واختلف عنه فتارة يقول: عن عمر وتارة عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عمر وكلاهما منقطع، وقد روي عن عمر متصلًا من وجوه أنه أعاد تلك الصلاة من طريق همام بن الحارث وعبد الله بن عمر وزياد بن عياض وعكرمة بن خالد كلهم عن عمر
стр. 1816
بأسانيد صحيحة وأكثرها متصل.
وأما الرواية عن علي فمن طريق الحارث الأعور ولا تقوم به حجة.
وأما زيد بن ثابت فلم يذكر الصلاة وإنما أراد القراءة سنة على ما جاء في المصحف لا يجوز مخالفته وإن كان على مقاييس العربية بل حروف القراءة في المصحف سنة متبعة ذكر معناه البيهقي.
الرابعة: قراءة فاتحة الكتاب الذي ذهب إليه الجمهور أنها فرض لا تجوز الصلاة بدونها، يروى ذلك عن عمر وعثمان بن أبي العاص وابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد وخوات بن جبير وعبادة بن الصامت وابن عمر ورجاء بن حيوة والحسن البصري وأبو سلمة بن عبد الرحمن والزهري وابن عون.
وإليه ذهب الأوزاعي ومالك وابن المبارك وأحمد وإسحاق وأبو ثور وهو أيضًا رواية عن الثوري وداود.
والاحتجاج لهم بما سبق من أحاديث الباب وما في معناها.
وقال آخرون: لا يتعين لكن يستحب وممن قال بذلك أبو حنيفة وفي رواية عنه تجب ولا تشترط واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فاقرءوا ما تيسر منه﴾ يعني القرآن، وبقوله ﵇ في تعليم المسيء صلاته: "ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن"، وهو ﵇ في مقام التعليم، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
وعن أبي سعيد عن النبي ﷺ : "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب أو غيرها".
ومن حديث أبي هريرة عن النبي ﵇: "لا صلاة إلا بقرآن ولو بفاتحة الكتاب".
وذكروا ما روى ابن ماجه من حديث أبي إسحاق عن الأرقم بن شرحبيل عن
стр. 1817
ابن عباس: لما مرض النبي ﷺ فذكر حديث صلاة أبي بكر بالناس ومجيء رسول الله ﷺ إليهم، وفيه: فكان أبو بكر يأتم بالنبي ﷺ والناس يأتمون بأبي بكر، قال ابن عباس: وأخذ رسول الله ﷺ في القراءة من حيث كان بلغ أبو بكر.
قال وكيع: وكذا السنة، قال: فمات رسول الله ﷺ في مرضه ذلك. رواه عن علي بن محمد عن وكيع عن إسرائيل عنه.
الأرقم قال أبو زرعة: ثقة.
ومن عداه مشهور مخرج له في الصحيح.
وأجابوا عن حديث عبادة: "لا صلاة إلا بأم القرآن" أن المراد نفي الكمال لا نفي الإجزاء، وكذلك عن حديث أبي هريرة: "فهي خداج"، أن النقص لا يستلزم البطلان.
وذكر الطحاوي في ذلك ما رواه ابن ماجه من حديث شعبة حدثني عبد ربه بن سعيد عن أنس بن أبي أنس عن عبد الله بن نافع بن العمياء عن عبد الله بن الحارث عن المطلب يعني ابن أبي وداعة قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة الليل مثنى مثنى وتشهَّد في كل ركعتين وتبؤس وتقنع، ويقول: اللهم اغفر لي فمن لم يفعل ذلك فهو خداج".
رواه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن شبابة بن سوار عنه.
قول ابن ماجه: يعني: ابن أبي وداعة وهم كذا هو عندهم.
ورواه أبو داود عن ابن مثنى عن معاذ بن معاذ عن شعبة وذكره الترمذي وسيأتي كلامه عليه.
وعند غير ابن ماجه المطلب بن عبد الله بن ربيعة وسيأتي الصواب من ذلك
стр. 1818
عند الكلام عليه في "جامع الترمذي" إن شاء الله تعالى.
ومعنى تقنع ترفع يديك بالدعاء.
والجواب عن الآية أنها نزلت في قيام الليل، وعن حديث المسيء صلاته أنه يعني بالمتيسر الفاتحة ذلك أن قوله ﵇ ما تيسر في هذا الحديث مجمل فسره: "لا صلاة إلا بأم القرآن" في الحديث الآخر أو أنه لم يكن يحسن الفاتحة، فإن المراد من تلك المراجعة إنما هو التنبيه على وجوب الطمأنينة في الأركان وأن ذلك هو الذي توجه الرد بسببه.
وحديث أبي سعيد لا ندري بهذا اللفظ من أين جاء، وقد صح عن أبي سعيد من طريق أبي داود قال: أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر. إسناده صحيح ورواته ثقات.
وأما حديث أبي هريرة فرواه أبو داود من حديث جعفر بن ميمون عن أبي عثمان النهدي عنه من طريقين.
حدث به عن إبراهيم بن موسى هو الفراء عن عيسى بن يونس عنه باللفظ الذي ذكرناه.
وحدث به عن محمد بن بشار نا يحيى عن جعفر فقال فيه: عن النبي ﷺ أمرني أن أنادي لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد.
جعفر بن ميمون قال النسائي: ليس بثقة.
وقال أحمد: ليس بقوي في الحديث.
وقال ابن عدي: يكتب حديثه في الضعفاء وليست رواية الفراء عن عيسى عنه بأولى من رواية بندار عن يحيى عنه.
стр. 1819
وأما حديث ابن عباس في إمامة أبي بكر بالمسلمين فذكره البزار ثنا يوسف بن موسى ثنا محمد بن الصلت ثنا قيس عن عبد الله بن أبي السفر عن أرقم بن شرحبيل عن ابن عباس عن العباس قال: خرج النبي ﷺ وأبو بكر يصلي بالناس فقرأ من حيث انتهى إليه أبو بكر.
قال البزار: لا نعلم رُوي هذا الكلام إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد.
قال أبو الفتح: فبداءته ﵇ بالقراءة من حيث انتهى أبو بكر إنما وقع مسندًا متصلًا من هذه الطريق عن ابن عباس عن أبيه.
ووقع في الطريق الأولى منفصلًا عن الخبر بعد تمامه محكيًا عن ابن عباس قولًا قاله لا يُدرى هل هو متصل أم لا.
ويرجح عدم اتصاله قول البزار: إنه لا يروى ذلك اللفظ إلا من الوجه الذي ذكره وإذا كان كذلك فقيس في الإسناد هو ابن الربيع وهو من اعتراه من ضعف الرواية وسوء الحفظ بولاية القضاء ما اعترى ابن أبي ليلى وشريكًا وقد وثقه قوم وضعفه آخرون، ولعله باعتبار حاليه قبل الولاية وبعدها، وأيضًا كان له ابن يدخل عليه ما ليس من حديثه، قال ابن نمير: كان له ابن هو آفته.
وأما جوابهم عن حديث عبادة وما في معناه من قوله: "لا صلاة إلا بأم القرآن" أن المراد نفي الكمال فيقال عليه: الأصل عند الإطلاق الحمل على الحقيقة ولا يعدل إلى الحمل على المجاز إلا إذا تعذرت الحقيقة، وكذلك إذا قلنا أيضًا بالحمل على المجاز عند تعذر الحقيقة فالحمل على أقرب المجازين إلى الحقيقة أولى من الحمل على أبعدهما، ونفي الإجزاء الذي ذهبنا إليه أقرب إلى نفي (١) الحقيقة من نفي الكمال فالحمل عليه أولى.
стр. 1820
وأما الجواب عن حديث أبي هريرة: "فهي خداج" بأن النقص لا يستلزم البطلان فالأصل فيه أن الصلاة الناقصة لا تسمى صلاة حقيقية، ثم النقص من الصلاة على قسمين:
- نقص يستلزم البطلان وهو النقص من الفرائض وهو النقص حقيقة.
- ونقص من النوافل لا يستلزم البطلان أطلق عليه النقص إطلاقًا مجازيًّا من باب مجاز التشبيه من حيث هو مشبه للنقص الآخر في الظاهر، والحمل على النقص الحقيقي أولى من الحمل على المجازي كما سبق.
وأما حديث المطلب الذي ذكره الطحاوي ففيه من الاضطراب والإعلال ما يأتي بيانه في موضعه.
ثم نقول: تضمن رفع اليدين في الدعاء والدعاء بالمغفرة وهو الذي اتصل به قوله: (فمن لم يفعل ذلك فهو خداج)، فالضمير في (فهو) ليس عائدًا على الصلاة بالمغفرة، إنما هو عائد على من فاته ما ذكر فيه من رفع اليدين والدعاء بالمغفرة، يريد أن فعل ما فاته ذلك خداج أي ناقص أجر من فعله.
الخامسة: اختلف القائلون بأن الفاتحة لا تتعين في مقدار ما يقوم مقامها.
فعن أبي حنيفة ثلاث روايات:
أحداها: آية تامة.
الثانية: ما تناوله الاسم، قال الرازي: وهو الصحيح عندنا.
الثالثة: ثلاث آيات قصار، أو آية طويلة، وبه قال أبو يوسف ومحمد.
السادسة: تجب قراءتها عندنا في كل ركعة لما ثبت من حديث المسيء صلاته أن النبي ﷺ قال له: "ثم افعل ذلك في صلاتك كلها"، فاقتضى ذلك أن المطلوب
стр. 1821
في الركعة الأولى مطلوب في بقية الركعات مثله ما لم يأت نص يخص من ذلك شيئًا.
وقد اختلف العلماء في ذلك، فحكى الوجوب في الجميع عن علي وجابر وعن ابن عون والأوزاعي وأبي ثور، وإليه ذهب أحمد وداود وبه قال مالك: إلا في الناسي على التفصيل الذي يأتي.
وقال أبو حنيفة: تجب القراءة في الركعتين الأوليين، وأما الأخريان فلا، بل إن شاء قرأ وإن شاء سبَّح وإن شاء سكت وقد روى أبو داود من حديث ابن عباس في ذلك خبرين صحيحين:
أحدهما: عن عكرمة عنه: لا أدري هل كان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر أم لا.
والآخر: أنه سئل هل كان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر فقال: لا.
فقيل: لعله كان يقرأ في نفسه، فقال: هذه شر من الأولى كان عبدًا مأمورًا بلغ ما أرسل به ... الحديث.
وعن علي: أنه قرأ في الأوليين وسبح في الأخريين.
وحديث: "لا صلاة إلا بأم القرآن"، قالوا: وهو لا يقتضي التكرار، وهو قول إبراهيم النخعي.
وقال الحسن البصري: لا تجب القراءة إلا في ركعة من الصلاة وعن إسحاق مثله.
السابعة: الناسي قراءة الفاتحة في ركعة من الصلاة، لا تصح صلاته عندنا
стр. 1822
وإليه ذهب أحمد واختيار ابن القاسم فيما روى عن مالك من ذلك كمن (١) نسيها في ركعة من صلاة ركعتين أن صلاته تفسد وتبطل أصلًا ولا تجزئه، واختلف قوله فيمن تركها ناسيًا في ركعة من صلاة رباعية، أو ثلاثية فقال: مرة يعيد الصلاة ولا تجزئه كما حكيناه عن ابن القاسم، وقال مرة: يسجد سجدتي السهو وتجزئه وهي رواية ابن عبد الحكم وغيره عن مالك وقال مرة: إنه يعيد تلك الركعة ويسجد للسهو بعد السلام.
الثامنة: حكم القراءة خلف الإمام وسيأتي في بابه.
التاسعة: الترجمة عن الفاتحة بلغة أخرى وذلك غير حائز عندنا سواء أمكنته العربية أم لا، وإليه ذهب مالك وأحمد وداود.
وقال أبو حنيفة: يجوز وتصح به الصلاة مطلقًا.
وقال أبو يوسف: تجوز للعاجز دون القادر.
العاشرة: يجب أن تقرأ مرتبة متوالية، لأنه ﵇ كان يقرأ كذلك، وثبت أنه قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي".
فإن ترك الترتيب متعمدًا بطلت قراءته ولا تبطل صلاته وإن فعل ذلك ساهيًا لم يعتد بالمؤخر ويبني على المرتب من أول الفاتحة إلا أن يطول الفصل فيجب استئناف القراءة.
الحادية عشرة: الذي لا يحسن الفاتحة وتعذر عليه أن يتعلمها ويقرأ بعدد آياتها سبع آيات، وهل يعتبر عدد الحروف؟ فيه قولان:
стр. 1823
وإن لم يحسن شيئًا من القرآن فعليه أن يأتي بما في حديث ابن أبي أوفى: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني لا أستطيع أن آخذ شيئًا من القرآن فعلمني ما يجزئني منه. قال: "قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله". قال: يا رسول الله هذا لله فما لي؟ قال: "قل اللهم ارحمني وارزقني وعافني واهدني".
رواه أبو داود والنسائي من طريق إبراهيم السكسكي وهو ضعيف، والصحيح عند الأصحاب أنه يذكر ولا يتعين عليه ذكر مخصوص بل يقول ما شاء من الأذكار التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير وغيرها فتجب سبعة الأذكار.
فإن لم يحسن شيئًا وقف بقدر القراءة والأصل في ذلك قول النبي ﵇: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم".
الثانية عشرة: المسبوق تسقط عنه الفاتحة ويحملها عنه الإمام بشرط أن تكون تلك الركعة محسوبة للإمام احترازًا من الإمام المحدث، والذي قام إلى الخامسة ناسيًا هذا مذهب الجماعة.
وذكر صاحب التتمة عن أبي عاصم العبادي أنه حكى عن محمد بن إسحاق بن خزيمة: لا يدرك الركعة بإدراك الركوع، ويجب تداركها. واحتج بما روى عن أبي هريرة أنه ﵇ قال: "من أدرك الإمام في الركوع فليركع معه وليعد الركعة"، وروي مثله عن أبي بكر الضبعي، وإليه ذهب بعض أهل الظاهر قال: فإن جاء والإمام راكع ركع معه ولا يعتد بتلك الركعة لأنه لم يدرك القيام ولا القراءة ولكن يقضيها إذا سلم الإمام وردَّ ما يحتج به في ذلك من الآثار الصحيحة وقال: من أدرك الركوع فقد فاتته الوقفة وأم القرآن وكلاهما فرض عليه لا تتم الصلاة إلا به وهو مأمور بنص كلام رسول الله ﷺ بقضاء ما سبقه وإتمام ما فاته فلا يجوز تخصيص شيء
стр. 1824
من ذلك بغير نص.
وذكر من طريق يحيى بن سعيد القطان عن ابن عجلان عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج عن أبي هريرة: "إذا أتيت القوم وهو ركوع فلا تكبر حتى تأخذ مقامك من الصف".
وروي عنه أيضًا أن لا يعتد بالركعة حتى يقرأ أم القرآن.
وذكر عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن منصور عن زيد بن وهب قال: دخلت أنا وابن مسعود المسجد والإمام راكع فركعنا ثم مضينا حتى استوينا بالصف، فلما فرغ الإمام قمت أقضي فقال ابن مسعود: قد أدركته، قال: فهذا إيجاب القضاء أيضًا عن زيد بن وهب.
* * *
стр. 1825
٧٠ - باب ما جاء في التأمين
ثنا بندار محمد بن بشار ثنا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي قالا: ثنا سفيان عن سلمة بن كهيل عن حجر بن عنبس عن وائل بن حجر قال: سمعت النبي ﷺ قرأ ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ فقال: "آمين" ومد بها صوته.
وفي الباب عن علي وأبي هريرة.
قال أبو عيسى: حديث وائل بن حجر حديث حسن وبه يقول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين، من بعدهم، يرون أن الرجل يرفع صوته بالتأمين ولا يخفيها.
وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق.
وروى شعبة هذا الحديث عن سلمة بن كهيل عن حجر أبي العنبس عن علقمة بن وائل عن أبيه أن النبي ﷺ قرأ ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ فقال: "آمين" وخفض بها صوته.
وسمعت محمدًا يقول: حديث سفيان أصح من حديث شعبة في هذا وأخطأ شعبة في مواضع من هذا الحديث فقال: عن حجر أبي العنبس وإنما هو حجر بن عنبس ويكنى أبا السكن وزاد فيه عن علقمة بن وائل وليس فيه عن علقمة وإنما هو عن حجر بن عنبس عن وائل بن حجر وقال: وخفض بها صوته وإنما هو مدَّ بها صوته.
قال: وسألت أبا زرعة عن هذا الحديث فقال: حديث سفيان في هذا أصح من حديث شعبة.
قال: وروى العلاء بن صالح الأسدي عن سلمة بن كهيل نحو رواية سفيان.