← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16599

النفح الشذي شرح جامع الترمذي ط الصميعي

ابن سيد الناس

Полный текст (2 088 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

في الركعة الأولى مطلوب في بقية الركعات مثله ما لم يأت نص يخص من ذلك شيئًا. وقد اختلف العلماء في ذلك، فحكى الوجوب في الجميع عن علي وجابر وعن ابن عون والأوزاعي وأبي ثور، وإليه ذهب أحمد وداود وبه قال مالك: إلا في الناسي على التفصيل الذي يأتي. وقال أبو حنيفة: تجب القراءة في الركعتين الأوليين، وأما الأخريان فلا، بل إن شاء قرأ وإن شاء سبَّح وإن شاء سكت وقد روى أبو داود من حديث ابن عباس في ذلك خبرين صحيحين: أحدهما: عن عكرمة عنه: لا أدري هل كان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر أم لا. والآخر: أنه سئل هل كان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر فقال: لا. فقيل: لعله كان يقرأ في نفسه، فقال: هذه شر من الأولى كان عبدًا مأمورًا بلغ ما أرسل به ... الحديث. وعن علي: أنه قرأ في الأوليين وسبح في الأخريين. وحديث: "لا صلاة إلا بأم القرآن"، قالوا: وهو لا يقتضي التكرار، وهو قول إبراهيم النخعي. وقال الحسن البصري: لا تجب القراءة إلا في ركعة من الصلاة وعن إسحاق مثله. السابعة: الناسي قراءة الفاتحة في ركعة من الصلاة، لا تصح صلاته عندنا

стр. 1822

وإليه ذهب أحمد واختيار ابن القاسم فيما روى عن مالك من ذلك كمن (١) نسيها في ركعة من صلاة ركعتين أن صلاته تفسد وتبطل أصلًا ولا تجزئه، واختلف قوله فيمن تركها ناسيًا في ركعة من صلاة رباعية، أو ثلاثية فقال: مرة يعيد الصلاة ولا تجزئه كما حكيناه عن ابن القاسم، وقال مرة: يسجد سجدتي السهو وتجزئه وهي رواية ابن عبد الحكم وغيره عن مالك وقال مرة: إنه يعيد تلك الركعة ويسجد للسهو بعد السلام. الثامنة: حكم القراءة خلف الإمام وسيأتي في بابه. التاسعة: الترجمة عن الفاتحة بلغة أخرى وذلك غير حائز عندنا سواء أمكنته العربية أم لا، وإليه ذهب مالك وأحمد وداود. وقال أبو حنيفة: يجوز وتصح به الصلاة مطلقًا. وقال أبو يوسف: تجوز للعاجز دون القادر. العاشرة: يجب أن تقرأ مرتبة متوالية، لأنه ﵇ كان يقرأ كذلك، وثبت أنه قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي". فإن ترك الترتيب متعمدًا بطلت قراءته ولا تبطل صلاته وإن فعل ذلك ساهيًا لم يعتد بالمؤخر ويبني على المرتب من أول الفاتحة إلا أن يطول الفصل فيجب استئناف القراءة. الحادية عشرة: الذي لا يحسن الفاتحة وتعذر عليه أن يتعلمها ويقرأ بعدد آياتها سبع آيات، وهل يعتبر عدد الحروف؟ فيه قولان:

стр. 1823

وإن لم يحسن شيئًا من القرآن فعليه أن يأتي بما في حديث ابن أبي أوفى: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني لا أستطيع أن آخذ شيئًا من القرآن فعلمني ما يجزئني منه. قال: "قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله". قال: يا رسول الله هذا لله فما لي؟ قال: "قل اللهم ارحمني وارزقني وعافني واهدني". رواه أبو داود والنسائي من طريق إبراهيم السكسكي وهو ضعيف، والصحيح عند الأصحاب أنه يذكر ولا يتعين عليه ذكر مخصوص بل يقول ما شاء من الأذكار التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير وغيرها فتجب سبعة الأذكار. فإن لم يحسن شيئًا وقف بقدر القراءة والأصل في ذلك قول النبي ﵇: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم". الثانية عشرة: المسبوق تسقط عنه الفاتحة ويحملها عنه الإمام بشرط أن تكون تلك الركعة محسوبة للإمام احترازًا من الإمام المحدث، والذي قام إلى الخامسة ناسيًا هذا مذهب الجماعة. وذكر صاحب التتمة عن أبي عاصم العبادي أنه حكى عن محمد بن إسحاق بن خزيمة: لا يدرك الركعة بإدراك الركوع، ويجب تداركها. واحتج بما روى عن أبي هريرة أنه ﵇ قال: "من أدرك الإمام في الركوع فليركع معه وليعد الركعة"، وروي مثله عن أبي بكر الضبعي، وإليه ذهب بعض أهل الظاهر قال: فإن جاء والإمام راكع ركع معه ولا يعتد بتلك الركعة لأنه لم يدرك القيام ولا القراءة ولكن يقضيها إذا سلم الإمام وردَّ ما يحتج به في ذلك من الآثار الصحيحة وقال: من أدرك الركوع فقد فاتته الوقفة وأم القرآن وكلاهما فرض عليه لا تتم الصلاة إلا به وهو مأمور بنص كلام رسول الله ﷺ بقضاء ما سبقه وإتمام ما فاته فلا يجوز تخصيص شيء

стр. 1824

من ذلك بغير نص. وذكر من طريق يحيى بن سعيد القطان عن ابن عجلان عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج عن أبي هريرة: "إذا أتيت القوم وهو ركوع فلا تكبر حتى تأخذ مقامك من الصف". وروي عنه أيضًا أن لا يعتد بالركعة حتى يقرأ أم القرآن. وذكر عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن منصور عن زيد بن وهب قال: دخلت أنا وابن مسعود المسجد والإمام راكع فركعنا ثم مضينا حتى استوينا بالصف، فلما فرغ الإمام قمت أقضي فقال ابن مسعود: قد أدركته، قال: فهذا إيجاب القضاء أيضًا عن زيد بن وهب. * * *

стр. 1825

٧٠ - باب ما جاء في التأمين ثنا بندار محمد بن بشار ثنا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي قالا: ثنا سفيان عن سلمة بن كهيل عن حجر بن عنبس عن وائل بن حجر قال: سمعت النبي ﷺ قرأ ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ فقال: "آمين" ومد بها صوته. وفي الباب عن علي وأبي هريرة. قال أبو عيسى: حديث وائل بن حجر حديث حسن وبه يقول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين، من بعدهم، يرون أن الرجل يرفع صوته بالتأمين ولا يخفيها. وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق. وروى شعبة هذا الحديث عن سلمة بن كهيل عن حجر أبي العنبس عن علقمة بن وائل عن أبيه أن النبي ﷺ قرأ ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ فقال: "آمين" وخفض بها صوته. وسمعت محمدًا يقول: حديث سفيان أصح من حديث شعبة في هذا وأخطأ شعبة في مواضع من هذا الحديث فقال: عن حجر أبي العنبس وإنما هو حجر بن عنبس ويكنى أبا السكن وزاد فيه عن علقمة بن وائل وليس فيه عن علقمة وإنما هو عن حجر بن عنبس عن وائل بن حجر وقال: وخفض بها صوته وإنما هو مدَّ بها صوته. قال: وسألت أبا زرعة عن هذا الحديث فقال: حديث سفيان في هذا أصح من حديث شعبة. قال: وروى العلاء بن صالح الأسدي عن سلمة بن كهيل نحو رواية سفيان.

стр. 1826

حدثنا أبو بكر محمد بن أبان ثنا عبد الله بن نمير ثنا العلاء بن صالح الأسدي عن سلمة بن كهيل عن حجر بن عنبس عن وائل بن حجر عن النبي ﷺ نحو حديث سفيان عن سلمة بن كهيل. * الكلام عليه: حديث وائل أخرجه الإمام أحمد وأبو داود، ورواه ابن ماجه قال: صليت مع النبي ﷺ فلما قال: ولا الضالين قال: آمين فسمعناها منه. وليس هو من رواية سفيان ولا شعبة. ورواه الدارقطني: يرفع صوته بآمين إذا قرأ غير الغضوب عليهم ولا الضالين. رواة حديث وائل هذا كلهم ثقات، أما حجر بن عنبس فهو كوفي أدرك الجاهلية ولم يلق النبي ﷺ سمع عليًّا ووائل بن حجر. روى عنه سلمة بن كهيل وموسى بن قيس الحضرمي والمغيرة بن أبي الحر الكندي قال ابن معين: شيخ كوفي ثقة مشهور. وقال الخطيب: كان ثقة احتج بحديثه غير واحد من الأئمة. وأما بقيتهم فمخرج حديثهم في الصحيح. وللحديث شواهد فينبغي أن يكون صحيحًا ولا يقدح في تصحيحه اضطراب متنه بالخلف الواقع بين شعبة وسفيان لأمرين: الأول: ترجيح رواية سفيان بمتابعة من تابعه على روايته بلفظه وهو العلاء بن صالح وقد روى عنه عبد الله بن نمير وأبو أحمد الزبيري وأبو نعيم، وثقه يحيى بن معين، وقال أبو زرعة وأبو حاتم: لا بأس به والحديث عند أبي داود من طريقه وسماه علي بن صالح وقد روى الترمذي لشخص آخر يسمى علي بن صالح ذكره ابن حبان في الثقات وهو غير هذا.

стр. 1827

وأما رواية ابن ماجه فمن طريق أبي بكر بن عياش عن ابن إسحاق عن عبد الجبار بن وائل عن أبيه فهي شاهدة للفظ سفيان وكذلك حديث علي الذي أشار إليه الترمذي هو عند ابن ماجه من حديث سلمة بن كهيل عن حجية بن عدي عن علي ﵇ قال: سمعت رسول الله ﷺ إذا قال ولا الضالين قال: "آمين". وحديث أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ إذا تلا غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال: آمين حتى يسمع من يليه من الصف الأول. رواه أبو داود وابن ماجه وزاد فيه: فيرتج بها المسجد. وروى الدارقطني من حديث أبي هريرة قال: كان النبي ﷺ إذا فرغ من قراءة أم القرآن رفع صوته وقال: آمين وقال الدارقطني: هذا إسناد حسن وصححه الحاكم. الثاني: قد يعبر بالمد عن الإطالة ويعبر بالمد عن رفع الصوت، فعلى الأول لا تعارُض يمد صوته مطيلًا غير رافع، وعلى الثاني أيضًا فقد يكون رفعًا بالنسبة إلى ما يخافت به المصلي أو إلى الصلاة السرية وخفضًا بالنسبة إلى ما جهر به الإمام من القراءة أو التكبير. وفي الباب مما لم يذكره عن بلال أنه قال: يا رسول الله لا تسبقني بتأمين، من طريق أبي عثمان النهدي عن بلال رواه أبو داود، وقد قال بعض أهل العلم: إن أبا عثمان لم يدرك بلالًا. وفيه عن أبي موسى الأشعري قال أبو عوانة ....... في "مسنده": نا سهل بن بحر الجنديسابوري ثنا ابن رشيد نا أبو عبيدة عن قتادة عن يونس بن جبير عن حطان بن عبد الله الرقاشي عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قرأ الإمام فأنصتوا، وإذا قرأ ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ فقولوا: آمين". الكلام على لفظة (آمين) وحكمها في الباب الذي يليه إن شاء الله تعالى.

стр. 1828

٧١ - باب ما جاء في فضل التأمين حدثنا أبو كريب ثنا زيد بن حباب حدثني مالك بن أنس أنا الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إذا أمّن الإمام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه". قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح. * الكلام عليه: رواه البخاري ومسلم، وفي رواية لمسلم أن رسول الله ﷺ قال: "إذا قال أحدكم في الصلاة آمين والملائكة في السماء آمين فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه". وفي رواية الإمام أحمد: "فإن الملائكة تقول: آمين وإن الإمام يقول آمين". وروي فيه عن أبي هريرة من غير وجه. وفي الباب مما لم يذكره عن عائشة وابن عباس ﵃ وكلاهما عند ابن ماجه. أما حديث عائشة فعن النبي ﷺ قال: "ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلام والتأمين". ورواه أيضًا الإمام أحمد بمعناه. وأما حديث ابن عباس فقال: قال رسول الله ﷺ : "ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على قول آمين فأكثروا من قول آمين" أخرجه من حديث طلحة بن عمرو وقد تكلم فيه غير واحد من أهل العلم.

стр. 1829

وقال الشافعي: أنا مسلم بن خالد عن ابن جريج عن عطاء قال: كنت أسمع الأئمة ابن الزبير ومن بعده يقولون: آمين ومن خلفهم آمين حتى إن للمسجد للجة. وذكره البخاري في صحيحه تعليقًا: قال عطاء. وزعم بعض المتأخرين من الفضلاء أن مثل هذا التعليق من البخاري يقتضي الصحة وليس بشيء. وفيه مسائل: الأولى: لفظة (آمين) فيها لغتان مشهورتان أفصحهما آمين بالمد وتخفيف الميم. قال: ويرحم الله عبدًا قال آمينا وبها جاءت الروايات في هذه الأحاديث. الثانية: (آمين) بالقصر وتخفيف الميم حكاها ثعلب قال: آمين فزاد الله ما بيننا بعدًا وهي دون التي قبلها. وحكى الواحدي. ثالثة: آمين بالإمالة والمد مخففة الميم ذكرها عن حمزة والكسائي. ورابعة: آمين بالمد وتشديد الميم، قال: وروي ذلك عن الحسن البصري والحسين بن الفضل وقد جاء عن جعفر الصادق أن تأويله قاصدين إليك وأنت أكرم من يجيب قاصدًا. وحكى لغة بالتشديد أيضًا القاضي عياض وأنكرها ابن السكيت وغيره وزعموا أنها من لحن العوام.

стр. 1830

وقال القاضي حسين في "تعليقه": لا يجوز تشديد الميم، قال: وهذا أول لحن سُمع من الحسين بن الفضل حين دخل خراسان. وقال صاحب "التتمة": لا يجوز التشديد فإن شدد بطلت صلاته. وقال الشيخان أبو محمد الجويني ونصر المقدسي: التشديد لا تعرفه العرب وإن كانت الصلاة لا تبطل به لقصده الدعاء. قال أهل العربية: آمين موضوعة موضع اسم الاستجابة كما أن صه موضوعة للسكوت، قالوا: وحق آمين الوقف لأنها كالأصوات فإن حركها محرك ووصلها بشيء بعدها فتحها لالتقاء الساكنين وإنما لم تكسر لثقل الكسرة بعد الياء كما فتحوا أين وكيف. واختلف العلماء في معناها، فقال الجمهور من أهل اللغة والغريب والفقه: معناه اللهم استجب، وقيل: ليكن كذلك، وقيل: افعل وقيل: لا تخيّب رجاءنا، وقيل: لا يقدر على هذا غيرك. وقال آخرون: هو طابع الله على عباده يدفع به عنهم الآيات، وقيل: هو كنز من كنوز العرش لا يعلم تأويله إلا الله. وقيل: هو اسم لله تعالى وهو ضعيف. الثانية: فيه دليل على وجود الملائكة ودعائهم للمصلين كما قال: ﴿ويستغفرون لمن في الأرض﴾. الثالثة: فيه الترغيب في التأمين لما وعد به قائله من تأمين الملائكة على تأمينه وهو قَمِنَ بالإجابة وكما يستحسن من المصلي المثابرة على مساوقة الملائكة في التأمين رجاء الإجابة، فكذلك يستقبح منه الإعراض عن التعرض لتأمينهم معه لما

стр. 1831

فيه من مظنة الإجابة. وروى أبو داود من حديث الفريابي عن صبيح بن محرز حدثني أبو مصبح المقرائي قال: كنا نجلس إلى أبي زهير النميري وكان من الصحابة فإذا دعا الرجل منا بدعاء، قال: اختمه بآمين، فإن آمين مثل الطابع على الصحيفة. وذكر في ذلك خبرًا عن النبي ﷺ . صبيح بضم الصاد وثقه ابن حبان، وأبو مصبح وثقه أبو زرعة. الرابعة: قوله: (حتى إن للمسجد للجة) هو بفتح اللام وتشديد الجيم وهو اختلاط الأصوات. الخامسة: التأمين سنة لكل مصل فرغ من قراءة الفاتحة سواء الإمام والمأموم والمنفرد: الرجل والمرأة والصبي والقائم والقاعد والمضطجع والمفترض والمتنفل في الصلاة، السرية والجهرية لا خلاف في شيء من هذا عند أصحابنا، ويستحب التأمين أيضًا لمن فرغ من قراءة الفاتحة وإن لم يكن في الصلاة، لكنه في الصلاة أشد استحبابًا وقد اختلف الناس في شيء من ذلك كما سيأتي. السادسة: إن كانت الصلاة سرية أسر الإمام وغيره بالتأمين تبعًا للقراءة وإن كانت جهرية وجهر بالقراءة استحب للإمام الجهر بالتأمين. السابعة: المنفرد قطع الجمهور بأنه يسن له الجهر بالتأمين كالإمام وقيل يسر به وهو شاذ ضعيف. الثامنة: المأموم الأصح أنه يجهر به هذا إذا أمن الإمام، أما إذا لم يؤمن فيستحب للمأموم التأمين جهرًا بلا خلاف نص عليه في "الأم" واتفقوا عليه ليسمعه الإمام فيأتي به وسواء تركه الإمام عمدًا أو سهوًا.

стр. 1832

التاسعة: يستحب أن يقع تأمين المأموم مع تأمين الإمام لقوله ﵇: "فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة" الحديث فينبغي أن يقع تأمين الإمام والمأموم والملائكة في حين واحد. وأما قوله: "إذا أمن فأمنوا" فالمراد إذا أراد التأمين، يستفاد ذلك من الحديث الآخر: "إذا قال غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين". العاشرة: إذا لم يقل آمين لم يقضه إذا فاته ذلك بعد الفراغ من الفاتحة، قالوا: إذا اشتغل بغيره فات ولم يرجع إليه، وقال صاحب "الحاوي": فإن ترك التأمين ناسيًا فذكره قبل قراءة السورة أمّن، وإن ذكره في الركوع لم يؤمن وإن ذكره في القراءة فهل يؤمن؟ فيه وجهان مخرجان من القولين فيمن نسي تكبيرات العيد حتى شرع في القراءة. الحادية عشرة: يستحب أن لا يصل لفظة (آمين) بقوله: ولا الضالين بل يفصل بسكتة لطيفة جدًّا ليعلم أن آمين ليست بقرآن. ومن قال: يتبع التأمين القراءة فمحمول على أن مراده لا يفصل بين القراءة والتأمين بسكوت طويل. الثانية عشرة: قال الشافعي: في "الأم": لو قال: آمين رب العالمين وغير ذلك من ذكر الله تعالى كان حسنًا ولا يقطع الصلاة شيء من ذكر الله تعالى. الثالثة عشرة: في ذكر مذاهب السلف في شيء من هذه الفروع وقد ذكرنا استحباب التأمين للإمام والمأموم والمنفرد وأن الإمام والمنفرد يجهران به وكذا المأموم على الأصح. وحكى القاضي أبو الطيب والعبدري الجهر به عن طاوس وأحمد وإسحاق وابن خزيمة وابن المنذر وداود وهو مذهب ابن الزبير.

стр. 1833

وقال أبو حنيفة والثوري يسرون بالتأمين، وكذا قال مالك في المأموم وعنه في الإمام روايتان: إحداها: يسر به. والثانية: لا يأتي به، وكذا المنفرد عنده. واحتج الحنفيون برواية شعبة: خفض بها صوته وقد تقدم تعليلها. وقال المالكيون: سنة الدعاء تأمين السامع دون الداعي وآخر الفاتحة دعاء فلا يؤمن الإمام لأنه داع فقاسوا الدعاء الخاص المأمور بالتأمين فيه من الداعي والسامع على الدعاء العام الذي ليس كذلك والشرع قد فرق بينهما. * * *

стр. 1834

٧٢ - باب ما جاء في السكتتين في الصلاة ثنا أبو موسى محمد بن المثنى نا عبد الأعلى عن سعيد عن قتادة عن الحسن عن سمرة قال: سكتتان حفظتهما عن رسول الله ﷺ ، فأنكر ذلك عمران بن الحصين وقال: حفظنا سكتة فكتبنا إلى أبي بن كعب بالمدينة فكتب أُبي: أن حفظ سمرة. قال سعيد: فقلنا لقتادة: ما هاتان السكتتان؟ قال: إذا دخل في صلاته وإذا فرغ من القراءة ثم قال بعد ذلك: وإذا قرأ ولا الضالين ثم قال: وكان يعجبه إذا فرغ من القراءة أن يسكت حتى يترادّ إليه نَفَسُه. قال: وفي الباب عن أبي هريرة. قال أبو عيسى: حديث سمرة حديث حسن، وهو قول غير واحد من أهل العلم يستحبون للإمام أن يسكت بعدما يفتتح الصلاة وبعد الفراغ من القراءة وبه يقول أحمد وإسحاق وأصحابنا. * الكلام عليه: حديث سمرة رواه الإمام أحمد وأبو داود من طرق منها عن ابن مثنى بسنده سواء وابن ماجه، وقد تقدم الكلام في سماع الحسن من سمرة لغير حديث العقيقة، وقد صحح الترمذي حديث الحسن عنه في غير موضع، فمن ذلك: حديث: نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة. رواه عن ابن مثنى عن ابن مهدي عن حماد بن سلمة عن قتادة عن الحسن. وحديث: "جار الدار أحق بدار الجار"، رواه عن علي بن حجر عن إسماعيل بن علية عن سعيد عن قتادة عن الحسن.

стр. 1835

وحديث: "لا تلاعنوا بلعنة الله ولا بغضب الله ولا بالنار"، عن ابن مثنى عن ابن مهدي عن هشام عن قتادة. وحديث: "الحسب المال والكرم التقوى"، رواه عن الفضل بن سهل الأعرج وغير واحد عن يونس بن محمد عن سلام بن أبي مطيع عن قتادة عن الحسن. وحديث: "الصلاة الوسطى صلاة العصر". وقد كان هذا الحديث من هذا الوجه جديرًا بالتصحيح على مقتضى هذا التصرف؛ فإنه قد صحح من حديث سعيد عن قتادة عن الحسن حديث: جار الجار، وهي عنده من روايته عن علي بن حجر عن إسماعيل بن علية عن سعيد وكذلك هذا من حديثه عن محمد بن المثنى عن عبد الأعلى وكلاهما من شرط الصحيح. وعبد الأعلى هو ابن عبد الأعلى القرشي السامي من ولد سامة بن لؤي، وثقه يحيى بن معين وأبو زرعة وغيرهما، وروى له الستة في كتبهم، مات سنة سبع (١) وثمانين ومائة. وحديث أبي هريرة الذي نذكره شاهد له، وقد قال الدارقطني: رواة هذا الحديث كلهم ثقات، وكذلك قال البيهقي، وهو عندهما من حديث جيد (٢) عن الحسن فسلم من الإعلال باختلاط سعيد بن أبي عروبة، والاحتياج إلى معرفة من روى عنه، هل هو ممن روى قبل الاختلاط أو بعد؟ وكان علي بن المديني ممن يثبت سماع الحسن من سمرة مطلقًا.

стр. 1836

وقد كان يمكن أن يقال إن سعيد بن أبي عروبة من الحفاظ المختلطين بأخرة، وقد سمع منه قوم قبل الاختلاط كيزيد بن زريع ويزيد بن هارون. وقوم بعد الاختلاط منهم ابن أبي عدي وأبو نعيم. ولم نر لعبد الأعلى ولا لابن علية ذكر في إحدى الطائفتين وكون تصحيح الترمذي حديث ابن علية الذي ذكرناه عنه وتحسينه حديث عبد الأعلى هذا لأن الأول قد يكون عنده ممن سمع من ابن أبي عروبة قبل الاختلاط وعبد الأعلى قد يكون عنده ممن سمع منه بعد الاختلاط لكن قد صحح من حديث عبد الأعلى عنه حديث: أن رجلًا على عهد النبي ﷺ كان يبتاع وفي عقله ضعف. رواه عن يوسف بن حماد عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى عن سعيد عن قتادة عن أنس. وحديث: أن النبي ﷺ كتب قبل موته إلى كسرى وإلى قيصر. رواه بالسند المذكور قبله عن يوسف بن حماد وصححه أيضًا. وقد صحح مسلم من حديث عبد الأعلى عن سعيد جملة أحاديث فمن ذلك حديث: "من نام عن صلاة أو نسيها"، وحديث: نهى أن يشرب الرجل قائمًا، رواهما عن محمد بن المثنى عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى عن ابن أبي عروبة عن قتادة عن أنس. وحديث: سألوه حتى أحفوا أخرجه عن يوسف بن حماد نا عبد الأعلى مثله سواء. ولا يلزم الترمذي من ذلك ما لزم مسلمًا من التصحيح لأنه قد يكون ممن يخالف اجتهاده اجتهاده في ذلك، وإنما الاعتراض على الترمذي وإلزامه بما فعله هو من تصحيح حديث عبد الأعلى عن سعيد حيث صححه وإنما ذكرنا ما وقع لمسلم من ذلك على سبيل التأنيس والترجيح للقول بصحة حديث الباب، وشاهده من

стр. 1837

حديث أبي هريرة مخرج في الصحيحين. لكنه تضمن سكتة واحدة وحديث الباب تضمن سكتتين ولا يخرجه ذلك عن أن يكون شاهدًا فقد عده الترمذي مما في الباب، وقال ابن عدي (١): سعيد بن أبي عروبة من ثقات الناس، وله أصناف كثيرة، حدث عنه الأئمة ثم قال: وحدث بأصنافه، أرواهم عنه عبد الأعلى السامي. وقد رواه عن الحسن كرواية قتادة: أشعث ويونس بن عبيد وغيرهما بالأسانيد الصحيحة، فلا مانع من القول بصحته، والله أعلم. وأما حديث أبي هريرة فروى أبو داود والنسائي من حديث عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ كانت له سكتة إذا افتتح الصلاة. رواه أبو داود عن أحمد بن أبي شعيب عن محمد بن فضيل، والنسائي عن محمود بن غيلان عن وكيع كلاهما عن عمارة واللفظ للنسائي، وقد تقدم في باب ما يقول عند افتتاح الصلاة ذكر هذا الحديث مطولًا من صحيحي البخاري ومسلم. وقد روى الدارقطني من حديث عطاء عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلى صلاة مكتوبة مع الإمام فليقرأ فاتحة الكتاب في سكتاته". فيه محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير راويه عن عطاء وهو ساقط. قال الخطابي: إنما كان يسكتهما ليقرأ من خلفه فيهما فلا ينازعونه القراءة إذا قرأ. وإليه ذهب الأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق، وقال أصحاب الرأي ومالك: السكتة مكروهة.

стр. 1838

قال أبو الفتح: كلام أبي سليمان هذا في السكتة التي بعد قراءة الإمام الفاتحة والحديث تضمن سكتتين وقد وقع بيان الأولى منهما في حديث أبي هريرة السابق في أبواب الافتتاح حيث قال: كان رسول الله ﷺ يسكت بين التكبير والقراءة إسكاتة، وفيه: بأبي وأمي يا رسول الله إسكاتتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: "أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي ... " الحديث، وإطلاق السكتة على هذه مجاز فإنها مشغولة بما ذكره من الافتتاح غير أنه فصل بما أسر به فيها بين التكبير والقراءة ولعل ذلك في الصلاة الجهرية وفيه حجة لمن اختار الإتيان بدعاء الافتتاح سرًّا، وقد اختلف فيه الأصحاب على قولين: أحدهما: يستحب الجهر به في الصلاة الجهرية وأصحهما المستحب الإسرار به بكل حال، وذكر صاحب البيان القولين على وجه آخر: الأول: أنه يتخيّر الجهر والإسرار ولا ترجيح. الثاني: أنه يستحب فيه الجهر ثم نقل عن أبي علي الطبري إنه يستحب الإسرار به فحصل في المسألة ثلاثة أقوال، فحصل بما ذكرناه الجمع بين قول عمران سكتة وقول سمرة سكتتين، وأن الأولى قبل الفاتحة والثانية تلي قراءة الفاتحة لقوله: وإذا قرأ ولا الضالين. وقد وقع في الحديث سكتة يليها التكبير للركوع وهو ما روى ابن أيمن (١) ثنا أحمد بن محمد البرتي القاضي نا أبو معمر نا عبد الوارث بن سعيد التنوري ثنا يونس هو ابن عبيد عن الحسن البصري أن سمرة بن جندب صلى فكبر ثم سكت ساعة ثم قرأ فلما ختم السورة سكت ساعة ثم كبّر فركع فقال له عمران بن حصين: فقال سمرة: حفظت ذلك عن رسول الله ﷺ فكتب في ذلك إلى أبي بن كعب

стр. 1839

فصدق سمرة، وكذا رواه أبو داود من حديث يونس عن الحسن: سكتة إذا كبر الإمام حتى يقرأ وسكتة إذا فرغ من فاتحة الكتاب وسورة عند الركوع وقال بعده: وكذا قال حميد في هذا الحديث وسكتة إذا فرغ من القراءة، وحديث حميد هذا الذي أشار إليه أبو داود وأخرجه البخاري في كتاب "القراءة خلف الإمام" من حديث حماد بن سلمة عنه. رواه عن أبي الوليد وموسى عن حماد. فقد روى في حديث سكتة وفي حديث سكتتان وفي آخر سكتات فتكون الأولى لدعاء الافتتاح والثانية لتراد النفس والثالثة ليقرأ فيها المأموم الفاتحة وإن كان حديث السكتات ضعيفًا فيعضده الخلف في حديث سمرة في موضع الثانية متى هو. وقد استحب الفقهاء سكتة رابعة لطيفة تفصل بين تمام القراءة والركوع، وذكروا حديث نهيه ﵇ عن الوصال في الصلاة، وفسروه بوصل القراءة بتكبيرة الركوع، أو بترك الطمأنينة، ولم يعزوا الحديث إلى كتاب ولا راوٍ (١). * * *

стр. 1840

٧٣ - باب ما جاء في وضع اليمين على الشمال في الصلاة ثنا قتيبة ثنا أبو الأحوص عن سماك بن حرب عن قبيصة بن هلب عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ يؤمنا فيأخذ شماله بيمينه. قال: وفي الباب عن وائل بن حجر وغطيف بن الحارث وابن عباس وابن مسعود وسهل بن سعد. قال أبو عيسى: حديث هلب حديث حسن، والعمل على هذا عند أهل لعلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم يرون أن يضع الرجل يمينه على شماله في الصلاة. ورأى بعضهم أن يضعها فوق السرة، ورأى بعضهم أن يضعها تحت السرة وكل ذلك واسع عندهم. واسم هلب يزيد بن قُنَافَة. * الكلام عليه: حديث هلب رواه الإمام أحمد وابن ماجه والدارقطني في إسناده قبيصة بن هلب لم يرو عنه غير سماك وثقه العجلي وقال ابن المديني والنسائي: مجهول. وأما حديث وائل بن حجر فعند مسلم من حديث محمد بن جحادة عن عبد الجبار بن وائل عن علقمة بن وائل ومولى لهم عن أبيه وائل بن حجر: أنه رأى النبي ﷺ يرفع يديه حين دخل في الصلاة -وصفهما حيال أذنيه- ثم التحف ثوبه ثم وضع يده اليمنى على اليسرى، فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب ثم رفعهما ثم كبر فرفع، فلما قال: "سمع الله لمن حمده"، رفع يديه، فلما سجد سجد بين كفيه.

стр. 1841

ورواه النسائي من حديث علقمة عن أبيه قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا كان قائمًا في الصلاة قبض بيمينه على شماله. وحديث غطيف بن الحارث روى معاوية بن صالح قال: حدثني يونس بن سيف العبسي عن الحارث بن غطيف أو غطيف بن الحارث الكندي شك معاوية قال: مهما رأيت نسيت لم أنس أني رأيت رسول الله ﷺ وضع يده اليمنى على اليسرى يعني في الصلاة لفظ رواية أبي بكر بن أبي شيبة عن زيد بن الحباب عنه ورواه الإمام أحمد. وحديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نؤخر السحور ونعجل بالإفطار وأن نمسك بأيماننا على شمائلنا في الصلاة". رواه الدارقطني (١). وحديث ابن مسعود روى هشيم عن الحجاج بن أبي زينب قال: سمعت أبا عثمان يحدث عن ابن مسعود قال: رآني النبي ﷺ قد وضعت شمالي على يمين في الصلاة فأخذ بيميني فوضعها على شمالي رواه النسائي عن عمرو بن علي عن عبد الرحمن عن هشيم وهؤلاء رجال الصحيح. ورواه أبو داود عن محمد بن الريان عن هشيم. وحديث سهل بن سعد روى مالك عن أبي حازم عن سهل بن سعد أنه قال: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة. وقال أبو حازم: لا أعلمه إلا ينمي ذلك يعني يرفعه إلى النبي ﷺ . رواه

стр. 1842

البخاري عن القعنبي عن مالك. وفي الباب مما لم يذكره عن جابر قال: مر رسول الله ﷺ برجل وهو يصلي وقد وضع يده اليسرى على اليمنى فانتزعها ووضع اليمنى على اليسرى. رواه الإمام أحمد والدارقطني. وفيه عن ابن الزبير، وروى أبو أحمد عن العلاء بن صالح عن زرعة بن عبد الرحمن قال: سمعت ابن الزبير يقول: "صف القدمين ووضع اليد على اليد من السنة" رواه أبو داود. وفيه عن أبي الدرداء قال: من حديث الأعمش عن مجاهد عن مورق عن أبي الدرداء قال: من أخلاق النبيين وضع اليمنى على الشمال في الصلاة. ذكره ابن أبي شيبة عن وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عنه. وذكر أيضًا عن وكيع عن يوسف بن ميمون عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : "كأني أنظر إلى أحبار بني إسرائيل واضعي أيمانهم على شمائلهم في الصلاة". وفيه عن عائشة ﵂ ذكره البيهقي من طريق محمد بن أبان عنها قالت: ثلاث من النبوة تعجيل الإفطار وتأخير السحور ووضع اليمنى على اليسرى في الصلاة. قال البيهقي: هذا صحيح عن محمد بن أبان. وعن أنس مثله وزاد: تحت السرة ذكره ابن حزم. وفيه من طريق أبي حميد الساعدي أنه قال: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ : ثم وصف أنه كبر فرفع يديه إلى وجهه ثم وضع يمينه على شماله، ذكره أبو

стр. 1843

محمد أيضًا (١). وهلب الطائي اختلف في تقييده فالمشهور هُلْب بضم الهاء وسكون اللام. وقال ابن دريد هَلِب بفتح الهاء وكسر اللام وكذا رأيته عند ابن سعد وأنشد. أنا عويج ومعي سيف الهَلِبِ ... أنا الذي أشجع من معدي كرب وسمعت من يقول: هو مكسور اللام مشدد الباء. قال أبو عمر: يقال: أن اسمه يزيد بن عدي بن قنافة بن عدي بن عبد شمس بن عدي بن أخزم بن أبي الأخزم -بالزاي فيهما والخاء المعجمة- الطائي وأن هُلبًا لقب. وقيل: بل هلب بن يزيد بن قنافة، وفد على النبي ﷺ وهو أقرع فمسح على رأسه فنبت شعره، وهو كوفي روى عنه ابنه قبيصة بن هلب أنه رأى النبي ﷺ

стр. 1844

واضعًا يده اليمنى على اليسرى في الصلاة وقال: رأيته ينصرف عن يمينه وشماله في الصلاة وهو حديث صحيح. وقال غير أبي عمر: كان يزيد بن قنافة أقرع فلما مسح النبي ﵇ ناصيته ونبت شعره سمي هلبًا والأهلب الكثير الشعر. فمن اعتمد توثيق العجلي قبيصةَ يمكنه أن يصحح الحديث لأن الجهالة لا تعارض التعديل وللحديث شواهد كثيرة ذكرناها. وفيه مسائل: الأولى: ذهب قوم إلى أن وضع اليمين على اليسار في الصلاة سنة يحكى ذلك عن علي وأبي هريرة وعائشة وقوم من الصحابة ﵃، ويروى عن سعيد بن جبير والنخعي وأبي مجلز وعمرو بن ميمون وأيوب السختياني، وإليه ذهب سفيان الثوري وأبو حنيفة وحماد بن سلمة والشافعي وأحمد وإسحاق. وقال آخرون: يرسلهما ولا يضع اليمنى على اليسرى ذكره ابن المنذر عن ابن الزبير والحسن البصري والنخعي وذكر عن ابن سيرين وقال الليث: يرسلهما فإن طال ذلك عليه وضع اليمنى على اليسرى للاستراحة. وقال الأوزاعي: هو مخير بين الوضع والإرسال وروى ابن عبد الحكم عن مالك الوضع وروى عنه ابن القاسم الإرسال، عن مالك رواية: لا بأس به في النوافل. واحتج أصحابنا بما سبق من أحاديث الباب، ومخالفوهم بأن النبي ﷺ إذ علم السيء صلاته الصلاة لم يذكر وضع اليمين على الشمال، ولا حجة فيه لأنه ﵇ إنما علمه الفرائض ليكون أيسر للحفظ، والوضع المذكور سنة.

стр. 1845

الثانية: قد ذكرنا حكم ذلك فما حكمته قال أصحابنا: وضع اليد على اليد في الصلاة أسلم للمصلي من العبث وأحسن في التواضع والتضرع والتذلل، وأما من كرهه فعلل بمخافة أن يعد من لوازم الصلاة أو لئلا يظهر من خشوع ظاهره أكثر من خشوع باطنه أو كره للاعتماد ولذا (١) قال مالك: لا بأس به في النوافل لطولها. وأما تعلية يمناهما على اليسرى فلشرفها. الثالثة: هل يرسل المصلي يديه بعد تكبيرة الإحرام ثم يضمهما بعد ذلك إلى صدره ويجعل يمناهما على يسراهما أم يضمهما إلى صدره من غير إرسال؟ ذكر الغزالي في "الإحياء" أنه لا ينفض يديه يمينًا وشمالًا إذا فرغ من التكبير ولكن يرسلهما إرسالًا خفيفًا رقيقًا ثم يستأنف وضع اليمين على الشمال وذكر في ذلك أثرًا وهذا ظاهر في أنه يدلي يديه ثم يضمهما. وقال صاحب "التهذيب" وغيره: المصلي بعد الفراغ من التكبير يجمع بين يديه وهذا يشعر بالاحتمال الثاني. الرابعة: كيفية (٢) الوضع، وقد اختلف الناس في ذلك والمستحب عندنا أن يأخذ بيمينه على شماله بأن يقبض بكفه اليمنى كوع اليسرى ويقبض على الرسغ والساعد، وقال القفال: يتخير بين بسط أصابع اليمنى في عرض المفصل وبين نشرها في صوب الساعد. وقال أبو حنيفة: يضع كفه اليمنى على ظهر كفه اليسرى من غير أخذ، وفي حديث وائل بن حجر: كبر ثم أخذ بيمينه على شماله. الخامسة: محل الوضع المستحب عندنا جعلهما تحت صدره فوق سرته، وبه

стр. 1846

قال سعيد بن جبير وداود. وقال أبو حنيفة والثوري وإسحاق يجعلهما تحت سرته وبه قال أبو إسحاق المروزي من أصحابنا وحكي عن أبي هريرة والنخعي وأبي مجلز وعن علي روايتان إحداهما فوق السرة والثانية تحتها وعن أحمد ثلاث روايات هاتان والثالثة التخيير بينهما. وقال ابن المنذر في بعض تصانيفه: لم يثبت عن النبي ﷺ في ذلك شيء فهو مخير. واحتج من قال: تحت السرة بأثر روي في ذلك من طريق عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي وهو ضعيف. واحتج من قال على صدره، بحديث وائل بن حجر: صليت مع النبي ﷺ فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره صححه ابن خزيمة. * * *

стр. 1847

٧٤ - باب ما جاء في التكبير عند الركوع والسجود ثنا قتيبة ثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة والأسود عن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ يكبر في كل خفض ورفع وقيام وقعود وأبو بكر وعمر. قال: وفي الباب عن أبي هريرة وأنس وابن عمر وأبي مالك الأشعري وأبي موسى وعمران بن حصين ووائل بن حجر وابن عباس. قال أبو عيسى: حديث عبد الله بن مسعود حديث حسن صحيح. والعمل عليه عند أصحاب النبي منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم ومن بعدهم من التابعين وعليه عامة الفقهاء والعلماء. * * *

стр. 1848

٧٥ - باب منه آخر نا عبد الله بن منير المروزي قال: سمعت علي بن الحسن قال: أنا عبد الله بن المبارك عن ابن جريج عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ كان يكبر وهو يهوي. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح وهو قول أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم قالوا: يكبر الرجل وهو يهوي للركوع والسجود. * الكلام عليه: حديث ابن مسعود رواه النسائي عن عمرو بن علي عن يحيى ومعاذ عن زهير عن أبي إسحاق بإسناده نحوه. وعن إسحاق بن إبراهيم عن أبي نعيم ويحيى بن آدم عن زهير بإسناده نحوه. وعن قتيبة عن أبي الأحوص نحوه وعن ابن مثنى عن معاذ عن زهير نحوه. وحديث أبي هريرة احتج البخاري برواته وقال عن ابن منير: لم أر مثله، ووثقه النسائي. وروى الجماعة عن علي بن الحسن بن شقيق إلا أبا داود. وقد روينا من طريقي البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة كبر حين يقوم ثم يكبر حين يركع ثم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع ثم يقول وهو قائم: ربنا لك الحمد ثم يكبر حين يهوي ساجدًا ثم يكبر حين يرفع رأسه ثم يكبر حين يسجد ثم يكبر حين يرفع رأسه ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد

стр. 1849

الجلوس وهذا لفظ البخاري غير أنه قال مرة: من المثنى بعد الجلوس، وفيه عن أبي هريرة غير ما ذكرنا. وحديث أنس روينا من طريق النسائي أنا قتيبة نا أبو عوانة عن عبد الرحمن الأصم قال: سئل أنس بن مالك عن التكبير في الصلاة فقال: يكبر إذا ركع وإذا سجد وإذا رفع رأسه من السجود وإذا قام من الركعتين فقال حُطيم: عمن تحفظ هذا؟ قال: عن النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄. حُطَيم بضم الحاء والطاء المهملتين شيخ يجالس أنسًا وهو غير منسوب. وحديث ابن عمر روى الإمام أحمد والنسائي من طريق واسع ابن حبان أنه سأل ابن عمر عن صلاة رسول الله ﷺ قال: الله أكبر كلما وضع وكلما رفع ثم يقول: السلام عليكم ورحمة الله على يمينه، السلام عليكم ورحمة الله على يساره. وحديث أبي مالك الأشعري قيل: اسمه كعب بن عاصم، وقيل الحارث وقيل عبيد بن عمرو روى أبو بكر بن أبي شيبة ثنا محمد بن كثير ثنا سعيد عن قتادة عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم عن أبي مالك الأشعري أنه جمع قومه فقال: اجتمعوا حتى أصلي لكم صلاة رسول الله ﷺ ، فاجتمعوا فصلى بهم صلاة الظهر فكبر بهم اثنتين وعشرين تكبيرة سوى تكبيرة الافتتاح يكبر إذا سجد وإذا رفع رأسه وقرأ في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب أو قال: أم القرآن وأسمع من يليه. وحديث أبي موسى روى ابن ماجه من حديث أبي إسحاق عن بريد بن أبي مريم عن أبي موسى قال: صلى بنا علي يوم الجمل صلاة أذكرنا بها صلاة رسول الله ﷺ كان يكبر في كل خفض ورفع وقيام وقعود. قال أبو موسى: فإما نسيناها وإمّا تركناها عمدًا رواه عن عبد الله بن عامر بن

стр. 1850

زرارة عن أبي بكر بن عياش عنه. وذكره أبو عمر من طريق أبي إسحاق عن الأسود بن يزيد عن أبي موسى ولفظه: فكان يكبر كلما رفع وكلما وضع وكلما سجد، رواه عن عبد الوارث بن سفيان ثنا قاسم بن أصبغ نا أحمد بن زهير نا أبو نعيم ثنا إسرائيل عنه. وفأما حديث عمران بن حصين فروى البخاري ومسلم من حديث مطرف قال: صليت أنا وعمران بن حصين خلف علي بن أبي طالب فكان إذا سجد كبر وإذا رفع رأسه كبر وإذا نهض من الركعتين كبر فلما انصرفنا من الصلاة أخذ عمران بيدي ثم قال: لقد صلى بنا هذا صلاة محمد ﷺ أو قال: قد ذكرني هذا صلاة محمد ﷺ . وأما حديث وائل بن حجر فروى أبو داود من حديث عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر قال: قلت: لأنظرن إلى صلاة رسول الله ﷺ كيف يصلي، قال: فقام رسول الله ﷺ واستقبل القبلة فكبر فرفع يديه حتى حاذتا أذنيه ثم أخذ شماله بيمينه فلما أراد أن يركع رفعهما كذلك ثم وضع يديه على ركبتيه فلما رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك ... الحديث. ورواه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه ﷺ . وأما حديث ابن عباس فروى البخاري عن عكرمة قال: صليت خلف شيخ بمكة فكبر ثنتين وعشرين تكبيرة فقلت لابن عباس: إنه أحمق، فقال: ثكلتك أمك سنة أبي القاسم ﷺ . وروي عنه أيضًا قال: رأيت رجلًا عند المقام يكبر في كل خفض ورفع وإذا قام وإذا وضع، فأخبرت ابن عباس قال: أوليس تلك صلاة النبي ﷺ لا أم لك. وفيه أيضًا مما لم يذكره عن فليح عن سعيد بن الحارث قال: اشتكى أبو هريرة

стр. 1851

أو غاب، فصلى أبو سعيد الخدري فجهر بالتكبير حين افتتح وحين ركع وبعد أن قال: سمع الله لمن حمده وحين رفع رأسه من السجود وحين سجد وحين رفع وحين قام من الركعتين حتى قضى صلاته على ذلك، فلما انصرف قيل له: قد اختلف الناس على صلاتك، فخرج حتى قام عند المنبر فقال: أيها الناس إني والله ما أبالي اختلفت صلاتكم أولم تختلف إني رأيت رسول الله ﷺ هكذا يصلي. رواه الإمام أحمد نحوه. وهكذا رواه البيهقي وقال: رواه البخاري في الصحيح عن يحيى بن صالح عن فليح .. قال أبو الفتح: وليس في لفظ البخاري وحين افتتح وحين رفع وبعد أن قال: سمع الله لمن حمده، وهذه زيادة حسنة ذكرها البيهقي بسند حسن. ولا تسامح البيهقي من نسبتها لتخريج البخاري فيها تسامح به أصحاب الأطراف والمتكلمون على مخارج الحديث وطرقه، لأن مقصوده الاستدلال بالألفاظ واستنباط الأحكام منها، فكان سبيله أن يقول: وأصل الحديث عند البخاري أو ما في معناه والله أعلم. وقد تقدم الكلام في حديث سعيد بن سمعان عن أبي هريرة: كان إذا قام إلى الصلاة رفع يديه مدًّا، على حكم تكبيرة الإحرام وكثير من مسائل هذا الباب، وأُخّر الكلام على ما عدا تكبيرة الإحرام من التكبير إلى هذا الموضع، وفي (١) أحاديث الباب أن حكم الصلاة أن يكبر في كل خفض ورفع منهما وأن ذلك سنتها وهو قول مجمل لأن رفع الرأس من الركوع ليس فيه تكبير، إنما هو التحميد بإجماع، فمعناه أنه يكبر كلما خفض ورفع إلا في رفع رأسه من الركوع، لأنه لا خلاف في ذلك. وفي أحاديث أبي هريرة ما يشعرنا بأن الناس كلهم لم يكونوا يفعلون ذلك

стр. 1852

لقوله: أنا أشبهكم صلاة برسول الله ﷺ ، ولقوله: في حديث سعيد بن سمعان عنه: ثلاث كان رسول الله ﷺ يفعلهن تركهن الناس وذكر: وكان يكبر كلما رفع وخفض. وفي قوله في حديث أبي هريرة: كان يكبر وهو يهوي، أن التكبير في زمن الهوي وسيأتي الكلام على ذلك في بابه إن شاء الله تعالى. وفي حديث أنس قول حُطَيم: عمن تحفظ هذا؟ وفي حديث أبي موسى: أن عليًّا صلى بهم صلاة أذكرهم بها صلاة رسول الله ﷺ . وكذلك في حديث عمران بن حصين علي بن أبي طالب، وكذلك في حديث عكرمة وقوله لابن عباس: إنه أحمق حيث كبر بهم ثنتين وعشرين تكبيرة حتى قال له ابن عباس: تلك صلاة رسول الله ﷺ . وقد اختلفت الأحاديث والآثار في ذلك وبحسب اختلافها اختلف فيه العلماء كما سنذكره. فروينا من طريق الإمام أحمد وأبي داود اللفظ له أنا محمد بن بشار وابن المثنى قالا: ثنا أبو داود نا شعبة عن الحسن بن عمران قال ابن بشار: الشامي، قال أبو داود: أبو عبد الله العسقلاني عن ابن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه: أنه صلى مع رسول الله ﷺ وكان لا يتم التكبير. وفي لفظ للإمام أحمد: يعني إذا خفض ورفع. ورواه محمود بن غيلان عن أبي داود عن شعبة بسنده إلى ابن أبزى وفيه أنه صلى مع النبي ﷺ فكان لا يكبر إذا خفض يعني بين السجدتين. ورواه بندار عن أبي داود عن شعبة عن الحسن بن عمران عن ابن أبزى عن أبيه قال: صليت مع النبي ﷺ فلم يتم التكبير وصليت مع عمر بن عبد العزيز فلم يتم التكبير.

стр. 1853

وروى الوليد بن مسلم ثنا سعيد بن عبد العزيز عن الزهري قال: قلت لعمر بن عبد العزيز: ما يمنعك أن تتم التكبير وهذا عاملك عبد الحميد بن عبد الرحمن يتمه، قال: تلك الصلاة الأولى وأبي أن يقبل مني. قال أبو عمر: وقد روي عن عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز وقتادة أنهم كانوا لا يتمون التكبير. ومن ذلك حديث أبي هريرة ورفاعة بن رافع جميعًا عن النبي ﵇ أنه رأى رجلًا دخل المسجد فصلى ثم جاء فسلم فقال له: "ارجع فصل فإنك لم تصل ... " الحديث، وفيه: ما أحسن غير هذا فعلمني فقال: "إذا أردت الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ... " الحديث، ولم يأمره ببقية التكبيرات. وذكر ابن أبي شيبة ثنا جرير عن منصور عن إبراهيم قال: أول من نقص التكبير زياد. وقال إسحاق بن منصور: سمعت أحمد بن حنبل يقول: يروى عن ابن عمر أنه كان لا يكبر إذا صلى وحده. قال: وكان قتادة يكبر إذا صلى وحده. قال أحمد: وأحب إليّ أن يكبر من صلى وحده في الفرائض، فأما التطوع فلا، قال إسحاق: قلت لأحمد: ما الذي نقصوا من التكبير؟ قال: إذا انحط إلى السجود من الركوع وإذا أراد أن يسجد السجدة الثانية من كل ركعة. قال إسحاق بن منصور: وقال إسحاق بن راهويه: نقصان التكبير هو إذا انحط إلى السجود فقط ذكره أبو عمر وقال: قد روي عن ابن عمر مسندًا ما يرد قول من قال عنه: إنه كان لا يتم التكبير لأنه محال أن يكون عنده في ذلك عن النبي ﷺ شيء ويخالفه ولو كان مباحًا ولا سيما ابن عمر، انتهى. والذي ذهب إليه أصحابنا في تكبيرات الانتقالات كلها أنها سنة، قال ابن

стр. 1854

المنذر: وبهذا قال أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وابن مسعود وابن عمر وجابر وقيس بن عباد والشعبي وأبو حنيفة والثوري والأوزاعي ومالك وسعيد بن عبد العزيز وابن جابر وعامة أهل العلم. وقال آخرون: لا تشرع إلا تكبيرة الإحرام فقط يحكى ذلك عن عمر بن الخطاب وقتادة وعن سعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز والحسن البصري قالوا: ولا يكبر المصلي غيرها، ونقله ابن المنذر أيضًا عن القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله بن عمر ونقله ابن بطال عن جماعة أيضًا منهم معاوية بن أبي سفيان وابن سيرين. وقال أحمد في رواية عنه: جميع التكبيرات واجبة. وقال البغوي في "شرح السنة": اتفقت الأمة على هذه التكبيرات يريد أنها سنة. فإما أن يكون هذا الخلاف ما بلغه، وإما أن يريد الإجماع بعد عصر التابعين كما هو المختار عند كثير من الأصوليين أن الإجماع بعد الخلاف رافع للخلاف ذكر معناه الشيخ محيي الدين النووي ﵀ بعد أن حكى خلاف أحمد وقوله بالوجوب. وقد ذكرنا خلاف إسحاق بن راهويه فيما عدا الانحطاط إلى السجود قال أبو عمر (١): قال قوم من أهل العلم: إن التكبير إنما هو إذن بحركات الإمام وشعار الصلاة وليس بسنة، إلا في الجماعة، وأما من صلى وحده فلا بأس عليه أن لا يكبر، وقال أحمد: وأحب إليّ أن يكبر إذا صلى وحده في الفرض، وأما في التطوع فلا، وروي عن ابن عمر أنه كان لا يكبر إذا صلى وحده، وعن قتادة أنه كان يكبر إذا صلى وحده فما ذكره البغوي من الإجماع ليس بشيء وكذلك الجواب عنه. فأما ما ذهبنا إليه فحجتنا فيه أحاديث الباب وأما من قال: لا يشرع إلا في

стр. 1855

تكبيرة الإحرام كما ذكرناه عن سعيد بن جبير وغيره فيحتجون بحديث ابن أبزى في إسناده الحسن بن عمران قال أبو زرعة: شيخ ووثقه ابن حبان. عن ابن أبزى قيل: عبد الله وقيل: سعيد قال أبو داود الطيالسي: هذا أصح، وسعيد بن عبد الرحمن ابن أبزى وثقه النسائي وروى له الجماعة، وعبد الله وثقه ابن حبان وكلاهما معروف. وقد روي من طريق سعيد، يسمى هكذا، من حديث شعبة عنه من غير وجه. وأما القول عن أحمد بوجوبها فيرد عليه أن النبي ﵇ لما علم الرجل المسيء صلاته الصلاة لم يأمره بغير تكبيرة الإحرام، وهو قد علمه الفرائض، فلو كانت تكبيرات الانتقال فرضًا لدخلت فيما نص عليه مما علمه إياه، لكنها لم تدخل فليست فرضًا، ويجاب عن حديث ابن أبزى بوجوه منها: أن من أثبت حجة على من نفى ولا ينعكس. الثاني: أن رواة التكبير أكثر وهو أشهر وقد قلنا إنه سنة فلعل هذا كان مرة لبيان الجواز. الثالث: أن فيما ذكرناه في طرق حديثه من جهة محمود بن غيلان أنه كان لا يكبر إذا خفض بين السجدتين وهذا مفسر لمجمل (لا يتم) في الرواية الأخرى وهو قريب مما ذكرناه عن إسحاق بن راهويه وليس ذلك في سائر التكبيرات كما ذهب إليه من تمسك به فيما عدا تكبيرة الإحرام، ويتعلق به بعد ذلك مسائل: الأولى: الجهرية أو خفض الصوت به قال أصحابنا: وليس للإمام الجهر بتكبيرات الصلاة كلها ويقول: سمع الله لمن حمده ليعلم المأمومون انتقاله فإن كان ضعيف الصوت استحب أن يجهر به المؤذن أو غيره من المأمومين جهرًا يسمع به

стр. 1856

الناس، قد روى البخاري من حديث سعيد بن الحارث قال: صلى لنا أبو سعيد فجهرنا بالتكبير حين رفع رأسه من السجود وحين سجد وحين رفع وحين قام من الركعتين وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ . ورواه البيهقي بإسناد جيد وقال: فجهر بالتكبير حين افتتح وحين ركع وبعد أن قال: سمع الله لمن حمده وحين رفع رأسه من السجود، وحين سجد وحين رفع وحين قام من الركعتين حتى قضى صلاته على ذلك وقال: إني رأيت رسول الله ﷺ هكذا يصلي. وعند مسلم من حديث جابر في صلاته ﵇ وهو قاعد وأبو بكر يسمع الناس تكبيره وكذلك في حديث عائشة في صلاته ﵇ في مرضه وأبو بكر يسمعهم التكبير. رواه البخاري ومسلم بمعناه. وأما خفض الصوت به، فروى أشهب عن مالك أنه سمعه يحدث عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه أنه كان يكبر كلما خفض ورفع ويخفض بذلك صوته. انفرد به أشهب بهذا الإسناد موقوفًا وذكره الدارقطني عن أبي بكر النيسابوري عن يونس عن ابن شهاب. هكذا كله حكم الإمام، وأما المأموم والمنفرد فسنتهما الإسرار به وأدناه أن يسمع نفسه وإن لم يكن صحيح السمع فبحسب ذلك لا يجزئه غيره. الثانية: اختلف الفقهاء في التكبير فيما عدا الإحرام هل يكون مع العمل أو بعده. فذهب الشافعي والثوري وأبو حنيفة وجمهور العلماء إلى أن التكبير في القيام من اثنتين وغيرهما سواء يكبر في حال الخفض والرفع والقيام والقعود على ظاهر حديث ابن مسعود: يكبر كلما خفض ورفع. وذهب مالك وأصحابه إلى أن التكبير يكون في حال الرفع والخفض حين

стр. 1857

ينحط إلى الركوع وإلى السجود وحين يرفع منها إلا في القيام من اثنتين من الجلسة الأولى، فإن الإمام وغيره لا يكبر حتى يستتم قائمًا فإذا اعتدل قائمًا كبَّر ولا يكبر إلا واقفًا كما لا يكبر في الإحرام إلا واقفًا ما لم يكن ضرورة، وروي نحو ذلك عن عمر بن عبد العزيز. وقال الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعي عن تكبيرة السجدة التي بعد سمع الله لمن حمده فقال: كان مكحول يكبرها وهو قائم ثم يهوي إلى السجود. وكان القاسم بن مخيمرة يكبرها وهو يهوي إلى السجود فقيل للقاسم: إن مكحولًا لا يكبرها (١) وهو قائم قال: وما يدري مكحولًا ما هذا. الثالثة: مدّ التكبير: اختلف أصحابنا في تكبيرات الانتقالات قالوا: ويسن أن يكبر للركوع ولا يصل تكبيرة الركوع بالقراءة، بل يفصل بينهما بسكتة لطيفة، قالوا: ويبتديء التكبير قائمًا ويرفع يديه مع ابتداء التكبير فإذا حاذى كفاه منكبيه انحنى ويمد التكبير إلى أن يصل حد الراكعين نص عليه في "الأم"، وقطع به العراقيون وحكى جماعة من الخراسانيين قولين: أحدهما: هذا قالوا: وهو الجديد، والثاني، وهو القديم: لا يديم التكبير بل يسرع به. والقولان جاريان في جميع تكبيرات الانتقالات هل يحذف أم يمد حتى يصل إلى الذكر الذي بعدها؟ والصحيح المد ليشغل المصلي زمنه بالذكر. الرابعة: قد مضى القول في الترجمة عن تكبيرة الإحرام بغير اللغة العربية وأنه لا يجوز للقادر خلافًا لأبي حنيفة، والذي نذكره هنا تكبيرات الانتقالات، أما ما عدا الألفاظ الواجبة من تكبيرة الإحرام والتشهد الأخير والصلاة على النبي ﷺ والصلاة على الآل إذا أوجبناها فقسمان دعاء وغيره، أما الدعاء المأثور ففيه ثلاثة

стр. 1858

أوجه أصحها: يجوز الترجمة عنه للعاجز دون القادر، والثاني: يجوز لهما، والثالث: لا يجوز لواحد منهما لعدم الضرورة إليه. وأما غير الدعاء كالتشهد الأول والصلاة على النبي ﷺ فيه والقنوت والتسبيح في الركوع والسجود وتكبيرات الانتقالات، فإن جوزنا الدعاء بالعجمية فهاهنا أولى وإلا ففي جواز ذلك للعاجز ثلاثة أوجه أصحها يجوز والثاني لا والثالث يترجم لما يجبر بالسجود دون غيره. وقال أبو الحسن الماوردي: في "حاويه" إذا لم يحسن الأذكار بالعربية أتى بها بالعجمية وإن كان يحسنها أتى بها بالعربية فإن خالف وقالها بالفارسية أساء في غير الواجب، وأجزأه ولم يجزئه في الواجب منها. الخامسة: واختلف في اللغات المترجم بها عن العربية فقيل كلها سواء وقيل الترجمة بالسريانية والعبرانية أولى من غيرهما، لأن بعض الكتب الإلهية نزلت بهما دون غيرهما. السادسة: من ترك شيئًا من هذه التكبيرات المشروعة للانتقالات هل يسجد للسهو أم لا. أما مذهبنا فلا، وللصلاة عند أصحابنا أركان وأبعاض وسنن، فأما الأركان فلا تنجبر بالسهو، وأما الأبعاض فيجبرها بالسجود من سها عن شيء منها، وأما من تعمد تركها ففيه وجهان أحدهما لا وبه قال أبو حنيفة وأحمد: وأصحهما يجبر لأن الخلل مع السهو أكبر فيكون أحق بالجبر. وأما السنن فلا تجبر بالسجود خلافًا لأبي حنيفة حيث رآه في بعضها ولمالك حيث قال: يسجد لترك كل مسنون ذكرًا كان أو عملًا، وذكر عن الشافعي قول في

стр. 1859

القديم كذلك وهو مرجوع عنه. وذكر أن الداركي ذكره وجهًا فيمن نسي التسبيح في الركوع والسجود. وعن أحمد بن حنبل: أنه لا يسجد لترك تكبيرات العيد والسورة، وعنه في تبديل الجهر بالإسرار وعكسه روايتان أصحهما أنه لا يسجد. وقال: في تكبيرات إلا نتقالات وتسبيح الركوع والسجود والتسميع والتحميد فيسجد لتركها. وقال أبو عمر: فيمن ترك تكبيرات الانتقالات ساهيًا أنه يسجد للسهو عند غير الشافعي. وقال ابن القاسم: فيمن نسي ثلاث تكبيرات فصاعدًا من صلاته وحده أنه يسجد قبل السلام فإن لم يفعل أعاد الصلاة، وإن نسي واحدة أو اثنتين سجد أيضًا قبل السلام فإن لم يفعل فلا شيء عليه. وقد روي عنه أن التكبيرة ليس على من نسيها سجود سهو ولا شيء وخالفه أصبغ وابن عبد الحكم فقالا لا إعادة على من نسي التكبير كله إذا كان قد كبر لإحرامه وإنما عليه سجدتا السهو فإن لم يسجدهما ناسيًا فلا حرج عليه وعلى هذا فقهاء الأمصار وأئمة الفتوى. قال أبو الفتح: اعترض ابن العربي على الترمذي في التبويب حيث قال: باب التكبير للركوع وحديث الباب تضمن التكبير للركوع وما بعده، وقال: قلت: باب التكبير لانفصال أفعال الصلاة بعضها من بعض ويجاب عنه بأن التكبيرة الأولى تكبيرة الإحرام وقد تقدمت عنده والثانية بعدها تكبيرة الركوع وهي المباينة لما قبلها في الفريضة والموافقة لما يليها في النفلية فبوب بذكرها إذ هي أول ما يأتي به من

стр. 1860

التكبيرات ولاستوائهن حكمًا ولما حَسُن تسمية السورة وغيرها بأول كلمة منها كما تقول: قرأت سورة طه، ورويت حديث الأعمال بالنيات، وسمعت قصيدة قفا نبك، فكذلك هنا حسن التبويب بأول فعل ولو كان الترمذي بوب على ذلك بأن يقول باب التكبير في كل خفض ورفع لكان أجود من وجهين: الأول: السلامة من هذا الاعتراض، والثاني: الإتيان بلفظ الحديث الذي بوب عليه كما هو المعهود في ذلك. * * *
следующие страницы →