← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16599

النفح الشذي شرح جامع الترمذي ط الصميعي

ابن سيد الناس

Полный текст (2 088 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وأمَّا حديثُ عثمان فمصحَّح (١) في الأصل، وقد أخرجه ابن ماجه (٢) أيضًا، وأبو بكر بن خزيمة (٣)، والدارقطني (٤)، والبيهقي (٥) وقال: بلغني عن البخاري أنه قال: "هو عندي حسن". وعند الدارقطني: "وخَلَّل لحيته ثلاثًا"، ومع ذلك فكلُّهم رواه من طريق عامر بن شقيق. وقد قال عنه يحيى بن معين: "ضعيف". وقال أبو حاتم: "ليس بقويّ" (٦). وقال ابن أبي خيثمة: "سألت يحيى بن معين عن حديث عامر (٧) بن شقيق بعينه؛ فقال: ضعيف" (٨). وحديث ابن عمر (٩): "إذا توضَّأ عرك عارضيه بعض العرك": قال الدارقطني (١٠): قال ابن أبي حاتم: قال أبي: "روى هذا الحديث الوليد، عن الأوزاعي، عن عبد الواحد بن قيس، عن يزيد الرقاشي وقتادة قالا: كان النبيّ ﷺ مرسلًا-، وهو الصواب (١١).

стр. 317

قال الدارقطني: ورواه أبو (١) المغيرة عن الأوزاعي -موقوفًا-" (٢). ثمَّ أسنده عن ابن عمر -غير مرفوع - (٣) من طريق ابن أبي العشرين. وصوَّب الدارقطني الموقوف (٤). وأخرج هذا الحديث عبد الحق في "أحكامه" (٥) وقال؛ "والصحيح أنَّه فعل ابن عمر، غير مرفوع إلى النَّبيِّ ﷺ ". قال ابن القطّان (٦): "هذا نصُّ ما ذكر، ولم يبيِّن علَّته، وقد يُظَنُّ أنَّ تعليله إيَّاه هو ما ذكر مِن وقفه ورفعه، وليس ذلك بصحيح، فإنه إنَّما كان يصح أن يكون هذا عِلَّةً لو كان رافعه ضعيفًا، وواقفه ثقةً، ففي مثل هذه الحال كان يصدق قوله: "الصحيح موقوف من فعل ابن عمر. أمَّا إذا كان رافغه ثقة، وواقفه ثقةً، فهذا لا يضرُّه، وهو لا علَّة فيه. وهذا حال هذا الحديث، فإن رافعه عن الأوزاعي هو: عبد الحميد بن حبيب ابن أبي العشرين كاتبه، وواقفه عنه هو: أبو المغيرة (٧)، وكلاهما ثقة فالقضاء للواقف على الرافع يكون خطأً. وبعد هذا فعلَّةُ الخبرِ هي غير ذلك: وهي ضعف عبد الواحد بن قيس راويه عن نافع، عن ابن عمر، وعنه رواه الأوزاعي في الوجهين.

стр. 318

قال يحيى بن سعيد (١): "عبد الواحد بن قيس الذي رَوى عنه الأوزاعي شبه لا شيء". وإذ (٢) الموقوف الذي صُحّح لا بُدَّ فيه مِن عبد الواحد، فليس إذن بصحيح. والدارقطني في لم يَقُل في الموقوف: صحيح، ولا أصحُّ؛ إنّما قال: "إنّ رواية أبي المغيرة بوقفه هي الصواب فاعلم ذلك". قلت: أمَّا ما ذكره ابنُ القطَّان، فليس بعيدًا من حيث النَّظر، إذا استويا في مرتبة الثقة والعدالة، أو تقاربا (٣) كما هو ها هنا، لأنَّ الرفع زيادة على الوقف، وقد جاء عن ثقة، فسبيله القَبول، وهذا هو (٤) الذي زعمه ابنُ الصلاح (٥)، فإن كان نظرًا منه فهو نظرٌ صحيح، وإنْ كان نقلًا عن من تقدَّم، فليس للناس في ذلك عملٌ مطّردٌ. وأبو المغيرة هو: عبد القدّوس بنُ الحجّاج الشامي، احتجَّ به الشيخان (٦). وابن أبي العشرين: رَوَى له الترمذي، وابن ماجه (٧). وقال ابن معين: "ليس به بأس" (٨).

стр. 319

وقال العجليّ؛ قريبًا من ذلك (١). وقال النسائي: "ليس بالقويّ" (٢). وقال البخاريّ: "شاميٌّ رُبَّما يخالف في حديثه" (٣). فإن كان عبدُ القدّوس مرجَّحًا على عبد الحميد، فإنَّ لعبد الحميد اختصاصًا بالأوزاعي يُوجب له مزيَّةً فيما يروي عنه، كان كاتبه، وقدَّمه هشام بن عمار على أصحاب الأوزاعي، فقال في حكاية: "أوثق أصحابه كاتبه عبد الحميد" (٤). وعُرِف عن يحيى بن معين أنَّ قولَه: "ليس به بأس"؛ يعني به: الثقة (٥). فليس بمقصَّر في الأوزاعي عن درجة أبي المغيرة، وإنْ احتمل أنْ يقصر عنه في غيره. وأمَّا ردُّ ابنُ القطان الخبرَ بعبد الواحد بن قيس، فليس في عبد الواحد كبيرُ أمرٍ. عبد الواحد مختلف في حاله: وثَّقه ابن معين (٦)، وأباه البخاريُّ (٧) ويحيى القطان (٧). وقال ابن عديٍّ: ضعيف (٨)، وإذا روى [عنه] (٩) الأوزاعي فهو صالح.

стр. 320

وهذا من رواية الأوزاعي عنه. وأمَّا أبو محمد عبد الحقّ فقد صحَّح ذلك عن ابن عمر مِن فِعْله (١)، وليس إلَّا الاعتماد على الدارقطني في ترجيح موقوف هذا الخبر على مرفوعَه (٢)، وذلك لا يقتضي تصحيح الموقوف مطلقًا. والله أعلم. وزعم أبو عمر في كلام له: "إنَّ أحاديث هذا الباب كلَّها ضعيفة (٣) " (٤). وأمَّا حكمُ تخليلِ اللحيةِ: فالعلماء مختلفون فيه: * فمنهم من أوجبه. * ومنهم (٥) مَن لم يوجبه. * ومنهم من فَرَّق بين الوضوءِ والغسل من الجنابة، فأوجبه في الغسل دون الوضوء. * ومنهم مَن فرَّق بين اللحية الكثيفة والخفيفة. وسنذكر من ذلك ما انتهى إلينا بمشيئة الله تعالى وعونه، وقد ذكرنا الأحاديث المرفوعة في ذلك (٦).

стр. 321

وأمَّا الآثارُ: فروي ذلك عن ابن عباس (١)، وابن عمر وأنس (١)، وعليّ (١)، وسعيد بن جُبَيْر (١)، وأبي قلابة (١)، ومجاهد (١)، وابن سيرين (١)، والضحّاك (١)، وإبراهيم النخعيّ (١). وممّن رُوي عنه أنَّه [كان] (٢) لا يُخلّل: إبراهيم النخعيُّ (٣)، والحسنُ وابنُ الحنفية (٣)، وأبو العالية (٤)، وأبو جعفر الهاشمي (٤)، والشعبي (٤)، ومجاهد (٤)، والقاسم (٤)، وابن أبي ليلى (٤). ذكر ذلك عنهم أبو بكر بن أبي شيبة بأسانيده إليهم (٤). قال أبو عمر: "واختلف العلماء في تخليل اللحية والذّقن: * فذهب مالكٌ، والشافعيُ، والثوريُ، والأوزاعيُّ؛ إلى أنَّ تخليلَ اللحيةِ ليس بواجب في الوضوء. * وقال مالك، وأصحابُه، وطائفةٌ من أهل المدينة: ولا في غسل الجنابة، لا يجب تخليل اللحية أيضًا. * وقال الشافعي، وأبو حنيفة، وأصحابُهما، والثوري، والأوزاعي، والليث، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو ثور، وداود، والطبري، وأكثرُ أهل العلم: تخليل اللحية في غُسل الجنابة واجب، ولا يجب ذلك عندهم في الوضوء (٥). وأظنُّهم فرَّقوا بين ذلك -والله أعلم- لقوله ﷺ : "تحت كل شعرة جنابة،

стр. 322

فبُلْوا الشّعَر وأنقُوا البشرة". وأظنُّ مالكًا ومَن قال بقوله ذهبوا إلى أن الشعر لا يمنع [مِن] (١) وصول الماء لرقة الماء، ويوصله إلى البشرة من غير تخليل إذا كان (٢) هناك تحريكٌ. وذكر ابنُ عبد الحكم عن مالك قال: وتُحَرّك اللحية في الوضوء إذا كانت كبيرة، ولا يُخلِّلها، وأمَّا في الغسل فليحرِّكها وإن صَغرتْ، وتخليلها أحبُّ إليَّ. وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: تخليل اللحية واجبٌ في الوضوء والغسل. وروي نحوه عن سعيد بن جُبَير قال: ما بالُ الرجل يغسل لحيته قبل أن تنبت، فإذا نبتت لم يغسل، وما بال الأمرد يغسل ذقنه، ولا يغسله ذو اللحية. وقال أبو عمر: ورُوي عن جماعة من الصحابة والتابعين تخليل اللحية، وأكثرهم لم يُفرِّقوا بين الوضوء والجنابة (٣). ورُوي عن جماعة منهم الرخصة في تركِ تخليل اللحية. وإيجاب غسل ما تحت اللحية إيجاب فرض، والفرائض لا تثبت إلا بيقين لا اختلاف (٤) فيه، ومَن احتاط وأخذ بالأوثق فهو أولى في خاصيّته. وأمَّا الفتوى في إيجاب الإعادة فما ينبغي أنْ تكون إلَّا عن يقين" (٥). وقال الأصحاب -في شعر الذّقن والعارِضَيْن، والعارِضُ عندهم: ما ينحطُّ

стр. 323

عن القدر المحاذي للأذن-: يُنظر فيه إنْ كان خفيفًا وَجَب غَسْلُه، وإنْ كان كثيفًا لم يجب إلا المرأة فإنَّ لحيتها نادرة. وفي العَنْفَقة وجهان؛ لما رُوي: أنّه ﷺ توضَّأ فغَرَف غَرْفةً غسل بها وجهه، وكان ﷺ كثَّ اللحية. ولا يبلغ ماءُ الغرفة الواحدة أصول الشعر مع الكثافة، والمعنى فيه عُسر إيصال الماء إلى النابت مع الكثافة غير النادرة. وحُكيَ فيه قول قديم: أنَّه يجبُ غَسْل البشرة تحته لانتهاء الوجه، وهذا شعر نابت عليه. ومنهم من يحكيه وَجْهًا، وهو قول المزني. * والمذهب الأول: قال الرافعي: "وعبارة أكثر الأصحاب أنَّ الخفيف ما تتراءى البشرةُ من خلاله في مَجْلس التخاطُب، والكثيف ما يستُر ويمنع الرُّؤية، هذا ما يُشعر به لفظ الشافعي، وقال بعض الأصحاب: الخفيف: ما يصل الماء إلى منبته من غير مبالغة واستقصاء، والكثيف: ما يفتقر إليه (١). وفيما خرج عن حدّ الوجه من اللحية طولًا وعرضًا قولان: * أحدهما: لا يجب غسله، وبه قال أبو حنيفة، والمزني. * وأصحّهما: يجب لأنَّه من الوجه بحكم التبعية. وهذا الخلاف يجري أيضًا في الخارج عن حدِّ الوجه من الشعور الخفيفة كالعذار والسبال (٢) إذا طال ولا فرق، وذكر بعضهم في السبال أنّه يجب غسله قولًا واحدًا، والظاهر الأول".

стр. 324

قال أبو عمر: "ولأصحاب مالك في هذه المسأله قولان كأصحاب الشافعي، والله أعلم" (١). ٢٤ - باب ما جاء في مسح الرأس أنّه يبدأ بمقدّم الرأس إلى مؤخّرِه حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري: ثنا معن: ثنا مالك بن أنس، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد: "أنَّ رسول الله ﷺ مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدَّم (٢) رأسه، ثم ذهب بهما (٣) إلى قفاه، ثم ردَّهما، حتى رجع (٤) إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه". قال: وفي الباب عن معاوية، والمقدام بن معدي كرب، وعائشة. قال أبو عيسى: حديث عبد الله بن زيد أصحُّ شيءٍ في هذا الباب وأحسن. وبه يقول الشافعي، وأحمد، وإسحاق (٥). * الكلام عليه: حديث الباب صحيح مخرَّج عند الشيخين من غير ما وجه (٦).

стр. 325

قال أبو عمر (١): "رواه ابن عيينة، عن عمرو بن يحيى فأخطأ فيه في موضعين: * أحدهما: أنّه قال فيه: عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه (٢)، وهذا خطأ، وإنَّما هو عبد الله بن زيد بن عاصم، وقد نسبناهما في كتاب "الصحابة" (٣)، وأوضَحْنا أمرهما (٤). وأمَّا عبد الله (٥) بن زيد بن عبد ربه، فهو الذي أُرِيَ الأذان في النوم، وليس هو الذي يروي عنه هذا الحديث يحيى بنُ عمارة. وعبد الله بن زيد بن عاصم هو: عمُّ عباد (٦) بن تميم، وهو أكثر رواية عن النبيِّ ﷺ من عبد الله بن زيد بن عبد ربه. وقد كان أحمدُ بن زهير يزعم أنَّ إسماعيل بن إسحاق وَهِم فيهما، فجعلهما (٧) واحدًا، فيما حكى قاسم بن أصبغ عنه. والغلط لا يسلم منه أحد، وإذا كان ابن عيينة مع جلالته يغلط في ذلك، فإسماعيل بن إسحاق أين يقع من ابن عيينة؟ إلا أن المتأخِّرين أوسع عِلْمًا، وأقلّ عذرًا. * وأما الموضع الثاني الذي وَهِم ابنُ عيينة فيه، في متن الحديث فإنَّه ذكر

стр. 326

فيه: مَسَحَ الرأسُ مرتين، ولم يذكر فيه أحدٌ مرتين غير ابن عيينة، وأظنُّه -والله أعلم - تأوّل الحديث". انتهى كلام أبي عمر (١). قوله: "وعبد الله بن زيد بن عاصم: هو عمُّ عباد بن تميم"، يُوهم عمومة النسب، بل ربَّما توهَّم هو ذلك فقال في نسب تميم والد عباد بن تميم (٢)، في كتابه في "الصحابة" (٣): "قيل فيه: تميم بن عبد عمرو، وقيل: تميم بن زيد بن عاصم أخو عبد الله، وحبيب ابني زيد بن عاصم بن عمرو من بني مازن بن النجار، أُمُّهم أمُّ عمارة نُسيبة الأنصارية، ويُعْرَفون ببني أمِّ عمارة". وقد قال غيره (٤) مثل ذلك ثمن لم يأخذه عنه، وليس ذلك بشيء، إنَّما هو تميم بن غزية بن عمرو بن عطية بن خنساء بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار، أمُّه أمُّ عمارة نُسَيْبة بضم النون [وفتح] (٥) السين المهملة، أو فتح النون وكسر السين، والأوَّل أشهر. تزوَّجها زيد بن عاصم، فولدت له عبد الله وحبيبًا، ثم خَلَف عليها غَزِيَّة بن عمرو (٦) فولدت له تميمًا وأبا حبّة (٧)، ذكر معناه ابن سعد (٨).

стр. 327

وقد ذكر أبو عمر نسب أبي حبّة في بابه من الكنى على الصواب (١). وأمَّا ما حكاه عن ابن أبي خيثمة من أنَّ إسماعيل بن إسحاق وَهِم فيهما فجعلهما واحدًا (٢). فقد جعلهما أبو القاسم البغوي ثلاثة، فذكر عبد الله بن زيد بن عبد ربه صاحب حديث الأذان، ثم ذكر بعده عبد الله بن زيد بن عمرو المازنيّ، وذكر له حديثًا واحدًا في الأذان، وقال: ليس له غيره، ثم عَقَد لعبد الله بن زيد بن عاصم ترجمة ثالثة، وذكر من حديثه وحكى وفاته. قال: وفي الباب (٣) عن معاوية، والمقدام بن معدي كرب، وعائشة. أمَّا حديث معاوية: "أنَّه توضَّأ للناس كما رأى رسول الله ﷺ يتوضَّأ؛ فلمَّا بلغ رأسه غَرَف غَرْفةً من ماء، فتلقَّاها بشماله حتى وضعها على وسط رأسه، حتَّى قطر الماء، أو كاد يقطر، ثمَّ مسح من مقدَّمه إلى مؤخَّره، ومن مؤخَّره إلى مقدَّمه" رواه أبو داود (٤). وأمَّا حديثُ المقدام بِن معدي كرب: فقد تقدَّم في باب المضمضة والاستنشاق مخرّجًا عن الإمام أحمد وأبي داود وابن الجارود. وأمَّا حديثُ عائشةَ (٥).

стр. 328

وحديثُ الباب صحيح، وقد ذكر طرفًا منه في هذا الموضع، وطرفًا منه في غيره (١)، وسيأتي عنه تصحيحه (٢)، وهو عند الجماعة (٣). وأمَّا مسحُ الرأسِ: قال أبو عمر (٤): "أجمعوا على أنَّ (٥) مَن مَسَحَ برأسه كُلّه فقد أحسن، وفَعَلَ أكمل ما يلزمه. وكلّهم يقول: يمسح الرأس مسحة واحدة كاملةً، ولا يزيد عليها إلّا الشافعي، فإنه قال: أكمل الوضوء أن يتوضأ ثلاثًا ثلاثًا كُلَّها سابغة، ويمسح برأسه ثلاثًا. ورُوي مسح الرأس ثلاثًا عن أنس، وسعيد بن جُبَيْر، وعطاء وغيرهم. وكان ابن سيرين يقول: يمسح رأسه مرتين.

стр. 329

وكان مالك يقول -في مسح الرأس-: يبدأ بمقدَّم رأسه، ثم يذهب بيديه إلى مؤخَّره، ثم يردَّهما إلى مقدَّمه، على حديث عبد الله بن زيد. وكذلك يقول الشافعي، وأحمد، وكان الحسن بن حيٍّ يقول: يبدأ بمؤخر الرأس. وقوله: "فأقبل بهما وأدبر"، تفسيره: أنَّه كلام خرج على التقديم والتأخير، كأنَّه قال: فأدبر بهما وأقبل، لأنَّ الواو لا تُوجِب الرُّتبة. وإذا احتمل الكلام التأويل كان قوله: "بدأ بمقدَّم رأسه، ثمَّ ذهب بهما إلى قفاه"، تفسير ما أشكل من ذلك. قلت: وأرفع التأويل (١) من هذا أن يُحْمَل: "أقبل" على البداءة بالقبل، "وأدبر" على البداءة بالدبر؛ فيكون من باب تسمية الفعل بابتدائه، وهو أحدُ القولين لأهل الأصول في تسمية الفعل هل يكون بابتدائه أو بانتهائه. ثمَّ روى أبو عمر (٢) من طريق أبي داود حديث المقدام بن معدي كرب قال: "رأيت رسول الله ﷺ توضَّأ، فلمَّا بلغ مسحَ رأسه، وضع كفيَّه على مقدَّم رأسه، فأمرَّهما حتى بلغ القفا، ثم ردَّهما إلى المكان الذي بدأ منه". وروى معاوية "أن رسول الله ﷺ توضَّأ مثل ذلك" سواء (٣). وأمَّا قولُ الحسنِ بن حيٍّ: "يبدأ بمؤخَّر رأسه"؛ فسيأتي في الباب بعد هذا إن شاء الله تعالى.

стр. 330

٢٥ - باب ما جاء أنَّه يبدأ بمؤخَّر الرأسِ حدثنا قتيبة: ثنا بشر بن الفضل (١)، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الربيّع بنت معوّذ بن عفراء: "أنَّ النبيَّ ﷺ مَسَح برأسه مرَّتين، بدأ بمؤخَّر رأسه، ثمَّ بمقدَّمه، وبأذنيه كليهما ظهورهما وبطونهما". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. وحديث عبد الله بن زيد أصحُّ من هذا وأجودُ إسنادًا. وقد ذهَب بعضُ أهلِ الكوفةِ إلى هذا الحديث منهم وكيع بن الجرَّاح (٢). * الكلام عليه: هو حديث يدور على عبد الله بن محمد بن عقيل، ولم يكن بالحافظ عندهم، وقد تقدَّم (٣)، وألفاظه (٤) مختلفة، هذا لفظ بشر بن المُفضَّل، والحسن بن صالح. ورواه ابنُ عجلان عنه رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ فمسح ما أقبل من رأسه وما أدبر، رواه عن ابن عجلان كذلك سعيد بن أبي أيوب، ورواه الليث عن ابن عجلان فقال: فمسح برأسه، فمسح الرأس كُلَّه، مِن فرق الشعر كل ناحية لمنصب الشعر، لا يحرّك الشعر (٥) عن هيئته". وبعضُ هذا عند البيهقي (٦)، ورواه الإمام أحمد (٧)، ولفظه: "أنَّ رسول الله

стр. 331

- ﷺ توضَّأ عندها، فرأيته مَسَح على رأسه مجاري الشعر، ما أقبل منه وما أدبر، ومسح صدغيه، وأذنيه ظاهرهما وباطنهما". ورواه أبو داود (١). وأمَّا البداءةُ في مسَحَ الرأس من مؤخَّره: فمَحْكيّةٌ عن الحسن بن حيِّ، ووكيع بن الجراح. وقال أبو عمر (٢): "قد توَّهم (٣) بعضُ النَّاس في حديث عبد الله بن زيد في قوله: "ثمَّ مَسَح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر". أنَّه بدأ بمؤخَّر رأسه، وتوهَّم غيره أنَّه: بدأ من وسَطِ رأسه، فأقبل بيديه وأدبر، وهذه كلُّها ظُنون لا تصح". قال (٤): "وقد رُوي عن ابن عمر "أنَّه كان يبدأ من وسط رأسه"، ولا يصحُّ. وأصحُّ حديث في هذا الباب: حديث عبد الله بن زيد الذي تقدَّم، والمشهور المتداول الذي عليه الجمهور البداءةُ من مقدَّم الرأس إلى مؤخَّره، وقد جاءت هذه الأحاديث كما ترى: "ما أقبل وما أدبر"، وفي بعضها: "ما أدبر وما أقبل" (٥)، وقد سَبَق الجواب عن هذا من الوجهين اللذين (٦) ذكرناهما: * الأول: أنَّ الواو لا تقتضي الترتيب. * الثاني: أنَّ الفعل قد يُسمَّى بالشروع فيه عند قوم، وبالانتهاء منه عند آخرين.

стр. 332

وأمَّا هذه الروايةُ: "بدأ بمؤخَّر رأسه" فقد تكون محمولة على الرواية بالمعنى عند مَن يُسمِّي الفعل بما يُنتهي إليه، كأنَّه حمَل قولَه: "ما أقبل وما أدبر". على الابتداء بمؤخَّر الرأس فأدَّاه بمعناه عنده، وإنْ لم يكن كذلك ذكر معناه ابنُ العربي (١). ويمكن أن يكون النبي ﷺ (٢) فعل ذلك لبيان الجواز مرَّة، وكانت مواظبته على البداءة بمقدّم الرأس أكثر، وما كان أكثر مواظبته عليه كان أفضل. ٢٦ - باب ما جاء أنَّ مسح الرأس مرَّة ثنا قتيبة: ثنا بكر بن مضر، عن ابن عجلان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الرُّبيِّع بنت معوِّذ: "أنها رأت النبيَّ ﷺ يتوضأ، قالت: مَسَح رأسه ما أقبل منه وما أدبر، وصُدْغَيْه، وأُذُنَيْه مرَّةً واحدة". قال: وفي الباب عن عليٍّ، وجدِّ طلحة بن مصرِّف. قال أبو عيسى: حديث الرُّبيِّع حديث حسن صحيح، وقد رُوي من غير وجه عن النبي ﷺ "أنه مسح برأسه مرَّة" والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبيِّ ﷺ ومَن بعدهم، وبه يقول جعفر بن محمد، وسفيان، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق: رأوا مسح الرأس مرَّة واحدة. حدثنا محمد بن منصور المكي، قال: سمعتُ سفيانَ بنَ عيينة يقول: سألتُ جعفر بن محمد عن مسح الرأس: أيجزئ مرّة؟ [واحدة (٣)] قال: إي والله (٤).

стр. 333

* الكلام عليه: رواه أبو داود عن قتيبة بهذا الإسناد (١). قال (٢) ابن عساكر: وجدث في نسخة من طريق اللؤلؤي، عن ابن عقيل، عن أبيه، عن رُبيع، وهو وَهْم. ورواه الإمام أحمد (٣)، وصحَّحه الترمذيُّ، وهو كالذي قبله من حديث ابن عقيل، ولم يُصحَّح (٤) ذلك لأمور: * أحدها (٥): ما فيه من اضطراب المتن، واختلاف الألفاظ. * الثاني: مخالفة لفظه للأحاديث الصحيحة في هيئة المسح. * الثالث: أنَّه لم يذكر في معناه شيئًا، وذكر في معنى هذا حديث عليٍّ، وحديث طلحة بن مصرِّف، عن أبيه، عن جده. وقد كان الحميدي، وأحمد، وإسحاق، يحتجون بابن عقيل (٦). وأمَّا حديثُ عليٍّ: فعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "رأيتُ عليًّا توضَّأ فَغَسل وجْهَه ثلاثًا، وغسل ذراعيه ثلاثًا (٧)، ومسح برأسه واحدة، ثمَّ قال: هكذا توضَّأ رسول الله ﷺ " رواه أبو داود (٨).

стр. 334

ورواه النسائي (١)، من حديث الحُسَين بن عليٍّ، عن أبيه: "ثمَّ مسح برأسه مسحة واحدة". ورواه الإمام أحمد (٢)، والبيهقي (٣)، من حديث عبد خير، عن عليٍّ: "مرَّة واحدة". ورواه البيهقي (٤) أيضًا من حديث زر بن حُبيش، عن علي: "ومسح (٥) رأسه حتى لمَّا تقطَّر". وأمَّا (٦) حديثُ طلحةَ بن مصرِّف، عن أبيه، عن جدِّه: فهو عند أحمد (٧)، والبيهقي (٨). وفيه زيادة حسنة وهي: "مسح العُنُق". ولفظه عند أحمد: "أنَّه رأى رسول الله ﷺ يمسح رأسه حتى بلغ القذالَ (٩)، وما يليه مِن مقدَّم العُنق". وعند البيهقي: "حتى يأتي (٩) على أُذُنَيْه (١٠) وسالفتيه"، وفي لفظ له: "مَسَحَ رأسه وأذُنَيْه، وأمرَّ يديه على قفاه". وكلاهما خرَّجه من حديث ليث عن

стр. 335

طلحة، قال المقدسي: "وليثٌ متكلَّمٌ فيه" قلت: قد أخرج (١) له مسلم (٢)، ولو أعلَّه بطلحة بن مصرِّف، عن أبيه، عن جدِّه لكان أشبه، وقد تقدَّم الكلام على هذا الإسناد. وفي الباب ممَّا لم يذكره: حديث (٣) سالم سبلان عن عائشة: "فأرتني كيف كان رسولُ الله ﷺ يتوضّأ، قال: "فمضْمَضَتْ واستنثرت ثلاثًا، وغسلتْ وجهها ثلاثًا، ثمَّ غسلت يدها اليمنى ثلاثًا، واليسرى ثلاثًا، ووضعَت يدها في مقدَّم رأسها، ثمَّ مسحت رأسها مسحة واحدة إلى مؤخَّره، ثم مدَّت بيدها بأذنيها (٤)، ثم مدّت على الخدَّيْن". رواه النسائي (٥). وحديثُ ابن عباس: روى البيهقي (٦) من حديث عطاء بن يسار عنه: قال لنا ابن عباس: "أتحبُّون أنْ أُريَكم كيف كان رسول الله ﷺ يتوضَّأ، فدعا بإناء فيه ماء" فذكر الحديث. وفيه قال: "ثمَّ قبض قبضة من الماء، فنفض يده، فمسح بها رأسه وأذُنَيْه".

стр. 336

ولم يُبَوِّب الترمذي على مَسْح الرأس مرتين. وفيه عن عبد الله بن زيد قال: "رأيت رسول اللهِ ﷺ يتوضَّأ، فغسَلَ وَجْهَهُ ثلاثًا، ويديه مرَّتين، وغَسَل رجليه مرَّتين، ومَسَحَ برأسه مرَّتين". رواه النسائي (١). ولا بوَّبَ أيضًا على مسحه ثلاثًا. وفيه (٢) من حديث الرُّبيِّع بنت معَوِّذ عند البيهقي (٣)، وفيه: "ومسَحَ برأسه مرَّتين يبدأ بمؤخر رأسه، ثمَّ بمقدَّمه، ثمَّ بمؤخَّره، ثمَّ بمقدَّمه" الحديث (٤). وفيه عن حُمْران قال: رأيث عثمانَ بنَ عفَّان توضَّأ، وفيه: "ومَسَحَ رأسَه ثلاثًا، ثمَّ غَسَل رجليه ثلاثًا، ثمَّ قال: "رأيت رسول الله ﷺ توضَّأ هكذا"، وقال: "مَنْ توضَّأ دون هذا (٥) كفاه". رواه أبو داود (٦) والدارقطني (٧). وقال أبو داود (٨): أحاديث عثمان الصحاح كفها تدل على أن مسْحَ الرأس مرَّةً، فإنَّهم ذكروا الوضوء ثلاثًا، وقالوا فيها: "مسَحَ رأسه"، لم يذكروا عددًا [كما ذكروه في غيره] (٩). وهو عند أبي داود (١٠) من حديث عبدِ الرحمن بنِ وردان، عن أبي سلمة،

стр. 337

عن حُمران. وعبد الرحمن؛ قال فيه يحيى (١): "صالح". وقال أبو حاتم الرازي: "ما به بأس" (٢). وغيره من رُواته مشهور، فلولا مخالفة عبد الرحمن الثقات، في انفراده بالتَّثليث لكان صحيحًا أو حسنًا. وقال (٣) البيهقي (٤): "إن ما روي فيه المسح ثلاثًا لا تقوم به حُجَّةٌ عند أهل المعرفة". وعن عليّ: "إنّه توضّأ ثلاثًا ثلاثًا، ومسح برأسه وأذُنَيْه ثلاثًا ثلاثًا، وقال: هكذا وُضوء رسول الله [ ﷺ ] (٥)، أحببْتُ أنْ أُرِيَكُموه". رواه الدارقطني. قال الحافظ ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي ﵀: "وغالب الروايات عن عَليٍّ أنَّه مسَحَ رأسه (٦) مرَّة واحدة". قلت: ما وَرَد (٧) من ذلك في التثنية، والتثليث محمول على بيان الجواز إن ثبت.

стр. 338

وأمَّا مَسْح بعضِ الرأسِ: فعن المغيرة بن شعبة: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ توضَّأ، فمَسَح بناصيته، وعلى العِمامة والخُفَّين رواه مسلم (١). وفي لفظ له (٢): "ومَسَحَ مقدّم رأسه، ومسح على العمامة" الحديث. والنَّاصية: مُقَدَّم الرأس. وعن أنس بن مالك قال: "رأيتُ رسول الله ﷺ يتوضّأ، وعليه عمامة قطرية فأدخل يده مِن تحت العمامة، فمسح مقدَّم رأسه، ولم ينقض العِمامة". رواه أبو داود (٣)، والبيهقي (٤). وضعَّفه ابن القطان (٥) بمعاوية بن صالح، والجهالة في أبي معقل راويه عن أنس، وقال: "قال ابن السكن: لم يثبت إسناده". وسيأتي الكلامُ عليه في المسح على الناصية والعمامة. واختلف الفقهاء في "مسح الرأس"، هل تُستحبُّ فيه الزيادة على المرَّة الواحدة أو لا؟ كما ذكرناه. وحجَّة من لم يرَ التكرار: أنَّ الأحاديث الصحيحة -كما قال أبو داود (٦) لا تقتضيه، وأيضًا فليس مشروعية المسح التكرار كما في مسح الخُفَّين، ومَسْح الجبيرة،

стр. 339

والمسح في التيمُّم، وإلحاق المسح بالمسح أولى، ولأنَّ المسح إذا تكرر صار غسلًا. والله أعلم. وأمَّا من اختار في المسح التثليث، فله حديث عبد الرحمن بن وردان، عن أبي سلمة، عن حمران، وقد تقدَّم تعليله (١). واختلفوا في مسح بعض الرأس: فقال مالك: الفرضُ مسْحُ جميع الرأس، وإن ترك (٢) شيئًا منه كان كمَنْ ترك غَسْل شيء من وجهه". قال أبو عمر (٣): "هذا هو المعروف مِن مذهب مالك، وهو قول ابن عُلَيَّة، قال ابن عُلَيّة: قد أمر الله تعالى (٤) بمسح الرأس في الوضوء كما أمر بمسح الوجْه في التيمُّم، وأمر بغسله في الوضوء، وقد أجمعوا أنَّه [لا يجوز غسل] (٥) بعض الوجه في الوضوء، ولا يمسح بعضه في التيمُّم، فكذلك مسح الرأس". وذَكَر من الاحتجاج في ذلك وجوهًا، ثمَّ قال: "وقوله : ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾، معناه عندهم: وامسحوا رؤوسَكُم، ومن مَسَح بعض رأسه فلم يمسح رأسه. ومن الحجة لهم أيضًا: أنَّ الفرائض لا تؤدّى إلَّا بيقين، واليقين (٦): ما أجمعوا

стр. 340

عليه من مسح جميع الرأس، هذا هو المشهور من مذهب مالك، لكن أصحابه اختلفوا في ذلك: فقال أشهب: يجوز مسح بعض الرأس، وذكَرَ أبو الفرج المالكي قال: اختلف متأخّرو أصحابنا في ذلك، فقال بعضهم: لا بدَّ أنْ يمسح كل الرأسِ، أو أكثره، حتَّى يكون الممسوح أكثر الرأس فيجزئ ترْكُ سائِره. قال أبو عمر: هذا قولُ محمد بن مسلمة. وزعم الأبهريُّ أنَّه لم يقُله غيرُه من المالكيين. قال أبو الفرج: وقال آخرون: إذا مسَحَ الثلث فصاعدًا أجزأه. قال: وهذا أشبه القولين عندي، وأولاهما، مِن قِبَل أنَّ الثلث فما فوقه قد جُعِل في حيِّز الكثير في غير موضعٍ. وزعم الأبْهَريُّ أنَّه لم يقُل أحدٌ من أصحاب مالك ما ذكَرَه أبو الفرج عنهم، وأنَّ المعروف ما ذكَرَه محمدُ بن مسلمة، ونازع في أكثرية الثلث. وأمَّا الشافعي فقال: "الفرضُ مسْحُ بعضِ الرأس ولم يُحَدّ" وهو قول الطبريَ. قال الشافعي: "احتمل قول الله : ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾؛ مسح بعض الرأس، ومسح جميعه، فدلَّت السنة أن مسح بعضه يُجزئ". وقال -في موضع آخر-: "فإن قيل: قد قال الله -في التيمم-: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾؛ ولا يجزئ بعض الوجه في التيمُّم؛ قيل له: مسح الوجه في التيمُّم بدل من عموم غسله، فلا بُدَّ من أنْ يأتي بالمسح على جميع موضع الغسل فيه، ومسح الرأس أصلٌ، فهذا فرق ما بينهما، وعفا الله في التيمُّم عن الرأس

стр. 341

والرجلين، ولم يَعْفُ عن الوجه واليدين، فلا بُدَّ مِن الإتيان بذلك على كماله وأصله. وقال أبو حنيفة وأصحابُه: إنْ مسَحَ المتوضي رُبْعَ رأسه أجزأ، ويبدأ بمقدَّم رأسه إلى آخره. وقال الثوري، والأوزاعي، والليث: يجزي مسْح بعضِ الرأس ويمسح المقدَّم، وهو قول أحمد، وقد قدَّمنا عن جميعهم: أنَّ مسح الرأس أحبُّ إليهم. وكان ابنُ عمر، وسلمة بن الأكوع يمسحان مُقدَّم رؤوسِهما (١). وعن جماعة مِن الناس إجازة مَسْح بعض الرأس. وأجاز الثوري، والشافعي: مسح الرأس بأصبع واحدة. وقال أبو حنيفة: "إن مَسَح رأسه، أو بعضه بثلاثة أصابع فما زاد أجزأه، وإنْ مَسَح بأقلَّ مِن ذلك لم يجزئه. والمرأة عند جميع العلماء في مَسْح رأسها كالرجل سواء" (٢). ولو غسل الرأس بدلًا عن المسح؛ ففي إجزائه عند الأصحاب وجهان: * أحدهما: لا يُجزئ لأنَّه مأمور بالمسح، وهو غير الغسل. * والثاني: يُجزئ (٣) لأن الغسل مسحٌ وزيادة. وهل يُكره الغسل بدلًا عن المسح، وإن أجزأ؟ فيه وجهان: * أحدهما: يكره لأنَّه سرف، كغسل الخف بدلًا عن مسحه.

стр. 342

* وأظهرهما: لا يُكره لأنَّ الغسل هو الأصل إذْ به تحصل النظافة، والمسح تخفيف من الشرع نازل منزلة الرُّخَص، فإذا عدَلَ إلى الأصل لم يأتِ بمكروه، لكن لا يُستحبُّ لقوله ﵇: "إنَّ الله يُحِبُّ أن تُقبل رُخَصُه كما يُحبُّ أنْ تُؤتى عزائمه". ولو بلَّ رأسه، ولم يمدَّ اليدَ أو غيرها ممَّا يمسح به على الموضع فهل يُجزئه ذلك؟ فيه وجهان: * أحدهما: يجزئ لأن المقصودَ وصولُ الماء، ولا نظر إلى كيفيَّة الإيصال، كما في الغسل لا يفترق بين أن يُجري الماء على أعضائه أو يخوض ببدنه في الماء. * والثاني: وهو اختيار القفَّال لا يجزئ لأنه لا يُسمَّى مسحًا، ولو قطر على رأسه قطرة، ولم تجر على الموضع فعلى الخلاف، وإنْ جرت كفى، وهذا يدلُّ على أنَّ المقصود عندهم الوصول (١)، ولا عبرة بمسمَّى المسح (٢). وأمَّا أصحابُ داود فمختلفون في استيعاب جميع الرأس بالمسح أو مسح بعضه، على قولين، وممَّن حُكيَ عنه جوازُ الاقتصارِ على مسح البعض من السَّلفِ: عبد الله بن عمر، وفاطمة بنت المنذر بن الزبير، والنخعي، والشعبي، وعطاء، وصفية بنت أبي عُبيد، وعكرمة، والحسن، وأبو العالية، وعبد الرحمن بن أبي ليلى". قال أبو محمّد (٣) ﵀: "ولا نعلم عن أحد من الصحابة ﵃ خلافًا لما رُوّيناه عن ابن عمر في ذلك".

стр. 343

وأمَّا ما يفعله بعضُ الناس من أنْ يمسح بعض رأسه، بل ربما [بلَّ] (١) الشعرة الواحدة منه، أو ما قارب ذلك المرتين والثلاثة، فعَمَلٌ لا أصل له، ومَن نقل عنه استحباب التكرار في مَسْحِ الرأس فمحمولٌ على استحباب التكرار (٢) في الكلِّ (٣) لا البعض، ولا يشكُّ قائل ذلك أنَّ مَسْح الرأس جميعه مرَّةً واحدةً أولى من تكرار المسح لبعضه، ولم يُنقل مسحُ بعضِ الرأسِ معادًا مُكرَّرًا عن النَّبِّي ﷺ ولا عن أحدٍ من السلف. وأمَّا الصدغُ فهو: المحاذي لرأس الأذن، نازلًا إلى أوَّل العذار، واختلف أصحابُنا فيه فقال بعضهم (٤): هو من الرأس، وقيل (٥): مِن الوجه، وقيل: أعلاه من الرأس، وأسفله من الوجه، فمن قال إنَّه مِن الرأس قال: ذكره بعد الرأس توكيدًا لاستيعاب الرأس، ومَن قال: هو من الوجه قال: إنَّما مسح عليهما ليصير بالابتداء منهما محتاطًا في استيفاء آخر الرأس، لئلَّا يترك جُزءً من الرأس بغير مسح. وأمّا مسح (٦) العنق: فقد وَقَع في حديث طلحة بن مصرف: "يمسح رأسه حتى بلغَ القذال (٧)، وما يليه من العنق"، والقذال: مقدّم العنق. فالحديث معلّل بليث ابن أبي سُلَيْم، وطلحة بن مصرف، عن أبيه، عن جدّه. وإن كان طلحة معروفًا فمَن بعده غيرُ معروفين (٨). وهل يحتاج إلى تجديد ماء أم لا؟

стр. 344

قال الرافعي (١): "بناه بعضهم على وجهين: هل هو سُنة فيجدّد، أو أدب فلا يجدد؛ والأدب والسُّنَّة يشتركان في الندبيّة، لكن السنّة آكد". ومَن تركَ مَسْح العُنُق فوضوؤه صحيح باتفاق. ٢٧ - باب ما جاء أنّه يأخذ لرأسه ماءً جديدًا حدثنا عليُّ بن خشرم: ثنا عبد الله بن وهب: ثنا عمرو بن الحارث، عن حبّان بن واسع، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد: "أنَّه رأى النبيَّ ﷺ توضَّأ، وأنَّه مسح رأسه بماء غير فضلِ يديه". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وروى ابن لهيعة هذا الحديث عن حَبَّان بن واسع، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد: "أنَّ النبيَّ ﷺ توضّأ، وأنه مسح رأسه بما غَبَرَ من فضل يديه". ورواية عمرو بن الحارث عن حبَّان أصحُّ، لأنه قد روى من غير وجه هذا الحديث عن عبد الله بن زيد وغيره: "أنَّ النبيَّ ﷺ أخذ لرأسه ماءً جديدًا". والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، رَأوا أن يأخذ لرأسه ماءً جديدًا (٢). * الكلام عليه: أخرجه مسلمٌ (٣) عن هارون بن معروف، وهارون بن سعيد، وأبي الطاهر كُلُّهم عن ابن وهب.

стр. 345

وقد كان يمكن (١) حديث (٢) ابن لهيعة أن يكونَ حسنًا، لكنَّه لم يحكم عليه بشيء (٣). فشرطه في الحسن موجودٌ فيه، وهو أن ابن لهيعة كما عُلِم من حاله مقبول عند قومٍ، ومردود عند آخرين، ويُفرَّق فيه بين من رَوى عنه قبل احتراق كتبه، أو بعدها عند قوم، فضعفه ضعف محتمل، وليس هو ثمَن يُتَّهم بالكذب -كما قال- (٤). وللحديث شاهد روى نحوه من وجه آخر. قال أبو عمر (٥): "اتفق مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأصحابُهم: أنَّ الرأس لا يجزيء مسحه إلا بماءٍ جديدٍ، ومَن مسح رأسه بما فضل في يديه عن غسل ذراعيه لم يجزءه. وقال الأوزاعي: يُجزيء (٦)، وإليه ذهب جماعة من السلف". قال أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنّفه" (٧): "مَن كان يمسح رأسه بفضل يده": ثنا وكيع: ثنا سفيان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل قال: حدَّثتني الرُّبيِّع بنتُ مَعوِّذ بن عفراء قالت:

стр. 346

"أتانا النبيُّ ﷺ فتوضَّأ ومَسَحَ رأسه بما بقي من وَضوئه". أبو داود (١): عن مسدد، عن عبد الله بن داود، عن الثوري به (٢). وقد رُوي في معناه من الآثار ما نذكره إن شاء الله تعالى. قال (٣): ثنا عبدُ الرحمن بنُ مهدي: ثنا حماد بن سلمة، عن هشام، عن أبيه. وعن حُمَيْد، عن الحسن: "أنَّهما كانا يمسحان رؤوسهما بفضل أيديهما (٤) ". وروى ابن أبي شيبة أيضًا (٥): ثنا وكيع، عن معمر، عن أبي جعفر، عن النَّبيِّ ﷺ : "أنَّه (٦) كان يمسح رأسَه بفضلِ وضوئه". وروى أبو بكر بن عيَّاش، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: "إذا نسِي أنْ يمسح رأسَه، وفي لحيته بلل فذكر وهو في الصلاة، فإن كان في لحيته بلل؛ فليمسحْ رأسه (٧) " (٨). وعن عطاء: "إذا نسيَ مَسْحَ رأسِهِ، فوجد في لحيته بللًا أجزأه أنْ يمسح به

стр. 347

رأسه" (١). وروى حفصُ بنُ غياث، عن هشام، عن الحسن. وعن الأعمش، عن إبراهيم، مثله (٢). وقال ابن أبي شيبة (٣)؛ ثنا يزيد بن هارون، عن حمَّاد بن سلمة، عن قتادة، عن خِلاس -فيما يعلم حمَّاد- عن عليٍّ قال: "إذا توضَّأ الرجلُ فنَسِي أنْ يمسح برأسه -فوجد في لحيته بللًا- أخذ من لحيته، فمسح (٤) به رأسه". وقوله (٥) في حديث ابنِ لهيعة: "بما غَبَر من فضل يديه"؛ أي: بَقي. قد استُدِلَّ به على جواز الماء المستعمل، وقد ألمَمتُ بطرف من ذلك فيما مَضَى. وانفصل عنه (٦) مَن لم يَرَ جوازَ الاستعمال باضطراب الحديث أو بأنَّه من فضلِ الغسلة الثالثة، وهي مطهّرة على الصحيح. وأمَّا مَن نسي مَسْحَ رأسِه، فمَسَح بعد الوضوء، فهل يجب عليه غسل ما بعد مسح (٧) الرأس من أعضاء الوضوء أم لا؟ ينبني على الخلاف في الترتيب، هل هو واجب أم لا؟ وهو واجب عند الشافعي، وأحمد (٨).

стр. 348

وليس (١) واجبًا عند أبي حنيفة (٢)، ومالك (٣). فمَن أوجَب الترتيب قال؛ عليه مَسْح الرأسِ، وغَسْل ما بعده إذا لم يطُل الفصل، وإلا انبنى على وجوب الموالاة، ومَن لم يُوجب الترتيب أجزأه عنده مسحَ الرأسِ. ٢٨ - باب ما جاء في مسح الأُذُنين ظاهرهما وباطنهما حدثنا هنَّاد: ثنا ابن إدريس، عن ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ مَسَح برأسِه وأُذُنيه ظاهرهما وباطنهما". قال [أبو عيسى] (٤): وفي الباب عن الرُّبيَع. قال أبو عيسى: حديثُ ابنِ عباس حديث حسنٌ صحيح. والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، يَرَوْنَ مَسْحَ الأُذُنين ظهورهما وبطونهما (٥). * الكلام عليه: رواه الإمامُ أحمد (٦)، وأبو داود (٧)، وابن ماجه (٨)، وابن أبي شيبة (٩).

стр. 349

رواه عن ابن (١) إدريس، وهذا إسناد صحيح، وزاد فيه ما سنذكره، وذُكر عن ابن خزيمة إخراجه إيَّاه في "صحيحه" (٢)، وعن ابن منده ورجاله رجال الصحيح (٣). وحديث الرُّبيّع الذي أشار إليه، تقدّم (٤) في الباب قبل هذا. وحديثها أيضًا: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ توضَّأ، فأدْخَل (٥) أصبعيه (٦) في حُجْرَي أُذُنَيْه" عند أحمد (٧)، وأبي داود (٨)، وابن ماجه (٩). وفي الباب ممَّا لم يذكره: عن عثمان عن النبيِّ ﷺ مِن طريق عامر بن شقيق، عن شقيق (١٠) بن سَلَمة، عنه: "مَسَح رأسَهُ وأذُنيه ظاهرهما وباطنهما"، رواه الدارمي (١١). وفيه من حديثِ حميدٍ عن أنسٍ مرفوعًا إلى النَّبيِّ ﷺ عند الحاكم في "مستدركه" (١٢)، وعند الدارقطني (١٣)، ورواته ثقات.

стр. 350

وقد تقدّم مِن حديث أنسٍ (١)، عند ابن أبي شيبة إلى ابن مسعود (٢) يرفعه-. وفيه: مِن حديثِ عائشة، عند البغوي، عن طالوت، عن أبي حذيفة اليمان، عن عمرة، عنها. وفيه: عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه (٣). عند الطحاوي (٤)، مِن طريق أبي عوانة، عن موسى بن أبي عائشة، عن عمرو. وفيه: عن المقدام بن معدي كرب، وقد تقدّم. وفيه عن عليّ بن أبي طالب، ذكر أبو بكر (٥) بن أبي شيبة: ثنا ابن نُمَير، عن عبد الملك بن سلع، عن عبد خير قال: "صلَّيْنا مع عَليٍّ يومًا صلاة الغداةِ، فلمَّا انصرف دعا الغلامَ بالطَّست، فتوضَّأ، ثمَّ أدخل أُصْبُعَيْه في أُذنَيْه، ثم قال لنا: هكذا رأيتُ رسول الله ﷺ توضَّأ". وروى (٥) أيضًا: عن أبي خالد الأحمر، عن حُمَيْد قال: "رأيتُ أنسًا توضَّأ، فجعَلَ يمسحُ ظاهر أذنيه وباطنهما، فنظرتُ إليه فقال: إنَّ ابن مسعود كان يأمرُ بذلك". وعند ابن أبي (٥) شيبة في حديث ابن عباس: "مَسَح أذنيه داخلهما

стр. 351

بالسبَّابتين، وخالف بإبْهامَيْه إلى ظاهر أذُنَيْه، فمَسَح باطنهما وظاهرهما". وروى (١) نحوه عن ابن نُمير، عن عُبيد الله العمري، عن نافع، عن ابن عمر -من فعله-. وعن غندر، عن شعبة، عن الهيثم، عن حمَّاد، عن سعيد بن جُبَيْر، وإبراهيم: أنَّهما قالا في الأذنين: "امْسَحْ ظاهرهما وباطنهما" (٢). وقال (٣): ثنا زيدُ بنُ الحُباب: ثنا داود بن أبي الفرات، عن محمد بن زيد، عن إبراهيم، عن الأسود بن يزيد: "أن عُمَر بن الخطاب توضَّأ، فأدْخل أُصْبُعَيْه في باطن أُذنَيه، وظاهرهما [فمسحهما] " (٤). وقد اختلف العلماء في الأذُنين: هل مسحهما بماء جديد أو لا؟ • فذهب مالك (٥)، والشافعي (٦): إلى أنَّهما يُمْسحان بماءٍ جديد، وهو أحد الروايتين عن أحمد (٧)، قالوا: لأنَّ ابنَ عمر كان يفعلُ ذلك. • وذَهَب أبو حنيفة (٨) وآخرون: إلى أنَّه يمسحهما بما فضَلَ من الماء الذي مَسَح به رأسه، ولا يحتاج إلى تجديد ماء فإنّ [الذين وصفوا] (٩) وضوءَ النبيِّ ﷺ لم يذكر

стр. 352

أحدٌ منهم، أنَّه أخذ لأُذُنَيْه ماءً جديدًا، بل الذي في الأحاديث الصحيحة: "أنَّه مسحهما مع رأسه"، ولم يُنقل هذا إلَّا عن ابن عمر، وقد كان ابنُ عمر (١) يُدْخِل الماء في عينيه في الوضوء، ويُذكر عنه أنه قال: "لا تقتدوا بي، فإنّ لي وَسْواسًا" أو نحو هذا. قال الرافعي (٢): "وليس من الشرط أنْ يأخذه جديدًا حينئذٍ، بل لو أمسك بعض أصابعه من البلل المأخوذ، فمَسَح الرأس ومَسَح به الأُذُنَيْن تأدَّت هذه السُنَّة". ويَمْسَح الصَّماخَيْن بماءٍ جديدٍ أيضًا، لأنّه من الأذن كالفم والأنف من الوجه. وحُكِيَ قولٌ آخر: أنَّه يكفي مسحُه ببقيَّةِ بلل الأذن، لأنَّ الصِّماخَ من الأذُن، والأحبُّ في إقامة هذه السُّنَّة، أنْ يُدْخل مسبّحتيه في صِماخَيْه، ويديرهما على (٣) المعاطف، ويُمِرُّ إبهامَيْه على ظاهرهما (٤)، ثمَّ يُلصقْ كفَّيه وهما مبلولتان بالأُذُنَيْن استظهارًا". وحجَّةُ من قال بتجديد الماء للأذُنين، ما رَوى البيهقي (٥) من حديث عبدِ الله بنِ زيد -في الباب قبل هذا-، من طريق ابنِ وهبٍ كروايةِ الترمذيّ، وفيه: "وأخذ (٦) لأذنيه ماءً خلاف الماء الذي أخذ لرأسه". رواه عن الحاكم: عن أحمد بن عبدوس، عن عثمان الدارمي، عن الهيثم بن خارجة عنه. وقال: (٥) هذا إسناد صحيح.

стр. 353

قال (١): ويروى عن عبد العزيز بن (٢) مقلاص، وحرملة (٣)، عن ابن وهب، كرواية الهيثم بن خارجة عنه. ٢٩ - باب ما جاء أن الأذنين من الرأس حدثنا قتيبة: ثنا حمَّاد بن زيد، عن سنان بن ربيعة، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة؛ قال: "توضَّأ النَّبيُّ ﷺ فغسل وجهه ثلاثًا، ويديه ثلاثًا، ومسح برأسه وقال: الأذنان من الرأس". قال قتيبة: قال حماد: لا أدري هذا من قول النَّبيِّ ﷺ أو من قول أبي أمامة؟ قال: وفي الباب عن أنس. قال أبو عيسى: هذا حديث ليس إسناده بذاك القائم، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النَّبيِّ ﷺ ومن بعدهم، أن الأذنين من الرأس. وبه يقول سفيان، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق. وقال بعضُ أهلِ العلمِ: ما أقبل من الأذنين فمن الوجه، وما أدبر فمن الرأس. قال إسحاق: وأختار أن يمسح مقدَّمَهما مع وجهه، ومؤخَّرهما مع رأسه (٤). * الكلام عليه: ذكر أبو داود (٥): أن سليمان بن حرب؛ قال: يقولها أبو أمامة؛ يعني: قصة الأذنين.

стр. 354

وقال الدارقطني: "رَفعه وهم، والصواب أنه موقوف" (١). قال: وقال سليمان بن حرب: الأذنان من الرَّأس، إنما هو قول أبي أمامة، فمن قال غير هذا فقد بدَّل أو كلمة قالها سليمان أي أخطأ (٢). قال الدارقطني (٢): ثنا دعلج؛ قال: سألت موسى بن هارون عن هذا الحديث، فقال: ليس بشيء، فيه شَهْرٌ وشهر ضعيف والحديث في رفعه شك. وقال ابن أبي حاتم (٣): سنان بن ربيعة، أبو ربيعة مضطرب الحديث -يعني: راويه عن شهر-. قلت: سنان بن ربيعة أخرج له البخاري (٤). وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به (٥). وشهرٌ: وثَّقه (٦) أحمد (٧) ويحيى (٨) والعجلي (٩) ويعقوب بن شيبة (١٠)،

стр. 355

وحسَّن البخاري (١) حديثه، وتكلَّم فيه آخرون (٢)، وليس الكلام فيه بكبير أمر. فالحديث لو سلم من تعليل ممَّن علَّله ممَّن ذكرناه، لكان صحيحًا أو حسنًا. ويشهد له حديث عبد الله بن زيد؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "الأذنان من الرأس". رواه ابن ماجه (٣)، عن سويد بن سعيد، عن يحيى بن زكريا بن (٤) أبي زائدة، عن شعبة، عن حبيب بن زيد، عن عبَّاد بن تميم، عن عمِّه. ورجالهُ (٥) كُلُّهم موثقون، مُخرَّج لهم في الصَّحيح، إلَّا حبيب بن زيد، فقد وثَّقه أبو حاتم ابن حبان (٦)، وتقلَّد تصحيح حديثه هذا (٧). وقال فيه أبو حاتم الرازي: "صالح" (٨). وحديث عبد الله بن زيد لم يذكره الترمذي مسنَدًا، ولا بصحابيَّه. وفي الباب ممَّا لم يذكره أيضًا: عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "الأذنان من الرأس".
следующие страницы →