← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16599

النفح الشذي شرح جامع الترمذي ط الصميعي

ابن سيد الناس

Полный текст (2 088 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

فيه: غسل الكفين في أول الوضوء، وهو سنة باتفاق العلماء. وقوله: "فغسل كفيه حتى أنقاهما" (١)، هذا قدرٌ مشترك بين كيفية غسلهما مجتمعتين أو متفرقتين. والفقهاء اختلفوا أيهما أفضل. وفي حديث حمران عن عثمان: "فغسلهما ثلاث مرات" (٢)، وهو في الصحيحين، وهو مبين لما العمل من العدد في حديث علي هذا وقد اختلفت الآثار في كيفية غسلهما. والحوالة على العدد أو الإنقاء كما سنذكره، وقد ذكرنا حديث الباب في ذلك وحديث حمران عن عثمان، وفي حديث أبي علقمة عن عثمان: "فأفرغ بيده اليمنى على اليسرى ثم غسلهما إلى الكوعين". وفي حديث عبد الله بن زيد من رواية وهيب عند البخاري: "فأكفأ على يده من التور فغسل يده ثلاثًا" (٣). وفي حديث عبد خير عن علي من رواية زائدة بن قدامة عن خالد بن علقمة عنه: "فأخذ بيمينه الإناء فأنقأ على يده اليسرى ثم غسل كفيه، ثم أخذ بيده اليمنى الإناء فأفرغ على يده اليسرى ثم غسل كفيه، ثم أخذ بيده اليمنى الإناء فأفرغ على يده اليسرى ثم غسل كفيه؛ فغسله ثلاث مرات" (٤). قال عبد خير: كل ذلك لا يدخل يده في الإناء حتى يغسلهما ثلاث مرات؛ رواه الدارقطني ثم البيهقي (٥).

стр. 422

وعند الدارقطني أيضًا من حديث: إسحاق بن يحيى عن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، عن أبيه، عن عثمان: أنه توضأ فغسل يديه ثلاثًا كل واحدة منهما ... الحديث (١). إسحاق بن يحيى، قال البخاري: يتكلمون في حفظه (٢). وقال الترمذي: ليس بذاك القوي عندهم وقد تكلموا فيه من قبل حفظه (٣). وقال البزار: قد روى عنه عبد الله بن المبارك وجماعة واحتمل حديثه (٤). وأما غسل الكفين قبل إدخالهما في الإناء فقد سبق في بابه. وقد اختلفت أحاديث هذا الباب؛ فالعطف في بعض الأعضاء على بعض فيها بلفظة "ثم" التي تقتضي الترتيب وفي بعضهاب "الواو" التي تقتضي التشريك من غير ترتيب وهو موضع اختلف العلماء فيه: هل هو من فروض الوضوء أو من سننه؟ وهل هو جارٍ في جميع الوضوء مفروضة ومسنونة؟ أو هو مطلوب بين المفروضات خاصة؟ • فالمشهور من مذهب مالك أنه سنة وهو رواية المصريين (٥). • وروى علي بن زياد وجوَبه (٥). • وقيل: إنه مستحب؛ ذكره ابن شاس (٦).

стр. 423

• وكذلك المحكي عن مذهب أبي حنيفة (١) أنه ليس بواجب، وروى ذلك علي بن أبي طالب وابن عباس ذكره أبو بكر (٢) بن أبي شيبة، عن معتمر، عن عوف، عن عبد الله بن عمرو بن هند؛ قال: قال علي: ما أبالي إذا أتممت وضوئي بأي أعضائي بدأت. وروى أيضًا عن حفص، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن زياد؛ قال: قال علي: ما أبالي بدأت بالشمال قبل اليمين إذا توضأت (٣). قال: حدثنا حفص، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن مجاهد؛ قال: قال عبد الله: لا بأس أن تبدأ برجليك قبل يديك في الوضوء (٤). وإليه ذهب الأوزاعي (٥)، والثوري (٦)، والليث (٧) بن سعد، والمزني (٨)، وداود (٩). وقال بالوجوب قوم؛ منهم: الشافعي (١٠)، وأحمد (١١)، وأبو

стр. 424

عبيد (١) القاسم بن سلام، وأبو (٢) مصعب، وإسحاق (٣)، وأبو ثور (٤). وقد خرَّج طائفة من أصحاب أحمد كأبي الخطاب (٥) وغيره، رواية عن أحمد كمذهب أبي حنيفة. فإنه نص فيمن أخَّر المضمضمة والاستنشاق، فغسلهما بعد اليد على روايتين، فطرد هؤلاء الخلاف في سائر الأعضاء. وأما قدماؤهم: فجعلوا النزاع مختصًا بهذين لعدم نص القرآن عليهما، ولحديث جاء فيهما، ولهذا في تسمية كل واحد منهما واجبًا روايتان عن أحمد ذكره الإمام أبو العباس (٦) أحمد بن تيمية ولم يرجح طريقي المتقدمين والمتأخرين من أصحابه؛ إلا أنه علل تصرف المتقدمين تعليلًا يسير إلى ترجيحه. والحديثُ الذي أشار إليه قد تقدَّم فيما ذكرناه من حديث المقدام بن معدي كرب بلفظة "ثمَّ" المقتضية للترتيب فيه جعل المضمضة والاستنشاق بعد غسل الذراعين وبعدهما مسح الرأس كذلك، وهو مخرج عند أبي داود عن أحمد بن حنبل، عن أبي المغيرة، عن حريز بن عثمان، عن عبد الرحمن بن ميسرة، عن

стр. 425

المقدام (١). وحريز (٢): وثقه أحمد (٣)، ويحيى (٤)، وأبو حاتم (٥). وعبد الرحمن (٦) بن ميسرة: وثقه أحمد (٧) بن عبد الله العجلي، وليس غيرهما في إسناده موضع السؤال عنه فلا مانع من الاحتجاج به. وهو عند الدارقطني (٨)؛ من طريق ابن عقيل: أن علي بن المسيب أرسله إلى الربيع بنت معوذ يسألها عن وضوء الرسول ﷺ وفيه: فيغسل وجهه ثلاثًا، ثم يمضمض ثلاثًا، ويستنشق ثلاثًا، ثم يغسل يديه، ثم يمسح رأسه. وعنده (٩) أيضًا تقديم المضمضة على غسل الوجه، من حديث عثمان، بسند جيد، ولكن بـ "الواو" لا بـ "ثم". ومن ترك الترتيب ناسيًا ففيه قولان لأصحابنا (١٠):

стр. 426

• الجديد (١): أنه كالعامد لا يعذر. • والقديم: أنه معذور وأما من راعى الترتيب في المفروض دون المسنون فروينا في الموطأ (٢) قال يحيى: سئل مالك عن رجل توضأ فنسي؛ فغسل وجهه قبل أن يمضمض، أو غسل ذراعيه قبل أن يغسل وجهه. فقال: أما الذي غسل وجهه قبل أن يمضمض؛ فليمضمض ولا يعد غسل وجهه. وأما الذي غسل ذراعيه قبل وجهه؛ فليغسل وجهه، ثم ليعد غسل ذراعيه، حتى يكون غسلهما بعد وجهه، إذا كان ذلك في مكانه، أو بحضرة ذلك. قال أبو عمر: قوله هذا يدل على أن الترتيب لا يراعى في المسنون مع المفروض، وإنما يراعى في المفروض من الوضوء، قلت: وقوله: "إذا كان ذلك في مكانه، أو بحضرة ذلك" (٣)، يقتضي: أن ذلك ليس من قبيل الواجب، كما هو المشهور من مذهبه. وقد ذكرنا حديث المقدام، والرُّبيِّع وما عن عثمان والرواية عن أحمد في ذلك. وحجة من لم يوجب الترتيب: أن "الواو" لا تقتضي الترتيب. قال أبو عمر: وقد روي عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود أنهما قالا: ما أبالي بأي الأعضاء بدأت إذا أتممت وضوئي. وهم أهل اللسان. قلت: أما قول أبي عمر: عبد الله بن مسعود، قد تقدم فيما ذكرناه الخبر

стр. 427

بذلك، عن علي وابن عباس، من طريق ابن أبي شيبة (١). وليس فيه أكثر من: مجاهد عن عبد الله، والظاهر: أنه ابن عباس، كما ذكرنا لا ابن مسعود. وكذلك فهمه بعض أهل العلم، وفسره به، وقومه (٢) ذلك رواية مجاهد عنه. وقد تعرض أبو عمر لرد هذا الأثر، بالانقطاع بين مجاهد وابن مسعود، بناء على ما ذكر، والظاهر غيره (٣). ولو كان أبو عمر أورد الخبر عن ابن مسعود، من غير طريق مجاهد، لكان الحمل على أنه روي في ذلك عن ابن مسعود وابن عباس معًا (٤). وأما مجاهد عن عبد الله، فتفسيره بابن عباس أولى، والله أعلم. وأما من ذهب إلى الترتيب، فقال: الواو توجب الجمع، والرتبة معًا، كذلك هو عند أهل الكوفة، الكسائي، والفراء، وهشام، ومعاوية، ومن ذهب مذهبهم. قالوا: وذلك زيادة في فائدة الخطاب، في قول القائل: أعط زيدًا وعمرًا. قالوا: ولو كانت الواو توجب الرتبة أحيانًا، كما قال: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾، ولا توجبها أحيانًا، كما قال: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾، لكان في فعل الرسول ﷺ بيانًا لمراد الله من ذلك، لأنه لم يتوضأ قط منذ افترض الله عليه الوضوء، إلا على نسق (٥). فصار ذلك فرضًا، كما كان بيانه لعدد ركعات الصلوات ومقادير الركعات

стр. 428

فرضًا (١). واحتجوا أيضًا بما روي عن النبي ﷺ في حديث جابر في الحج من قوله: "ابدأوا بما بدأ الله به"، حين بدأ بالصفا. وحديث جابر عند مسلم (٢). وقد روي بصيغة الخبر، وبصيغة الأمر: "نبدأ" أو "أبدأ"، وروي: "ابدأوا" عند النسائي (٣). وكذا رواه الطبراني عند البيهقي بما روى مسلم (٤)، من حديث عدي بن حاتم (٥): أن رجلًا خطب عند النبي ﷺ (٦)، فقال: من يطع الله وسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى (٧)، فقال رسول الله ﷺ : "بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله" (٨). فتعلق به من زعم أن الواو تقتضي الترتيب.

стр. 429

قالوا: ومن الدليل على ذلك: دخول المسح بين الغسلين، لأنه لو قدَّم ذكر الرجلين، وأخر مسح الرأس لما فهم المراد من تقديم المسح، فأدخل المسح بين الغسلين، ليعلم أنه قدم على الرجلين، ليثبت بذلك الرأس قبل الرجلين، ولولا ذلك لقال: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا برؤوسكم. وما معناه أنهم أجمعوا على إجزاء الوضوء المرتب واختلفوا في غير المرتب (١). فالمرتب مجمع عليه بيقين، والعمل بما أجمعوا عليه أولى من العمل بما اختلفوا فيه. ذكر معناه أبو عمر. قلت: أما الأولوية فلا نزاع فيها، والأولى أن يلزم بهذا من انتحل مذهب مالك، إذ من قواعدهم مراعاة الخلاف، وأما الواو: فلا يتأتى الترتيب، حتى يقع التعارض بينهما وبين "ثم" التي تقتضيه. وقد جاء الوضوء به منسوبًا بلفظة "ثم" المقتضية للترتيب، في غير حديث من الأحاديث الصحيحة، من ذلك: حديث عثمان، وحديث عمرو بن عبسة، وكلاهما عند مسلم (٢). وقد توضأ ﵇ وضوءً مرتبًا، وقال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" (٣). وأما اقتضاء الواو الترتيب؛ فقد نقل عن ابن عباس في المشي إلى بيت الله، قوله: أن لا أكون مشيت لأني سمعت الله يقول: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾،

стр. 430

فبدأ بالرجال. وروى عن عمر أنه سمع عبد بني الحسحاس ينشد: عميرة ودع أن تجهزت غاديًا ... كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيًا فقال عمر: لو قدمت الإسلام على الشيب لأجزتك، فهذا عن ابن عباس وعمر وهما هما، فلم يبقى في ذلك أكثر من الإجمال في "الواو" الواقعة في كتاب الله تعالى. وهو مفسر بما جاء في السنة من ذلك قولًا وعملًا، كما تقدم. وأفعال الرسول ﷺ في في بيان الواجب المجمل، محمولة على الواجب، وليس الإجمال في كل أعضاء الوضوء في القرآن. فالبداءة فيه عند إرادة القيام لغسل الوجه، بالفاء المقتضية للتعقيب والترتيب، وعليه فحملها في الأمر والخبر والجزاء، ولا فرق، ولم ينقل أن النبي ﷺ توضأ وضوءًا منكسًا، ولو كان لنقل، ولو لبيان الجواز، والله أعلم (١). وأما إذا خالف المتوضئ؛ فتوضأ منكسًا. قال أبو الحسن الماوردي: أجزأ منه غسل وجهه، وعليه أن يعيد غسل ما بعده. فلو نكس وضوءه أربع مرات، حصل له منها وضوء واحد كامل، لأنه يعيد في المرة الأولى بالوجه، وفي الثانية بالذراعين، وفي الثالثة بالرأس، وفي الرابعة بالرجلين، ولو رتب الوجه والذراعين وقدم له ... على الرأس ... غسل الرجلين ... (٢) فلم يعرفه استأنف وضوءًا. لجواز أن يكون المتروك غسل وجهه، ولا

стр. 431

يجوز أن يجتهد كما لو يجوز أن يجتهد في عدد ما صلى، إذا شك، فلو ترك المتوضئ موضعًا من وجهه، غسله وأعاد غسل ما بعد الوجه، ليكون بعد كمال غسل الوجه، فلو لم يعرف ذلك الموضع من وجهه؟ استأنف جميع وضوئه. وأما تقديم اليسرى على اليمنى: فمجزئ، قاله الشافعي (١)، وقال الإمام أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب -في "الحاوي" (٢) بعد كلام له-: فحصل من هذا أن أعضاء الوضوء تنقسم ثلاثة أقسام: * قسم: يكون الترتيب فيه واجبًا، وهو الأعضاء الأربعة، يعني: المفروضة. * وقسم: يكون الترتيب فيه مسنونًا، وهو تقديم اليمنى على اليسرى. * وقسم: مختلف فيه؛ وهو الأعضاء المسنونة، في وجوب الترتيب فيه وجهان. وأما الموالاة: فقال الشافعي (٣): إن فرق وضوءه، وغسله أجزأه، واحتج في ذلك: بابن عمر أعلم أن الموالاة في الوضوء أفضل ومتابعة الأعضاء أكمل انقيادًا، لما يقتضيه الأمر من التعجيل، واتباعًا لقول رسول الله ﷺ ، فإن فرق فالتفريق ضربان: قريب وبعيد. فالقريب: معفو عنه، ولا تأثير له في الوضوء وحَده، ما لم يجف الأعضاء، مع اعتدال الهواء في غير حر، ولا برد، ولا حر مشتد، وليس الجفاف معتبرًا، وإنما زمانه هو المعتبر. فأما البعيد: فهو أن يمضي زمان الجفاف في اعتدال الهواء، ففيه قولان:

стр. 432

وبه قال في القديم أنه غير جائز، والوضوء معه غير صحيح. وبه قال عمر بن الخطاب والأوزاعي وأحمد. والقول الثاني: وبه قال في الجديد أنه جائز، والوضوء معه صحيح، وبه قال عبد الله بن عمر والحسن وسعيد بن المسيب والثوري وأبو حنيفة. وقال مالك والليث بن سعد: إن فرقه بعذر؛ جاز، وإن فرقه بغير عذر؛ لم يجز. ووجه القول الأول -أنه لا يجوز: أن مطلق أمر الله تعالى بالوضوء فقوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ الآية، يقتضي الفور والتعجيل، وذلك يمنع من التأجيل. ولأن النبي ﷺ توضأ على الولاء، ثم قال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" (١)؛ يعني: إلا بمثله في الموالاة. وروى قتادة عن أنس: أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ وقد توضأ، وترك على قدميه مثل موضع الظفر، فقال النبي ﷺ : "ارجع فأحسن وضوءك" (٢). ولأنها عبادة، يرجع في حال العذر إلى شرطها، فوجب أن تكون الموالاة من شرطها كالصلاة. ووجه قوله في "الجديد" بأنه يجوز هذا التفريق: هو أن لا يمنع من امتثال

стр. 433

الأمر، في قوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾؛ فوجب أن لا يمنع من الإجزاء، فإن قيل: الأوامر تقتضي الفور. قيل: فيه بين أصحابنا خلاف. وروى نافع عن ابن عمر: أنه توضأ في منزله، وفي رجليه خفاف، فلم يمسح عليهما، حتى خرج إلى المسجد، فحضرت جنازة، فدعا بماء، فمسح على خفيه، وذلك بالمدينة فلم ينكر عليه أحد. ولأنه تفريق في تطهير، فجاز كالتفريق اليسير. ولأن كل عبادة جاز فيها التفريق اليسير، جاز الكثير، كالحج طردًا والصلاة عكسًا، هذا عن أبي الحسن الماوردي (١). وقد استدل بعض أهل العلم، على جواز التفريق، بحديث رواه من طريق حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن أبي سلمة وهو ابن عبد الرحمن بن عوف، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يغتسل من الجنابة، بدأ فيغسل يديه ثلاثًا، ثم يأخذ بيمينه فيصب على يساره، فيغسل فرجه حتى ينقيه، ثم يغسل يديه غسلًا حسنًا، ثم يمضمض ثلاثًا، ثم يستنشق ثلاثًا، ويغسل وجهه ثلاثًا، ويغسل ذراعيه ثلاثًا، ثم يصب على رأسه ثلاثًا، ثم يغسل جسده غسلًا، فإذا خرج من مغتسله غسل رجليه (٢). قال (٣): إذا جاز أن يجعل بين وضوءه، وغسله، وبين تمام ذلك بغسل رجليه، مهلة خروجه عن مغتسله، فالتفريق جائز. وذهب عبد العزيز بن أبي سلمة إلى أن الموالاة فرض؛ قال أبو (٤) محمد بن

стр. 434

الفرس: وعلى هذا يحمل جماعة من المتأخرين مذهب مالك. وقيل: هو سنة، وهو المشهور من مذهب مالك. وقيل: فرض في المغسول، سنة في الممسوح، وهو قول مطرف، وابن الماجشون، وروايته عن مالك؛ وفيه: الشرب من فضل الوضوء. وعند النسائي (١) في حديث أبي حية هذا: ثم قام فشرب فضل وضوءه، وقال: صنع رسول الله ﷺ كما صنعت. وترجم النسائي (٢) على "باب الانتفاع بفضل الوضوء"؛ ثم تلاه بحديث أبي جحيفة الذي فيه: وأخرج بلال فضل وضوئه فابتدروه الناس، فنلت منه شيئًا. ثم أتبعه بحديث جابر، الذي فيه: فصب عليّ وضوءه. وفي حديث أبي حية عند أحمد بن عبيد، في كلام ذكره: قال: كان إذا فرغ من طهوره، أخذ بكفه من فضلة طهوره، فشربه (٣). وأما ما روي عن محمد بن إسحاق العكاشي، عن الأوزاعي، عن مكحول، والقاسم بن مخيمرة، وعبدة بن أبي لبابة، وحسان بن عطية جميعًا: أنهم سمعوا أبا أمامة، وعبد الله بن بسر، وجماعة من أصحاب النبي ﷺ يقولون: سمعنا النبي ﷺ يقول: "الشرب من فضل وضوء المؤمن، فيه شفاء من سبعين داء، أدناها الهم"؛ فحديث لا يصح.

стр. 435

والعُكَّاشي: كذبه يحيى (١) بن معين. وقال ابن عدي (٢): يروى عن الأوزاعي أحاديث مناكير موضوعة. وفيه الوضوء للتعليم. قال أبو العباس (٣) القرطبي: ووضوء المعلم للوضوء: إذا نوى به رفع الحدث، أجزأه، فإن لم ينو، لم يجزئه، عند من يشترط النية وكذلك المتعلم. * * *

стр. 436

٣٨ - باب ما جاء في النضح بعد الوضوء أخبرنا نصر بن علي، وأحمد بن أبي عبيد الله السليمي، أخبرني قالا: ثنا أبو قتيبة، مسلم بن قتيبة، عن الحسن بن علي الهاشمي، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: "جاءني جبريل فقال: يا محمد! إذا توضأت فانتضح". قال أبو عيسى: هذا حديث غريب. قال: وسمعت محمدًا يقول: الحسن بن علي الهاشمي، منكر الحديث. قال: وفي الباب عن أبي الحكم بن سفيان، وابن عباس، وزيد بن حارثة، وأبي سعيد. وقال بعضهم: سفيان بن الحكم، أو الحكم بن سفيان، واضطربوا في هذا الحديث (١). * الكلام عليه: أخرجه ابن ماجه (٢) كذلك، من حديث الحسن بن علي الهاشمي أيضًا. وهو ضعيف عندهم، ضعفه أحمد (٣) والنسائي (٤) وأبو (٥) حاتم الرازي. وقال الدارقطني (٦): يروي عن الأعرج عن أبي هريرة مناكير ضعيف واه.

стр. 437

وقال ابن (١) حبان -فيما حكاه عنه ابن (٢) الجوزي-: هذا باطل، فيه الحسن بن علي الهاشمي، يروي المناكير. وأما حديث الحكم بن سفيان، أو سفيان بن الحكم؛ قال: كان رسول الله ﷺ إذا بال توضأ وينتضح. فعند أبي (٣) داود، وفي رواية عنده (٤)، عن رجل من ثقيف، عن أبيه؛ قال: رأيت رسول الله ﷺ بال، ثم نضح فرجه. وفي رواية (٥) عن الحكم، أو عن ابن الحكم، عن أبيه: أن النبي ﷺ بال، ثم توضأ، ونضح فرجه. وأخرجه النسائي (٦) وابن ماجه (٧). واختلف في سماع الثقفي هذا من رسول الله ﷺ وقال أبو عمر (٨): له حديث واحد في الوضوء، وهو مضطرب الإسناد. وقال الترمذي (٩) في العلل: سألت محمدًا عن حديث منصور، عن مجاهد، عن الحكم بن سفيان، أو أبي الحكم، أو سفيان بن الحكم: أن النبي ﷺ كان إذا توضأ، ففرغ من وضوئه، أخذ كفًا من ماء، فرشه تحته؛ فقال: الصحيح ما روى

стр. 438

شعبة ووهيب. وقال: عن أبيه، وربما قال ابن عيينة في هذا الحديث: عن أبيه. وقال شعبة: عن الحكم، أو أبي الحكم، عن أبيه (١). قال محمد (٢): وقال بعض وَلَد الحكم بن سفيان: أن الحكم لم يدرك النبي ﷺ ولم يره. وذكره أبو حاتم (٣) بن حبان في معرفة الصحابة فقال: الحكم بن سفيان بن عثمان بن عامر بن معتب الثقفي من أهل الحجاز. يروى عنه: مجاهد، وهو الذي يقال له: سفيان بن الحكم يخطئ الرواة في اسمه واسم أبيه. وأم الحكم: عائشة بنت أبي عقيل بن مسعود بن عامر بن معتب. وقال أبو عمر (٤): سماعه من النبي ﷺ عندي صحيح، لأنه نقله الثقات، منهم: الثوري ولم يخالفه من هو في الحفظ والإتقان مثله. وذكر أبو زرعة (٥) نحوه. وقال أبو الحسن (٦) بن القطان في حديث الحكم هذا: أنه قد عدم الصحة من وجوه: • أحدها: الاضطراب.

стр. 439

• والثاني: الجهل بحال الحكم بن سفيان، فإنه غير معروفها، ولا سيما على ما ارتضى أبو محمد؛ يعني: في ترجيح طريق النسائي، فإن النسائي رواه من حديث شعبة وفيه عن الحكم عن أبيه. • والثالث: أن أباه المذكور، لا يعرف له صحبة، ولا رواية لشيء غير هذا. • والرابع: تهافت لفظ الحديث المذكور، المجتمع من روايات رواته. قلت: الاضطراب الذي أشار إليه أولًا، هو التهافت الذي عده وجهًا رابعًا، غير أن الأول كأنه يرجع إلى الإسناد، والأخير يرجع إلى المتن. وأما الجهالة بحال الحكم بن سفيان: فبعد معرفة أبي زرعة الرازي، وابن حبان، وأبي عمر، لا يضره جهالة من جهله. • والوجه الثالث عنده: الجهالة بأبي الحكم، وهي لا تضر، إذا عرف ابنه، وأكثر ما فيه صحابي روى عن مثله وصحبة ابنه إذا ثبتت وصحت، أفادت صحبة أبيه لروايته عنه، هذا على تقدير أن يكون الشك في تعدد الشخصين والظاهر أنه شك في اسمين لمسمى واحد، وهل يقال له: الحكم بن سفيان؟ أو سفيان بن الحكم؟ ومن هناك نشأ الشك، فتعدى إلى غير ذلك. وقد روى من حديث مجاهد، عن الحكم عن النبي ﷺ (١). ومن حديث مجاهد، عن أبي الحكم (٢)، فأعلَّ أبو الحسن كل رواية بالأخرى، وجعل الحديث مترددًا بين الإرسال والانقطاع، فروايته عن مجاهد، عن الحكم، عن النبي ﷺ مرسلة. بين ذلك رواية من رواه عن الحكم، عن أبيه، عن النبي ﷺ ؛ ورواية

стр. 440

مجاهد، عن أبي الحكم منقطعة تبين ذلك برواية من رواه عن مجاهد، عن الحكم، عن أبيه. والظاهر أن المقتضى لذلك كله الشك في هذا الشخص هل هو: الحكم أو أبو الحكم؟ فبعضهم يقول فيه: الحكم، وبعضهم يقول: أبو الحكم، وبعضهم يقول: الحكم بن سفيان، وبعضهم يقول: سفيان بن الحكم، ومنهم من يرويه عن مجاهد عن رجل من ثقيف (١). وقال ابن (٢) أبي حاتم -في كتاب العلل-: سمعت أبا زرعة يقول في حديث رواه جرير عن منصور، عن مجاهد، عن الحكم بن سفيان -أو أبي الحكم بن سفيان - عن النبي ﷺ : أنه نضح فرجه. ورواه الثوري عن منصور، عن مجاهد، عن الحكم بن سفيان -أو سفيان بن الحكم- عن النبي ﷺ . ورواه وهيب، عن منصور، عن مجاهد، عن الحكم بن سفيان، عن أبيه. ورواه ابن عيينة عن منصور، وابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن رجل من ثقيف، عن أبيه. فقال أبو زرعة: الصحيح: مجاهد، عن الحكم بن سفيان، وله صحبة. وسمعت أبي يقول: والصحيح مجاهد عن الحكم بن سفيان، عن أبيه، ولأبيه صحبة (٣). وهكذا روى عن شعبة من طريق الحكم، عن أبيه في الأكثر، وهو الذي

стр. 441

رجحه البخاري (١). فالحديث إذن مضطرب اضطرابًا لا يترجح فيه وجه على غيره، وذلك مانع من القول بصحته، لا عيب فيه سوى ذلك. وأما حديث ابن عباس فهو أصح من كل ما في الباب. قرأت على الحافظ الزاهد، أبي العباس أحمد بن محمد بن الظاهري وغيره: أخبركم أبو المنجا عبد الله بن عمر بن علي، البغدادي -قراءة عليه-. قال: ثنا أبو الوقت، عبد الأول بن عيسى؛ قال: ثنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر بن معاذ الداودي: ثنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حمويه: ثنا أبو عمران عيسى بن عمر بن العباس السمرقندي: ثنا أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي (٢): ثنا قبيصة: ثنا سفيان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة ونضح. وهذا صحيح على شرط الشيخين وقد تقدم مخرجًا عنهما بدون زيادة ونضح. وأما حديث أسامة بن زيد وزيد بن حارثة: فإن ابن (٣) ماجه روى عن إبراهيم بن محمد الفريابي، عن حسان بن عبد الله، عن ابن لهيعة، عن عقيل، عن الزهري، عن عروة: ثنا أسامة بن زيد؛ قال: قال رسول الله ﷺ : علمني جبريل الوضوء، وأمرني أن أنضح تحت ثوبي، لما يخرج من البول بعد الوضوء. ورواه الإمام أحمد (٤): من حديث ابن لهيعة، ورشدين بن سعد.

стр. 442

وروى الإمام أحمد (١)، وأبو القاسم (٢) الطبراني في المعجم الكبير من رواية ابن لهيعة، من حديث أسامة بن زيد عن أبيه، عن النبي ﷺ نحوه في نضح الفرج بعد الوضوء. رشدين، وابن لهيعة ضعيفان. وذكره ابن (٣) أبي حاتم في كتاب العلل: أن أباه سئل عن هذا الحديث؛ فقال: هذا حديث كذب باطل. وأما حديث أبي (٤) سعيد: وفي الباب مما لم يذكره: حديث أبي الزبير، عن جابر؛ قال: توضأ رسول الله ﷺ فنضح فرجه (٥). وحديث الزهري عن أنس: أن النبي ﷺ كان إذا توضأ نضح عانته. رواه الدارقطني في "غرائب حديث مالك" من حديث القاسم بن عبد الله بن مهدي الأخميمي (٦)، عن سخبرة (٧) بن عبد الله قاضي القيروان، عن مالك، عنه؛ وقال: هذا باطل عن مالك لا يصح (٨). وهو عنده من جهة: الحسن بن أحمد بن المبارك، عن القاسم. والحمل فيه على القاسم، فإنه قال: ضعيف جدًّا يتهم بوضع الحديث. وحديث أخرجه أحمد بن عبيد في مسنده عن إسماعيل بن الفضل، عن

стр. 443

أبي حسين الرازي، عن الحسين بن زيد، بن علي بن الحسين، عن جعفر بن محمد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي ﵁، قال: وضأت النبي ﷺ فلما فرغ، نضح فرجه. ذكر ذلك شيخنا الحافظ، أبو الفتح (١) القشيري، قال أبو سليمان (٢) الخطابي رحمه الله تعالى: الانتضاح هنا الاستنجاء بالماء وكان من عادة أكثرهم أن يستنجوا بالحجارة لا يمسون الماء. وقد يتأول الإنضاح أيضًا على رش الفرج بالماء بعد الاستنجاء به، ليدفع بذلك وسوسة الشيطان، وقال ابن (٣) العربي: معناه إذا توضأت فصب الماء على العضو صبًّا، ولا تقتصر على مسحه، فإنه لا يجزئ فيه إلا الغسل، دون إسراف، ولذلك أنكر مالك: حتى يقطر ويسيل، فكره أن يجعل القطر والسيلان حدًّا وإن كان لا بد منه مع الغسل. وقيل معناه: استبرأ الماء بالنضح والتنحنح يقال: نضحت: أسلت، وانتضحت: تعاطيت الإسالة. وقال ابن (٤) سيده: نضح عليه الماء ينضِحه نضحًا، إذا ضربه لتيء فأصابه منه رشاش، ونضح عليه الماء: ارتشّ. وقال ابن (٥) الأعرابي: النضح: ما كان على اعتماد. والنضخ -يعني: بالخاء المعجمة-: ما كان على غير اعتماد. وقيل: هما لغتان بمعنى وكله رشٌّ.

стр. 444

والنضح والنضيح الحوض لأنه ينضح العطش. وقيل: هما الحوض الصغير. والنضح: سقى الزرع وغيره بالسانية ونضح زرعه: سقاه بالدلو. والناضح: البعير أو الثور أو الحمار الذي يستقى عليه الماء، والأنثى بالهاء. واستنضح الرجل وانتضح، نضح شيئًا من ماء على فرجه بعد الوضوء (١). وجه خامس: قاله ابن العربي (٢) أيضًا وقال: وقيل معناه: إذا توضأت فرشّ الإزار الذي يلي الفرج بالماء ليكون ذلك مذهبًا للوسواس. وروى عن قتادة: النضح من النضح، يقول: من أصابه نضح من البول، فعليه أن ينضحه بالماء. ويكون على هذا معنى الحديث الوارد: عشر من الفطرة، فذكر انتقاص الماء. ورواه أبو عبيدة: انتضاح الماء، وفسره بما قدمناه. وقال الشيخ محيي الدين: قال الجمهور: الانتضاح نضح الفرج بماء قليل بعد الوضوء لينفي عنه الوسواس. وهذا كالوجه الذي حكيناه عن الإمام أبي سليمان الخطابي ثانيًا إلا أن ذلك قال بعد الاستنجاء. وهذا قال بعد الوضوء وهو أشبه من بعض ما تقدمه لمطابقته ما حكيناه عن أهل اللغة في كلام ابن سيده. وفيما حكاه ابن العربي عن مالك ما يشير إلى أنه جعل النضح واسطة بين الغسل والمسح إذ الغسل عنده صب الماء مع التقاطر والسيلان.

стр. 445

والنضح: صب الماء دون ذلك من غير سيلان ولا تقاطر والمسح دون النضح إمساس الماء من غير صب. وهو أيضًا أشبه بقول اللغويين من قول من جعله الاستنجاء وصح عن ابن عمر أنه كان إذا توضأ نضح فرجه، وشكا له مولى لابن الأزهر البول، فقال: إذا توضأت فانتضح واله عنه فإنه من الشيطان. وعن ابن عباس نحوه وعن القاسم بن محمد، وميمون بن مهران مثله. وروى ابن عوف عن ابن سيرين أنه: كان إذا توضأ وفرغ قال بكف من ماء في إزاره هكذا. * * *

стр. 446

٣٩ - باب ما جاء في إسباغ الوضوء حدثنا علي بن حجر: ثنا إسماعيل بن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات"، قالوا: بلى يا رسول الله! قال: "إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط". حدثنا قتيبة: ثنا عبد العزيز بن محمد عن العلاء ... نحوه. قال قتيبة في حديثه: فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط. قال: وفي الباب عن علي، وعبد الله بن عمرو، وابن عباس، وعَبيدة ويقال: عُبيدة بن عمرو، وعاثشة، وعبد الرحمن بن عايش، وأنس؛ قال: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح والعلاء بن عبد الرحمن: هو ابن يعقوب الجهني وهو ثقة عند أهل الحديث (١). * الكلام عليه: أخرجه مالك (٢) عن العلاء في موطئه، وأخرجه مسلم (٣) من حديث مالك وغير واحد من الأئمة. وهو صحيح على شرطهم إلا البخاري؛ فإنه لم يخرج حديث العلاء بن عبد الرحمن (٤).

стр. 447

وقد رواه عن العلاء جماعة؛ منهم: شعبة، وإسماعيل بن جعفر، وعبد العزيز الدراوردي. ورواه الحافظ أبو يوسف يعقوب بن شيبة في مسند علي بن أبي طالب من حديث عبد الله بن سعيد المقبري، عن جده، عن شرحبيل بن سعد، عن علي، عن النبي ﷺ ؛ قال: "ألا أدلكم على ما يكفر الخطايا والذنوب، إسباغ الوضوء على المكاره، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلك الرباط". أخرج من إسناده شرحبيل بن سعد وقال: لا أدري سمع من علي أو لا (١). ثم روى بسند له: ثنا ابن أبي ذئب: ثنا شرحبيل وكان متهمًا، وهذا هو حديث علي الذي أشار إليه الترمذي. وقد رواه الحافظ أبو (٢) عمر بن عبد البر في التمهيد من طريق ابن أبي خيثمة من حديث سعيد بن المسيب عن علي أن رسول الله ﷺ ؛ قال: "إسباغ الوضوء في المكاره، وإعمال الأقدام إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، يغسل الخطايا غسلًا". وحديث عبد الله بن عمرو؛ قال: رجعنا مع رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة حتى إذا كنا بماء بالطريق، تعجل قوم عند العصر فتوضؤوا وهم عجال فانتهينا إليهم وأعقابهم تلوح لم يمسها الماء، فقال رسول الله ﷺ : "ويل للأعقاب من النار أسبغوا الوضوء". رواه مسلم (٣). وحديث ابن عباس روينا من طريق الدارمي (٤) بالسند المتقدم: ثنا مسدد: ثنا

стр. 448

حماد بن زيد، عن أبي الجهضم، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: "أمرنا بإسباغ الوضوء". وأخرجه الترمذي وصححه وسيأتي، والنسائي (١)، وابن ماجه (٢)، وغيرهم مطولًا ومختصرًا. وأبو (٣) الجهضم: موسى بن سالم، ووقع اسمه عند ابن ماجه (٤): موسى بن جهضم، والصواب: ابن سالم. وذكر الترمذي (٥) في العلل: أنه سأل البخاري عن هذا الحديث فقال: حديث سفيان الثوري وهم. وهم فيه سفيان، فقال: عن عبيد الله بن عبد الله بن عباس، والصحيح عبد الله بن عبيد الله بن عباس. وحديث عبيدة بن عمرو؛ روينا من طريق ابن (٦) قانع: ثنا محمد بن إسحاق أبو الفتح المؤدب، وابن عبدوس بن كامل؛ قالا: ثنا عمرو الناقد؛ قال: حدثني سعيد بن خثيم؛ قال: حدثتني جدتي ربيعة بنت عياض الكلابية، عن جدها عبيد بن عمرو الكلابي.

стр. 449

وقال (١) أبو الفتح: عبيدة بن عمرو. قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ فأسبغ الوضوء. رواه أبو (٢) يعلى الوصلي وأبو (٣) نعيم الحافظ وزاد أبو نعيم: وكانت ربيعة إذا توضأت أسبغت الوضوء. وقال (٤): رواه بعض المتأخرين فقال: وربَيِّعة، وهو وهم، وقال أيضًا: والصحيح عبيدة، بدل عبيد. وحديث عائشة، قال ابن (٥) أبي شيبة: ثنا يحيى بن سعيد وأبو خالد الأحمر عن محمد بن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي سلمة؛ قال: رأت عائشة عبد الرحمن وهو يتوضأ فقالت: أسبغ الوضوء، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ويل للعراقيب من النار" (٦). وحديث عبد الرحمن بن عايش يأتي عند الترمذي معللًا من حديثه عن النبي ﷺ مصححًا من حديثه عن مالك بن عامر (٧)، عن معاذ بن جبل، عن النبي ﷺ . وحديث أنس: روى أبو (٨) أحمد بن عدي من حديث أشعت بن براز؛ قال:

стр. 450

ثنا ثابت، عن أنس؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "يا أنس! أسبغ الوضوء يزد في عمرك". أشعث (١) هذا: أبو عبد الله الهجيمي. قال يحيى (٢): ليس بشيء، وقال -مرة-: ضعيف (٣)، وكذلك قال أبو (٤) زرعة. وقال الفلاس (٥): ضعيف جدًّا. وقال البخاري (٦)، والدارقطني (٧): منكر الحديث. وقال النسائي (٨): متروك الحديث. وقال ابن حبان (٩): يخالف الثقات زيادة في الأخبار كما في المجروحين، ويروي المنكر حتى خرج عن حد الاحتجاج به. وقال ابن عدي (١٠): عامة ما يرويه غير محفوظ، والضعف بين على رواياته. وذكر ابن (١١) أبي حاتم: أنه سأل أباه وأبا زرعة عن أحاديث تروى عن أنس بن

стр. 451

مالك، عن النبي ﷺ في إسباغ الوضوء يزيد في العمر وذكر لهما الأسانيد في ذلك؛ فضعفاها كلها، وقالا: ليس في إسباغ الوضوء يزيد في العمر حديث صحيح. وفي الباب مما لم يذكره: ما رواه الطبراني (١) في الأوسط من حديث سفيان، عن سماك بن حرب، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه؛ قال: أمرنا رسول الله ﷺ بإسباغ الوضوء. أخرجه أحمد بن محمد بن صدقة، عن محمد بن عثمان بن أبي صفوان، ثنا أبي، عن سفيان. وحديث أبي سعيد الخدري: روينا من طريق الدارمي (٢): ثنا زكريا بن عدي: ثنا عبيد الله بن عمرو، عن ابن عقيل، عن سعيد بن المسيب، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ أنه سمعه يقول: "ألا أدلكم على ما يكفر الله به الخطايا ويزيد به في الحسنات؟ " قالوا: بلى، قال: "إسباغ الوضوء على المكروهات، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة". قال: ثنا موسى بن مسعود: ثنا زهير بن محمد، عن عبد الله هو ابن محمد بن عقيل، عن سعيد بن المسيب، عن أبي سعيد الخدري ﵁: أنه سمع رسول الله ﷺ ... فذكر نحوه العلاء (٣) بن عبد الرحمن بن يعقوب أبو شبل الحرقي الجهني -مولاهم - والحرقة من جهينة. سمع أباه، وابن عمر، وأنس بن مالك، وعباس بن سهل بن سعد، ومعبد

стр. 452

ابن كعب، وأبا السائب مولى هشام بن زهرة؛ روى عنه المعمري، ومالك، وابن جريج، وشعبة، وابن عيينة، والدراوردي وغيرهم. قال أحمد (١): ثقة، لم أسمع أحدًا ذكره بسوء (٢)، هو عندي فوق سهيل ومحمد بن عمرو (٣) وقال أبو (٤) حاتم: صالح وهو أشبه من العلاء بن المسيب. وقال أبو (٥) زرعة: ليس هو بأقوى ما يكون. وقال أبو حاتم: روى عنه الثقات، ولكنه أنكروا من حديثه أشياء (٦). وقال ابن معين: ليس حديثه بحجة هو وسهيل قريب من السواء. وقال -مرة-: ليس بذلك لم يزال الناس يتوقون حديثه (٧) وقال ابن سعد: صحيفة العلاء بالمدينة مشهورة، وكان ثقة، كثير الحديث ثبتًا، توفي في خلافة أبي جعفر (٨). وقال ابن عدي: وللعلاء نسخة عن أبيه، عن أبي هريرة يرويها عنه الثقات وما أرى به بأسًا (٩).

стр. 453

وقال يحيى -عنه مرة-: ليس بالقوي (١). وقال: مضطرب الحديثِ (٢). إسباغ الوضوء: إتمامه. وفيه دليل على محو الخطايا بالحسنات من الصحف بأيدي الملائكة التي يكون فيها المحو والإثبات لا في أم الكتاب التي هي عند الله التي قد ثبتت على ما هي عنده؛ فلا يزيد فيها ولا ينقص منها أبدًا. وقال القاضي عياض: هو كناية عن غفرانها، وأراد بإسباغ الوضوء عند المكاره برد الماء وألم الجسم وإيثار الوضوء على أمور الدنيا فلا يأتي به مع ذلك إلا كارهًا مؤثرًا لوجه الله تعالى (٣). وكثرة الخطا إلى المساجد؛ يعني به بعدُ الدار؛ وهو أفضل لقوله ﷺ لبني سلمة وقد أرادوا أن يتحولوا قريبًا من المسجد: "يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم". وانتظار الصلاة بعد الصلاة يحتمل وجهين: • أحدهما: الجلوس في المسجد، وذلك يتصور في أكثر الصلوات العصر، والمغرب، والعشاء ولا يكون بين العتمة والصبح. وقال القاضي أبو الوليد: هذا من المشتركتين في الوقت من الصلوات، وأما غيرهما فلم يكن من عمل الناس (٤).

стр. 454

قال النووي (١): وفيه نظر. • الوجه الثاني: تعلق القلب بالصلاة والاهتمام بها والتأهب لها وهذا يتصور في الصلوات كلها، وقوله: "فذلكم الرباط". لعله الرباط الذي في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾، وحقيقته ربط النفس والجسم مع الطاعات. ذكر معناه القاضي أبو بكر بن العربي (٢). ورفع الدرجات؛ أعلا المنازل في الجنة. ووقع قوله: وذلكم الرباط مرة ومرتين في صحيح مسلم (٣). وثلاثًا عند مالك (٤). وحكمة تكراره: قيل: الاهتمام به وتعظيم شأنه. وقيل: كرره ﷺ على عادته في تكرار الكلام ليفهم عنه. * * *

стр. 455

٤٠ - باب ما جاء في التمندل بعد الوضوء حدثنا سفيان بن وكيع: ثنا عبد الله بن وهب، عن زيد بن حباب، عن أبي معاذ، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة؛ قالت: كان لرسول الله ﷺ خرقة يتنشف بها بعد الوضوء. قال أبو عيسى: حديث عائشة ليس بالقائم، ولا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء. وأبو معاذ يقولون: هو سليمان بن أرقم، وهو ضعيف عند أهل الحديث. قال: وفي الباب عن معاذ بن جبل، حدثنا قتيبة: ثنا رشدين بن سعد، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن عتبة بن حميد، عن عبادة بن نسي، عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ؛ قال: رأيت النبي ﷺ توضأ مسح وجهه بطرف ثوبه. قال أبو عيسى: هذا حديث غريب وإسناده ضعيف؛ ورشدين بن سعد، وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي يضعفان في الحديث. وقد رخص قوم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم في التمندل بعد الوضوء. ومن كرهه إنما كرهه من قبل أنه قيل: إن الوضوء يوزن (١). وروى ذلك عن سعيد بن المسيب، والزهري: حدثنا محمد بن حميد: ثنا جرير؛ قال: حدثنيه علي بن مجاهد عني وهو عندي ثقة، عن ثعلبة، عن الزهري؛

стр. 456

قال: أكره المنديل بعد الوضوء لأن الوضوء يوزن (١). * الكلام عليه: أما الحديث الأول من طريق عائشة: فضعفه بأبي معاذ، وقال: يقولون: هو سليمان بن أرقم (١). قلت: هو البصري، يروي عن الحسن والزهري. قال أحمد (٢): ليس بشيء لا يروى عنه الحديث. وقال يحيى (٣): ليس بشيء لا يساوي فلسًا. وقال عمرو بن علي (٤): ليس بثقة. وقال السعدي (٥): ساقط. وقال البخاري (٦): تركوه. وقال النسائي (٧) وأبو داود (٨) والدارقطني (٩): متروك.

стр. 457

وقال أبو زرعة: ذاهب الحديث (١). وقال ابن حبان: يقلب الأخبار، ويروي عن الثقات الموضوعات (٢). وقال أبو أحمد الحاكم: متروك الحديث (٣). وقال: قال محمد بن عبد الله الأنصاري: كنا ننهى عن مجالسته، وذكر منه أمرًا عظيمًا (٤). وأبو معاذ آخر، يروي عن: الزهري وأبي الزبير وغيرهما، اسمه: ياسين بن معاذ، ويقال له أيضًا: أبو خلف (٥). قال يحيى: ليس حديثه بشيء، وقال -مرة-: ضعيف (٦). وقال البخاري: منكر الحديث (٧). وقال أبو حاتم الرازي (٨): كان رجلًا صالحًا لا يعقل ما يحدث به؛ منكر الحديث. وقال النسائي وعلي بن الجنيد والأزدي: متروك الحديث (٩). وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات ويتفرد بالمعضلات عن

стр. 458

الأثبات؛ لا يجوز الاحتجاج به (١). وكان أبو نعيم يدلس ياسين فيقول (٢): ياسين العجلي (٣). وقال الحاكم (٤): أبو أحمد الكبير -وقد ذكره في الكنى (٥) -: ليس بالقوي عندهم؛ وإنما ذكرنا ترجمة أبي معاذ هذا لأن الترمذي لم يجزم بسليمان بن الأرقم فذكرنا هذا لأنه في طبقته (٦). وذكر الخلال عن مهنا؛ قال (٧): سألت أبا عبد الله عن حديث ابن معاذ هذا في التمندل بعد الوضوء فقال: منكر، منكر. واستغرب (٨) الثاني، وضعفه بعبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي، وبرشدين بن سعد. فأما ابن أنعم فهو عبد الرحمن بن زياد بن ذري -بفتح الذال المعجمة وكسر الراء المهملة- بن محمد بن معدي كرب بن أسلم بن منبه بن النمادة بن حيويل بن عمرو بن أشوط بن سعد بن ذي شعبين بن يعفر بن ضبع بن شعبان بن عمرو بن معاوية بن قيس الشعباني أبو أيوب، ويقال: أبو خالد الإفريقي قاضيها، عداده في

стр. 459

أهل مصر. كذا نقلت. هذا النسب من خط شيخنا الحافظ أبي محمد عبد المؤمن بن خلف، وضبط ذري وبعده محمد وهو عند الرشاطي يحمد أوله ياء آخر الحروف (١). وقال: الشعباني (٢) ينسب إلى شعبان بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن غوث بن حيدان بن قطن بن غريب بن زهير بن أيمن بن الهميسع بن حمير؛ هذا قول الهمداني (٣). وقال ابن الكلبي: حسان بن عمرو، وهو شعبان (٤). والنسب عنده كما تقدم غير أنه يسقط منه حيدان بدل حسان بن عمرو بذي الشعبين باليمن في خبر ذكره الهمداني وغيره (٥). فسمى شعبان بذلك، هو وولده، فمن كان بالكوفة منهم قيل لهم: شعبيون، ومن كان منهم بمصر والمغرب قيل لهم: الأشعوب ومن كان منهم بالشام: شعابيون، ومن كان منهم باليمن قيل لهم: آل ذي شعبين، حكاه الرشاطي. سمع: عبد الرحمن أبا عبد الرحمن الحُبُلّي، وعبد الرحمن بن رافع التنوخي، وعمران بن عبد المعافري، وعمارة بن راشد الكناني، وأبا علقمة صاحب أبي هريرة، وعتبة بن حميد. روى عنه: سفيان الثوري، وعبد الله بن وهب، وعبد الله بن لهيعة، وعبد الله

стр. 460

ابن يزيد أبو عبد الرحمن المقرئ، وعبد الله بن المبارك، وعبد الله بن إدريس، وعيسى بن يونس، وعبد الرحمن بن محمد المحاربي، وأبو معاوية الضرير، ومروان بن معاوية، وجمع يطول ذكرهم (١). وقال أبو عبد الرحمن المقرئ: هو أول مولود في الإسلام؛ يعني: بإفريقية، جاز المئة (٢). وقال عمرو بن علي (٣): كان يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي لا يحدثان عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي؛ إلا أني سمعت عبد الرحمن مرة يقول: ثنا سفيان عن عبد الكريم الجزري والإفريقي جمعهما في حديث. وقال ابن عدي: ضعفه يحيى بن سعيد، وقال: قد كتبت عنه بالكوفة كتابًا. وقال أبو زرعة: ليس بالقوي (٤). وقال علي بن المديني (٥): كان أصحابهُ يضعفونه وأنكر أصحابنا عليه أحاديثَ تفرد بها لا تعرف (٦). وقال أبو داود (٧) السجستاني: سمعت أحمد بن صالح يقول: كان الإفريقي أسيرًا في الروم فخلوا عنه لما رأوا منه على أن يأخذ لهم شيئًا عند الخليفة، فلذلك
следующие страницы →