← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16599

النفح الشذي شرح جامع الترمذي ط الصميعي

ابن سيد الناس

Полный текст (2 088 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

محمدًا عبده ورسوله، فتحت له أبواب الجنة يدخل من أيها شاء" (١). رواه عن محمد بن المثنى، عن شجاع بن الوليد، عن أبي سعيد قال: لا نعلمه يروى عن ثوبان إلا من هذا الوجه (٢). وأما حديث أبي سعيد الخدري؛ فروي من طريق شعبة مرفوعًا وموقوفًا، عند النسائي (٣) في "اليوم والليلة" بالوجهين: • أما المرفوع (٤): فمن حديث يحيى بن كثير أبي غسان، عن شعبة، عن أبي هاشم، عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد، عن أبي سعيد الخدري، عن النبيّ ﷺ قال: "من توضّأ فقال: سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك؛ كتب في رف، ثم طبع بطابع، فلم يكسر إلى يوم القيامة". وكذلك رواه الطبراني (٥) في الأوسط من حديث يحيى بن كثير، عن شعبة، وقال: لم يرو هذا الحديث مرفوعًا عن شعبة إلا يحيى بن كثير. • والموقوف: عند النسائي (٦) من طريق محمد بن يسار (٧)، عن شعبة بسنده المتقدّم إلى أبي سعيد قوله.

стр. 492

وأمّا حديث ابن مسعود فرواه أبو (١) الشيخ عبد الله بن محمد بن جعفر، من حديث الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا فرغ أحدكم من طهوره، فليقل: أشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمدًا عبده ورسوله، ثم ليصلّ عليّ، فإذا قال ذلك؛ فتحت له أبواب الرحمة". رواه عن محمد بن عبد الرحيم بن شبيب: ثنا إسحاق بن أبي إسرائيل: ثنا محمد بن جابر، عن الأعمش، ذكره القشيري (٢) وقال: أخرجه أبو موسى الأصبهاني من جهة أبي الشيخ، وقال: هذا حديث مشهور، له طرق عن عمر بن الخطاب، وعقبة بن عامر، وثوبان، وأنس ﵃. ليس في شيء منها ذكر الصلاة إلا في هذه الرواية. محمد (٣) بن جابر متكلّم فيه. وحديث الباب عند مسلم (٤) ﵀ أتمّ سندًا ومتنًا، فلنذكر ما يتعلّق بمتنه التام إذ هو أعمّ للفائدة: قوله: كانت علينا رعاية الإبل، فجاءت نوبتي فروّحتها بعشيّ؛ معناه: أنّهم كانوا يتناوبون رعي إبلهم، فيجتمع الجماعة ويضمّون إبلهم بعضها إلى بعض فيرعاها كل يوم واحد منهم ليكون أرفق بهم، ويتصرّف الباقون في مصالحهم. وقوله: فروّحتها بعشي: أي رددتها إلى مراحها في آخر النهار، وتفرّغت من أمرها ثم جئت إلى مجلس رسول الله ﷺ .

стр. 493

قوله ﵇: "فيصلي ركعتين مقبل عليهما بقلبه ووجهه" هكذا هو في الأصول مقبل أي وهو مقبل، وقد جمع ﷺ بهاتين اللفظتين أنواع الخضوع والخشوع؛ لأن الخضوع في الأعضاء والخشوع في القلب. وقوله: ما أجود هذه يعني الكلمة أو الفائدة أو البشارة أو العبادة وجودتها، إما يريد به من جهة تيسيرها أو عظم أجرها أو مجموع الأمرين. وقوله: جئت آنفًا أي قريبًا، ممدود وغير ممدود. وقوله: فيبلغ أو يسبغ الوضوء كلاهما بمعنى أي يتمّه ويكمله. وفيه أنّه يستحب للمتوضيء أن يقول عقب وضوئه: "أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله" (١). وهذا متفق عليه. وينبغي أن يضم إليها: "اللهمّ اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهّرين" (٢). كما ذكرناه من طريق الترمذي. وأن يضم إليها: "سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، أستغفرك وأتوب إليك" (٣). كما هو مذكور من طريق النسائي، وأن يصلي على النبي ﷺ ، كما رويناه من طريق ابن مسعود، ووقع في

стр. 494

الأحاديث: فتحت له أبواب الجنة، وفي حديث ابن مسعود: فتحت له أبواب الرحمة (١). والذي ذكره العلماء في فتح أبواب الجنة والدعاء، منها ما فيه من التشريف في الموقف والإشارة، بذكر من حصل له ذلك على رؤوس الأشهاد، فليس من يؤذن له في الدخول من باب لا يتعدّاه، كمن يتلقى من كل باب، ويدخل من حيث شاء. هذا فائدة التعدد في فتح أبواب الجنة. وأما التعدد في فتح أبواب الرحمة، فتيسر للإتيان بمقتضياتها، وتوفر المجازاة عنها، والثواب عليها، كما هو المرجو من كرم الله . * * *

стр. 495

٤٢ - باب في الوضوء بالمد حدثنا أحمد بن منيع، وعلي بن حجر قالا: أنا إسماعيل بن عليّة، عن أبي ريحانة، عن سفينة: أن النبيّ ﷺ كان يتوضَأ بالمدّ، ويغتسل بالصاع (١). قال: وفي الباب عن عائشة وجابر وأنس بن مالك. قال أبو عيسى: حديث سفينة حديث حسن صحيح. وأبو ريحانة اسمه عبد الله بن مطر. وهكذا رأى بعض أهل العلم الوضوء بالمد، والغسل بالصاع. وقال الشافعي، وأحمد، وإسحاق: ليس معنى هذا الحديث على التوقيت أنّه لا يجوز أكثر منه ولا أقل؛ وهو قدر ما يكفي. * الكلام عليه: أخرجه مسلم (٢) وابن ماجه (٣). وأبو ريحانة: عبد الله، ويقال: زياد بن مطر البصري، يقال: مولى بني ثعلبة بن يربوع، سمع أبا عبد الرحمن سفينة مولى رسول الله ﷺ (٤).

стр. 496

وصحب أبا عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي. روى عنه أبو بكر وهيب بن خالد البصري (١)، وأبو بشر إسماعيل بن إبراهيم بن عليّة الأسدي. ذكره أبو أحمد الحاكم، وقال البُخاريّ: اسمه عبد الله، ويقال: زياد، قال: والأول أصحّ (٢). قال يَحْيَى بن معين: هو صالح (٣). وقال ابن عديّ: لا أعرف له حديثًا منكرًا (٤). وقال النَّسائيّ: ليس بالقويّ (٥). وروي له مسلم، وأبو داود، وابن ماجه. حديث عائشة: "أن النبي ﷺ كان يغتسل بالصاع، ويتوضأ بالمد". أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" (٦)، وأبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه" (٧)، وأبو داود (٨)، والنَّسائيُّ (٩)، وابن ماجه (١٠).

стр. 497

وحديث جابر أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١)، وأبو داود (٢) السجستاني، وهو عندهما من حديث يزيد بن أبي زياد الكوفيّ، وهو ضعيف (٣). وذكره ابن السكن: ثنا عبد الله بن سليمان: ثنا هارون بن إسحاق: ثنا ابن فضيل، عن حصين (٤). وآخر ذكره عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر: قال رسول الله ﷺ : "يجزئ من الوضوء المدّ، ومن الجنابة الصاع" (٥). قال ابن القطان، صحيح على مذهب أبي محمد -يعني: عبد الحق- في قبول روايات أبي بكر بن أبي داود -ثقة حافظ، وإن كان مُسَّ بجرحٍ يسير فلا يضره- وأظن الرجل المقرون بحصين هو يزيد بن أبي زياد (٦). وحديث أنس بن مالك أخرجه البُخاريّ (٧) ومسلم (٨) من حديث عبد الله بن جبير، عنه، عن أنس ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ أنه قال: "يكفي أحدكم مدّ

стр. 498

من الوضوء". رواه الإمام أحمد (١). وعند أبي (٢) داود أيضًا من حديث عبد الله بن جبر، عن أنس قال: "كان النبيّ ﷺ يتوضّأ بإناء يسع رطلين، ويغتسل بالصاع". وفي رواية قال: "يتوضّأ بمكوك". أخرجه النَّسائيّ (٣). ولفظه: "كان رسول الله ﷺ يغتسل بخمس مكاكيك، ويتوضأ بمكوك". وفي رواية: مكاكي. وفي الباب ممَّا لم يذكره عن زينب بنت أبي سلمة، وأبي أمامة، وأم عمارة، وابن عمر، وعبد الله بن زيد، وأبي أمامة، وابن عباس. وحديث ابن عباس عند الطّبرانيّ (٤) في "معجمه الكبير" من حديث ابن جريج، عن عمرو، عن عكرمة، قال: سأل رجل ابن عباس: ما يكفي من الغسل؟ قال: صاع، ومدّ للوضوء. قال الرجل: ما يكفيني! فقال: لا أمَّ لك، فيكفي من هو خير منك، رسول الله ﷺ . رواه عن مطيّن، عن أبي كريب، عن محمد (٥) بن حماد بن حوار، عنه. أما حديث زينب بنت أبي سلمة عن النبيّ ﷺ : "أنَّه كان يتوضّأ بالكوب -وهو المكوك-، ويغتسل بالفرق -وهو الصاع.". رواه أحمد الفرضي من حديث إسماعيل بن عياش، عن أبي بكر الهذلي، عن زينب (٦).

стр. 499

وأمَّا حديث أبي أمامة؛ فرواه الطّبرانيّ في "معجمه (١) الكبير"، من حديث أبي طالب (٢)، عن أبي أمامة: "أن رسول الله ﷺ توضأ بنصف مدّ". وأمَّا حديث أمِّ عمارة وهي نسيبة بنت كعب الأنصاري: "أن النبيّ ﷺ توضّأ فأتي بإناء فيه ماء قدر ثلثي المدّ. فرواه أبو (٣) داود، وأخرجه النَّسائيّ (٤)، وفيه قال شعبة: فاحفظ أنَّه غسل ذراعيه، وجعل يدلكهما، ومسح أذُنيه باطنهما، ولا أحفظ أنَّه مسح ظاهرهما. وحديث ابن عمر، عن النَّبيِّ ﷺ أنّه قال: "الغسل صاع، والوضوء مدّ" (٥). هو عند عبد الحق من طريق أبي أحمد، وضعّفه لنكارة رواية حكيم بن نافع. وحديث عبد الله بن زيد؛ روى البيهقي من حديث أبي خالد الأحمر: ثنا شعبة، عن حبيب بن زيد، عن عباد بن تميم، عن ابن زيد الأنصاري: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ توضأ بنحو من ثلثي المدّ" (٦). قال: وكذلك رواه معاذ بن معاذ، عن شعبة، وكذلك رواه يَحْيَى بن زكريا بن أبي زائدة. ورواه غندر عن شعبة بن حبيب، عن عباد، عن أم عمارة. قال أبو زرعة: هو الصَّحيح عندي. وحديث أبي أُمامة (٧): أن النَّبيَّ ﷺ توضَأ بنصف مدّ رواه ابن عديّ من طريق الصلت بن دينار،

стр. 500

وضعّفه به (١). الصاع: مكيال أهل المدينة معلوم، وهو أربعة أمداد بمدّ النبي ﷺ ، وذلك خمسة أرطال وثلث بالبغدادي. هذا قول أهل الحجاز وهو الصَّحيح. والمدّ: رطل وثلث، قيل: سمَي مدًّا لأنَّه يملأ كفيّ الإنسان إذا مدّهما طعامًا. وقال أهل العراق: إن الصاع ثمانية أرطال. والمدّ: رطلين. والمكّوك: بفتح الميم الأولى، وضمّ الكاف الأولى وتشديدها، وجمعه مكاكيك، ومكاكي. وهو كيل مع صاعًا ونصف صاع من صاع النَّبيِّ ﷺ . قاله القاضي عياض (٢). وقال الشَّيخ محيي الدين ﵀ في الكلام على: "حديث يغتسل بخمس مكاكيك، ويتوضأ بمكوك" (٣)؛ قال: ولعل المراد بالمكوك هنا المدّ، كما قال في الرّواية الأخرى: يتوضّأ بالمدِّ ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، ولا أدري من أين هذا له، فقد أجمعوا على أن الماء الذي يجزي في الوضوء والغسل غير مقدّر بمقدار معيّن لا يتعدّاه، بل يكفي فيه القليل والكثير، إذا وجد شرط الغسل (٤)، وهو عند

стр. 501

أصحابنا جريان الماء على الأعضاء (١). قال الشَّافعي (٢) ﵀: وقد يرفق بالقليل فيكفي ويخرق بالكثير فلا يكفي. قال العلماء (٣): والمستحبّ أن لا ينقص في الغسل من صاع، ولا في الوضوء من مدّ. والصاع خمسة أرطال وثلث بالبغدادي (٤). والمد رطل وثلث، وذلك على التقريب لا على التحديد، وإذا كان كذلك فليكن كل من المدّ والصاع والمكوك محمولًا على موضوعه اللغوي المفسر به عند أهل العلم، ولم تدع ضرورة إلى إخراجه عن موضوعه بتأويل قريب ولا بعيد، بل كانت طرقًا متعددة من الوضوء والاغتسال بمقادير مختلفة من الماء، يتبيّن من مجموعها أن لا حدّ في ذلك على سبيل الجزم، أو تكون محدودة بالأقل تارة، والأكثر تارة لبيان الجواز، وقد قال الشَّافعي وغيره من العلماء الجمع بين هذه الروايات أنّها كانت اغتسالات في أحوال وجد فيها أكثر ما استعمله، وأقله، فدلَّ على أنَّه لا حدَّ في قدر ماء الطهارة؛ يجب استيفاؤه. وذكر ابن أبي شيبة: ثنا ابن عيينة عن الزُّهريّ، عن عروة، عن حفصة (٥) قالت: "كان رسول الله ﷺ يغتسل من الفرق -وهو القَدَح-" (٦). قال: ثنا حسين بن عليّ، عن زائدة، عن منصور، عن إبراهيم قال: كان

стр. 502

يقال: يكفي الرجل لغسله ربعُ الفرق. حدَّثنا وكيع، عن مسعر، عن عطيّة قال: رأيت عمر توضأ من كوز، وأفضل منه (١). قلت (٢): يكون مدًّا؟ قال: وأفضل. وروي عن ابن عيينة (٣)، عن عبد الله بن أبي يزيد، سمع ابن عباس يقول: يجزي الصاع للجنب. فقال عبد الله: لا أدري قبل الوضوء أو بعده. * * *

стр. 503

٤٣ - باب ما جاء في كراهية الإسراف في الوضوء بالماء ثنا محمد بن بشار: ثنا أبو داود الطَّيالسيُّ: ثنا خارجة بن مصعب، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن عُتَيّ بن ضمرة السعديّ، عن أبيّ بن كعب، عن النبيّ ﷺ قال: "إنّ الوضوء شيطانًا يقال له الولهان، فاتقوا وساوس الماء" (١). قال: وفي الباب عن عبد الله بن عمرو، وعبد الله بن مغفل (٢). قال أبو عيسى: حديث أبيّ بن كعب حديث غريب، وليس إسناده بالقويِّ عند أهل الحديث لأنَّا لا نعلم أحدًا أسنده غير خارجة. وقد روى هذا الحديث عن الحسن من غير وجه. قوله: ولا يصحّ في هذا الباب عن النبي ﷺ شيء. وخارجة ليس بالقويّ عند أصحابنا، وضعَّفه ابن المبارك. * الكلام عليه: الحديث غريب لانفراد خارجة برفعه، وليس ممن يحتمل تفرّده، فهو ضعيف عندهم. وقد روى هذا الحديث أحمد بن حنبل (٣)، وابن ماجه (٤)، وابن خزيمة من طريق خارجة في صحيحه (٥)، ولا أدري كيف دخل هذا في الصَّحيح.

стр. 504

وقد رواه البيهقي (١) وقال: وهذا الحديث معلول به، وبه الثوري عن بيان (٢)، عن الحسن: بعضه من قوله غير مرفوع، وباقيه عن يونس بن عبيد من قوله: غير مرفوع، وذكر ذلك بأسانيده (٣). وخارجة يكنى أبا الحجاج السرخسي الضبعي، يروي عن زيد بن أسلم، وشعبة، ويونس (٤). قال يَحْيَى: ليس بثقة، وقال مرَّة ليس بشيء. وقال أحمد لابنه: لا تكتب عنه! وقال ابن المبارك والدارقطني: ضعيف. وقال ابن حبّان: لا يحل الاحتجاج بخبره. وقال الأزدي: متروك. وذكره ابن أبي حاتم في "العلل" (٥): أنّه سمع أباه، وذكر حديثًا رواه خارجة بن مصعب، وذكر هذا الحديث فقال: هكذا رواه خارجة، وأخطأ فيه (٦).

стр. 505

ورواه الثوري عن يونس عن الحسن قوله (١). ورواه غير الثوري عن يونس (٢)، عن الحسن: أنّ النبيّ ﷺ ... مرسل (٣). قال ابن أبي حاتم (٤): وسئل أبو زرعة عن هذا الحديث فقال: رفعه إلى النبيّ ﷺ منكر. وحديث عبد الله بن عمرو أخرجه ابن ماجه من حديث ابن لهيعة، عن حيي بن عبد الله المعافري، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو: "أنّ رسول الله ﷺ مرّ بسعد وهو يتوضّأ، فقال: ما هذا السرف؟ قال: أفي الوضوء إسراف؟ قال: نعم، وإن كنت على نهر جار" (٥). رواه عن محمد بن يَحْيَى، عن قتيبة، عن ابن لهيعة. وقد تقدَّم ذكر ابن لهيعة. وحديث عبد الله بن مغفل أخرجه أبو داود (٦) من طريق حماد عن سعيد الجريري، عن أبي نعامة: أنّ عبد الله بن مغفل، سمع ابنه يقول (٧): اللهمّ إنِّي أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها. فقال: أي بني، سل الله الجنّة،

стр. 506

وتعوّذ به من النَّار، فإنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنّه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء". أبو نعامة: قيس بن عباية الحنفي البصري (١)، قال: ابن أبي خيثمة: سألت يَحْيَى بن معين عنه فقال: ثقة، وأخرجه ابن ماجه (٢)، مقتصرًا منه على الدعاء. وفي الباب ممَّا لم يذكره التِّرمذيُّ عن ابن عمر، وابن عباس، وعمران بن الحصين. أما حديث ابن عباس، فروى ابن ماجه (٣) أيضًا من حديث بقيّة، عن محمد بن الفضل (٤)، عن أبيه، عن سالم، عن ابن عمر قال: "رأى رسول الله ﷺ رجلًا يتوضّأ فقال: لا تسرف" (٥). رواه أبو أحمد بن عديّ من حديث بقيّة (٦)، عن محمد بن الفضل، عن أبيه، عن عطاء (٧)، عن ابن عباس ﵄، عن النبيّ ﷺ قال: "كان يتعوّذ بالله من وسوسة الوضوء". فخالف هذه الرّواية في الإسناد واللفظ. ومحمد بن الفضل بن عطيّة؛ قال أحمد: ليس حديثه حديث أهل الكذب. وكان أبو بكر بن أبي شيبة شديد الحمل عليه.

стр. 507

وقال يَحْيَى: ليس بشيء، ولا يكتب حديثه، وقال مرَّة: كان كذابًا. وكذلك قال السعدي (١)، وعمرو (٢) بن علي، ويحيى (٣) بن الضريس. وقال النَّسائيّ (٤): متروك الحديث. وكذا قال الإمام (٥) مسلم في الكنى. وقال ابن (٦) حبّان: يروي الموضوعات عن الأثبات، لا يحل كتب حديثه إلَّا على سبيل الاعتبار. وقال الدارقطني (٧): ضعيف. وأمّا حديث عمران فروى البيهقي (٨) من حديث سليمان التَّيميّ، عن العلاء بن الشِّخِّير عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "اتقوا وسواس الماء؛ فإن للماء وسواسًا وشيطانًا" وضعَّف إسناده. وروى ابن (٩) أبي شيبة، عن قطن بن عبد الله، عن أبي غالب قال: "رأيت أبا أمامة توضأ بكوز ماء". وعن جابر بن سمرة (١٠) نحوه.

стр. 508

وروى ابن (١) أبي شيبة أيضًا، عن يزيد، أنا العوام، عمّن أخبره، عن أبي الدرداء قال: "اقصدْ في الوضوء ولو كنت على شاطئ نهر". وروى عن وكيع، عن شريك، عن خالد بن زيد قال: رأيت ابن عمر يتوضّأ فكان يسنّ الماء على وجهه سنًّا (١). وعن أبي الأحوص، عن أبي حمزة، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: قال عبد الله الماء على أثر الماء، وليس بعد الثلاث شيء (١). قال: حدَّثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، عن محمد بن أبي حفص، عن السدّي، عن البهيّ، عن عائشة: "أنّ النبيّ ﷺ توضّأ بكوز" (١). حدَّثنا وكيع قال: ثنا شريك، عن عبد الله بن عيسى، عن ابن جبير، عن أنس: أن النبيّ ﷺ توضّأ برطلين من ماء (٢). قال الشَّيخ محيي الدين رحمه الله تعالى: وأجمع العلماء على النَّهي عن الإسراف في الماء، ولو كان على شاطئ البحر، والأظهر أنّه مكروه كراهة تنزيه (٣). وقال بعض أصحابنا الإسراف حرام. * * *

стр. 509

٤٤ - باب ما جاء في الوضوء لكل صلاة ثنا محمد بن حميد الرازي: ثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن حميد عن أنس: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة طاهرًا أو غير طاهر قال: قلت لأنس: فكيف كنتم تصنعون أنتم؟ قال: كُنَّا نتوضأ وضوءًا واحدًا. قال أبو عيسى: حديث أنس غريب. والمشهور عند أهل الحديثِ حديثُ عمرو بن عامر عن أنس. وقد كان بعض أهل العلم يرى الوضوء لكل صلاة استحبابًا لا على الوجوب. حدَّثنا محمد بن بشار: ثنا يَحْيَى بن سعيد، وعبد الرحمن هو ابن مهدي، قالا: ثنا سفيان بن سعيد، عن عمرو بن عامر الأنصاري قال: سمعت أنس بن مالك يقول: "كان النَّبيُّ ﷺ يتوضّأ عند كل صلاة" قلت: فأنتم كيف كنتم تصنعون؟ قال: كُنَّا نصلي الصلوات كلها بوضوء واحد ما لم نحدث. قال: هذا حديث حسن صحيح. وقد روي عن ابن عمر، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "من توضأ على طهر كتب الله له به عشر حسنات". قال: روى هذا الحديث الإفريقي، عن أبي غطيف، عن ابن عمر، عن النَّبيِّ ﷺ . حدَّثنا بذلك الحسين بن حريث المروزي: ثنا محمد بن يزيد الواسطيِّ، عن الإفريقي. وهو إسناد ضعيف (١). قال عليّ: قال يَحْيَى بن سعيد القطان: ذكر لهشام بن عروة إسناد هذا الحديث فقال: هذا إسناد مشرقي.

стр. 510

* الكلام عليه: حديث حميد، عن أنس هذا استغربه التِّرمذيُّ، وانفرد بإخراجه عن أصحاب الكتب الستة، وذكر في كتاب "العلل" (١) أنَّه سأل البُخاريّ عنه فقال (٢): لا أدري ما سلمة هذا، كان إسحاق يتكلَّم فيه، ما أروي عنه، ولم يُعرف محمد هذا من حديث حميد (٣). وسلمة هذا هو ابن الفضل أبو عبد الله الأبرش الأنصاري، قاضي الرّي، يروي عن ابن إسحاق المغازي، ضعفه ابن راهويه والنَّسائيُّ (٤). وقال عليّ: رمينا حديثه (٥). وقال البُخاريّ: عنده مناكير (٦). وحديث عمرو بن عامر الذي أشار إليه ثم ذكره بإسناده وصححه (٧). أخرجه البُخاريّ (٨)، وأبو داود (٩)، والنَّسائيُّ (١٠)، وابن ماجه (١١).

стр. 511

وذكر حديث ابن عمر من طريق الإفريقي، وضعّفه (١)، وهو عند أبي داود (٢) وابن ماجه (٣). وذكر التِّرمذيُّ في كتاب "العلل" (٤) قال: ورأيت محمدًا يثني على الإفريقي خيرًا ويقوّي أمره. يعني عبد الرحمن بن زياد. وحديثُ الإفريقي هذا عند ابن ماجه (٥) من طريقه عن أبي غطيف، عن ابن عمر، أتمّ من هذا. قال أبو غطيف: سمعت ابن عمر في مجلسه في المسجد، فلمَّا حضرت العصر قام فتوضأ ثم صَلَّى، ثم عاد إلى مجلسه، فلما حضرت المغرب قام فتوضّأ ثم صَلَّى المغرب، ثم عاد إلى مجلسه؛ فقلت: أصلحك الله! أفريضة أم سنة؟ الوضوء عند كل صلاة؟ قال: أوَ فطنت إليّ، وإلى هذا منّي؟ فقلت: نعم. فقال: لا، لو توضأت لصلاة الصبح لصلّيت به الصلوات كلّها ما لم أحدث. ولكنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من توضّأ على طهر فله عشر حسنات"، وإنّما رغب في الحسنات. ذكر أبو (٦) بكر الحازمي من حديث علقمة، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، عن النَّبيِّ ﷺ : "أنّه كان يتوضأ لكلّ صلاة".

стр. 512

وقال: قال أبو جعفر الطحاوي: فذهب قوم إلى أنّ الحاضرين يجب عليهم أن يتوضؤوا لكل صلاة. واحتجوا في ذلك بهذا الحديث، وخالفهم في ذلك أكثر العلماء، فقالوا: لا يجب الوضوء، إلَّا من حدث. وما روي عن النبيّ ﷺ محمول على التماس الفضل، لا على الوجوب، ويحتمل أن يكون ممَّا خصّ به النبيّ ﷺ دون أمَته (١)، واستدل على ذلك بحديث أنس الذي ذكرناه آنفًا من طريق عمرو بن عامر وحميد. قال الطحاوي: فهذا أنس قد علم ما ذكرنا من فعل رسول الله ﷺ ولم يَر ذلك فرضًا على غيره، قال: وقد يجوز أن يكون رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك وهو واجب، ثم نسخ (١)، وذكر في ذلك ما يأتي ذكره في الباب بعد هذا. ومن يذهب إلى تجديد الوضوء لكلّ صلاة يتمسَّك بظاهر قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ (٢) الآية. وقد اختلف في هذا الأمر (٢)، هل هو مخصوص لمن كان على غير طهارة فذهب قوم إلى أنَّه مخصوص بمن كان على غير طهارة، واختلفوا بعد ذلك في تأويل الآية.

стр. 513

فقيل: المأمورون بذلك المحدثون خاصة كأنه تعالى قال: إذا قمتم إلى الصَّلاة وقد أحدثتم وإلى هذا ذهب الشَّافعي (١). وقيل: المأمورون بذلك القائمون من النوم، والمعنى: إذا قمتم إلى الصَّلاة وقد نمتم، وهو مذهب زيد (٢) بن أسلم وأهل المدينة. وقد اختلف العلماء في النوم هل هو حدث أو سبب للحدث، كما يأتي في باب الوضوء من النوم إن شاء الله تعالى. والذين ذهبوا إلى أن الأمر بالوضوء عام لمن أحدث، ولمن لم يحدث اختلفوا هل ذلك الأمر محمول على الإيجاب (٣) أو الندب (٤). فذهب جماعة إلى أنَّه أمر ندب، فلم يوجبوا الوضوء على من قام إلى الصَّلاة، وهو على وضوء، وأوجبوه على من قام إلى الصَّلاة وهو على غير وضوء، بدليل من خارج، وذهب جماعة إلى أن الأمر في الآية أمر إيجاب، وقالوا: فيجب على كل من قام إلى الصَّلاة الوضوء محدثًا كان أو غير محدث. ثم اختلف هؤلاء هل ذلك الأمر محكم أو منسوخ، فذهب جماعة إلى أنّه محكم، وأوجبوا الوضوء على كل قائم إلى الصَّلاة. يحكى ذلك عن ابن (٥) سيرين،

стр. 514

وعكرمة (١)، وعبيد بن عمير. وحمل قوم مذهب عليّ بن أبي طالب على هذا. وذكر أبو (٢) بكر بن أبي شيبة: ثنا يَحْيَى بن سعيد، عن مسعود بن علي، عن عكرمة قال: قال سعد: إذا توضّأت فصلِّي بوضوءك ما لم تحدث. وقال عليّ (٣): إذا قمتم إلى الصَّلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم. حدَّثنا وكيع، عن ابن عون، عن ابن سيرين قال: كانت الخلفاء تتوضّأ لكلّ صلاة (٤). حدَّثنا يزيد بن هارون قال: ثنا حماد بن زيد، عن هشام بن حسَّان، عن محمد قال: كان أبو بكر وعمر وعثمان فيما يعلم أبو خالد: يتوضؤون لكلّ صلاة، فإذا كانوا في المسجد دعوا بالطست (٤). ولد نقل عن عمر غير هذا كما سنذكر. وذهب جماعة إلى أن الأمر بذلك منسوخ وسيأتي. * * *

стр. 515

٤٥ - باب ما جاء أنّه يصلِّي الصلوات بوضوء واحد حدَّثنا محمد بن بشار: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: "كان النبيّ ﷺ يتوضّأ لكلّ صلاة، فلما كان عام الفتح صَلَّى الصلوات كلّها بوضوء واحد، ومسح على خفيه، فقال عمر: إنّك فعلت شيئًا لم تكن فعلته؟ قال: عمدًا فعلته". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وروى هذا الحديث علي بن قادم، عن سفيان الثوري، وزاد فيه: توضأ مرَّة مرَّة. قال: وروى سفيان الثوري هذا الحديث أيضًا عن محارب بن دثار، عن سليمان بن بريدة: "أنّ النَّبيَّ ﷺ كان يتوضّأ لكل صلاة". ورواه وكيع عن سفيان، عن محارب، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه قال: وروى عبد الرحمن بن مهدي وغيرُه، عن سفيان، عن محارب بن دثار، عن سليمان بن بريدة، عن النَّبيِّ ﷺ مرسلٌ. وهذا أصحُّ من حديثِ وكيع، والعملُ على هذا عند أهلِ العلمِ، أنَّه يُصلِّي الصلوات بوضوء واحد ما لم يُحدثُ، وكان بعضُهم يتوضّأ لكل صلاة استحبابًا، وإرادةَ الفضلِ. ويُروى عن الإفريقي، عن أبي غُطيف، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "من توضأَ على طُهرٍ كتبَ الله له به عشر حسنات". وهذا إسناد ضعيف.

стр. 516

وفي الباب عن جابر بن عبد الله: "أنّ النبيّ ﷺ صَلَّى الظهر والعصر بوضوء واحد" (١). * الكلام عليه: أخرجه مسلم (٢) وأبو داود (٣)، والنَّسائيُّ (٤)، وابن (٥) ماجه، وحديث علي بن قادم عن سفيان الذي أشار إليه تقدَّم من طريق البزّار في باب الوضوء مرَّة مرَّة. وحديث وكيع عن سفيان أخرجه أبو (٦) بكر بن أبي شيبة، عنه في مصنفه كما ذكره. وأمّا المرسل الذي أشار إليه من طريق ابن مهدي، وقد ساقه هو من طريقه مسندًا عن محمد بن بشار، عنه. ومحمد بن بشار ثقة، ورفعه إياه حجة، وزيادة من ثقة، فالأخذ به أولى، كما ذكره هو الذي يقتضيه النظر، إلَّا أنّه ذكر ابن (٧) أبي حاتم. سئل أبو زرعة عن حديث رواه أبو نعيم، عن سفيان، عن محارب، عن سليمان بن بريدة، عن النبيّ ﷺ : "أنّه صَلَّى خمس صلوات بوضوء واحد". رواه وكيع، عن سفيان، عن محارب، عن ابن بريدة، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ فقال: حديثٌ أبي نعيم أصح. فاتَّفقَ كلاهما على ترجيحِ مرسلِ حديث محارب بن دثار، وعلى مسنده،

стр. 517

وليس حديث محارب بالمختلف فيه. وحديث الإفريقي تقدَّم تعليلُه في الباب قبل هذا. وحديث جابر رواه ابن (١) ماجه، عن إسماعيل بن توبة، عن زياد بن عبد الله، عن الفضل بن مبشر قال: رأيتُ جابرَ بنَ عبدِ الله يُصلِّي الصلوات بوضوء واحد. فقلتُ: ما هذا؟ فقال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ يصنعُ هذا، فأنا أصنعُ كما صنعَ رسولُ اللهِ ﷺ . وفي الباب ممّا لم يذكره حديث سويد بن النُّعمان رواه البُخاريّ (٢)، وسيأتي طرف منه، وتقدّم في الباب قبل هذا، عن أبي (٣) بكر الحازمي: أنّه ذكر الخبر السابق ناسخًا، ولم يذكر هناك وهو حديث بريدة هذا، وقال أيضًا: أخبرني أبو بكر محمد بن إبراهيم بن علي الخطيب، الطَّريق: ثنا يَحْيَى بن عبد الوهاب، العبدي: ثنا محمد بن أحمد الكاتب: ثنا عبد الله بن محمد بن جعفر: ثنا عبد الله بن محمد الرازي: ثنا أبو زرعة، ثنا عبيد بن يعيش: ثنا يونس بن بكير: ثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن يَحْيَى بن حبان: قال: قلت لعبد الله بن عبد الله بن عمر: أرأيت وضوءين لكلّ صلاة طاهرًا أو غير طاهر؛ عمَّا هو؟ قال: أخبرته أسماء بنت زيد بن الخطاب، عن عبد الله بن حنظلة: "أن النَّبيَّ ﷺ أمر الوضوء عند كل صلاة طاهرًا أو غير طاهر" هكذا رواه مختصرًا. ورواه أحمد بن خالد، عن ابن إسحاق، عن محمد بن يَحْيَى بن حبّان، عن عبد الله بن عمر قال: قلت له: أرأيت توضأ ابن عمر لكلّ صلاة طاهرًا كان أو غير طاهر.

стр. 518

قال: حديث أسماء بنت زيد بن الخطاب: أن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر حدَّثنا: "أن رسول الله ﷺ أمر بالوضوء لكل صلاة طاهرًا كان أو غير طاهر، فلمَّا شقّ ذلك عليه أمر بالسواك لكلّ صلاة". فكان ابن عمر يرى أنّ به قوة على ذلك، فكان لا يدع الوضوء لكلّ صلاة. وهو حديث حسن على شرط أبي داود. أخرجه في كتابه عن محمد بن عوف الطَّائي الحمصي، عن أحمد بن خالد، عن محمد بن إسحاق (١). أخبرنا بذلك أبو القاسم عبيد بن محمد بن عباس الحافظ، عن أبي الكارم عبد الله بن الحسن بن منصور الشَّافعي سماعًا عنه. قال الشَّيخ محيي الدين ﵀ في هذا الحديث أنواع من العلم منها: جواز المسح على الخف، وجواز الصلوات المفروضات والنوافل بوضوء واحد ما لم يحدث، وهذا جائز بإجماع من يعتدَّ به (٢). قال (٣): وحكى أبو جعفر الطحاوي، وأبو الحسن بن بطال في شرح البُخاريّ عن طائفة من العلماء أنهم قالوا: يجب الوضوء لكل صلاة، وإن كان متطهّرًا، واحتجوا بقول الله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية. وما أظن هذا المذهب يصح عن أحد، ولعلّهم أرادوا استحباب تجديد الوضوء عند كل صلاة. قلت: قد ذكرنا من رأى ذلك على سبيل الوجوب، ومن رآه على سبيل الاستحباب في الباب قبل هذا.

стр. 519

قال: ودليل الجمهور الأحاديث الصحيحة فذكر حديث بريدة وأنس المتقدّمين، وحديث سويد بن النُّعمان في "صحيح البُخاريّ": "كان رسول الله ﷺ صَلَّى العصر ثمّ أكل سويقًا، ثم صَلَّى المغرب، ولم يتوضّأ". وفي معناه أحاديث كثيرة كحديث الجمع بين الصلاتين بعرفة ومزدلفة، وسائر الأسفار، والجمع بين الصلواتِ الفائتاتِ يومَ الخندقِ، وغيره ذلك. فأمَّا الآية؛ فالمراد بها واللهُ أعلم: إذا قمتم مُحدِثينَ، وقيل منسوخة بفعلِ النَّبيّ ﷺ وهذا القولُ ضعيف (١). قوله: وأمّا الآية فالمراد بها: إذا قمتم محدثين، قد تقدَّم هذا عن الشَّافعي فيما حكيناه عنه في الباب قبل هذا. وقال غيره: إذا قمتم من النوم، وحكيناه عن زيد بن أسلم. وإليه ذهب السدّي (٢). قال أبو (٣) عمر: وروى عن عمر وعليّ ما يدل على أنّ الآية عني بها تجديد الوضوء في وقت كل صلاة إذا قام المرء إليها، رواه أنس عن عمر، وعكرمة عن علي، وعن ابن سيرين مثل ذلك. قال أبو عمر: وهذا معناه أن يكون الوضوء على المحدث إذا قام إلى الصَّلاة واجبًا، وعلى غير المحدث ندبًا وفضلًا. وروي عن ابن عباس وسعد بن أبي وقاص وأبي موسى الأشعري وجابر بن عبد الله، وعبيدة السلماني وأبي العالية وسعيد بن المسيَّب والحسن والأسود بن يزيد

стр. 520

وإبراهيم النَّخعيُّ: أنّ الآية عني بها حال القيام إلى الصَّلاة على غير طهور (١). وقال ابن عمر: هو أمر من الله لنبيّه وللمؤمنين ثم نسخ بالتخفيف (١). وقول الشَّيخ محيي (٢) الدين، وقيل إنّها منسوخة بفعل النَّبيِّ ﷺ . وهذا القول ضعيف (٢)، ولم يبيّن ضعفه، ووجهه أنّ فيه نسخ الكتاب بالسنة، وهو أمر لم يذهب إليه إلَّا القليل من النَّاس (٣)، إذ الكتاب متواتر والسنة آحاد، وأقل درجات الناسخ أن يكون في رتبة المنسوخ؛ وليس كذلك. ووجه آخر: وهو أنَّ دلالة القرآن هنا قولية، ودلالة السنة فعلية وهي أضعف الدلالتين. وقول عمر ﵁؛ صنعت اليوم شيئًا لم تكن تصنعه. فيه دليل على أنّ النبيَّ ﷺ كان يواظب على الوضوء لكل صلاة عملًا بالأفضل، وصلى في هذا اليوم الصلوات بوضوء واحد بيانًا للجواز، وهو العمد الذي أشار إليه بقوله: "عمدًا فعلته"، وفيه جواز سؤال المفضول الفاضل عن بعض أعماله التي في ظاهرها مخالفة للعادة لأنها قد تكون عن نسيان فيرجع عنها، وقد تكون بعمد، والمعنى خفي على المفضول فيحققها ويستفيدها. والله أعلم. * * *

стр. 521

٤٦ - باب ما جاء في وضوء الرجل والمرأة من إناء واحد حدَّثنا ابن أبي عمر: ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس قال: حدثتني ميمونة قالت: "كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد من الجنابة" (١). قال: هذا حديث حسن صحيح، وهو قول عامة الفقهاء: أن لا بأس أن يغتسل الرجل والمرأة من إناء واحد (٢). وفي الباب عن عليّ، وعائشة، وأنس، وأم هانئ، وأم حبيبة، وأم سلمة، وابن عمر. قال أبو عيسى: أبو الشعثاء اسمه جابر بن زيد. * الكلام عليه: حديث ميمونة هذا صحيح، أخرجه مسلم من حديثها من رواية ابن عباس عنها، من طريق ابن عيينة، قال: ثنا أبو بكر وقتيبة، عن ابنِ عُيينة: فذكره. ورواه البُخاريّ (٣)، عن أبي نعيم، عن ابن عيينة، عن عمرو، عن جابر، عن ابن عبَّاس. ثمّ قال: كان ابنُ عيينة أخيرًا يقول: عن ابن عبّاسٍ، عن ميمونة. والصّحيحُ ما رواه أبو نعيم. وحديث عليّ قال: كان رسول الله ﷺ وأهله يغتسلون من إناء واحد.

стр. 522

رواه الإمام أحمد (١) من حديث الحارث عن عليّ. وحديث عائشة قالت: "كنت أغتسل أنا والنبيّ ﷺ من إناء واحد، تختلف أيدينا فيه من الجنابة". رواه البُخاريّ (٢)، ومسلم (٣) وهذا لفظه. وحديث أنس قال: "كان النَّبيُّ ﷺ والمرأة من نسائه يغتسلان من إناء واحد". رواه البُخاريّ (٤). وقال (٥): وزاد وهب ومسلم -يعني: ابن (٦) إبراهيم-: من الجنابة. وحديث أم هانئ بنت أبي طالب: "أنَّ النبيّ ﷺ اغتسل هو وميمونة من إناء واحد في قصعة فيها أثر العجين". رواه النَّسائيّ (٧) عن ابن بشار، عن عبد الرحمن، عن إبراهيم بن نافع، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أم هانئ.

стр. 523

ورواه ابن (١) ماجه، عن أبي عامر الأشعري، عن ابن أبي بكر، عن إبراهيم بن نافع، به. وحديث أم صبية الجهنية قالت: اختلفت يدي ويد رسول الله ﷺ في الوضوء من إناء واحد. رواه أبو داود (٢) في الطهارة، عن النفيلي، عن وكيع، عن أسامة بن زيد، عن معروف بن خربوذ، عن أم صبية. ورواه ابن (٣) ماجه عن دحيم، عن أنس بن عياض، عن أسامة بن زيد، عن أبي النُّعمان سالم بن سَرْج، عن قتيبة. وقال (٤): سمعت محمدًا يقول: أم صُبْيَة هي: خولة بنت قيس، فذكرت

стр. 524

ذلك لأبي زُرْعة، فقال: صدق. قلت: طريق أبي داود على شرط مسلم (١). وأبو النُّعمان (٢): سالم بن سَرْج بالسين المهملة المفتوحة، والراء المهملة الساكنة، وبعدها جيم (٣). ذكره أبو (٤) أحمد في "الكنى" وقال: يقال: ابن النُّعمان، ويقال: ابن خربوذ المديني -مولى أم صبية-، عن أم صبية. من قال: سَرْج، عرّبه، ومن قال: خربوذ، أراد به الإكاف بالفارسية. وقال الدارقطني (٥): وأمَّا سَرْج: فسالم ونافع، أما سرج: يعرف أبوهما بخربوذ، وسالم يكنى: أبا النُّعمان. رويا عن أم صبية، وهي مولاتهم من فوق. وقال يَحْيَى (٦) بن معين: سالم بن النُّعمان: ثقة، شيخ مشهور. قال عبد الغني: روي له ابن ماجه (٧)، ومعروف، وإن كان مسلم (٨) أخرج له، فقد قال يَحْيَى (٩) فيه: ضعيف.

стр. 525

وقال ابن (٤) حبّان: كان يشتري الكتب، ويحدّث بها، ثم تغيَّر حفظه، فكان يحدث بالتوهّم، وبعضهم يقول في سالم أبي النُّعمان، كذلك ذكره ابن (٥) أبي شيبة. وبعضهم يقول فيه: النُّعمان أبو النُّعمان، كذلك هو عند البيهقي (٦). وقال التِّرمذيُّ (٧) في "العلل": ثنا محمد بن بشار: ثنا يَحْيَى بن سعيد، عن أسامة بن زيد، عن سالم بن خربوذ أبي النُّعمان، عن أم صبية، الحديث. قال: وهكذا روى أبو أسامة، وغير واحد عن أسامة. وقال وكيع عن أسامة بن زيد، عن النُّعمان بن خربوذ قال. سمعت أم صبية ربما اختلفت يدي، فسألت محمدًا فقال: وهم وكيع، والصحيح عن أسامة بن زيد، عن سالم بن خربوذ أبي النُّعمان، ثم ذكره عن محمد (٨) بن إسماعيل قال ابن أبي أويس: حدثني خارجة بن الحارث بن رافع بن مكيث الجهني، عن سالم بن سرج -مولى ابن صبية-. وهي خولة، جدة خارجة بن الحارث أنَّه سمعها تقول: فذكره. وحديث أم سلمة قالت: "كانت هي ورسول الله ﷺ يغتسلان في الإناء الواحد من الجنابة".

стр. 526

رواه البُخاريّ (١) ومسلم (٢). وحديث ابن عمر قال: كان الرجال والنساء يتوضؤون في زمان رسول الله ﷺ من الإناء الواحد جميعًا. أخرجه أبو داود (٣)، والنَّسائيُّ (٤)، وابن (٥) ماجه، وأخرجه البُخاريّ (٦)، وليس فيه: من الإناء الواحد. وذكر (٧) أبا الشعثاء وقال: اسمه: جابر (٨) بن زيد، وهو اليحمدي، الجَوْفي (٩) -بالجيم-، من ناحية عُمان، وقيل: موضع بالبصرة، يقال له: درب الجوف البصري. سمع ابن عباس، وابن عمر، والحكم بن عمرو الغفاري. روى عنه: عمرو بن دينار، وقتادة، وعمرو بن هرم.

стр. 527

روى ابن (١) أبي حاتم بسنده إلى عطاء، أنّ ابن عباس قال: إذ (٢) نزل أهل البصرة عند قول جابر بن زيد لأوسعهم علمًا عن كتاب الله ، وربَّما قال: عمَّا في كتاب اللهِ . وعن عكرمة قال: كان ابن عباس يقول: هو أحد العلماء -يعني جابر بن زيد (٣) -. وروى (٤) بسنده أنّ ابن عباس سُئل (٥) عن شيء فقال: تسئلوني وفيكم جابر بن زيد (٦). وقال عروة (٧): دخلت على جابر بن زيد فقلت: إن هؤلاء القوم ينتحلوك -يعني الإباضية- قال: أبرأ إلى الله من ذلك. وقال ابن (٨) أبي خيثمة: سمعت يَحْيَى بن معين يقول: أبو الشعثاء، جابر بن زيد، روى عنه: قتادة، بصري ثقة. وسئل أبو (٩) زرعة عنه فقال: بصري أزدي ثقة. وقال عمرو بن علي، وأحمد بن حنبل، والبخاري (١٠): مات سنة

стр. 528

ثلاث وتسعين (١). وقال محمد (٢) بن سعد: توفي سنة ثلاث ومائة. وقال الهيثم (٣) بن عدي: سنة أربع مائة. وفي الباب ممَّا لم يذكره عن ابن عباس: روى الطّبرانيّ (٤) في "معجمه الكبير" من حديث عكرمة، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ وعائشة اغتسلا من إناء واحد، من جنابة، وتوضّيا جميعًا للصلاة، رواه عن عبدان: حدَّثنا عبد (٥) الصمد، سمع عبد الوارث: ثنا حبيب (٦) ابن أبي حبيب، عن عمرو بن هارون (٧)، عنه. وفيه عن جابر، قال ابن أبي شيبة في المصنف (٨): ثنا محمد بن الحسن الأسدي قال: ثنا شريك، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ وأزواجه يغتسلون من إناء واحد (٩).

стр. 529

وروى بسنده عن أم سعد امرأة زيد بن ثابت قال: كنت أغتسل أنا يزيد من إناء واحد من الجنابة (١). وعن ابن عمر ﵄ مثله (٢). وروى (٣) عن إسماعيل بن عليَّة، عن حبيب بن شهاب، عن أبيه أنَّه سأل أبا هريرة فقال: إن كُنَّا لننقر حول قصعتنا نغتسل منها كلانا (٤)، وعن أسباط بن محمد، عن الشيبانيّ، عن عكرمة قال: تغتسل المرأة بسؤر زوجها، وينتهزان من إناء واحد (٥). وعن (٦) حسين بن علي، عن زائدة، عن عطاء بن السَّائب، عن الشعبي قال: يغتسل الرجل وامرأته من إناء واحد (٧). وسيأتي الكلام على خلاف العلماء في هذا، وفي فضل طهور المرأة، في بعد هذا إن شاء الله تعالى.

стр. 530

٤٧ - باب ما جاء في كراهية فضل طهور المرأة ثنا محمود بن غيلان، ومحمد (١) بن بشار، قالا: ثنا وكيع عن سفيان، عن سليمان التَّيميّ، عن أبي حاجب، عن رجل من بني عمار قال: "نهى رسول الله ﷺ عن فضل طهور المرأة". قال: وفي الباب عن عبد الله بن سرجس. قال أبو عيسى: وكره بعض الفقهاء الوضوء بفضل طهور المرأة وهو قول أحمد وإسحاق كرها فضل طهورها، ولم يريا بفضل سؤرها بأسًا. حدَّثنا محمد بن بشار ومحمود بن غيلان قالا: ثنا أبو داود، عن شعبة، عن عاصم قال: سمعتُ حاجب يحدث عن الحكم بن عمرو الغفاري: "أن النَّبيَّ ﷺ نهى أن يتوضّأ الرجل بفضل طهور المرأة، أو قال بسؤرها". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. وأبو حاجب اسمه: سوادة بن عاصم. وقال محمد بن بشار في حديثه: "نهى رسول الله ﷺ أن يتوضّأ الرجل بفضل طهور المرأة". ولم يشك فيه محمد بن بشار (٢).
следующие страницы →