← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16599

النفح الشذي شرح جامع الترمذي ط الصميعي

ابن سيد الناس

Полный текст (2 088 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

* الثاني: أنه لو كانت العلّة في الإمساك عن ذكره ذلك لا طرد من عمل مالك، ولم يذكره في موضع آخر، لكنه قد ذكره في غير هذا الموضع، فعلمنا أن ما أشار إليه ليس بعلّة للإمساك عن ذكره، روى مالك عن ثور بن زيد الديلي، عن عكرمة مولى ابن عباس. وقال: أظنّه عن ابن عباس (١): أنّه قال: "الذي يصيب أهله قبل أن يفيض، يعتمر ويهدي". فهذه رواية لمالك في "الموطأ" (٢) مصرح فيها بذكر عكرمة عمل بها مالك (٣)، وذهب إليها، واختارها على روايته عن أبي الزبير المكي، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس: إنّه سئل عن رجل وقع على امرأته قبل أن يفيض؟ فأمره أن ينحر بدنة. وعطاء من أعلم التابعين بالمناسك، ذكر بعضه أبو عمر (٤). عكرمة -مولى ابن عباس (٥) -: من جلّة العلماء، لا يقدح فيه كلام من تكلّم فيه لأنّه لا حجة مع أحد تكلّم فيه، وقد يحتمل أن يكون مالك جبن عن الرواية عنه، لأنّ بلغه أنّ سعيد بن المسيّب كان يرميه بالكذب، ويحتمل أن يكون لما نسب إليه من رأي الخوارج، وكل ذلك باطل عليه إن شاء الله. وقد قال الشافعي -في بعض كتبه-: ونحن نتقي حديث عكرمة. وقد روى الشافعي عن إبراهيم بن أبي يحيى، والقاسم العمري، وإسحاق بن أبي فروة؛ وهم ضعفاء متروكون، وهؤلاء كانوا أولى أن يتقى حديثهم ولكنّه لم يحتج

стр. 562

بهم في حكم، وكل أحد من خلق الله يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ (١). وقيل لابن أبي أويس: لِمَ لَم يكتب مالك حديث عكرمة مولى ابن عباس؟ قال: لأنه كان يرى رأي الإباضية (٢). قلت: العمل عند أهل العلم على قبول رواية من كان من أهل البدع والأهواء إلا ما استثني من ذلك، وليس هذا منه، إلا أن يكون من رمي بتلك البدعة داعية إلى رأيه؛ ولم ينقل وضرب عليها ذلك عن عكرمة (٣). وأما قول سعيد بن المسيّب فيه؛ فقد ذكر العلّة الموجبة لذلك أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي في "كتاب الانتفاع بجلود الميتة"، وسنذكرها. وقال أبو عمر: وتكلّم فيه ابن سيرين، ولا خلاف أعلمه بين نقاد أهل العلم أنَّه أعلم بكتاب الله من ابن سيرين، وقد يظن الإنسان ظنًّا يغضب له، ولا يملك نفسه، وذكر الحلواني، عن زيد بن الحباب، قال: سمعت الثوري يقول: خذوا تفسير القرآن عن أربعة: عن عكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد والضحَّاك (٤). فبدأ بعكرمة. وقال جرير: عن مغيرة عن إبراهيم: قيل لسعيد بن جبير: تعلم أحدًا أعلم منك؟ قال: نعم، عكرمة. فلما قتل سعيد بن جبير؛ قال إبراهيم: ما خلف بعده مثله. وقال ابن عليّة، عن أيوب: ثبت عن سعيد بن جبير أنّه قال: لو كفّ عنهم

стр. 563

عكرمة من حديثه لشدّت إليه المطايا. قال محمد بن نصر: وثنا إسحاق بن راهويه قال: ثنا يحيى بن ضريس، عن أبي سنان، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: اجتمع عندي خمسة لا يجتمع عندي مثلهم أبدًا: عطاء وطاوس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة؛ فتذاكروا التفسير فأقبل مجاهد وسعيد بن جبير على عكرمة يسألانه عن التفسير وهو يجيبهما. قال: وثنا محمد بن عبيد قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب قال: اجتمع عكرمة وسعيد بن جبير وطاوس، وعدة من أصحاب ابن عباس، فكان عكرمة صاحب الحديث. وعن أيوب قال: قال عكرمة: أرأيت هؤلاء الذين يكذبوني من خلفي؛ أفلا يكذبوني في وجهي؟ وقال حماد بن زيد: قال رجل لأيوب: أكان عكرمة يتهم؟ فسكت عنه ثم قال: أما أنا فلم أكن أتّهمه. قال الحلواني: ثنا مسلم بن إبراهيم قال: ثنا سلام بن مسكين قال: سمعت قتادة يقول: كان الحسن من أعلم الناس بالحلال والحرام، وكان عطاء من أعلم الناس بالمناسك، وكان عكرمة من أعلم الناس بالتفسير. وقال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم (١)، قال: ثنا عبد الصمد بن معقل: إن عكرمة قدم على طاوس اليمن، فحمله طاوس على نجيبه، وأعطاه ثمانين دينارًا، فقيل لطاوس في ذلك؟ فقال: ألا أشتري علم ابن عباس لعبد الله بن طاوس بنجيب وثمانين دينارًا؟

стр. 564

وذكر ابن عباس (١) عن يحيى بن معين: ثنا محمد بن فضيل: قال حدثنا عثمان بن حكيم قال: جاء عكرمة إلى أبي أمامة بن سهل وأنا جالس (٢) فقال: يا أبا أمامة؟ أسمعت ابن عباس يقول: ما حدثكم به عكرمة صدّقوه، فإنه لم يكذب عليّ! قال: نعم (٣). وذكر أبو (٤) عمر قال: قال أبو العرب سمعت قدامة بن محمد يقول: كان خلفاء بني أميّة يرسلوني إلى المغرب يطلبون جلود الخرفان التي لم تولد بعد العسيلة قال: فربّما ذبحت المائة شاة، فلا يوجد في بطونها إلا واحد عسلي كانوا يتخذون منها الفراء، فكان عكرمة يستعظم ذلك، ويقول: هذا كفر، هذا شرك، فأخذ ذلك عنه الصفرية والإباضية، فكفروا الناس بالذنوب. قال أبو عمر: لهذا كان سحنون يقول: يزعمون أنَّ عكرمة مولى ابن عباس أضلّ المغرب. قلت: أمّا ما ذكرناه من قول ابن عمر لنافع، لا تكذب عليّ كما كذب عكرمة على ابن عباس، وقول سعيد لبرد، فسيأتي عن ابن جرير الجواب عنه. وأما ابن أبي ذئب؛ فقد نقلنا عنه أيضًا توثيقه، وأما ما ذكرناه عن داود بن أبي هند؛ أنّه سئل: هل رويت عنه؟ فقال: هذا عمل أيوب، فقد عدّه ابن (٥) أبي حاتم فيمن يروي عنه من أهل البصرة.

стр. 565

وأما الرواية عن علي بن عبد الله بن عباس، فلا أدري طريقها (١)، ثم يقول: لعلّ عكرمة علم من علم ابن عباس ما لم يعلم ابنه، فكذّبه حين أتاه بما لم يعلم. وأما ما ذكره عطاء عن ابن عباس في المسح على الخفين، فما المانع من أن يكون ابن عباس أفتى فيه بما رواه عكرمة أيضًا (٢)، وكم من مسئلة اختلف فيها عن ابن عباس وغيره، وكذا أخلفه لا يحدثهم لعله عنده من لغو اليمين، أو يكفر إذا رأى الحديث خيرًا. وما ذكر من سماعه الغنا مشهور من عمل أهل المدينة. وقول أحمد فيه مضطرب، لا أدري (٣) قد نقلنا عنه توثيقه جزمًا (٤)، والأخذ بجزمه أولى من الأخذ بما تردد فيه. قال أبو (٥) عمر: وكان نزل القيروان ومكث فيها برهة، وذكر ابن أبي مريم عن ابن لهيعة، عن أبي الأسود قال: أنا مدحت المغرب لعكرمة مولى ابن عباس،

стр. 566

ذكرت له حال أهلها فخرج إلى المغرب. وقال أبو عبد الله المروزي: قد أجمع عامة أهل العلم على الاحتجاج بحديث عكرمة، واتفق على ذلك رؤساء أهل العلم بالحديث منهم: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه وأبو ثور ويحيى بن معين. ولقد سألت إسحاق بن راهويه عن الاحتجاج بحديثه فقال عكرمة: عندنا إمام الدنيا، وتعجب من سؤالي إياه. قال وأخبرني غير واحد أنّهم شهدوا يحيى بن معين، وسأله بعض الناس عن الاحتجاج بحديث عكرمة، فأظهر التعجب. قال المروزي: وعكرمة ثبتت عدالته بصحبة ابن عباس، وملازمته إياه، وبأن غير واحد من أهل العلم رووا عنه، وعدّلوه، وما زال أهل العلم بعدهم يروون عنه. قال: وممن روى عنه من جلّة التابعين محمد بن سيرين -وذكر جمعًا (١) -. قال أبو عبد الله المروزي: وكل رجل ثبتت عدالته برواية أهل العلم عنه، وحملهم حديثه، فلن يقبل فيه تجريح أحد جرحه حتى يثبت ذلك عليه بأمر لا يجهل أن يكون جرحة، فأما قولهم: فلان كذاب، فليس مما يثبت به جرح حتى يتبيّن ما قاله. وقال أبو بكر أحمد بن عمرو البزار: روى عن عكرمة مائة وثلاثون، أو قريب من مائة وثلاثين رجلًا من وجوه البلدان بين مكي ومدني وكوفي وبصري، ومن سائر البلدان كلّهم روى عنه ورضي به (٢).

стр. 567

قال أبو (١) عمر: وجماعة الفقهاء وأئمة الحديث الذين لهم نصيب بالفقه والنظر هذا قولهم: إنه لا يقبل من ابن معين ولا من غيره فيمن اشتهر بالعلم وعرف به، وصحّت عدالته وفهمه، إلا أن يتبين الوجه الذي يجرحه به على حسب ما يجوز من تجريح العدل المبرز للشهادة، وهذا الذي لا يصح أن يعتقد غيره ولا يحل أن يلتفت إلى ما خالفه (٢). وقال ابن الجوزي -في ترجمة عكرمة هذا (٣) -: وقد أخرج عنه البخاري ومسلم في "الصحيحين". وهذا يوهم الاحتجاج به عندهما، وليس كذلك، أما البخاري: فأكثر عنه في "صحيحه"، وقد ذكرنا ثناءه عليه. وأما مسلم: فإنّما أخرج له حديثًا واحدًا في "كتاب الحج" (٤) مقرونًا بغيره. وقال عبد الله محمد بن إسحاق بن مسنده الأصبهاني: وأما حال عكرمة مولى ابن عباس ﵀ في الثقة، فقد عدّله أئمة من نبلاء التابعين ومن بعدهم، وحدّثوا عنه واحتجوا بمفاريده في الصفات والسنن والأحكام، وروى عنه زهاء ثلثمائة رجل من أئمة البلدان فمنهم زيادة على سبعين رجلًا من خيار التابعين ورفعائهم، وهذه منزلة لا تكاد توجد منهم لكبير أحد من التابعين إلا لعكرمة مولى ابن عباس رحمة الله عليه، على أن من جرحه من الأئمة لم يمسكوا عن الرواية عنه، ولم يستغنوا عن حديثه مثل يحيى بن سعيد الأنصاري مالك بن أنس وأمثالهما رحمة الله عليهم، وكان يتلقى حديثه بالقبول ويحتج به قرنًا بعد قرن، وإمامًا بعد إمام إلى وقت الأئمة الأربعة، الذين أخرجوا الصحيح وميّزوا ثابت الحديث من سقيمه وخطأه

стр. 568

من صوابه، وجرحوا رواته أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، وأبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري، وأبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، وأبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي رحمة الله عليهم أجمعين (١). فأجمعوا على إخراج حديثه واحتجوا به على أنّ مسلم بن الحجاج كان أسوأهم رأيًا فيه، فأخرج عنه ما يقرنه في كتابه الصحيح عنه، وعدّله بعد ما جرحه (٢). وقال الحافظ أبو (٣) أحمد النيسابوري: احتج بحديثه عامة الأئمة القدماء لكن بعض المتأخرين أخرج حديثه من حيّز الصحاح احتجاجًا بما نذكره، وذكر قصة نافع مع ابن عمر. قلت: لعلّ الحاكم أبا أحمد يريد مسلم بن الحجاج. قال محمد بن نصر المروزي فيما حكاه عنه أبو (٤) عمر بن عبد البر: ثنا محمد بن يحيى: ثنا عبد الرزاق: ثنا معمر، عن أيوب قال: سأل رجل سعيد بن المسيّب، عن رجل نذر نذرًا لا ينبغي له من المعاصي فأمره أن يفي بنذره. قال: فسأل الرجل عكرمة؟ فأمره أن يكفّر عن يمينه ولا يوفي بنذره، فرجع الرجل إلى سعيد بن المسيّب، فأخبره بقول عكرمة، فقال ابن المسيّب: لينتهينّ عكرمة، أو ليوجعنّ الأمراء ظهره. فرجع الرجل إلى عكرمة، فأخبره. فقال عكرمة أما إذ بلغتني فبلّغه! أما هو فقد ضربت الأمراء ظهره، وأوقفوه في تبان من شعر، وتسلْه عن نذرك أطاعة هو لله أم معصية؟ فإن قال هو طاعة فقد كذب على الله (٥). وإن قال هو معصية فقد

стр. 569

أمرك بمعصية الله. قال المروزي: فلذا كان بين سعيد بن المسيّب، وبين عكرمة ما كان حتى قال فيه ما حكي عنه أنَّه قاله لغلامه (١): لا تكذب عليّ كما كذب عكرمة على ابن عباس (٢). وقال أبو (٣) جعفر محمد بن جرير الطبري: والصواب من القول عندنا في عكرمة، وفي غيره ممن شهر في المسلمين بالستر والصلاح أنّه جائز الشهادة، مستحق الوصف بالعدالة من أهل الإسلام، ولا يدفع ذو علم كعكرمة، ومعرفة بمولاه عبد الله بن عباس: أنّ عكرمة كان وهو رجل يجتمع لمولاه عبد الله بن عباس مملوكًا، بل كان من خواص مماليكه، وأنّه لم يزل في ملكه حتى مضى لسبيله ﵀، مع علمه به وبموضعه من العلم بالقرآن، وتأويله، وشرائع الإسلام وأحكامه، وأنّه لم يحدث له إخراجًا عن ملكه ببيع ولا هبة، بل ذكر عنه أنّه كان ربّما استثبته في الشيء يستصوب فيه قوله، ولو كان ابن عباس اطلع منه على أمر في طول مكثه في ملكه مذموم، أو مذهب في الدين مكروه، لكان حريًّا أن يكون قد أخرجه عن ملكه، أو عاقبه بما يكون له عن ذلك من مذهبه أو فعله رادعًا أو يتقدم إلى أصحابه بالحذر منه، ومن روايته، وأعلمهم من حالته التي اطلع منه عليها ما يوجب لهم الحذر منه، والأخذ عنه، وفي تقريظ جلّة أصحاب عكرمة إياه، ووصفهم له بالتقدّم في العلم، وأمرهم الناس بالأخذ عنه كجابر بن زيد أبي الشعثاء، ومنزلته من الإسلام، منزلته وموضعه من الحلال والحرام موضعه وتقدّمه في الفضل الذي يقول وقد سئل عنه:

стр. 570

هو البحر؛ فاسألوه. وكسعيد بن جبير ومكانه من العلم بالحلال والحرام ومعرفته بالشرائع، وتأويل القرآن ومحله من الإسلام يقول وقد سئل: هل بقي أحد أعلم منك؟ فيقول: نعم، عكرمة. وكطاوس بن كيسان في فضله وورعه وزهده وعبادته وعلمه، وقد صحب عبد الله بن عباس رحمة الله عليهما؛ يرى استعطافه بالهدية إليه ليفيد ابنه من علمه، وليمكنه من الاقتباس منه، وكأيوب بن أبي تميمة السختياني في فضله وورعه وإمامته على الدين وأهله يشهد له بالثقة على ما روى وحدث. وينكر تهمة من يتهمه على من يتهمه. وكشهر بن حوشب وأمره من يسأله عنه بالأخذ عنه في [غيرهم ممن يصعب إحصاؤهم من أهل العلم ممن يقرظه ويمدحه في دينه] (١) وعلمه بالشهادة، [بعضهم تثبت للإنسان العدالة ويستحسن في المسلمين] (٢) جواز الشهادة، ومن ثبتت له فيهم العدالة، وجازت له فيهم الشهادة، لم يخرج منها، ولم يسقط عدالته بالتهمة والظنّة، وبأنّ فلانًا قال لمملوكه لا تكذب علي كما كذب فلان على فلان، وما أشبه ذلك من القول الذي له وجوه وتصاريف ومعان غير الذين توجهه أهل الغباوة، ومن لا علم له بتصاريف كلام العرب، والعجب كل العجب ممن علم حال عكرمة ومكانه من عبد الله بن عباس وطول مكثه معه، وبين ظهراني أصحاب رسول الله ﷺ ، ثم من بعد ذلك بين خيار التابعين والخالفين، وهم له مقرظون، وعليه مثنون، وله في العلم والدين مقدمون، وله بالصدق شاهدون، ثم يجيء بعد مضيه بسبيله بدهر وزمان توابع، ويجادلون فيه من يشهد له بما شهد له به ممن ذكرنا من خيار السلف، وأئمة أهل الخلف من مضيه على ستره وصلاحه، وحاله من العدالة، وجواز الشهادة في المسلمين بأن كما ما ذكرنا من حاله عمّن ذكرنا عنه، لا حقيقة له ولا صحة، بأن خبرًا ورد عليهم ولا صحة له

стр. 571

عن ابن عمر أنّه قال لمملوكه: يا نافع لا تكذب على كما كذب عكرمة على ابن عباس، وقد بينّاه على الاحتمال هذا القول من ابن عمر من الوجوه ما قد ذكرنا بعضها، وهم مع ذلك من استشهادهم على دفع عدالة عكرمة وجرحهم شهادته وتوهينهم روايته بما ذكرنا من الرواية الواهية عن ابن عمر عندهم. نافع عن ابن عمر في نقل ما روى من خبر في الدين حجة، وفيما شهد به عدل ثقة مع صحة الخبر عن أن مولاه سالم، أنّه قال: إذ خبر عنه أنّه يروي عن أبيه عبد الله بن عمر: من استجاز إتيان النساء في أدبارهنّ كذب، وذلك صريح التكذيب منه لنافع، فلم يروا ذلك من قول سالم لنافع جرحًا ولا عليه في روايته طعنًا ورأوا أنّ قول ابن عمر لنافع لا تكذب على كذب عكرمة على ابن عباس، له جرح، وفي روايته طعن، يسقط شهادته. قال أبو جعفر: ولم يعارض ما يلي ما ذكرنا في عكرمة بما قيل في نافع طعنًا منا على نافع، بل أمرهما عندنا في أنَّ ما نقلا في الدين من خبر حجة لازم العمل به. فمن كان بخبر الواحد العدل ذاتيًّا، ولكنا أردنا أن نريهم تناقض قولهم. وقال أيضًا: وغير بعيد أن يكون الذي حكي عن ابن عمر في عكرمة نظير الذي حكي عن سعيد فيه، وقال أيضًا: وأما ما نسب إليه عكرمة من مذهب الصفرية (١)، فلو كان كل من ادعى عليه مذهب من المذاهب الرديئة ونحله، لم يثبتُ

стр. 572

عليه ما ادعى عليه من ذلك، ونحله يجب علينا إسقاط عدالته، وإبطال شهادته، وترك الاحتجاج بروايته. ألزمنا ترك الاحتجاج برواية كل من نقل عنه أمر من محدثي الأمصار كلها لأنه لا أحد منهم إلَّا وقد نسبه ناسبون إلى ما يرغب له عنه قوم ويرتضيه له آخرون. واختلف في وفاته فقيل: سنة أربع ومائة (١) وقيل: سنة خمس (٢)، وقيل. سنه ست (٣)، وقيل: سنة سبع (٤)، وقيل: سنة خمس عشرة ومائة (٥). وهو ابن ثمانين أو أربع وثمانين سنة، وكانت وفاته بالمدينة. ومن الناس من يقول بالقيروان والصحيح الأول، وطلبه بعض الولاة، فتغيب عند داود بن الحصين، وأقام عنده حتى مات عنده (٦). وذكر الواقدي (٧) قال: "حدثني خالد بن القاسم البياضي قال: مات عكرمة مولى ابن عباس، وكثير بن عبد الرحمن الخزاعي صاحب عزّة في يوم واحد في سنة خمس ومائة فرأيتهما جميعًا صلي عليهما بعد الظهر في مسجد الجنائز فقيل: مات

стр. 573

اليوم أفقه الناس وأشعر الناس". وقال المفضل (١) بن فضالة في هذا الخبر: فما علمته تخلف رجل ولا امرأة عن جنازتهما قال: "وغلب النساء على جنازة كثير يبكينه، ويذكرون عزة في ندبهنّ له". وذكر أبو حاتم بن حبان عكرمة هذا في كتاب الثقات (٢) له، ورد الخبر المروي عن علي بن عبد الله بن عباس الذي قال فيه: إنّه قال: إن هذا يكذب على أبي، فإنه من رواية يزيد بن أبي زياد لمحل يزيد من التضعيف. وقد تقدّم ذكرنا له من طريق غيره أيضًا، ثم قال (٣): أما عكرمة؛ فحمل أهل العلم عنه الحديث والفقه في الأقاليم كلها، وما أعلم أحدًا ذمّه بشيء إلا بدعابة كانت فيه، مات سنة سبع ومائة، ويقال: سنة خمس، وذكر نحو ما سبق، وقال: وكان متزوجًا بأم سعيد بن جبير (٤) وفي الباب مما لم يذكره عن جابر قال: "كان الرجال والنساء يتوضّؤون على عهد رسول الله ﷺ من إناء واحد يذهب هؤلاء ويجيء هؤلاء". رواه الدارقطني (٥) من حديث أبي معشر، عن مصعب بن ثابت، عن محمد بن المنكدر، عن جابر. وفيه عن عائشة: روى أبو (٦) أحمد بن عدي من حديث عمر بن صبح، عن مقاتل بن حيان، عن مسلم بن صبيح، عن مسروق، عن عائشة قالت: سئل رسول الله ﷺ عن فضل وضوء المرأة فقال: "لا بأس به".

стр. 574

عمر (١) بن صبح لا يحتجّ به. وقوله: إن الماء لا يجنب، أي لا ينتقل إليه حكم الجنابة، وفي بعض ألفاظه: إن الماء لا ينجسه شيء؛ كذلك هو عند الإمام أحمد (٢)، والمراد منه أيضًا والله أعلم، لا يمتنع التطهّر به كامتناعه بما تنجس، وإلا فمعلوم أنّه لم يتنجس بكونه طهور امرأة، وقد يؤخذ منه طهورية الماء المستعمل حيث لم يجعل بين الطهورية والنجاسة واسطة لاستعمال الماء من التطهر بالماء المستعمل عند من يقول بطهارته دون طهوريته، لأنه لم يكن المراد حكم معرفة ذلك الماء في الطهارة والنجاسة، وإنما المراد جواز التطهر به أو عدمه. فضمن إخباره ﵇ إياها لجواز الوضوء به أو الاغتسال، إذا لم ينجسه شيء لأنه لا واسطة بين الطهارة والنجاسة في جواز التطهّر به، أو عدمه، وذكر شيخنا الإمام أبو (٣) الفتح القشيري رحمه الله تعالى أنّه يستفاد ذلك منه من وجوه: * أحدها: ما دلّ عليه الجواب من ردّ توهّم المرأة لفساد الماء بالاستعمال. * وثانيها: قوله ﵇ إن الماء لا يجنب، أي لا ينتقل إليه حكم الجنابة، وهو المنع ذكر ذلك تعليلًا لجواز الوضوء به. * وثالثها: أنّها لما أخبرت أنّها كانت جنبًا أي عند الاغتسال منه، وأحوال الجنب عند الاغتسال مختلفة، تارة تكون بالانغماس وتارة تكون بالتناول، وبعد التناول تارة ينوي رفع الحديث، وتارة ينوي الاغتراف بخصوصيّة. أعني مع قطع نية رفع الحديث عن اليد، وتارة لا ينوي واحدًا منهما ويذهل، ثم حصل الجواب بما

стр. 575

يقتضي إباحة الاستعمال فيقتضي عدم تأثير الاستعمال في الماء بناء على القاعدة المشهورة في ترك الاستفصال مع قيام الاحتمال. وقد يردّ على هذا ما يردّ على تلك القاعدة من جواز علم النبيّ ﷺ بتلك الواقعة وجوابه عنها على حسب علمه، إلا أنّه ها هنا ضعيف لأنّه حكم على عموم الماء بأنّه لا يجنب. ولم يحكم على خصوص ما سئل عنه، وهذا أمر زائد. انتهى (١). وأما الماء المستعمل؛ وقد تقدَّم ما للناس فيه من المذاهب في باب ما جاء في فضل الطهور، فلا حاجة إلى إعادته ها هنا، وقد تقدَّم الكلام في الباب قبله في الوضوء، بفضل المرأة، وما عن السلف في ذلك من الخلاف، وأن من قال بالجواز مطلقًا أخذ بهذا الحديث، وحديث عمرو عن أبي سعيد المتقدّم لرجحانهما من حيث الصحة على حديثي ابن سرجس، والحكم بن عمرو الغفاري المخالفين لهما في الحكم، ورأيت بخط الحافظ أبي العباس أحمد بن محمد بن مفرج النباتي قال: لم يخف على أبي محمد يعني ابن حزم هذا الاعتراض -يعني تضعيف حديث الحكم بن عمرو بما فيه من الاضطراب-، قال: وقد ذكره في الإيصال (٢) بعد أن ذكر الخبر من طريق آخر عن العقيل، عن إبراهيم بن يوسف، عن محمد بن عبد الرحيم البوفي، عن عبد الله بن محمد بن المغيرة، عن قيس بن الربيع، عن شعبة، عن

стр. 576

سليمان -هو التيمي-، عن أبي حازم، عن أبي ذر، وعن معاذ بن المثنى، عن محمد بن منهال، عن يزيد بن زريع، عن سليمان التيمي، عن رجل من بني غفار، وعن ثابت بن عامر الغفاري، عن ابن أبي السري، عن معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: وعن الباجي، عن عيسى بن أبي حرب الصفار، عن يحيى بن أبي بكر، عن أبي كريمة، عن سليمان، عن أبي حاجب، عن أبي هريرة. كلّهم يرفعه بنحو حديث الحكم، ومن طريق ابن أبي خيثمة أيضًا عن أبيه، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن شعبة، عن عاصم بإسناده ونصّه: "نهى أن يتوضأ الرجل بفضلها، لا يدري فضل سؤرها، أم فضل وضوءها". قالوا: فهذا خبر اضطرب فيه كما ترى، قال أبو محمد: فقلنا هذا كله تقوية للخبر، وتصحيح له، فمن رواه موقوفًا فحق رواه من فتياهما، ومن أسنده عنهما فروى عنهما به علمًا من ذلك، ورواية من رواه مرة عن الحكم، ومرة عن ابن سرجس، ومرة عن أبي ذر، ومرة عن أبي هريرة، ومرة عن رجل من بني غفار. فنحن نحمد الله على ذلك، ونرى أنه قوة للخبر وتأكيد له، إذ روي من طريق هؤلاء كلهم، وما ندري من أين وقع لهم أنّ هذا وهّن الخبر ولم نجد عندهم في ذلك أكثر من الدعوى الفاسدة الزائفة، ولا يجوز رد السنن بمثل هذه الأباطيل التي لا معنى لها، وأما شكّ عبد الصمد في قوله: لا ندري أفضل سؤرها أم فضل وضوءها، فقد بيّن ذلك غيره ولم يشكّ، وهو أبو داود (١) عن شعبة. وشكّ عبد الصمد إنما هو جهل منه بما عرفه غيره من معنى الخبر، وما علينا من جهل الراوي بمعنى ما روى، ولا من علمه به، إنّما علينا نفسه في روايته فقط،

стр. 577

فيصح النقل أوسيلة فيها فبطل نقله لها. قلت: هذا تصرف حسن، ونظر سديد، لا خفاء به يبيّن أنّ هذا الاضطراب لا يضر وقد سبق في باب الاستنجاء بالحجرين، بيان أن الاضطراب إذا كان بهذه المثابة لا يضرّ ولا يلزم منه وهن، وقد كان ينبغي المصير لما قاله أبو محمد في ذلك، لولا أن البخاري (١) قال: "حديث الحكم ليس بصحيح، وحديث ابن سرجس من رفعه فقد أخطأ". فبيّن أن المروي في ذلك حديثان: * أحدهما: ليس بصحيح جملة. * والثاني: ليس بصحيح رفعه فإلى البخاري وأمثاله الرجوع في ذلك، فليست العلة إذن ما ذكروا من الاضطراب الذي أشار إليه، وإنّما العلّة عندنا ما حكيناه عن البخاري، وليس لنا أن نعلل قول البخاري بهذا الاضطراب، فقد يكون له علة غير هذه، وليس لنا بعد ذلك أن نردّ كلام البخاري إلا عن يقين من الوقوف على علّته، وبيان أنّها ليست موثرة، ومثل ذلك يقيد، وليس رد الخبر والحالة هذه من ردّ السنن الثابتة بالظنون، كما قال، بل إثباته من ردّ قول أئمة النقد والعلم بالظنون، أن لا علّة سوى ما وقع له فليعلم ذلك. وقوله: اغتسل بعض أزواج النبيّ ﷺ في جفنة هي والله أعلم ميمونة (٢) ووقع التصريح بها في موضع آخر، ولأنها خالته فهو أقرب إلى الرواية عنها، وهي وأم الفضل أخت لبابة الكبرى ولبابة الصغرى أم خالد ابن الوليد، وغيره. وعصماء، وأم حفيد بنات الحارث بن حزن بن بجير بن الهزم بن رويبة بن عبد الله بن هلال بن

стр. 578

عامر بن صعصعة، قد ذكرناهن وأخواتهنّ لأمّهن سلمى وأسماء وسلامة بنات عميس في موضع آخر. والجفنة مفتوح الجيم ساكن الفاء، أعظم القصاع من الخشب، وجمعها جفنات مفتوح الفاء. وقال حسان بن ثابت: ولنا الجفنات الغرّ يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما والقصعة: مفتوح القاف، قال بعضهم: عربية معروفة. وقد قاله أبو هلال (١) العسكري، وأنشد: وماء قدور في القصاع ست مشيب (٢). وقال غيره: فارسي معرّب. وقال كراع (٣) في "المنتخب" (٤): وأعظم القصاع الجفنة، ثم القصعة تشبع

стр. 579

العشرة، ثم الصحفة تشبع الخمسة، ثم المكيال ووقع عند الترمذي (١): في جفنة، وكذا هو عند الأكثرين. وعند (٢) أبي حاتم بن حبّان: من جفنة. فأما من يسوّي بينهما كما قال امرئ القيس: (٣) [وهل ينعمن من كان أقرب عهده ... ثلاثين شهرًا، في ثلاثة أحوال] (٤) ومن يرى أنّ حروف الجر يخلف بعضها بعضًا، كما هو معروف من الكوفيين فلا فرق عنده، وأما من يفرق بينهما كما ذهب إليه الجمهور فقد يقول المغتسل منها متناول منها، والمغتسل فيها ليس كذلك، وينبني عليه حينئذ أنّ الانغماس في الماء اليسير هل يصيّره مستعملًا أو لا؟ وهي مسأله تنارع العلماء فيها، فيدل الحديث على عدم تأثير ذلك، وقد يؤخذ هذا الاستدلال من قاعدة ترك الاستفصال كما سبق إذ هو من محتملات كيفيات الاغتسال. وقد يؤخذ منه على تقدير أن يكون بلفظة (من) كما رواه ابن حبان على هذه القاعدة أيضًا مسألة الاغتراف باليد من الماء اليسير، هل يصيّره مستعملًا أو لا؟ إذ من جملة أحوال المغترف أن ينوي رفع الحدث عن اليد أو يدخل عن النية، أو ينوي الاغتراف ولم يقع في الخبر استفصال، وسيأتي الكلام على ذلك في باب الاغتسال

стр. 580

من الجنابة إن شاء الله تعالى والاستدلال بهذا الحديث على جواز طهور الرجل بفضل المرأة من رواية ابن حبان التي هي بلفظة "من" لأنّ المانع على رواية "في"، وقد تكون لأنّ الماء صار مستعملًا لأنّه فضل طهور المرأة. قال القاضي أبو (١) بكر بن العربي رحمه الله تعالى: وحديثها أولى لوجهين -يعني حديث الباب في الرخصة-: * أحدها: أنَّه أصحّ. * والثاني: أنّه متأخر عنه بدليل أنّه ﷺ لما أراد أن يغتسل من الإناء قالت له ميمونة: إني قد توضأت منه، وهذا يدل على تقدّم النهي فبيّن أن الماء لا يجنب، ورفع ما تقدّم، قال: أو يكون معناه ما استعملته المرأة، أو يكون معناه كراهة الوضوء بفضل الأجنبية لتذكرها أثناء الغسل، واشتغال البال بها. انتهى. وليس هنا أجنبية إنّما هي ميمونة، ولم يفرق أحد بين الأجنبية في ذلك وغيرها. قلت: وفي الحديث الرد على من قال: بأن الماء المستعمل ليس بطهور، فلأن يكون فيه الرد على من قال بأنّه ليس بطاهر من باب أولى. وفيه جواز البناء على الظاهر والأصل لأن الأصل في الماء الطهارة واحتمال قيام المانع به ممكن لكن لم يسأل عنه ﵇، حين إرادة استعماله، وبنى على الأصل فيقتضي ذلك البناء على الأصل والظاهر. وفيه رد على من قال من المالكية (٢): بأن الماء المستعمل غير طهور، ولم يعلله

стр. 581

بانتقال مانع، ولا يتأدى به بل علله بما يلحق الماء ويحله من الأوساخ والأدران. والحديث يدل على بطلان هذا التعليل بعد الحمل على كون الاغتسال في الجفنة لأنّ الاغتسال في الجفنة هنا موجود فلو منعت هذه العلة التطهير لامتنعت الطهارة، ولم تمتنع الطهارة، فلا يمنع التطهير، ذكر معناه شيخنا الإمام أبو (١) الفتح القشيري. وقال (٢): ومن فسّد (٣) الماء بالاستعمال علل بوجهين: تأدي العبادة، وانتقال المنع (٤)، وقوله ﵇: إن الماء لا يجنب؛ كالتصريح برد هذه العلة الثانية. وفيه: إذ الحمل على الاغتسال في الجفنة لا منها، أن التغيّر باليسير من الطاهرات لا يضر لأنّ الغالب أنّه لا بد وأن يحصل في الماء تغيَّر ما بسبب ما لابس البدن من الأدران والأوساخ من الاستدلال بوجود العلة على وجود المعلول لأنّ حكمه ﵇: أنّ الماء لا يجنب؛ علة لجواز الطهارة به، الذي هو مقصود، فذكر العلة ليدل بها على المعلول، وأما على رواية استعماله له ﷺ فيؤخذ منه العلة من المعلول لأنّ تطهره منه ﵇ لازم لطهوريته فاستعماله له دليل على طهوريته دلالة المعلول على العلة، وقد روي الأمران معًا قوله (٥): "إن الماء لا يجنب"، كما ذكرناه، وأنّه ﵇ اغتسل بفضل ميمونة ﵂. * * *

стр. 582

٤٩ - باب ما جاء أن الماء لا ينجسه شيء حدثنا هناد والحسن بن علي الخلال وغير واحد قالوا: ثنا أبو أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن كعب، عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج، عن أبي سعيد الخدري قال: قيل: يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن فقال رسول الله ﷺ : "إنّ الماء طهور لا ينجسه شيء". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، وقد جود أبو أسامة هذا الحديث فلم يرو أحد حديث أبي سعيد في بئر بضاعة، أحسن مما روى أبو أسامة، وقد رُوي هذا الحديث من غير وجه عن أبي سعيد. وفي الباب عن ابن عباس وعائشة (١). * الكلام عليه: رواه الإمام أحمد (٢) وأبو داود (٣) والنسائي (٤) والدارقطني (٥) وقد اختلف في حكمه فقال الإمام أحمد (٦) هو صحيح، وقال الترمذي حسن.

стр. 583

وقال أبو (١) الحسن بن القطان: هو ضعيف كما سنوضّحه. وقال المنذري (٢): وتكلّم فيه بعضهم. قال ابن (٣) القطان: وأمره إذا بُيِّن يبين منه ضعف الحديث لا حسنه، وذلك أنّ مداره على أبي أسامة عن محمد بن كعب، ثم اختلف على أبي أسامة في الواسطة الذي بين محمد بن كعب، وأبي سعيد؛ فقوم يقولون: عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج (٤). وقوم يقولون: عبد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج (٥). وله طريق آخر من رواية ابن إسحاق عن سليط بن أيوب، واختلف على ابن إسحاق في الواسطة التي بين سليط وأبي سعيد؛ فقوم يقولون عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع. وقوم يقولون: عبد الله بن عبد الرحمن بن رافع. وقوم يقولون: عن عبد الرحمن بن رافع. فتحصل في هذا الرجل الراوي له عن أبي سعيد خمسة (٦) أقوال: عبد الله بن عبد الله بن رافع، وعبيد الله بن عبد الله بن رافع، وعبد الله بن عبد الرحمن بن رافع، وعبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع، وعبد الرحمن بن رافع. وكيفما كان فهو من لا تعرف له حال ولا عين (٧)، والأسانيد بما ذكرناه في

стр. 584

كتب الأحاديث معروفة. وقد ذكر البخاري في تاريخه (١) الخلاف في المذكور مفسرًا. ولحديث بئر بن بضاعة طريق حسن من غير رواية أبي سعيد، من رواية سهل بن سعد" (٢). قال قاسم بن أصبغ: ثنا محمد بن وضاح: ثنا أبو علي عبد الصمد بن أبي سكينة الحلبي بحلب: ثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه، عن سهل بن سعد قالوا: يا رسول الله إنك تتوضّأ من بئر بضاعة، وفيها ما يُنْجِي الناس والمحايض والخبث؟ فقال رسول الله ﷺ : "الماء لا ينجسه شيء". قال قاسم: هذا من أحسن شيء في بئر بضاعة. "وقال محمد بن عبد الملك بن أيمن (٣): ثنا ابن وضاح فذكره أيضًا بإسناده ومتنه. قال ابن حزم (٤) في كتاب الإيصال: عبد الصمد بن أبي سكينة ثقة مشهور (٥). وذكره المجالي (٦) وقال: إنّ ابن وضاح لقيه بحلب، ويروى عن سهل بن سعد

стр. 585

في بئر بضاعة من طرق هذا خيرها" (١). وذكر شيخنا الحافظ الإمام (٢) أبو الفتح القشيري ﵀ قال: ولما أخرج أبو عبد الله بن منده هذا الحديث من رواية محمد بن كعب القرظي عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع قال: وهذا إسناد مشهور، وأخرجه أبو داود والنسائي، وتركه البخاري ومسلم لاختلاف في إسناده رواه ابن أبي ذئب، عن الثقة عنده عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد، ثم ذكر رواية مطرف بن طريف، عن خالد بن أبي نوف، عن سليط بن أيوب، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، وقال بعد ذلك: فإن كان عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع هذا هو الأنصاري الذي روى عن جابر بن عبد الله، فقد روى عنه هشام بن عروة، وهو رجل مشهور في أهل المدينة. وعبد الله بن رافع بن خديج مشهور، وعبد الله ابنه مجهول. فهذا الحديث معلول برواية عبيد الله بن عبد الله بن رافع، وقد أخرج الحافظ أبو محمد عبد الغني بن سعيد المصري في كتاب "إيضاح الإشكال" له، رواية مطرف عن خالد بن أبي نوف عن سليط، عن ابن أبي سعيد، عن أبيه قال: انتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو يتوضأ من بئر بضاعة فقلت: يا رسول الله تتوضأ منها وهي يلقى فيها ما يلقى من النتن؟ فقال: "إن الماء لا ينجسه شيء" (٣).

стр. 586

قلت: ذكر ابن (١) القطان حديث ابن إسحاق عن سليط بن أيوب وأعلّه بالجهالة (٢) في الواسطة بين سليط وأبي سعيد، وذلك منه مؤذن بأن لا علة له سوى ذلك، وقد ذكر أبو (٣) محمد بن أبي حاتم في كتاب "المراسيل" عن أبيه قال: "محمد بن إسحاق بن يسار بينه وبين سليط رجل". ولنرجع الآن إلى ما ينبغي أن يحكم به على هذا الحديث فنقول: أما حكم الترمذي (٤) عليه بأنه حسن فجارٍ على ما قرره في السنن، ولا اعتراض عليه فيه، فإن عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج عرف بروايته عن أبي سعيد (٥). ورواية محمد بن كعب، وسليط بن أيوب (٦) عنه فارتفعت بذلك عنه الجهالة العينية، لم يقف لأحد على جرح فيه، وللحديث شاهد من حديث سهل (٧) بن سعد، وقد ذكر له الترمذي في الباب عن ابن عباس وعائشة (٨) فهو حديث لم يتهم راويه بكذب، وله شاهد، وهذا هو بعينه الحسن عند الترمذي. وأما قول الإمام أحمد إنّه صححه (٩) فمهما حكم به أحمد بن حنبل أو علي

стр. 587

ابن المديني، أو يحيى بن معين، أو من يجري مجراهم من الأئمة (١) من تصحيح خبر أو ردّه أو تعديل راوٍ أو جرحه، فإليهم المرجع في ذلك: "إذا قالت حذام فصدّقوها ... فإن القول ما قالت حذام" (٢) وليس لمن بعدهم أن يعترض ما يجده عن أحد منهم لا سيما من كان في الأعصار البعيدة عن عصرهم؛ اللهم إلا أن يكون الحكم على حديث بسند معين يقتضي الحكم بصحة ذلك الحديث تعديل من تضمنه ذلك السند ويجد من نظر فيه جرحًا مفسرًا في راو من رواته منقولًا عن من يرجع إليه في مثل ذلك فهناك قد يمكن أن يقال: إن الجرح مقدّم على التعديل، وتقبل تلك الطريق حينئذ الرد، وأما حديثنا هذا فأكثر ما فيه الاضطراب بين راوٍ يعرف حاله من غير جرح فيه أو يجهل حاله (٣). وتصحيح أحمد لا يعارضه جهالة الحال في راوٍ من الرواة إذ تصحيحه مؤذن بتعديل من صح خبره، وأما تضعيف أبي الحسن بن القطان إياه بجهالة الوسائط بين

стр. 588

سليط بن أيوب وأبي سعيد فيعارضه رواية سليط عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري (١) وليست بما ذكره فليس عبد الرحمن هذا مجهولًا روى له الجماعة إلا البخاري (٢). ومطرف (٣) بن طريف روى له الجماعة (٤) كلهم وخالد (٥) بن أبي نوف، أخرج له النسائي (٦) وحديثه هذا عند النسائي (٧). عن عباس العنبري، عن عبد الملك بن عمرو عن عبد العزيز بن مسلم، وكان من العابدين عن مطرف بن طريف عن خالد بن أبي نوف، عن سليط عن ابن أبي سعيد به، ولم يسمّه (٨). قال ابن عساكر: وإسناده مجهول. قلت: الجهالة التي أشار إليها ابن عساكر في ابن أبي سعيد من هو وقد تبين أنَّه عبد الرحمن في الحديث الذي ذكرنا قبل هذا. وأما قوله: إن الخمسة الذين رووه عن أبي سعيد كلهم مجاهيل.

стр. 589

وقد وثق أبو (١) حاتم بن حبان عبيد الله بن عبد الله بن رافع الذي أخرجه الترمذي (٢) من طريقه، وكنّاه أبا الفضل (٣)، وكذلك وثق أيضًا عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع، وعقد لهما ترجمتين (٤) وهما في كتاب البخاري (٥) واحد. وكذلك هما أيضًا عند أبي (٦) محمد بن أبي حاتم فإنّه تبعه حذو القذة بالقذة، بل لعل الخمسة المذكورين عند ابن القطان واحد عند البخاري (٧). فما أجدر الحديث على هذا بأن يكون صحيحًا فقد نقل تصحيحه عن الإمام أحمد كما ذكرنا، وعن يحيى بن معين، وعن أبي عبد الله الحاكم (٨)، وقول ابن القطان في تضعيفه مرجوح لما ذكرناه وأكثر ما فيه أنّه جهل من عرفه غيره، وإذا صح من طريق لا يضره أن يروى من طريق أخرى غير صحيحة، فالضعيف لا يعلّ الصحيح. وأما حديث ابن عباس فقال ابن (٩) أبي شيبة: ثنا أبو معاوية، عن عاصم، عن عكرمة قال: مرّ رسول الله ﷺ بغدير فقالوا: يا رسول الله إن الكلاب تلغ فيه والسباع! فقال رسول الله ﷺ : "للسبع ما أخذ في بطنه، وللكلب ما أخذ في بطنه،

стр. 590

فاشربوا وتوضؤوا". قال: فشربوا وتوضؤوا. ثنا (١) أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبيّ ﷺ قال: "الماء لا يجنب". وقد سبق. وأما حديث عائشة فروى الطبراني (٢) في "معجمه الأوسط" من حديث أبي أحمد الزبيري: ثنا شريك، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن عائشة: أنّ النبيّ ﷺ قال: "إنّ الماء لا ينجسه شيء" أخرجه عن أحمد بن زهير، عن أبي الربيع، عن عبد الله بن محمد الحارثي، عن أبي أحمد الزبيري. ورواه البزار (٣) عن عمرو بن علي، عن أبي أحمد. قال الطبراني: لم يروه عن المقدام إلا عن شريك. وفي الباب مما لم يذكره الترمذي حديث سهل بن سعد الساعدي، وقد تقدّم ذكرنا له، وحديث جابر قال: انتهينا إلى غدير فإذا فيه جيفة حمار؛ قال: فكففنا عنه، حتى انتهى إلينا رسول الله ﷺ فقال: "إن الماء لا ينجسه شيء"، فاستقينا وأروينا وحملنا. رواه ابن (٤) ماجه وفيه: عن أبي أمامة قال: قال النبيّ ﷺ : "إنّ الماء لا ينجسه شيء، إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه". رواه ابن (٥) ماجه أيضًا. قال أبو (٦) داود: وسمعت قتيبة بن سعيد قال: سألت قيّم بئر بضاعة عن

стр. 591

عمقها قال: أكثر ما يكون فيها الماء قال: إلى العانة، قلت: فإذا نقص الماء؟ قال: دون العورة. قال أبو داود: وقدرت بئر بضاعة بردائي مددته عليها، ثم ذرعته، فإذا عرضها ستة أذرع، وسألت الذي فتح لي باب البستان، فأدخلني إليه: هل غير بناؤها عما كانت عليه؟ قال: لا، ورأيت فيها ماء متغير اللون (١). وذكر الدارقطني (٢) عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : "الماء طهور إلا ما غلب على ريحه أو طعمه"، تفرد (٣) برفعه رشدين بن سعد، وهو ضعيف عندهم. وروى الدارقطني (٤) عن إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، عن داود بن حصين، عن أبيه، عن جابر قال: قيل: يا رسول الله أنتوضّأ بما أفضلت الحمر؟ قال: "وبما أفضلت السباع". إبراهيم (٥) وثقه أحمد (٦)، وضعفه البخاري (٧) ويحيى (٨) بن معين،

стр. 592

وغيرهما (١). ويروى فيما أفضلت السباع من حديث ابن عمر وأبي هريرة ولا يحتج بأسانيدهما، ذكر حديثهما الدارقطني (٢) أيضًا. وروى الطبراني (٣) من حديث محمد بن أبي يحيى الأسلمي عن أبيه قال: دخلنا على سهل بن سعد الساعدي في بيته، فقال: "لو أني سقيتكم من بئر بضاعة لكرهتم، وقد والله سقيت منها رسول الله ﷺ بيدي". رواه في "معجمه الكبير" عن موسى بن سهل أبي عمران الجوني، عن هشام بن عمار، عن حاتم بن إسماعيل، عن محمد بن أبي يحيى. قال ابن (٤) أبي شيبة: ثنا وكيع، عن سفيان، عن حبيب، عن ميمون بن أبي شبيب: أنّ عمر بن الخطاب مر بحوض محنة فقال: اسقوني منه! فقالوا: إنّه يرده السباع والكلاب والحمير! فقال: لها ما حملت في بطونها، وما بقي فهو لنا طهور وشراب. قال: ثنا ابن عيينة عن منبود، عن أمه: أنّها كانت تسافر مع ميمونة فمرّتا بغدير فيه الجعلان والبعر فيستقى لها منه فتتوضأ وتشرب (٥). وعن ابن عليّة، عن حبيب بن شهاب، عن أبيه: أنّه سأل أبا هريرة عن سؤر

стр. 593

الحوض تردها السباع ويشرب منه الحمار فقال: لا يحرم الماء شيء (١). وعن ابن عليّة عن إسرائيل عن الزبرقان، عن الزبير (٢) قال: قال لي كعب بن عبد الله: كنا مع حذيفة فانتهينا إلى غدير فيه الميتة وتغتسل فيه الحائض، فقال: الماء لا يجنب (٣). وعن حفص، عن ليث، عن مجاهد قال: الماء طهور لا ينجسه إلا النجس، يعني: المشرك (٤). وروى وكيع عن أبي العميس، عن أبي الربيع، عن ابن أبي ليلى قال: الماء لا ينجسه شيء (٥). وعن ابن المسيب (٦) وسلمة (٧). وعن ابن عليّة، عن داود عن ابن (٨) المسيب قال: أنزل الله الماء طهورًا فلا ينجسه شيء (٩). قال داود: وذلك أنَّا سألناه عن الغدران والحياض يلغ فيها الكلاب (٩).

стр. 594

وروى ابن (١) أبي شيبة، عن يزيد بن المقدام، عن أبيه، عن جده، عن عائشة قالت: إنّه ليس يكون على الماء جنابة. ووكيع عن يزيد، عن إبراهيم (٢): سئل الحسن عن الحياض التي تكون في طريق مكة تردها الحمير؟ قال: لا بأس به (٣). وهشيم عن حصين، عن عكرمة: الماء طهور لا ينجسه شيء. ووكيع عن الأعمش، عن أبي عمرو (٤) البهراني، عن ابن عباس قال: الماء طهور لا ينجسه شيء (٥). وجرير، عن عيسى بن المغيرة، عن سعيد بن جبير قال: الماء لا ينجس (٥). وقوله بئر بضاعة المشهور فيها بضم الباء، وذكر الجوهري (٦): الضم والكسر، وبعدها ضاد معجمة، وعينها مهملة. والحيض بكسر الحاء، وفتح الياء جمع حِيْضة بكسر الحاء، وسكون الياء؛ وهي الخرقة التي تحتشي بها المرأة، وقد تطلق الحيضة بكسر الحاء على الاسم من الحَيْضة بالفتح. وقوله ما يُنْجي الناس، وفي حديث بضم الياء بعدها نون ساكنة ثم جيم، والناس بالرفع على الفاعلية، يقال: أنجى الرجل إذا أحدث فيحتمل أن لا يكون فيه حدف (٧).

стр. 595

وقد روى الدارقطني (١) من جهة ابن إسحاق بسنده إلى أبي سعيد الخدري ﵁ أنّه قيل: يا رسول الله إنه يستقى لك من (٢) محائض النساء، ولحوم الكلاب، وعذر الناس! فقال رسول الله ﷺ : "إن الماء طهور لا ينجسه شيء". ويحتمل أن يكون فيه حذف على تقدير، ويلقى فيها خرق ما ينجي الناس، كما قيل في المحائض (٣). قوله: أتتوضأ هو بتائين مثناتين (٤) من فوق، خطاب للنبي ﵇، وقد وقع ذلك مصرحًا به من طريق الشافعي (٥)، قيل: يا سول الله إنك تتوضأ من بئر بضاعة. . . الحديث. وفي لفظ النسائي (٦): عن أبي سعيد قال: مررت بالنبي ﷺ وهو يتوضأ من بئر بضاعة؛ فقلت: يا رسول الله أتتوضأ منها وهي يطرح فيها. . . وذكر الحديث. وعذر (٧) الناس: بفتح العين وكسر الذال المعجمة، اسم جنس للعذرة، وضبط أيضًا بكسر العين وفتح الذال كمعدة ومِعَد، وكلاهما صحيح، وضمّ العين

стр. 596

فيها تصحيف (١). وقال الخطابي (٢) وغيره: في قوله بئر تلقى فيها الحيض إلى آخره؛ لم يكن إلقاء ذلك تعمّدًا من آدمي، بل كانت هذه البئر في حدور السيل تكسح الأقذار من الأفنية فتلقيها فيها (٣)، ولم يكن ذلك يؤثر في الماء لأنه كان ماء كثيرًا لا يتغير بذلك، وهي بئر مطروقة للاستسقاء فمن وجد فيها شيئًا من ذلك أزاله كما هو معروف من عادة الناس، وقيل: كانت الريح تلقي ذلك. وقيل المنافقون، ويحتمل الريح والسيول. وأما المنافقون فبعيد لأن الانتفاع بها مشترك، مع تنزيه المنافقين وغيرهم المياه في العادة. قال الشيخ محيي (٣) الدين النووي رحمه الله تعالى: واعلم أنّ حديث بئر بضاعة لا يخالف حديث القلّتين لأن ماءها كان فوق القلّتين كما ذكرنا، فحديث بئر بضاعة يخص منه شيئان: * أحدهما: إذا كان دون قلّتين. * أما الثاني: فمجمع على تخصيصه، وأما الأول فقال به الشافعي وأحمد وغيرهما. مالك وآخرون بعمومه انتهى. أما قوله: إن ماء بئر بضاعة أكثر من القلتين فظاهر لأن من قدر القلتين بالمكان من أصحاب الشافعي، قدّرها بذراع وثلث في مثله، وفي عمق ذراع وثلث أيضًا،

стр. 597

وهذا المقدار الذي ذكره أبو داود من مقدارها أزيد من ذلك بكثير، وأما مقدار القلّتين ومن ذهب إليهما فسيأتي في الباب بعد هذا، وأما من قال بعموم هذا الخبر فمروي عن عائشة أم المؤمنين وأبي هريرة، وحذيفة بن اليمان، وعمر بن الخطاب وابن مسعود وابن عباس والحسين بن علي بن أبي طالب وميمونة أم المؤمنين ﵃. وذكر عن الأسود بن يزيد وعبد الرحمن بن أخيه وابن أبي ليلى وسعيد بن جبير ومجاهد وسعيد بن المسيب والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق والحسن البصري وعكرمة وجابر بن زيد وعثمان البتّي وغيرهم. وذكر ابن وهب عن ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران أنَّه سأل القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله عن الماء الراكد الذي لا يجري تموت فيه الدابة؛ أيشرب منه ويغتسل ويغسل منه الثياب، فقالا: انظر بعينيك، فإن رأيت ماء لا يدنسه ما وقع فيه، فنرجوا أن لا يكون به بأس. قال: وأخبرني يونس عن ابن شهاب قال: كل ماء فيه فضل عما يصيبه من الأذى حتى لا يغير ذلك طعمه ولا لونه ولا ريحه، فهو طاهر يتوضأ به. قال: وأخبرني عبد الجبار بن عمر، عن ربيعة قال: إذا وقعت الميتة في البئر فلم يتغير طعمها ولا لونها ولا ريحها؛ فلا بأس أن يتوضأ منها، وإن يرى فيها الميتة. قال: وإن تغيرت نزع منها قدر ما يذهب الرائحة عنها، هذا قول ابن وهب، وإلى هذا ذهب إسماعيل بن إسحاق، ومحمد بن بكير، وأبو الفرج، والأبهري، وسائر المنتحلين لمذهب مالك من البغداديين، وهو قول الأوزاعي والليث بن سعد والحسن بن صالح وداود بن علي، وهو مذهب أهل البصرة أيضًا: قاله أبو (١) عمر.

стр. 598

وقال: وهو الصحيح في النظر، وجيد الأثر (١). قال القشيري (٢): وهو الذي شهره العراقيون (٣) عن مذهب مالك فاشتهر (٤)، وهو قول لأحمد بن حنبل (٥) نصره بعض المتأخرين من أتباعه، وعقد له مسألة خلافية في طريقه، ورجحه أيضًا من أتباع الشافعي القاضي (٦) أبو المحاسن الروياني صاحب "بحر المذهب" (٢). وأما الكوفيون (٧) فالنجاسة عندهم تفسد قليل الماء وكثيره إذا حلت فيه إلا الماء المستبحر الكثير الذي لا يقدر آدمي على تحريك جميعه قياسًا على البحر الذي قال فيه رسول الله ﷺ : "هو الطهور ماءه الحل ميتته" (٧). قال أبو جعفر (٨) الطحاوي في "مختصره": وإذا وقعت نجاسة في ماء يظهر

стр. 599

ذلك فيه، فقد نجسته قليلًا كان الماء أو كثيرًا إلا أن يكون جاريًا، أو حكمه حكم الجاري كالغدير الذي لا يتحرك أحد أطرافه بتحريك سواه من أطرافه (١). قلت: في حديث بئر بضاعة هذا ردّ على من ذهب هذا المذهب، إن ثبت ماؤها كان راكدًا، وهو الأظهر، على أن محمد بن عمر الواقدي (٢) كان يقول: إنها جارية، ولم يكن ماؤها راكدًا والمشهور الأول فإن المدينة لم يكن بها ماء جاريًا على عهد رسول الله ﷺ . وأما عين الزرقاء (٣) وعيون حمزة (٤) حدثت بعد ذلك، وبئر بضاعة باقية إلى اليوم شرقي المدينة بدار بني ساعدة. * والمذهب الثالث: أن اعتبار النجاسة فيه بالقلة والكثرة؛ فإن من الماء المخالط بالنجاسة كان نجسًا، وإن كثر كان طاهرًا. قال أبو (٥) الحسن الماوردي: واختلف القائلون بهذا في حد القليل من الكثير على ثلاثة مذاهب: * أحدها: وهو مذهب الشافعي أنه محدود بقلّتين كما (٦) سنذكره. * والثاني: أنَّه محدود بأربعين قلة، والقلة منها كالجرة، وهو قول عبد الله

стр. 600

ابن عمرو بن العاص ومحمد بن المنكدر، وسيأتي ما روي فيه في الباب بعده (١). * والمذهب الثالث: أنّه محدود بكر، والكر عندهم أربعون قفيزًا، والقفيز عندهم: اثنان وثلاثون رطلًا، فكان مقدار ذلك ألف رطل، ومائتي رطل، وثمانين رطلًا، وهو قول محمد بن سيرين ومسروق بن الأجدع ووكيع بن الجراح فهذه المذاهب المشهورة فيما ينجس من الماء وما لا ينجس. انتهى. * والمذهب الرابع: أن الماء إذا كان قلتين لم ينجس ما لم يتغير كمذهب الشافعي (٢) إلا أن يكون مخالطًا ببول الآدمي أو عذرته المائعة، فإنهما ينجسان الماء، وإن كان قلتين فأكثر، وهو المشهور من مذهب أحمد (٣) بن حنبل ما لم يكثر إلى حيث يكون نزحه كالمصانع التي بطريق مكة. واستدل (٤) من رأى أنَّ نجاسة الماء معتبرة بالتغيير بما روى عن النبيّ ﷺ أنه قال: "خلق الله الماء طهورًا لا ينجسه إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه" (٥)، قالوا: ولأنه ماء لم تغيره النجاسة فوجب أن يكون طاهرًا كالقلّتين، قالوا: ولأن حصول
следующие страницы →