← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16599

النفح الشذي شرح جامع الترمذي ط الصميعي

ابن سيد الناس

Полный текст (2 088 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

اللفظ فلا إلحاق عنده وأما من يقيس فمن زعم أن العلة الاستعمال وإفساد الماء وجب أن يخرج على وجهين: وهو أن الاستعمال في نقل الطهارة هل يجعل الماء مستعملًا أو لا؛ فيه خلاف ومن علل بغير ذلك قال: ساوت العلة في الفرع العلة في الأصل ورجحت عليه ألحق وإلا امتنع الإلحاق وذلك كالتعليل بالعبادة النفسية فقد يدعى أنها في هذه الأغسال ناقصة عنها في الغسل من الجنابة. وقد ذكرنا الفرق بين رواية من روى: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم لا يغتسل فيه"، ومن روى: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه"؛ وأن الرواية الأولى تقتضي النهي عن الجمع بين الأمرين ووقوع الاغتسال منه بعد البول فيه. والثانية تقتضي النهي عن كل فرد منهما، وذكرنا أن ظاهر النهي للتحريم فمن رأى النهي عن البول في الماء لمن لا يغتسل فيه محمولًا على الكراهة والتنزيه يحتاج إلى صارف يصرف النهي عن ظاهره. قال القاضي (١) عياض: ونهيه ﵇ عن بول الرجل في الماء الراكد أو الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل منه وهو تفسير الراكد هذا تفسير منه ﵇، على طريق التنزيه والإرشاد إلى مكارم الأخلاق والاحتياط على دين الأمة وهو في الماء القليل آكد منه في الكثير لإفساده له؛ بل ذكر بعضهم أنه على الوجوب فيه لأنه قد يتغير منه ويفسد فيظن من مر به أن فساده لقراره أو مكثه، وكذلك يكثر تكرار البائلين في الكثير حتى يعتريه ذلك؛ فحمى ﵇ هذا العارض في الماء الذي أصله الطهارة بالنهي عن ذلك (٢).

стр. 632

وهذا الكلام حمل القاضي فيه النهي على الكراهة وعدم التحريم وحكايته عن بعضهم التحريم تقريب لا تصريح. وما حكيناه عن النووي من التفصيل أظهر من هذا غير أنه قال: فإن الماء كثيرًا جاريًا لم يحرم البول فيه لمفهوم الحديث وهذا مفهوم المخالفة والخلاف فيه معروف وهو هنا يختص بالجاري وأما الكثير فلا مدخل له في الفهوم هذا فيما يرجع إلى الماء اليسير أو ما قاربه؛ أما حكم البول في الماء الكثير المستبحر الذي لا ينجسه مثل ذلك ولا يستقذر بملاقاة مثله فيرجع إلى أن العموم هل يخص بالمعتاد والغالب أو لا؛ فمن قال بالأول صرف النهي إلى المياه المعتادة في الاستعمال غالبًا وأخرج عن ذلك ما ينذر استعماله ولا يكاد يخطر ببال المتكلم ومن لم يخص العموم بذلك فلا يبعد أن يجري اللفظ على ظاهره إن لم يخصه الإجماع هذا كله إذا لم يعلل النهي بعلة وأما إذا قلنا إنه معلل بالتنجيس أو الاستقذار وهما منتفيان عنه فالحكم ينتفي بانتفاء علته. وقد استدل أبو يوسف ﵀ بهذا الحديث على نجاسة الماء المستعمل فإنه فرق بين الغسل فيه والبول فيه؛ والبول فيه ينجسه فكذلك الغسل فيه، وفي دلالة القرآن بين الشيئين على استوائهما في الحكم خلاف بين العلماء فالمذكور عن أبي يوسف والمزني ذلك وخالفهما غيرهما واستدل بقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾، الأول غير واجب، والثاني واجب، ولا ينبغي أن يجعل هذا الحديث وإن اختلفت ألفاظه حديثًا واحدًا، ذكر في بعض طرقه الوضوء في قوله: ولا يتوضأ منه، وفي بعضها الاغتسال، وفي بعضها ولا يغتسل، وفي بعضها ثم يغتسل، فيحتاج إلى حمل بعض هذه الألفاظ على بعض أو الترجيح لأحدهما فيقال به، ويعدل عن ما عداه بل هي أحاديث متعددة، وكلها صحيح ولأن الوضوء

стр. 633

والاغتسال مما يكثر السؤال والجواب عنه. وقد روي من حديث أبي هريرة وجابر كما ذكرنا من طرق عدة وإنما يصار إلى القول في مثل ذلك بأنه حديث واحد إذا اتحد مخرجه وغلب على الظن أن الواقعة المخبر عنها لا يتكرر وقوع مثلها، والله أعلم. * * *

стр. 634

٥٢ - باب ما جاء في ماء البحر أنه طهور حدثنا قتيبة، عن مالك (١): وثنا الأنصاري إسحاق بن موسى: ثنا معن: ثنا مالك، عن صفوان بن سليم، عن سعيد بن سلمة، عن (٢) آل ابن (٣) الازرق: ان المغيرة بن أبي بردة وهو من بني عبد الدار أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول: سأل رجل رسول الله ﷺ ! فقال: يا رسول الله! إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا؛ أفنتوضأ من ماء البحر؟ فقال رسول الله عبم: "هو الطهور ماؤه الحل ميته". قال: وفي الباب عن جابر والفراسي (٤). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وهو قول أكثر الفقهاء من أصحاب النبي ﷺ منهم: أبو بكر، وعمر، وابن عباس، لم يروا بأسًا بماء البحر. وقد كره بعض أصحاب النبي ﷺ الوضوء بماء البحر منهم: ابن عمر، وعبد الله بن عمرو. وقال عبد الله بن عمرو: هو نار (٥).

стр. 635

* الكلام عليه: أخرجه أبو (١) داود والنسائي (٢) وابن (٣) ماجه من حديث مالك (٤). وأخرجه الإمام أبو (٥) بكر بن خزيمة في صحيحه وأبو (٦) محمد بن الجارود في المنتقى. قال القشيري (٧): ورجح ابن منده صحته (٧)، وذكر البيهقي (٨) أنه صححه في كتاب المعرفة له. وقال الترمذي (٩): سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث، فقال: هو حديث صحيح. وقال الحافظ أبو (١٠) بكر بن المنذر: ثبت أن رسول الله ﷺ قال في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته".

стр. 636

وصححه ابن (١) حبان. وقال البغوي (٢): هذا الحديث متفق على صحته. وقال الحافظ أبو (٣) عمر: اختلف أهل العلم في هذا الإسناد. وقال شيخنا الحافظ أبو (٤) الفتح محمد بن علي القشيري ﵀ كلامًا ملخصه: إن هذا الحديث علل بالجهالة في سعيد بن سلمة والمغيرة بن أبي بردة وادعاء (٥) أنه لم يرو عن سعيد غير صفوان بن سليم، ولا عن المغيرة غير سعيد بن سلمة، قد روى عن سعيد غير صفوان، روى عنه الجلاح أبو كثير رواه من طريقه الإمام أحمد (٦) بن حنبل في مسنده من رواية قتيبة عن ليث عنه. ورواه الحافظ أبو بكر البيهقي (٦) في سننه الكبير من طريق يحيى بن بكير عن الليث. ورواه عن الجلاح أيضًا يزيد بن أبي حبيب وعمرو بن الحارث. أما رواية عمرو فمن طريق ابن (٧) وهب.

стр. 637

وأما رواية يزيد فمن طريق الليث عنه. وأما المغيرة بن أبي بردة، فقد روى عنه يحيى بن سعيد، ويزيد بن محمد القرشي، إلا أن يحيى بن سعيد اختلف عليه فيه (١)، ورواية يزيد بن محمد رواها أحمد (٢) بن عبيد الصفار صاحب المسند ومن جهته أخرجها البيهقي (٣). قال الحافظ أبو عبد الله بن منده: فاتفاق صفوان والجلاح مما يوجب شهرة سعيد بن سلمة واتفاق يحيى بن سعيد وسعيد بن سلمة على المغيرة ابن أبي بردة مما يوجب شهرة المغيرة فصار الإسناد مشهورًا؛ قال (٤): قد زدنا على ما ذكرنا عن ابن منده رواية يزيد بن محمد القرشي فتلخص أن الغيرة روى عنه ثلاثة (٥)، فبطلت دعوى التفرد المذكور عن سعيد وصفوان. الوجه الثاني: من الاعتلال الاختلاف في اسم سعيد بن مسلمة، فقيل كما قال مالك (٦)، وقيل عبد الله بن سعيد المخزومي، وقيل سلمة بن سعيد، وهذان الوجهان المخالفان لرواية مالك هما من رواية محمد بن إسحاق على الاختلاف عنه والترجيح لرواية مالك مع جلالته وعدم الاختلاف عليه أولى وإن كان أبو (٧) عمر قال: رواة الموطأ اختلفوا فبعضهم يقول: من آل بني الأزرق، كما قال يحيى.

стр. 638

وبعضهم يقول: من آل الأزرق، وكذا قال القعنبي. وبعضهم يقول من آل ابن الأزرق، كذلك قال ابن القاسم وابن بكير، قال أبو عمر: هذا كله متقارب غير ضار. الوجه الثالث: التعليل بالإرسال؛ قال أبو (١) عمر: ذكر ابن أبي عمر والحميدي والمخزومي عن ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن رجل من أهل المغرب يقال له المغيرة بن عبد الله بن أبي بردة، أن أناسًا من بني مُدلج أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله! إنا نركب أزمانًا (٢) في البحر ... وساق الحديث بمعنى حديث مالك. قال أبو عمر: هو مرسل (٣)، ويحيى بن سعيد أحفظ من صفوان بن سليم، وأثبت من سعيد بن سلمة وليس إسناد هذا الحديث مما يقوم به عند أهل العلم بالنقل حجة (٤). ورد مسنده بالجهالة في صفوان وسعيد وقد تقدم. وأكثر ما بقي في هذا الوجه بعد اشتهار صفوان وسعيد تقديم إرسال الأحفظ على إسناد من دونه؛ فإن يحيى بن سعيد أرسله من هذا الوجه، ولسعيد بن سلمة أسنده وهي مسألة معروفة في الأصول.

стр. 639

قال الحافظ ابن (١) عساكر بعد أن ذكر رواية من روى عن المغيرة بن أبي بردة عن أبيه وجوده عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن صفوان سمع المغيرة أبا هريرة وأيضًا تقَدَّم رواية مالك ومن تابعه لعدم الاضطراب فيها على رواية يحيى بن سعيد للاختلاف عليه. الوجه الرابع: التعليل بالاضطراب (٢)؛ قد تقدم اتفاق رواية مالك ويزيد بن محمد القرشي والجلاح من جهة الليث وعمرو بن الحارث. أما ابن إسحاق فرواه عن يزيد بن أبي حبيب عن جلاح، عن عبد الله بن سعيد المخزومي، عن المغيرة بن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ . ورواه أبو (٣) محمد الدارمي في مسنده كذلك بالسند المذكور عن أبي هريرة؛ قال: أتى رجال من بني مدلج إلى رسول الله ﷺ ... الحديث، وفي رواية عن ابن إسحاق سلمة بن سعيد، عن المغيرة بن أبي بردة حليف بني عبد الدار، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ (٤). قال البخاري (٥): وحديث مالك أصح. وقال البيهقي (٦): الليث بن سعد أحفظ من محمد بن إسحاق وقد أقام إسناده عن يزيد بن أبي حبيب، وتابعه على ذلك عمرو بن الحارث عن الجلاح؛ فهو أولى أن يكون صحيحًا، وقد رواه يزيد بن محمد القرشي، عن المغيرة بن أبي بردة

стр. 640

نحو رواية من رواه على الصحة (١). وقال أبو (٢) عمر في قول البخاري إنه صحيح: لا أدري ما هذا من البخاري؛ ولو كان صحيحًا عنده لأخرجه في كتابه، وهذا الحديث لم يحتج أهل الحديث بمثل إسناده وهو عندي صحيح لأن العلماء تلقوه بالقبول له والعمل به لا يخالف جملته أحد من الفقهاء وإنما الخلاف في بعض معانيه (٢). قول أبي عمر: لو كان صحيحًا لأخرجه في كتابه غير لازم لأنه لم يلتزم إخراج كل صحيح (٣). وأما قوله: لم يحتج أهل الحديث بمثل إسناده؛ فقد ذكرنا ما يرفع الجهالة العينية عن صفوان وسعيد روايته فمن عرف من حالهما ما يقتضي تصحيح حديثهما فلا إشكال، ومن لا يعرف فلعله ممن يقبل المستور أو حسن الظن بمالك إذ أخرجه (٤)، وطريقته في الرواية عن الثقات وانتقائه للرجال معلومة. ولا معارض لذلك من جهالة الحال وغير ذلك من الاعتلال، فقد أوضحنا ما يرده وقد وثق ابن (٥) حبان سعيدًا والمغيرة (٦)، وحكم بصحة الحديث، والاختلاف على يحيى بن سعيد فيه كثير، وقال هشيم عنه في رواية عن هشيم المغيرة ابن أبي بردة، وحمل الترمذي (٧) الوهم على هشيم في ذلك وحكاه عن

стр. 641

البخاري (١) أنه قال: وهم فيه هشيم، إنما هو ابن أبي بردة، وقد رواه أبو عبيد (٢) عن هشيم على الصواب وقد يكون الوهم ممن دونه. وأما حديث جابر فرواه أحمد (٣) بن حنبل، عن أبي القاسم بن أبي الزناد، عن إسحاق بن حازم، عن عبيد الله بن مقسم، عن جابر أن النبي ﷺ سئل عن ماء البحر، فقال: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته"، أخرجه ابن (٤) ماجه. وعن ابن (٥) السكن: حديث جابرأصح ما في هذا الباب، وخالفه ابن (٥) منده في هذا وقال: قد روى هذا الحديث عبيد الله بن مقسم، عن جابر والأعرج عن أبي هريرة ولا يثبت. قال القشيري (٦): وعندي أن قول أبي علي بن السكن في تقوية حديث جابر أقوى من قول ابن منده، وذلك أن عبيد الله بن مقسم مذكور في المتفق عليه بين الشيخين (٧)، وإسحاق المدني وثقه أحمد (٨) ويحيى (٩). وقال أبو (١٠) حاتم: صالح.

стр. 642

وأبو (١) القاسم بن أبي الزناد اسمه كنيته (٢)، أثنى عليه أحمد (٣)، وقال يحيى (٤): لا بأس به. ويمكن أن يكون ابن منده علل الحديث باختلاف في إسناده ثم ذكر أن عبد العزيز بن عمران رواه عن إسحاق بن حازم الزيات عن وهب بن كيسان، عن جابر، عن أبي بكر أخرجه كذلك الدارقطني (٥)؛ انتهى ما ذكره عنه ملخصًا (٦). وهذا الذي ذكره ابن منده لا يصلح أن يكون معلًا لرواية أحمد، عن ابن أبي الزناد، عن إسحاق لتوثيق ابن أبي الزناد، وضعف عبد (٧) العزيز بن عمران بن أبي ثابت عندهم ورواية الضعيف لا تعل رواية الثقة. وأما حديث الفراسي فرواه (٨) ابن ماجه من طريق الليث عن جعفر بن ربيعة، عن بكر بن سوادة، عن مسلم بن مخشي، عن ابن الفراسي، قال: كنت أصيد وكانت لي قربة أجعل فيها ماء وإني توضأت بماء البحر، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته"؛ رواه عن سهل بن أبي سهل، عن يحيى بن بكير عنه، كذا وقع عند ابن ماجه، عن مسلم، عن ابن الفراسي، عن النبي

стр. 643

- ﷺ ، والترمذي (١) يقول عن الفراسي وكذا هو عند ابن (٢) عبد البر وذكر (٣) أن إسناده ليس بالقائم وأن الفراسي مجهول في الصحابة غير معروف، فإن (٤) كان يريد الجهالة الحالية فليست ضارة في الصحابي، وإن أراد العينية فقد عرفه البخاري (٥) وأثبت صحبته فيما حكاه عنه الترمذي؛ ومن علم حجة على من جهل. وقال عبد (٦) الحق: لم يروه عنه فيما أعلم إلا مسلم بن مخشي، ومسلم لم يروه عنه إلا بكر بن سوادة. هذا ما عاب به هذا السند. وقال ابن (٧) القطان في الاعتراض عليه: خفي عليه انقطاع حديث الفراسي وهو حديث لم يسمعه مسلم من الفراسي؛ وإنما سمعه من ابن الفراسي، عن الفراسي، ثم ذكر رواية أبي عمر؛ قال: ثنا خلف بن القاسم: ثنا أحمد بن الحسن الرازي: ثنا أبو الزنباع روح بن الفرج القطان: ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير: حدثني الليث بن سعد، عن جعفر بن ربيعة، عن بكر بن سوادة، عن مسلم بن مخشي: أنه حدث أن الفراسي قال: كنت أصيد في البحر الأخضر على أرماث ... الحديث. وما أرى أبا محمد وقف عليه إلا عند ابن عبد البر، ولذلك ما نقل فيه ما نقل

стр. 644

في حديث إذا كنت سائلًا فسل الصالحين، حيث قال: "ابن الفراسي لم يرو عنه إلا مسلم بن مخشي وذلك أنه لم ير في حديثه هنا لابن الفراسي ذكرًا، وراه في حديث (سل الصالحين)؛ ومن هناك تبين أن مسلم بن مخشي لا يروي عن الفراسي إلا بواسطة ابنه، والحديث المذكور، ذكره في الزكاة (١) من حديث النسائي (٢) من رواية مسلم بن مخشي، عن ابن الفراسي؛ أن الفراسي قال لرسول الله ﷺ : أسأل يا رسول الله؛ قال: "لا وإن كنت لا بد سائلًا؛ فسل الصالحين" (٣). وقال الترمذي (٤) في علله: سألت محمدًا عن حديث ابن الفراسي في ماء البحر، فقال: مرسل لم يدرك ابن الفراسي النبي ﷺ والفراسي له صحبة. فهذا كما ترى يعطي أن الحديث يروى أيضًا عن ابن الفراسي عن النبي ﷺ لا يذكر فيه الفراسي فمسلم بن مخشي لا يروي إلا عن الابن، وروايته عن الأب مرسلة؛ انتهى (٥). فتبين بهذا أن الحديث إما منقطع بين مسلم بن مخشي والفراسي أو مرسل بين ابن الفراسي والنبي ﷺ ، وجوز القشيري (٦) أن يكون ابن الفراسي والفراسي واحدًا وقع الاختلاف فيه وهو لا يجدي الاتصال. وفي الباب مما لم يذكره: عن علي (٧) بن أبي طالب وفي إسناده من يحتاج إلى

стр. 645

معرفة حاله. وفيه عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده من طريق ابن عياش، عن المثنى بن الصباح عنه ولفظه: "ميتة البحر حلال، وماؤه طهور" (١). وفيه عن عبد الله بن عباس ﵄؛ قال: سئل رسول الله ﷺ عن ماء البحر فقال: "ماء البحر طهور" (٢). وكلها عند الدارقطني (٣)، وروى الدارقطني (٤) في غرائب حديث مالك من طريق هشام بن عمار، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر؛ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إنا نركب البحر ... نحو حديث أبي هريرة الأول، قال فيه: ثنا أبو بكر الشافعي من أصل كتابه ومحمد بن حميد قالا: ثنا أحمد بن عمر بن زنجويه المحرمي، عن هشام، وقال: هذا باطل بهذا الإسناد مقلوب، وهو في الموطأ (٥) عن صفوان بن سليم، عن سعيد بن سلمة، عن المغيرة، عن أبي هريرة. في الحديث (٦) دليل على جواز ركوب البحر في الجملة وقد ورد في بعض الروايات ركوبه للصيد (٧) كما ذكرناه في طرق هذا الحديث، فيدل دلالة خاصة على

стр. 646

ركوبه في طلب المعيشة، وقد ورد ما يعارض ذلك في حديث رواه أبو (١) داود من طريق عبد الله بن عمرو؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تركب البحر إلا حاجًّا أو معتمرًا أو غازيًا في سبيل الله ... " الحديث. وروى عن عبد الله بن عمر أيضًا ما يناسب هذا (٢) وطعن بعضهم في صحة هذا الخبر عن ابن عمر، وقد ذكرت كراهة ركوب البحر عن مالك (٣) ﵀، وقسم بعض المالكية ركوب البحر على ثلاثة أقسام؛ وجعل ما كرهه مالك من الكراهة منزلًا على أضرها؛ فقال: ركوب البحر على ثلاثة أوجه: • جائز: وهو إذا كان يعلم شأنه أنه يقدر على صلاته قائمًا ولا يميد. • ومكروه: وهو إذا لم يتقدم له عادة بركوبه ولا يعلم إذا ركب أيميد وتتعطل صلاته أم لا؟ ويقال في هذا القسم إنه ممنوع لأن الغالب بعده عدم ذلك. • وممنوع: وهو ما إذا كان يعلم من شأنه أنه يميد لا يقدر على أداء الصلاة لكثرة الراكب ولا يقدر على السجود (٤). وقال مالك في سماع أشهب: إذا لم يقدر أحدكم على أن يركع أو يسجد إلا على ظهر أخيه، فلا تركبوا لحجة ولا لعمرة؛ أيركب حيث لا يصلي، ويل لمن ترك الصلاة، ويكره أيضًا إذا كان لا يقدر على الصلاة إلا جالسًا (٥).

стр. 647

وقال القاضي أبو (١) الوليد الباجي: وقوله فإن توضأنا به عطشنا؛ دليل على أن العطش له تأثير في ترك استعمال الماء المعد للشرب، ولذلك أقره النبي ﷺ على التعلق به. وقال الحافظ أبو (٢) عمر: وفي هذا الحديث أيضًا من الفقه أن المسافر إذا لم يكن معه من الماء إلا ما يكفيه لشربه وما لا غنى به عنه لشفقته [ولا فضل فيه يغني عن سقيه أنه لا يتوضأ به] (٣)؛ لأنه جائز له التيمم ويترك ذلك الماء لنفسه هذا إذا لم يطمع بماء وخشي هلاك نفسه، انتهى. وقال غيره: إذا خاف العطش فما هو العطش المعتبر في ذلك اللفظ تعليقه بمطلق العطش. والشافعية ﵏ أو من قال منهم يعتبرون هذه الحالة بحالة المرض المبيح للتيمم باعتبار الخوف، فينظر هل يكون الخوف من التلف لنفس أو عضوًا أو منفعة أو زيادة المرض أو تأخر البرء أو بقاء شين في عضو ظاهر، فإذا قسناه بذلك اقتضى تقييدًا في العطش واحتاج إلى دليل ولعلة القياس (٤)، وقد يؤخذ منه أن المتوقع من خوف العطش كالواقع والمظنون كالمعلوم؛ لأن قوله: عطشنا يحتمل الحال والاستقبال والحكم بوقوع العطش يحتمل العلم والظن فأجابهم من غير استفصال وترك الاستفصال في وقائع الأحوال ينزل منزلة العموم في المقال (٥).

стр. 648

وقال الخطابي (١): في هذا الحديث أنواع من العلم منها: أن المعقول عند (٢) المخاطبين من الطهور والغسول الضمنين في قوله : ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ...﴾ الآية. أو إنما كان عند السامعين له أو المخاطبين به الماء المفطور على خلقته، السليم في نفسه، الخلي من الأعراض المؤثرة فيه، ألا ترى (٣) أنهم ارتابوا بماء البحر، لما رأوا تغيره في اللون وملوحته في الطعم؛ حتى سألوا رسول الله ﷺ واستفتوه على جواز التطهر به. وقال القاضي أبو (٤) بكر بن العربي: فتوقوا عنه لأحد وجهين؛ إما أنه لا يشرب، وإما أنه طبق جهنم. وروى (٥) عن عبد (٦) الله بن عمر وابن عمرو وما طبق (٧) سخطه لا يكون طريق طهارة ورحمة. قلت: ما ذكره ابن العربي يشير إلى أن العلة لا تنحصر فيما ذكره الخطابي إذ أتى بعلة ثانية وهي ما روى عن عبد الله بن عمر وابن عمرو.

стр. 649

وقال ابن (١) العربي أيضًا: أن النبي ﷺ لم يقل لهم في (٢) الجواب: نعم؛ فإنه لو قال ذلك لما جاز الوضوء به إلا لضرورة (٣)؛ لأنه كان يكون جواب قولهم: إنا نركب البحر ونحمل (٤) القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا فشكوا إليه بصفة الضرورة وعليه وقع سؤالهم فيها كان يربط جوابهم لو قاله فاستأنف بيان الحكم بجواز الطهارة به. وقال شيخنا الحافظ أبو (٥) الفتح القشيري: يقول وفيه وجه أنه لو كان قال نعم لم يستفد منه من حيث اللفظ إلا جواز الوضوء به، الذي وقع عنه السؤال، وإذا قال: "هو الطهور" أفاد جواز رفع الأحداث أصغرها وأكبرها، وإزالة الأنجاس به لفظًا فكان أعم فائدة. وفيه جواز التطهر بماء البحر، وهو المقصود بالذات من الحديث وإليه ذهب الجمهور. وقال ابن (٦) المنذر: وممن روينا عنه أنه قال: ماء البحر طهور: أبو بكر، وعمر، وابن عباس، وعقبة بن عامر وبه قال عطاء، وطاوس، والحسن البصري، ومالك، وأهل المدينة، وسفيان الثوري، وأهل الكوفة، والأوزاعي، وأهل الشام، والشافعي، وأحمد وإسحاق، وأبو عبيد، وبه نقول. وقد روينا عن ابن عمر أنه قال في الوضوء بماء البحر: التيمم أحب إلى منه،

стр. 650

وعن عبد الله بن عمرو أنه قال: لا يجزئ من الوضوء ولا من الجنابة والتيمم أعجب إلى منه. وعن ابن المسيب أنه قال: إذا ألجأت إليه فتوضأ منه؛ انتهى ما ذكره ابن المنذر، وزاد ابن (١) أبي شيبة فيمن جوّز الطهور بماء البحر: ابن سيرين وعكرمة، وقال (٢): ثنا وكيع، عن شعبة، عن قتادة، عن عقبة بن صهبان؛ قال: سمعت ابن عمر يقول: التيمم أحب إلي من الوضوء من ماء البحر (٣). قال (٤): ثنا أبو داود الطيالسي عن هشام، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو؛ قال: ماء البحر لا يجزئ من وضوء ولا جنابة، إن تحت البحر نارًا ثم ماء، ثم نارًا (٥). قال: ثنا ابن علية، عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة؛ قال: ماءان لا يجزيان عن غسل الجنابة؛ ماء البحر وماء الحمام. قال: ثنا إسحاق بن سليمان، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: أنه ركب البحر فنفذ ماؤهم فتوضأ بنبيذ وكره أن يتوضأ من ماء البحر (٥). وأما من كرهه فقد ذكرنا عن سعيد بن المسيب (٦).

стр. 651

وقال ابن (١) أبي شيبة: ثنا وكيع، عن سفيان، عن الزبير بن عدي، عن إبراهيم؛ قال: ماء البحر يجزئ والعذب أحب إلى منه، فيحصل من هذه الآثار مذاهب أربعة (٢): الطهور به مطلقًا، وعدمها مطلقًا لا يتوضأ به إلا للضرورة كما ذكرناه عن سعيد بن المسيب وأبي العالية لا يغتسل به ولم يذكر الوضوء كما رواه ابن (٣) أبي شيبة، عن أبي هريرة. وحكى القاضي أبو (٤) الوليد الباجي عن القاضي أبي (٥) الحسن في القول المحكي عن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو إنكاره أن يكون ذلك قولًا لأحدهما، وكذا قال ابن (٦) عبد البر: إنه لا يصح عنهما وعامة العلماء على خلافه (٧). قلت: أما المحكي عن أبي هريرة فجدير بأن يقال في مثله ذلك لأمرين: • أحدهما: أنه راوي حديث "هو الطهور ماؤه" فكيف يخالف فتياه روايته في هذا بعد.

стр. 652

• الثاني: أنه منقطع بين يحيى بن أبي كثير وأبي هريرة؛ قال فيه عن رجل من الأنصار (١) ولا يدري من هو. وأما الإسناد المذكور إلى عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو الذي سقناه عن أبي (٢) بكر بن أبي شيبة فصحيح ولكن لعلهما لم يبلغهما الخبر في ذلك عن النبي ﷺ ، وعقبة (٣) بن صهبان الراوي عن ابن عمر وثقه العجليّ (٤) وابن (٥) سعد، وأخرج الشيخان (٦) حديثه. وأبو (٧) أيوب الراوي عن عبد الله بن عمرو أخرج له الجماعة إلا الترمذي (٨) واسمه يحيى بن مالك المراغي بضم الميم، والغين المعجمة بطن من الأزد (٩)، ووجد عن ابن طاهر بفتحها (١٠) وبالفتح قيده الرشاطي.

стр. 653

وأما (١) قول ابن عمرو في البحر إنه نار، فقيل: باعتبار أنه يصير يوم القيامة نارًا؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾؛ وقال: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾؛ فوصفه بما يؤول إليه حاله، وذلك من كلام العرب معروف (٢). الثاني: أنه أراد أن البحر في إهلاكه لراكبه؛ كالنار في الصفة؛ كما يقال (٣): السلطان نار؛ أي فعله فعل يهلك كفعل النار. وأما القول المحكي عن سعيد بن المسيب أنه لا يتطهر به إلا عند الضرورة، فقد أشار بعضهم إلى تعلقه بهذا الحديث بناء على أحد القولين في الأصول في العام الوارد على سبب (٤). قال القشيري (٥): وقد أشار بعض فقهاء المالكية المتأخرين إلى تصحيح قول سعيد بن المسيب أنه إنما يتوضأ به إذ ألجئ إليه من هذا الحديث لأنه ورد جوابًا عن قوله: إن توضأنا به عطشنا، وأجاب بأن حمله على المسألة الأصولية أن المرجح عند الأكثرين القول بالعموم (٦)، وقال: إنما يلزم ذلك الشافعي الذي يختار تخصيص العام بسببه (٧). وذكر شيخنا الإِمام أبو (٨) الفتح القشيري ﵀ في الكلام على فوائد هذا

стр. 654

الحديث؛ قال: ذكر بعض الباحثين المتعلقين بعلم المعقول ما تحصيله وتقرير معناه: الفرق بين مطلق الماء والماء المطلق فالحكم المعلق بمطلق الماء يترتب على حصول الحقيقة من غير قيد والمرتب على الماء المطلق مرتب على الحقيقة يفيد الإطلاق، والإطلاق بالتفسير الفقهي قيد من القيود اللاحقة بالحقيقة، ولا يلزم من حصول الحكم على مطلق الحقيقة توقفه على الحقيقة المقيدة، وهذا معنى صحيح؛ إلا أن الفقهاء يرون أن الأمر المرتب على الماء يقتضي العرف أن يكون مرتبًا عليه بوصف الإطلاق بدليل أنه لو قال لعبده أو لوكيله: ائتني بماء، فأتاه بماء ليس بمطلق بالتفسير الفقهي لم يعد ممتثلًا، فيكون أخذ هذا القيد من أمر عرفي في إطلاق الاستعمال لا من تعليق الحكم بمطلق الماء (١) (٢) فمن يجوز الطهور بالماء المتغير -بما يستغنى عنه (٣) وتمسك بحصول مطلق الماء فيه ورأى أن الحكم إنما تعلق به- أمكنه أن يستدل بهذا الحديث على هذه المسألة (٤). وقال القاضي أبو (٥) بكر بن العربي: قوله: الحل ميتته زيادة على الجواب، وذلك من محاسن الفتوى بأن يأتي بأكثر مما يسأل عنه تتميمًا للفائدة وإفادة لعلم آخر غير المسؤول عنه (٥). وقد يؤكد هذا بظهور الحاجة إلى هذا الحكم لأن من توقف في طهورية ماء البحر فهو عن العلم بحل ميتته مع تقدم تحريم الميتة أشد توقفا، فالسؤال

стр. 655

عن الحكم الأول يظهر الحاجة إلى معرفة الحكم الثاني (١). وقال الخطابي (٢): وفيه أن العالم والمفتي إذا سئل عن شيء فأجاب (٣) عنه وهو يعلم أن بالسائل حاجة إلى ما وراءه من الأمور التي تتضمنها مسألته أو تتصل بمسألته، كان مستحبًا له تعليمه إياه والزيادة في الجواب عن مسألته؛ وذلك أنهم سألوه عن ماء البحر (٤)، فأجابهم عن مائه وطعامه لعلمه بأنه يعوزهم الزاد في البحر كما يعوزهم الماء العذب فلما جمعتهما الحاجة منهم انتظمهما الجواب منه لهم (٥). وقوله: هو الطهور ماؤه الحل ميتته؛ عامان وليسا في مرتبة واحدة فقد قيل لا خلاف في العموم في حل ميتته, لأنه عام مبتدأ لا في معرض الجواب وليس الأول كذلك إذ هو في معرض الجواب من مسؤول عنه. والثاني ورد مبتدأ بطريق الاستقلال فلا خلاف في عمومه عند القائلين بالعموم (٦) ولو قيل في الأول إن السؤال وقع عن الوضوء وكون مائه طهورًا يفيد الوضوء وغيره فهو أعم من المسؤول عنه لكان له وجه (٧). ولفظ الميتة مضاف إلى البحر ولا يجوز أن يحمل على مطلق ما يجوز إضافته إليه مما يطلق عليه اسم الميتة، وإن كانت الإضافة سائغة في ذلك بحكم اللغة وإنما هو في حيوان فعليه بيان أنه من دواب البحر بعد تقرير أن المعنى بالميتة ميتة دوابه لا

стр. 656

مطلق الميتة مما يمكن إضافته إليه والظاهر أن هذه الأشياء لا يخرجها عن كونها بحرية طول حياتها في البحر بعد أن تكون منسوبة إلى البحر، وهذا يحرك إلى النظر في معنى دواب البحر؛ فالمنقول عن ابن (١) القاسم صاحب مالك رحمهما الله أن ما كان مأواه في الماء فإنه يؤكل بغير ذكاة، وإن كان يرعى في البر، وما كان مأواه ومستقره في البر فإنه لا يؤكل إلا بذكاة، ولو كان يعيش في الماء (٢)؛ كالجاموس، وفي "المدونة" (٣): في فرس (٤) البحر يؤكل بغير ذكاة وفي كتاب آخر تستحب ذكاته لأن له في البر رعيًا ولا خلاف في أن طير الماء لا يؤكل إلا بذكاة (٥)، واختلفوا في إباحة أكل السمك (٦) الطافي والذي ذكره الحنفية (٧) كراهته، ومذهب مالك (٨) والشافعي (٨) رحمهما الله تعالى إباحته وعموم الحديث يقتضيه. وكذلك اختلفوا فيما لا يطلق عليه اسم السمك فالذي ذكره الحنفية (٩) أنه لا يؤكل من حيوان الماء إلا السمك، وبه يقول الشافعي ﵁ في قول؛ وهو

стр. 657

غريب عنه (١)، واختلف قول الشافعي ﵀ في الحيوان البحري الذي له نظير محرم في البر ككلب (٢) الماء وخنزيره (٣)، وهذا يرجع إلى قاعدة التي ذكرناها من تعارض العمومين من وجه دون وجه؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ (٤)؛ الخنزير فهو عام في خنزير البر والبحر. وقوله ﵇: "الحل ميتته" عام في الميتات التي منها الخنزير، فمن قال بتحريمه واستدل بالآية قيل له هي عامة بالنسبة إلى خنزير الماء (٥). ومن قال بإباحته واستدل بالحديث قيل له هو عام بالنسبة إلى خنزير الماء (٦) وقد ترجح هذا بأن العمل على الخنزير البري يسبق الفهم إليه في الاستعمال مع زيادة، وقد يمنع كون البحري خنزيرًا حقيقًا بل هو تشبيه به فإذا قيل بإباحة خنزير الماء وكلبه ففي اشتراط الذبح قولان للشافعي: أحدهما: أنه لا يشترط كالسمك ويستدل بهذا الحديث لهذا القول، ويستدل بما اشتهر بين الفقهاء من حديث: أحلت لي ميتتان ودمان. فالميتتان السمك والجراد، للقول الآخر لما يقتضيه لفظ الخبر من أن المباح من ميتات البحر ميتته ما ينطلق عليه اسم السمك لكنه يشكل عليه حينئذ مذهب عامة الفقهاء في عدم تخصيص الحل بالسمك.

стр. 658

وقد قيل: إن الخلاف في تحريم ما له نظير محرم في البر ينبني على هذا أعني أنه هل يسمى سمكًا أم لا؟ ويؤخذ حل ما عدا السمك من دليل آخر؛ كقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ (١). وقال القشيري (٢): رأيت عن بعض الحنفية أن المتأخرين اختلفوا فيما يعيش في الماء مما ليست له نفس كالضفدع والسرطان والسمك ونحوه، إذا مات في غير الماء كالخل ونحوه هل ينجس أم لا؟ فقال بعضهم: ينجس لأنه مات في غير معدنه، ومنهم من قال: لا ينجس لأنه ليس له دم سائل، قيل هذا قول أبي يوسف ومحمد والأول قول أبي حنيفة، وهذا إنما يتعلق بالحديث من جهة الإضافة التي في ميتته، فإذا حملنا ميتته على دوابه من غير اعتبار موتها فيه جاء القول الثاني: ويشهد له المعنى المستنبط من تعليل عدم نجاستها بعدم النفس السائلة وإن اعتبر في هذه الإضافة موتها جاء فيه القول الأول، ولا شك أن العرب تكتفي في الإضافة بأدنى ملابسة (٣). * * *

стр. 659

٥٣ - باب ما جاء في التشديد في البول حدثنا هناد وقتيبة وأبو كريب؛ قالوا: حدثنا وكيع، عن الأعمش؛ قال: سمعت مجاهدًا يحدث عن طاوس، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ مر على قبرين فقال: "إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير أما هذا فكان لا يستتر من بوله، وأما هذا فكان يمشي بالنميمة". قال: وفي الباب عن أبي هريرة، وأبي موسى، وعبد الرحمن بن حسنة، وزيد، وأبي بكرة. قال: هذا حديث حسن صحيح. وروى منصور هذا الحديث عن مجاهد، عن ابن عباس، ولم يذكر فيه عن طاوس، ورواية الأعمش أصح. قال: وسمعت أبا بكر محمَّد بن أبيان البلخي مستملي وكيع يقول: سمعت وكيعًا يقول: الأعمش أحفظ لإسناد إبراهيم من منصور (١). * الكلام عليه: حديث ابن عباس أخرجه البخاري (٢) ومسلم (٣) وغيرهما ولفظه عند البخاري: مر النبي ﷺ بقبرين فقال: "إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير؛ أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة"، ثم أخذ جريدة رطبة فشقها

стр. 660

نصفين فغرز في كل قبر واحدة، قالوا: يا رسول الله! لم فعلت هذا؟ قال: "لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا". وفي لفظة (١) له: وما يعذبان في كبير ثم قال: بلى كان إحداهما فذكره. وفي لفظ لمسلم (٢): لا يستنزه عن البول أو من البول. وحديث أبي (٣) موسى وعبد الرحمن بن حسنة قال: انطلقت أنا وعمرو بن العاص إلى النبي ﷺ فخرج ومعه دَرَقَة، ثم استتر بها ثم بال، فقلنا: انظروا إليه يبول كما تبول المرأة فسمع ذلك فقال: ألم تعلموا ما لقي صاحب بني إسرائيل؛ كانوا إذا أصابهم البول قطعوا ما أصابه البول منهم فنهاهم فعذب في قبره. قال منصور عن أبي وائل (٣) عن أبي موسى: جلد أحدهم. وقال عاصم عن أبي وائل عن أبي موسى، عن النبي ﷺ جسد أحدهم، رواه الإِمام أحمد (٤) وأبو (٥) داود واللفظ له والنسائي (٦) وابن (٧) ماجه. وروى ابن (٨) أبي شيبة حديث أبي موسى، أنبأنا (٩) غندر عن شعبة، عن منصور؛ قال: سمعت أبا وائل يحدث أن أبا موسى كان يشدد في البول فذكره. وحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أكثر عذاب القبر من البول".

стр. 661

رواه الإِمام أحمد (١)؛ وقال: في البول. ورواه ابن (٢) ماجه. وقال الحافظ أبو (٣) عبد الله محمَّد بن عبد الواحد المقدسي: إسناده حسن. حديث أبي هريرة هذا قال الدارقطني (٤) أسنده الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ وخالفه ابن فضيل فوقفه ويشبه أن يكون الموقوف أصح (٥)، وقال الترمذي (٦) في العلل: سألت محمدا عن حديث مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس: مر النبي ﷺ على قبرين؟ فقال الأعمش يقول: عن مجاهد، عن ابن عباس ولا يذكر فيه طاوس أيهما أصح؟ قال: حديث الأعمش. قلت: فحديث أبي عوانة عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة بهذا كيف هو قال: حديث صحيح وهو غير ذلك الحديث (٦).

стр. 662

وحديث أبي بكرة قال: مر النبي ﷺ بقبرين فقال: "إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فيعذب في البول، وأما الآخر فيعذب في الغيبة"؛ رواه الإِمام أحمد (١) وابن (٢) ماجه وهذا لفظه. وحديث زيد (٣) وفي الباب مما لم يذكره حديث أنس بن مالك وعائشة ﵄. أما حديث أنس فروى الدارقطني (٤) من حديث أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: "تنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه". وأما حديث عائشة فقال ابن (٥) أبي شيبة: ثنا يعلى: ثنا قدامة بن عبد الله

стр. 663

العامري؛ قال: حدثني حمزة (١)؛ قال: حدثتني عائشة؟ قالت: دخلت علي امرأة من اليهود فقالت: إن عذاب القبر من البول، قلت: كذبت، قالت: بلى، إنه ليقرض منه الجلد والثوب؛ قالت: فخرج رسول الله ﷺ إلى الصلاة وقد ارتفعت أصواتنا، فقال: ما هذا؟ فأخبرته، فقال: صدقت. وفيه عن عبادة بن الصامت: سألنا رسول الله ﷺ عن البول، فقال: "إذا مسكم شيء فاغسلوه، فإني أظن أن منه عذاب القبر"، رواه البزار (٢) عن خالد بن يوسف بن خالد، عن أبيه: ثنا عمر بن إسحاق، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن أبيه، عن جده؛ قال: لا نعلمه يروى عن عبادة إلا من هذا الوجه، ولا نعلمه (٣) أن عمر بن إسحاق أسند عن عبادة إلا هذا الحديث، فيه التصريح بإثبات عذاب القبر على ما هو المعروف عند أهل السنة (٤)، واشتهرت به الأخبار منها قوله ﵇: "لولا أن تدافنوا لدعوت أن يسمعكم من عذاب القبر" (٥) واستعاذ به ﵇ في الدعاء المأثور من عذاب القبر.

стр. 664

وروي عن أبي (١) سعيد الخدري، وعن عبد (٢) الله بن مسعود في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾؛ قالا: عذاب القبر. وعن أبي (٣) هريرة نحوه قال: يضيق على الكافر قبره حتى تختلف أضلاعه وهي المعيشة الضنك. وروى زر بن حبيش، عن علي (٤) ﵁، قال: كنا نشك في عذاب القبر، حتى نزلت هذه السورة ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣)﴾، يعني: في القبور.

стр. 665

وعن ابن عباس في الآية نحوه (١). قال أبو (٢) عمر بن عبد البر: الفتنة في القبر لا تكون إلا لمؤمن أو منافق من أهل القبلة ممن حقن الإِسلام دمه (٢)؛ ونحوه عن أبي (٣) عبد الله الترمذي وخالفهما أبو (٤) محمَّد عبد الحق وذكر أن ذلك يعم المؤمنين والمنافقين والكافرين، وأورد في ذلك آثارًا، واختاره القرطبي (٥) في كتاب التذكرة، ونقل الخلاف في هذين المعذبين أيضًا هل كانا من أهل القبلة أو لا (٦)؟ وقال ما معناه إنهما كانا من أهل القبلة فالمرجو لهما بذلك تخفيف العذاب عنهما بذلك مطلقًا وإن كانا كافرين، فالمرجو تخفيف العذاب المتعلق بهذين الذين أعني ترك الاستبراء من البول والنميمة حيث قلت في هذا الثاني بعد. وفي (٧) إضافة عذاب القبر إلى البول خصوصية تخصه دون سائر المعاصي مع أن العذاب بسبب غيره أيضًا، إن أراد الله ذلك في حق بعض عباده؛ وعلى هذا جاء الحديث: "تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه" (٨)، وكذا جاء أيضًا أن بعض من ذكر عنه ضمه أو ضغطه، فسئل أهله فذكروا أنه كان منه تقصير في التطهر (٩).

стр. 666

وقوله: وما يعذبان في كبير؛ يحتمل معنيين، والذي يجب أن يحمل عليه منهما أنهما لا يعذبان في كبير إزالته أو دفعه أو الاحتراز منه، فإنه سهل يسير على من يريد التوقي منه، ولا يراد بذلك أنه صغير من الذنوب غير كبير منها؛ لأنه قد ورد في صحيح الحديث: وإنه لكبير. وقوله: وإنه لكبير يريد كبير الذنب (١). وقوله: وما يعذبان في كبير على سهولة الدفع والاحتراز ويوضحه قول المازري (٢)؛ قوله: وما يعذبان في كبير، ثم ذكر النميمة، وقد تكون من الكبائر، فيحتمل أن يريد به في كبير عليهم تركه، وإن كان كبيرًا عند الله (٢). ولا شك أن النميمة في بعض الأخبار، قال الإِمام (٣): والمنهي عنه على ثلاثة أنحاء: منه ما يشق تركه على الطباع كالملاذ المنهي عنها، ومنه ما ينوء عنه الطبع ولا يدعو إليه كالنهي عن تناول السموم، وإهلاك النفس، ومنه ما لا مشقة على النفس في تركه فهذا القسم مما يقال فيه ليس بكبير على الإنسان تركه (٣). قال القاضي (٤) عياض: وقيل في معنى وما يعذبان في كبير أي عندكم؛ ألا تراه كيف قال بلى في غير كتاب مسلم: أي بلى هو كبير عند الله كما قال: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ (٥) وهذا أظهر في معنى بلى من رده على غير هذا (٦).

стр. 667

وسبب كونهما كبيرين أن عدم التنزه من البول يلزم منه بطلان الصلاة وتركها كبيرة (١)، وأما النميمة فقد يكون في بعض الأحيان لا سيما إذا تكررت فإن لفظة كان في قوله: كان يمشي بالنميمة، يشعر بالدوام والحالة المستمرة وسيأتي لهذا مزيد بيان. وقوله (٢): أما أحدهما؛ فكان لا يستتر من بوله وقد اختلف الرواة في هذه اللفظة على وجوه وهذه اللفظة تحتمل وجهين: أحدهما أن تحمل على حقيقتها من الاستتار عن الأعين فيكون العذاب على كشف العورة. والثاني: وهو الأقرب أن يحمل على المجاز ويكون المراد بالاستتار: التنزه من البول والتوقي منه، أو بعدم ملابسته وإما بالاحتراز عن مفسدة تتعلق به كانتقاض الطهارة. وعبر عن التوقي بالاستتار مجازًا؛ ووجه العلاقة بينهما أن التستر عن الشيء فيه بعد عنه واحتجاب وذلك شبيه بالبعد عن ملابسة البول؛ قاله القشيري (٣). قال (٤): وإنما رجحنا المجاز وإن كان الأصل الحقيقة لوجهين: أحدهما: أنه لو كان العذاب على مجرد كشف العورة؛ كان ذلك سببًا أجنبيًّا مستقلًا عن البول، فإنه حيث حصل الكشف للعورة؛ حصل العذاب المترتب عليه، وإن لم يكن ثم بول، فيبقى تأثير البول بخصوصه مطرحًا عن الاعتبار. والحديث يدل على أنه عذاب القبر بالنسبة إلى البول بخصوصه والحمل على

стр. 668

ما يقتضيه الحديث المصرح بهذه الخصوصية أولى، وأيضًا فإن لفظة (من) لما أضيفت (١) إلى البول وهو لابتداء الغاية حقيقة، أو ما يرجع إلى معنى ابتداء الغاية مجازًا تقتضي نسبة الاستتار الذي عدمه سبب العذاب إلى البول بمعنى أن ابتداء سبب عذابه من البول فإذا حملناه على كشف العورة زال هذا المعنى. الوجه الثاني: أن بعض هذه الروايات في هذه اللفظة يشعر بأن المراد التنزه من البول، وفي رواية وكيع: لا يتوقى، وفي رواية بعضهم: لا يستنزه؛ فتحمل هذه اللفظة على تلك المعاني ليتفق معنى الروايات (٢). فأما النميمة؛ فقال العلماء (٣): نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض على جهة الإفساد بينهم. وقال الغزالي (٤) في الإحياء: اعلم أن النميمة إنما تطلق في الأكثر على من ينم قول الغير إلى المقول فيه؛ كما تقول فلان يتكلم فيك بكذا، قال: وليست النميمة مخصوصة بهذا بل حد النميمة كشف ما يكره كشفه سواء كرهه المنقول عنه أو المنقول إليه، وسواء كان الكشف بالكتابة أو بالرمز أو بالإيماء! فحقيقة النميمة إفشاء السر وهتك الستر عما يكره كشفه ولو رآه يخفي مالًا لنفسه فذكره فهو نميمة؛ قال: وكل من حملت إليه نميمة وقيل له: فلان يقول فيك أو يفعل فيك كذا فعليه ستة أمور: • الأول: أن لا يصدقه؛ لأنه النمام فاسق. • الثاني: أن ينهاه عن ذلك وينصحه ويقبح له قوله فعله.

стр. 669

• الثالث: أن يبغضه في الله تعالى فإنه بغيض عند الله تعالى ويجب بغض من أبغضه الله تعالى. • الرابع: أن لا يظن بأخيه الغائب السوء. • الخامس: أن لا يحمله ما حكي له على التجسس والبحث عن ذلك. • السادس: أن لا يرضى لنفسه مما نهى النمام فلا يحكي نميمته عنه، فيقول: فلان حكى كذا فيصير به نمامًا ويكون آتيًا ما نهى عنه. انتهى كلام الغزالي. وكل (١) هذا المذكور في النميمة إذا لم يكن فيها مصلحة شرعية فإن دعت الحاجة إليها فلا منع منها وذلك كما إذا أخبره بأن إنسانًا يريد الفتك به، أو بأهله أو مسألة، أو أخبر الإِمام أو من له ولاية بأن إنسانًا يفعل ويسعى بما فيه مفسدة ويجب على صاحب الولاية الكشف عن ذلك، وإزالته وكل هذا وما أشبهه ليس بحرام وقد يكون بعضه واجبًا وبعضه مستحبًا على حسب المواطن (٢). وقد جاء في رواية: لا يستنزه من بوله، وفي رواية أخرى: من البول؛ فيؤخذ منه نجاسة الأبوال عامة فيدخل تحت هذا العموم بول ما يؤكل لحمه، وقد خالف أصحاب مالك (٣) في ذلك. قال ابن شاس (٤): في تمييز الأعيان الطاهرة من النجسة كالبول والعذرة، وهما ينجسان من ابن آدم، وقيل: بتخصيص من لم يأكل الطعام من الأدميين بطهارة بوله، وقيل: ذلك في الذكر دون الأنثى، وطاهران من كل حيوان مباح الأكل، نجسان من محرم الأكل، ومكروهان من المكروه أكله وقيل: بل ينجسان منه أيضًا (٤)،

стр. 670

وانفصلوا له عن ذلك بما نذكره. قال أبو (١) العباس القرطبي: وقد تخيل الشافعي في لفظ البدل العموم فتمسك به في نجاسة جميع الأبوال ولو كان بول ما يؤكل لحمه، وقد لا يسلم له أن الاسم المفرد للعموم ولو سلم ذلك فذلك إذا لم يقترن به قرينة عهد، وقد اقترنت به ها هنا, ولئن سلم له ذلك فدليل تخصيصه حديث إباحة شرب أبوال الإبل للعرنيين، وإباحة الصلاة في مرابض الغنم، وطوافه ﵇ على بعير (١)، وفيما قاله نظر ولا ينهض شيء فيما ادعى فيه التخصيص بالتخصيص، وسيأتي لهذه المسألة مزيد بيان في باب ما يؤكل لحمه بعد هذا إن شاء الله تعالى. وفيه ما يدل على أن القليل من البول والكثير منه ومن سائر النجاسات سواء، هذا مذهب مالك وعامة الفقهاء (٢)؛ لم يخصصوا في شيء من ذلك إلا في اليسير من دم الحيض خاصة، واختلف أصحاب مالك (٣) في مقدار اليسير فقيل: قدر الدرهم البغلي فدونه، وقيل: قدر الخنصر، وجعل أبو حنيفة قدر الدرهم من كل نجاسة يعفو عنه قياسًا على العفو عن المجروحين. وقال الثوري (٤): كانوا يرخصون في القليل من البول. ورخص الكوفيون (٥) مثل رؤوس الإبر من البول. وقال مالك والشافعي وأبو ثور: يغسل (٦).
следующие страницы →