← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16599

النفح الشذي شرح جامع الترمذي ط الصميعي

ابن سيد الناس

Полный текст (2 088 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

كانت غير مرة جمعًا بين الأحاديث لما ذكرناه من أن حديث سويد بن النعمان يقتضي الرخصة، وهو متقدم على حديث أبي هريرة كما بينّاه. وحديث أبي هريرة يقتضي الأمر بالوضوء وهو متأخر عن حديث سويد وحديث ابن عباس يقتضي الرخصة فيه، وهو متأخر عن حديث أبي هريرة، وطريق الجمع بينهما أن يكون الرخصة فيه قد تكررت غير مرة، وأن تكون هي الأخيرة التي استقر عليها العمل لتأخر صحبة ابن عباس وروايته. أما حديث سلمة بن سلامة بن وقش الذي تقدم، وزعم راويه أنه من آخر أصحاب رسول الله ﷺ إلا أن يكون أنس، وفيه قوله النبيّ ﷺ وقد توضأ: ألم تكن على وضوء؟ قال: بلى، ولكن الأمور تحدث، وهذا مما حدث. ففي إسناده زيد (١) بن جبيرة. وقال البخاري (٢) فيه: متروك. أخبرنا عبيد بن محمد بن عياش الأشعري الحافظ وغيره: ثنا العقبة أبو المكارم، عن عبد الله بن الحسن بن منصور الدمياطي سماعًا قال: ثنا الحافظ أبو (٣) بكر محمد بن موسى الحازمي قراءة عليه، وأنا أسمع قال: قرأت على محمد بن أبي الأزهر القاضي: أخبرك أحمد بن الحسن الكرجي في كتابه: أنبا أبو علي بن شاذان: أنا دعلج: ثنا محمد بن علي: ثنا سعيد: ثنا فليح بن سليمان قال: سألنا الزهري عما مست النار قال: فأخبرنا في ذلك بأحاديث أمرنا فيها بالوضوء عن أبي هريرة وعمر بن عبد العزيز، وعن خارجة بن زيد وعن سعيد بن خالد وعن عبد الملك بن أبي بكر فقلت: إن ها هنا رجلًا من قريش يقال له عبد الله بن محمد يحدث

стр. 737

عن جابر بن عبد الله: "أن رسول الله ﷺ خرج إلى أهل سعد بن الربيع في نفر من الصحابة فيهم جابر بن عبد الله؛ فأكلنا خبزًا ولحمًا، ثم صلى بنا رسول الله ﷺ فصلينا معه وما مس أحد منا وضوءًا". وانصرفت مع أبي بكر في ولايته من المغرب، فابتغي لنا عشاء؛ فقيل له: ليس هنا إلا هذه الشاة وقد ولدت، فحلبها وطبخ لنا لبإ فأكل وأكلنا معه، ثم خرج إلى المسجد، فصلى بنا وما مس ماء، ولا مسست. وكان عمر بن الخطاب ربما جفن لنا في ولايته: فأكلنا الخبز واللحم فيخرج فيصلي ونصلي معه، وما مس أحد منا وضوءًا. فقال الزهري: وأنا أحدثكم أيضًا إن كنتم تريدونه حدثني جعفر بن عمرو بن أمية الضمري، عن أبيه: "أنه رأى رسول الله ﷺ أكل عضوًا فصلى ولم يتوضأ". فقلنا له: فما بعد هذا؟ فقال: إنه يكون أمر، ويكون بعده الأمر (١). وقال ابن (٢) عبد البر: ثنا أحمد بن قاسم: ثنا محمد بن عيسى: ثنا بكر بن سهل: ثنا عمرو بن عاصم (٣) البيروتي قال: سمعت الأوزاعي يقول: سألت ابن شهاب عن الوضوء مما غيرت النار فقال لي: توضأ، فقلت: عمن؟ فقال لي: عن ابن عمر وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة وزيد بن ثابت، وأنس بن مالك وعائشة وأم سلمة. قلت: فأبو بكر قال: لم يكن يتوضأ، قلت: فعمر؟ قال: لم يكن يتوضأ، قلت: فعثمان قال: لم يكن يتوضأ. قلت: فعليّ؟ قال: لم يكن يتوضأ، قلت: فابن (٤) مسعود؟ قال: لم يكن يتوضأ، قال: فقلت له: أرأيت إن سألتك رجالًا مثل

стр. 738

رجالي؟ فقال: إذًا لأتيتك بهم. وذكر أبو (١) عمر ممن قال بذلك كقول الخلفاء الأربعة، وابن مسعود وعبد الله بن عباس، وعامر (٢) بن سعيد، وأبيّ بن كعب، وأبا الدرداء وأبا أمامة، وقال بذلك من فقهاء الأمصار: مالك فيمن قال بقوله من أهل المدينة وغيرهم، وسفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابه والحسن بن حي، وسائر أهل الكوفة، والأوزاعي في أهل الشام والليث بن سعد والشافعي ومن اتبعه، وأحمد بن حنبل وأبو ثور وإسحاق بن راهويه وأبو عبيد وداود بن علي، ومحمد بن جرير الطبري، وجماعة من أهل الأثر إلا أن أحمد بن حنبل وطائفة من أهل الحديث يقولون: "من أكل لحم الجزور خاصة؛ فعليه الوضوء. وليس ذلك عندهم في شيء مما مسته النار إلا لحم الجزور" (٣). وسيأتي مذهبهم في الباب بعد هذا إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 739

٦٠ - باب ما جاء في الوضوء من لحوم الإبل حدثنا هناد أبو معاوية عن الأعمش عن عبد الله بن عبد الله الرازي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب قال: سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم الإبل، قال: "توضؤوا منها". وسئل عن الوضوء من لحوم الغنم؟ فقال: "لا توضؤوا منها". قال: وفي الباب عن جابر بن سمرة وأسيد بن حضير. قال أبو عيسى: وقد روى الحجاج بن أرطاة هذا الحديث عن عبد الله بن عبد الله، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أسيد بن حضير، والصحيح حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب، وهو قول أحمد وإسحاق. وروى عبيدة الضبي، عن عبد الله الرازي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن ذي الغرة [الجهني]. وروى حماد بن سلمة هذا الحديث عن الحجاج بن أرطاة، وأخطأ فيه وقال: عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه، عن أسيد بن حضير، والصحيح عن عبد الله بن عبد الله الرازي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء، قال إسحاق (١): صحّ في هذا الباب حديثان عن رسول ﷺ . حديث البراء، وحديث جابر بن سمرة. * الكلام عليه: سكت عن حديث البراء فلم يحكم عليه بشيء، وفي إسناده

стр. 740

عبد (١) الله بن عبد الله الرازي قاضي الري: أصله كوفي، روى عن جابر بن سمرة وعبد الرحمن ابن أبي ليلى، وسعيد بن جبير وغيرهم .. روى عنه الأعمش وقال (٢): كان ثقة لا بأس به عندي عنه: وفطر بن خليفة، وحجاج بن أرطاة، والحكم بن عتيبة، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، والقاسم بن الوليد الهمداني، وعبيدة سئل عنه أحمد (٣) فقال: لا أعلم إلا خيرًا. وقال عباد (٤): عن حجاج، وكان ثقة. وقال ابن (٥) المديني: معروف. وقال العجلي (٦): ثقة. روى له أبو داود والترمذي وابن ماجه (٧)، وأخرج هذا الحديث الإمام أحمد (٨)

стр. 741

وأبو (١) داود وابن (٢) ماجه، وقد حكم بصحته الإمام أحمد (٣) وإسحاق (٤)، روى عنهما أنهما قالا: في الباب حديثان صحيحان. حديث البراء وحديث جابر بن سمرة وقال ابن (٥) خزيمة: "لم نر خلافًا بين علماء الحديث أن هذا الخبر صحيح من جهة النقل، لعدالة ناقليه" يعني حديث البراء، وقال أحمد (٦) بعد إخراجه هذا الحديث: عبد الله بن عبد الله الرازي قاضي الريّ ثقة. فأما حديث جابر بن سمرة فأخرجه مسلم (٧) من حديث أشعث بن أبي الشعثاء، كلهم عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر بن سمرة. قال ابن (٨) المديني: جعفر بن أبي ثور رجل مجهول.

стр. 742

وقال الترمذي (١) في كتاب "العلل": أخطأ شعبة في حديث سماك عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر بن سمرة، عن النبي ﷺ في الوضوء من لحوم الإبل فقال: عن سماك، عن أبي ثور، وجعفر بن أبي ثور رجل مشهور روى عنه سماك بن حرب، وعثمان بن عبد الله بن موهب وأشعث بن أبي الشعثاء، وهو من ولد جابر بن سمرة. قال ابن (٢) خزيمة: وهؤلاء الثلاثة من أجلّة رواة الحديث. قال البيهقي (٣): ومن روى عنه مثل هؤلاء الثلاثة خرج من أن يكون مجهولًا. وقد ذكر الحاكم (٤) فيمن روى عنه أيضًا: محمد بن قيس، وحبيب بن أبي ثابت، وقال (٥): أحد مشائخ الكوفة (٦) الذي (٦) اشتهر حديثه (٦) عن جابر بن سمرة، روى عنه وذكر الخمسة الذين ذكرناهم، وقال البخاري (٧) فيما حكى عنه البيهقي (٨): جعفر بن أبي ثور، عن جده جابر بن سمرة، وقال سفيان: وزكريا وزائدة: عن سماك، عن جعفر بن أبي ثور بن جابر، عن جابر، عن النبي ﷺ في اللحوم قال: .... وقال أهل النسب: ولد جابر بن سمرة خالدًا وطلحة ومسلمة ... ". زاد

стр. 743

الحاكم (١) عن البخاري: وهو أبو ثور، وقال الحاكم (٢) عن السراج: سمعت محمد بن إدريس يعني الحنظلي قال: سألت أبا السائب وهو سلم بن جنادة، عن اسم أبي ثور بن جابر؟ فقال: اسمه مسلم بن جابر، ومات جابر بن سمرة عن أربعة خالد بن جابر وأبي ثور مسلم أبو جعفر، وجبير، وجندب فعقب منهم مسلم وخالد، وقد أدخل جعفرًا أبو (٣) حاتم بن حبان في كتاب "الثقات" له، وبعضهم يكنيه أبا ثور، وربما نسبه ابن عكرمة، وأظنّ تقليدًا لشعبة، وقد ردّه الحاكم (٤) أبو أحمد وغيره، وقال موسى (٥) بن هارون: جابر بن سمرة جده لأمه، ظنًّا بظنّه ليس على سبيل الجزم. وقال الحافظ أبو (٦) الحجاج المزّي: قيل: ابن مسلم أو ابن مسلمة، أو ابن عكرمة جده جابر بن سمرة قيل لأبيه وقيل لأمه. قلت: والظاهر من ذلك كلّه أنه جعفر بن أبي ثور مسلم بن جابر كما اختاره الحاكم (٧)، وحكاه عن أبي السائب. وذكره الشيخ أبو (٨) الحسن الدارقطني في "العلل" مرفوعًا من حديث الجماعة بنحو ما ذكرناه، وقال: إن داود بن المحبر خالف فيه أصحاب حماد بن سلمة فقال عنه سماك بن جعفر بن أبي ثور، عن أبيه، عن جده جابر بن سمرة.

стр. 744

وقال شعبة: فيه عن سماك، عن أبي ثور بن عكرمة، عن جده جابر بن سمرة. وقال الوليد بن أبي ثور عن سماك، عن جعفر بن أبي ثور جاء رجل إلى النبي ﷺ مرسل لم يذكر جابر بن سمرة. وقوله (١): وفي الباب حديث أسيد بن حصير يوهم أنّه حديثي البراء وجابر وليس كذلك، هو حديث البراء، خالف الحجاج بن أرطاة فيه الأعمش، عن عبد الله الرازي. فالأعمش يرويه عنه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء. وكذلك رواه الناس عن الأعمش. والحجاج يرويه عن عبد الله بن عبد الله الرازي، عن أبي ليلى، عن أسيد بن حضير. والحجاج ضعيف. وقد نسب الترمذي (٢) الخطأ فيه لحماد بن سلمة، عن حجاج وقال: خالف أصحاب حجاج، وخالف الأعمش وحجاجًا معًا عبيدة الضبي فجعله عن ذي الغرة، عن النبي ﷺ . قال البيهقي (٣): "وليس بشيء، وعبيدة الضبي ليس بالقوي وذو الغرة لا يدرى من هو". وقال أبو (٤) عمر: يقال إن اسم ذي الغرة يعيش جهني، وقيل طائي، وقيل هلالي، وذكر له هذا الحديث فكان الأشبه بالترمذي أن يقول: وفي الباب حديث أسيد بن حضير، وحديث ذي الغرة أولًا بعد حديث واحد منهما، ويجعل ذلك كله خلفًا وقع في حديث البراء كما هو الظاهر.

стр. 745

وفيه من هذا النمط عن سليك الغطفاني، عن النبي ﷺ : روى جابر الجعفي، عن ابن أبي ثابت، عن ابن أبي ليلى، عن سليك الغطفاني، عن النبي ﷺ في الوضوء من لحوم الإبل، ذكر ابن (١) أبي حاتم أنّه سأل أباه عنه بعد ذكر هذه الروايات الثلاث، أعني عن ذي الغرة، وعن أسيد بن حضير، وعن البراء عن الصحيح فقال: ما رواه الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله الرازي، عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى، عن البراء، عن النبيّ ﷺ . والأعمش أحفظ. وفي هذا الباب حديث آخر رواه أحمد (٢) وابن عبدة (٣)، عن يحيى بن كثير، عن عطاء بن السائب، عن محارب بن دثار، عن ابن عمر، عن النبيّ ﷺ قال. "توضؤوا من لحوم الإبل، ولا توضؤوا من لحوم الغنم". قال ابن (٤) أبي حاتم: سمعت أبي يقول: كنت أنكر هذا الحديث لتفرده فوجدت له أصلًا: حدثنا ابن المصفى، عن بقية، قال: حدثنا فلان سماه، عن عطاء بن السائب، عن محارب، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ بنحوه. قال: وحدثني عبيد الله بن سعد الزهري قال: حدثني عمّي يعقوب، عن أبيه، عن ابن إسحاق، حدثني عطاء بن السائب الثقفي: أنّه سمع محارب بن دثار يذكر عن ابن عمر بنحو هذا، ولم يرفعوه.

стр. 746

قال أبي: حديث ابن إسحاق أشبه بموقوف. وقد اختلف العلماء في الوضوء من لحوم الجزور (١)، فقالت طائفة: لا وضوء عنه. وهم الذين ذكرناهم في الباب قبل هذا، القائلون بأن لا وضوء مما مست النار مطلقًا. وقالت طائفة: يتوضأ منه وممّن قال بذلك أحمد (٢) بن حنبل، وإسحاق (٢) بن راهويه، ويحيى (٢) بن يحيى، وأبو بكر بن المنذر، وابن (٣) خزيمة، واختاره الحافظ أبو (٤) بكر البيهقي. قال النووي (٥): وحكى عن أصحاب الحديث مطلقًا، وعن جماعة من الصحابة ﵃. وقال ابن القاص: إن لحم الجزور ينقض الوضوء، وليس قاله النووي: ويعني في مذهب الشافعي يعني الجديد، والقول بذلك هو قديم المذهب. قال أبو (٦) بكر بن أبي شيبة: ثنا ابن (٧) عائشة، عن محمد (٧) بن حميد، عن أبي العالية: أنَّ أبا موسى نحر جزورًا فأطعم أصحابه، ثم قاموا يصلون بغير طهور، فنهاهم عن ذلك ... الحديث. واختلف القائلون بالوضوء منه: * فمنهم من قال: لا يتوضأ منه إلا أن مسته النار وهم الأكثرون.

стр. 747

* ومنهم من قال: يتوضأ من أكله بكل حال سواء مسته النار أو لم تمسه، وإلى الثاني ذهب أحمد وهو القديم من قول الشافعي. فأما من قال: لا وضوء من لم الجزور، فتمسك بحديث جابر بن عبد الله: كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار، وما في معناه من الأحاديث السابقة في الباب. قال أبو (١) عمر: وأما مالك والشافعي وأبو حنيفة والثوري والليث والأوزاعي فكلّهم لا يرون في شيء مما مسته النار وضوء على من أكله، وسواء عندهم لحم الإبل في ذلك وغير الإبل. لأن في الأحاديث الثابتة: أنّ رسول الله ﷺ أكل خبزًا ولحمًا، وأكل كتفًا، ونحو هذا كثير: ولم يخص لم الجزور من غيره، وصلى ولم يتوضأ، وهذا ناسخ رافع عندهم لما عارضه (٢). ثم ذكر (٣) عن حماد بن زيد قال: سمعت أيوب يقول لعثمان البتي: "إذا سمعت أبدًا اختلافًا عن النبيّ ﷺ ، أو بلغك فانظر ما كان عليه أبو بكر وعمر فشدّ به يدلّ" (٣). في آثار كثيرة في معناه، والجواب بأن العمومات في الوضوء تعارضه بالعمومات في ترك الوضوء. وقول جابر: كان آخر الأمرين ترك الوضوء يقابله قول عائشة: كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ : الوضوء مما مست النار. وإن أمكن الترجيح هناك بصحة إسناد، أو عمل صحابي، أو ما أشبه ذلك في أحد الطرفين، وألفينا لأحد العامين على الآخر، فحديث الوضوء من لم الجزور خاص لا معارض له، والخاص مقدّم على العام (٤)، فيعمل به في موضعه ويبقى

стр. 748

الحكم فيما عداه على عمومه، وكذلك قول أيوب لعثمان: إذا بلغك اختلاف عن النبي ﷺ فانظر ما كان عليه أبو بكر وعمر ولا يصلح أن يكون ردًّا على من ذهب إلى الوضوء من لحم الجزور، لأن هذه الخصوصية لم تبلغنا عن النبيّ ﷺ اختلاف فيه. ومن قال: لا يتوضأ منه إلا إذا كان مطبوخًا، فهو عنده مستثنى مما مست النار. ومن قال بالوضوء منه مطلقًا أخذ بعموم قوله: توضأ من لحوم الإبل ونظر أيضًا إلى المعنى وهو ما فيه من مزيد الزهومة التي ذكروها على غيره من اللحم، وهي إذا كانت كذلك، وهو مطبوخ أجدر بأن يكون أقوى قبل الطبخ. واختلف العلماء في غسل اليد قبل الطعام وبعد. قال الشيخ محيي (١) الدين: والأظهر استحبابه أولًا، إلا أن يتيقن نظافة اليد من النجاسة والوسخ واستحبابه بعد الفراغ إلا أن لا يبقى على اليد أثر الطعام بأن كان يابسًا، ولم يمسه بها. ومذهب مالك (٢) ترك ذلك إلا أن يكون في اليد قذر. فإن كان للطعام رائحة كالسمك غسلت اليد بعد، ولا يغسل قبل، وفيه جواز الصلاة في مرابض الغنم، والنهي عنها في مبارك الإبل، وسيأتي في بابه من كتاب الصلاة إن شاء الله تعالى.

стр. 749

٦١ - باب الوضوء من مس الذكر حدثنا إسحاق بن منصور قال: ثنا يحيى بن سعيد القطان عن هشام بن عروة قال: أخبرني أبي، عن بسرة بنت صفوان: أن النبيّ ﷺ قال: "من مسّ ذكره فلا يصل حتى يتوضأ". قال: وفي الباب عن أم حبيبة، وأبي أيوب، وأبي هريرة وأروى بنت أنيس وعائشة وجابر وزيد بن خالد، وعبد الله بن عمرو. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. قال: هكذا روى غير واحد مثل هذا عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن بسرة. وروى أبو أسامة وغير واحد هذا الحديث، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن مروان، عن بسرة، عن النبيّ ﷺ نحوه: حدثنا بذلك إسحاق بن منصور: ثنا أبو أسامة بهذا. وروى هذا الحديث أبو الزناد عن عروة، عن بسرة، عن النبيّ ﷺ . حدثنا بذلك علي بن حجر: ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة، عن بسرة، عن النبيّ ﷺ : نحوه. وهو قول غير واحد من أصحاب النبيّ ﷺ والتابعين، وبه يقول الأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق. قال محمد: أصحّ شيء في هذا الباب حديث بسرة. قال أبو زرعة: حديث أم حبيبة في هذا الباب صحيح، وهو حديث العلاء بن الحارث، عن مكحول، عن عنبسة بن أبي سفيان، عن أم حبيبة. وقال محمد: لم يسمع مكحول من عنبسة بن أبي سفيان، وروى مكحول عن

стр. 750

رجل، عن عنبسة غير هذا الحديث، وكأنه لم ير هذا الحديث صحيحًا (١). * الكلام عليه: رواه الإمام أحمد (٢) وأبو (٣) داود والنسائي (٤) وابن (٥) ماجة، وبسرة هي بنت صفوان بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وهي خالة صفوان بن الحكم، كذا رأيته بخط الدمياطي، وهي عند أبي (٦) عمر جدة عبد الملك بن مروان لأمه عائشة بنت مغيرة بن أبي العاص، وعند الزبير (٧): هي جدة أم عبد الملك. وقال أبو (٨) عمر في "التمهيد": وكانت بسرة خالة عبد الملك وهذا أعلى ما جاء في ذلك، وقد طعن في هذا الحديث (٨) رواه معلولًا، هو وحديث طلق المعارض البخاري، وليس قوله: هو أصح حديث في الباب تصحيحًا له كما سبق، وإنّما مراده هو على علّاته أصح من غيره من أحاديث الباب. وقد اغتر القاضي أبو (٩) بكر بن العربي بهذا العبارة فحكى عن البخاري تصحيحه، وليس كذلك، وقد قال عنه أبو (١٠) عمر: "كل من خرج في الصحيح ذكر حديث بسرة في هذا الباب، وحديث طلق بن علي، إلا البخاري فهما عنده

стр. 751

متعارضان معلولان" (١). ورواه صحيحًا أبو (٢) حاتم بن حبان، وقبله الإمام أحمد (٣) بن حنبل. قال الشيخ أبو (٤) الحسن الدارقطني: ثنا ابن مخلد: ثنا أبو داود السجستاني قال: قلت لأحمد بن حنبل حديث بسرة في مس الذكر ليس بصحيح، قال: "بل هو صحيح، وذلك أن مروان حدثهم عنها، ثم جاءهم الرسول عنها بذلك". وتصحيحه بما سيأتي ذكره أولى من تصحيحه بهذا، لما فيه من الاعتراض بالشرطي الذي هو واسطة بين مروان وبسرة، وكذلك جنح إلى تصحيحه أيضًا الدارقطني (٥)، فإنّه قال (٦) في كلامه على هذا الحديث من طريق هشام بن عروة، فلما اختلف على هشام بن عروة في إسناد هذا الحديث فرواه عنه جماعة من الرفعاء الثقات منهم أيوب السختياني ويحيى القطان، ومن قدمنا ذكره معهما. فرواه عن هشام، عن أبيه، عن بسرة، وخالفهم جماعة من الرفعاء الثقات أيضًا منهم سفيان الثوري وهشام بن حسان، وعبد الله بن إدريس وغيرهم ممن قدمنا ذكره معهم، فرووه عن هشام عن أبيه، عن مروان عن بسرة، فلما ورد هذا الاختلاف

стр. 752

عن هشام أشكل أمر هذا الحديث، وظنّ كثير من الناس من لم يفهم النظر في الاختلاف، أن هذا الخبر غير ثابت لاختلافهم فيه، ولأن الواجب في الحكم أن يكون القول قول من زاد في الإسناد لأنهم ثقات، فزيادتهم مقبولة، فحكم قوم من أهل العلم بضعف الحديث لطعنهم على مروان فلما نظرنا في ذلك، وبحثنا عنه وجدنا جماعة من الثقات الحفاظ منهم شعيب بن إسحاق الدمشقي، وربيعة بن عثمان التيمي، والمنذر بن عبد الله الحراني، وعنبسة بن عبد الواحد الكوفي، وعلي بن مسهر القاضي الكوفي، وحميد بن الأسود، وأبو الأسود البصري، وزهير بن معاوية الجعفي، رووا هذا الحديث عن هشام، عن أبيه، عن مروان، عن بسرة، ذكروا في روايتهم في آخر الحديث أن عروة قال: ثم لقيت بسرة بعد فسألتها عن الحديث فحدثني به عن رسول الله ﷺ ، كما حدثني مروان عنها فدلّ ذلك من رواية هؤلاء النفر على صحة الروايتين الأوليين جميعًا، وزال الاختلاف والحمد لله، وصح الخبر، وثبت أن عروة سمعه من بسرة مشافهة به بعد أن أخبره مروان عنها، وبعد أن أرسله له الشرطي إليها، ومما يقوّي ذلك ويدل على صحته أن هشامًا كان يحدث به مرة عن أبيه، عن مروان، عن بسرة، عن السماع الأول، عن عروة. وكان يحدث به تارة أخرى عن أبيه، عن بسرة على مشافهة عروة لبسرة، وسماعه عنها بعد أن سمعه من مروان عنها، ما قدمنا ذكره من رواية ابن جريج وحماد بن سلمة وزمعة وأبي علقمة الفروي وسعيد الحمصي وابن أبي الزناد ومحمد وهشام بن حسان فإنهم رووه عن هشام، على الوجهين جميعًا، وكان هشام ربما نشط فحدث به على الوجهين جميعًا كما رواه شعيب بن إسحاق، ومن تابعه، انتهى كلام الدارقطني. وفيه قوله: فحكم قوم من أهل العلم بضعف الحديث لطعنهم على مروان، ولم يعرض بعد ذلك لإقرار هذا الطعن، ولا ردّه حتى يعلم رأيه في مروان، وإن كان

стр. 753

الحازمي (١) قال في كلام له: إن صاحبي الصحيح قد احتجا بمروان فمن دونه من رواة هذا الخبر، فليس كما قال، وإنما هو مورد من أفراد البخاري (٢) وممن صححه أيضًا الحاكم (٣) أبو عبد الله بالطرق التي صححه بها الدارقطني التي قدمنا ذكرها، إن جماعة من الحفاظ حدثوا به عن عروة، عن مروان، عن بسرة، وإن عروة لقي بسرة فحدثته به قال: فدل ذلك على صحة الحديث، وكونه على شرط الشيخين، وزال عنه الخلاف. انتهى كلام الحاكم. وهو طريق ابن (٤) حبان أيضًا في "صحيحه". فإنه قال: قد صحّ أن عروة سمعه من بسرة. انتهى. وبعض من قدمنا ذكره ممن رواه عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن مروان، عن بسرة. ثم عن عروة، عن بسرة يقول في روايته: فأنكر ذلك عروة، فسأل بسرة فصدقته، وقد عللت رواية هشام بن عروة هذه بحديث بسرة بما قيل من أن هشامًا لم يسمع هذا الحديث من أبيه عروة فمنهم من يرويه عن هشام بن عروة، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو حزم، عن عروة كذلك، رواه همام، ومنهم من يرويه عن هشام، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عروة كذلك رواه داود العطار، قد أزاح هذه العلة أن الطبراني (٥) روى عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني أبي قال: قال شعبة لم يسمع هشام حديث أبيه في مس الذكر، يعني منه، قال يحيى: فسألت هشامًا فقال: أخبرني أبي، وقد صح سماع هشام من أبيه، كما صح سماع عروة من بسرة ورواه الحاكم (٦) أيضًا من جهة عمرو بن علي عن يحيى بن سعيد، عن هشام

стр. 754

قال: حدثني أبي، وجعل الحاكم رواية داود العطار وهمًا منه، وقال: رواية هشام عن أبي بكر بن محمد بن عمرو أنها لم تأت من وجه معتمد، وقد خرجها الطبراني (١): ثنا علي بن عبد العزيز، عن حجاج بن منهال، عن همام بن يحيى، وهي رواية همام وهؤلاء كلهم موثقون لكنها مرجوحة بمخالفة الجم الغفير إياها عن هشام بن عروة، وإذا صح الحديث بالطرق التي ذكرناها، وبتصحيح من الأئمة الذين ذكرناهم فغير مجد بعد ذلك الطعن فيه بالخلف الواقع في الطرق الخارجة عنه هذه، أو دخول الشرطي في إبلاغه بين عروة وبسرة، أو بين مروان وبسرة، وما أشبه ذلك من الاعتلال، فالضعيف لا يعلّ الصحيح، وقد ثبت استغناء الخبر عن الشرطي المجهول، وعمن أرسل الشرطي الذي طعن به يحيى (٢) بن معين على الحديث، وقد ذكر عنه أنه قال: أي حديث حديث بسرة لولا قابل طلحة في الطريق، ولحديث بسرة طرق كثيرة عن غير هشام بن عروة من جهة مالك والزهري وغيرهما، تركنا ذكرها اختصارًا، وإنما تكلمنا على طريق هشام بن عروة لأنها التي خرجها الترمذي (٣)، وحديث أم حبيبة بنت أبي سفيان رواه ابن (٤) ماجه وغيره من حديث مكحول، عن عنبسة بن أبي سفيان، عن أم حبيبه قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من مسه فرجه فليتوضأ. روي عن الإمام أحمد (٥) أنه قال: حديث أم حبيبة هذا صحيح، وحكى الترمذي (٦) عن أبي زرعة تصحيحه أيضًا، وذكر ابن (٧) أبي حاتم في "المراسيل": أنه

стр. 755

سأل أباه عنه فقال: مكحول لم يسمع من عنبسة شيئًا، وهذا مخالف لما حكى الترمذي (١) عنه، وقد أعلّه غير أبي زرعة بالانقطاع، ذكر ذلك عن يحيى بن معين في خبر سنذكره عند الفراغ من إيراد هذه الأحاديث. قال أبو (٢) عمر: قد صحّ عند أهل العلم سماع مكحول من عنبسة بن أبي سفيان، ذكر ذلك دحيم وغيره. وذكر البيهقي (٣) عن الحاكم (٤) قال: هذا حديث حدث به الإمام أحمد بن حنبل ويحيى (٥) بن معين، وأئمة الحديث عن أبي مسهر، وكان يحيى بن معين يثبت سماع مكحول من عنبسة، فإذا ثبت سماعه منه فهو أصح حديث في الباب. وحديث أبي أيوب عند ابن (٤) ماجه من حديث إسحاق بن أبي فروة عن الزهريّ، عن عبد الله بن عبد القاري، عن أبي أيوب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من مسّ فرجه فليتوضأ". رواه عن سفيان بن وكيع، عن عبد السلام بن حرب، عنه. إسحاق (٦) بن أبي فروة ضعيف عندهم. وأما حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه ليس دونها حجاب فقد وجب عليه الوضوء". فهو مشهور من رواية يزيد

стр. 756

ابن عبد الملك النوفلي، عن المقبري، عنه. رواه الشافعي (١) والبزار (٢) وغيرهما. وقال البزار (٣) في النوفلي: بين الحديث، قال: ولا نعلمه يروى عن أبي هريرة بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه. وقال أحمد (٤): شيخ من أهل المدينة ليس به بأس يعني النوفلي، وذكر هذا الحديث من طريقه البيهقي والحازمي واقتصرا على ما نقل عن أحمد فيه من قوله: ليس به بأس وقد ضعفه غير أحمد. قال أحمد (٥): عنده مناكير. قال أبو العرب: قال لي مالك بن عيسى: يزيد بن عبد الملك النوفلي: ضعيف. وقال النسائي: متروك الحديث. وذكر ابن الجوزي عن أحمد أنه قال: عنده مناكير (٥). قال يحيى والدارقطني: ضعيف. قال البخاري: أحاديث شبه لا شيء، وضعفه جدًّا. وقال أبو (٦) حاتم الرازي: منكر الحديث جدًّا. فالحديث مضعف بالنوفلي إذًا، وقد أعل أيضًا بالانقطاع بين النوفلي وسعيد المقبري، فإنّه ذكر عن يحيى (٧) بن معين أنه قال: سقط بينهما رجل، وقد رواه

стр. 757

عبد الله بن نافع، عن يزيد بن عبد الملك النوفلي، عن أبي موسى الخياط، عن سعيد بن أبي سعيد. ذكر عن البيهقي (١) أنَّه رواه في الخلافيات (١)، كذلك من جهة عبد العزيز بن مقلاص، عن الشافعي، عن عبد الله بن نافع. أبو (٢) موسى هذا: مجهول. قاله يحيى (٣). وعبد (٤) الله بن نافع: هو الصائغ صاحب مالك، أثنى عليه غير واحد من العلماء. وقال أحمد (٥): لم يكن يحفظ الحديث، كان الغالب عليه الرأي، وقد أخبرنا به أبو عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن الصوري: ثنا أسعد بن سعيد بن روح، وعائشة بنت معمر بن الفاخر إجازة، أخبرتنا فاطمة بنت عبد الله الجوزدانية: ثنا أبو بكر بن ريذة: ثنا الطبراني (٦): ثنا أحمد بن عبد الله بن العباس الطائي البغدادي: ثنا أحمد بن سعيد الهمداني: ثنا أصبغ بن الفرج: ثنا عبد الرحمن بن القاسم، عن نافع بن أبي نعيم، ويزيد بن عبد الملك النوفلي، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه ليس دونها حجاب فقد وجب عليه الوضوء". قال الطبراني (٧): لم يروه عن نافع المقرئ إلا عبد الرحمن بن القاسم، وذكر

стр. 758

هذه الطريق أبو (١) عمر بن عبد البر، عن خلف بن القاسم، ثنا سعيد بن عثمان بن السكن، ومحمد بن إبراهيم بن إسحاق السراج قالا: ثنا علي بن أحمد البزار: ثنا أحمد بن سعيد الهمداني فذكره. قال أبو (٢) عمر: "هذا إسناد صالح صحيح إن شاء الله تعالى". وقال ابن (٣) السكن: "هذا الحديث من أجود ما روي في هذا الباب. قال: وأصبغ وابن القاسم ثقتان فقيهان، فصحَ الحديث بنقل العدل عن العدل". انتهى كلامه. وأما نافع (٤) بن أبي نعيم فهو أجود حالًا من النوفلي، وهو وإن كان أحمد (٥) يقول عنه: يؤخذ عنه القرآن وليس في الحديث بشيء، فقد وثقه يحيى (٦). وقال الرازي (٧): صالح الحديث. ورواه الحاكم (٨) أبو عبد الله أيضًا عن طريق أصبغ، عن ابن القاسم، عن المقبري. من غير ذكر للنوفلي، ثم قال الحاكم: "وهذا صحيح، وشاهده الحديث المشهور من طريق النوفلي عن سعيد".

стр. 759

وأما الانقطاع الذي أشرنا إليه فقد قال الشافعي (١) في رواية حرملة، قد سمع يزيد بن عبد الملك من سعيد المقبري، فإذا جمعت إلى كلام الشافعي هذا شهرة، فالحديث من طريق النوفلي عن سعيد بغير واسطة، وقول أحمد في ابن نافع مثبت الواسطة كان الغالب عليه الرأي، ولم يكن الحديث من شأنه، حصل من مجموع ذلك تقوية قول من قال بصحته، كما ذكرناه عن ابن السكن والحاكم، وكما هو مذكور عن ابن حبان أيضًا وله حديث بسرة في الاختلاف على هشام بن عروة. قال الدارقطني (٢) في علل حديث بسرة: وكذلك ما رواه هشام بن زياد أبو المقدام عن هشام، عن أبيه، عن أروى بنت أنيس. ورواه يحيى بن أيوب المصري، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي ﷺ . وكذلك قيل عن الدراوردي. رفعناه جميعًا عن عائشة، عن النبي ﷺ . ولا يصح هذا القول عن هشام، وروى الدارقطني (٣) عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "ويل للذين يمسون فروجهم ثم يصلون ولا يتوضؤون. قلت: بأبي أنت وأمي، هذا للرجال، أفرأيت النساء؟ قال: إذا مست إحداكن فرجها فلتتوضأ للصلاة". رواه من طريق عبد الرحمن بن عبد الله العمري، وقال: هو ضعيف. وحديث جابر، عن النبي ﷺ قال: "إذا مس أحدكم ذكره فعليه الوضوء، رواه ابن (٤) ماجه وأبو (٥) بكر الأثرم.

стр. 760

وقال الحافظ أبو (١) عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي: "لا أعلم بإسناده بأسًا"، وذكره أبو (٢) عمر فقال: "هذا إسناد صالح (٣)، كل مذكور فيه ثقة معروف بالعلم إلا عقبة بن عبد الرحمن، فإنه ليس بالمشهور بالعلم" (٤). وحديث زيد بن خالد: روى ابن (٥) أبي شيبة، عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عروة عن زيد بن خالد الجهني، عن النبي ﷺ أنه قال: "من مس فرجه فليتوضأ". وهو خطأ من ابن إسحاق عند يحيى (٦) بن معين، وعلي (٧) بن المديني. وقد روي من حديث عروة على الشك عن بسرة أو زيد بن خالد. وقد روى على الجمع بينهما من غير شك، وهو من الاختلاف في حديث بسرة كما تقدم في حديث أروى وعائشة. وحديث عبد الله بن عمرو من رواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال لي رسول الله ﷺ : "من مس فرجه فليتوضأ، وأي امرأة مست فرجها فلتتوضأ". رواه الإمام أحمد (٨) والدارقطني (٩). وقال الترمذي (١٠) في "العلل": قال لي محمد: حديث عبد الله بن عمرو، وفي مس الذكر عندي صحيح.

стр. 761

وفي الباب مما لم يذكره عن ابن عمر: أنَّ النبي ﷺ قال: "من مس ذكره فليتوضأ". أخرجه البيهقي (١)، من طريق ابن لهيعة، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﷺ . وقال: ابن لهيعة لا يحتجّ به. وحديث ابن عباس: روى ابن (٢) عدي من جهة الضحاك بن حجوة، عن الهيثم الراسبي، عن ابن بريدة، عن يحيى بن يعمر، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "من مسَ ذكره فليتوضأ". قال: الضحاك بن حجوة منكر الحديث على كل رواياته مناكير إما متنًا أو إسنادًا. وحديث طلق بن علي الحنفي، عن النبي ﷺ قال: "من مسّ فرجه فليتوضأ". قال الطبراني (٣): لم يرو هذا الحديث عن أيوب بن عتبة إلا حماد بن محمد، وأخرجه الحازمي (٤) من طريق الطبراني، وقال: "وهما عندي صحيحان". يعني حديث طلق هذا، والحديث المشهور من طريقه النهي يعارض هذا الآتي في الباب بعد هذا إن شاء الله تعالى. وقد اختلف العلماء (٥) في إيجاب الوضوء من مس الذكر: "فمن روي عنه الإيجاب من الصحابة: عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وأبو أيوب الأنصاري وزيد بن خالد وأبو هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص وجابر وعائشة وأم حبيبة وبسرة بنت صفوان وسعد بن أبي وقاص في إحدى الروايتين وابن عباس في إحدى الروايتين،

стр. 762

ومن التابعين: عروة بن الزبير وسليمان بن يسار وعطاء (١) بن أبي رباح وطاوس (٢) ومجاهد (٢) ومكحول والشعبي وأبان بن عثمان وجابر بن زيد والزهري ومصعب بن سعد ويحيى بن أبي كثير عن رجال من الأنصار، وسعيد بن المسيب في أصحّ الروايتين، هشام بن عروة وطاوس ومجاهد ومكحول والشعبي والحسن (٣) وعكرمة (٣) والأوزاعي وأكثر أهل الشام والشافعي وأحمد وإسحاق، وهو (٤) المشهور من قول مالك أنه كان يوجب منه الوضوء" كذا قال الحازمي (٥)، وسيأتي لذهب مالك في ذلك مزيد بيان، وإليه ذهب الليث (٦) وداود (٦) والطبري (٦). وقال آخرون لا يجب منه الوضوء وسيأتي ذكر من قال ذلك في الباب بعد هذا إن شاء الله تعالى، ومن ذهب إلى الإيجاب ادعى أن حديث طلق بن علي في ترك إيجاب الوضوء منه على تقدير ثبوته منسوخ بأحاديث هذا الباب، وأجود ما قالوه في ذلك أن حديث طلق بن علي كان في أول الأمر عند قدومه، ومسجد النبي ﷺ يبنى كما تبين قوله في بعض طرق حديثه (٧) ذلك: قدمت على النبي ﷺ وهم يبنون المسجد فقال: "يا يمامي أنت أوفق بتخليط الطين". فلدغتني عقرب؛ فرقاني النبي ﷺ (٨). وحديث بسرة وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو كان بعد ذلك لتأخر إسلامهم، فإذا ثبت أن حديث طلق متقدم، وأحاديت المنع متأخرة وجب المصير إليها. قال الحازمي (٩): ثم نظرنا هل نجد أمرًا يؤكد ما صرنا إليه؟

стр. 763

-يعني: من النسخ الذي بيّناه (١) -؟ فوجدنا طلقًا روى حديثًا في النع، فدلّ (٢) ذلك على صحة النقل في إثبات النسخ، وأن طلقًا قد شاهد الحالين، وروى الناسخ والنسوخ (٣)، ثم ذكر (٤) عن طلق الحديث الذي قدمنا ذكره، ثم قال (٥): يشبه أن يكون سمع الحديث الأول من النبي ﷺ قبل هذا، ثم سمع هذا بعد فوافق بسرة، يعني: وما في معناه، فمن روى الأمر بالوضوء فسمع الناسخ والمنسوخ، ثم اختلف هؤلاء القائلون بإيجاب الوضوء فالذي عليه أصحابنا أن لا إذا مسّ بالكف، والمراد بالكف الراحة وبطون الأصابع. وقال أحمد: تنتقض الطهارة سواء مس بظهر الكف، أو ببطنها، لنا قوله ﵇: "إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه ليس دونها حجاب؛ فقد وجب عليه الوضوء" في حديث أبي هريرة الذي قدمناه، وحكينا تصحيح من صححه، والإفضاء في اللغة المس ببطن الكف، كذلك قال الرافعي وفيه نظر من وجهين: الأول: قال ابن سيده: وأفضى فلان بن فلان وصل، فكأنه قال: إذا وصل أحدكم بيده إلى فرجه، والوصول أعم من أن يكون بباطن الكف أو ظاهرها. * الثاني: لو سلم له ما ادعاه لكان حديث: من مس ذكره شاملا للإفضاء وغيره، فلا يصلح حديث الإفضاء أن يكون مخصصًا لحديث: من مس. إذًا الإفضاء فرد من أفراد المسّ، قال أبو (٦) عمر: الشرط في مس الذكر أن لا يكون دونه حائل ولا حجاب، وأن يمس بقصد وإرادة، لأن العرب لا تسمي الفاعل فاعلًا إلا بقصد منه إلى الفعل، وهذه الحقيقة في ذلك،

стр. 764

ومعلوم (١) في القصد إلى المس أن يكون في الأغلب بباطن الكف، وقد روي بمثل هذا المعنى حديث حسن (٢)، وذكر أبي هريرة هذا، والأمر محمول به على الاستحباب عند قوم. قال أبو (٣) عمر: تحصيل مذهب مالك في ذلك أن لا وضوء فيه، لأن الوضوء عنده منه استحباب لا إيجاب؛ بدليل أنه لا يرى الإعادة على من صلى بعد أن مس ذكره إلا في الوقت، وفي سماع أشهب وابن نافع عن مالك: أنه سئل عن الذي يمس ذكره ويصلي أيعيد الصلاة؟ فقال: لا أوجبه أنا، فروجع فقال: يعيد ما كان في الوقت، وإلا فلا. وقال الأوزاعي: إن مس ذكره بساعده فعليه الوضوء، وهو قول عطاء، وبه قال أحمد. وقال الليث: من مس ما بين أليتيه فعليه الوضوء. وقال الليث: من مسّ ذكر البهايم فعليه الوضوء. وقال مالك والليث: إن مسّ ذكره بذراعه وقدمه فلا وضوء عليه. وقال مالك والشافعي والليث: لا يجب الوضوء إلا على من مس ذكره بباطن كفه، وجملة قول مالك وأصحابه: إن مسّ ذكره بظاهر يده، أو بظاهر ذراعيه، أو باطنهما؛ أو مسّ أنثييه أو شيئًا من أرفاغه (٤)، أو غيرها، أو شيئًا من أعضائه سوى الذكر فلا وضوء عليه. ولا على المرأة عندهم وضوء في مسها لفرجها (٥)،

стр. 765

وقد روي عن مالك أن على المرأة الوضوء في مسها فرجها إذا ألطفت (١) أو قبضت والتذت. وكان مكحول وطاوس وسعيد بن جبير وحميد الطويل يقولون: إن مس ذكره غير متعمد فلا وضوء عليه، وبه قال داود. وقال الأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق: عمده وخطؤه في ذلك سواء؛ إذا أفضى بيده إليه، وجملة قول الشافعي في هذا الباب ما ذكره في كتاب الطهارة. قال: وإذا أفضى الرجل إلى ذكره ليس بينه وبينه ستر فقد وجب عليه الوضوء، عامدًا كان أو ساهيًا (٢). والإفضاء باليد: إنما هو بباطنها، كما تقول: أفضى بيده مبايعًا، وأفضى بيديه إلى الأرض ساجدًا، وسواء قليل ما مس من ذكره أو كثيره إذا كان بباطن الكف، وكذلك من مسّ دبره بباطن الكف، أو فرج امرأته، أو ذكر غيره، أو دبره. وسواء مسّ ذلك من حي أو ميت، وحكم المرأة في ذلك كله كالرجل منها ومن غيرها. قال: ومن مس ذكره بباطن كفه على ثوب عامدًا أو ساهيًا، أو مسه بظهر كفه أو ذراعه، عامدًا أو ساهيًا فلا شيء عليه، لقول رسول الله ﷺ : إذا أفضى أحدكم، وكذلك المرأة، قال: وإن مس شيئًا من هذا من بهيمة لم يجب عليه الوضوء من قبل؛ لأن للآدميين حرمه وتعبدًا، قال: ولا شيء عليه في مس أنثييه ورفغيه وأليتيه وفخذيه. قال: وإنما قسنا الفرج بالفرج، وسائر الأعضاء غير باطن الكف قياسًا على الفخذ (٣). قال أبو (٤) عمر: أما قول الشافعي في مس الرجل فرج المرأة، ومس المرأة فرج الرجل، فقد وافقه على ذلك الأوزاعي وأحمد وإسحاق، ووافقه على قوله في مس ذكر الصبي والحي والميت عطاء وأبو ثور، ووافقه على إيجاب الوضوء من مسه الدبر عطاء والزهري، وكان عروة يقول: من مسّ أنثييه فعليه الوضوء.

стр. 766

قال (١): والنظر عندي في هذا الباب: أن الوضوء لا يجب إلا على من مس ذكره أو فرجه قاصدًا مفضيًا، وأما غير ذلك منه، أو من غيره فلا يوجبه الظاهر، والأصل أن الوضوء المجمع (٢) عليه لا ينقض (٣) إلا بإجماع أو سنة ثابتة غير محتملة للتأويل، فلا عيب على القائل يقول الكوفيين لإن إيجابه عن الصحابة؛ لهم فيه ما تقدم في هذا الباب (٤) عليه من الاعتراض. إن قوله لا يجب إلا على من مس ذكره أو فرجه قاصدًا مفضيًا، وأما غير ذلك منه أو من غيره فلا يوجبه الظاهر، ولو كان الحديث المروي في ذلك من مس ذكره أو من أفضى بيده إلى فرجه، أو ما أشبه ذلك فقط لحسن هذا. ولكن قد روي في ذلك ما ذكره البيهقي (٥) قال: ثنا أبو بكر أحمد بن الحسن القاضي: ثنا أبو سهل بن زياد القطان: ثنا أبو يحيى عبد الكريم بن الهيثم: ثنا أبو اليمان: ثنا (٦) شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ، أخبرني عبد الله بن أبي بكر بن حزم: أنه سمع عروة بن الزبير يقول: ذكر مروان بن الحكم في إمارته على المدينة: أنَّه يتوضأ من مس الذكر، إذا أفضى إليه الرجل بيده! فأنكرت ذلك وقلت: لا وضوء على من مسه. يقول (٧) مروان: أخبرتني بسرة بنت صفوان أنها سمعت رسول الله ﷺ يذكر ما يُتَوضأُ منه فقال رسول الله ﷺ : "يُتوضأ من مس الذكر". فقال عروة: فلم أزل أماري مروان حتى دعا رجلًا من حرسه فأرسله إلى بسرة يسألها عما حدثت به من ذلك؛ فأرسلت إليه بسرة بمثل الذي حدث عنها مروان.

стр. 767

وهذه الطريق من أجود طرق هذا الحديث الذي هو أصح أحاديث هذا الباب، أو من أصحها، وقد كان يحيى (١) بن معين يقول: "أصح حديث في مس الذكر حديث مالك عن عبد الله بن أبي بكر، عن عروة، عن مروان، عن بسرة". وكان أحمد (١) بن حنبل يقول نحو ذلك. ولكن لفظه عند مالك (٢): إذا مسّ أحدكم ذكره، وموضع الاحتجاج من هذا الخبر وهو اللفظ الذي خالف فيه شعيب عن الزهريّ مالكًا، وهو قوله: يتوضأ من مس الذكر، لكن هذا الإسناد أيضًا جيد، وقد رواه الطحاوي (٣) من حديث عبد الرزاق: ثنا معمر، عن الزهريّ، عن عروة، عم مروان، عن بسرة. وفيه إرسال الشرطي إلى بسرة. ولفظه قال: "سمعت رسول الله ﷺ يأمر بالوضوء من مس الفرج". هذا أعمّ من الذي قبله. رواه عن أبي بكرة بكار بن قتيبة، عن الحسين بن مهدي، عنه. والصواب فيه: الزهريّ، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرو بن حزم، عن عروة. ويدخل عموم قوله ﵇ من مس الذكر الوضوء، ومن مس الفرج الوضوء. كثير مما ينارع فيه العلماء من ذلك، ولم يبق لقوله: " ... وأما غير ذلك منه أو من غيره فلا يوجبه". الظاهر وجه أصلًا. الثاني: قوله: والأصل أن الوضوء المجتمع عليه لا ينتقض إلا بإجماع أو سنة ثابتة إلى زجره، يقتضي انتقاض الوضوء في بعض صور مس الذكر، وهو ما جاءت به السنة الثابتة، ثم قوله: فلا عيب على القائل يقول الكوفيين لأن إيجابه من الصحابة لهم فيه ما تقدم يقتضي أن لا ينتقض الوضوء بشيء من صور مس الذكر

стр. 768

كما هو مذهب الكوفيين، وأن عدم الانتقاض معلل بعدم انعقاد الإجماع عليه، وهو غير الأول. وقد كان هذا الكلام يقتضي منه الوقوف عند رأي الكوفيين. ورد أحاديث الباب بالوجوه التي ردها به من لم ير الوضوء من مس الذكر، لكنه منها حديث بسرة وحديث أم حبيبة بتصحيحه سماع مكحول من عنبسة. وحديث أبي هريرة بمتابعة نافع بن أبي نعيم، يزيد بن عبد الملك النوفلي وغيرها كما سبق، فهذا تناقض يحتاج إلى الجواب عنه، ذكره قوله تسويته بين المسألتين في الحكم، وهما مختلفتان بالفاء المقتضية للتعليل المودية بأنها من تمامها وكمالها، وليست ولو مس ببطن أصبع زائدة نظر إنْ كانت على استواء الأصابع فهي كالأصلية على أصح الوجهين، وإن لم تكن على استواء الأصابع فلا في أصح الوجهين". "والمس باليد الشلّاء كالمس باليد الصحيحة في أصح الوجهين، وكذا الذكر الأشلّ والصحيح، وحكم فرج المرأة في اللمس حكم الذكر". قال الرافعي: حديث عائشة وذكر الحديث الذي قدمنا ذكره من عند الدارقطني (١)، وفيه قال: إذا مست إحداكن فرجها فلتتوضأ، وقد تقدّم تضعيفه بعبد الرحمن العمري (٢) فلا يصلح الاحتجاج به، وأعلى من ذلك أن يستدل بحديث عبد الله بن عمرو، وفيه: وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ لما فيه من العموم، وهو حديث تقدم تصحيحه عمن صححه من الأئمة، وقد نقلت عن مالك التفرقة قال: لا وضوء فيه، وما سمعته إلا في الذكر، وكذلك قال الرافعي أيضًا: وفي حلقة الدبر وهي ملتقى المنفذ قولان: قال في القديم لا ينتقض الوضوء بمسه، وبه قال مالك لأن

стр. 769

الأخبار وردت في القبل، وهو الذي يقتضي مسه إذا كان على سبيل الشهوة إلى خروج المذي وغيره فأقيم مسه مقام خروج الخارج، بخلاف الدبر. وقال في الجديد: ينتقض لأنه فرج، فينتقض الوضوء بمسه لقوله ﵇: ويل للذين يمسون فروجهم ... " الحديث وهو أيضًا [ذكر] حديث عائشة ولو ذكر حديث أم حبيبة، وعمرو وما في معناها مما صحّ فكان أولى. ومن الأصحاب من جزم بما قاله في الجديد، ونفى الخلاف. وعن أحمد روايتان كالقولين، وفي فرج البهيمة قولان: الجديد: لا أثر لمسه كما لا يجب ستره، ولا يحرم النظر إليه، ولا يتعلق به ختان، ولا استنجاء، لأن لمس إناث البهائم ليس بحدث، فكذلك مس فروجها، وقطع بعضهم بما قاله في الجديد، وفي مس فرج الميت ذكرًا كان أو أنثى وجهان: * أصحهما: أنه كفرج الحي لشمول الاسم وبقاء الحرمة. * والثاني: لا أثر لمسه لزوال الحياة، وخروج لسه عن مظنة الشهوة، وفي فرج الصغير أيضًا وجهان: * أصحهما: أنه كفرج الكبير، ومس محل المحب من المحبوب، هل يؤثر؟ فيه وجهان: - أصحهما: يؤثر لأن مسه مظنة خروج الخارج منه فأشبه الشاخص. - والثاني: لا يؤثر لأنه مس محل الذكر دون الذكر". وأما المس برؤوس الأصابع ففيه وجهان: * أحدهما: أن المس بها كالمس بالراحة لأنها من جنس بشرة الكف، ويعتاد

стр. 770

المس بها بالشهوة وغيرها. * وأظهرها: أنه لا يؤثر اللمس بها لأنها خارجة عن سمت الكف، ولا يعتمد على اللمس بها وحدها، ومن أراد معرفة ما يعرف باللمس من اللين والخشونة، وغيرهما، وفيما بين الأصابع وجهان: وعدم الانتقاض فيه أظهر، وقد نقلوه عن نص الشافعي ﵁. وإن مس الخنثى المشكل فرجه نفسه نظر: فإن مس فرجيه جميعًا انتقض وضوءه لأنه كان رجلًا فقد مس ذكره، وإن كانت امرأة فقد مست فرجها، وإن مس أحدهما لم ينتقض وضوءه لأنه إن مس الذكر فيجوز أن يكون رجلًا وهو ثقبة زائدة، وإن مس أحدهما وصلى الصبح مثلًا، ثم توضأ ومس الآخر، وصلى الظهر ففي المسألة وجهان: * أحدهما: أنه يقضيهما لأن إحدى صلاتيه واقعة مع الحدث. * وأظهرهما: أنه لا يقضي واحدة منهما، لأن كل صلاة مفردة بحكمها، وقد بنى كل واحدة منهما على صحيح، فصار كما لو صلى صلاتين إلى جهتين باجتهادين، وإن مس أحدهما وصلى الصبح، ثم مس الآخر وصلى الظهر، من غير وضوء بينهما أعاد الظهر، لأنه محدث عندها، ومضت الصبح الصحة". ومسائل هذا الباب كثيرة، لا حاجة بنا إلى حصرها ولا استيعابها، وكثير منها في كتب الفقه، فمن أرادها وجدها هناك،

стр. 771

والخبر الذي تقدمت إليه الإشارة عن يحيى (١) بن معين، عند ذكر حديث أم حبيبة إنّه سيأتي عند تمام إيراد تلك الأحاديت هو أن: مضر بن محمد سأل يحيى بن معين عن مس الذكر: أي شيء أصح فيه من الحديث؟ قال يحيى بن معين: لولا حديث مالك (٢) عن عبد الله بن أبي بكر، عن عروة، عن مروان، عن بسرة، فإنه يقول فيه: سمعت. قال سمعت لقلت لا يصح فيه شيء، فقلت له حديث جابر: قال: نعم، رواه ابن أبي ذئب وليس بصحيح. قلت: وحديث أبي هريرة قال: رواه يزيد بن عبد الملك النوفلي، عن سعيد المقبري، وقد أدخلوا بينهما رجلًا مجهولًا. قلت: وحديث زيد بن خالد؟ قال: خطأ أخطأ فيه محمد بن إسحاق. قلت: وحديث ابن عمر؟ قال: الصحيح منه غير مرفوع. قلت: فإن الإمام أبا عبد الله أحمد بن حنبل ﵁ يقول: أصح حديث فيه حديث العلاء عن مكحول، عن عنبسة، عن أم حبيبة (٣) قال: هذا أضعفها. قلت: وكيف؟ قال: مكحول لم يسمع من عنبسة شيئًا؟ ... ذكر هذا الخبر بتمامه شيخنا الحافظ أبو الفتح بن علي القشيري (٤)، وروايته عن أبي (٥) عمر في كتاب "التمهيد" أيضًا قريبًا مما ذكرته.

стр. 772

٦٢ - باب ما جاء في ترك الوضوء من مس الذكر حدثنا هناد: ثنا ملازم بن عمرو، عن عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق بن علي -هو الحنفي-، عن أبيه، عن النبي ﷺ . قال: وهل هو إلا مضغة منه أو بضعة منه. قال: وفي الباب عن أبي أمامة. قال أبو عيسى: وقد رُوي عن غير واحد من أصحاب النبي ﷺ ، وبعض التابعين أنهم لم يروا الوضوء من مس الذكر، وهو قول أهل الكوفة وابن المبارك. وهذا الحديث أحسن شيء روي في هذا الباب، وقد روى هذا الحديث أيوب بن عتبة ومحمد بن جابر، عن قيس بن طلق، عن أبيه. وقد تكلم بعض أهل الحديث في محمد بن جابر، وأيوب بن عتبة وحديث ملازم بن عمرو عن عبد الله بن بدر أحسن وأصح (١). * الكلام عليه: كذا أورده الترمذي مختصرًا، وقد رويناه من طريق أبي (٢) داود، عن مسدد، عن ملازم به قال: قدمنا على النبي ﷺ فجاء رجل كأنه بدوي فقال: يا رسول (٣) الله ما ترى في مس الرجل ذكره بعدما يتوضأ؟ قال: "هل هو إلا مضغة منه، أو بضعة منه".

стр. 773

ورويناه من طريق الدارقطني (١): ثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز: ثنا محمد بن زياد بن فروة البدري (٢) أبو روح: ثنا ملازم بن عمرو به، وفيه خرجنا وفدًا إلى النبيّ ﷺ حتى قدمنا عليه فبايعناه، وصلينا معه، فجاء رجل كأنه بدوي فقال: يا رسول الله: ما ترى في مس الرجل ذكره في الصلاة؟ فقال: "وهل هي إلا بضعة منه، أو مضغة" كذا قال أبو روح. وأما في حديث محمد بن جابر، عن قيس بن طلق عند الدارقطني (٣): أتيت رسول الله ﷺ وهم يؤسسون مسجد المدينة، قال: وهم ينقلون الحجارة قال: فقلت: يا رسول الله! ألا ننقل كما ينقلون قال: لا، ولكن اخلط لهم الطين يا أخا اليمامة، فأنت أعلم به! قال: فجعلت أخلطه وينقلونه. قال ابن (٤) أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عن حديث محمد (٥) بن جابر هذا فقالا: قيس بن طلق ليس هو ممن تقوم به حجة، ووهناه (٦) ولم يثبتاه. ورواه الإمام أحمد (٧) وأخرجه النسائي (٨) وابن (٩) ماجه واختار ابن (١٠) القطان في كلام له أن يكون حسنًا، وذلك أنَّه ذكر كلام ابن (١١) أبي حاتم الذي قدمناه عن

стр. 774

أبيه وأبي زرعة، ثم قال: "وإن كان ابن (١) معين يقول: شيوخ اليمامة كلهم ثقات". فإن هذا التعميم لا يصح القضاء به على من لعله زل عن خاطره وخفي عليه بعض أمره. والحديث مختلف فيه، فينبغي أن يقال فيه حسن (٢)، وقد حسّن الترمذي (٣) من طريقه حديث لا وتران في ليلة، وذكره ابن (٤) حبان من طريق ملازم، وقال في آخره: حديث طلق بن علي خبر صحيح. وقال أبو (٥) عمر: هو حديث يمامي لا يوجد إلا عند أهل اليمامة، إلا أن محمد بن جابر، وأيوب بن عتبة يضعفان، وملازم بن عمرو ثقة، وعلى حديثه عوّل أبو داود والنسائي (٦)، وكل من أخرج (٧) في الصحيح، وهو نحو ما أشار إليه الترمذي. وعبد الله بن بدر وثقه أبو زرعة (٨) وابن معين (٩) والعجلي (١٠) وقيس بن طلق

стр. 775

وثقه يحيى (١) والعجلي (٢) وذكره ابن حبان في كتاب الثقات (٣) وممن صحيح حديثه هذا أبو محمد علي بن أحمد الحافظ. وقال ابن المديني: حديث ملازم هذا أحسن من حديث بسرة. وأما ابن حبان فرد على من قال: ما رواه ثقة عن قيس بن طلق خلا ملازم بن عمرو وأخرجه من طريق عكرمة بن عمار عن قيس بن طلق عن أبيه وهو عند ابن حبان في صحيحه منسوخ بحديث أبي هريرة المذكور في الباب قبله قال: لأن قدوم طلق في السنة الأولى من الهجرة وهم يبنون المسجد كما ذكر وإسلام أبي هريرة في السنة السابعة انتهى (٤). وقال غيره نحو منه كان إسلام عمرو بعد ذلك وإسلام بسرة عام الفتح وقد تقدمت الإشارة إلى هذا في الباب السابق وحديث أبي أمامة: سئل رسول الله صلى عليه وسلم عن مس الذكر فقال: إنما هو جزء منك رواه ابن ماجه من حديث جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة (٥) قال شعبة في جعفر: كان يكذب (٦)، وقال يحيى بن معين: ليس بثقة (٧) وتركه أحمد (٨) والقاسم ضعيف، قال أحمد:
следующие страницы →