← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16599

النفح الشذي شرح جامع الترمذي ط الصميعي

ابن سيد الناس

Полный текст (2 088 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

والخبر الذي تقدمت إليه الإشارة عن يحيى (١) بن معين، عند ذكر حديث أم حبيبة إنّه سيأتي عند تمام إيراد تلك الأحاديت هو أن: مضر بن محمد سأل يحيى بن معين عن مس الذكر: أي شيء أصح فيه من الحديث؟ قال يحيى بن معين: لولا حديث مالك (٢) عن عبد الله بن أبي بكر، عن عروة، عن مروان، عن بسرة، فإنه يقول فيه: سمعت. قال سمعت لقلت لا يصح فيه شيء، فقلت له حديث جابر: قال: نعم، رواه ابن أبي ذئب وليس بصحيح. قلت: وحديث أبي هريرة قال: رواه يزيد بن عبد الملك النوفلي، عن سعيد المقبري، وقد أدخلوا بينهما رجلًا مجهولًا. قلت: وحديث زيد بن خالد؟ قال: خطأ أخطأ فيه محمد بن إسحاق. قلت: وحديث ابن عمر؟ قال: الصحيح منه غير مرفوع. قلت: فإن الإمام أبا عبد الله أحمد بن حنبل ﵁ يقول: أصح حديث فيه حديث العلاء عن مكحول، عن عنبسة، عن أم حبيبة (٣) قال: هذا أضعفها. قلت: وكيف؟ قال: مكحول لم يسمع من عنبسة شيئًا؟ ... ذكر هذا الخبر بتمامه شيخنا الحافظ أبو الفتح بن علي القشيري (٤)، وروايته عن أبي (٥) عمر في كتاب "التمهيد" أيضًا قريبًا مما ذكرته.

стр. 772

٦٢ - باب ما جاء في ترك الوضوء من مس الذكر حدثنا هناد: ثنا ملازم بن عمرو، عن عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق بن علي -هو الحنفي-، عن أبيه، عن النبي ﷺ . قال: وهل هو إلا مضغة منه أو بضعة منه. قال: وفي الباب عن أبي أمامة. قال أبو عيسى: وقد رُوي عن غير واحد من أصحاب النبي ﷺ ، وبعض التابعين أنهم لم يروا الوضوء من مس الذكر، وهو قول أهل الكوفة وابن المبارك. وهذا الحديث أحسن شيء روي في هذا الباب، وقد روى هذا الحديث أيوب بن عتبة ومحمد بن جابر، عن قيس بن طلق، عن أبيه. وقد تكلم بعض أهل الحديث في محمد بن جابر، وأيوب بن عتبة وحديث ملازم بن عمرو عن عبد الله بن بدر أحسن وأصح (١). * الكلام عليه: كذا أورده الترمذي مختصرًا، وقد رويناه من طريق أبي (٢) داود، عن مسدد، عن ملازم به قال: قدمنا على النبي ﷺ فجاء رجل كأنه بدوي فقال: يا رسول (٣) الله ما ترى في مس الرجل ذكره بعدما يتوضأ؟ قال: "هل هو إلا مضغة منه، أو بضعة منه".

стр. 773

ورويناه من طريق الدارقطني (١): ثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز: ثنا محمد بن زياد بن فروة البدري (٢) أبو روح: ثنا ملازم بن عمرو به، وفيه خرجنا وفدًا إلى النبيّ ﷺ حتى قدمنا عليه فبايعناه، وصلينا معه، فجاء رجل كأنه بدوي فقال: يا رسول الله: ما ترى في مس الرجل ذكره في الصلاة؟ فقال: "وهل هي إلا بضعة منه، أو مضغة" كذا قال أبو روح. وأما في حديث محمد بن جابر، عن قيس بن طلق عند الدارقطني (٣): أتيت رسول الله ﷺ وهم يؤسسون مسجد المدينة، قال: وهم ينقلون الحجارة قال: فقلت: يا رسول الله! ألا ننقل كما ينقلون قال: لا، ولكن اخلط لهم الطين يا أخا اليمامة، فأنت أعلم به! قال: فجعلت أخلطه وينقلونه. قال ابن (٤) أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عن حديث محمد (٥) بن جابر هذا فقالا: قيس بن طلق ليس هو ممن تقوم به حجة، ووهناه (٦) ولم يثبتاه. ورواه الإمام أحمد (٧) وأخرجه النسائي (٨) وابن (٩) ماجه واختار ابن (١٠) القطان في كلام له أن يكون حسنًا، وذلك أنَّه ذكر كلام ابن (١١) أبي حاتم الذي قدمناه عن

стр. 774

أبيه وأبي زرعة، ثم قال: "وإن كان ابن (١) معين يقول: شيوخ اليمامة كلهم ثقات". فإن هذا التعميم لا يصح القضاء به على من لعله زل عن خاطره وخفي عليه بعض أمره. والحديث مختلف فيه، فينبغي أن يقال فيه حسن (٢)، وقد حسّن الترمذي (٣) من طريقه حديث لا وتران في ليلة، وذكره ابن (٤) حبان من طريق ملازم، وقال في آخره: حديث طلق بن علي خبر صحيح. وقال أبو (٥) عمر: هو حديث يمامي لا يوجد إلا عند أهل اليمامة، إلا أن محمد بن جابر، وأيوب بن عتبة يضعفان، وملازم بن عمرو ثقة، وعلى حديثه عوّل أبو داود والنسائي (٦)، وكل من أخرج (٧) في الصحيح، وهو نحو ما أشار إليه الترمذي. وعبد الله بن بدر وثقه أبو زرعة (٨) وابن معين (٩) والعجلي (١٠) وقيس بن طلق

стр. 775

وثقه يحيى (١) والعجلي (٢) وذكره ابن حبان في كتاب الثقات (٣) وممن صحيح حديثه هذا أبو محمد علي بن أحمد الحافظ. وقال ابن المديني: حديث ملازم هذا أحسن من حديث بسرة. وأما ابن حبان فرد على من قال: ما رواه ثقة عن قيس بن طلق خلا ملازم بن عمرو وأخرجه من طريق عكرمة بن عمار عن قيس بن طلق عن أبيه وهو عند ابن حبان في صحيحه منسوخ بحديث أبي هريرة المذكور في الباب قبله قال: لأن قدوم طلق في السنة الأولى من الهجرة وهم يبنون المسجد كما ذكر وإسلام أبي هريرة في السنة السابعة انتهى (٤). وقال غيره نحو منه كان إسلام عمرو بعد ذلك وإسلام بسرة عام الفتح وقد تقدمت الإشارة إلى هذا في الباب السابق وحديث أبي أمامة: سئل رسول الله صلى عليه وسلم عن مس الذكر فقال: إنما هو جزء منك رواه ابن ماجه من حديث جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة (٥) قال شعبة في جعفر: كان يكذب (٦)، وقال يحيى بن معين: ليس بثقة (٧) وتركه أحمد (٨) والقاسم ضعيف، قال أحمد:

стр. 776

منكر الحديث (١). "قرأت على الإمام الحافظ بقية السلف أبي محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي رحمه الله تعالى. قلت له: أخبرك الإمام الحافظ أبو الحجاج يوسف بن خليل بن عبد الله الدمشقي قرأت عليه وأنت تسمع بحلب فأقر به، قال؛ ثنا الشيخ السديد أبو ناصر بن محمد بن أبي الفتح الوثري بقراءتي عليه بأصبهان، قال: ثنا أبو القاسم إسماعيل بن أحمد بن الفضل بن الأخشيد السراج، قال: ثنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن عبد الرحيم الكاتب، قال: ثنا الشيخ أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد الدارقطني، قال: ثنا محمد بن الحسن النقاش ثنا عبد الله بن يحيى القاضي السرخسي، ثنا رجاء بن مرجى الحافظ قال: اجتمعنا في مسجد الخيف أنا وأحمد بن حنبل وعلي بن المديني ويحيى بن معين فتناظروا في مس الذكر قال يحيى: يتوضأ منه، وقال علي بن المديني يقول الكوفيين وتقلد قولهم فاحتج يحيى بن معين بحديث بسرة بنت صفوان واحتج علي بن المديني بحديث قيس بن طلق، وقال علي: كيف تتقلد إسناد بسرة ومروان أرسل شرطيًّا حتى رد جوابها إليه فقال يحيى: وقد أكثر الناس في قيس بن طلق فلا يحتج بحديثه، فقال أحمد بن حنبل: كلا الأمرين على ما قلتما فقال يحيى: مالك عن نافع عن ابن عمر توضأ من مس الذكر. فقال علي: كان ابن مسعود يقول: لا يتوضأ منه وإنما هو بضعة من جسدك فقال يحيى: عمن؟ قال: سفيان عن أبي قيس عن هذيل عن عبد الله وإذا اجتمع ابن مسعود وابن عمر واختلفا فابن مسعو أولى أن يتبع فقال له أحمد: نعم ولكن أبو قيس لا يحتج بحديثه. فقال: حدثني أبو نعيم ثنا مسعر عن عمير بن سعيد عن

стр. 777

عمار قال: ما أبالي مسسته أو أنفي قال أحمد: عمار وابن عمر استويا فمن شاء أخذ بهذا ومن شاء أخذ بهذا. وفي الباب مما لم يذكره حديث من جهة عبد الرحمن بن مرثد بن الصلت عن أبيه: أنه وفد على رسول الله ﷺ فسأله عن مس الذكر فقال: إنما هو بضعة منك" (١). وحديث آخر من حديث عصمة بن مالك الخطمي وكان من أصحاب رسول الله ﷺ أن رجلًا قال: يا رسول الله إني احتككت في الصلاة فأصابت يدي فرجي فقال رسول الله ﷺ : وأنا أفعل ذلك، رواه الدارقطني من حديث أحمد بن محمد بن رشدين عن سعيد بن عمير عن الفضل بن المختار عن الصلت بن دينار عن عصمة (٢)، الصلت ضعيف، والمختار مجهول، قال أبو عمر: "وأما الذين لم يروا في مس الذكر وضوءًا فعلي بن أبي طالب وعمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وحذيفة بن اليمان وعمران بن حصين وأبو الدرداء واختلف فيه عن سعد بن أبي وقاص وقد اختلف فيه عن أبي هريرة وسعيد بن المسيب فروى عنهما القولان قال: والأسانيد عن الصحابة في إسقاط الوضوء منه أسانيد صحاح من نقل الثقات، وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن وسفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابه: لا وضوء في مس الذكر" (٣). وقد روينا حديئًا في الباب من طريق البيهقي ولا يثبت. قال البيهقي: ابنا أبو بكر القاضي وأبو سعيد بن أبي عمرو وقالا ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب: ثنا محمد بن إسحاق، ثنا محمد بن عمران حدثني أبي حدثني ابن أبي ليلى عن عيسى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي ليلى قال: كنا عند

стр. 778

النبي ﷺ فجاء الحسن فأقبل يتمرغ عليه فرفع عن قميصه وقبّل زبيبته قال البيهقي: فهذا إسناد غير قوي وليس فيه أنه مسه ثم صلى ولم يتوضأ (١). وأما مس الأنثيين والرفغ بالراء المهملة المضمومة ويقال بالفتوحة أيضًا والفاء الساكنة والغين المعجمة واحد الأرفاغ وهي المغابن من الآباط وأصول الفخدين. فروى الدارقطني: ثنا أحمد بن عبد الله بن محمد الوكيل عن علي بن مسلم عن محمد بن بكر عن عبد الحميد بن جعفر عن هشام بن عروة عن بسرة بنت صفوان قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من مس ذكره أو أنثييه أو رفغه فليتوضأ (٢) ". ورواه الطبراني عن مطين الحضرمي عن علي بن مسلم بإسناده نحوه وزاد وضوءه للصلاة (٣). قال الدارقطني: هكذا رواه عبد الحميد بن جعفر عن هشام ووهم في ذكر الأنثيين والرفغ وإدراجه ذلك في حديث بسرة عن النبي ﷺ ، والمحفوظ أن ذلك من قول عروة غير مرفوع، كذلك رواه الثقات عن هشام منهم أيوب السختياني وحماد بن زيد ثم روى حديث أيوب عن هشام عن أبيه عن بسرة أنها سمعت النبي ﷺ يقول: "من مس ذكره فليتوضأ"، قال: وكان عروة يقول: إذا مس رفغه أو أنثييه أو فرجه فلا يصلي حتى يتوضأ (٤). أما رواية الدارقطني حديث أيوب عن هشام مفصلًا فقد خالفه الطبراني فيها فرواه من حديث أيوب عن هشام بتمامه كرواية عبد الحميد بن جعفر رواه عن عبد الله بن أحمد عن أبي كامل الجحدري عن يزيد بن زريع عن أيوب وقد روى الدارقطني من حديث ابن جريج عن هشام مرفوعًا من جهة بسرة قالت: قال رسول

стр. 779

الله ﷺ : "إذا مس أحدكم ذكره أو أنثييه فلا يصلي حتى يتوضأ" (١) ولم يتكلم عليه، رواه الطبراني (٢) من حديث ابن جريج نحوًا من ذلك. وروى أيضًا عن إسحاق بن داود الصواف عن أحمد بن عبدة الضبي عن محمد بن دينار عن هشام عن أبيه عن بسرة قالت: قال رسول الله ﷺ : "من مس رفغه أو أنثييه، أو ذكره فلا يصلي حتى يتوضأ" (٣) وهذه كلها متابعات لعبد الحميد بن جعفر تقوي روايته. وأما مس الإبط فروى الدارقطني من حديث الحسن بن عروة: ثنا خلف بن خليفة عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن عمر قال: إذا توضأ الرجل ومس إبطه أعاد الوضوء. قال: وثنا خلف بن خليفة عن أبي سنان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ليس عليه إعادة (٤). وقد روى نحو هذا عن ابن عمر وروى أن عمر أمر رجلًا أن يتوضأ من مس الإبط من طريق الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عمر. قال البيهقي: هذا مرسل، ابن عتبة لم يدرك عمر وقد أنكره الزهري وعن يحيى بن سعيد الأنصاري ويزيد بن أبي حبيب والليث ومالك ليس فيه وضوء وهو قول الحسن البصري والحارث العكلي (٥). وقال ابن أبي شيبة: ثنا ابن علية عن عبيد الله بن العيزار عن طلق بن حبيب قال: رأى عمر بن الخطاب رجلًا حك إبطه أو مسه فقال: قم فاغسل

стр. 780

يدك أو تطهر (١). قال: ثنا ابن إدريس عن هشام عن الحسن أنه سئل عن الرجل يمس إبطه أو ينتفه فلم ير به بأسًا إلا أن يدميه (١). وعن أبي أسامة عن ابن عون عن محمد قال: يقولون: من مس إبطه أعاد الوضوء وأنا لا أقول ذلك ولا أدري ما هذا (٢). قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو أنه كان يغسل من نتف الإبط (٢). وأما تنقية الأنف فذكر ابن أبي شيبة: ثنا ابن علية عن ليث عن مجاهد قال: قال عمر من نقى أنفه أو حك إبطه توضأ (٢). أما من قال من الكوفيين وغيرهم بترك الوضوء من مس الذكر فتمسكوا بحديث هذا الباب وعللوا حديث بسرة السابق في الباب قبله بوجوه: ادعاء عدم اشتهار بسرة بنت صفوان، قيل: واختلاف الرواية في نسبها يدل على جهالتها لأن بعضهم يقول هي كنانية وبعضهم يقول أسدية. الثاني: بجهالة الواسطة بين مروان وبسرة وهو الحرسي أو الشرطي كما وقع في الخبر. الثالث: عن يحيى بن معين: أي حديث حديث بسرة لولا قاتل طلحة في الطريق.

стр. 781

الرابع: الاختلاف في طرقه وقد تقدمت الأجوبة عن ذلك. أما بسرة فقد تقدم التعريف بها وقال أبو عمر: من قال إنها كنانية فلم يصنع شيئًا هذا معنى كلامه وقد اتفق مروان وعروة على الرضى بحديثها عندما صح عن عروة والجواب عن الثاني والثالث إنه قد صح سماع عروة من بسرة فسقط التعلق بمروان والحرسي وقد ذكرنا أن مروان مخرج له في الكتب يحتج بروايته عند الأئمة: البخاري وغيره كما ذكرنا وأن عروة رضي قول الحرسي وقبله ورجع إليه. وأما الاختلاف فمتى كان دائرًا بين ثقات لا ينبنى عليه قدح. وقد تبين ذلك وكذلك الأحاديث المذكورة في الباب قبله وقد سبق من الاعتراض عليها والأجوبة ما فيه مغنى وكذلك تعلق الآخرون في الطعن علي حديث طلق بما لا يؤثر وأولى ما قيل في ذلك النسخ بالوجه الذكره أوضعناه. والله الموفق. * * *

стр. 782

٦٣ - باب ما جاء في ترك الوضوء من القبلة حدثنا قتيبة وهناد وأبو كريب وأحمد بن منيع ومحمود بن غيلان وأبو عمار قالوا: ثنا وكيع عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة أن النبي ﷺ قبّل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة قال: قلت: من هي إلا أنت قال: فضحكت. قال أبو عيسى: وقد روى نحو هذا من غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة قالوا: ليس في القبلة وضوء. وقال مالك بن أنس والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق في القبلة وضوء وهو قول غير واحد من أصحاب النبي ﷺ والتابعين وإنما ترك أصحابنا حديث عائشة عن النبي ﷺ في هذا لأنه لا يصح عندهم لحال الإسناد قال: وسمعت أبا بكر العطار البصري يذكر عن علي بن المديني قال: وضعف يحيى القطان هذا الحديث وقال: هو شبه لا شيء. قال: وسمعت محمد بن إسماعيل يضعف هذا الحديث وقال: حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة وقد روى عن إبراهيم التيمي عن عائشة أن النبي ﷺ قبلها ولم يتوضأ، وهذا لا يصح أيضًا ولا يعرف لإبراهيم التيمي سماعًا من عائشة وليس يصح عن النبي ﷺ في الباب شيء (١).

стр. 783

* الكلام عليه: رواه أبو داود (١) وأخرجه أيضًا ابن ماجه (٢) وذكر الدارقطني عن أبي بكر النيسابوري عن عبد الرحمن بن بشير بن الحكم قال: سمعت يحيى بن سعيد وذكر له حدثنا الأعمش (٣) عن حبيب عن عروة قال: أما إن سفيان الثوري كان أعلم الناس بهذا زعم أن حبيبًا لم يسمع من عروة شيئًا (٤) وقال ابن المديني: مثله (٥). أما قول الترمذي: لا يصح عندهم فليس ذلك لضعف رواته فكلهم ثقات معروفون مشهورون وإنما هو عنده قال الانقطاع الذي أشار إليه، وقد قال قوم عروة هذا راويه عن عائشة ليس هو عروة بن الزبير وإنما هو عروة المزني آخر وهو شيخ مجهول. قرئ على أبي الفضل الموصلي وأنا أسمع أخبركم أبو حفص بن طبرزذ قال: ثنا أبو البدر الكرخي: ثنا أبو بكر الخطيب قال: قرأت على أبي عمر القاسم بن جعفر الهاشمي أخبركم أبو علي محمد بن أحمد اللؤلؤي: ثنا أبو داود سليمان بن الأشعث قال: ثنا عثمان بن أبي شيبة: ثنا وكيع: ثنا الأعمش عن حبيب عن عروة عن عائشة: أن النبي ﷺ قبل امرأة من نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ قال عروة: فقلت لها: من هي إلا أنت فضحكت. قال أبو داود: وكذا رواه زائدة وعبد الحميد الحماني عن سليمان الأعمش ثم قال: ثنا إبراهيم بن مخلد الطالقاني، ثنا عبد الرحمن يعني ابن مغراء، ثنا الأعمش، ثنا أصحاب لنا عن عروة المزنىِ عن عائشة بهذا الحديث. قال أبو داود:

стр. 784

قال يحيى بن سعيد القطان لرجل أحك عني أن هذين يعني حديث الأعمش هذا عن حبيب وحديثه بهذا الإسناد في المستحاضة أنها تتوضأ لكل صلاة قال يحيى أحك عني أنها شبه لا شيء (١) فالحديث على هذا مردود عندهم إما بالانقطاع بين حبيب وعروة بن الزبير وإما بالجهالة في عروة المزني فأما الانقطاع بين حبيب وعروة بن الزبير فإن أبا عمر قال: هذا الحديث عندهم معلول وذكر العلتين اللتين ذكرناهما قال: وضعفوا هذا الحديث ودفعوه وصححه الكوفيون وثبتوه لرواية الثقات له من أئمة الحديث وحبيب بن أبي ثابت لا ينكر لقاؤه عروة لروايته عمن هو أكبر من عروة وأجل وأقدم موتًا وهو إمام ثقة من أئمة العلماء الجلة (٢). وقول أبي عمر هذا أفاد إثبات المكان اللقاء وهو مزيل للانقطاع عند الأكثرين وأرفع من هذا قول أبي داود فيما رويناه عنه بالسند المتقدم، قال وقد روى حمزة الزيات عن حبيب عن عروة بن الزبير عن عائشة حديثًا صحيحًا (٣) فهذا أثبت اللقاء فهو مزيل للانقطاع عندهم، وأما الشبهة الثانية في عروة وتفسيره عند قوم بالمزني فقد أزالها ما رواه ابن ماجه: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد قالا: ثنا وكيع عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة بن الزبير عن عائشة الحديث (٤). وقرأت على الحافظ أبي محمد الدمياطي بسنده المذكور في الباب قبله إلى الدارقطني قال: ثنا محمد بن موسى بن سهل البربهاري قال: ثنا محمد بن معاوية بن مالج قال: ثنا علي بن هاشم عن الأعمش ح وثنا القاضي الحسين بن إسماعيل

стр. 785

قال: ثنا أبو هشام الرفاعي ح وثنا أبو بكر النيسابوري: ثنا حاجب بن سليمان ح وثنا سعيد بن محمد الخياط قال ثنا يوسف بن موسى قالوا: ثنا وكيع بن الجراح عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة بن الزبير أن النبي ﷺ قبّل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ (١) الحديث. وهذه أسانيد صحيحة صرحت بعروة وأنه ابن الزبير فإن ثبت أن عروة في ذلك الإسناد هو المزني فهو لا يعارض ما ثبت هنا من كونه ابن الزبير إذ من الجائز أن يكونا معًا روياه عن عائشة وليست رواية المزني معلة لرواية ابن الزبير وقد عضدت هذه الطريق طريق أخرى يمكن أن تكون حسنة رويتا عن الدارقطني بالسند المتقدم قال ثنا أبو بكر النيسابوري: ثنا حاجب بن سليمان: ثنا وكيع عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قبّل رسول الله ﷺ بعض نسائه ثم صلّى ولم يتوضأ ثم ضحكت. قال: تفرد به حاجب عن وكيع ووهم فيه والصواب عن وكيع بهذا الإسناد أن النبي ﷺ كان يقبل وهو صائم. وحاجب لم يكن له كتاب إنما كان يحدث من حفظه انتهى كلام الدارقطني (٢) وهذا إسناد جليل. أما عبد الله بن محمد بن زياد النيسابوري فقال فيه أبو بكر الخطيب كان حافظأ متقنًا عالمًا بالفقه والحديث معًا موثقًا في روايته ثم روى عن البرقاني قال: سمعت الدارقطني يقول: ما رأيت أحفظ من أبي بكر النيسابوري وروى عن السلمي أنه سأل الدارقطني عنه فقال: لم ير مثله في مشائخنا لم ير أحفظ منه للأسانيد

стр. 786

والمتون وكان أفقه المشايخ جالس المزني والربيع وكان يعرف زيادات الألفاظ في المتون، وذكر يوسف بن عمر بن مسرور عنه أنه قال: أعرف من أقام أربعين سنة لم ينم الليل ويتقوت كل يوم بخمس حبات ويصلي صلاة الغداة على طهارة العشاء الآخرة ثم قال: أما هو في خبر ذكره (١). وأما حاجب بن سليمان فروى عنه النسائي وقال: ثقة (٢) مع تشدد النسائي في التوثيق ولم يعارض توثيقه جرح من غيره فيما تعلم ومن فيه بعد حاجب فأعرف من أن يعرف به وحديثه من حفظه لا يخرج عنه اسم الثقة فهو مع التفرد الذي أشار إليه ينبغي أن يكون حسنًا ولولا ذلك لكان صحيحًا، مع أن التفرد على هذا الوجه ليس فيه كبير أمر إذ هو تفرد من وجه لا يلزم منه التفرد كل وجه، وإلا فالحديث له شواهد متعددة وبعضها يمكن أن لا يكون مقصرًا عن هذا ولولا خشية الإطالة لذكرنا جملة منها. وأما حديث إبراهيم التيمي عن عائشة فروينا عن أبي داود بالسند المتقدم أنبأ محمد بن بشار: ثنا يحيى وعبد الرحمن قالا: ثنا سفيان عن أبي روق عن إبراهيم التيمي عن عائشة أن النبي ﷺ قبلها ولم يتوضأ: قال أبو داود: هو مرسل. إبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة (٣). قال الدارقطني: لم يروه عن إبراهيم التيمي غير أبي روق عطية بن الحارث، ولم نعلم حدث عنه غير الثوري وأبي حنيفة واختلفا فيه فأسنده الثوري عن عائشة وأسنده أبو حنيفة عن حفصة وكلاهما أرسله وإبراهيم التيمي لم يسمع من حفصة ﵄ ولا أدرك زمانهما (٤).

стр. 787

قال أبو عمر: هو معلل بالانقطاع لا شك فيه، وفيه أيضًا مع الانقطاع تفرد أبي روق به (١). وقال البيهقي: وأبو روق ليس بقوي ضعفه يحيى بن معين وغيره (٢). وقال أبو عمر أيضًا: لم يروه غير ابن روق وليس فيما تفرد به حجة فصار معللًا بعلتين: الأولى: الإرسال. والثانية: ضعف أبي روق. فأما علة الإرسال فإن الدارقطني ﵀ قال: وقد روى هذا الحديث معاوية بن هشام عن الثوري عن أبي روق عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن عائشة فوصل إسناده وقد اختلف عنه في لفظه فقال عثمان ابن أبي شيبة عنه بهذا الإسناد أن النبي ﷺ كان يقبل وهو صاثم، وقال عنه غير عثمان: أن النبي ﷺ كان يقبل ولا يتوضأ. ومعاوية بن هشام الذي وصل الحديث أخرج له مسلم وبقية الجماعة. وقال الرازي: صدوق (٣). وقال يحيى: صالح، وليس بذلك (٤). وأما التعليل بأبي روق فقال أبو عمر: قال الكوفيون: أبو روق ثقة لم يذكره

стр. 788

أحد بجرحة ومراسيل الثقات عندهم حجة (١). وقال أحمد في أبي روق ليس به بأس (٢). وقال أبو حاتم: صدوق (٣) وليست طريق إبواهيم التيمي في القوة كطريق عروة عن عائشة. وقد اختلف العلماء في الوضوء من القبلة فروى أبو بكر بن أبي شيبة بأسانيده عن ابن عباس (٤) والحسن وعطاء (٤) ومسروق (٤) وأبي جعفر (٤) الهاشمي أنهم كانوا لا يرون في القبلة وضوءًا. وعن ابن عمر أنه كان يوى القبلة من اللمس ويأمر فيها بالوضوء (٥). وعن عبد الله بن مسعود مثله (٥). وسئل الزهريّ فقال: كان العلماء يقولون فيها الوضوء (٥) وعن شعبة عن الحكم وحماد قالا: إن قبَّل أو لمس فعليه الوضوء (٥). وعن الشعبي القبلة تنقض الوضوء (٥). وروى فضيل عن إبراهيم أنه قال لامرأته: إما أني أحمد الله يا هنيدة لولا أني أحدث وضوءًا لقبلتك (٦). ومنهم من فرق بين وجود الشهوة وعدمها فعن النخعي والشعبي إذا قبل

стр. 789

بشهوة نقض الوضوء (١) وهو ظاهر مذهب مالك على ما يأتي تفصيله وروى ابن أبي شيبة عن جرير عن مغيرة عن حماد قال: إذا قبل الرجل امرأته وهي لا تريد ذلك فإنما يجب الوضوء عليه وليس عليها وضوء فإن قبلته هي فإنما يجب الوضوء عليها ولا يجب عليه فإن وجد شهوة فعليه الوضوء وإن قبلها وهي لا تريد ذلك فوجدت شهوة وجب عليها الوضوء (٢). وأما تقبيل الصبي فروى عن ابن عمر من وجوه أنه قبل صبيًّا فمضمض فاه ولم يتوضأ (٢) وروى مغيرة عن إبراهيم أنه قال: تلك رحمة لا وضوء فيه (٢) قال القاضي: أبو بكر بن العربي ﵀ في مسألة القبلة والملامسة وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: قول: لا وضوء من القبلة والملامسة قاله أبو حنيفة وصح عن عمر في القبلة وعن ابن عباس مطلقًا في الملامسة. الثاني: على الملامس الوضوء مطلقًا قاله الشافعي. الثالث: إن التذ بالملامسة وجب عليه الوضوء. قاله مالك وأصحابه في الجملة انتهى (٣). وفي هذه الإطلاقات نظر فأما قوله عن أبي حنيفة لا ينتقض الوضوء بالملامسة مطلقًا والمعروف عن أبي حنيفة أنه إن أنعظ الملامس ينتقض وضوءه. وقال محمد بن الحسن: لا ينقض وضوءه أنعظ أو لم ينعظ إلا أن يخرج منه مذي.

стр. 790

وأما المحكي عن مذهب الشافعي فإن مسائل النقض بالملامسة على ضربين منها ما اتفق الأصحاب عليه ومنها ما اختلفوا فيه كما سيأتي مفصلًا. وأما المحكي عن مالك وأصحابه فالمعروف عن مالك التفرقة بين القبلة والملامسة فيشترط الشهوة في الملامسة دون القبلة وسوى بعض أصحابه بينهما في اشتراط الالتذاد كما يأتي ولنقدم بين يدي المراد الكلام على قوله تعالى: ﴿أو لامستم النساء﴾ فعليه ينبني مسائل هذا الباب. قال الإمام أبو محمد عبد الرحيم بن محمد بن عبد المنعم الخزرجي المعروف بابن الفرس في كتابه في "أحكام القرآن" (١): ﴿أو لامستم﴾ وقرئ: أو لمستم لفظ اللمس في اللغة مشترك يقع على الجماع وعلى جس اليد والقبلة والمباشرة ونحو ذلك وعلى حسب اشتراكه (٢) اختلف العلماء في المراد بملامسة النساء في هذه الآية. فقيل: المراد بها جميع ما يقع عليه من جماع [وقبل] وجس باليد وغير ذلك وهو قول مالك ﵀ وأصحابه، وعلى هذا القول يكون التقبيل واللمس باليد وغيرهما مما سوى الجماع ناقضًا جميعه للوضوء على تقسيم في المذهب، ويجب معه التيمم للصلاة إذا عدم الماء ويكون الجنب من أهل التيمم. وقيل: المراد بالملامسة هنا ما سوى الجماع مما ذكرناه، وعلى هذا القول يخرج الجنب من أهل التيمم وإنما يغتسل الجنب أو يدع الصلاة حتى يجد الماء وهو قول عمر وابن مسعود ﵄ وغيرهما، وحكي عن ابن مسعود أنه رجع عن ذلك وذكر كلامًا في مسألة تيمم الجنب ثم قال: ويكون ما سوى الجماع كما ذكرنا

стр. 791

ناقضًا للوضوء. وقيل: الملامسة هنا الجماع لا غير روي ذلك عن عمر بن الخطاب وهو قول ابن عباس. وروي أن عبيد بن عمير وسعد بن جبير وعطاء اختلفوا في الملامسة فقال سعيد وعطاء هو اللمس والغمز وقال عبيد بن عمير هو النكاح فخرج عليهم ابن عباس وهم كذلك فسألوه وأخبروه بما قالوا فقال: أخطأ الموليان وأصاب العربي هو الجماع ولكن الله تعالى يصف ويكني، وهو محفوظ عن ابن عباس من وجوه كثيرة، روى عنه أنه قال: ما أبالي قبلت امرأتي أو شممت ريحانة وإلى هذا ذهب أهل العراق وحجتهم ما روي عن عائشة وذكر حديث الباب. قالوا: والملامسة لا تكون إلا من اثنين فلا يكون إلا الجماع، وعلى هذا القول يكون الجنب من أهل التيمم ويكون ما سوى الجماع لا ينقض الوضوء فذكر ثلاثة أقوال: الأول: أنه يعم الجماع وما دونه. الثاني: أن المراد به ما دون الجماع وعلى هذين القولين ينتقض الوضوء بالقبلة والملامسة كما سبق. الثالث: أنه يخص الجماع فلا ينقض الوضوء. وقد دعت الضرورة هنا إلى الترجيح فقال القاضي أبو بكر بن العربي ﵀، يشير إليه من ثلاثة أوجه: الأول: أن الحقيقة الإطلاق في اللمس يتناول الجنس باليد والقبلة والجماع فلا يرجع عن هذه الحقيقة إلى الكناية إلا بدليل ظاهر.

стр. 792

الثاني: أن الله تعالى قال: ﴿أو لامستم النساء﴾ في جملة الأحداث ثم قال: ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾ فاقتضى اللفظ الأول لمسًا يوجب الوضوء واقتضى قوله جنبًا شيئًا يوجب الغسل وإلا فكان يكون تكرارًا. وثالثها: أن يجعل القراءتين كالآيتين أو الخبرين فيكون قوله: ﴿أو لامستم﴾ يقتضي نقض الوضوء بالقبلة ومس اليد والجسم للجسم ويكون قوله: ﴿أو لامستم﴾ خبرًا عن الوطء وذكره أيضًا خبرين صحيحين لكن لا حجة لهم فيهما. الأول: حديث عائشة: التمست رسول الله ﷺ في الليل فلم أجده فوقعت يدي على باطن قدميه وهو ساجد ورده بعض أهل العلم بالتفرقة بين اللامس والملموس وباحتمال أن يكون السجود في غير صلاة. والخبر الثاني: من طريق أبي قتادة حمله ﵇ أمامة بنت أبي العاص في الصلاة يضعها إذا سجد ويرفعها إذا قام. ورد بجواز أن يكون اللمس من وراء حائل وردا معًا بأن هذا الخبر والذي قبله ليس فيهما أنهما كانا بعد نزول الآية ناسخة لهما ولما كان الناس عليه من ذلك قبل نزولها. قال ابن الفرس: وإذا قلنا إن اللمس باليد والقبلة والمباشرة داخل تحت قوله: ﴿أو لامستم النساء﴾ فلفظة النساء هاهنا عند مالك محمولة على عمومها في جميع النساء إلا أنه يراعي مع ذلك اللذة إلا في القبلة، وسؤى بعض أصحابه بين اللمس والقبلة في مراعاة اللذة وعند الشافعي محمولة في أشهر قوليه على جميع النساء إلا أنه لم يشترط اللذة وفرق في أحد قوليه بين المحارم وغيرهن واختلف في انتقاض وضوء الملموس. وقال الشافعي في أحد قوليه ينتقض.

стр. 793

وقال أبو حنيفة لا ينتقض وراعى مالك اللذة في انتقاض وضوءه أخذًا بعموم الملامسة؛ لأن كل واحد من الملامسين لامس ملموس (١) وإن لمس غير البشرة كالشعرة والظفر والمس ففيه وجهان: أصحهما لا ينتقض وكذا إن لمس منها عضوًا مبانًا وكذلك مس الصغيرة ففيهما أيضًا وجهان: أصحهما لا ينتقض وفي ذوات المحارم قولان: أصحهما لا ينتقض". قال الرافعي: ولا فرق بين محرمية النسب والرضاع والمصاهرة في اطراد القولين وإن لمس ميتة ففيه وجهان: وفي الملموس قولان أصحهما أنه ينتقض وضوءه لكنهم اختلفوا في الملموس من هو فقيل: المرأة هي الملموسة بكل حال وإن وجد اللمس منهما والرجل لامس. والثاني هو الأصح المشهور: أن اللامس من وجد منه فعل اللمس رجلًا كان أو امرأة والملموس الآخر قال: ويخرج مما ذكرناه قول إن المرأة لا ينتقض وضوؤها وإن لمست ثم لا فرق بين أن يتفق اللمس عمدًا وسهوًا كسائر الأحداث وبين أن يكون بشهوة أو بغير شهوة وحكي وجه أن اللمس إنما ينتقض الوضوء إذا وقع قصدًا. وحكي عن ابن سريج إنه كان ذهب إلى اعتبار الشهوة. قال: وقد حكي عن الشافعي أيضًا ولمس العجوز كغيرها ولمس العضو الأشل الزائد كالصحيح والأصل وفي الصور الثلاث وجه آخر" (٢).

стр. 794

٦٤ - باب ما جاء في الوضوء من القيء والرعاف حدثنا أبو عبيدة بن أبي السفر وإسحاق بن منصور وقال أبو عبيدة: ثنا، وقال إسحاق أبنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثني أبي، عن حسين المعلم، عن يحيى بن أبي كثير، حدثني عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن يعيش بن الوليد المخزومي، عن أبيه، عن معدان بن أبي طلحة، عن أبي الدرداء: أن النبي ﷺ قاء فأفطر، فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فذكرت ذلك فقال: صدق أنا صببت له وضوءه. قال إسحاق: معدان بن طلحة. وابن أبي طلحة أصح. قال أبو عيسى: وروى غير واحد من أهل العلم والتابعين؛ الوضوء من القيء والرعاف، وهو قول سفيان الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق. وقال بعض أهل العلم: ليس في القيء والرعاف وضوء، وهو قول مالك والشافعي. وقد جود حسين المعلم هذا الحديث. وحديث حسين أصح شيء في هذا الباب. وروى معمر هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير فأخطأ فيه، فقال: عن يعيش بن الوليد، عن خالد بن معدان، عن أبي الدرداء، ولم يذكر فيه الأوزاعي، وقال: عن خالد بن معدان وإنما هو معدان بن أبي طلحة.

стр. 795

* الكلام عليه: أخرجه الحافظان أبو محمد بن الجارود (١) وأبو الحسنن الدارقطني من جهة عبد الصمد بن عبد الوارث، ورواه الطبراني وابن مُنده من جهة أبي معمر عن عبد الوارث، وعند ابن منده عن يحيى بن أبي كثير، عن الأوزاعي أن يعيش بن الوليد حدثه: أن أباه قال: حدثني معدان بن أبي طلحة اليعمري، عن أبي الدرداء فذكره. قال ابن منده: هذا إسناد متصل صحيح على رسم النسائي وأبي داود وتركه البخاري ومسلم لاختلاف في إسناده، وأما ما ذكره الترمذي عن معمر فقد روي عنه من وجوه: أحدها: ما ذكره الترمذي ورواه الطبراني من طريقه عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم، عن خالد بن معدان، عن أبي الدرداء، قال: استقاء رسول الله ﷺ فأفطر وأتي بماء فتوضأ، رواه عن الدبري، عن عبد الرزاق عنه. وهذا مخالف لما عند الترمذي عنه. وقد قيل فيه من طريق هشام عن يحيى، عن رجل، عن يعيش. وبعضهم يقول فيه: عن معدان بن طلحة. قال البيهقي: وإسناد هذا الحديث مضطرب، وقد اختلفوا فيه اختلافًا شديدًا (٢).

стр. 796

قال .... والذي به يعلل به على هذا الحديث من جهة الإسناد له أمران: أحدهما: قال ابن حزم في يعيش بن الوليد وأبيه: ليسا مشهورين. الثاني: الاضطراب الذي أشار إليه البيهقي. فأما الأول فإن أحمد بن عبد الله العجلي قال في يعيش: هو شامي ثقة. وقد حكينا عن ابن منده قوله: هذا إسناد صحيح متصل. أما الاضطراب الذي أشار إليه قال رواية من رواه عن يحيى بن أبي كثير، عن رجل، عن يعيش ليست بضارة إذ قد تبين من خارج أن الرجل هو الأوزاعي، ولذلك من قال عن حديث الوليد بن هشام عن معدان وهذا يقول شيبان فهي أيضًا لا تخالف التي قبلها وقد تبين أن الواسطة هو الأوزاعي والاختلاف بين معدان بن طلحة ومعدان بن أبي طلحة صحيح والكل مقول فيه. وأما رواية خالد بن معدان فقد حكم الترمذي أنها غلط فلا تعل الرواية الصحيحة. وقال الأثرم: قلت لأحمد قيل: اضطرب في هذا الحديث فقال حسين المعلم جوده وهذا كما قال الترمذي، وفي كتاب العلل للترمذي أن البخاري هو الذي قال ذلك، قال: سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: حسين المعلم جوده (١). وهذا كلام قد اتفق عليه أحمد والبخاري والترمذي وليس صريحًا في التصحيح ولكنه ترجيح لطريق حسين على غيرها وتنبيه على خلاف طريق حسين من العلل الواقعة في طريق غيره. وبوب الترمذي على القيء والرعاف وليس في حديثه للرعاف ذكر.

стр. 797

وفي الباب مما لم يذكره كحديث عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي فلينصرف فليتوضأ ثم ليبن علي صلاته، وهو في ذلك لا يتكلم". رواه ابن ماجه (١) عن محمد بن يحيى، عن الهيثم بن خارجة، ثنا إسماعيل بن عياش عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة، عن عائشة. ومحمد بن يحيى والهيثم بن خارجة ثقتان. والحديث من رواية إسماعيل بن عياش، عن الحجازيين وهو أحد ما عيب به إسماعيل. ذكره ابن دقيق العيد في الإمام وهو عندهم موقوف غير مرفوع لم يرفعه إلا إسماعيل عن ابن جريج وسليمان (٢). فأما سليمان فليس بشيء مطلقًا وأما إسماعيل فحديثه عن الشاميين مستقيم وعن غيرهم ليس كذلك. وهذا من روايته عن ابن جريج وهو حجازي وقد خالفه فيه .... الحفاظ من أصحاب ابن جريج فلم يرفعه واحد منهم وبهذه الطريقه رده المتقدمون، وقالوا: إن الصحيح فيه الموقوف على من دون النبي ﵇. فيمكن أن يقال قد اختلف على إسماعيل في رفعه ووقفه فمن أصحابه من يرويه عنه موقوفًا ومنهم من يرويه عنه مرفوعًا، ومنهم من جمع بين الطريقين. رواه الدارقطني (٣) من طريق محمد قال: عن إسماعيل بالإسنادين وقال ونحوه.

стр. 798

أيضًا: ثنا أبو بكر النيسابوري، ثنا محمد بن يحيى، ثنا محمد بن الصباح ثنا إسماعيل بن عياش بهذين الإسنادين جميعًا. وممن رواه بالإسنادين ... عن إسماعيل بن عياش: الربيع بن نافع وداود بن رشيد. وإسماعيل مختلف فيه فمن الناس من يوثقه مطلقًا نقل ذلك عن يحيى بن معين وغيره ممن يضعفه وهذا بالتقدير ليس بضعيف بوضع ولا كذب ولا قريب من ذلك وإنما يتقون حديثه عن الحجازيين لانفراده برفع ما لم يرفعه غيره، وما أشبه ذلك من الجرح فيه تقصير في الحفظ عن غيره من المتقنين لحديث الحجازيين ويرون أحاديثه عن الشاميين سالمة من ذلك، وأما هنا فنقول لو كان أصحاب إسماعيل اتفقوا على رفعه عنه .... شبهته الخلل في حفظه عن ابن جريج. ولكن جماعة من الثقات كما ذكرنا رووه عنه مرفوعًا وموقوفًا بالإسنادين معًا، فاقتضى ذلك أنه روى المرفوع والموقوف عن ابن جريج وأنه لم يؤت في ذلك من قبل الوهم وسوء الحفظ. ولو كان سمعه من ابن جريج موقوفًا وتوهم أنه عنده مرفوع فحدث به كذلك على الظن لاستمر على ذلك لكن تحديثه به بالإسنادين مما يدل على حفظ وذكرٍ. فامتنع تعليل الخبر بضعف إسماعيل من هذا الوجه لأن إسماعيل ليس هو عند أحمد من الناس في رتبة من يحدث مما لم يسمع متعمدًا. وحديث سلمان قال: رآني رسول الله ﷺ وقد سال من أنفي دم فقال: "أحدث وضوءًا". رواه الدارقطني (١) من طريق عمرو بن خالد أبي خالد القرشي الواسطي

стр. 799

وقال: متروك. وقال فيه أحمد ويحيى: كذاب. وسأل ابن أبي حاتم أباه عن هذا الحديث فقال: أبو خالد هذا عمرو بن خالد متروك الحديث لا يشتغل بهذا الحديث. وحديث أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: "ليس في القطرة ولا القطرتين من الدم وضوء حتى يكون دمًا سائلًا". رواه الدارقطني (١) من طريق محمد بن الفضل بن عطية، عن أبيه، عن ميمون بن مهران، عن أبي هريرة. ورواه أيضًا من طريق محمد بن الفضل عن أبيه، عن ميمون، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة. ورده بمحمد بن الفضل بن عطية؛ قال: ضعيف. وفي طريقه الأول عند الدارقطني سفيان بن زياد وحجاج بن نصير ثنا محمد بن الفضل؛ قال: سفيان بن زياد وحجاج بن نصير ضعيفان. وحديث ابن عباس؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا رعف أحدكم في صلاته فلينصرف فليغسل عنه الدم ثم ليعد وضوءه ويستقبل صلاته". رواه الدارقطني (٢) من حديث سليمان بن أرقم وقال: هو متروك. وروى أيضًا من طريق عمر (٣) بن رياح ثنا ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن

стр. 800

عباس؛ قال: كان رسول الله ﷺ إذا رعف في صلاته وبنى على ما بقي من صلاته. قال الدارقطني: عمر (١) بن رياح متروك. وحديث ابن عباس أنه قال: إن رسول الله ﷺ قال: "الوضوء مما خرج وليس مما دخل". رواه البيهقي. وحديث الفضل بن المختار، عن ابن أبي ذئب عن شعبة يعني مولى ابن عباس، عن ابن عباس (٢). قال البيهقي: وروي عن علي من قوله، وورد عن النبي ﷺ ولا يثبت في حديث تميم الداري قال: قال رسول الله ﷺ : "الوضوء من كل دم سائل". رواه الدارقطني (٣) من حديث بقية عن يزيد بن خالد، عن يزيد بن محمد، عن عمر بن عبد العزيز. وقال: عمر بن عبد العزيز، لم يسمع من تميم الداري، ويزيد بن خالد ويزيد بن محمد مجهولان. وروي من حديث زيد بن علي، عن أبيه، عن جده؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "القلس حدث". رواه الدارقطني (٤) من حديث سوار بن مصعب، عن زيد، وقال: لم يروه عن زيد غير سوار وسوار متروك. وحديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "من رعف في صلاته

стр. 801

فليرجع فليتوضأ وليبن علي صلاته". رواه الدارقطني (١) من حديث أبي بكر الداهري، عن حجاج عن عطاء بن يزيد، عن أبي سعيد. أبو بكر الداهري قال فيه أحمد بن حنبل وعلي بن المديني: ليس بشيء. وحديث لأبي هريرة سوى ما تقدم، رواه البيهقي (٢) من حديث سهل بن عفان السجزي ثنا الجارود بن يزيد، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "يعاد الوضوء من سبع أقطار: البول والدم السائل والقيء ومن دسعة يُملأ بها الفم والنوم المضطجع وقهقهة الرجل في الصلاة ومن خروج الدم". ويقول سهل بن عفان مجهول والجارود بن يزيد ضعيف في الحديث ولا يصح. وقرأت على الشريف أبي الفتح موسى بن علي بن أبي طالب الحسيني أخبركم أبو الفضل مكرم بن محمد القرشي قراءة عليه وأنت تسمع فأقرّ به قال: ثنا أبو يعلى حمزة بن كدوس، ثنا أبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي، ثنا أبو بكر محمد بن جعفر الميماسي، ثنا أبو بكر محمد بن العباس بن وصيف، ثنا أبو الحسن علي بن الفرج الأزدي، ثنا يحيى بن بكير عن مالك، عن نافع: أن عبد الله بن عمر كان إذا رعف انصرف فتوضأ، ثم رجع فبنى ولم يتكلم. وبه إلى يحيى بن بكير؛ قال: ثنا مالك أنه بلغه: أن عبد الله بن عباس كان يرعف فيخرج فيغسل الدم ثم يرجع ويبني على ما قد صلى.

стр. 802

وبه إلى مالك عن يزيد بن عبد الله بن قسيط أنه رأى سعيد بن المسيب رعف وهو يصلي فأتى حجرة أم سلمة زوج النبي ﷺ فأتي بوضوء فتوضأ ثم رجع فبنى على ما قد صلى. قال مالك: ولم يقل أنه وضوء للصلاة. وبه إلى مالك عن عبد الرحمن بن حرملة الأسلمي أنه قال: رأيت سعيد بن المسيب يرعف فيخرج منه الدم حتى يخضب أصابعه من الدم الذي يخرج من أنفه ثم يصلي ولا يتوضأ. وبه إلى مالك عن عبد الرحمن بن المجبر أنه رأى سالم بن عبد الله يخرج من أنفه الدم فيمسحه بأصابعه ثم يفتله ثم يصلي ولا يتوضأ. قال: وسئل مالك عن دم الذباب فقال: أرى أن يغسله. وفيه الوضوء مما خرج من غير السبيلين من قيء أو رعاف أو ما معنا (١) فيه قد اختلف العلماء في ذلك فذكر ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن الشعبي والحكم قالا: في القلس وضوء. وعن إبراهيم وحماد مثله. وعن عطاء قال: إذا وجدت من الطعام على لسانك فأعد الوضوء. وعن ليث عن عطاء قال: هو حدث. وروى أبو بكر، عن أبي خالد، وليس بالأحمر عن سفيان، عن جابر، عن القاسم وسالم قالا: في القلس وضوء. وممن كان لا يرى فيه وضوءًا: طاوس ومجاهد والحسن.

стр. 803

فقال مجاهد: لا، حتى يكون القيء. وعن الحسن: إذا كان يسيرًا فليس بشيء. وعن حماد: إذا كان في القلس إذا كان يسيرًا فليس فيه وضوء وإذا كان كثيرًا ففيه الوضوء. وقد روي عن عطاء ليس فيه وضوء. وذكر عن هشيم أبنا بن أبي ليلى عن نافع، عن ابن عمر قال: من رعف في صلاته فلينصرف فليتوضأ فإن لم يتكلم بنى على صلاته، وإن تكلم استأنف الصلاة. وذكر عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر قال: إذا رعف الرجل في الصلاة أو ذرعه القيء أو وجد مذيًا فإنه ينصرف فيتوضأ ثم يرجع فيتم ما بقي على ما مضى ما لم يتكلم. وقال الزهري: الرعاف والقيء سواء يتوضأ منهما ويبني ما لم يتكلم. وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج، عن عبد الحميد بن جبير أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: إن رعف في الصلاة فاشدد على منخريك وصلِّ كما أنت فإن خرج من الدم شيء فتوضأ وأتم على ما مضى ما لم تتكلم. قال البيهقي: وروى حجاج بن أرطاة، عن خالد بن سلمة عن محمد بن الحارث أن عمر ﵁ كان يصلي بأصحابه فرعف فقدم رجلًا يصلي بالقوم ثم ذهب يتوضأ ثم رجع فصلى ما بقي من صلاته ولم يتكلم. قال أحمد: هذا مرسل فإن محمد بن الحارث بن أبي ضرار لم يرو عن عمر وحجاج بن أرطاة ضعيف.

стр. 804

وروى الدارقطني من حديث وكيع، عن علي بن صالح وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي؛ قال: إذا وجد أحدكم في بطنه رِزًا أو رعافأ أو قيئًا، فلينصرف فليتوضأ ثم ليبن علي صلاته ما لم يتكلم. وروى نحوه عن ابن مسعود وأبي هريرة. قوله: رِز بكسر الراء المهملة وبعدها زاي مشددة هو الوجع ويقال فيها أيضًا رزيزي مثل خصيصي. وذكر ابن أبي شيبة، ثنا ابن إدريس عن هشام، عن الحسن ومحمد؛ قال: كانا يقولان في الرجل يحتجم يتوضأ ويغسل أثر المحاجم. وذكر من طريق هشام بن عروة عن أبيه مثله. وعن ابن عمر أنه كان إذا احتجم غسل أثر محاجمه. وعن إبراهيم مثله. وقال مكحول: لا يغسل إلا أن يكون عليها دم. وكان القاسم يمسح أثرها. وقد ذهب قوم إلى الاغتسال من الحجامة. قال أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا محمد بن بشر، قال: ثنا زكريا عن مصعب بن شيبة، عن طلق، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة حدثته أن النبي ﷺ قال: يغتسل من الحجامة. رواه أبو داود عن عثمان أخي أبي بكر المذكور، عن محمد بن بشر بسنده إلى عائشة عن النبي ﷺ قال: "يغتسل من أربع: من الجنابة ويوم الجمعة ومن الحجامة ومن غسل الميت".

стр. 805

هذا منسوخ. وقال أيضًا: وحديث مصعب فيه خصال ليس العمل عليهم. وقال البخاري: حديث عائشة في هذا الباب ليس بذاك ضعيف. وقال الإمام أحمد بن حنبل وعلي بن المديني: لا يصح في هذا الباب شيء. وقال محمد بن يحيى: لا أعلم فيمن (غسل ميتًا فليغتسل) حديثًا ثابتًا (١) ولو ثبت لزمنا استعماله. وذكر ابن أبي حاتم أنه سأل عنه أباه وأبا زرعة فقالا: لا يصح فيه شيء فقلت لأبي زرعة: تفرد به مصعب بن شيبة، فقال: نعم. وأعله الأثرم بعلل منها: أنه إنما هو من حديث مصعب بن شيبة. قال: وقد سمعت أبا عبد الله يتكلم فيه فيذكر أن أحاديثه مناكير، وسمعته يتكلم في هذا الحديث بعينه. ومنها أنه صح عن عائشة خلاف هذا القول أنها أنكرت الغسل من غسل الميت فكيف ترويه عن ﷺ وتنكره على من يغسله. ومنها أن عائشة كانت ترخص في غسل الجمعة، وهذا يذكر أن النبي ﷺ أمر به. ومنها الغسل من الحجامة وهذا منكر عن النبي ﵇ لإجماع الأمة على أنه لا يجب في الدم غسل. والجواب عن ذلك: أما مصعب بن شيبة فقد احتج به مسلم والحديث على شرطه.

стр. 806

وقد أخرجه غير واحد من أصحاب الصحيح. رواه أبو بكر بن خزيمة في صحيحه. وأخرجه الحاكم في المستدرك. وصححه أبو حاتم بن حبان. وقال البيهقي: رواة هذا الحديث كلهم ثقات فإن طلق بن حبيب ومصعب بن شيبة قد أخرج مسلم حديثهما في الصحيح. وروى عن أبي كريب، عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن أبيه بهذا الإسناد بعينه: "عشرة من الفطرة". وسائر رواته متفق عليهم. وأما فتيا عائشة بخلافه فليس ذلك علة عند جمهور السلف والحجة عندهم فيما كان كذلك في الرواية لا في الفتيا هذه طريقة الأثرم والإمام أحمد وأكثر العلماء. وإنما أعل السنن بمثل هذا قوم من الكوفيين. ولا يحسن أن يعل هذا بعلة لا تطرد في استعماله. وأما ترخيصها في غسل الجمعة؛ فإن الأحاديث فيه متعددة، وبعضها يقتضي الترخيص، فلعل عندها رواية في ذلك رجعت إليها. وأما قوله في غسل الحجامة لإجماع الأمة على أنه لا يجب، فلا يقتضي ذلك ضعف الحديث لو ثبت على أنه ليس ثابتًا لما نذكره بجواز أن يحمل على الاستحباب.

стр. 807

وقد تبع الأثرم في ذلك الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي رحمهما الله فقال: وكذلك الغسل من الحجامة منكر لأنه لا يجب ولا يستحب إجماعًا؛ فزاد: ولا يستحب وليس كذلك. قال أبو بكر بن أبي شيبة: من قال عليه الغسل، يعني المحتجم. ثنا جرير، عن مغيرة، عن المسيب بن رافع، عن ابن عباس قال لي: الغسل من الحجامة. حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو؛ قال: اغتسل من الحجامة. حدثنا وكيع، عن شعبة، عن الحكم قال: احتجم عندي إبراهيم ومجاهد، فاغتسل مجاهد وغسل إبراهيم موضع المحاجم. حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو أنه كان يغتسل من نتف الإبط. حدثنا المحاربي عن ليث، عن مجاهد، عن علي في الرجل يحتجم، أو يحلق عانته أو ينتف إبطه، قال: يغتسل. حدثنا عبيد الله قال: أبنا إسرائيل عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: إذا احتجم الرجل فليغتسل، ولم يره واجبًا. وهذا القول الأخير عن ابن عباس من استحباب الاغتسال من الحجامة محكي عن بعض أصحاب الشافعي ﵀ قال الرافعي في تعداد الأغسال المستحبة منها: الغسل عن الحجامة والخروج من الحمام. ذكر صاحب التلخيص عن القديم إنه مندوب إليه.

стр. 808

وذكر الضمري في الكفاية: أن الغسل عن الحجامة حسن، والأكثرون أهملوا ذكرهما قال: فإن قلنا بالقديم، قيل: إن المراد من غسل الحمام ما إذا تنور. قال: وعندي أن المراد منه أن يدخل الحمام فيعرق فيستحب أن لا يخرج من غير غسل. انتهى. وقد ورد في الغسل من الحمام عن بعض السلف شيء ذكره ابن أبي شيبة في مصنفه. وقالت طائفة لا وضوء في ذلك ولا غسل واحتجوا بما روى أبو داود في "سننه" من حديث محمد بن إسحاق، ثنا صدقة بن يسار، عن عقيل بن جابر عن جابر، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة ذات الرقاع فأصاب رجل امرأة رجل من المشركين، فحلف أن لا أنتهي حتى أهريق دمًا في أصحاب محمد، فخرج يتبع أثر النبي ﷺ فنزل النبي ﷺ فقال: "من رجل يكلؤنا" فانتدب رجل من المهاجرين وقام رجل من الأنصار، فقال: "كونا بفم الشعب"، قال: فلما خرج الرجلان إلى فم الشعب واضطجع المهاجري، وقام الأنصاري فصلى، وأتى الرجل فلما رأى شخصه عرف أنه ربيئة القوم فرماه بسهم فوضعه فيه، فنزعه، حتى رماه بثلاثة أسهم، ثم ركع وسجد، ثم أنبه صاحبه فلما عرف أنهم قد نذروا به هرب، ولما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدماء، قال: سبحان الله ألا أنبهتني أول ما رمى، قال: كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها. وروى الدارقطني من حديث حميد الطويل عن أنس؛ قال: احتجم رسول الله ﷺ فصلى ولم يتوضأ ولم يزد على غسل محاجمه. في إسناده صالح بن مقاتل قال الدارقطني: ليس بالقوي. وذكر البيهقي هذا الحديث وقال: إلا أن في إسناده ضعفًا.

стр. 809

وروى الدارقطني من حديث أبي أسماء الرحبي: ثنا ثوبان حديثًا فيه: قلت: يا رسول الله أفريضة الوضوء من القيء؟ قال: "لو كان فريضة لوجدته في كتاب الله". في إسناده عتبة بن السكن لم يروه عن الأوزاعي غيره وهو ضعيف. ومن كان لا يرى في الدماء الخارجة من غير المخرجين وضوءًا: طاووس ويحيى بن سعيد الأ نصاري، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وأبو الزناد، وإليه ذهب الشافعي وأبو ثور. وأما مذهب أهل المدينة فقال مالك ﵀: الأمر عندنا أنه لا يتوضأ من رعاف ولا قيح ولا دم يسيل من الجسد، ولا يتوضأ إلا من حدث يخرج من ذكر أو دبر أو نوم. هذا قوله في "موطئه" وعليه جماعة من أصحابه. وكذلك الدم يخرج من الدبر لا وضوء فيه ولا وضوء عنده إلا في المعتادات من ... الخارجة من المخرجين. وقول الشافعي في ذلك كقول مالك إلا ما يخرج من المخرجين: القبل والدبر فإنه عند الشافعي حدث ينقض الوضوء. وسواء كان عنده الخارج من المخرجين دمًا أو ... أو دودًا أو بولًا أو رجيعًا. ومن حجته في ذلك أن دم الاستحاضة إنما وجب فيه الوضوء لأنه خرج من المخرج، وكل ما خرج من سبيل الغائط أو البول ففيه الوضوء، قال: ولا يجوز قياس سائر الجسد على المخرجين لأنهما مخصوصان في الاستنجاء بالأحجار، ولأنهما سبيل الأحداث المجتمع عليها، وليس سائر الجسد يشبههما ولا له علتهما.

стр. 810

قال الرافعي: وكل خارج من غير السبيلين لا ينقض الطهارة عندنا خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: كل نجاسة خارج من البدن ينقض الوضوء كالدم إذا سال والقيء إذا ملأ الفم وبه قال أحمد؛ إلا أنه لا يقول بالانتقاض إذا كان الدم قطرة أو قطرتين. لنا ما روي عن أنس -وذكر حديث: "احتجم وصلى ولم يتوضأ"، وقد ذكرناه وبينا ضعفه. قال: وروي مثل مذهبنا عن عبد الله بن عمرو وعبد الله بن عباس وعبد الله بن أبي أوفى وأبي هريرة وجابر بن عبد الله وعائشة ﵃. قوله: وقد روي مثل مذهبنا عن عبد الله بن عمرو ... إلى آخره، إن أراد مثل مذهبه في اعتبار السبيل من المخرج منبهًا على السبيل الذي ذكره. ففيه نظر. وإن أراد مثل مذهبه في ... (١) الوضوء من الرعاف أو الحجامة أو القيء أو ما أشبه ذلك فهذا أقرب من الأول على أنه قد روى البيهقي عن نافع عن ابن عمر: أنه كان إذا احتجم غسل محاجمه. وليس هذا صريحًا. وروى عنه أيضًا من طريق بكر بن عبد الله المزني قال: رأيت ابن عمر عصر بثرة في وجهه فخرج شيء من الدم فحكه بين أصبعيه ثم صلى ولم يتوضأ. وحمل بعض أهل العلم هذا على الفرق بين القليل والكثير وإلا فالمعروف من مذهب ابن عمر وأبيه عمر بن الخطاب ﵄ إيجاب الوضوء من الرعاف وأنه كان عندهما حدثًا من الأحداث الناقضة للوضوء إذا كان الرعاف ظاهرًا سائلًا.
следующие страницы →