← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16599

النفح الشذي شرح جامع الترمذي ط الصميعي

ابن سيد الناس

Полный текст (2 088 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

وقد أخرجه غير واحد من أصحاب الصحيح. رواه أبو بكر بن خزيمة في صحيحه. وأخرجه الحاكم في المستدرك. وصححه أبو حاتم بن حبان. وقال البيهقي: رواة هذا الحديث كلهم ثقات فإن طلق بن حبيب ومصعب بن شيبة قد أخرج مسلم حديثهما في الصحيح. وروى عن أبي كريب، عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن أبيه بهذا الإسناد بعينه: "عشرة من الفطرة". وسائر رواته متفق عليهم. وأما فتيا عائشة بخلافه فليس ذلك علة عند جمهور السلف والحجة عندهم فيما كان كذلك في الرواية لا في الفتيا هذه طريقة الأثرم والإمام أحمد وأكثر العلماء. وإنما أعل السنن بمثل هذا قوم من الكوفيين. ولا يحسن أن يعل هذا بعلة لا تطرد في استعماله. وأما ترخيصها في غسل الجمعة؛ فإن الأحاديث فيه متعددة، وبعضها يقتضي الترخيص، فلعل عندها رواية في ذلك رجعت إليها. وأما قوله في غسل الحجامة لإجماع الأمة على أنه لا يجب، فلا يقتضي ذلك ضعف الحديث لو ثبت على أنه ليس ثابتًا لما نذكره بجواز أن يحمل على الاستحباب.

стр. 807

وقد تبع الأثرم في ذلك الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي رحمهما الله فقال: وكذلك الغسل من الحجامة منكر لأنه لا يجب ولا يستحب إجماعًا؛ فزاد: ولا يستحب وليس كذلك. قال أبو بكر بن أبي شيبة: من قال عليه الغسل، يعني المحتجم. ثنا جرير، عن مغيرة، عن المسيب بن رافع، عن ابن عباس قال لي: الغسل من الحجامة. حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو؛ قال: اغتسل من الحجامة. حدثنا وكيع، عن شعبة، عن الحكم قال: احتجم عندي إبراهيم ومجاهد، فاغتسل مجاهد وغسل إبراهيم موضع المحاجم. حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو أنه كان يغتسل من نتف الإبط. حدثنا المحاربي عن ليث، عن مجاهد، عن علي في الرجل يحتجم، أو يحلق عانته أو ينتف إبطه، قال: يغتسل. حدثنا عبيد الله قال: أبنا إسرائيل عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: إذا احتجم الرجل فليغتسل، ولم يره واجبًا. وهذا القول الأخير عن ابن عباس من استحباب الاغتسال من الحجامة محكي عن بعض أصحاب الشافعي ﵀ قال الرافعي في تعداد الأغسال المستحبة منها: الغسل عن الحجامة والخروج من الحمام. ذكر صاحب التلخيص عن القديم إنه مندوب إليه.

стр. 808

وذكر الضمري في الكفاية: أن الغسل عن الحجامة حسن، والأكثرون أهملوا ذكرهما قال: فإن قلنا بالقديم، قيل: إن المراد من غسل الحمام ما إذا تنور. قال: وعندي أن المراد منه أن يدخل الحمام فيعرق فيستحب أن لا يخرج من غير غسل. انتهى. وقد ورد في الغسل من الحمام عن بعض السلف شيء ذكره ابن أبي شيبة في مصنفه. وقالت طائفة لا وضوء في ذلك ولا غسل واحتجوا بما روى أبو داود في "سننه" من حديث محمد بن إسحاق، ثنا صدقة بن يسار، عن عقيل بن جابر عن جابر، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة ذات الرقاع فأصاب رجل امرأة رجل من المشركين، فحلف أن لا أنتهي حتى أهريق دمًا في أصحاب محمد، فخرج يتبع أثر النبي ﷺ فنزل النبي ﷺ فقال: "من رجل يكلؤنا" فانتدب رجل من المهاجرين وقام رجل من الأنصار، فقال: "كونا بفم الشعب"، قال: فلما خرج الرجلان إلى فم الشعب واضطجع المهاجري، وقام الأنصاري فصلى، وأتى الرجل فلما رأى شخصه عرف أنه ربيئة القوم فرماه بسهم فوضعه فيه، فنزعه، حتى رماه بثلاثة أسهم، ثم ركع وسجد، ثم أنبه صاحبه فلما عرف أنهم قد نذروا به هرب، ولما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدماء، قال: سبحان الله ألا أنبهتني أول ما رمى، قال: كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها. وروى الدارقطني من حديث حميد الطويل عن أنس؛ قال: احتجم رسول الله ﷺ فصلى ولم يتوضأ ولم يزد على غسل محاجمه. في إسناده صالح بن مقاتل قال الدارقطني: ليس بالقوي. وذكر البيهقي هذا الحديث وقال: إلا أن في إسناده ضعفًا.

стр. 809

وروى الدارقطني من حديث أبي أسماء الرحبي: ثنا ثوبان حديثًا فيه: قلت: يا رسول الله أفريضة الوضوء من القيء؟ قال: "لو كان فريضة لوجدته في كتاب الله". في إسناده عتبة بن السكن لم يروه عن الأوزاعي غيره وهو ضعيف. ومن كان لا يرى في الدماء الخارجة من غير المخرجين وضوءًا: طاووس ويحيى بن سعيد الأ نصاري، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وأبو الزناد، وإليه ذهب الشافعي وأبو ثور. وأما مذهب أهل المدينة فقال مالك ﵀: الأمر عندنا أنه لا يتوضأ من رعاف ولا قيح ولا دم يسيل من الجسد، ولا يتوضأ إلا من حدث يخرج من ذكر أو دبر أو نوم. هذا قوله في "موطئه" وعليه جماعة من أصحابه. وكذلك الدم يخرج من الدبر لا وضوء فيه ولا وضوء عنده إلا في المعتادات من ... الخارجة من المخرجين. وقول الشافعي في ذلك كقول مالك إلا ما يخرج من المخرجين: القبل والدبر فإنه عند الشافعي حدث ينقض الوضوء. وسواء كان عنده الخارج من المخرجين دمًا أو ... أو دودًا أو بولًا أو رجيعًا. ومن حجته في ذلك أن دم الاستحاضة إنما وجب فيه الوضوء لأنه خرج من المخرج، وكل ما خرج من سبيل الغائط أو البول ففيه الوضوء، قال: ولا يجوز قياس سائر الجسد على المخرجين لأنهما مخصوصان في الاستنجاء بالأحجار، ولأنهما سبيل الأحداث المجتمع عليها، وليس سائر الجسد يشبههما ولا له علتهما.

стр. 810

قال الرافعي: وكل خارج من غير السبيلين لا ينقض الطهارة عندنا خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: كل نجاسة خارج من البدن ينقض الوضوء كالدم إذا سال والقيء إذا ملأ الفم وبه قال أحمد؛ إلا أنه لا يقول بالانتقاض إذا كان الدم قطرة أو قطرتين. لنا ما روي عن أنس -وذكر حديث: "احتجم وصلى ولم يتوضأ"، وقد ذكرناه وبينا ضعفه. قال: وروي مثل مذهبنا عن عبد الله بن عمرو وعبد الله بن عباس وعبد الله بن أبي أوفى وأبي هريرة وجابر بن عبد الله وعائشة ﵃. قوله: وقد روي مثل مذهبنا عن عبد الله بن عمرو ... إلى آخره، إن أراد مثل مذهبه في اعتبار السبيل من المخرج منبهًا على السبيل الذي ذكره. ففيه نظر. وإن أراد مثل مذهبه في ... (١) الوضوء من الرعاف أو الحجامة أو القيء أو ما أشبه ذلك فهذا أقرب من الأول على أنه قد روى البيهقي عن نافع عن ابن عمر: أنه كان إذا احتجم غسل محاجمه. وليس هذا صريحًا. وروى عنه أيضًا من طريق بكر بن عبد الله المزني قال: رأيت ابن عمر عصر بثرة في وجهه فخرج شيء من الدم فحكه بين أصبعيه ثم صلى ولم يتوضأ. وحمل بعض أهل العلم هذا على الفرق بين القليل والكثير وإلا فالمعروف من مذهب ابن عمر وأبيه عمر بن الخطاب ﵄ إيجاب الوضوء من الرعاف وأنه كان عندهما حدثًا من الأحداث الناقضة للوضوء إذا كان الرعاف ظاهرًا سائلًا.

стр. 811

وكذلك كل دم سال من الجسد ظهر، قاله أبو عمر ابن عبد البر وغيره. وقد ذكرنا ذلك عن ابن عمر من طريق مالك وابن أبي شيبة ومن طريق عبد الرزاق بأصح إسناد. وفي حديث عبد الرزاق: إذا رعف أو ذرعه القيء أو وجد مذيًا. وكالمروي عن ابن عمر من أنه عصر بثرة. والمروي عن ابن أبي أوفى أنه بصق دمًا ثم صلى ولم يتوضأ، وكذلك المروي عن أبي هريرة وبه: كان لا يرى بالقطرة والقطرتين في الصلاة بأسًا. وكذلك المروي عن جابر من طريق أبي الزبير أنه أدخل إصبعه في أنفه فخرج عليها دم فمسحه بالأرض أو بالتراب وصلى. وقد تقدم في علل حديث عائشة: من قاء أو قلس أو رعف فعليه الوضوء، أن الصحيح فيه الموقوف، فهذا عن عائشة صحيح. فما ذكره الرافعي محمول على يسير الدم جمعًا بين الخبرين. وروي مثل ذلك في اليسير عن أبي قلابة ومكحول وغيرهما. وأما من لا يرى في الدم السائل وضوء فعن طاوس وسعيد بن جبير كل هذا عند ابن أبي شيبة بأسانيده. قال أبو عمر: فإن كان الدم يسيرًا غير خارج ولا سائل فإنه لا ينقض الوضوء عند جميعهم ولا أعلم أحدًا أوجب الوضوء من يسير الدم إلا مجاهدًا وحده. قال: وذكر ابن عمر المذي المجمع على أن فيه الوضوء مع ذكر القيء والرعاف يوضح لك مذهبه فيما ذكرنا. وكذلك عن سالم بن عبد الله في الدم اليسير الخارج من الأنف إذا غلبه

стр. 812

بالفتل حتى لا يقطر ولا يسيل. ومعلوم من مذهب سالم أنه كان كمذهب أبيه في الرعاف. ذكر ابن أبي شيبة: ثنا معتمر بن سليمان، عن عبيد الله بن عمر؛ قال: رأيت سالم بن عبد الله صلى ركعة من صلاة الغداة ثم رعفما فخرج فتوضأ ثم جاء فبنى على ما صلى. ويروى مثل ذلك عن علي وابن مسعود وعلقمة والأسود وعامر الشعبي وعروة بن الزبير وإبراهيم النخعي وقتادة والحكم بن عتيبة وحماد والحسن وعطاء وكل هؤلاء يرون الرعاف وكل دم سائل من الجسم حدثًا يوجب الوضوء للصلاة. وكذلك قال أبو حنيفة وأصحابه والنووي والحسن بن حي وعبيد الله بن الحسن والأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه في الرعاف والفصاد والحجامة وكل نجس خارج من الجسم يرونه حدثًا ينقض الطهارة. واحتجوا بما ذكرناه من الأحاديث أول الباب وبقوله ﵇ للمستحاضة: "إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة فإذا ذهب قدرها فاغتسلي وصلي وتوضئي لكل صلاة". قالوا: فأوجب ﵇ الوضوء على المستحاضة من دم العرق السائل فكذلك كل دم يسيل من الجسد. وأما الأحاديث السابقة فقد تقدم تعليلها. وأما حديث المستحاضة هذا فقد اختلفت ألفاظه اختلافًا كبيرًا وسيأتي الكلام عليه في بابه. وأما الوضوء من أذى المسلم فروي عن عائشة ﵂ قالت: يتوضأ

стр. 813

أحدكم من الطعام الطيب ولا يتوضأ من الكلمة العوراء يقولها لأخيه. وعن ابن مسعود ﵁: لأن أتوضأ من الكلمة الخبيثة أحب إلي أن أتوضأ من الطعام الطيب. وعن ابن عباس: الحدث حدثان حدث الفرج وحدث اللسان، وأشدهما حدث اللسان. وعن إبراهيم النخعي: إني لأصلي الظهر والعصر والمغرب بوضوء واحد إلا أن أحدث أو أقول منكرًا. وعن عبيدة السلماني: الوضوء يجب من الحدث وأذى المسلم. وأمر عطاء فيه بإعادة الوضوء والصلاة. وأما مس الصليب والوثن فروي عبد الرزاق عن سفيان بن عيينة، عن عمار الدهني، عن أبي عمرو الشيباني: أن علي بن أبي طالب استتاب المستورد العجلي وأن عليًّا مسَّ صلبًا كانت في يد المستورد فلما دخل علي في الصلاة قدم رجلًا وذهب ثم أخبر الناس أنه لم يفعل ذلك لحدث أحدثه ولكنه مس هذه الأنجاس فأحب أن يحدث وضوءًا. ومن طريق يعلى بن عبيد، عن صالح بن حيان، عن ابن بريدة، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ أمر بريدة وقد مسَّ صنمًا يتوضأ. صالح بن حيان ضعيف لا يحتج به. وأما الدم الطاهر من المرأة فاختلف السلف فيه: قال أبو محمد علي بن أحمد فروينا من طريق أم علقمة عن عائشة أم المؤمنين: أن الحامل تحيض.

стр. 814

هو أحد قولي الزهري وهو قول عكرمة وقتادة وبكر بن عبد الله المزني وربيعة ومالك والليث والشافعي. وروينا عن سعيد بن المسيب والحسن وحماد بن أبي سليمان: أنها مستحاضة لاحائض. وروي عن مالك أنه قال في الحامل ترى الدم أنها لا تصلي إلا أن يطول ذلك بها فحينئذ تغتسل وتصلي ولم يحد في الطول حدًّا. وقال أيضًا: ليس أول الحمل كآخره ويجتهد لها ولا حد في ذلك. وروينا من طريق عطاء عن عائشة أم المؤمنين: أن الحامل إن رأت الدم فإنها تتوضأ وتصلي. وهو قول عطاء والحكم بن عتيبة والنخعي والشعبي وسليمان بن يسار ونافع مولى ابن عمر وأحد قولي الزهري. وهو قول سفيان الثوري والأوزاعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وأبي ثور وأبي عبيد وداود. وقد أوجب الوضوء من قرقرة البطن في الصلاة إبراهيم النخعي، وعن مجاهد: الوضوء من تنقية الأنف. وعن علي بن أبي طالب ومجاهد وذر -والد عمر بن ذر-: إيجاب الوضوء من قص الأظفار وقص الشعر ... (١) الدود والحجر يخرجان من الدبر؛ فإن الشافعي أوجب الوضوء من ذلك ولم يوجبه مالك. وروي قول الشافعي عن عطاء والحسن وعن أبي العالية: ما خرج من النصف

стр. 815

الأعلى فليس فيه وضوء وما خرج من النصف الأسفل ففيه الوضوء. وروى نحو قول مالك عن إبراهيم النخعي. (وعن) عمر بن الخطاب: من مسَّ إبطه أو نقى أنفه توضأ. وعن مجاهد عن عبد الله بن عمرو: أنه كان يغتسل من نتف الإبط. وسئل الحسن عن الرجل يمس إبطه ينتفه فلم ير به بأسًا إلا أن يدميه. واختلفوا في القيح أيتوضأ منه أم لا؟ فعن إبراهيم: ما خرج من الجرح فهو بمنزلة الدم وفيه الوضوء. وعن الزهري: الدم والقيح سواء. وقد ذكرنا قول الزهري: الرعاف والقيء سواء ويتوضأ منهما. وعن الحسن: القيح والصديد ليس فيه وضوء. وعن أبي مجلز أنه كان لا يرى القيح شيئًا؛ قال: إنما ذ كر الله الدم. وعن إبراهيم والحكم وحماد، قالوا: ما خرج من البثرة من شيء فهو بمنزلة الدم. وأما الضحك والقهقهة في الصلاة فرويت أحاديث في إبطال الوضوء به، والصلاة لا تثبت؛ وأجودها مرسل أبي العالية الرياحي. وممن قال بإيجاب الوضوء بذلك: أبو موسى الأشعري وابراهيم النخعي والشعبي وسفيان الثوري وأبو حنيفة والأوزاعي والحسن بن حي وعبد الله بن الحسن؛ وغيرهم يخالفهم في ذلك قال أبو حنيفة إلا أن يكون في صلاة الجنازة فلا ينقض.

стр. 816

وروى وكيع عن عمران بن حدير، عن عيسى بن هلال، عن كثير مولى سلمة من ذبح ذبيحة فليتوضأ". وروى عبد الوهاب الثقفي عن خالد عن أبي قلابة أنه سقاهم نبيذًا؛ فتوضؤوا. ومن رأى الوضوء من القيء والرعاف فحجته ما ذكرناه من السنن والآثار. ومن لم يذهب إلى ذلك يرى أن الوضوء المجمع عليه؛ لا ينتقض إلا بإجماع أو فريضة أو سنة لا يطعن فيها. وليس هنا قرآن ولا إجماع أما السنن فقد تقدم ما فيها من العلل، ويحمل الوضوء حيث جاء على الوضوء اللغوي ولو ثبت في ذلك سنة وسلمت من التعليل لكان حمل المعنى على الحقيقة الشرعية أولى من البناء على الراعف على ما صلى ما لم يتكلم. قال ابن عبد البر: فقد ثبت عن عمر وعلي وابن عمر وروي عن أبي بكر أيضًا ولا مخالف لهم من الصحابة إلا المسور بن مخرمة. وروي أيضًا البناء للراعف على ما صلى ما لم يتكلم عن جماعة من التابعين بالحجاز والعراق والشام، لا أعلم في ذلك اختلافأ إلا الحسن البصري فإنه ذهب في ذلك مذهب المسور بن مخرمة أنه لا يبني من استدبر القبلة لا في الرعاف ولا في غيره. وهو أحد قولي الشافعي واستحب ذلك إبراهيم النخعي وابن سيرين. قال الحسن: إن استدبر القبلة استقبل -يعني صلاته- وإن التفت يمينًا وشمالًا مضى في صلاته. وقال مالك: من رعف في صلاته قبل أن يعقد منها ركعة تامة يسجد فيها

стр. 817

فإنه ينصرف فيغسل الدم عنه ويرجع فيبتديء الإقامة والتكبير والقراءة. ومن أصابه الرعاف في وسط صلاته أو بعد أن يركع منها ركعة يسجد فيها انصرف فغسل الدم عنه وبنى على ما صلى حيث شاء إلا الجمعة فإنه لا يتمها إلا في الجامع. ولولا خلاف من مضى لكان أحب إلي الراعف أن يتكلم ويبتديء صلاته من أولها. قال مالك: ولا يبني أحد في القيء ولا في شيء من الأحداث إلا الراعف وحده. وعلى ذلك جمهور أصحاب مالك. ومنهم من يرى أن يبني الراعف على ما صلى قليلًا كان أو كثيرًا. وعن الشافعي في الراعف روايتان: إحداهما: يبني وفي الأخرى لا يبني. وأما في سائر الأحداث. فقال أبو حنيفة وأصحابه عن حدث: يسبق المصلي ...... بولًا كان أو غائطًا أو ريحًا أو رعافًا فلينصرف فيتوضأ ويبني على ما قد صلى. وهو قول ابن أبي ليلى وبه قال داود في كل حدث بعد أن يتوضأ وليس الرعاف والقيء عنده سيان. وهو قول الشافعي في القديم. وقال أبو حنيفة وأصحابه: من أحدث في ركوعه أو سجوده بعدما أحدث فيه

стр. 818

ولا يعتد بها، وكذلك قال مالك في ... إذا رعف قبل تمام الركعة سجد بها لم يعتد لها ولم يبن عليها. وقال الثوري: إذا كان حدثه من رعاف أو قيء بنى وتوضأ، وإن كان حدثه من بول أو ريح أو ضحك في الصلاة أعاد الوضوء والصلاة. وهو قول إبراهيم في رواية. وقال الزهري: يبني في الرعاف والقيء خاصة بعد أن يتوضأ ولا يبني في سائر الأحداث. وليس الضحك عند الزهري حدثًا ولا عند الحجازيين. وقال الأوزاعي: إن كان حدثه قيئًا بنى، أو ريحًا توضأ واستقبل، وإن كان من رعاف توضأ وبنى. وكذلك الدم كله عنده مثل الرعاف. وقال ابن شبرمة: من أحدث انتقض وضوءه فإن كان إمامًا قدم رجلًا فصلى بقية صلاته، فإن لم يفعل وصلى كل رجل منهم ما عليه أجزأه، والإمام يتوضأ ويستقبل. قال أبو عمر: قد أجمع العلماء على أن الراعف إذا تكلم لم يبن فقضى إجماعهم بذلك، علمًا بأن المحدث أحرى أن لا يبني لأن الحدث إن لم يكن كالكلام في مباينته الصلاة كان أشد من الكلام. قلت: يشير بذلك إلى أن هذا التفريع كله فيمن سبقه الحدث. وأما من تعمد الحدث في الصلاة فلا بناء له بل يتوضأ وبستأنف الصلاة والله أعلم.

стр. 819

قال: وروى الكوفيون عن علي وسلمان فيمن أحدث في صلاته من بول أو ريح أو قيء أو رعاف أو غائط أنه يتوضأ أو يبني، إلا أن أكثر الأحاديث عن علي ليس فيها إلا ذكر القيء والرعاف لا غير. ويصح عنه البناء إلا في القيء والرعاف. وهو قول ابن شهاب. وقال الشافعي في الجديد: يبطلان صلاة من أحدث في الصلاة وأنه لا يبني، وبه قال أحمد، وهي رواية مالك، قالوا: لما روى علي بن طلق قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا فسا أحدكم في الصلاة فلينصرف فليتوضأ وليعد الصلاة". وقد تقدم ذكر هذا الحديث في باب الوضوء من الريح وذكر من أخرجه وسيأتي الكلام عليه مع مسائل هذا الباب في موضعه من هذا الكتاب في كتاب الصلاة إن شاء الله تعالى. وأما من غلبه الدم من جرح أو رعاف، فروى مالك عن هشام بن عروة عن أبيه: أن المسور بن مخرمة أخبره أنه دخل على عمر بن الخطاب من الليلة التي طعن فيها فأيقظ عمر لصلاة الصبح فقال: نعم، ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة فصلى وجرحه يثعب دمًا أي ينفجر. ورواه مالك أيضًا في الموطأ عن هشام عن أبيه، عن سليمان بن يسار، عن المسور ... فذكره. وذكر عبد الرزاق عن معمر، عن هشام قال: كانت فيّ دماميل فسألت أبي عنها فقال: إذا كانت ترقأ فاغسلها، وإن كانت لا ترقأ فتوضأ وصل، وإن جرح منها شيء فلا تبال، فإن عمر قد صلى وجرحه يثعب دمًا.

стр. 820

وروى ابن أبي شيبة عن أبي خالد الأحمر، عن سيف، قال: كان لمجاهد قرحة تحصل فكان لا يتوضأ ويصيب ثوبه فلا يغسله". وعن جرير، عن القعقاع؛ قال: قلت لإبراهيم: رجل به دماميل كثيرة فلا تزال تسيل، قال: يغسل مكانها ويتوضأ ويبادر فيصلي. وروى مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب: أنه قال: لو سال على فخذي ما انصرفت حتى أقضي صلاتي. وعن الصلت بن زيد أنه سأل سليمان بن يسار عن البلل يجده، قال: انضح تحت ثوبك واله عنه. هذا والأثر قبله عن سعيد بن المسيب في المذي والوضوء منه سنة مجمع عليها، ليست كالدم لما ذكرنا فيه من الاختلاف. فإذا سقط الوضوء عمن أصابه ذلك القدر من المذي فلأن يسقط عن صاحب الدم من باب الأولى. وإذا كان خروج المذي من فساد وعلة فلا وضوء فيه عند مالك، ولا عند سلفه وعلماء أهل بلده؛ قال: لأن ما لا يرقأ ولا ينقطع لا وجه للوضوء فيه. وهذا حكم صاحب سلس البول وسلس المذي وهو الذي تسميه بعض الفقهاء المستنكح وهو الذي لا ينقطع ذلك منه لعلة نزلت به من كبر أو برد أو غير ذلك. قال أبو عمر: أجمع العلماء على أنه لا يسقط ذلك عنه فرض الصلاة وأن عليه أن يصليها في وقتها على حالته تلك إذ لا يستطيع غيرها. واختلفوا في إيجاب الوضوء للصلاة مع حاله تلك: فذهب مالك إلى أنه لا يجب عليه الوضوء لكل صلاة ولكنه يستحب ذلك

стр. 821

له اعتبارًا بالمستحاضة وذلك كحكم المستحاضة عنده. وقال الشافعي: يتوضأ لكل صلاة. وقال أبو حنيفة: لكل وقت صلاة. وقال الأوزاعي: يجمع بين الظهر والعصر بوضوء واحد. وقال الثوري والأوزاعي والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه الوضوء على المستحاضة واجب لكل صلاة وقالوا: تتوضأ وإن كان دمها يسيل، وسلس صاحب السلس لا ينقطع كما تصلي ودمها والبول لا ينقطعان فكما تؤدي صلاتها على تلك الحال وكذلك وضوءها. ولذلك قال لها رسول الله ﷺ : "فإذا أدبرت الحيضة اغتسلي وتوضئي لكل صلاة". قال أبو عمر: ولا يصح عند مالك وأصحابه قوله ﷺ لها: "توضئي لكل صلاة". وسيأتي حكم المستحاضة في بابه إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 822

٦٥ - باب ما جاء في الوضوء بالنبيذ حدثنا هناد، ثنا شريك، عن أبي فزارة، عن أبي زيد، عن عبد الله بن مسعود؛ قال: سألني النبي ﷺ : "ما في إداوتك؟ " فقلت: نبيذ، فقال: "ثمرة طيبة وماء طهور" قال: فتوضأ منه. قال أبو عيسى: وإنما روى هذا الحديث عن أبي زيد، عن عبد الله، عن النبي ﷺ . وأبو زيد مجهول، رجل مجهول عند أهل الحديث لا تعرف له كبير رواية غير هذا الحديث. وقد رأى بعض أهل العلم الوضوء بالنبيذ؛ منهم سفيان وغيره. وقال بعض أهل العلم: لا يتوضأ بالنبيذ؛ وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق. وقال إسحاق: إن ابتلي رجل بهذا، فتوضأ بالنبيذ وتيمم أحب إلي. قال أبو عيسى: وقول من يقول: لا يتوضأ بالنبيذ أقرب إلى الكتاب وأشبه لأن الله تعالى؛ قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. * الكلام عليه: أخرجه أبو داود من رواية شريك عن أبي فزارة. ورواه الإمام أحمد وابن ماجه. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عن حديث ابن مسعود في الوضوء بالنبيذ فقالا: هذا حديث ليس بقوي لم يروه غير أبي فزارة عن أبي زيد وحماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي رافع، عن ابن مسعود.

стр. 823

وعلي بن زيد ليس بالقوي وأبو ربد شيخ مجهول لا يعرف. وعلقمة يقول: لم يكن عبد الله مع النبي ﷺ ليلة الجن. قلت لهما: معاوية بن سلام يحدث عن أخيه، عن جده، عن ابن غيلان، عن ابن مسعود؛ قالا: وهذا أيضًا ليس بشيء ابن غيلان مجهول ولا يصح في هذا الباب شيء. انتهى. فتلخص من هذا الكلام أنه روي عن عبد الله من وجوه ثلاث: الأول: طريق أبي زيد؛ وهي أشهرها وليست العلة غير تفرد أبي فزارة عن أبي زيد كما يظهر من هذا الكلام إن كان أبو فزارة هو راشد بن كيسان العبسي فقد أخرج له مسلم محتجًا به ووثق كما سنذكره بعد. وإنما العلة تفرد أبي زيد عن ابن مسعود. وبعضهم يقول فيه زيد: فإن أبا زيد مولى عمرو بن حريث مجهول لا تعرف له حال. والقول بأن أبا فزارة راوي هذا الحديث غير راشد بن كيسان وأنه رجل آخر يعيد. وقد ذكره المنذري ﵀ قال: أبو فزارة رجلان؛ راوي هذا الحديث مجهول ليس هو راشد بن كيسان. وهو ظاهر كلام الإمام أحمد بن حنبل فإنه قال: أبو فزارة في حديث ابن مسعود رجل مجهول. وقد فرق بينهما البخاري فجعلهما اثنان ونبه عليه الحاكم أبو أحمد في الكنى فإنه ذكر ترجمة أبي فزارة راشد المعروف ثم قال بعد ذلك: أبو فزارة العبسي كوفي،

стр. 824

عن مصقلة بن مالك روى عنه الثوري؛ قاله محمد بن إسماعيل. وقد أخرجنا في أول الباب أبا فزارة راشد بن كيسان العبسي؛ روى عنه الثوري فلا أدري أهما اثنان أم واحد؟ ولكن هكذا أخرجه محمد بن إسماعيل في الكنى المجردة وخلْتُ أن يكونا واحدًا، والله أعلم. ومن قال: إن أبا فزارة راشد هو راوي هذا الحديث أبو أحمد بن عدي الحافظ؛ قال: هذا الحديث مداره على أبي فزارة، عن أبي زيد مولى عمرو بن حريث، وأبو فزارة مشهور واسمه راشد بن كيسان، وأبو زيد مجهول. وكذلك قال الدارقطني: أبو فزارة في حديث النبيذ اسمه راشد بن كيسان. وكذلك قال أبو عمر في كتاب "الاستغناء": أبو فزارة العبسي وذكر من روى هو عنه ومن روى، عن أبي فزارة ومال: أما أبو فزارة فثقة عندهم ليس به بأس. وذكر إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين؛ قال: أبو فزارة ثقة. وأما أبو زيد مجهول لا يعرف فيعتمدونه كأبي فزارة وحديثه عن ابن مسعود في الوضوء بالنبيذ منكر، لا أصل له. وأبو أحمد الحاكم قال في ترجمة أبي زيد: روى عنه أبو فزارة راشد بن كيسان وذكر حديث ابن مسعود هذا في كلام قاله. وممن روى هذا الحديث يعينه؛ عن أبي فزارة شريك والجراح بن مليح وسفيان الثوري وإسرائيل وأبو عميس، وقيس بن الربيع، وكيف يوصف بالجهالة من روى عنه هؤلاء كلهم (١).

стр. 825

وأما حديث علي بن أبي طالب عند مسلم ﵀ من حديث الحكم بن عتيبة، عن القاسم بن مخيمرة عن شريح بن هانيء قال: أتيت عائشة أسألها عن المسح على الخفين فقالت: عليك بابن أبي طالب؛ فسله؛ فإنه كان يسافر مع رسول الله ﷺ ، فسألناه فقال: جعل رسول الله ﷺ ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويومًا وليلة للمقيم. رواه عن إسحاق الحنظلي عن عبد الرزاق، عن الثوري، أخبرني عمرو بن قيس، عن الحكم. قال البيهقي: حديث شريح، عن علي أصح ما روي في هذا الباب. وأما حديث أبي بكرة، فقال أبو بكر بن أبي شيبة: ثنا زيد بن الحباب، قال: ثنا عبد الوهاب؛ قال: ثنا المهاجر مولى البكرات، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه: أن النبي ﷺ جعل للمسافر يمسح ثلاثة أيام ولياليهن، والمقيم يومًا وليلة. كذا هو في "المصنف". وقد رواه الدارقطني وأبو بكر الأثرم والطبراني وغير واحد إلا أن البيهقي أخرجه عن أبي عبد الله الحافظ وأبي سعد بن أبي عمر، وعن أبي العباس محمد بن يعقوب، عن الحسن بن علي بن عثمان، عن زيد بن الحباب، عن عبد الوهاب الثقفي، عن خالد الحذاء، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه. فجعل خالدًا بدل المهاجر. ورواية أبي بكر بن أبي شيبة، عن زيد أشبه من هذه لموافقتها رواية أصحاب عبد الوهاب الثقفي. وكذلك رواه عنه بندار وبشر بن معاذ العقدي ومحمد بن أبان كل هؤلاء يقول

стр. 826

فيه عن عبد الوهاب عن المهاجر؛ كما قال أبو بكر عن زيد. ولو سلمت طريق البيهقي لكانت أرجح؛ لترجح خالد الحذاء على المهاجر. على أن المهاجر هذا قد قال فيه الساجي: صادق معروف. وقول من قال: إنه مجهول ليس بشيء روى له أبو داوود والترمذي وابن ماجه. وقد ذكر الترمذي أنه سأل البخاري فقال: حديث أبي بكرة حسن -يعني هذا الحديث. وأما حديث أبي هريرة فرواه الحافظ أبو بكر البزار في مسنده من حديث زيد بن الحباب حديث عمر بن عبد الله بن أبي خثعم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁: أن رجلًا سأل النبي ﷺ عن المسح على الخفين؛ فقال: "للمقيم يوم وليلة وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن". وأخرجه الترمذي في "العلل" عن محمد بن حميد الرازي، عن زيد بن حباب به. وقال: سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: عمر بن أبي خثعم منكر الحديث ذاهب وضعف حديث أبي هريرة في المسح. انتهى. وقال أبو زرعة: واهي الحديث، حدث عن يحيى بن أبي كثير ثلاثة أحاديث لو كانت في خمس مئة حديث لأفسدتها. وروى ابن أبي شيبة قال: ثنا وكيع، ثنا جرير بن أيوب، عن أبي زرعة بن عمرو، وقال: رأيت جريرًا مسح على خفيه. قال: وقال أبو زرعة: قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ : "إذا أدخل أحدكم

стр. 827

رجليه في خفيه وهما طاهرتان، فليمسح عليهما ثلاثًا للمسافر، ويومًا للمقيم". جرير بن أيوب روى عن جده أبي زرعة بن جرير، وعن الشعبي عنه وكيع وأبو أسامة وغيرهما. قال أبو زرعة والبخاري: منكر الحديث. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. وأما حديث صفوان بن عسال فقد خرجه الترمذي في الباب وصححه. وذكر في كتابه العلل أنه سأل البخاري: أي الحديث عندك أصح في التوقيت في المسح على الخفين؛ قال: حديث صفوان بن عسال، وحديث أبي بكرة حسن. ورواه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه والدارقطني. وروى أبو حاتم بن حبان في صحيحه، قال: ثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة بخبر غريب، ثنا محمد بن يحيى ومحمد بن رافع؛ قالا: ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن عاصم، عن زر؛ قال: أتيت صفوان بن عسال المرادي، فقال: ما جاء بك؛ فقلت: جئت أنبط العلم، قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من خارج يخرج من بيته لطلب العلم إلا وضعت له الملائكة أجنحتها رضىً بما يصنع" قال: جئت أسألك عن المسح على الخفين؛ قال: نعم، كنا في الجيش الذين بعثهم رسول الله ﷺ فأمرنا أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على طهر ثلاثًا إذا سافرنا، ولا نجعلهما من غائط أو بول. وأما حديث عوف بن مالك الأشجعي، فقال ابن أبي شيبة: ثنا هشيم، قال: أخبرني داود بن عمرو، عن بسر بن عبيد الله الحضرمي، عن أبي إدريس الخولاني؛ قال: ثنا عوف بن مالك الأشجعي: أن رسول الله ﷺ أمر بالمسح على الخفين في

стр. 828

غزوة تبوك ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوم وليلة للمقيم. رواه الإمام أحمد والدارقطني. وقال الإمام أحمد: هذا أجود حديث في المسح على الخفين لأنه في غزوة تبوك آخر غزوة غزاها. وأخرجه أبو بكر البزار وأبو القاسم الطبراني في "معجمه الأوسط" من حديث هشيم وقال: لا يروى عن عوف بن مالك إلا بهذا الإسناد تفرد به هشيم. وذكر الترمذي في العلل أنه سأل البخاري عنه فقال: هو حديث حسن. داود بن عمرو وثقه أبو حاتم الرازي، وقال ابن معين: مشهور. وأما حديث ابن عمر فروى الطبراني من حديث حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، عن الحسن العصاب عن نافع، عن ابن عمر؛ قال: قال رسول الله ﷺ في المسح على الخفين: "للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن". رواه في "المعجم الأوسط" (١) عن عبدان بن محمد المروزي، عن قتيبة بن سعيد عنه. وقال: لم يرو هذا الحديث، عن نافع إلا الحسن العصاب هو الحسن بن عبد الله بن ميسرة العصاب -بفتح العين وتشديد الصاد المهملتين- حدث عن نافع روى عنه الفضل بن موسى الشيباني. وأما حديث جرير. وفي الباب مما لم يذكره عمر بن الخطاب ﵁. روى أبو يعلى الموصلي من حديث خالد بن أبي بكر هو ابن عبيد الله

стр. 829

العمري، أبنا سالم، عن ابن عمر، عن عمر؛ قال: سمعت النبي ﷺ يأمر بالمسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة. رواه عن أبي كريب، عن زيد بن الحباب، عن خالد. وخالد؛ قال ابن أبي حاتم عن أبيه: يكتب حديثه، وعن الدارقطني: ليس بالقوي. وفيه عن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن عائشة موقوفًا من حديثها. روى الطبراني من حديث عبد الله بن محمد بن المغيرة، ثنا مالك بن مغول، عن مقاتل بن يسير، عن شريح بن هانئ؛ قال: ساكت عائشة وفيه: نسافر مع رسول الله ﷺ فلم نكن ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يومًا وليلة. رواه عن محمد بن أحمد بن أبي خيثمة، عن محمد بن يوسف بن أبي معمر، عن عبد الله بن محمد بن المغيرة؛ وهو شيخ كوفي نزل مصر وهذا أشبه أن يكون معلولًا بحديث علي المتقدم في الباب وأن يكون حديث علي هو الصواب. وفيه عن عبد الله بن مسعود. روى البزار من حديث سليمان بن يُسير، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله؛ قال: ما زلنا نمسح مع رسول الله ﷺ على الخفين للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يومًا وليلة. رواه عن يوسف بن موسى، عن عبد الرحمن بن هانئ بن نعيم، عن سليمان. ويسير؛ أوله ياء آخر الحروف مضمومة بعدها سين مهملة مفتوحة. عبد الرحمن وسليمان ضعيفان جدًّا. وأما الأثر فيه عن ابن مسعود فصحيح رواه ابن أبي شيبة عن هشيم، عن

стр. 830

حصين، عن إبراهيم عنه. وعن ابن مهدي عن سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن إبراهيم التيمي، عن الحارث بن سويد عنه. وفيه عن عمرو بن أمية الضمري، عن النبي ﷺ قال في المسح على الخفين: "للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة". رواه أبو بكر النيسابوري، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن عمر؛ قال: ثنا قدامة بن موسى الجمحي عن الزبرقان بن عبد الله بن عمرو بن أمية الضمري، عن أبيه عن جده. وفيه عن يعلى بن مرة الثقفي. روى الطبراني في "معجمه الكبير" من حديث مروان بن معاوية، حدثني عمرو بن عبد الله بن يعلى بن مرة الثقفي، عن أبيه، عن جده؛ قال: كنا إذا سافرنا مع رسول الله ﷺ ننزع خفافنا فإن شهدنا فيوم وليلة. رواه عبدان بن أحمد، عن عمرو بن عثمان الحمصي، عن مروان ثم قال عقيبه ثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، ثنا سهل بن زنجلة الرازي، ثنا الصباح بن محارب عن عمر بن عبد الله بن يعلى بن مرة الثقفي، عن أبيه، عن جده. وعن زياد بن علاقة، عن أسامة بن شريك: أن النبي ﷺ قال في المسح على الخفين: "للمسافر ثلاثًا وللمقيم يوم وليلة". وذكر ابن أبي خيثمة فيمن روى عن أبيه، عن جده: عمرو بن عثمان بن يعلى وذكر له حديثًا. وكذلك في رواية الترمذي؛ فليتأمل.

стр. 831

وفيه عن البراء بن عازب. روى الطبراني في "المعجم الكبير" (١) عن محمد بن عبد الله الحضرمي، ثنا موسى بن الحسين السلولي، ثنا الصَّبي بن الأشعث، عن أبي إسحاق، عن البراء: أن رسول الله ﷺ قال: "للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة في المسح على الخفين". وفيه عن بريد بن أبي مريم، عن أبيه، روى أبو نعيم الحافظ في كتاب الصحابة من حديث خالد بن عاصم؛ قال: ثنا بريد بن أبي مريم، عن أبيه؛ قال: رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ ومسح على خفيه، وقال: "للمسافر ثلاثة أيام وللمقيم يومًا وليلة". رواه عن إبراهيم بن محمد بن يحيى، عن محمد بن المسيب، عن عاصم بن المغيرة، عن عبد الرحمن بن عمرو -يعني ابن جبلة عن خالد، وقال: مالك بن ربيعة السلولي -يكنى أبا مريم والد بريد- شهد الشجرة، سكن الكوفة له غير حديث عند أبيه بريد. وبُريد بضم الباء الموحدة وبعدها راء مهملة مفتوحة. وفيه عن مالك بن سعد. قال أبو نعيم في كتاب الصحابة: مالك بن سعد مجهول عداده في أعراب البصرة، ثم روى من حديث عبد الرحمن بن عمرو بن جبلة، قال: حدثتنا مليكة بنت الحارث المالكية من بني مالك بن سعد؛ قالت: حدثني أبي عن جدي مالك بن سعد: أنه سمع النبي ﷺ يقول: "من صلى الصبح في جماعة فكأنما قام

стр. 832

ليلته"، وسألته عن المسح على الخفين فقال: ثلانَة أيام للمسافر ويوم وليلة للمقيم. قال أبو نعيم: عن محمد بن سعد الباوردي، ثنا عبد الله بن محمد الحمري البصري؛ قال: ثنا عبد الرحمن. قلت: تبويب الترمذي ﵀ باب المسح على الخفين للمسافر والمقيم، ولم يفرق في ذلك بين التوقيت وعدمه فينبغي أن يضمن هذا الباب عندنا أحاديث التوقيت والأحاديث التي تقتضي أن لا توقيت. فأما الأول فقد تقدم منه ما يسر الله ذكره. وأما الثاني ففيه عن المغيرة بن شعبة ما روى الطبراني في المعجم الكبير من طريق عمر بن ذريح، عن عطاء بن أبي ميمونة، عن أبي بردة، عن المغيرة؛ قال: آخر غزاة غزونا مع رسول الله ﷺ أمرنا أن نمسح على خفافنا للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة ما لم نخلع. رواه عن الحسن بن علي الفسوي عن إبراهيم بن مهدي المصيصي عن عمر. ذُريح بفتح الذال المعجمة وكسر الراء المهملة وبعدها آخر الحروف ثم حاء مهملة. (١) وفيه عن عمر بن الخطاب ﵁. روى الدارقطني (٢) من جهة موسى بن علي بن رباح اللخمي، عن أبيه، عن

стр. 833

عقبة بن عامر، قال: خرجت من الشام إلى المدينة يوم الجمعة، ودخلت على عمر بن الخطاب فقال لي: متى أولجت خفك في رجليك؟ قلت: يوم الجمعة، قال: فهل نزعتهما؟ قلت: لا، قال: أصبت السنة. رواه عن أبي بكر النيسابوري، عن سليمان بن شعيب، عن بشر بن بكر، عن موسى بن علي. قال أبو بكر النيسابوري: هذا حديث غريب. قال الدارقطني: وهو صحيح الإسناد. لم يخرجه البخاري ولا مسلم وأخرجه النسائي. وفيه عن أنس بن مالك. قال الدارقطني: ثنا أبو محمد بن صاعد، ثنا الربيع بن سليمان، ثنا أسد بن موسى، ثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن زياد، عن زبيد بن الصلت؛ قال: سمعت عمر يقول: إذا توضأ أحدكم ولبس خفيه فليمسح عليهما وليصل فيهما ولا يخلعهما إن شاء إلا من جنابة. وقال: وثنا حماد بن سلمة، عن عبد الله بن أبي بكر وثابت عن أنس، عن النبي ﷺ مثله. قال ابن صاعد: ما علمت أحدًا جاء به إلا أسد بن موسى (١). وهذا الحديث ذكره الحاكم في "المستدرك" (٢) بعدما ذكر حديث عقبة بن عامر: خرجت من الشام، وقال: وقد روي عن أنس مرفوعًا بإسناد صحيح رواته عن

стр. 834

آخرهم ثقات إلا أنه شاذ بمرة. ثم رواه من جهة المقدام بن داود الرعيني عن عبد الغفار بن داود الحراني، عن حماد بن سلمة، عن عبيد الله بن أبي بكر، وثابت، عن أنس أن النبي ﷺ قال: "إذا توضأ أحدكم ولبس خفيه فليصل فيهما وليمسح عليهما ولا يخلعهما إن شاء إلا من جنابة". وقال فيه: على شرط مسلم، وعبد الغفار ثقة غير أنه ليس عند أهل البصرة عن حماد (١). واعترض ابن حزم على حديث أنس هذا بأن قال: وأسد منكر الحديث ولم يرو هذا أحد من ثقات أصحاب حماد بن سلمة. وكذلك قال في الأثر قبله عن عمر، وهذا مما انفرد به أسد بن موسى عن حماد وأسد منكر الحديث لا يحتج به. انتهى. أسد بن موسى ذكر أبو العرب قال: قال أبو الحسن -يعني الكوفي-: أسد بن موسى ثقة وذكر أيضًا توثيقه عن البزار ولم يعلم أحدًا تكلم فيه. وقد قال فيه ابن يونس: كان رجلًا صالحًا وكان ثقة فيما روى وحدث بأحاديث منكرة وأحسب الآفة من غيره. فإن كان أبو محمد وقف على كلام ابن يونس واستند في قوله منكر الحديث إلى قول ابن يونس: حدث بأحاديث منكرة؛ فإن البون بينهما بعيد جدًّا، فمقتضى منكر الحديث أن حديثه لا يصلح للاحتجاج به لغلبة النكارة عليه ولا يعطي قوله حدث بأحاديث منكرة ولا عنده مناكير، وذلك ولا قريب منه.

стр. 835

وفيه عن ميمونة بنت الحارث الهلالية. أخرجه الدارقطني من جهة أحمد بن حنبل عن أبي بكر الحنفي؛ قال: ثنا عمر بن إسحاق بن يسار وأخوه محمد بن إسحاق بن يسار، قال: قرأت كتابًا لعطاء بن يسار مع عطاء بن يسار؛ قال: سألت ميمونة زوج النبي ﷺ عن المسح؛ قالت: قلت: يا رسول الله! كل ساعة يمسح الإنسان على الخفين ولا يخلعهما" قال: نعم. وفيه عن خزيمة بن ثابت، قال: جعل رسول الله ﷺ للمسافر ثلاثًا ولو مضى السائل في مسألته لجعلها خمسًا. وهو عند ابن ماجه وقد تقدم الكلام عليه. وفيه عن أبي بن عِمارة ما رواه أبو داود (١) من جهة يحيى بن أيوب عن عبد الرحمن بن رزين، عن محمد بن يزيد، عن أيوب بن قَطَن، عن أبي بن عمارة وكان قد صلى مع رسول الله ﷺ القبلتين: أنه قال: يا رسول الله! أمسح على الخفين؟ قال: "نعم"، قال: يومًا؟ قال: "ويومين"، قال: وثلاثة؟ قال: "نعم"، وما شئت. وفي رواية حتى بلغ سبعًا، قال رسول الله ﷺ : "نعم، ما بدا لك". قال أبو داود: قد اختلف في إسناده وليس بالقوي. وقال البخاري نحوه. وقال الإمام أحمد: رجاله لا يعرفون. وأخرجه الدارقطني وقال: هذا إسناد لا يثبت، وقد اختلف فيه على يحيى بن أيوب اختلافًا كثيرًا، وقد بينته في موضع آخر، وعبد الرحمن ومحمد بن يزيد

стр. 836

وأيوب ابن قطن كلهم مجهولون. قلت: لو ثبت لم تقم به حجة؛ إلا على التوقيت المنصوص عليه فيه لأن الزيادة فيه على ذلك التوقيت مظنونه أنهم لو سألوا لزادهم، وهذا صريح في أنهم ما سألوا ولا زيدوا، فكيف تثبت زيادة بخبر دل على عدم وقوعها. وعِمارة بكسر العين المهملة. وقد اختلف السلف في التوقيت في المسح على الخفين. فقال مالك والليث بن سعد: لا وقت للمسح على الخفين ومن لبس خفيه وهو طاهر مسح ما بدا له. قال مالك والليث: المسافر والمقيم في ذلك سواء. وروي مثل ذلك عن عمر بن الخطاب وعقبة بن عامر وعبد الله بن عمر والحسن البصري. روى حماد بن سلمة، عن محمد بن زياد، عن زبيد بن الصلت؛ قال: سمعت عمر يقول: إذا توضأ أحدكم ثم لبس الخفين فليمسح عليهما إن شاء ولا يخلعهما إلا من جنابة. قال حماد بن سلمة وثنا عبيد الله بن عمر: أن ابن عمر كان لا يجعل للمسح على الخفين وقتًا. قلت: هذا منقطع لأن عبيد الله لم يدرك ابن عمر. وقد ذكرنا خبر عقبة بن عامر مع عمر بن الخطاب في ذلك. وقال ابن وهب: ثنا عبد الجبار بن عمر، قال: قلت لابن شهاب: المسح على الخفين للمسافر ثلاثًا وللمقيم يوم وليلة، قال ابن شهاب: قد طلبنا ذلك فلم نجد

стр. 837

أحدًا يوقت لهما وقتًا. قال ابن وهب: وثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه قال: لا أعلم للمقيم أجلًا. قال: وثنا عبد الله بن عمر بن حفص؛ قال: سمعت نافعًا مولى ابن عمر يقول: ليس لمسح الخف عندنا وقت. قال: وسمعت مالكًا يقول: ليس عند أهل بلادنا في ذلك وقت. قال مالك: تمسح عليهما ما لم تنزعهما. قال ابن وهب: وهذا رأيي الذي آخذ به. ذكر عبد الرزاق (١) عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر؛ قال: تمسح (٢) على الخفين ما لم تخلعهما كان لا يوقت وقتًا. قال: وأبنا المعتمر بن سليمان عن أبيه، عن الحسن ... مثله. وروى كثير بن شنظير عن الحسن: سافرنا مع أصحاب رسول الله ﷺ فكانوا يمسحون على خفافهم من غير وقت ولا عدد. كثير: ضعيف. وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي والحسن بن حي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وداود الظاهري وأبو جعفر محمد بن جرير الطبري بالتوقيت للمقيم يومًا وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن.

стр. 838

وقد روي عن مالك في رسالته إلى هارون أو بعض الخلفاء التوقيت. وأنكر ذلك أصحابه؛ حكاه أبو عمر. وثبت التوقيت عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس وحذيفة والمغيرة بن شعبة وأبي زيد الأنصاري؛ هؤلاء من الصحابة ﵃. وروي عن جماعة من التابعين منهم: شريح القاضي وعطاء بن أبي رباح والشعبي. وعن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى أهل المصيصة: أن اخلعوا الخفاف في كل ثلاث. قال أبو عمر: وأكثر التابعين والفقهاء على ذلك، وهو الأحوط عندي لأن المسح ثبت بالتواتر واتفق عليه أهل السنة والجماعة، واطمأنت النفس إلى اتفاقهم. فلما قال أكثرهم: لا يجوز المسح للمقيم أكثر من خمس صلوات يوم وليلة، ولا يجوز للمسافر أكثر من خمسة عشرة صلاة؛ ثلاثة أيام ولياليها. فالواجب على العالم أن يؤدي صلاته بيقين، واليقين الغسل حتى يجمعوا على المسح ولم يجمعوا فوق الثلاث للمسافر ولا فوق اليوم للمقيم. قال أبو محمد علي بن أحمد: ولا يصح خلاف التوقيت عن أحد من الصحابة إلا عن ابن عمر فقط ولا حجة فيه لأن ابن عمر لم يكن عنده المسح ولا عرفه بل أنكره حتى أعلمه به سعد بالكوفة ثم أبوه بالمدينة في خلافته، فلم يكن في علم المسح كغيره وعلى ذلك فقد روي عنه التوقيت. روينا من طريق حماد بن زيد، عن محمد بن عبيد الله العرزمي، عن نافع،

стр. 839

عن ابن عمر: أنه قال: أين السائلون عن المسح على الخفين للمسافر ثلاثًا وللمقيم يومًا وليلة. قال الأصحاب: ويباح بالوضوء الممسوح فيه على الخفين الصلاة وسائر ما يفتقر إلى الطهارة ممتدًا إلى إحدى غايتين إما مضي مدة المسح وإما نزع الخف وما في معناه من تخرقه. وفي القول القديم لا يتقدر ذلك بمدة. وفي الجديد: يتقدر ذلك بمدة وهي يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويقوى من حيث تظاهر السنن والآثار القول الجديد. وقد تقدم الكلام على ما يستدل به لكل من القولين من السنن والآثار مستوعبًا. ثم نقول: لو ثبتت أحاديث عدم التوقيت وهي بعيدة من ذلك لكان الأخذ بأحاديث التوقيت أولى؛ لأ نها تضمنت شرعًا واردًا وحكمًا زائدًا إذ من المعلوم أن الأصل لا توقيت فمن أخبر به أخبر بحكم زائد يجب المصير إليه وهذا ظاهر، والله أعلم. وإذا قلنا بالتوقيت فالمعتبر في ابتداء المدة للمقيم والمسافر أنه من وقت الحدث يعد اللبس خلافًا لمن قال: إنه يعتبر من وقت المسح. وإلى الأول ذهب الشافعي وأبو حنيفة والثوري. وإلى الثاني ذهب الأوزاعي وأبو ثور وذكر عن أحمد. وروي عن الشعبي يمسح لخمس صلوات فقط إن كان مقيمًا ولا يمسح لأكثر، ويمسح لخمس عشرة صلاة فقط إن كان مسافرًا ولا يمسح لأكثر، وبه يقول إسحاق بن راهويه.

стр. 840

وقال البصري: أول زمانه من وقت لبس الخفين. واستدل من اعتبر أول مدته من وقت اللباس بحديث صفوان بن عسال؛ قال: كان النبي ﵇ يأمر إذا كنا سفرى أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن. فجعل الثلاث مدة اللباس. واستدل من اعتبر مدة زمانه من وقت المسح بحديث أبي بكرة أن النبي ﷺ قال: "يمسح المقيم يومًا وليلة، والمسافر ثلاثة أيام بلياليهن". فجعل مدة المسح ذلك. قال أبو الحسن الماوردي ﵀: والدليل على أن أول زمانه من وقت الحدث أنك تجعل ما استدل به كل واحد من الفريقين حجة على الأخر ثم تستدل بالمعنى الدال عليهما وهو أن كل عبادة اعتبر فيها الوقت فإن ابتداء وقتها محسوب من الوقت الذي يمكن فيه فعلها، كحكم الصلاة في القصر والإتمام؛ فإنه يعتبر بوقت الأداء والفعل فإن كان وقت فعلها وأدائها مسافرًا قصر وإن كان مقيمًا أتم، كذلك المسح أول زمانه من وقت الحدث لأنه أول وقت الفعل وصفته في مسح المقيم والمسافر معتبر بوقت المسح وإذا ثبت أن أول زمان المسح من حين يحدث بعد لبس الخف إلى مثله من الغد؛ إن كان مقيمًا، أو إلى مثله من اليوم الرابع إن كان مسافرًا فأكثر ما يمكن المقيم أن يصلي بالمسح ست صلوات مؤقتًا إلا أن يجمع بعذر مطرٍ فيصلي سبعًا، مثاله: أن يحدث بعد الزوال وقد مضى بعض الوقت فيمسح ويصلي الظهر ثم العصر ثم المغرب ثم العشاء ثم الصبح ثم الظهر أول وقتها ثم العصر يجمعها إليها. وأكثر ما يمكن المسافر أن يصلي بالمسح ستة عشر صلاة إلا أن يجمع فيصلي

стр. 841

سبعة عشرة منهن عشرة في يومين وسبع في اليوم الثالث على ما وصفنا من جمعه. ويجوز للماسح أن يصلي ما شاء من الفوائت والنوافل لأن وقت المسح مقدر بالزمان لا بالصلوات. وقد اختلف العلماء في سفر المعصية وفي السفر القصير هل مدة للمسح فيهما ثلاثة أيام ولياليهن أو لا؟ على قولين: مذهب أبو حنيفة وغيره إلى أنه لا فرق بين سفر الطاعة والمعصية وبين السفر الطويل والقصير في ذلك كله. وهو ظاهر لما دلت عليه الأحاديث من أن تلك المدة منوطة بمطلق السفر من غير قيد زائد. وذهب الشافعي وأصحابه إلى أن تلك المدة لا بد لها من شرطين. الأول أن يكون السفر طويلًا، والثاني أن يكون في غير معصية. قالوا: فإذا سافر في معصية لم يجز أن يمسح ثلاثًا لأن المسح رخصة والعاصي لا يترخص له. واختلفوا هل يجوز أن يمسح يومًا وليلة على وجهين. وكذلك لو كان مقيمًا على معصية فأحد الوجهين لا يجوز أن يمسح شيئًا لما ذكرناه من العاصي لا يرخص له. وهذا قول أبي سعيد الإصطخري. والثاني: يمسح يومًا وليلة مسافرًا كان أو مقيمًا وإن كان عاصيًا لأن مسح الخفين ملحق بطهارة الأعضاء التي هي عبادات مفعولة فاستوى فيه المطيع والعاصي

стр. 842

كالصلاة وليس بترك فمنع منه للمعصية (١) كالفطر والقصر. وهذا قول أبي العباس بن سريج. قال أصحابنا: فإذا أجنب قبل انقضاء المدة لم يجز المسح على الخف. فلو اغتسل وغسل رجليه في الخف ارتفعت جنابته وجازت صلاته. فلو أحدث بعد ذلك لم يجز له المسح على الخف بل لا بد من خلعه ولبسه على طهارة، بخلاف ما لو تنجست رجله في الخف فغسلها فيه فإن له المسح على الخف بعد ذلك. وفي أحاديث الباب دليل على من أنكر المسح في الحضر وربما استدل من أنكره بقول عائشة: عليك بابن أبي طالب فإنه كان يسافر مع رسول الله ﷺ وهذا الموضع من الحديث وإن اقتضى شيئًا من ذلك فإن تمام الحديث يقتضي التوقيت للمقيم والمسافر، فهو دليل على هذا القائل لا له، والله أعلم. وممن ذهب إلى ذلك: مالك بن أنس في رواية عنه وليست جادة مذهبه. ومسائل هذا الباب كثيرة لسنا بصدد تقصيها ولا تتبعها فمن أرادها وجدها في كتب الفروع، والله أعلم. * * *

стр. 843

٧٢ - باب ما جاء في المسح على الخفين أعلاه وأسفله ثنا أبو الوليد الدمشقي، نا الوليد بن مسلم، أخبرني ثور بن يزيد، عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، عن المغيرة بن شعبة: أن النبي ﷺ : مسح أعلى الخف وأسفله. قال أبو عيسى: وهذا قول غير واحد من أصحاب النبي ﷺ والتابعين. وبه يقول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق. وهذا الحديث معلول لم يسنده عن ثور بن يزيد غير الوليد بن مسلم. قال أبو عيسى: وسألت أبا زرعة ومحمدًا عن هذا الحديث فقالا: ليس بصحيح لأن ابن المبارك روى هذا عن ثور عن رجاء، قال: حدثت عن كاتب المغيرة مرسل عن النبي ﷺ ولم يذكر فيه المغيرة. * الكلام عليه: أخرجه أبو داود وابن ماجه وابن الجارود. وضعفه الإمام الشافعي. وقال أبو داود: بلغني أنه لم يسمع هذا الحديث ثور من رجاء. وقال الأثرم سمعت أبا عبد الله -يعني أحمد بن حنبل- يضعفه ويذكر أنه ذكره لعبد الرحمن بن مهدي فذكره عن ابن المبارك عن ثور قال: حدثت عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة أن النبي ﷺ ... وليس فيه المغيرة. فأفسده من وجهين: حين قال: حدثت عن رجاء، وأرسله ولم يسنده.

стр. 844

وقد كان نعيم بن حماد حدثني هذا عن ابن المبارك كما حدث به الوليد فقال: عن ثور، عن رجاء، عن كاتب المغيرة، عن المغيرة. فقلت له: إنما يقوله الوليد فأما ابن المبارك فيقول: حدثت عن رجاء ولا يذكر المغيرة. فقال: هذا حديثي الذي أسأل عنه فأخرج إلي كتابه القديم بخط عتيق فإذا فيه ملحق بين السطرين بخط ليس بالقديم (عن المغيرة) فأوقفته عليه وأخبرته أن هذه زيادة في الإسناد لا أصل لها فجعل يقول للناس بعد وأنا أسمع: اضربوا على هذا الحديث؛ هذا معناه. وقال الدارقطني في العلل عن هذا الحديث: لا يثبت لأن ابن المبارك رواه عن ثور بن يزيد مرسلًا، ومع هذا فقد روى الدارقطني عن عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، عن داود بن رُشيد، عن الوليد بن مسلم، عن ثور بن يزيد؛ قال: ثنا رجاء بن حيوة. فقد صرح في هذه الرواية عن ثور بأن رجاءً حدثه. وقد رواه أحمد بن عبيد الصفار عن أحمد بن يحيى بن إسحاق الحلواني، عن داود بن رشيد، فقال: عن رجاء ولم يقل: ثنا رجاء. فقد اختلف على داود بن رشيد في هذه اللفظة. وقد علل أيضًا بعلتين: أما الأولى ففيه عن كاتب المغيرة ولم يُسمِّ. والجواب: أن وصفه بكتابة المغيرة قائم مقام التسمية لأن ورادًا مولاه هو المعروف بذلك وهو مخرج له في الصحيح، وقد أخرج أصحاب الأطراف هذا الحديث

стр. 845

في ترجمة وراد عن المغيرة. ونسبه كذلك ابن عساكر إلى تخريج أبي داود والترمذي وهو عندهما كذلك عن كاتب المغيرة غير مسمى. وأما ابن ماجه في "سننه" فصرح باسمه فقال: عن رجاء بن حيوة، عن وراد كاتب المغيرة. وأما الثالثة فقال شيخنا الإمام الحافظ أبو الفتح القشيري رحمه الله تعالى: وأما الوجه الثالث -يعني ما علل به هذا الحديث-وهو تدليس الوليد -يعني ابن مسلم- وقد أشار إليه أبو الفرج بن الجوزي في تحقيقه فقال: كان الوليد يروي عن الأوزاعي أحاديث هي عند الأوزاعي عن شيوخ ضعفاء عن شيوخ قد أدركهم الأوزاعي مثل نافع والزهري فيسقط أسماء الضعفاء ويجعلها عن الأوزاعي عنهم. انتهى. قال: وهذا الوجه ليس بشيء فقد أمن تدليس الوليد في هذه الرواية بما رواه أبو داود في سننه فقال: أخبرني ثور. انتهى كلام القشيري رحمه الله تعالى. وقوله: ليس بشيء، ليس بشيء؛ بل هو وجه من التعليل صحيح لم يأت عنه بجواب، وجوابه عنه بأنه قد أمن تدليس الوليد بقوله: أخبرني في رواية من روى ذلك عنه، ودليل على أنه لم يأت على المراد من هذا التعليل لأن التصريح بذلك الإخبار لا يسقطه وبيانه أنه النوع الذي رمي به الوليد بن مسلم من التدليس هو نوع يسمى عندهم (تدليس) التسوية وهو يختص بالتدليس في شيخ شيخه لا في شيخه، وذلك أنه يعمد لأحاديث مثلًا رواها هو عن الأوزاعي وهي عند الأوزاعي عن شيوخ له ضعفاء رووها عن الثقات من شيوخ الأوزاعي نفسه كحديث يكون فيه بين الأوزاعي والزهري أو بين الأوزاعي ونافع أو بين الأوزاعي وعطاء رجل
следующие страницы →