سبعة عشرة منهن عشرة في يومين وسبع في اليوم الثالث على ما وصفنا من جمعه.
ويجوز للماسح أن يصلي ما شاء من الفوائت والنوافل لأن وقت المسح مقدر بالزمان لا بالصلوات.
وقد اختلف العلماء في سفر المعصية وفي السفر القصير هل مدة للمسح فيهما ثلاثة أيام ولياليهن أو لا؟ على قولين:
مذهب أبو حنيفة وغيره إلى أنه لا فرق بين سفر الطاعة والمعصية وبين السفر الطويل والقصير في ذلك كله.
وهو ظاهر لما دلت عليه الأحاديث من أن تلك المدة منوطة بمطلق السفر من غير قيد زائد.
وذهب الشافعي وأصحابه إلى أن تلك المدة لا بد لها من شرطين.
الأول أن يكون السفر طويلًا، والثاني أن يكون في غير معصية.
قالوا: فإذا سافر في معصية لم يجز أن يمسح ثلاثًا لأن المسح رخصة والعاصي لا يترخص له.
واختلفوا هل يجوز أن يمسح يومًا وليلة على وجهين.
وكذلك لو كان مقيمًا على معصية فأحد الوجهين لا يجوز أن يمسح شيئًا لما ذكرناه من العاصي لا يرخص له.
وهذا قول أبي سعيد الإصطخري.
والثاني: يمسح يومًا وليلة مسافرًا كان أو مقيمًا وإن كان عاصيًا لأن مسح الخفين ملحق بطهارة الأعضاء التي هي عبادات مفعولة فاستوى فيه المطيع والعاصي
стр. 842
كالصلاة وليس بترك فمنع منه للمعصية (١) كالفطر والقصر.
وهذا قول أبي العباس بن سريج.
قال أصحابنا: فإذا أجنب قبل انقضاء المدة لم يجز المسح على الخف. فلو اغتسل وغسل رجليه في الخف ارتفعت جنابته وجازت صلاته.
فلو أحدث بعد ذلك لم يجز له المسح على الخف بل لا بد من خلعه ولبسه على طهارة، بخلاف ما لو تنجست رجله في الخف فغسلها فيه فإن له المسح على الخف بعد ذلك.
وفي أحاديث الباب دليل على من أنكر المسح في الحضر وربما استدل من أنكره بقول عائشة: عليك بابن أبي طالب فإنه كان يسافر مع رسول الله ﷺ وهذا الموضع من الحديث وإن اقتضى شيئًا من ذلك فإن تمام الحديث يقتضي التوقيت للمقيم والمسافر، فهو دليل على هذا القائل لا له، والله أعلم.
وممن ذهب إلى ذلك: مالك بن أنس في رواية عنه وليست جادة مذهبه.
ومسائل هذا الباب كثيرة لسنا بصدد تقصيها ولا تتبعها فمن أرادها وجدها في كتب الفروع، والله أعلم.
* * *
стр. 843
٧٢ - باب ما جاء في المسح على الخفين أعلاه وأسفله
ثنا أبو الوليد الدمشقي، نا الوليد بن مسلم، أخبرني ثور بن يزيد، عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، عن المغيرة بن شعبة: أن النبي ﷺ : مسح أعلى الخف وأسفله.
قال أبو عيسى: وهذا قول غير واحد من أصحاب النبي ﷺ والتابعين.
وبه يقول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق.
وهذا الحديث معلول لم يسنده عن ثور بن يزيد غير الوليد بن مسلم.
قال أبو عيسى: وسألت أبا زرعة ومحمدًا عن هذا الحديث فقالا: ليس بصحيح لأن ابن المبارك روى هذا عن ثور عن رجاء، قال: حدثت عن كاتب المغيرة مرسل عن النبي ﷺ ولم يذكر فيه المغيرة.
* الكلام عليه:
أخرجه أبو داود وابن ماجه وابن الجارود.
وضعفه الإمام الشافعي.
وقال أبو داود: بلغني أنه لم يسمع هذا الحديث ثور من رجاء.
وقال الأثرم سمعت أبا عبد الله -يعني أحمد بن حنبل- يضعفه ويذكر أنه ذكره لعبد الرحمن بن مهدي فذكره عن ابن المبارك عن ثور قال: حدثت عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة أن النبي ﷺ ... وليس فيه المغيرة.
فأفسده من وجهين:
حين قال: حدثت عن رجاء، وأرسله ولم يسنده.
стр. 844
وقد كان نعيم بن حماد حدثني هذا عن ابن المبارك كما حدث به الوليد فقال: عن ثور، عن رجاء، عن كاتب المغيرة، عن المغيرة.
فقلت له: إنما يقوله الوليد فأما ابن المبارك فيقول: حدثت عن رجاء ولا يذكر المغيرة.
فقال: هذا حديثي الذي أسأل عنه فأخرج إلي كتابه القديم بخط عتيق فإذا فيه ملحق بين السطرين بخط ليس بالقديم (عن المغيرة) فأوقفته عليه وأخبرته أن هذه زيادة في الإسناد لا أصل لها فجعل يقول للناس بعد وأنا أسمع: اضربوا على هذا الحديث؛ هذا معناه.
وقال الدارقطني في العلل عن هذا الحديث: لا يثبت لأن ابن المبارك رواه عن ثور بن يزيد مرسلًا، ومع هذا فقد روى الدارقطني عن عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، عن داود بن رُشيد، عن الوليد بن مسلم، عن ثور بن يزيد؛ قال: ثنا رجاء بن حيوة.
فقد صرح في هذه الرواية عن ثور بأن رجاءً حدثه.
وقد رواه أحمد بن عبيد الصفار عن أحمد بن يحيى بن إسحاق الحلواني، عن داود بن رشيد، فقال: عن رجاء ولم يقل: ثنا رجاء.
فقد اختلف على داود بن رشيد في هذه اللفظة.
وقد علل أيضًا بعلتين:
أما الأولى ففيه عن كاتب المغيرة ولم يُسمِّ.
والجواب: أن وصفه بكتابة المغيرة قائم مقام التسمية لأن ورادًا مولاه هو المعروف بذلك وهو مخرج له في الصحيح، وقد أخرج أصحاب الأطراف هذا الحديث
стр. 845
في ترجمة وراد عن المغيرة.
ونسبه كذلك ابن عساكر إلى تخريج أبي داود والترمذي وهو عندهما كذلك عن كاتب المغيرة غير مسمى.
وأما ابن ماجه في "سننه" فصرح باسمه فقال: عن رجاء بن حيوة، عن وراد كاتب المغيرة.
وأما الثالثة فقال شيخنا الإمام الحافظ أبو الفتح القشيري رحمه الله تعالى: وأما الوجه الثالث -يعني ما علل به هذا الحديث-وهو تدليس الوليد -يعني ابن مسلم- وقد أشار إليه أبو الفرج بن الجوزي في تحقيقه فقال: كان الوليد يروي عن الأوزاعي أحاديث هي عند الأوزاعي عن شيوخ ضعفاء عن شيوخ قد أدركهم الأوزاعي مثل نافع والزهري فيسقط أسماء الضعفاء ويجعلها عن الأوزاعي عنهم. انتهى.
قال: وهذا الوجه ليس بشيء فقد أمن تدليس الوليد في هذه الرواية بما رواه أبو داود في سننه فقال: أخبرني ثور. انتهى كلام القشيري رحمه الله تعالى.
وقوله: ليس بشيء، ليس بشيء؛ بل هو وجه من التعليل صحيح لم يأت عنه بجواب، وجوابه عنه بأنه قد أمن تدليس الوليد بقوله: أخبرني في رواية من روى ذلك عنه، ودليل على أنه لم يأت على المراد من هذا التعليل لأن التصريح بذلك الإخبار لا يسقطه وبيانه أنه النوع الذي رمي به الوليد بن مسلم من التدليس هو نوع يسمى عندهم (تدليس) التسوية وهو يختص بالتدليس في شيخ شيخه لا في شيخه، وذلك أنه يعمد لأحاديث مثلًا رواها هو عن الأوزاعي وهي عند الأوزاعي عن شيوخ له ضعفاء رووها عن الثقات من شيوخ الأوزاعي نفسه كحديث يكون فيه بين الأوزاعي والزهري أو بين الأوزاعي ونافع أو بين الأوزاعي وعطاء رجل
стр. 846
ضعيف مع أنه معروف بالرواية عن الزهري ونافع وعطاء فيسقط الوليد الواسطة الضعيف ويروى الحديث عن الأوزاعي عن الزهري أو عطاء أو نافع كيف ما كان وكلهم شيوخ للأوزاعي، فيروج بذلك الخبر عند سامعه لعلمه أن الأوزاعي روى عن أولئك الشيوخ.
وكذلك مثله ابن الجوزي مثالًا مستقيمًا.
والوليد موصوف عندهم بهذا النوع من التدليس.
ومن هذا الضرب ما يخشى وقوعه ها هنا فإنه قال: أخبرني ثور عن رجاء، فأتى به بصيغة العنعنة وهي لا تدل على الاتصال من مثله.
فبقي التدليس غير مأمون.
وقلما يرتكب التدليس ويسقط الواسطة إلا لمقتضى لإسقاطه فقد كانت مثل هذه العنعنة من الوليد في مثل هذا الموضع كافية في التعليل، لا سيما وقد صح عن ابن المبارك وهو من عرف محله قوله في هذا الحديث: عن ثور حُدثت عن رجاء بن حيوة.
فنبه على ثبوت واسطة مجهول فاقتضى -لما هو المعهود من تسوية الوليد- الضعف أو الجهالة في تلك الواسطة المطوي الذكر.
وتصريح الوليد بن مسلم بقوله: ثنا ثور عن رد هذا التعليل بمعزل.
ومثل هذا من الوليد إن كان بعد صحة الخبر المروي كذلك عنده من خارج أو مع حسن ظنه بمن طوى ذكره، فكلاهما قريب.
وإن كان مع الجهالة بحاله وقبل ثبوت الخبر عنده فقد دخل الخلل عليه من حيث لا يعلم.
стр. 847
وبعيد أن يكون ذلك منه مع ضعف الراوي عنده وعدم علمه بصحة الخبر الذي رواه من طريقه ففي ذلك انحطاط يرتفع حال مثل الوليد بن مسلم عنه؛ والله أعلم.
فالحديث على هذا معلل بالعلتين اللتين أشار إليهما الترمذي عن أبي زرعة والبخاري من الانقطاع بين ثور بن يزيد ورجاء بن حيوة، وكما أشار إليه أبو داود وكما نقله الإمام أحمد، عن عبد الرحمن بن مهدي وهو الذي يخشى من تسوية الوليد بن مسلم فيه أو كما زعم أبو زرعة والبخاري أن (حُدثت) سقطت بين رجاء بن حيوة وكاتب المغيرة كما رواه الترمذي عنهما.
وهو سقوط غير الأول ويمكن سقوطهما معًا.
والذي وجدته في جامع الترمذي كما ذكرته، وفي كتاب "العلل" له في سؤاله للبخاري وأبا زرعة وجوابهما له سقوط (حُدثت) بين ثور ورجاء بن حيوة كما هو عند أبي داود وأحمد وعلة الإرسال وظاهر أنها أقوى فيه من الإسناد لترجيح ابن المبارك مرسله على الوليد بن مسلم مسنده.
ولترجيح ابن مهدي راويه عن ابن المبارك مرسلًا على نعيم بن حماد راويه عنه مسندًا.
ولأن نعيم بن حماد رجع عن إسناده لما رأى (عن المغيرة) ملحقة بين السطرين بالخط الجديد.
وقد اختلف العلماء في كيفية المسح على الخفين.
فقال مالك والشافعي وأصحابهما يمسح ظهورهما وبطونهما وهو قول ابن عمر وابن شهاب.
وقال مالك والشافعي: إن مسح ظهورهما دون بطونهما أجزأه إلا أن مالكًا
стр. 848
قال: من فعل ذلك يعيد في الوقت.
قال: ومن مسح باطن الخفين دون ظاهرهما لم يجزه وكان عليه الإعادة في الوقت وبعده عند مالك.
وعنه في ذلك غير ما ذكرنا.
والمشهور من قول الشافعي أن من مسح ظهورهما واقتصر على ذلك أجزأه.
ومن مسح باطنهما دون ظاهرهما لم يجزه وليس بماسح مثل قول مالك سواء.
وله قول آخر مثل قول ابن شهاب: أن من مسح بطونهما ولم يمسح ظهورهما أجزأه.
والصحيح من مذهبه أن أعلى الخف يجزئ من أسفله ولا يجزئ مسح أسفله.
وتمام المسح عنده أن يمسح أعلى الخف وأسفله.
وحجتهما في ذلك حديث الباب.
وذكر ابن وهب عن أسامة بن زيد عن نافع عن ابن عمر: أنه كان يمسح أعلاهما وأسفلهما.
وعن ابن شهاب قال: إنما هما بمنزلة رجليك ما لم تخلعهما.
وعن عمر بن عبد العزيز: أنه كان يمسح أعلى الخف وأسفله.
وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري يمسح ظاهر الخفين دون باطنهما.
وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق وجماعة.
وبروى من فعل قيس بن سعد بن عبادة.
وهو قول الحسن البصري وعروة بن الزبير وعطاء بن أبي رباح وغيرهم.
وحجة من قال بذلك ما نذكره في الباب بعد هذا.
стр. 849
٧٣ - باب ما جاء في المسح على ظاهرهما
حدثنا علي بن حجر، ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه، عن عروة بن الزبير، عن المغيرة بن شعبة؛ قال: رأيت النبي ﷺ يمسح على الخفين على ظاهرهما.
قال أبو عيسى: حديث المغيرة حديث حسن.
وهو حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه، عن عروة، عن المغيرة، ولا نعلم أحدًا يذكر عن عروة، عن المغيرة على ظاهرهما غيره.
وهو قول غير واحد من أهل العلم وبه يقول سفيان الثوري وأحمد؛ قال محمد: وكان مالك يشير بعبد الرحمن بن أبي الزناد.
* الكلام عليه:
أخرجه أبو داود، ومن عدا عبد الرحمن بن أبي الزناد من رواته فمن شرط الصحيح.
وكذا في هذه الرواية عن عروة بن الزبير.
وكذلك رواه سليمان بن داود الهاشمي ومحمد بن الصباح عن ابن أبي الزناد.
ورواه أبو داود الطيالسي عن ابن أبي الزناد عن أبيه، عن عروة بن المغيرة بن شعبة ولفظه: أن النبي ﷺ صح ظاهر خفيه.
كذلك رواه إسماعيل بن موسى عن ابن أبي الزناد.
وفي الباب مما لم يذكره عن علي بن أبي طالب وعن عمر بن الخطاب ﵄.
стр. 850
أما حديث علي فروى أبو داود من حديث حفص بن غياث عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن عبد خير، عن علي ﵁ قال: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهر خفيه.
رواه بهذا الإسناد بعد ذلك ولفظه: لو كان الدين بالرأي لكان باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما، وقد مسح النبي ﷺ على ظهر خفيه.
وقد روي من غير وجه من طريق عبد خير عن علي.
قال أبو داود (١): ورواه أبو السوداء عن ابن عبد خير، عن أبيه؛ قال: رأيت عليًّا توضأ فغسل ظاهر قدميه وقال: لولا أني رأيت رسول الله ﷺ يفعله، وساق الحديث.
قال الحافظ المنذري: بقية الحديث "لظننت أن باطنهما أحق". انتهى.
أبو السوداء اسمه عمرو النهدي، رواه عنه سفيان وعنه الحميدي، وقال الحميدي: هذا منسوخ.
قال البيهقي: عبد خير لم يحتج به صاحبا الصحيح، لم يزد على ذلك.
وعبد خير بن يزيد الهمداني هذا كبير.
قال عبد الملك: قلت لعبد خير هذا: كم أتى عليك؟ قال: عشرون ومئة سنة، كنت ببلادنا فجاءنا كتاب رسول الله ﷺ فنودي في الناس فخرجوا إلى خير واسع، فأسلموا وأسلمنا.
قال يحيى بن معين وأحمد بن عبد الله العجلي: عبد خير ثقة.
стр. 851
وأما حديث عمر بن الخطاب؛ فقال ابن أبي شيبة: ثنا زيد بن الحباب، عن خالد بن أبي بكر، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه أن عمر بن الخطاب ﵁ سأله سعد بن أبي وقاص عن المسح على الخفين، فقال عمر بن الخطاب ﵁: سألت رسول الله ﷺ فأمرنا نمسح على ظهر الخفين إذا لبستهما وهما طاهرات.
أخرجه في "مسنده"، وذكره البيهقي.
وخالد بن أبي بكر هو ابن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب.
قال ابن أبي حاتم عن أبيه: يكتب حديثه.
وقال الترمذي عن البخاري: له مناكير عن سالم بن عبد الله.
قال أبو عمر في حديث عبد خير عن علي المتقدم: "يمسح على ظهور قدميه".
من أهل العلم من يحمل هذا على المسح على ظهور الخفين، يقول: معنى ذكر القدمين ها هنا أن يكونا مغيبين في الخف فهذا هو المسح الذي ثبت عن النبي ﷺ .
وأما المسح على القدمين فلا يصح عنه بوجه من الوجوه.
ومن قال إن الحديث على ظاهره جعله منسوخًا بقوله ﷺ : "ويل للأعقاب من النار".
وقال أصحابنا في كيفية المسح: أن الكيفية تتعلق بالأقل والأكمل.
فأما الأقل فيكفي في قدره ما ينطلق عليه اسم المسح؛ خلافًا لأبي حنيفة حيث قدر الأقل بثلاث أصابع من أصابع اليد.
ولأحمد حيث أوجب مسح أكثر الخف.
стр. 852
لنا أن النصوص متعرضة لمطلق المسح فإذا أتى بما يقع عليه اسم المسح فقد مسح.
وهذا كما ذكرنا في مسح الرأس ثم لا بد وأن يكون محل المسح ما يوازي محل فرض الغسل من الرجل إذ المسح بدل عن الغسل وهل جميع ذلك محل المسح أم لا؟
ولا كلام في أن ما يحاذي غير الأخمصين والعقبين محل له.
وأما ما يحاذي الأخمصين وهو أسفل الخف ففي جواز الاقتصار على مسحه ثلاث طرق أظهرها أن فيه قولين أظهرهما أنه لا يجوز لأن الرخص يجب فيها الاتباع ولم يوثر الاقتصار على الأسفل.
قال أصحاب هذه الطريقة: وهذا هو المراد مما رواه المزني في المختصر: أنه إن مسح باطن الخف وترك الظاهر أعاد.
والثاني: وهو مخرج أنه لا يجوز لأنه محاذٍ لمحل الفرض كالأعلى.
وعبر بعضهم عن هذا الخلاف بالوجهين.
والطريق الثاني القطع بالجواز ثم من الصائرين إليه من غلط المزني وزعم أن ما رواه لا يعرف للشافعي في شيء من كبته.
ومنهم من قال: أراد بالباطن الداخل لا للأسفل.
والطريق الثالث: القطع بالمنع.
وأما عقب الخف ففيه وجهان، أيضًا ثم منهم من رتب العقب على الأسفل وقال: العقب أولى بالجواز لأنه ظاهر يرى والأسفل لا يرى في أغلب الأحوال، فأشبه الداخل.
стр. 853
ومنهم من قال: العقب أولى بالمنع إذ لم يرد له ذكر أصلًا ومسح الأسفل مع الأعلى منقول، وإن لم ينقل الاقتصار عليه.
وأما الأكمل فأن يمسح أعلى الخف وأسفله خلافًا لأبي حنيفة وأحمد.
وقد تقدم ذلك في الباب قبل هذا.
* * *
стр. 854
٧٤ - باب ما جاء في المسح على الجوربين والنعلين
حدثنا هناد ومحمود بن غيلان؛ قالا: ثنا وكيع عن سفيان، عن أبي قيس، عن هزيل بن شرحبيل، عن المغيرة بن شعبة؛ قال: توضأ النبي ﷺ ومسح على الجوربين والنعلين.
قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح.
وهو قول غير واحد من أهل العلم وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق؛ قالوا: يمسح على الجوربين وإن لم يكونا منعلين إذا كانا ثخينين.
قال: وفي الباب عن أبي موسى.
* الكلام عليه:
رواه أحمد بن حنبل وأخرجه أبو داود وابن ماجه.
وقال أبو داود: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث بهذا الحديث لأن المعروف عن المغيرة: أن النبي ﷺ مسح على الخفين.
وروي هذا أيضًا عن أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ : أنه مسح على الجوربين.
وليس بالمتصل ولا بالقوي.
قال أبو داود: ومسح على الجوربين علي بن أبي طالب وابن مسعود والبراء بن عازب وأنس بن مالك وأبو أمامة وسهل بن سعد وعمرو بن حريث.
وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وابن عباس ﵃.
стр. 855
وسئل الدارقطني عن حديث هزيل بن شرحبيل، عن المغيرة هذا، فقال: يرويه الثوري عن أبي قيس الأودي، عن هزيل بن شرحبيل عن المغيرة.
ورواه كليب بن وائل عن أبي قيس عمن أخبره عن المغيرة وهو هزيل ولكنه لم يسمه ولم يروه غير أبي قيس وهو مما يغمز به عليه لأن المحفوظ عن المغيرة: المسح على الخفين. انتهى.
وأبو قيس الأودي عبد الرحمن بن ثروان؛ قال إسحاق: يحيى بن معين ثقة، وقال عنه: يقدم على عاصم.
وقال أبو حاتم: ليس بالقوي هو قليل الحديث ليس بحافظ، قيل له: كيف حديثه؟ فقال: صالح هو لين الحديث.
وقال أحمد بن عبد الله: ثقة ثبت، روى له البخاري والجماعة إلا مسلمًا توفي سنة عشرين ومئة.
وهذا التعليل الذي ذكره الشيخ أبو الحسنن الدارقطني ليس مانعًا القول بصحته إذ لا مانع أن يكون الخبران صحيحين في المسح على الخفين، والمسح على الجوربين والنعلي.
ورجاله ثقات.
على أن أبا محمد يحيى بن منصور قال: رأيت مسلم بن الحجاج ضعف هذا الخبر، وقال أبو قيس الأودي وهزيل بن شرحبيل لا يحتملان هذا مع مخالفة الجلة الذين رووا هذا الخبر عن المغيرة، فقالوا: يمسح على الخفين.
وقالوا: لا نترك ظاهر القرآن بمثل أبي قيس وهزيل.
فذكرت هذه الحكاية عن مسلم لأبي العباس محمد بن عبد الرحمن الدغولي
стр. 856
فسمعته يقول: سمعت علي بن محمد بن شيبان؛ يقول: سمعت أبا قدامة السرخسي، يقول: قال عبد الرحمن بن مهدي، قلت لسفيان الثوري: لو حدثتني بحديث أبي قيس عن هزيل ما قبلته منك، فقال سفيان: الحديث ضعيف، أو واه، أو كلمة نحوها.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه فيما ذكره عنه البيهقي بسنده: أنه حدث أباه بهذا الحديث فقال أبي: ليس يروى إلا من حديث أبي قيس، قال: أبي عبد الرحمن بن مهدي أن يحدث به يقول: هو منكر.
وقال ابن المديني: حديث المغيرة في المسح رواه عن الغيرة أهل المدينة وأهل الكوفة والبصرة.
ورواه هزيل عن الغيرة إلا أنه قال: ومسح على الجوربين، وخالف الناس.
وروي أيضًا من جهة المفضل بن غسان قال: سألت أبا زكريا يحيى بن معين عن هذا الحديث فقال: الناس كلهم يروونه على الخفين غير أبي قيس. انتهى ما ذكره البيهقي.
وهذا كله ليس مخالفة معارضة بل يمكن أن يقال: إنه حديث آخر من طريق آخر رواته ثقات.
فتوجه بذلك تصحيح الترمذي له.
وأما حديث أبي موسى فعند ابن ماجه في سننه من حديث عيسى بن يونس عن عيسى بن سنان، عن الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب، عن أبي موسى الأشعري: أن رسول الله ﷺ توضأ ومسح على الجوربين والنعلين.
وقول أبي داود في هذا الحديث ليس بالمتصل ولا بالقوي أوضحه البيهقي
стр. 857
فقال: الضحاك بن عبد الرحمن لم يثبت سماعه من أبي موسى، وعيسى بن سنان ضعيف لا يحتج به.
وقد ضعفه يحيى بن معي.
وفيه مما لم يذكره عن بلال.
وأما في النعلين فقط فعن ابن عباس وأوس بن أوس الثقفي وعلي بن أبي طالب.
أما حديث بلال فروى الطبراني من حديث يزيد بن أبي زياد عن ابن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، عن بلال؛ قال: كان رسول الله ﷺ يمسح على الخفين والجوربين.
رواه عن إبراهيم بن أحمد بن عمر الوكيعي عن أبيه، عن ابن فضيل، عن يزيد.
يزيد وابن أبي ليلى يستضعفان.
وأما حديث ابن عباس فعند البيهقي من طريق رواد بن الجراح، عن سفيان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ توضأ مرة مرة ومسح على نعليه.
أخرجه ابن عدي ومن جهته هو عند البيهقي، وقال رواد تفرد عن الثوري بمناكير هذا أحدها، والثقات رووه عن الثوري دون هذه اللفظة. انتهى.
أما رواد بن الجراح أبو عاصم فقد تكلم فيه بعضهم ومع ذلك فقد وثقه يحيى بن معين وقال أحمد: لا بأس به صاحب سنة إلا أنه يتفرد عن الثوري بمناكير، وقال النسائي: ليس بالقوي.
стр. 858
وقد تابعه زيد بن الحباب عن الثوري.
أخرجه البيهقي عن ابن عبدان، عن الطبراني، عن إبراهيم بن عمر الوكيعي، عن أبيه، عن زيد بن الحباب بسنده: أن النبي ﷺ مسح على النعلين.
وقال: الصحيح رواية الجماعة.
وأما حديث أوس بن أبي أوس الثقفي فعند أبي داود عن مسدد وعباد بن موسى، قالا: نا هشيم، عن يعلى بن عطاء، عن أبيه؛ قال: عباد قال: أخبرني أوس بن أبي أوس الثقفي أن رسول الله ﷺ توضأ ومسح على نعليه.
قال البيهقي: وهو منقطع.
وأما حديث علي فإن ابن خزيمة فيما ذكر عنه ترجم عليه باب ذكر الدليل على أن مسح النبي ﷺ على النعلين كان في وضوء تطوع لا في وضوء واجب عليه من حدث يوجب الوضوء ثم ذكر طريق سفيان، عن السدي، عن عبد خير، عن علي أنه دعا بكوز من ماء ثم توضأ وضوءًا خفيفًا ومسح على نعليه ثم قال: هكذا وضوء رسول الله ﷺ للطاهر ما لم يحدث.
وأخرجه أحمد بن عبيد الصفار في مسنده بزيادة لفظة وفيه ثم قال: هكذا فعل رسول الله ﷺ ما لم يحدث.
وأما المسح على المُوق فقد اختلفت عباراتهم عنه.
فقال ابن سيده: الموق ضرب من الخفاف والجمع أمواق عربي صحيح.
وحكى الأزهري عن الليث الموقات ضرب من الخفاف ويجمع على الأمواق.
وقال الجوهري: الموق الذي يلبس فوق الخف فارسي معرب.
وقال القزاز: الموق الخف فارسي معرب، وجمعه أمواق.
стр. 859
وكذا قال الهروي، وقال كراع: الموق الخف والجمع أمواق.
فقد روى أبو داود من حديث شعبة عن أبي بكر -يعني ابن حفص بن عمر بن سعد- سمع أبا عبد الله عن أبي عبد الرحمن أنه شهد عبد الرحمن بن عوف يسأل بلالًا عن وضوء رسول الله ﷺ فقال: كان يخرج يقضي حاجته فأتيه بالماء فيتوضأ ويمسح على عمامته وموقيه.
قيل في أبي عبد الله هذا أنه مولى بني تيم ولم يسم هو ولا أبو عبد الرحمن ولا رأيت في الرواة عن كل واحد منهما إلا واحدًا وهو ما ذكر في هذا الإسناد.
وفيه عن المغيرة وسيأتي في الباب بعده.
وفيه عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ كان يمسح على الموقين والخمار.
رواه البيهقي من جهة علي بن عبد العزيز عن الحسن بن الربيع، عن أبي شهاب الخياط، عن عاصم الأحول، عن أنس بن مالك.
وبه عن بلال سوى ما تقدم.
روى أبو بكر بن خزيمة في صحيحه عن نصر بن مرزوق المصري، عن أسد بن موسى، عن حماد بن سلمة، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي إدريس الخولاني، عن بلال، عن النبي ﷺ : أنه مسح على الموقين والخمار.
وروى سعيد بن منصور في سننه من حديث بلال؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "امسحوا على النصيف والخمار".
وروى مسلم من حديث الأعمش، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، عن بلال: أن رسول الله ﷺ مسح على الخفين والخمار.
стр. 860
وأخرجه أبو داود والنسائي.
وقد روي من طريق ابن أبي ليلى، عن البراء بن عازب، عن بلال.
وفيه عن أبي ذر الغفاري ﵁.
روينا من طريق يعقوب بن سفيان الفسوي الحافظ في مشيخته، عن أبي محمد المسيب بن واضح السلمي، نا مخلد بن حسين، عن هشام، عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر؛ قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ ومسح على الموقين والخمار.
واختلف العلماء في المسح على الجوربين.
وقد نقلنا عن أبي داود من ذهب إلى ذلك من الصحابة وممن ذهب إلى ذلك ممن لم يذكره أبو داود أيضًا سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وأبو مسعود عقبه ابن عمرو البدري.
وكان ابن عمر يقول: المسح على الجوربين كالمسح على الخفين.
وعن قتادة، عن سعيد بن المسيب: الجوربان بمنزلة الخفين في المسح.
وعن عبد الرزاق، عن ابن جريج قلت لعطاء: أتمسح على الجوربين؟ قال: نعم، أمسح عليهما مثل الخفين.
وعن شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن إبراهيم النخعي: أنه كان لا يرى بالمسح على الجوربين بأسًا.
وعن أبي نعيم الفضل بن دكين، قال: سمعت الأعمش يسأل عن الجوربين: أيمسح عليهما من بات بهما؟ قال: نعم.
وعن قتادة، عن الحسن وخلاس بن عمرو أنهما كانا يريان الجوربين في المسح
стр. 861
بمنزلة الخفين.
وروى ذلك عن سعيد بن جبير ونافع مولى ابن عمر.
وهو قول سفيان الثوري والحسن بن حي وأبي يوسف ومحمد بن الحسن وأبي ثور وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وداود بن علي وغيرهم.
وقال أبو حنيفة: لا يمسح على الجوربين.
وقال مالك مرة: لا يمسح عليهما إلا أن يكون أسفلهما قد حزز عليهما بجلد -ثم- رجع فقال: لا يمسح عليهما.
وقال الشافعي: لا يمسح عليهما إلا أن يكونا مجلدين.
قال الرافعي: ولا يجوز المسح على اللفايف والجوارب المعدة من الصوف واللبد لأنه لا يمكن المشي عليهما ويسهل نزعهما ولبسهما فلا حاجة إلى إدامتها في الرجل ولأنها لا تمنع نفوذ الماء إلى الرجل ولا بد من شيء مانع على الأصح.
وكذلك الجوارب المتخذة من الجلد التي تلبس مع الكعب وهي جوارب الصوفية لا يجوز المسح عليها حتى تكون بحيث يمكن متابعة المشي عليها وتمنع نفوذ الماء إن اعتبرنا ذلك إما لصفاقتها أو لتجليد القدمين والنعل على الأسفل والإلصاق بالمكعب.
وحكى بعضهم أنها وإن كانت ضعيفة ففي اشتراط تجليد القدمين قولان، وعند أبي حنيفة: لا يجوز المسح على الجوربين وإن كان صفيقين حتى يكونا مجلدين أو منعلين.
وأما الجرموق وهو الذي يلبس فوق الخف وإنما يلبس غالبًا لشدة البرد فإذا لبس جرموقين فوق الخفين أو خفين فوق الخفين فلا يخلو من أربع أحوال:
стр. 862
أحدها: أن يكون الأسفل بحيث لا يمسح عليه لضعف أو لخرق. والأعلى بحيث يمسح عليه فالمسح على الأعلى والأسفل والحالة هذه كالجورب واللفافة.
والثاني: أن يكون الأمر بالعكس من ذلك فيمسح على الأسفل القوي وما فوقه بخرقة تلف على الخف فلو مسح على الأعلى فوصل البلل إلى الأسفل، فإن قصد المسح على الأسفل جاز.
وكذا لو قصد المسح عليهما جاز، ويلغو قصد المسح على الأعلى.
وفيه وجه إنه إذا قصدهما لم يعتد بالمسح. وإن قصد المسح على الأعلى الضعيف لم يجزه.
وإن لم يقصد شيئًا بل كان على نيته الأولى وقصد المسح في الجملة ففيه وجهان أظهرهما الجواز لأنه قصد إسقاط فرض الرجل بالمسح وقد وصل الماء إليه فيكفي.
الثالث: أن لا يكون واحد منهما بحيث يمسح عليه ولا يخفى تعدد المسح.
الرابع: أن يكون كل واحد منهما بحيث يمسح عليه.
فهل يجوز المسح على الأعلى؟ فيه قولان:
قال في القديم والإملاء يجوز وبه قال أبو حنيفة وأحمد والمزني: لأن المسح على الخف يجوز رفقًا وتخفيفًا.
وهذا المعنى موجود في الجرموق فإن الحاجة تدعو إلى لبسه وتلحق الشقة في نزعه عند كل وضوء.
وقال في الجديد: لا يجوز.
وهو أشهر الروايتين عن مالك لأن الأصل غسل الرجلين والمسح رخصة وردت
стр. 863
في الخف والحاجة إلى لبسه أهم فلا يلحق الجرموق، وإن فزعنا على القديم وجوّزنا المسح على الجرموق فكيف السبيل في ذلك.
ذكر ابن سريج فيه ثلاثة معان أظهرها أن الجرموق بدل عن الخف والخف بدل عن الرجل لأنه يستر الخف ستر الخف الرجل، ويشق نزعه كما يشق نزع الخف فأقيم مقامه.
وثانيها: أن الأسفل كاللفافة والخف هو الأعلى لأنا إذا جوّزنا المسح عليه فقد جعلناه أصلًا في رخصة المسح.
وثالثها: أن الأعلى والأسفل معًا بمثابة خف واحد.
فالأعلى كالظهارة والأسفل كالبطانة وتتفرع على هذه الأحوال مسائل مذكورة في كتب الفروع فمن أرادها وقف عليها هناك.
وأما المسح على النعلين فالذي ترجم عليه الترمذي: المسح على النعلين والجوربين؛ وذلك لا يقتضي انفراد النعلين عن الجوربين.
وقد بوب أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه في المسح على النعلين بلا جوربين فقال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن حبيب، عن زيد: أن عليًّا بال ومسح على النعلين.
وذكر بسنده عن أبي جعفر يعني الهاشمي قال: لا تمسح على النعلين، ثم ذكر حديث أوس بن أبي أوس الذي ذكرناه في الباب.
وقال: ثنا ابن إدريس عن الأعمش، عن أبي ظبيان، قال: رأيت عليًّا بال قائمًا، ثم توضأ ومسح على نعليه، ثم أقام المؤذن فخلعهما.
حدثنا سفيان، عن الزبير بن عدي، عن أكيل، عن سويد بن غفلة: أن عليًّا
стр. 864
بال ومسح على النعلين.
حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي ظبيان: أنه رأى عليًّا بال في الرحبة ثم توضأ ومسح على نعليه.
وأما المسح على الجرموقين فقال: ثنا ابن إدريس، عن يزيد بن أبي زياد؛ قال: رأيت على إبراهيم جرموقين من لبود يمسح عليهما.
قد ذكرنا في هذا الباب والأبواب قبله من أحاديث المسح على الخفين عدة تشهد لمذهب السنة والجماعة في ثبوته وما كذلك فلا يخالفه إلا مبتدع.
قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول فيمن تأول: أنه لا بأس أن يصلى خلفه إذا كان لتأويله وجه في السنة، قال أبو عبد الله: أرأيت لو أن رجلًا لم ير المسح على الخفين في الحضر لم تصل خلفه؟ قال: بلى، ثم قال: لو أنك لم تر أن تمسح فصلى بك رجل يرى المسح ألم تكن تصلي خلفه؟ -وذكر كلامًا ثم قال-: قيل لأبي عبد الله: فإن قال رجل أنا أذهب إلى حديث أبي أيوب حُبِّب إلي الغسل قال: نحن لا نذهب إلى حديث أبي أيوب ولكن لو ذهب إليه ذاهب صلينا خلفه، ثم قال: إلا أن يترك رجل المسح من أهل البدع مثل الرافضة الذين لا يمسحون وما أشبهه فهذا الآن لا يصلى خلفه.
قال أبو عمر: روى عن النبي ﵇ المسح على الخفين نحو أربعين من الصحابة واستفاض وتواتر. انتهى.
وقد بلغت عدة من أخرجنا عنه الأحاديث في ذلك فوق الأربعين صحابيًّا ولله الحمد والمنة.
* * *
стр. 865
٧٥ - باب ما جاء في المسح على العمامة
حدثنا محمد بن بشار، نا يحيى بن سعيد القطان، عن سليمان التيمي، عن بكر بن عبد الله المزني، عن الحسن، عن ابن المغيرة بن شعبة، عن أبيه، قال: توضأ النبي ﷺ ومسح على الخفين والعمامة.
قال بكر: وقد سمعته من ابن المغيرة.
قال: وذكر محمد بن بشار في هذا الحديث في موضع آخر: أنه مسح على ناصيته وعمامته.
وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن المغيرة بن شعبة.
ذكر بعضهم: المسح على الناصية والعمامة، ولم يذكر بعضهم الناصية، وسمعت أحمد بن الحسن يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما رأيت -يعني مثل يحيى بن سعيد القطان.
وفي الباب عن عمرو بن أمية وسلمان وثوبان وأبي أمامة.
قال أبو عيسى: حديث المغيرة حديث حسن صحيح.
وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ منهم أبو بكر وعمر وأنس.
وبه يقول الأوزاعي وأحمد وإسحاق قالوا: يمسح على العمامة.
وقال غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين؛ قالوا: لا يمسح على العمامة إلا أن يمسح برأسه مع العمامة.
وهو قول سفيان الثوري ومالك بن أنس وابن المبارك والشافعي.
стр. 866
حدثنا هناد، نا علي بن مسهر، عن الأعمش، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، عن بلال: أن النبي ﷺ مسح على الخفين والخمار.
قال أبو عيسى: سمعت الجارود بن معاذ يقول: سمعت وكيع بن الجراح يقول: إن مسح على العمامة يجزئه للأثر.
حدثنا قتيبة، نا بشر بن المفضل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر؛ قال: سألت جابر بن عبد الله عن المسح على الخفين فقال: السنة يا ابن أخي، وسألته عن المسح على العمامة، فقال: أمس الشعر.
* الكلام عليه:
أخرجه مسلم في صحيحه من حديث بكر المزني عن الحسن عن ابن المغيرة، عن أبيه: أن النبي ﷺ توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة وعلى الخفين.
ورواه المعتمر بن سليمان عن أبيه؛ قال: حدثني بكر بن عبد الله، عن ابن المغيرة، عن أبيه.
فسقط منه الحسن كما حكاه الترمذي وهذه عند مسلم وليس فيهما تسمية ابن المغيرة.
ورواه مسلم أيضًا عن محمد بن عبد الله بن بزيغ، عن يزيد -يعني- ابن زريع عن حميد الطويل نا بكر بن عبد الله المزني، عن عروة بن المغيرة بن شعبة، عن أبيه.
فسمي في هذه الرواية ابن المغيرة عروة.
стр. 867
قال الدارقطني في كتاب التتبع: وأخرج مسلم عن ابن بزيع، عن يزيد بن زريع، عن حميد، عن بكر، عن عروة بن المغيرة، عن أبيه قصة المسح.
قال: كذا قال ابن بزيع فيه وخالفه غيره عن يزيد.
فرواه عنه على الصواب عن حمزة بن المغيرة، رواه حميد بن مسعدة وعمرو بن علي، عن يزيد بن زريع على الصواب.
وكذا قال ابن أبي عدي، عن حميد.
وكلام الدارقطني يقضي نسبة الوهم فيه إلى ابن بزيع.
وحكى الحافظ أبو علي الجياني في كتابه تقييد المهمل قال: قال ابن مسعود الدمشقي: هكذا يقول مسلم بن الحجاج في حديث بزيع عن يزيد بن زريع، عن عروة بن المغيرة.
وخالفه الناس فقالوا: حمزة بن المغيرة بدل عروة.
وقول أبي مسعود يقتضي نسبة الوهم فيه إلى مسلم.
قلت: الوهم دائر بينهما إلى أن توضحه المتابعات فإن وجدنا راوٍ غير مسلم رواه عن ابن بزيع على الصواب فالحمل فيه على مسلم.
وإن وجدنا متابع مسلم رواه عن ابن بزيع كرواية مسلم فالحمل فيه على ابن بزيع.
وقد رواه حماد بن سلمة عن حميد، فقال: عن حمزة بن المغيرة على الصواب.
قرأت على أبي عبد الله محمد بن علي بن ساعد أخبركم الحافظ أبو الحجاج يوسف بن خليل قراءة عليه وأنت تسمع بحلب فأقر به أنا أبو عبد الله محمد بن أبي
стр. 868
زيد بن حمد الكراني، ثنا أبو منصور محمود بن إسماعيل الصيرفي، أنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن الحسين فاذشاه، أنا أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، ثنا علي بن عبد العزيز؛ قال: نا حجاج بن المنهال نا حماد بن سلمة، عن حميد، عن بكر بن عبد الله المزني، عن حمزة بن المغيرة بن شعبة، عن أبيه قال: رأيت رسول الله ﷺ يمسح على العمامة والموقين.
ورواه أيضًا من طريق ابن عيينة عن إسماعيل بن محمد، فقال: حمزة بن المغيرة.
أخرجه عن الدبري، عن عبد الرزاق عنه فتبين بما أوردناه صحة الطريقين.
بكر عن ابن المغيرة.
وبكر عن الحسن عن ابن المغيرة.
وقد نبه الترمذي عليهما وأن ابن المغيرة هو حمزة لا عروة.
وأما الحديث الآخر في المسح على الخفين: "فإني أدخلتهما طاهرتين"، فمن رواية عروة بن المغيرة عن أبيه.
وقد روى حديت المسح على العمامة هذا مسدد عن يزيد بن زريع فقال فيه حمزة.
كذلك هو عند أبي عوانة.
ورواه مسدد أيضًا عن يحيى بن سعيد، عن التيمي، عن بكر، فقال فيه عن ابن المغيرة ولم يسمه.
كذا هو عند الطبراني.
وأما ذكر الناصية في الحديث فعند مسلم والنسائي من حديث المغيرة: أن
стр. 869
النبي ﷺ كان يمسح على الخفين وعلى ناصيته وعلى عمامته.
وأما حديث عمرو بن أمية فقد تقدم في باب المسح على الخفين مخرجًا من صحيح البخاري وليس فيه للعمامة ذكر.
وهو عند البخاري من جهة الأوزاعي عن يحيى هو ابن أبي كثير (١)، عن أبي سلمة، عن جعفر بن عمرو بن أمية عن أبيه به.
وكذلك رواه علي بن المبارك وحرب بن شداد وأبان بن يزيد عن يحيى بن أبي كثير، ولم يذكروا العمامة في حديثهم.
ورواه عن الأوزاعي ابن المبارك ومبشر بن إسماعيل وأبو المغيرة وعبد الله بن داود والهقل بن زياد والوليد بن مسلم فزاد: والعمامة.
أما رواية الوليد فعند ابن ماجه عن دحيم عنه.
وأما رواية الهقل بن زياد وابن داود وأبي المغيرة فعند الطبراني، قال: نا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة، نا أبو المغيرة عن الأوزاعي، نا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جعفر بن عمرو، عن أبيه؛ قال: نا معاذ بن المثنى نا مسدد، نا عبد الله بن داود.
قال: ونا عبد الله بن أحمد بن حنبل؛ قال: حدثني الحكم بن موسى؛ قال: حدثني الهقل بن زياد كلهم عن الأوزاعي به.
وأما رواية مبشر بن إسماعيل فعند ابن أيمن ذكرها أبو محمد بن حزم من طريقه؛ قال: نا عبد الله بن أحمد بن حنبل، أخبرني الحكم بن موسى، نا مبشر بن إسماعيل، عن الأوزاعي، حدثني يحيى بن أبي كثير، أخبرني أبو سلمة بن
стр. 870
عبد الرحمن بن عوف، حدثني عمرو بن أمية الضمري أنه رأى رسول الله ﷺ يمسح على الخفين والعمامة.
وأما حديث ابن المبارك فقال الإمام أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي الحافظ فيما خرجه على صحيح البخاري أخبرني الحسن بن سفيان، نا حبان، نا عبد الله، أنا الأوزاعي.
وثنا القاسم، نا يعقوب بن إبراهيم، ثنا علي بن إسحاق، عن ابن المبارك، عن الأوزاعي، عن يحيى هو ابن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن ابن عمرو بن أمية، عن أبيه، عن النبي ﷺ : أنه كان يمسح على عمامته وخفيه.
ورواه معمر بن راشد عن يحيى بن أبي كثير فتابع الأوزاعي في ذكر العمامة.
وهو عند معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عمرو بن أمية.
وقال من أعله: أبو سلمة لم يسمع من عمرو بن أمية، إنما سمعه من جعفر.
وقد استشهد البخاري برواية معمر في هذا الحديث.
وأما أبو محمد بن حزم فرأى أن أبا سلمة سمعه من عمرو بن أمية ومن أبيه جعفر عنه كما صنع بكر المزني في حديث المغيرة السابق حيث سمعه من حمزة بن المغيرة ومن الحسن عن حمزة.
لا سيما وطريق ابن حزم التي رواها من جهة ابن أيمن فيها عن أبي سلمة حدثني عمرو بن أمية فهي صريحة في الاتصال.
وطريق الإسماعيلي أجود من كل ما ذكرنا لصحتها، وذكر العمامة فيها
стр. 871
واتصالها من حديث أبي سلمة عن ابن عمرو بن أمية عن أبيه فسلمت من هذه الشبهة.
(وأما من صحح سماع أبي سلمة من عمرو بن أمية فإنه) (١) قد روى بكر بن الأشج، عن الزبرقان بن عمرو بن أمية، أن أبا سلمة بن عبد الرحمن حدثه أنه أرسل جعفر بن عمرو بن أمية إلى أبيه، فسأله عن المسح على الخفين، فأتاه جعفر فقال: رأيت رسول الله ﷺ يمسح على الخفين.
هذه رواية عمرو بن الحارث عن جعفر بن ربيعة، عن بكير.
وهي تدل على أن أبا سلمة كان في زمن عمرو بن أمية.
وأما حديث سلمان فذكر الترمذي في العلل (٢) قال: نا محمد بن بشار، نا ابن مهدي، نا داود بن أبي الفرات، عن محمد بن زيد، عن أبي شريح، عن أبي مسلم مولى زيد بن صوحان قال: كنت مع سلمان الفارسي فرأى رجلًا يتوضأ فأراد أن ينزع خفيه فأمره سلمان أن يمسح على خفيه وناصيته، قال سلمان: رأيت رسول الله ﷺ في مسح على خفيه وعمامته.
قال: سألت محمدًا عن هذا الحديث، قلت: أبو شريح ما اسمه؟ قال: لا أدري لا أعرف اسمه ولا أعرف اسم أبي مسلم مولى زيد بن صوحان ولا أعرف لي غير هذا الحديث.
ورواه عبد السلام بن حرب، عن سعيد، عن قتادة وقلبه، فقال: عن أبي مسلم عن أبي شريح.
وأما حديث ثوبان فروى ثور بن يزيد، عن راشد بن سعد، عن ثوبان؛ قال:
стр. 872
بعت رسول الله ﷺ سرية فأصابهم البرد فلما قدموا على رسول الله ﷺ أمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين.
رواه الإمام أحمد عن يحيى بن سعيد عنه.
ورواه أبو داود، عن الإمام أحمد.
وذكر الخلال في علله أن أحمد، قال: لا ينبغي أن يكون راشد بن سعد سمع من ثوبان لأنه مات قديمًا.
والعصائب العمائم والتساخين الخفاف؛ قيل: لا واحد لها، وقيل: بل واحدها تسخان.
وقد روي من غير هذا الوجه:
وأما حديث أبي أمامة فروى الطبراني في معجمه الأوسط من حديث عفير بن معدان، عن سليم بن عامر، عن أبي أمامة ﵁: أن رسول الله ﷺ مسح على الخفين والعمامة في غزوة تبوك.
رواه عن أحمد بن عبد الرحمن، عن أبي جعفر النفيلي، عن عفير وقال: لم يرو هذا الحديث عن سليم بن عامر إلا عفير تفرد به النفيلي.
وأما حديث بلال فقد تقدم في الباب قبل هذا.
وحديث أبي ذر وقد تقدم أيضًا في الباب قبله.
وفيه عن أبي موسى الأشعري روى الطبراني في المعجم الأوسط من حديث عيسى بن سنان، عن الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب، عن أبي موسى الأشعري؛ قال: أتيت رسول الله ﷺ بوضوء فمسح على الجوربين في النعلين والعمامة.
стр. 873
وقد تقدم هذا في باب المسح على الجوربين والنعلين من غير ذكر العمامة من طريق ابن ماجه.
قال الطبراني: لا يرى هذا الحديث عن أبي موسى بهذا الإسناد تفرد به عيسى بن سنان.
وفيه عن خزيمة بن ثابت روى أبو القاسم الطبراني في المعجم الأوسط، عن أحمد بن محمد بن صدقة، عن محمد بن غالب الرافقي، عن الأحوص بن جواب، عن عمار بن رزيق، عن سعيد بن مسروق، عن إبراهيم التيمي، عن عمرو بن ميمون الأودي، عن أبي عبد الله الجدلي، عن خزيمة بن ثابت: أن النبي ﷺ كان يمسح على الخفين والخمار.
وقال: لم يرو هذا الحديث عن سعيد بن مسروق بهذا اللفظ؛ إلا عمار بن رزيق.
ورواه سفيان الثوري وأخوه عمر وأبو عوانة وأبو الأحوص وغيرهم عن سعيد بن مسروق، عن عمرو بن ميمون، عن أبي عبد الله الجدلي، عن خزيمة بن ثابت: أن النبي ﷺ يعني في المسح على الخفين للمقيم يومًا وليلة وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن.
وفيه عن أبي طلحة قال: مسح رسول الله ﷺ على الخمار والخفين.
روينا في كتاب مكارم الأخلاق لأبي بكر محمد بن جعفر الخرائطي: نا عمر يعني ابن شبة (١)، ثنا حرمي بن عمارة بن أبي حفصة، أنا شعبة عن عمرو بن دينار، عن يحيى بن جعدة، عن عبد الله بن عمرو القاري، عن أبي طلحة قال: مسح رسول الله ﷺ على الخمار والخفين.
стр. 874
وروى ابن أبي شيبة من طريق أبي إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير مرثد بن عبد الله اليزني، عن عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي؛ قال: رأيت أبا بكر ﵁ يمسح على الخمار -يعني في الوضوء-.
وعن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري، عن عمران بن مسلم، عن سويد بن غفلة؛ قال: سأل نباتة الجعفي عمر بن الخطاب ﵁ عن المسح على العمامة، فقال له عمر: إن شئت فامسح على العمامة وإن شئت فدع.
وعن عبد الرحمن بن مهدي، عن عبد الله بن عبد الله الرازي، عن زيد بن أسلم؛ قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: من لم يطهره المسح على العمامة فلا طهره الله.
وعن حماد بن سلمة، عن ثابت البناني وعبيد الله بن أبي بكر بن أنس كلاهما عن أنس بن مالك ﵁: أنه كان يمسح على الخفين والعمامة.
قال علي بن أحمد: وهذه أسانيد في غاية الصحة.
وعن الحسن عن أمه أم سلمة أم المؤمنين ﵂: أنها كانت تمسح على الخمار.
وعن سلمان الفارسي أنه قال لرجل: امسح على خفيك وعلى خمارك وامسح بناصيتك.
وعن أبي موسى الأشعري أنه خرج من حدث فمسح على خفيه وقلنسوته.
وعن أبي أمامة الباهلي أنه كان يمسح على الجوربين والخفين والعمامة.
وعن علي بن أبي طالب أنه سئل عن المسح على الخفين فقال: نعم وعلى النعلين والخمار.
стр. 875
وهو قول سفيان الثوري كما حكاه ابن حزم وهو مخالف لما حكاه الترمذي عن مذهبه.
وروى عبد الرزاق عنه قال: القلنسوة بمنزلة العمامة يعني في جواز المسح عليها.
وقد اختلف الفقهاء في المسح على العمامة.
فذهب إلى جوازه؛ الأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور وداود بن علي وغيرهم.
وقال الشافعي: إن صح الخبر عن رسول الله ﷺ فيه أقول.
وقال أبو حنيفة ومالك: لا يمسح على عمامة ولا خمار ولا خمار ذلك وهو مذهب الشافعي المدون في كتب أصحابه.
قال الرافعي في سنن الوضوء: والأولى أن يمسح من الرأس الناصية، مسح رسول الله ﷺ بناصيته وعلى عمامته.
ولا يجوز الاقتصار على مسح العمامة لأن المأمور به مسح الرأس والماسح على العمامة ليس بماسح على الرأس وإليه ذهب جابر بن عبد الله كما ذكره صاحب الكتاب عنه.
وقد رواه أيضًا أبو بكر بن أبي شيبة.
وروي عن يحيى بن آدم، عن سفيان، عن عبد الله، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان لا يمسح على العمامة.
وروي عن علي وإبراهيم والشعبي وعروة بن الزبير أنهم حسروا (١) عمائمهم
стр. 876
ومسحوا برؤوسهم.
وعن ابن إدريس عن ابن جريج، عن عطاء: أن رسول الله ﷺ توضأ فرفع العمامة فمسح مقدم رأسه.
وكان القاسم لا يمسح على العمامة.
وأما القائلون بالمسح على العمامة فاختلفوا هل يحتاج الماسح عليها إلى لبسها على طهارة أو لا؟
قال أبو ثور: لا يسمح على العمامة والخمار إلا من لبسهما على طهارة قياسًا على الخفين وخالفه غيره من القائلين بذلك في اشتراط الطهارة.
وكذلك اختلفوا في التوقيت.
وقد جاء عن عمر بن الخطاب ﵁ التوقيت في ذلك ثابتًا كالمسح على الخفين.
وبه قال أبو ثور، وخالفه فيه أيضًا غيره كما ذكرنا.
قال أبو محمد علي بن أحمد بن حزم: وقد مسح رسول الله ﷺ على العمامة والخمار ولم يوقت في ذلك وقتًا ووقت في المسح على الخفين.
قوله: في المسح على العمامة والخمار ولم يوقت في ذلك وقتًا؛ شهادة على النفي.
وقد روى الطبراني في معجمه الكبير عن أبي مسلم الكشي (١) وعبد الله بن أحمد بن حنبل، نا محمد بن أبي بكر المقدمي، نا عبد الصمد بن عبد الوارث، نا
стр. 877
مروان أبو سلمة، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة ﵁ أن النبي ﷺ كان يمسح على الخفين والعمامة ثلاثًا في السفر ويومًا وليلة في الحضر.
فهذا حديث يقتضي التوقيت لكن في إسناده مروان أبو سلمة ذكره أبو أحمد الحاكم في الكنى وقال ليس بالقوي عندهم.
وقال البخاري: منكر الحديث.
وقال الأزدي: ليس بشيء منكر الحديث.
وقال مهنا: سألت أحمد يعني عن هذا الحديث فقال: ليس بصحيح.
* * *
стр. 878
٧٦ - باب ما جاء في الغسل من الجنابة
ثنا هناد نا وكيع، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس، عن خالته ميمونة، قالت: وضعت للنبي ﷺ غسلًا فاغتسل من الجنابة فأكفأ الإناء بشماله على يمينه فغسل كفيه، ثم أدخل يده في الإناء فأفاض على فرجه، ثم دلك بيده الحائط والأرض، ثم مضمض واستنشق وغسل وجهه وذراعيه، ثم أفاض على رأسه ثلاثًا، ثم أفاض على سائر جسده ثم تنحى فغسل رجليه.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح وفي الباب عن أم سلمة وجابر وأبي سعيد وجبير بن مطعم وأبي هريرة.
حدثنا ابن أبي عمر، نا سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة؛ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه قبل أن يدخلهما الإناء ثم غسل فرجه ويتوضأ وضوءه للصلاة ثم يشرّب شعره الماء ثم يحثي على رأسه ثلاث حثيات.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح وهو الذي اختاره أهل العلم في الغسل من الجنابة أنه يتوضأ وضوءه للصلاة ثم يفرغ على رأسه ثلاث مرات ثم يفيض الماء على سائر جسده ثم يغسل قدميه.
والعمل على هذا عند أهل العلم.
وقالوا: إن انغمس الجنب في الماء ولم يتوضأ أجزأه.
وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق.
стр. 879
* الكلام عليه:
رواه عن الأعمش جماعة؛ منهم ...
وهذه عند مسلم، ومنهم: وكيع، وسفيان بن عيينة، وفيه سترت رسول الله ﷺ وهو يغتسل من الجنابة وفيه: فغسل فرجه وما أصابه ثم مسح بيده الحائط والأرض ثم توضأ وضوءه للصلاة غير رجليه ثم أفاض على جسده الماء ثم تنحى فغسل قدميه.
ومنهم أبو حمزة السكري وهي عند البخاري وفيها: ثم تنحى فغسل قدميه فناولته ثوبًا فلم يأخذه، فانطلق وهو ينفض يديه.
ومنهم الفضل بن موسى ومنهم عبد الواحد بن زياد وكلاهما عند البخاري.
ومنهم حفص بن غياث ومنهم زائدة عند الإسماعيلي.
قال الإسماعيلي: قد بين زائدة أن قوله من الجنابة ليس من قول ميمونة ولا ابن عباس وإنما هو عن سالم.
وفي حديث زائدة زيادة تستره حتى اغتسل.
وأما حديث عائشة فرواه مالك أيضًا في موطئه عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة ثم يدخل أصابعه في الماء فخلل بها أصول شعره ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات بيديه ثم يفيض الماء على جسده كله.
رواه البخاري والنسائي من حديث مالك.
ورواه مسلم من حديث أبي معاوية عن هشام وآخره: ثم غسل رجليه.
ورواه جرير وعلي بن مسهر، وابن نمير، ووكيع، وزائدة، كلها عند مسلم وليس
стр. 880
فيها غسل الرجلين.
وفي حديث زائدة: ثم توضأ مثل وضوئه للصلاة.
وقد روي من غير وجه عند البخاري ومسلم وغيرهما.
وأما حديث أم سلمة فعن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله! إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة؟ فقال: لا إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضي عليك الماء فتطهرين.
رواه مسلم والترمذي.
وسيأتي الكلام عليه في بابه.
وأما حديث جابر فمن طريق هشيم، عن أبي بشر، عن أبي سفيان، عن جابر بن عبد الله: أن وفد ثقيف سألوا رسول الله ﷺ فقالوا: إن أرضنا أرض باردة فكيف بالغسل؟ فقال: أما أنا فأفرغ على رأسي ثلاثًا.
وروى البخاري من حديث شعبة عن مخول بن راشد، عن محمد بن علي، عن جابر بن عبد الله؛ قال: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة صب على رأسه ثلاث حفنات من ماء، فقال له الحسن بن محمد: إن شعري كثير؛ قال جابر: فقلت له: يا ابن أخي! كان شعر رسول الله ﷺ أكثر من شعرك وأطيب.
ورواه البخاري (١) عن أبي نعيم، ثنا معمر بن يحيى بن سام، قال: حدثني أبو جعفر؛ قال: قال لي جابر: أتاني ابن عمك يعرِّض بالحسن بن محمد بن الحنفية قال: كيف الغسل من الجنابة؟ فقلت: كان النبي ﷺ يأخذ ثلاثة أكف فيفيضها على رأسه ثم يفيض على سائر جسده فقال لي الحسن: إني رجل كثير الشعر،