ومسحوا برؤوسهم.
وعن ابن إدريس عن ابن جريج، عن عطاء: أن رسول الله ﷺ توضأ فرفع العمامة فمسح مقدم رأسه.
وكان القاسم لا يمسح على العمامة.
وأما القائلون بالمسح على العمامة فاختلفوا هل يحتاج الماسح عليها إلى لبسها على طهارة أو لا؟
قال أبو ثور: لا يسمح على العمامة والخمار إلا من لبسهما على طهارة قياسًا على الخفين وخالفه غيره من القائلين بذلك في اشتراط الطهارة.
وكذلك اختلفوا في التوقيت.
وقد جاء عن عمر بن الخطاب ﵁ التوقيت في ذلك ثابتًا كالمسح على الخفين.
وبه قال أبو ثور، وخالفه فيه أيضًا غيره كما ذكرنا.
قال أبو محمد علي بن أحمد بن حزم: وقد مسح رسول الله ﷺ على العمامة والخمار ولم يوقت في ذلك وقتًا ووقت في المسح على الخفين.
قوله: في المسح على العمامة والخمار ولم يوقت في ذلك وقتًا؛ شهادة على النفي.
وقد روى الطبراني في معجمه الكبير عن أبي مسلم الكشي (١) وعبد الله بن أحمد بن حنبل، نا محمد بن أبي بكر المقدمي، نا عبد الصمد بن عبد الوارث، نا
стр. 877
مروان أبو سلمة، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة ﵁ أن النبي ﷺ كان يمسح على الخفين والعمامة ثلاثًا في السفر ويومًا وليلة في الحضر.
فهذا حديث يقتضي التوقيت لكن في إسناده مروان أبو سلمة ذكره أبو أحمد الحاكم في الكنى وقال ليس بالقوي عندهم.
وقال البخاري: منكر الحديث.
وقال الأزدي: ليس بشيء منكر الحديث.
وقال مهنا: سألت أحمد يعني عن هذا الحديث فقال: ليس بصحيح.
* * *
стр. 878
٧٦ - باب ما جاء في الغسل من الجنابة
ثنا هناد نا وكيع، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس، عن خالته ميمونة، قالت: وضعت للنبي ﷺ غسلًا فاغتسل من الجنابة فأكفأ الإناء بشماله على يمينه فغسل كفيه، ثم أدخل يده في الإناء فأفاض على فرجه، ثم دلك بيده الحائط والأرض، ثم مضمض واستنشق وغسل وجهه وذراعيه، ثم أفاض على رأسه ثلاثًا، ثم أفاض على سائر جسده ثم تنحى فغسل رجليه.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح وفي الباب عن أم سلمة وجابر وأبي سعيد وجبير بن مطعم وأبي هريرة.
حدثنا ابن أبي عمر، نا سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة؛ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه قبل أن يدخلهما الإناء ثم غسل فرجه ويتوضأ وضوءه للصلاة ثم يشرّب شعره الماء ثم يحثي على رأسه ثلاث حثيات.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح وهو الذي اختاره أهل العلم في الغسل من الجنابة أنه يتوضأ وضوءه للصلاة ثم يفرغ على رأسه ثلاث مرات ثم يفيض الماء على سائر جسده ثم يغسل قدميه.
والعمل على هذا عند أهل العلم.
وقالوا: إن انغمس الجنب في الماء ولم يتوضأ أجزأه.
وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق.
стр. 879
* الكلام عليه:
رواه عن الأعمش جماعة؛ منهم ...
وهذه عند مسلم، ومنهم: وكيع، وسفيان بن عيينة، وفيه سترت رسول الله ﷺ وهو يغتسل من الجنابة وفيه: فغسل فرجه وما أصابه ثم مسح بيده الحائط والأرض ثم توضأ وضوءه للصلاة غير رجليه ثم أفاض على جسده الماء ثم تنحى فغسل قدميه.
ومنهم أبو حمزة السكري وهي عند البخاري وفيها: ثم تنحى فغسل قدميه فناولته ثوبًا فلم يأخذه، فانطلق وهو ينفض يديه.
ومنهم الفضل بن موسى ومنهم عبد الواحد بن زياد وكلاهما عند البخاري.
ومنهم حفص بن غياث ومنهم زائدة عند الإسماعيلي.
قال الإسماعيلي: قد بين زائدة أن قوله من الجنابة ليس من قول ميمونة ولا ابن عباس وإنما هو عن سالم.
وفي حديث زائدة زيادة تستره حتى اغتسل.
وأما حديث عائشة فرواه مالك أيضًا في موطئه عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة ثم يدخل أصابعه في الماء فخلل بها أصول شعره ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات بيديه ثم يفيض الماء على جسده كله.
رواه البخاري والنسائي من حديث مالك.
ورواه مسلم من حديث أبي معاوية عن هشام وآخره: ثم غسل رجليه.
ورواه جرير وعلي بن مسهر، وابن نمير، ووكيع، وزائدة، كلها عند مسلم وليس
стр. 880
فيها غسل الرجلين.
وفي حديث زائدة: ثم توضأ مثل وضوئه للصلاة.
وقد روي من غير وجه عند البخاري ومسلم وغيرهما.
وأما حديث أم سلمة فعن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله! إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة؟ فقال: لا إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضي عليك الماء فتطهرين.
رواه مسلم والترمذي.
وسيأتي الكلام عليه في بابه.
وأما حديث جابر فمن طريق هشيم، عن أبي بشر، عن أبي سفيان، عن جابر بن عبد الله: أن وفد ثقيف سألوا رسول الله ﷺ فقالوا: إن أرضنا أرض باردة فكيف بالغسل؟ فقال: أما أنا فأفرغ على رأسي ثلاثًا.
وروى البخاري من حديث شعبة عن مخول بن راشد، عن محمد بن علي، عن جابر بن عبد الله؛ قال: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة صب على رأسه ثلاث حفنات من ماء، فقال له الحسن بن محمد: إن شعري كثير؛ قال جابر: فقلت له: يا ابن أخي! كان شعر رسول الله ﷺ أكثر من شعرك وأطيب.
ورواه البخاري (١) عن أبي نعيم، ثنا معمر بن يحيى بن سام، قال: حدثني أبو جعفر؛ قال: قال لي جابر: أتاني ابن عمك يعرِّض بالحسن بن محمد بن الحنفية قال: كيف الغسل من الجنابة؟ فقلت: كان النبي ﷺ يأخذ ثلاثة أكف فيفيضها على رأسه ثم يفيض على سائر جسده فقال لي الحسن: إني رجل كثير الشعر،
стр. 881
فقلت: كان رسول الله ﷺ أكثر شعرًا منك.
وأما حديث أبي سعيد فقال أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه: ثنا وكيع، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري: أن رجلًا سأله فقال: اغسل ثلاثًا، فقال: شعري كثير، فقال: كان رسول الله ﷺ أكثر شعرًا منك وأطيب.
وأما حديث جبير بن مطعم فعند البخاري ومسلم من رواية سليمان بن صُرد عنه عن النبي ﷺ : أنه ذُكر عنده الغسل من الجنابة فقال: أما أنا فأفرغ على رأسي ثلاثًا، وهذا لفظ مسلم.
وأما حديث أبي هريرة؛ فمن طريق الإمام أحمد بن حنبل ﵁ قال: جاء رجل؛ كم يكفي رأسي في الغسل من الجنابة؟ قال: كان رسول الله ﷺ يصب بيده على رأسه ثلاثًا، قال: إن شعري كثير، قال: كان شعر رسول الله ﷺ أكثر وأطيب.
ورواه أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو خالد الأحمر، عن محمد بن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، فذكره بمعناه.
وفي الباب مما لم يذكره الترمذي عن ثوبان، وعن عمر بن الخطاب، وعن ابن عمر، وابن عباس ﵃.
أما حديث ثوبان فعند أبي داود من طريق شريح بن عبيد؛ قال: أفتاني جبير بن نفير عن الغسل من الجنابة: أن ثوبان ﵁ حدثهم أنهم استفتوا النبي ﷺ عن ذلك فقال: "أما الرجل فلينشر رأسه فليغسله حتى يبلغ أصول الشعر وأما المرأة فلا عليها أن لا تنقضه لتغرف على رأسها ثلاث غرفات تكفيها".
وأما حديث عمر؛ فعند ابن أبي شيبة؛ قال: نا أبو خالد الأحمر، عن عثمان بن الأسود، عن عكرمة بن خالد قال: كان عمر إذا أجنب غسل سفلته ثم توضأ
стр. 882
وضوءه للصلاة ثم أفرغ عليه. قال: ثنا أبو الأحوص عن طارق عن عاصم بن عمر؛ قال: خرج نفر من أهل العراق إلى عمر فسألوه عن غسل الجنابة فقال: سألتموني عن خصال ما سألني عنها أحد منذ سألت رسول الله ﷺ غيركم؛ أما غسل الجنابة فتوضأ وضوءك للصلاة.
وأما حديث ابن عمر؛ فعند أبي داود من طريق عبد الله بن عصم، عن ابن عمر؛ قال: كانت الصلاة خمسين والغسل من الجنابة سبع مرار وغسل البول من الثوب سبع مرار فلم يزل رسول الله ﷺ يسأل حتى جعلت الصلاة خمسًا والغسل من الجنابة مرة وغسل البول من الثوب مرة.
عبد الله بن عُصم ويقال: ابن عِصمة نصيبي، ويقال: كوفي، كنيته أبو علوان؛ تكلم فيه غير واحد.
وراوي الخبر عنه أيوب بن جابر أبو سليمان اليمامي ولا يحتج بحديثه.
وأما حديث ابن عباس فمن رواية شعبة عنه: أنه كان إذا اغتسل من الجنابة يفرغ بيده اليمنى على اليسرى سبع مرار ثم يغسل فرجه، فنسي مرة فسألني: كم مرة أفرغت؟ قلت: لا أدري، قال: لا أم لك وما يمنعك أن تدري، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة ثم يفيض على جلده الماء ثم يقول: هكذا كان رسول الله ﷺ يتطهر.
شعبة هذا مولى ابن عباس يكنى أبا يحيى، وقيل: أبا عبد الله؛ مديني لا يحتج به.
وفيه عن الحسن عن النبي ﷺ مرسل عند ابن أبي شيبة، عن ابن علية، عن يونس، عن الحسن أن نبي الله ﷺ قال له ناس من أهل الطائف: إن أرضنا باردة، فما يجزي عنا من الغسل؛ قال: أما أنا فأحفن على رأسي ثلاث حفنات.
قوله في حديث ميمونة: وضعت للنبي ﷺ غسلًا هو مقيد بكسر الغين وهو
стр. 883
الماء المعد للاغتسال به (١).
قوله: فأكفأ الإناء يعني: قلبه أو أماله، وهو أول القلب ومنه الإكفاء في الشعر وهو قلب القافية الثانية إلى غير الصفة الأولى نحو قوله:
إذا ركبتم اجعلوني وسطًا ... إني كبير لا أطيق العندا
وقوله: يشرب شعره الماء؛ يعني يسقيه. والحثيات والحفنات؛ يريد ملء الكفين ثلاث مرات.
قال أبو عمر في حديث عائشة هذا: هو من أحسن حديث روي في ذلك وفيه فرض وسنة.
فأما السنة فالوضوء قبل الاغتسال من الجنابة ثبت ذلك عن رسول الله ﷺ أنه كان كذلك يفعل.
إلا أن المغتسل من الجنابة إذا لم يتوضأ وعم جميع جسده ورأسه ويديه ورجليه وسائر بدنه بالماء وأسبغ ذلك وأكمله بالغسل ومرور يديه، فقد أدى ما عليه إذا قصد الغسل ونواه وتم غسله لأن الله إنما افترض على الجنب الغسل دون الوضوء بقوله : ﴿وَلَا جُنُبًا إلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾.
وهذا إجماع لا خلاف فيه بين العلماء إلا أنهم مجمعون على استحباب الوضوء قبل الغسل للجنب تأسيًا برسول الله ﷺ وأنه أعون على الغسل وأهدب فيه.
وأما بعد الغسل فلا قال أصحابنا كمال غسل الجنابة أن يبدأ المغتسل فيغسل
стр. 884
كفيه ثلاثًا قبل إدخالهما في الإناء ثم يغسل ما على فرجه وسائر بدنه من الأذى ثم يتوضأ وضوءه للصلاة بكماله، ثم يدخل أصابعه في الماء فيغرف غرفة يخلل بها أصول شعره من رأسه ولحيته ثم يحثي على رأسه ثلاث حثيات، ويتعاهد معاطف بدنه كالإبطين وداخل الأذنين والسرة وما بين الأليتين وأصابع الرجلين وعكن البطن وغير ذلك فيوصل الماء إلى جميع ذلك، ثم يفيض على رأسه ثلاث حثيات، ثم يفيض الماء على سائر جسده ثلاث مرات، يدلك في كل مرة ما تصل إليه يداه من بدنه وإن كان يغتسل في نهر أو بركة انغمس فيها ثلاث مرات، ويوصل الماء إلى جميع بشرته والشعور الكثيفة والخفيفة، ويعم بالغسل ظاهر الشعر وباطنه وأصول منابته، والمستحب أن يبدأ بميامنه وأعالي بدنه وأن يكون مستقبل القبلة وأن يقول بعد الفراغ: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وينوي الغسل من أول شروعه فيما ذكرناه.
وتستحب النية إلى أن يفرغ من غسله، فهذا كمال الغسل والواجب من هذا كله النية في أول ملاقاة أول جزء من البدن للماء، وتعميم البدن شعره وبشره بالماء ومن شرطه أن يكون البدن طاهرًا من النجاسة وما زاد على هذا فيما ذكرناه سنة.
وينبغي لمن اغتسل من إناء كالإبريق ونحوه أن يتفطن لدقيقة قد يغفل عنها وهي أنه إذا استنجى وطهر محل الاستنجاء بالماء فينبغي أن يغسل محل الاستنجاء بعد ذلك بنية غسل الجنابة؛ لأنه إذا لم يغسله في هذا الحين ربما غفل عنه بعد ذلك فلا يصح غسله لتركه ذلك، وإن ذكره احتاج إلى مس فرجه فينتقض وضوءه، أو يحتاج إلى كلفة في لف خرقة على يده، هذا مذهبنا ومذهب كثير من الأئمة ولم يوجب أحد من العلماء الدلك في الغسل ولا في الوضوء إلا مالك والمزني ومن سواهما يقول: هو سنة لو تركت صحت طهارته في الوضوء والغسل.
стр. 885
ولم يوجب أيضًا الوضوء في غسل الجنابة إلا الظاهري داود ومن سواه يقولون: هو سنة فلو أفاض الماء على جميع بدنه من غير وضوء صح غسله واستباح به الصلاة وغيرها ولكن الأفضل أن يتوضأ كما ذكرنا وتحصل الفضيلة بالوضوء قبل الغسل أو بعده.
وإذا توضأ أولًا لا يأتي به ثانيًا؛ فقد اتفق العلماء على أنه لا يستحب وضوءان والله أعلم.
هكذا قال الشيخ محيي الدين النووي رحمه الله تعالى.
وقوله في هذا الكلام: "ثم يتوضأ وضوءه للصلاة بكماله"؛ احتراز من الوضوء دون غسل الرجل وتأخير غسلهما إلى آخر الغسل ففي هذه المسألة للشافعي قولان:
أصحهما: أن بكل وضوء يغسل القدمين.
والثاني: أن يؤخر غسل القدمين وقد تقدم في أحاديث الباب ما يشهد لكل من القولين.
وأكثر ما يجيب به من ذهب إلى تكملة الوضوء قبل إكمال الغسل أن غسل الرجلين في ذلك مرتين.
الأولى لتكملة أعضاء الوضوء.
والثانية: لإزالة ما قد يعلق بالقدمين من الرشاش أو الطين أو غير ذلك لا لجنابة وما أشبهها.
وأما من ذهب إلى تفرقة الوضوء وتأخير غسل القدمين إلى تمام الغسل فيحمل الوضوء حيث جاء في ذلك على أكثره ويشهد له رواية وكيع وسفيان، عن الأعمش في حديث ميمونة وفيه: ثم توضأ وضوءه للصلاة غير رجليه، وفي آخره: ثم تنحى
стр. 886
فغسل رجليه وهو عند البخاري.
وقال بعض الشافعيين وأما رواية البخاري عن ميمونة ﵂ يعني التي فيها: ثم تنحى فغسل قدميه فجرى ذلك مرة أو نحوها لبيان الجواز.
وهذا كما ثبت أنه ﵇: توضأ ثلاثًا ثلاثًا، و "مرة مرة"، فكان الثالث في معظم الأوقات لكونه للأفضل والمرة في نادر من الأوقات لبيان الجواز.
ونظائر هذا كثيرة.
وفي قول هذا القائل أن غسل القدمين في آخر الغسل إنما كان مرة أو نحوها نظر لأن هذا يتوقف على النقل.
وأيضًا فإن جُلّ من روى عنه ذلك مبسوطًا ميمونة وعائشة وقد ثبت ذلك أيضًا في حديث كل منهما.
أما حديث ميمونة وقد ذكرناه من غير وجه.
وأما حديث عائشة فقد ذكرناه مختصرًا من حديث أبي معاوية عن هشام، عن أبيه، عن عائشة؛ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه فيفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشعر حتى إذا رأى أن قد استبرأ حفن على رأسه ثلاث حفنات، ثم أفاض على سائر جسده ثم غسل رجليه.
وهي عند مسلم.
ورواية ميمونة التي فيها: يتوضأ وضوءه للصلاة غير رجليه -تعني: فيؤخرهما.
مبينة أن ذلك الغسل للرجلين في آخر الغسل ليس أجنبيًّا عن غسل الجنابة
стр. 887
كما تأوله من ذكرنا بل هو من تمامه وإلى ذلك نحا القرطبي فإنه قال: عن مالك الأمر فيه واسع -يعني: التقديم والتأخير في غسل الرجلين على النحو الذي ذكرناه ثم قال: والأظهر الاستحباب لدوام النبي ﷺ على فعل ذلك؛ يعني: ختم الغسل من الجنابة بغسل الرجلين، وهذا مخالف لما ادعاه الشافعي الذي حكينا عنه أن ذلك كان مرةً لبيان الجواز.
وينوي بهذا الوضوء رفع الحدث الأصغر إلا أن يكون جنبًا غير محدث فإنه ينوي به سنة الغسل.
وفيه إفاضة الماء على الرأس ثلاثًا واستحبابه متفق عليه.
وألحق به الأصحاب سائر البدن قياسًا على الرأس وعلى الأعضاء وهو أولى بالثلاث من الوضوء فإن الوضوء مبني على التخفيف ويتكرر فإذا استخف فيه الثلاث ففي الغسل أولى.
قال النووي: ولا نعلم في هذا خلافًا إلا ما تفرد به الماوردي فإنه قال: لا يستحب التكرار في الغسل وهذا شاذ متروك.
وقوله: ثم دلك بيده الحائط أو الأرض:
فيه أنه يستحب للمستنجي بالماء إذا فرغ أن يغسل يده بتراب أو أشنان أو يدلكها بالتراب أو بالحائط ليذهب الاستقذار منها.
وفيه جواز استخدام الرجل للمرأة من قولها: وضعت للنبي ﵇ غسلًا.
وفي غسل الفرجين قبل الشروع في الغسل بيان أن تطهير البدن من النجاسة مطلوب ليرد الغسل على محل طاهر.
стр. 888
وقد مضى القول في المضمضة والاستنشاق وفي تخليل اللحية وفي المنديل في أبوابها من هذا الكتاب.
وفي قوله: ثم انطلق وهو ينفض يديه.
وقد أخرجنا هذه اللفظة من طريق البخاري دليل على أن نفض اليد بعد الوضوء والغسل لا بأس به.
وقد اختلف أصحابنا فيه على أوجه:
أشهرها أن المستحب تركه ولا يقال أنه مكروه.
والثاني أنه مكروه.
والثالث: أنه مباح يستوي فعله وتركه.
وهذا هو الأظهر المختار فقد جاء هذا الحديث الصحيح في الإباحة ولم يثبت في النهي شيء.
واختلف الفقهاء في الدلك هل هو شرط أو لا؟
وسيأتي الكلام عليه في حديث: "بلوا الشعر واتقوا البشر"؛ بعد هذا الباب إن شاء الله تعالى.
* * *
стр. 889
٧٧ - باب هل تنقض المرأة شعرها عند الغسل
حدثنا ابن أبي عمر، نا سفيان، عن أيوب بن موسى، عن سعيد المقبري، عن عبد الله بن رافع، عن أم سلمة" قالت: قلت: يا رسول الله! إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة قال: لا إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء ثم تفيضين على سائر جسدك الماء فتطهرين -أو قال- فإذا أنت قد تطهرت.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح والعمل على هذا عند أهل العلم أن المرأة إذا اغتسلت من الجنابة لم تنقض شعرها إن ذلك يجزئها، بعد أن تفيض الماء على رأسها.
* الكلام عليه:
رواه مسلم في صحيحه.
وروى أبو داود: أن امرأة جاءت إلى أم سلمة بهذا الحديث؛ قالت: فسألت لها النبي ﷺ ... بمعناه.
قال فيه: واغمري قرونك عند كل حفنة.
وفي الباب مما لم يذكره عن عائشة عن عبيد بن عمير، قال: بلغ عائشة أن عبد الله بن عمرو يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن، فقالت: يا عجبي لابن عمرو هذا! يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن؛ لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، وما أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات.
رواه مسلم.
стр. 890
وعن عائشة؛ قالت: لقد رأيتني أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من هذا فإذا تور موضوع مثل الصاع أو دونه فنشرع فيه جميعًا فأفيض على رأسي ثلاث مرات وما أنقض لي شعرًا.
رواه النسائي.
وعن جميع بن عمير التيمي؛ قال: انطلقت مع عمتي وخالتي فدخلنا على عائشة فسألاها: كيف كان رسول الله ﷺ يصنع عند غسله من الجنابة؟ فقالت: كان يفيض على كفيه ثلاث مرات، ثم يدخلها في الإناء، ثم يغسل رأسه ثلاث مرات، ثم يفيض على جسده، ثم يقوم إلى الصلاة وأما نحن فنغسل رؤوسنا خمس مرات من أجل الظفر (١).
قرئ على الإمام محمد بن إبراهيم المقدسي وأنا حاضر في الرابعة سنة خمس وسبعين وست مئة قرأت على الإمام أبي إسحاق إبراهيم بن علي بن الواسطي بسفح قاسيون قالا: ثنا ابن ملاعب، ثنا أبو الفضل الأرموي، ثنا أبو الغنائم عبد الصمد بن علي بن المأمون، نا الدارقطني، ثنا أبو الحسن علي بن الفضل بن طاهر البلخي قدم علينا ثنا عبد الصمد بن الفضل أبو يحيى البلخي ثنا خلف بن أيوب، ثنا الحسين بن سليمان، عن سفيان الثوري، عن صدقة بن سعيد، عن جميع بن عمير، عن عائشة؛ قالت: كان النبي ﷺ يفيض على رأسه ثلاثًا ونحن نفيض خمسًا لأنا نضفر.
قال الدارقطني: غريب من حديث الثوري عن صدقة بن سعيد وهو والد أبي حماد.
الفضل بن صدقة، عن جميع بن عمير، عن عائشة تفرد به الحسين بن
стр. 891
سليمان العجلي وكان من الثقات.
ورواه أبو داود وابن ماجه والنسائي.
قولها: أشد ضَفْر رأسي، المعروف فتح الضاد وإسكان الفاء.
وكذلك هو مقيد عنه أكثر الجماعة وعليه الرواية وأنكره ابن بري وزعم أن الصواب ضم الضاد والفاء.
وعلى الأول يكون مصدرًا.
وعلى الثاني جمعًا نحو سُفن.
وكلاهما جائز.
واختلف العلماء في نقض المرأة شعرها في غسل الجنابة والحيض.
قال القاضي أبو بكر بن العربي: فقال جمهورهم: لا ينقضه إلا أن يكون ملبَّدًا ملتفًا لا يصل الماء إلى أصوله إلا بنقضه فيجب نقضه حينئذٍ.
وقال النخعي: تنقضه بكل حال.
وقال أحمد: تنقضه في الحيض دون الجنابة.
وقال أبو العباس القرطبي وقوله ﵇: لا يعني في جوابه لأم سلمة حين قالت: أفأنقضه -يدل على صحة ما ذهب إليه مالك وغيره من الرخصة في نقض الضفر مطلقًا للرجال والنساء.
وقد منعه بعضهم منهم عبد الله بن عمر وقد أجازه بعضهم للنساء خاصة متمسكًا بحديث ثوبان وقد ذكرناه في الباب قبل هذا.
وفيه أنهم استفتوا النبي ﵇ عن ذلك، فقال: "أما الرجل فلينشر
стр. 892
رأسه فليغسله حتى يبلغ أصول الشعر وأما المرأة فلا عليها أن لا تنقضه" الحديث.
رواه أبو داود.
وأكثر ما علل به أن في إسناده إسماعيل بن عياش، والصحيح في أمر إسماعيل التفرقة بين مروياته عن الشاميين فيقبل وعن الحجازيين فترد، وهذا من روايته عن الشاميين فالتعليل فيه قريب، وهو نص في التفرقة.
ولنرجع إلى توجيه هذه الأقوال.
أما ما ذهب إليه النخعي وابن عمر قبله من الأمر بالنقض بكل حال فوجهه أن عموم الغسل يجب في جميع الأجزاء من شعر وبشر وقد يمنع ضفر الشعر من ذلك ولعلهما لم تبلغهما الرخصة في ذلك للنساء.
ووجه ما ذهب إليه مالك عموم نهيه ﵇ عن نقض الشعر ولم يخص رجلًا من امرأة ولا يلزم من كون السائل عن ذلك من النساء أن يكون الحكم مختصًا بهن اعتبارًا بعموم النهي.
ووجه التفرقة بين الرجال والنساء في ذلك حديث ثوبان إن ثبت.
ووجه التفرقة بين الحيض والجنابة ما روى الدارقطني في أفراده والبيهقي في "سننه الكبير" من حديث مسلم بن صبيح أبي عثمان، نا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا اغتسلت المرأة من حيضها نقضت شعرها نقضًا وغسلته بخطمي وأشنان، فإذا اغتسلت من الجنابة صبت على رأسها الماء وعصرته.
رواه عن محمد بن إسماعيل الفارسي عن عثمان بن خرزاذ.
ورواه البيهقي عن الحاكم عن أبي بكر بن إسحاق عن محمد بن يونس قالا:
стр. 893
ثنا مسلم بن صبيح أبو عثمان في مسجد حرمي بن حفص؛ قال: ثنا حماد بن سلمة فذكره.
وقال تفرد به مسلم بن صبيح عن حماد.
ذكره الخطيب في كتاب "التلخيص" له وهذا لفظه.
قال أبو العباس: تنبيه: لا يفهم من التخفيف في ترك حل الضفر التخفيف في إيصال الماء إلى داخل الضفر لما يأتي في حديث أسماء بنت شكل -يعني قوله ﵇: ثم تصب على رأسها فتدلكه حتى تبلغ شؤون رأسها، الحديث.
فقال أصحابنا: إن كانت المرأة بكرًا لم يجب إيصال الماء إلى داخل فرجها، وإن كانت ثيبًا، وجب إيصال الماء إلى ما تطهر في حال قعودها لقضاء الحاجة، لأنه صار في حكم الطاهر.
هكذا نص عليه الشافعي ﵀.
وقال بعض أصحابه: لا يجب على الثيب غسل داخل الفرج.
وقال بعضهم: يجب ذلك في غسل الحيض والنفاس ولا يجب في غسل الجنابة.
والصحيح: الأول.
قرئ على الإمام العلامة أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن عبد الواحد، فقرأت على الشيخ الإمام أبي إسحاق إبراهيم بن علي بن أحمد بسفح قاسيون أخبركم أبو البركات داود بن أحمد بن محمد بن ملاعب قراءة عليه وأنتم تسمعون، أنا القاضي أبو الفضل محمد بن عمر بن يوسف الأرموي، أنا أبو الغنائم بن المأمون، أنا الشيخ أبو الحسنن الدارقطني، نا أبو عبد الله المعدل أحمد بن عمرو بن عثمان
стр. 894
بواسط، نا عمار بن خالد النجار، نا القاسم بن مالك المزني، عن ليث بن أبي سليم، عن يونس بن خباب، عن مجاهد، عن عائشة قالت: غسل المرأة قبلها من السنة (١).
أخرجه الدارقطني في "الأفراد"، وقال: غريب من حديث مجاهد عن عائشة، وهو غريب من حديث يونس بن خباب، عن مجاهد تفرد به ليث بن أبي سليم، ولا نعلم حدث به عنه غير القاسم بن مالك.
* * *
стр. 895
٧٨ - باب ما جاء أن تحت كل شعرة جنابة
حدثنا نصر بن علي، نا الحارث بن وجيه، نا مالك بن دينار، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "تحت كل شعرة جنابة فاغسلوا الشعر وأنقوا البشر".
قال: وفي الباب عن علي وأنس.
قال أبو عيسى: حديث الحارث بن وجيه حديث غريب لا نعرفه إلا من حديثه وهو شيخ ليس بذاك.
وقد روى عنه غير واحد من الأئمة وقد تفرد بهذا الحديث عن مالك بن دينار، ويقال: الحارث بن وجيه، ويقال ابن وجبة.
* الكلام عليه:
يقال: تفرد به الحارث بن وجيه عن مالك مرفوعًا.
وإنما يروى هذا الحديث عن أبي هريرة من قوله.
وقال أبو داود: الحارث حديثه منكر وهو ضعيف.
وقال يحيى: ليس بشيء.
وقال النسائي: ضعيف.
وقال ابن حبان: يتفرد بالمناكير عن المشاهير.
وذكر ابن أبي حاتم عن أبيه قال: هذا حديث منكر والحارث ضعيف الحديث.
وأنكره البخاري أيضًا.
стр. 896
وإنما يُرى عن الحسن عن النبي ﷺ مرسلًا.
وأما حديث علي أن رسول الله ﷺ قال: "من ترك موضع شعرة من جنابة لم يغسلها فعل به كذا وكذا من النار".
قال علي: فمن ثم عاديت رأسي ثلاثًا وكان يجز شعره.
رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجة وهذا لفظه.
وأما حديث أنس: "خلل أصول الشعر وأنق البشر"، فقد ذكره أبو محمد بن حزم وقال: هو من رواية يحيى بن عنبسة، عن حميد، عن أنس -قال:- ويحيى بن عنبسة مشهور برواية الكذب فسقط.
وفي الباب مما لم يذكره حديث عائشة قالت: أخمرت رأسي إخمارًا شديدًا، فقال النبي ﷺ : "يا عائشة! إن على كل شعرة جنابة".
رواه الإمام أحمد من رواية خصيف عن رجل غير مسمى عنها.
وخصيف ضعفه غير واحد.
تضمنت أحاديث الباب التشديد في إنقاء البشرة والاستيعاب في بل الشعر وذلك يستدعي التخليل والدلك في الشعر والبشر.
فأما التخليل فقد تقدم في بابه وسنزيد الآن بيانًا وقد اختلف قول مالك في تخليل الجنب لحيته في غسله من الجنابة.
فروى ابن القاسم عنه أنَّه قال: ليس ذلك عليه.
وروى أشهب عنه: أن عليه أن يخلل لحيته من الجنابة.
قال ابن عبد الحكم: هو أحب إلينا لأن رسول الله ﷺ كان يخلل شعره في
стр. 897
غسل الجنابة.
واختلف العلماء في الجنب يغتسل في الماء ويعم جسده ورأسه كله بالغسل أو ينغمس في الماء ويعم بدلك جميع جسده دون أن يندلك.
فالمشهور من مذهب مالك لا يجزئه.
قال أصحابه: لأن الله أمر الجميع بالاغتسال كما أمر المتوضي بغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ولم يكن للمتوضئ بدٌّ من إمرار يديه مع الماء على وجهه وعلى يديه، وكذلك جميع جسد الجنب ورأسه في حكم وجه المتوضئ وحكم يديه.
وهذا قول المزني واختياره.
قال أبو عمرو في بعض روايات حديث ميمونة: أن رسول الله ﷺ غسل جسده في غسله من الجنابة.
قال أبو الفرج: هذا هو التي مقول من لفظ الغسل لأن الاغتسال في اللغة هو الافتعال، ومن لم يمر يديه فلم يص هل غير صب الماء ولا يسميه أهل اللسان غاسلًا بل يسمونه صابًّا للماء ومنغمسًا فيه.
قال: وعلى نحو ذلك جاءت الآثار عن النبي ﷺ أنَّه قال: "تحت كل شعرة جنابة فبلوا واغسلوا الشعر وأنقوا البشر".
قال: وإنقاؤه لا يكون إلا بالدلك على حد ما ذكرناه.
قال أبو الفرج: وتخريج هذا عندي والله أعلم أنَّه لما كان المعتاد من المنغمس في الماء وصابه عليه أنهما لا يكادان يسلمان من تنكب الماء مواضع المغابن المأمور بها، وجب لذلك عليهما أن يُمرّا أيديهما، قال: وإلى هذا المعنى لو طال مكث الإنسان في ماء أو والى بين صبه عليه من غير أن يُمرّ يديه على بدنه فإنه ينوب له
стр. 898
ذلك عن إمرار يديه.
قال: وإلى هذا المعنى والله أعلم، ذهب مالك.
هذا قول أبي الفرج.
وقد عاد إلى جواز الغسل للمنغمس في الماء إذا أسبغ وعم.
وعلى ذلك جماعة الفقهاء وجمهور العلماء.
وقد روي ذلك عن مالك أيضًا نصًّا ثم ذكر بسند صحيح عن مروان بن محمد الطاطري ثقة من ثقات الشاميين، قال: سألت مالك بن أنس عن من انغمس في ماء وهو جنب ولم يتوضأ وصلى قال: مضت صلاته.
فهذه الرواية فيها أنَّه لم يتدلك ولا يتوضأ. وقد أجزأه عند مالك.
لكن المعروف من مذهبه ما وصفنا من التدلك.
وقد روي عن الحسن وعطاء مثل ذلك.
وروي عنه خلافه سئل عطاء عن الجنب يفيض عليه الماء؛ قال: لا بل يغتسل غسلًا.
وقال أبو العالية: يجزئ الجنب من غسل الجنابة أن يغوص عوضه في الماء غير أنَّه يمر يديه على جلده.
وذكر دحيم عن كثير بن هشام، عن جعفر بن برقان، عن ميمون بن مهران، قال: إذا اغتسلت من الجنابة فادلك جلدك وكل شيء نالت يدك.
قال: وثنا الوليد، نا الأوزاعي، عن الزهري، في الزهري ينغمس في نهر قال: يجزئه.
стр. 899
قال: وثنا أبو جعفر أنَّه سأل الأوزاعي عن جنب طرح نفسه في نهر وهو جنب، لم يزد على أن ينغمس مكانه، قال: يجزئه.
وعن الشعبي ومحمد بن علي وعطاء والحسن البصري؛ قالوا: إذا انغمس الجنب في نهر اغتماسة أجزأه.
قال أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما والثوري والأوزاعي: يجزئ الجنب إذا انغمس في الماء وإن لم يتدلك.
وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو داود والطبري ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم وهو قول الحسن البصري وإبراهيم النخعي وعامر الشعبي وحماد بن أبي سليمان وعطاء كل هؤلاء، يقول: إذا انغمس في الماء وقد وجب عليه الوضوء فعم الماء أعضاء الوضوء ونوى بذلك الطهارة؛ أجزأه.
وحجتهم أن كل من صب عليه الماء فقد اغتسل والعرب تقول: غسلتني السماء.
وقد حكت عائشة وميمونة صفة غسل رسول الله ﷺ ولم تذكرا فيه التدلك ولو كان واجبًا ما تركه رسول الله ﷺ لأنه المبين عن الله مراده، ولو فعله لنقل عنه كما نقل عنه غيره من صفة وضوئه وغسله ﷺ وغير ذلك.
وذكر عبد الرزاق عن معمر، عن أبي إسحاق، عن رجل يقال له: عاصم أن رهطًا أتوا عمر بن الخطاب فسألوه عن الغسل من الجنابة فقال: أما الغسل فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اغسل رأسك ثلاث مرات وادلكه ثم أفض الماء على جلدك.
وذكر عبد الرزاق أنا معمر، عن زيد بن أسلم؛ قال: سمعت علي بن حسين، يقول: ما مس الماء منك وأنت جنب فقد طهر منك ذلك المكان.
стр. 900
وكان ابن عيينة يقول في تأويل الحديث "وأنقوا البشر": أنَّه أراد غسل الفرج وتنظيفه وأنه كنّى بالبشرة عن الفرج.
وقال ابن وهب: ما رأيت أعلم بتفسير الأحاديث من ابن عيينة.
وأما ما تعلق به من رأى التدلك في الغسل واجبًا؛ من قياسه أعضاء الغسل على أعضاء الوضوء في ذلك كما ذكرناه، أو قياسه الغسل للجنب وما أشبهه على غسل النجاسة في احتياجه إلى الدلك، وما أشبه ذلك فإنها حالات ضعيفة معارضة بمثلها بل بما هو أقوى منها فلا حاجة بنا إلى الإطالة بإيرادها وتتبعها بالنقض لظهورها ووجودها في كتب الفروع فليطلبها هناك من أراد ذلك، وبالله التوفيق.
* * *
стр. 901
٧٩ - باب ما جاء في الوضوء بعد الغسل
ثنا إسماعيل بن موسى، نا شريك عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة: أن النبي ﷺ كان لا يتوضأ بعد الغسل.
وهذا حديث حسن صحيح.
قال أبو عيسى: هذا قول غير واحد من أصحاب النبي ﷺ والتابعين: أن لا يتوضأ بعد الغسل.
* الكلام عليه:
رواه الإمام أحمد وابن ماجة والنسائي.
وتختلف نسخ الترمذي في تصحيحه:
فتابع إسماعيل بن موسى أبو نعيم على روايته عن شريك.
وتابع هو شريكًا زهير عن أبي إسحاق (١) أخرجها البيهقي بأسانيد جيدة.
وإسماعيل بن موسى هو الفزاري أبو محمد الكوفي ويقال: أبو إسحاق نسيب السدي سمع مالك بن أنس وشريك بن عبد الله النخعي وعبد الرحمن بن أبي الزناد وإبراهيم بن سعد وعبد السلام بن حرب وعلي بن عابس الكوفي، روى عنه أبو داود والترمذي وابن ماجة ومحمد بن عبد الله بن سليمان وأبو عروبة الحراني وأبو يعلى الموصلي وابن خزيمة والقاسم بن زكريا المطرز وخلق كثير.
قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: صدوق.
وقال النسائي: كوفي ليس به بأس.
стр. 902
وقال ابن عدي: إنما أنكروا عليه الغلو في التشيع وأما الرواية فقد احتمله الناس ورووا عنه.
قال محمد بن عبد الله الحضرمي: مات سنة خمس وأربعين ومئتين.
ومن في هذا الإسناد بعده فأعرف من أن نُعرف به.
وفي الباب مما لم يذكره عن ابن عمر: روى محمد بن عبد الله بن بزيع، عن عبد الأعلى عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵄: "أن النبي ﷺ سئل عن الوضوء بعد الغسل ..... ".
قال الحاكم: محمد بن عبد الله بن بزيع ثقة.
ووثقه أبو حاتم الرازي وروى عنه مسلم.
وقد تقدم القول في هذا الوضوء في باب صفة الغسل.
وذكر أبو بكر بن أبي شيبة: ثنا أبو معاوية، عن عاصم الأحول، عن غنيم بن قيس، عن ابن عمر: سئل عن الوضوء بعد الغسل، فقال: وأي وضوء يا غنيم من الغسل؟
وأبو الأحوص عن سلام، عن أبي إسحاق؛ قال: قال رجل لابن عمر: إني أتوضأ بعد الغسل، قال. لقد تعمقت.
وجرير عن منصور، عن إبراهيم قال: جاء رجل إلى علقمة فقال له: إن بنت أخيك توضأت بعد الغسل قال: أما إنها لو كانت عندنا لم تفعل ذلك وأي وضوء أعم من الغسل.
ويحيى بن سعيد، عن المهلب بن أبي حبيبة، سئل جابر بن زيد، عن رجل اغتسل من الجنابة فتوضأ وضوء للصلاة فخرج من مغتسله أيتوضأ قال: لا يجزئه أن
стр. 903
يغسل قدميه.
ووكيع، عن معاذ بن العلاء، عن سعيد بن جبير؛ قال: سألته عن الوضوء بعد الغسل من الجنابة فكرهه.
ووكيع عن جعفر بن برقان، عن عكرمة: في الرجل يغتسل من الجنابة وتحضره الصلاة أيتوضأ! قالا: لا.
وعباد بن العوام، عن حجاج، عن طلحة، عن إبراهيم، عن حذيفة؛ قال: أما يكفي أحدكم أن يغسل من قرنه إلى قدميه حتَّى يتوضأ؟!
وجرير عن مغيرة، عن إبراهيم؛ قال: كان يقال: الطهر قبل الغسل.
وأبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد؛ قال: قال رجل لعبد الله: إن فلانة توضأت بعد الغسل قال: لو كانت عندي لم تفعل ذلك.
ومعتمر عن أبيه، عن عطاء بن السائب عن أبي البختري: كان يتوضأ بعد الغسل.
وفيما ذكرته في باب صفة الغسل أن داود الظاهري أوجب الوضوء في غسل الجنابة لأنه بعده لكن (١) لا يخلو عنده الغسل من الوضوء.
حكاه عنه الشيخ محيي الدين ﵀.
والذي رأيته عن أبي محمد بن حزم أن ذلك عنده ليس فرضًا في الغسل وإنما هو كمذهب الجماعة.
وذكر القاضي أبو بكر بن العربي ما معناه أنَّه لم يختلف العلماء أن الوضوء
стр. 904
داخل تحت الغسل وأن نية طهارة الجنابة تأتي على طهارة الحديث وتقضي عليها لأن موانع الجنابة أكثر من موانع الحديث (١) فدخل الأقل في نية الأكثر وأجزت نية الأكثر عنه.
ولذلك قال سحنون: أن نية الجنابة لا تجزئ عن نية الحيض في طهارة الحائض الجنب لأن موانع الحيض أكثر ولو نوت الحيض لطهرت من الجنابة لأنها الأقل.
[والصحيح أن ذلك يجزئ عن نية الحيض في طهارة الحائض الجنب لأن موانع الحيض أكثر ولو نوت الحيض لطهرت من الجنابة لأنها الأقل].
والصحيح أن ذلك يجزئها كما قال عامة العلماء.
* * *
стр. 905
٨٠ - باب ما جاء إذا التقى الختانان وجب الغسل
ثنا أبو موسى محمد بن المثنى، ثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت: إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل؛ فعلته أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا.
قال: وفي الباب عن أبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، ورافع بن خديج.
حدثنا هناد، نا وكيع، عن سفيان، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن عائشة؛ قالت: قال رسول الله ﷺ : إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل.
قال أبو عيسى: حديث عائشة حديث حسن صحيح.
وقد روي هذا الحديث عن عائشة عن النبي ﷺ من غير وجه: "إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل".
وهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ منهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعاثشة والفقهاء ومن التابعين ومن بعدهم مثل سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق؛ قالوا: إذا التقى الختانان وجب الغسل.
* الكلام عليه:
ذكر حديث عبد الرحمن عن أبيه وأتبعه حديث ابن جدعان عن سعيد.
وقال: حديث عائشة حديث حسن صحيح.
وفي تصحيحه من الطريقين المذكورين نظر.
أما الأول فإن الترمذي قال في "علله": سألت محمدًا عن هذا الحديث؛ يعني حديث عبد الرحمن، فقال: هذا حديث خطأ إنما يرويه الأوزاعي عن
стр. 906
عبد الرحمن بن القاسم مرسلًا.
وروى الأوزاعي عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة شيئًا من قولها: "تأخذ الخرقة فتمسح بها الأذى".
وقال أبو الزناد: سألت القاسم بن محمد: سمعت في هذا الباب شيئًا؟ قال: لا.
وذكر الدارقطني في "العلل" أن أيوب السختياني وعبد الله العمري وغيرهما رووه عن عبد الرحمن بن القاسم موقوفًا.
واختلف على الأوزاعي فرفعه الوليد بن مسلم والوليد بن مزيد.
ورواه بشر بن بكر وأبو المغيرة وعمرو بن أبي سلمة ومحمد بن كثير المصيصي ومحمد بن مصعب وغيرهم موقوفًا.
وأما الطريق الثانية طريق ابن جدعان فقد رواها غندر ويزيد بن هارون عن شعبة عنه مرفوعة.
ورواها وهب بن جرير، عن شعبة عنه موقوفة.
وزاد بين سعيد بن المسيب وعائشة أبا موسى.
وكذلك قال مالك: عن [يحيى بن سعيد، عن سعيد] بن المسيب، عن أبي موسى، عن عائشة؛ إلا أنَّه عنده موقوف على عائشة في "موطئه" من قولها، غير أن أبا قرة موسى بن طارق رفعه عن مالك، فقال: عن عائشة: أن النبي ﷺ قال: "إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل".
وأبو قرة موسى بن طارق الزبيدي ثقة عندهم.
وقد رواه عن علي بن زيد سفيان الثوري وزائدة بن قدامة وابن عُلية وسفيان
стр. 907
ابن عيينة وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وسليمان بن المغيرة وغيرهم، فقالوا: عنه عن سعيد بن المسيب؛ قال: جاء أبو موسى الأشعري إلى عائشة فسألها فقالت: سمعت رسول الله ﷺ ... الحديث.
إلا أن في طريق حماد بن سلمة من بعض الوجوه زيادة حسنة سنذكرها، فهو كما ترى بعضهم يقفه وبعضهم يرفعه وبعضهم يرويه عن سعيد، عن عائشة، وبعضهم عن سعيد عن أبي موسى الأشعري عن عائشة فلم يخل من تردد بين وقف ورفع ووصل وقطع.
والدارقطني يرجح في حديث سعيد بن المسيب الوقف؛ لأن يحيى بن سعيد الأنصاري رواه عنه وهو من الثقات المتفق عليهم ولم يرفعه، رواه عن يحيى بن سعيد: مالك وشعبة والجم الغفير، فاتفقوا على أنَّه موقوف.
ورواه همام بن يحيى عن يحيى بن سعيد، وعلي بن زيد فرفعه؛ قاله الدارقطني وقال: أحسبه يعني همامًا حمل حديث يحيى بن سعيد على حديث علي بن زيد فرفعه لأن يحيى لا يرفعه كذا قال الدارقطني: أن يحيى لا يرفعه.
وقد ذكرنا رفعه عن يحيى من طريق أبي قرة عن مالك عنه.
وروينا من طريق محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني في "مسنده"، ثنا ابن عيينة، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب: أن أبا موسى الأشعري سأل عائشة عن التقاء الختانين، فقالت عائشة: قال رسول الله ﷺ : "إذا جاوز الختان الختان أو مس الختان الختان فقد وجب الغسل".
قال العدني: ونا سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب؛ قال: سأل أبو موسى عائشة مثله -وزاد فيه-: ولا أسأل عن هذا أحدًا بعدك أبدًا.
وينضم إلى علة هذا الاختلاف ضعف علي بن زيد بن جدعان فهو وإن كان له
стр. 908
شرف وقدر فقد تكلم فيه بعضهم.
ذكره أبو العرب أحمد بن محمد بن تميم في كتابه في الضعفاء فقال: قال أبو الحسن: تيمي مكفوف ضعيف الحديث، كان يتشيع، يكتب حديثه.
وقال عثمان: سألت ابن معين عنه فقال: ليس بذاك القوي.
ومن كتاب ابن البرقي عن ابن معين: وعلي بن زيد بن جدعان ضعيف.
وقال الدولابي: قال السعدي: علي بن زيد واهي الحديث ضعيف فيه ميل عن القصد لا يحتج بحديثه.
وقال أبو الحسن: علي بن زيد لا بأس به بصري.
وقال ابن عبد الرحيم: ليس بالقوي.
وذكر ابن أبي حاتم بسنده عن حماد بن زيد؛ قال: كان علي بن زيد يحدثنا اليوم بالحديث، ثم يحدثنا به غدًا كأنه ليس ذاك.
وقال عمرو بن علي: كان يحيى بن سعيد يتقي الحديث عنه، فسألته مرة عن حديث لعلي بن زيد فقرأ الإسناد ثم تركه وقال: دعه.
وقال أحمد: ليس بالقوي.
وروى العباس الدوري عن يحيى: ليس بحجة.
وقال أبو زرعة: ليس بالقوي.
قال أبو الفرج: وضعفه ابن عيينة.
وقال حماد بن زيد: كان يقلب الأخبار.
وذكر شعبة أنَّه اختلط.
стр. 909
وقال أحمد ويحيى: ليس بشيء.
ويمكن أن يجاب عما علل به الطريق الأول؛ بأن المرسل لا يعارض المسند لأن المسند أتى بأمر زائد فسبيله أن يقبل مسنده إذا كان ثقة ولا يعلل بمرسل غيره.
وكذلك القول في الرفع والوقف.
وأما الرواية عن القاسم بن محمد: أنَّه لم يسمع في هذا الباب شيئًا فلا يقتضي رد ما رواه الثقة عنه، ولا يوثر فيه ولا في روايته قدحًا على ما ذهب إليه أكثر العلماء لجواز السهو والنسيان على من أنكر ما روي عنه إذا كان الراوي ثقة.
وعبد الرحمن بن القاسم ثقة من الثقات الأئمة المتفق عليهم.
وقد بقي من النظر في هذا الإسناد أن الوليد بن مسلم رمي بالتدليس أو التسوية، كما تقدم قبل هذا، وهي التدليس في شيخ شيخه وحديثه هذا معنعن عن الأوزاعي عن عبد الرحمن؛ فيحمل الانقطاع.
لكن هذه الشبهة قد زالت، أما بينه وبين الأوزاعي فقد رواه الدارقطني من طريق الوليد بن مسلم، وقال فيه: حدثنا الأوزاعي.
وأما بين الأوزاعي وعبد الرحمن بن القاسم فقد ذكر الشيخ أبو الحسن أيضًا متابعًا للوليد بن مسلم على روايته عن الأوزاعي كرواية بن مسلم؛ وهو الوليد بن مزيد البيروتي، فقال: نا أبو بكر النيسابوري، أنا العباس بن الوليد بن مزيد، أنا أبي؛ قال: سمعت الأوزاعي؛ قال: نا عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه عن عائشة: أنها سئلت عن الرجل يجامع أهله ولا ينزل الماء؟ قالت: فعلته أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا جميعًا.
والوليد بن مزيد من الثقات كان الأوزاعي يثني عليه يقول: عليكم بكتبه؛
стр. 910
فإنها صحيحة، ووثقه الدارقطني وابن ماكولا وغيرهما.
وقال أيضًا: إنه ما عرض علي كتاب أصح من كتب الوليد بن مزيد.
وقال دحيم: صالح الحديث
وابنه العباس ثقة صدوق؛ فقد زال ما يتوقع من تدليس الوليد بن مسلم بتصريحه بحدثنا من طريق الدارقطني، وبرواية الوليد بن مزيد ومن ذكرناه قبل عن الأوزاعي، عن عبد الرحمن بغير واسطة.
وقد اعترض أبو الحسن بن القطان على الترمذي في تصحيحه حديث الوليد بن مسلم لما فيه من الكلام؛ أعني الوليد بن مسلم وصححه هو من حديث الوليد بن مزيد.
وليس ذلك بطائل لوجهين:
الأول: أن تصحيح الترمذي لحديث عائشة بعد أن ذكره من الطريقين المذكورين عنده، فمن أين وقع لابن القطان أن التصحيح لطريق الأوزاعي دون طريق ابن جدعان.
الثاني: أن الوليد بن مسلم محتج به في صحيحي البخاري ومسلم وليس للوليد بن مزيد في الصحيحين ولا في أحدهما حرف واحد؛ فليس الترمذي وحده المعترض عليه إذن في تصحيح حديث الوليد بل البخاري ومسلم قبله فكلاهما يحتج به.
وأيضًا فغائلة تدليس الوليد وهي غاية ما رمي به مأمونة ها هنا لما بيناه.
ويمكن أن يجاب عما علل به الطريق الثاني بأن رواية وهب بن جرير الموقوفة لا تقدح في رواية غندر وهو من أوثق الناس في شعبة وأعلمهم بحديثه.
стр. 911
وأما الانقطاع بين سعيد بن المسيب وعائشة فقد تبين أن الواسطة أبو موسى فلا أثر بعد ذلك لهذا الانقطاع.
على أنَّه قد روى حماد بن سلمة ما يدل على أن ابن المسيب سمعه من عائشة مع أبي موسى.
قال حماد عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب؛ قال: ذكر أصحاب رسول الله ﷺ : إذا التقى الختانان أيوجب الغسل؟ فقال أبو موسى: أنا آتيكم بعلم ذلك، فنهض وتبعته حتَّى أتى عائشة فقال: يا أم المؤمنين! إني أريد أن أسألك عن شيء وأنا أستحي أن أسألك، فقالت: سل، فإنما أنا أمك، قال؛ إذا التقى الختانان أيجب الغسل؟ فقالت: كان رسول الله ﷺ إذا التقى الختانان اغتسل.
أخرجه الطحاوي من طريق أسد عن حماد.
وأما الاعتلال بتضعيف ابن جدعان، فذكر ابن أبي حاتم عن عمر بن شبة، حدثني أبو سلمة؛ قال: قلت: لحماد بن سلمة أن وهيبًا زعم أن علي بن زيد لا يحفظ الحديث، فقال: ووهيب كان يقدر على مجالسة علي بن زيد؛ إنما كان يجالس عليًّا وجوه الناس.
وكان عبد الرحمن بن مهدي يخرج حديثه عن السفيانين والحمادين عنه.
وهذا يقتضي توثيقه عند ابن مهدي لأنه كان لا يروي الحديث إلا عن الثقات عنده.
وقد أخرج مسلم حديثه عن أنس في الجهاد وفي غزوة أحد مقرونًا بثابت، رواه من طريق حماد بن سلمة عنهما.
وأما الترمذي؛ فإنه يحسِّن حديثه تارة ويصححه أخرى؛ فمما حسّن من
стр. 912
حديثه حديث: "يمكث أبو الدجال وابنه لا يولد لهما".
رواه في الفتن عن عبد الله بن معاوية الجمحي، عن حماد بن سلمة عنه، عن أبي بكر، عن أبيه.
ومما صحح من حديثه: أن رجلًا قال: يا رسول الله! أي الناس خير؟ قال: "من طال عمره ... " الحديث.
أخرجه في الزهد عن عمرو بن علي الفلاس، عن خالد بن الحارث، عن شعبة عنه، عن أبي بكرة، عن أبيه.
وهو يصحح حديث حماد بن سلمة كثيرًا فليس المانع له من تصحيح الأول كونه من طريق حماد وأنه قد يكون يرى فيه رأي البخاري فلا يصحح حديثه.
وعبد الله بن معاوية الجمحي وثقه ابن حبان، ولم يقف لأحد فيه على جرح فهذا الترمذي يصحح حديث ابن جدعان في غير هذا الوضع فمن الجائز أن يصححه في هذا الوضع للعلة التي رواها عن البخاري في الأول.
ومن الجائز أن يكون يصححه الأول وذكر الثاني متابعًا ليجبر به العلة التي ذكرها في الأول في كتابه في العلل، والله أعلم.
ولحديث عائشة طريق عند مسلم من جهة حميد (١) بن هلال عن أبي بردة عن أبي موسى عنها عن النبي ﷺ : "إذا جلس بين شعبها الأربع، ومس الختان الختان فقد وجب الغسل"، أخرجه عن محمد بن المثنى عن الأنصاري عن هشام بن حسان عن حميد، ح وعن محمد بن المثنى عن عبد الأعلى عن هشام عن حميد، قال: ولا أعلمه إلا عن أبي بردة عن أبي موسى.
стр. 913
وله طريق أخرى عند مسلم (١) من حديث ابن وهب عن عياض بن عبد الله عن أبي الزبير عن جابر عن أم كلثوم عن عائشة مرفوعًا.
وأم كلثوم هذه بنت أبي بكر الصديق ولدت بعد وفاته.
ففي هذه الطريق رواية الصحابي عن تابعية، وذلك من ملح الأسانيد.
وأما حديث أبي هريرة فأخرجه البخاري ومسلم (٢) من طريق هشام عن قتادة عن الحسن [عن أبي رافع] عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهدها فقد وجب الغسل".
ورواه النسائي (٣) من حديث أشعث عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، وقال: هذا خطأ، والصواب أشعث عن الحسن عن أبي هريرة.
وأما حديث عبد الله بن عمرو، فقال ابن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية عن حجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا التقى الختانان وتوارت الحشفة، فقد وجب الغسل".
وأما حديث رافع بن خديج قال: ناداني رسول الله ﷺ وأنا على بطن امرأتي فقمت ولم أنزل، فاغتسلت وخرجت فأخبرته، فقال: "لا عليك، الماء من الماء"، قال رافع: ثم أمرنا رسول الله ﷺ بعد ذلك بالغسل.
أخرجه الإمام أحمد من جهة رشدين بن سعد عن موسى بن أيوب الغافقي عن بعض ولد رافع بن خديج عن رافع.
وقال في رشدين، يحيى بن معين: ليس بشيء.
стр. 914
وقال النسائي: متروك الحديث، وسيأتي الكلام عليه في الباب بعده.
وقد اختلف أهل العلم من أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين بعدهم في هذا الباب، فقالت طائفة: لا غسل إلا من الإنزال، وسيأتي ذكرهم في الباب بعد هذا.
وقال آخرون: يجب الغسل بالتقاء الختانين أنزل أو لم ينزل، منهم من الصحابة: أبو بكر، وعمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر وأبو هريرة وعائشة وعلي وابن مسعود وأبي بن كعب وزيد بن ثابت، وابن عباس وسهل بن سعد، والنعمان بن بشير وعثمان بن عفان.
وذكر عبد الرزاق عن الثوري عن جابر عن الشعبي، قال: حدثني الحارث عن علي، وعلقمة عن عبد الله ومسروق عن عائشة.
قالوا: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل.
وروى معمر عن ابن عقيل: أن عليًّا قال: كما يجب منه الحد كذلك يجب منه الغسل.
وروى عمرو بن دينار عن أبي جعفر: أن عليًّا وأبا بكر وعمر قالوا نحوه.
وعن علي وشريح قالا: أيوجب الحد، ولا يوجب قدحًا من ماء؟
ومن طريق ابن جريج عن نافع عن ابن عمر، قال: إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل.
وعن الثوري عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة: أن ابن مسعود سئل عن ذلك، فقال: إذا بلغت ذلك اغتسلت.
قال سفيان: والجماعة على الغسل.
قوله: (إذا التقى الختانان) يبحث فيه عن معنى الملاقاة والختان.
стр. 915
فأما الملاقاة فالمحاذاة، قال الشافعي: يقال: التقى الفارسان إذا تحاذيا.
قال القاضي أبو بكر ﵀: فإذا غابت الحشفة في الفرج فقد التقى الختان مع الختان؛ أي: حاذاه.
وهكذا معنى قوله: مس الختان الختان؛ أي: قارنه (١) وداناه.
وإلا فلا يتصور أن يمسه إذا غابت الحشفة، ولو مسه من غير إيلاج ما وجب الغسل إجماعًا. انتهى كلامه.
وحاصله: أنَّه ليس المراد حقيقة اللمس ولا حقيقة الملاقاة، وإنما هو من باب المجاز والكناية عن الشيء بما بينه وبينه ملابسة أو مقاربة، وهو ظاهر، وذلك أن ختان المرأة في أعلى الفرج ولا يمسه الذكر في الجماع، وقد أجمع العلماء -كما أشار إليه- على أنَّه لو وضع ذكره على ختانها ولم يولجه لم يجب الغسل على واحد منهما، فلا بد من قدر زائد على الملاقاة، وهو ما وقع مصرحًا به في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الَّذي قدمنا ذكره من قوله: وتوارت الحشفة.
وأما الختان، فيقال: ختن الغلام ختنًا إذا قطع جلد كمرته، والختان موضع الختن، وهو من المرأة الخفاض، والخفاض للمرأة كالختان للرجل، وهو قطع جليدة في أعلى الفرج مجاورة لخرج البول كعَرْف الديك، فكان الوجه أن يقال: إذا التقى الختان والخفاض فقد وجب الغسل، وما وقع في الحديث فهو من باب التغليب، وهو مشهور معروف كما قالوا في القمرين والعمرين، يريدون الشمس والقمر، وبالعمرين أبا بكر وعمر ﵄، كما قال الشاعر:
أخذنا بآفاق السماء عليكم ... لنا قمراها والنجوم الطوالع
يريد الشمس والقمر.