وأما الانقطاع بين سعيد بن المسيب وعائشة فقد تبين أن الواسطة أبو موسى فلا أثر بعد ذلك لهذا الانقطاع.
على أنَّه قد روى حماد بن سلمة ما يدل على أن ابن المسيب سمعه من عائشة مع أبي موسى.
قال حماد عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب؛ قال: ذكر أصحاب رسول الله ﷺ : إذا التقى الختانان أيوجب الغسل؟ فقال أبو موسى: أنا آتيكم بعلم ذلك، فنهض وتبعته حتَّى أتى عائشة فقال: يا أم المؤمنين! إني أريد أن أسألك عن شيء وأنا أستحي أن أسألك، فقالت: سل، فإنما أنا أمك، قال؛ إذا التقى الختانان أيجب الغسل؟ فقالت: كان رسول الله ﷺ إذا التقى الختانان اغتسل.
أخرجه الطحاوي من طريق أسد عن حماد.
وأما الاعتلال بتضعيف ابن جدعان، فذكر ابن أبي حاتم عن عمر بن شبة، حدثني أبو سلمة؛ قال: قلت: لحماد بن سلمة أن وهيبًا زعم أن علي بن زيد لا يحفظ الحديث، فقال: ووهيب كان يقدر على مجالسة علي بن زيد؛ إنما كان يجالس عليًّا وجوه الناس.
وكان عبد الرحمن بن مهدي يخرج حديثه عن السفيانين والحمادين عنه.
وهذا يقتضي توثيقه عند ابن مهدي لأنه كان لا يروي الحديث إلا عن الثقات عنده.
وقد أخرج مسلم حديثه عن أنس في الجهاد وفي غزوة أحد مقرونًا بثابت، رواه من طريق حماد بن سلمة عنهما.
وأما الترمذي؛ فإنه يحسِّن حديثه تارة ويصححه أخرى؛ فمما حسّن من
стр. 912
حديثه حديث: "يمكث أبو الدجال وابنه لا يولد لهما".
رواه في الفتن عن عبد الله بن معاوية الجمحي، عن حماد بن سلمة عنه، عن أبي بكر، عن أبيه.
ومما صحح من حديثه: أن رجلًا قال: يا رسول الله! أي الناس خير؟ قال: "من طال عمره ... " الحديث.
أخرجه في الزهد عن عمرو بن علي الفلاس، عن خالد بن الحارث، عن شعبة عنه، عن أبي بكرة، عن أبيه.
وهو يصحح حديث حماد بن سلمة كثيرًا فليس المانع له من تصحيح الأول كونه من طريق حماد وأنه قد يكون يرى فيه رأي البخاري فلا يصحح حديثه.
وعبد الله بن معاوية الجمحي وثقه ابن حبان، ولم يقف لأحد فيه على جرح فهذا الترمذي يصحح حديث ابن جدعان في غير هذا الوضع فمن الجائز أن يصححه في هذا الوضع للعلة التي رواها عن البخاري في الأول.
ومن الجائز أن يكون يصححه الأول وذكر الثاني متابعًا ليجبر به العلة التي ذكرها في الأول في كتابه في العلل، والله أعلم.
ولحديث عائشة طريق عند مسلم من جهة حميد (١) بن هلال عن أبي بردة عن أبي موسى عنها عن النبي ﷺ : "إذا جلس بين شعبها الأربع، ومس الختان الختان فقد وجب الغسل"، أخرجه عن محمد بن المثنى عن الأنصاري عن هشام بن حسان عن حميد، ح وعن محمد بن المثنى عن عبد الأعلى عن هشام عن حميد، قال: ولا أعلمه إلا عن أبي بردة عن أبي موسى.
стр. 913
وله طريق أخرى عند مسلم (١) من حديث ابن وهب عن عياض بن عبد الله عن أبي الزبير عن جابر عن أم كلثوم عن عائشة مرفوعًا.
وأم كلثوم هذه بنت أبي بكر الصديق ولدت بعد وفاته.
ففي هذه الطريق رواية الصحابي عن تابعية، وذلك من ملح الأسانيد.
وأما حديث أبي هريرة فأخرجه البخاري ومسلم (٢) من طريق هشام عن قتادة عن الحسن [عن أبي رافع] عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهدها فقد وجب الغسل".
ورواه النسائي (٣) من حديث أشعث عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، وقال: هذا خطأ، والصواب أشعث عن الحسن عن أبي هريرة.
وأما حديث عبد الله بن عمرو، فقال ابن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية عن حجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا التقى الختانان وتوارت الحشفة، فقد وجب الغسل".
وأما حديث رافع بن خديج قال: ناداني رسول الله ﷺ وأنا على بطن امرأتي فقمت ولم أنزل، فاغتسلت وخرجت فأخبرته، فقال: "لا عليك، الماء من الماء"، قال رافع: ثم أمرنا رسول الله ﷺ بعد ذلك بالغسل.
أخرجه الإمام أحمد من جهة رشدين بن سعد عن موسى بن أيوب الغافقي عن بعض ولد رافع بن خديج عن رافع.
وقال في رشدين، يحيى بن معين: ليس بشيء.
стр. 914
وقال النسائي: متروك الحديث، وسيأتي الكلام عليه في الباب بعده.
وقد اختلف أهل العلم من أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين بعدهم في هذا الباب، فقالت طائفة: لا غسل إلا من الإنزال، وسيأتي ذكرهم في الباب بعد هذا.
وقال آخرون: يجب الغسل بالتقاء الختانين أنزل أو لم ينزل، منهم من الصحابة: أبو بكر، وعمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر وأبو هريرة وعائشة وعلي وابن مسعود وأبي بن كعب وزيد بن ثابت، وابن عباس وسهل بن سعد، والنعمان بن بشير وعثمان بن عفان.
وذكر عبد الرزاق عن الثوري عن جابر عن الشعبي، قال: حدثني الحارث عن علي، وعلقمة عن عبد الله ومسروق عن عائشة.
قالوا: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل.
وروى معمر عن ابن عقيل: أن عليًّا قال: كما يجب منه الحد كذلك يجب منه الغسل.
وروى عمرو بن دينار عن أبي جعفر: أن عليًّا وأبا بكر وعمر قالوا نحوه.
وعن علي وشريح قالا: أيوجب الحد، ولا يوجب قدحًا من ماء؟
ومن طريق ابن جريج عن نافع عن ابن عمر، قال: إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل.
وعن الثوري عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة: أن ابن مسعود سئل عن ذلك، فقال: إذا بلغت ذلك اغتسلت.
قال سفيان: والجماعة على الغسل.
قوله: (إذا التقى الختانان) يبحث فيه عن معنى الملاقاة والختان.
стр. 915
فأما الملاقاة فالمحاذاة، قال الشافعي: يقال: التقى الفارسان إذا تحاذيا.
قال القاضي أبو بكر ﵀: فإذا غابت الحشفة في الفرج فقد التقى الختان مع الختان؛ أي: حاذاه.
وهكذا معنى قوله: مس الختان الختان؛ أي: قارنه (١) وداناه.
وإلا فلا يتصور أن يمسه إذا غابت الحشفة، ولو مسه من غير إيلاج ما وجب الغسل إجماعًا. انتهى كلامه.
وحاصله: أنَّه ليس المراد حقيقة اللمس ولا حقيقة الملاقاة، وإنما هو من باب المجاز والكناية عن الشيء بما بينه وبينه ملابسة أو مقاربة، وهو ظاهر، وذلك أن ختان المرأة في أعلى الفرج ولا يمسه الذكر في الجماع، وقد أجمع العلماء -كما أشار إليه- على أنَّه لو وضع ذكره على ختانها ولم يولجه لم يجب الغسل على واحد منهما، فلا بد من قدر زائد على الملاقاة، وهو ما وقع مصرحًا به في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الَّذي قدمنا ذكره من قوله: وتوارت الحشفة.
وأما الختان، فيقال: ختن الغلام ختنًا إذا قطع جلد كمرته، والختان موضع الختن، وهو من المرأة الخفاض، والخفاض للمرأة كالختان للرجل، وهو قطع جليدة في أعلى الفرج مجاورة لخرج البول كعَرْف الديك، فكان الوجه أن يقال: إذا التقى الختان والخفاض فقد وجب الغسل، وما وقع في الحديث فهو من باب التغليب، وهو مشهور معروف كما قالوا في القمرين والعمرين، يريدون الشمس والقمر، وبالعمرين أبا بكر وعمر ﵄، كما قال الشاعر:
أخذنا بآفاق السماء عليكم ... لنا قمراها والنجوم الطوالع
يريد الشمس والقمر.
стр. 916
وكثيرًا ما يقع ذلك في كلام العرب.
وهو في الغالب موجه إما برد الثقيل إلى الخفيف، كما قالوا في العمرين؛ لأن عمر مفرد وأبا بكر مركب، والمفرد أخف من المركب.
أو التأنيث إلى التذكير، أو الأدنى إلى الأعلى، فالقمر مذكر، والشمس مؤنثة، فلذلك غلبوا المذكر حيث قالوا القمرين.
قال بعض أهل العلم: ومن ذلك الختانان؛ فإنهما مستويان في الخفة، لكنه رد ما للمرأة لأنه أدنى إلى ما للرجل لأنه أعلى.
وقول عائشة ﵂: فعلته أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا. وكذلك قوله ﵇ في "صحيح مسلم": "إني لأفعل ذلك أنا وهذه ثم نغتسل".
فيه: جواز ذكر مثل هذا، وجواز ذكره أيضًا بحضرة المرأة، إذا ترتب عليه مصلحة.
وفيه أن فعله ﷺ للوجوب فلولا ذلك لم يحصل الجواب المطابق (١).
وإلى أحاديث هذا الباب صار الإجماع بعد الخلاف في الزمن الأول عن الصحابة ﵃.
وحكي عن عائشة من التابعين كما سنذكره في الباب بعد هذا، إلا خلافًا لا اعتبار له عند أهل العلم.
والاعتبار في وجوب الغسل في هذا الباب بتغييب الحشفة من صحيح الذكر؛ فإذا غيبها بكمالها تعلقت به جميع الأحكام، ولا يشترط تغييب جميع الذكر.
стр. 917
ولو غيب بعض الحشفة لم يتعلق به شيء من الأحكام إلا وجهًا شاذًا أن حكمه حكم من غيب جميعها، وهو مردود.
فمتى غيب الحشفة في فرج امرأة ودبرها أو دبر رجل أو فرج بهيمة أو دبرها وجب الغسل، وسواء كان المولج فيه حيًّا أو ميتًا، صغيرًا أو كبيرًا، وسواء كان ذلك عن قصد أو عن نسيان، وسواء كان مختارًا أو مكرهًا، أو استدخلت المرأة ذكره وهو نائم، وانتشار الذكر في ذلك وعدم انتشاره، والمجبوب والأغلف في ذلك كله سواء.
والغسل في ذلك كله واجب على الفاعل والمفعول به، إذا كان بالغًا.
وأما المميز من الصبيان فيجب على الولي أن يأمره بالغسل كما يأمره بالوضوء، فإن صلى من غير غسل لم تصح صلاته، وإن لم يغتسل حتَّى بلغ، وجب عليه الغسل.
وإن اغتسل في الصبا ثم بلغ لم يلزمه إعادة الغسل.
وأما إذا كان الذكر مقطوعًا، فإن بقي منه دون الحشفة لم يتعلق به شيء من الأحكام، وإن كان الباقي قدر الحشفة فحسب تعلقت الأحكام بتغييبه بكماله، وإن كان زائدًا على قدر الحشفة ففيه وجهان مشهوران لأصحابنا أصحهما: أن الأحكام تتعلق بقدر الحشفة منه.
والثاني: لا يتعلق شيء من الأحكام إلا بتغييب الباقي جميعه.
ولو لف على ذكره خرقة وأولجه في فرج امرأة، ففيه ثلاثة أوجه:
الصحيح منها والمشهور: أنَّه يجب عليهما الغسل.
والثاني: لا يجب.
والثالث: إن كانت الخرقة غليظة تمنع وصول اللذة والرطوبة لم يجب الغسل،
стр. 918
وإلا وجب.
وهذا الوجه الثالث، قال ابن العربي: هو الأشبه بمذهبنا، يعني مذهب مالك، ﵏، بعد أن حكى الأوجه الثلاتة في مذهبه.
وقال أبو حنيفة: لا يجب الغسل على من أولج في فرج بهيمة ولا فرج ميتة، لأنه معنى غير مقصود، فكان بمنزلة إيلاج الأصبع.
واختلفوا في إعادة غسل الميت إذا أولج في دبره، أو فرجه حي، فقال بعضهم: يعاد. وذهب مالك وبعض أصحاب الشافعي إلى أنَّه لا يعاد غسله لسقوط التكليف عنه، وفي هذا التعليل نظر؛ لأن التكليف بذلك على الأحياء في حق الأموات، لا على الأموات أنفسهم.
* * *
стр. 919
٨١ - باب ما جاء أن الماء من الماء
حدثنا أحمد بن منيع ثنا عبد الله بن المبارك أنا يونس بن يزيد عن الزهري عن سهل بن سعد عن أبي بن كعب قال: إنما كان الماء من الماء رخصة في أول الإسلام ثم نهي عنها (١).
حدثنا أحمد بن منيع نا ابن المبارك أنا معمر عن الزهري بهذا الإسناد مثله.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
وإنما كان الماء من الماء في أول الإسلام ثم نسخ بعد ذلك، وهكذا روى غير واحد من أصحاب النبي ﷺ أبي بن كعب، ورافع بن خديج، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم على أنَّه إذا جامع امرأته في الفرج وجب عليهما الغسل وإن لم ينزلا.
حدثنا علي بن حجر نا شريك عن أبي الجحاف عن عكرمة عن ابن عباس، قال: إنما الماء من الماء في الاحتلام.
قال أبو عيسى: سمعت الجارود يقول: سمعت وكيعًا يقول: لم نجد هذا الحديث إلا عند شريك.
قال أبو عيسى: أبو الجحاف اسمه داود بن أبي عوف، ويروى عن سفيان الثوري: ثنا أبو الجحاف، وكان مرضيًّا.
وفي الباب عن عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب والزبير وطلحة وأبي أيوب وأبي سعيد عن النبي ﷺ ، قال: "الماء من الماء".
стр. 920
* الكلام عليه:
أخرجه أبو داود وابن ماجة وابن خزيمة، وهو حديث يختلف فيه على الزهري، فرواية ابن المبارك عن يونس عنه [كما ذكرنا].
- وأما عمرو بن الحارث، فرواه ابن وهب عنه عن ابن شهاب: حدثني بعض من أرضى: أن سهل بن سعد الساعدي أخبره.
وقد رواه عثمان بن عمر عن يونس والليث عن عقيل كلاهما عن ابن شهاب فقالا عنه؛ قال سهل بن سعد، وكقولهما قال شعيب عن الزهري، ولم يأت بعنعنة ولا إخبار.
وقال الإمام أبو بكر بن خزيمة: وهذا الرجل الَّذي لم يسمه عمرو بن الحارث يشبه أن يكون أبا حازم سلمة بن دينار؛ لأن مبشر بن إسماعيل روى هذا الخبر عن أبي غسان محمد بن مطرف عن أبي حازم عن سهل عن أبي بن كعب.
وجزم بذلك البيهقي؛ فقال: هذا الحديث لم يسمعه الزهري من سهل، وإنما سمعه من بعض أصحابه عنه.
وذكر أبو عمر بسنده من طريق النسائي قال: أنا عبد الملك بن يحيى، قال: سمعت موسى بن هارون يقول: كان الزهري إنما يقول في هذا الحديث: قال سهل بن سعد، ولم يسمع الزهري هذا الحديث من سهل بن سعد، وقد سمع من سهل أحاديث، إلا أنَّه لم يسمع منه هذا.
وقال موسى -وذكر رواية عمرو بن الحارث من طريق ابن وهب التي قدمناها- ثم قال موسى: ولعمري إن كان الزهري سمعه من أبي حازم [فإن أبا حازم رضى]، فقد روى أبو حازم هذا الحديث عن سهل بن سعد.
стр. 921
قلت: فهو كما ترى مختلف فيه عن الزهري، فمنهم من يرويه عنه عن سهل عن أبي.
ومنهم من يقول فيه عن الزهري: قال سهل، من غير زيادة.
ومنهم من يصرح فيه بواسطة مجهول كما فعل عمرو بن الحارث.
ومنهم من يقول فيه: عن الزهري عن سهل بن سعد موقوفًا عليه لا يتجاوزه (١)، كذلك هو عند معمر عنه، ذكره الحازمي، وقبله أبو عمر ابن عبد البر.
وفيما ذكراه من ذلك نظر، فقد قرئ على الشيخة الأصيلة أم محمد (سيدة) بنت موسى بن عثمان بن عيسى بن درباس (المارانية)، وأنا أسمع: أخبرك الشايخ الأربعة: أبو بكر القاسم بن الإمام أبي سعد عبد الله بن عمر بن أحمد بن منصور الصفار، وأبو روح عبد المعز محمد بن أبي الفضل الهروي، وإسماعيل بن عثمان بن إسماعيل القاري، وزينب بنت عبد الرحمن بن أبي الحسن الشعري الجرجاني؛ إجازة قالت هي وابن الصفار والقاري: أنا أبو بكر وجيه بن طاهر بن محمد بن محمد الشحامي قراءة عليه ونحن نسمع، قالت هي وأبو روح: ثنا أخوه زاهر بن طاهر سماعًا، قالت هي وحدها: أنا الأستاذ أبو المظفر عبد المنعم بن الأستاذ أبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري -قراءة عليه وأنا أسمع، قالوا كلهم: أبنا الإمام أبو القاسم القشيري قراءة عليه ونحن نسمع-، قال: أخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن عمر بن الخفاف القنطري، قراءة عليه، قال: أنا أبو العباس محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن مهران الثقفي السراج، قال: ثنا يعقوب بن إبراهيم نا غندر نا معمر عن الزهري.
قال السراج: ونا إسحاق بن إبراهيم أنا عبد الرزاق نا معمر عن الزهري عن
стр. 922
سهل بن سعد الساعدي، قال: كان القول في الماء من الماء رخصة رخص في أول الإسلام، ثم أمرنا بالغسل.
وهذا على المشهور من الاصطلاح داخل في المرفوع، على أن ابن خزيمة روى حديث يونس عن أحمد بن منيع كما هو عند الترمذي (١) كما أتبعه أن قال: ونا أحمد بن منيع، قال: أنا ابن المبارك: أخبرني معمر عن الزهري بهذا الإسناد نحوه.
وهذا منهما يقتضي أن رواية معمر مرفوعة، كرواية يونس، وقد يكون سهل بن سعد رفعه تارة وأفتى به تارة.
قوله: فظن من وقعت له الفتيا أن ليس عند معمر عن الزهري عنه غيرها، وليس كذلك.
وبالجملة فحديث أبي بن كعب من طريق الزهري هذا معلول بالانقطاع، بينه وبين سهل، ومن زاد في ذلك حجة على من نقص فالحكم بصحته لو سلم من هذا التعليل قد كان ممكنًا، وإن كان الحديث أقرب إلى الصحة من طريق آخر سنذكرها بعد الفراغ من الكلام على هذه.
وأما احتمال كون الواسطة بين الزهري وسهل أبو حازم فيصح لعدالة أبي حازم كما اعتذر به بعضهم عمن صححه، فأرفع مراتب ذلك الاحتمال الظن، والظن لا يغني من الحق شيئًا.
وأما الطريق التي قلنا: إنها أقرب إلى الصحة من طريق الزهري؛ فقرأت على الحافظ أبي العباس أحمد بن محمد الظاهري وغيره: أخبركم أبو المنجا عبد الله بن عمر سماعًا، قال: ثنا عبد الأول بن عيسى ثنا أبو الحسن الداودي ثنا ابن حمويه،
стр. 923
ثنا أبو عمران عيسى بن العباس السمرقندي أنبأ أبو محمد الدارمي، أنبأ أبو جعفر محمد بن مهران ثنا مبشر الحلبي، عن محمد أبي غسان عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: حدثني أبي: أن الفتيا التي كانوا يفتون: الماء من الماء، كانت رخصة رخصها رسول الله ﷺ في أول الإسلام أو الزمان، ثم اغتسل بعد.
أخرجه أبو داود في "سننه" عن محمد بن مهران كذلك.
هذا حديث صحيح الإسناد، مخرج لرواته في الصحيحين، ليس فيها أكثر من أن ابن أبي حاتم ذكر أنَّه سأل أباه (١) عنه؟ فقال: ما أعرف هذا الحديث أصلًا!
ولعله إنما أشار إلى هذه الطريق خاصة، وإلا فقد ذكر ابنه عنه أنَّه سمعه يذكر الأحاديث المروية في الماء من الماء، ثم قال: هذا منسوخ نسخه حديث سهل بن سعد عن أبي بن كعب (٢)، فلعله عرفه بعد ذلك، أو لم يعرفه من هذه الطريق، وهذا الدارمي وأبو داود قد عرفاه، وأخرجاه عن شيخ واحد، وإذا لم يعرفه أبو حاتم وعرفه غيره فليس من لم يعرف حجة على من عرف.
وأخرج البيهقي حديث (الزهري) عن سعد ثم أعله بالانقطاع المذكور، ثم قال بعد تخريجه: وقد رويناه بإسناد آخر موصول صحيح عن سهل بن سعد.
وأخرج حديث أبي حازم: هذا عن الدارقطني من طريق موسى بن هارون الحمال وعن غيره من طريق أبي داود؛ فلا مانع من القول بصحته، والله أعلم.
وقوله: (وهكذا روى غير واحد من أصحاب النبي ﷺ : أبي بن كعب ورافع
стр. 924
ابن خديج)، يعني في الجمع بين ثبوت حكم الماء من الماء في الأول، ثم الأمر بالاغتسال من التقاء الختانين بعد ذلك، إذ الأحاديث في ذلك على ثلاثة أنحاء:
فالأول: الماء من الماء كما سنذكره في هذا الباب.
والثاني: الأمر بالغسل من التقاء الختانين بعد ذلك، كما سبق.
والثالث: الإخبار أن ذلك كان أولًا ثم تغير حكمه.
وفي هذا المعنى حديث أبي بن كعب، وقد انتهى الكلام عليه.
وحديث رافع بن خديج وقد تقدم في الباب قبل هذا يسير من الكلام عليه، وسنذكر تكملته عليه.
وفيه أيضًا مما لم يذكره حديث عن عائشة يأتي ذكره.
أما حديث رافع، فأخرجه الحازمي من طريق الإمام أحمد، كما ذكرناه، ثم قال: هذا حديث حسن! وهو عندي بعيد عن ذلك لضعف رشدين راويه.
وإن نازع في انحطاطه إلى رتبة من لا يحسَّن حديثه، فكيف يصنع ببعض ولد رافع، وهو هكذا مجهول العين والحال؟
على أن أبا الطاهر بن السرح قد رواه عن رشدين، فقال فيه: سهل بن رافع عن أبيه؛ رواه أبو بكر أحمد بن محمد المهندس عن محمد بن زبان بن حبيب عنه؛ فسمّى ولد رافع سهلًا، لكنه لم يتحصل منه ما يرفع الاعتلال به بعد، فالحديث ضعيف به وبرشدين. والله أعلم.
وأما حديث عائشة فرواه أبو حاتم بن حبان من طريق الحسين بن عمران (١) عن
стр. 925
الزهري قال: سألت عروة في (١) الَّذي يجامع ولا ينزل؟
قال: على الناس أن يأخذوا بالآخر فالآخر من أمر رسول الله ﷺ ؛ حدثتني عائشة أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك ولا يغتسل، وذلك قبل فتح مكة، ثم اغتسل بعد ذلك وأمر الناس بالغسل، رواه عن علي بن الحسين بن سليمان أنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني ثنا عبد الله بن عثمان بن جبلة ثنا أبو ضمرة (٢) ثنا الحسين بن عمران به.
وأخرجه الدارقطني أيضًا من حديث الحسين بن عمران وقال فيه: نَوْل الناس أن يأخذوا بالآخر فالآخر من أمر رسول الله ﷺ ... الحديث.
ونول بنون بعدها واو وآخرها لام، ونونه مفتوحة وواوه ساكنة؛ قال الجوهري: وقولهم: نولك أن تفعل كذا، أي: حقك، وينبغي لك، وأصله من التناول كأنك قلت: تناولك كذا وكذا.
صححه ابن حبان وفي إسناده الحسين بن عمران؛ قال البخاري: لا يتابع على حديثه، وذكر أبو بشر في حديث رواه الحسين المذكور عن خيثمة: كنت عند ابن عباس في النذر، وقال: لا يتابع عليه.
وذكر أبا الجحاف وقال: اسمه داود بن أبي عوف، وهو التميمي روى عن
стр. 926
عكرمة وعطية العوفي وأبي حازم والشعبي.
رورى عنه الثوري وشريك وتليد بن سليمان وعبد السلام بن حرب، قال ابن أبي حاتم: حدثني أبي، قال: أنا عبد العزيز بن الخطاب الكوفي بالبصرة، قال: سألت عبد الله بن داود: ما كان أبو الجحاف عند سفيان؟
قال: كان يوثقه ويعظمه.
قال: أنا عبد الله بن أحمد بن حنبل فيما كتب إلي، قال: قال أبي: أبو الجحاف داود بن أبي عوف، قلت: هو ثقة؟ قال: ثقة.
سمعت أبي يقول: أبو الجحاف داود بن أبي عوف صالح الحديث.
قال: (وفي الباب عن عثمان ...) إلى آخره، يعني: باب الماء من الماء.
فأما حديث عثمان وعلي والزبير وطلحة وأبي أيوب، فروينا من طريق الإسماعيلي: أخبرني الحسن بن سفيان نا محمد بن المثنى.
وأخبرني محمد بن إسحاق بن خزيمة نا الحسين بن عيسى البسطامي، قالا: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال: سمعت أبي يحدث عن الحسين المعلم عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن عطاء بن يسارعن زيد بن خالد الجهني: أنَّه سأل عثمان بن عفان عن الرجل يجامع ولا ينزل؟
قال: ما عليه إلا الطهور، قال عثمان: سمعته من رسول الله ﷺ .
قال: فسألت علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وأبي بن كعب، فقالوا مثل ذلك.
قال أبو سلمة: وحدثني عروة بن الزبير عن أبي أيوب الأنصاري مثل ذلك.
وقال ابن أبي حاتم: حدثني أبي وقال: ما عليه غسل.
стр. 927
ورويت من طريق السراج بالسند المذكور في هذا الباب، قال: نا هارون بن عبد الله نا عبد الصمد: سمعت أبي نا حسين المعلم ثنا يحيى بن أبي كثير: أن أبا سلمة حدثه عن عطاء بن يسار عن زيد بن خالد الجهني أنَّه سأل عثمان بن عفان عن الرجل يجامع فلا ينزل؟ قال: ليس عليه الغسل، عليه الطهور، قال عثمان: سمعته من رسول الله ﷺ . وسألت علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وأبي بن كعب، فقالوا مثل ذلك.
وأخرجه البخاري من حديث حسين المعلم عن يحيى، كما أخرجناه، غير أنَّه قال: فأمروه بذلك، ولم يقل: فقالوا مثل ذلك.
ولفظة: فأمروه بذلك لا تقتضي الرواية، بل تقتضي الفتوى.
وأما قوله: فقالوا مثل ذلك، فتحتمل الجمع بين الرواية والفتوى معًا، وهو ظاهر لأن عثمان أفتى وروى، وهؤلاء قالوا مثله، وإذا قالوا مثله فقد جمعوا بين الأمرين، وقد أوضح ذلك ما رواه الإسماعيلي عن عبد الله بن محمد البغوي ثنا يحيى بن عبد الحميد نا عبد الوارث بن سعيد عن حسين المعلم قال بهذا الإسناد. يكسل ولا ينزل، وقال: ليس عليه غسل، وفيه: وأتيت طلحة والزبير وأبي بن كعب فسألتهم فقالوا مثل ذلك عن النبي ﷺ .
قال الإسماعيلي: لم يذكر عليًّا، وجعل الخبر مسندًا عن هؤلاء أيضًا، وقال: ولم يقل أحد منهم عن النبي ﷺ غير الحماني، وليس الحماني من شرط هذا الكتاب.
وأما أبي بن كعب؛ فقد روى البخاري ومسلم حديثه في ذلك من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن أبي أيوب عن أبي بن كعب ﵄: أنَّه قال: يا رسول الله! إذا جامع الرجل المرأة فلم ينزل؟
стр. 928
قال: "يغسل ما مس المرأة منه ثم يتوضأ ويصلي". وهذا لفظ البخاري، وقد روي عن أبي أيوب عن النبي ﷺ وسنذكره بعد.
وأما قول الإسماعيلي في الحماني: ليس من شرط هذا الكتاب، فصحيح لما فيه من الكلام فهو وإن كان يحيى بن معين قد أثنى عليه ووثقه فيما روى ابن أبي خيثمة عنه.
وقال: لم يزل صدوقًا، فيما روى العباس الدوري عنه.
وقال: ما كان بالكوفة رجل أيامه يحفظ معه، وهؤلاء يحسدونه، فيما روى عنه أبو بكر بن أبي خيثمة عنه.
وقال: صدوق مشهور ما في الأرض مثله ما يقال فيه إلا من حسد، فيما روى عثمان الدارمي عنه.
فقد تكلم فيه غيره وأساء القول فيه غير واحد من أهل هذا الشأن؛ فهو كما قال: ليس على شرطه، غير أنَّه ليس هو هنا منفردًا بأصل يحتاج فيه إليه، ولا بإسناد مرسل يتوقف إسناده عليه، وأكثر ما عنده زيادة بيان للفظ آخر، وقد كان قول الراوي الأول: فقالوا مثل ذلك؛ كافيًا في الرفع المراد.
وقد روينا حديث أبي أيوب عن النبي ﷺ قال: "الماء من الماء" من طريق السراج بالسند المذكور قال: أنا عبد الجبار بن العلاء نا سفيان عن عمرو عن عبد الرحمن بن السائب عن عبد الرحمن بن سعاد عنه. رواه النسائي.
وروينا عن علي بن أبي طالب في ذلك عن النبي ﷺ : "إذا رأيت المذي فتوضأ واغسل ذكرك، وإذا رأيت فضخ الماء فاغتسل" من طريق النسائي.
وحديث أبي سعيد الخدري، رويناه من طريق مسلم وغيره من حديث ابن
стр. 929
وهب عن عمرو بن الحارث: أن ابن شهاب حدثه أن أبا سلمة بن عبد الرحمن حدثه عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "إنما الماء من الماء".
وروينا بالسند المتقدم إلى أبي العباس محمد بن إسحاق الثقفي قال: ثنا الحسن بن أبي الربيع نا عبد الرزاق نا سفيان عن الأعمش عن ذكوان عن أبي سعيد الخدري قال: قال النبي ﷺ : "إذا أعجل أحدكم أو أقحط فلا يغتسل".
وفي الباب مما لم يذكره.
حديث أبي بن كعب: وقد ذكرناه في أثناء طرق حديث عثمان، وقد كان يحسن به ذكره، فليس هو حديث الباب عنده، لما ذكرناه من الفرق بينهما.
وفيه أيضًا عن أبي هريرة؛ روى الطحاوي (١) من حديث العلاء بن محمد بن سيار عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: بعث رسول الله ﷺ إلى رجل من الأنصار فأبطأ فاحتبس، فقال: "ما حبسك"؟ قال: كنت أصيب من أهلي، فلما جاءني رسولك اغتسلت ثم لم أحدث شيئًا (٢).
فقال رسول الله ﷺ : "الماء من الماء، والغسل على من أنزل".
أخرجه عن يزيد (٣) عن العلاء.
يزيد هذا هو يزيد بن سنان.
وإلى هذه الأحاديث ذهب جماعة من الصحابة، قال الحازمي: وقالت طائفة: لا غسل عليه إذا جامع ولم ينزل، روينا ذلك عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن
стр. 930
مسعود وسعد بن أبي وقاص وأبي بن كعب وأبي أيوب وأبي سعيد ورافع بن خديج وابن عباس وزيد بن خالد الجهني.
ومن التابعي: عروة بن الزبير.
ثم ذكر المخالفين لهم في ذلك؛ الذين قدمنا ذكرهم في الباب قبل هذا، وما يحتج لهم به من السنن والآثار. وقد قال أبو بكر بن المنذر: ولا أعلم اليوم بين أهل العلم فيه اختلافًا.
قال: فإن قيل: هذه الآثار تخبر عن فعل رسول الله ﷺ وقد يجوز أن يفعل النبي ﷺ ما ليس حتمًا، والآثار يعني في الباب الآخر تخبر عما يجب، وعما لا فهو أولى.
يقال: الآثار التي رويت في باب الماء من الماء على قسمين:
قسم منها: الماء من الماء لا غير.
وقسم منها: إن رسول الله ﷺ قال: "لا غسل على من أكسل حتَّى ينزل".
وأما ما كان من ذلك فيه ذكر الماء من الماء فإن بعضهم حمله على وجه يمكن الجمع بي الحكمين.
روينا عن ابن عباس، وذكر عن ابن عباس قوله الَّذي سبق: الماء من الماء في الَّذي يحتلم ليلًا، ويستيقظ من منامه ولا يجد بللًا.
وأما ما روي عن النبي ﷺ فيما بيّن فيه الأمر وأخبر فيه بالقصة وأنه لا غسل في ذلك حتَّى يكون الماء، فإنه قد روينا عن النبي ﷺ خلاف ذلك، وقد صحت الأخبار في طرفي الإيجاب والرخصة، وتعذر الجمع، فنظرنا هل نجد مناصًا عن غوائل التعارض من جهة التاريخ حيث تعذر معرفته من صريح اللفظ، فوجدنا
стр. 931
آثارًا تدل على ذلك وبعضها يصرح بالنسخ فحينئذ تعين المصير إلى الإيجاب لتحقق النسخ في ذلك، ثم ذكر حديث أبي بن كعب ورافع بن خديج وحديث عائشة: ثم اغتسل بعد ذلك وأمر الناس بالغسل، يعني فتح مكة، وذكر عن مالك عن يحيى بن سعيد بن عبد الله بن كعب عن محمود بن لبيد: أنَّه سأل زيد بن ثابت عن الرجل يصيب أهله ثم يغسل ولا ينزل؟ فقال زيد: يغتسل. فقلت له: إن أبي بن كعب كان لا يرى الغسل. فقال زيد: إن أبيًّا قد نرع عن ذلك قبل أن يموت.
قال: فهذا أبي قال هذا، وقد روى عن النبي ﷺ خلاف ذلك، فلا يجوز هذا عندنا إلا وقد ثبت نسخ ذلك عنده من رسول الله ﷺ كما قاله الشافعي، وكان الحازمي قد حكى عن الشافعي نحو هذا الكلام.
وقال فيما روى محمد بن يحيى الذهلي: أنا أبو اليمان الحكم بن نافع: أخبرني شعيب بن أبي حمزة عن الزهري قال: كان رجال من الأنصار فيهم أبو أيوب وأبو سعيد الخدري يفتون: الماء من الماء، ويقولون: إنه ليس على من مس امرأته غسل، ما لم يمْنِ، فلما ذكر ذلك لعمر بن الخطاب ولعثمان بن عفان ولعائشة زوج النبي ﷺ وابن عمر، أبوا تلك الفتيا، وقالوا: إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل.
وهذا يدل على أن أكثر من كان يرى الرخصة لما بلغهم النسخ نزعوا عن ذلك.
وروينا عن علقمة وابن مسعود نحوه. انتهى.
قول الحازمي: قسم منها: الماء من الماء، ثم خرجه على تأويل ابن عباس، ويمكن أن يقال: إن هذا القسم على قسمين:
الأول: ما ورد بهذه الصيغة.
стр. 932
والثاني: ما ورد: إنما الماء من الماء بصيغة الحصر المتفق عليه.
فهذا يفتقر إلى تأويل ابن عباس.
وأما الأول فيكفي في رده منع الحصر، إذ القول بحصر المبتدأ في الخبر ضعيف.
وكذلك قوله: "إذا أعجل أحدكم أو أقحط فلا يغتسل" وهو لفظ حديث أبي سعيد، وما في معناه؛ فإنه يقبل التأويل بأن يكون الإعجال فيه أو الإكسال أنَّه لم يبلغ مجاوزة الختان الختان، فأحاديث الإعجال والإكسأل أيضًا تنقسم إلى قسمين:
الأول: ما ذكرناه، ويحتمل التأويل المشار إليه.
والثاني: لا غسل معه ما لم يمن أو ما لم ينزل.
فهذا يحتاج فيه إلى القول بالنسخ، ونسخ السنة مما اتفق الناس على جوازه من أنواع النسخ.
وأما الرواية عن ابن مسعود التي ذكرها في أول الباب فإنه كان يقول الماء من الماء فهي عند عبد الرزاق عن ابن عيينة عن عمرو عن عطاء عن ابن مسعود.
وعطاء لم يسمع من ابن مسعود.
وأما هذه الثانية التي أشار إليها أخيرًا فهي صحيحة متصلة ذكرها ابن أبي شيبة (١) قال: أنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: أما أنا فإذا بلغت ذلك منها اغتسلت.
وقد ذكر ابن أبي شيبة الفتيا بذلك عن علي، قال: أنا أبو بكر بن عياش عن
стр. 933
عاصم عن زر عن علي ﵇ قال: إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل.
وروى نحوه عن أبي بن كعب وابن عباس، وقد تقدم ذكر من ذهب إلى ذلك من الصحابة في الباب قبل هذا.
وذكر أبو عمر: أن ابن خويز منداذ ذكر أن إجماع الصحابة انعقد على إيجاب الغسل من التقاء الختانين.
قال: وليس ذلك عندنا كذلك، ولكننا نقول: إن الاختلاف في هذا ضعيف، وأن الجمهور الذين هم الحجة على من خالفهم من السلف والخلف انعقد إجماعهم على إيجاب الغسل من التقاء الختانين أو مجاوزة الختان الختان وهو الحق إن شاء الله تعالى.
وكيف يجوز القول بإجماع الصحابة في شيء من هذه المسألة؛ وذكر حديث زيد بن خالد: سألت زيد بن خالد، قال: سألت خمسة من المهاجرين لا آلو، منهم علي بن أبي طالب كلهم قالوا: الماء من الماء.
وذكر عبد الرزاق عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار قال: أخبرني إسماعيل الشيباني عن امرأة رافع بن خديج: أن رافع بن خديج كان لا يغتسل إلا إذا أنزل الماء، وكان إسماعيل قد خلف على امرأة رافع بن خديج.
وذكره أيضًا عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس.
وقد كان هشام بن عروة يقول به؛ ذكر عبد الرزاق عن ... عن هشام بن عروة قال: سمعته يقول: أصبت فأكسلت ولم أنزل فلم أغتسل.
وقد ذكر مثله عن عروة والأعمش.
فأما دعوى الإجماع في هذا عن الصحابة كما حكيناه عمن زعمه فبعيد.
стр. 934
وأما عن التابعين فقد ذكرنا مذهب الجمهور، وأن المخالف منهم لذلك يسير.
وأما عمن بعدهم فليس دعوى الإجماع فيه ببعيد إلا من شذ من الظاهرية، فبعضهم وافق الجماعة في ذلك، ومنهم من خالف، وليس هذا الخلاف معتبرًا عندهم لا سيما وقد ظهر ضعف مأخذه. والله أعلم.
* * *
стр. 935
٨٢ - باب فيمن يستيقظ فيرى بللًا ولم يذكر احتلامًا
نا أحمد بن منيع ثنا حماد بن خالد الخياط عن عبد الله بن عمر عن عبيد الله بن عمر عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت: سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلامًا؛ قال: "يغتسل".
وعن الرجل يرى أنَّه قد احتلم ولم يجد بللًا؛ قال: "لا غسل عليه".
قالت أم سلمة: يا رسول الله! هل على المرأة ترى ذلك غسلًا؟ قال: "نعم، إن النساء شقائق الرجال".
قال أبو عيسى: وإنما روى هذا الحديث عبد الله بن عمر عن عبيد الله بن عمر؛ حديث عائشة في الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلامًا، وعبد الله ضعفه يحيى بن سعيد من قبل حفظه (١).
وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين: إذا استيقظ الرجل فرأى بلة أنَّه يغتسل.
وهو قول سفيان وأحمد.
وقال بعض أهل العلم من التابعين: إنما يجب عليه الغسل إذا كانت البلة بلة نطفة.
وهو قول الشافعي وإسحاق.
وإذا رأى احتلامًا ولم ير بلة فلا غسل عليه عند (٢) أهل العلم.
стр. 936
* الكلام عليه:
أخرجه أبو داود وابن ماجة، وسكت عنه، وينبغي أن يكون ضعيفًا، وذلك أن رواته غير عبد الله العمري من شرط الصحيح، إنما يقع النظر من رواية في عبد الله العمري فقط، وهو عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب.
سمع نافعًا، وخُبيب بن عبد الرحمن وأبا الزبير المكي وابن شهاب ووهب بن كيسان وسعيدًا المقبري وغيرهم.
روى عنه منصور بن سلمة الخزاعي ويونس بن محمد المؤدب وأبو نعيم الفضل بن دكين وغيرهم.
وكان رجلًا صالحًا، وخرج على أبي جعفر المنصور مع محمد بن عبد الله بن الحسن، ولم يزل معه حتَّى انقضى أمره وقتل، فاستخفى عبد الله، ثم وجد، فأتي به المنصور فحبسه سنين عديدة، ثم أطلقه، وتوفي سنة إحدى وسبعين أو سنة اثنتين وسبعين أو سنة ثلاث وسبعين ومائة. واختلف في حاله، فقال أحمد: هو صالح، وروي عنه أيضًا: لا بأس به، [وكان ابن مهدي يحدث عنه، وقال يحيى بن معين: صالح، من رواية عثمان الدارمي.
وروى عنه غيره: لا بأس به]، يكتب حديثه.
وقال يعقوب بن شيبة: ثقة صدوق، في حديثه اضطراب. أخرج له مسلم مقرونًا بأخيه عبيد الله.
فهذا ابن مهدي قد عرف من حاله أنَّه لا يروي إلا عن ثقة، وقد روى عنه.
ويحيى بن معين يقول: لا بأس به، والمعروف عن يحيى أن ذلك عنده توثيق.
стр. 937
وتكلم فيه ابن المديني، فقال: ضعيف.
وروي عن أحمد قال: يزيد في الأسانيد، ويخالف وكان رجلًا صالحًا.
وذكر عن يحيى القطان أنَّه كان لا يحدث عنه.
وقال صالح بن محمد جزرة: يليّن، مختلط الحديث.
وقال النسائي: ليس بالقوي.
وقال ابن حبان: غلب عليه التعبد حتَّى غفل عن حفظ الأخبار وجودة الحفط، فوقعت المناكير في حديثه، فلما فحش خطؤه استحق الترك، وليس فيما تقدم من هذا الجرح أشد من كلام ابن حبان، فإنه أتى به مفسرًا بقوله: وقعت المناكير في روايته، وقوله: فحش خطؤه، وحكمه عليه بأنه استحق الترك، فعلى زعم ابن حبان ينحط حديثه عن مرتبة الحسن عندهم.
وأما على طريقة الترمذي فلا؛ لأنه لم يتهم بكذب فيما حكيناه.
وقد ذكر الترمذي من حديثه في غير هذا الموضع ما حسنه، وهو حديث نافع عن ابن عمر: أن النبي ﷺ دخل مكة نهارًا.
وقد ضعف حديثه هذا أبو محمد عبد الحق في "الأحكام" بل قال أبو الحسن بن القطان أنَّه يختلف نظره فيه فتارة يضعف ما يرويه وتارة يسكت عنه مصححًا له، كما زعم أن سكوته عما يسكت عنه تصحيحًا له.
قال: وعمله في التضعيف أقرب إلى الصواب.
وأصوب منه أن يقال فيما لا عيب له إلا العمري: أنَّه حسن فإنه رجل مختلف فيه. انتهى.
стр. 938
أما تضعيف عبد الحق لحديث العمري هذا فصحيح، وأما قول ابن القطان: وأصوب منه أن يقال فيما لا عيب له إلا العمري أنَّه حسن؛ فصحيح أيضًا. وذلك أن الترمذي قال: إنما روى هذا الحديث عبد الله بن عمر، فأشار إلى تفرده به، وكذلك هو عند الإمام أحمد، وعند أبي بكر بن أبي شيبة، وعند من ذكرنا من مخرجيه. ولم نجده عن غيره، ولا متابع له عليه ولا شاهد له من خارج. فالحديث معلول بعلتين:
الأولى: العمري، وقصرت به عن درجة الصحيح.
والثانية: التفرد وعدم المتابعات الَّذي أشرنا إليه، وقصر ذلك به عن درجة الحسن، كما تقدمت الإشارة إليه.
وفي هذا الحديث أن أم سلمة قالت: هل على المرأة ترى ذلك من غسل؟ ... الحديث.
والمعروف أن ذلك من قول أم سليم بنت ملحان، وأن أم سلمة أنكرت ذلك عليها وقالت: أو تحتلم المرأة؟
وفي بعض الطرق: فضحت النساء.
ويبعد أن تسأل أم سلمة عن أمر، ثم تنكر على غيرها السؤال عنه، أو أن تسأل عنه بعد المعرفة به، وكما ذكرنا هو منسوب إلى أم سليم في "موطأ مالك" وكتب الصحيح، وعند أبي داود وغيرهم، ومن الجائز أن تكون أم سلمة اشتغلت بإنكارها على أم سليم عن سماع الجواب عن ذلك من النبي ﷺ ، ثم بعد العلم بإباحة ذلك، ووقوع ما وقع مما قد يستحيا منه استثبتت النبي ﷺ في الحكم، ونقلته عنه، فروي ذلك عنهما معًا، وسيأتي لهذا مزيد بيان في بابه
وأما الاحتلام، فقال ابن سيده: والحلم والاحتلام الجماع ونحوه في النوم، والاسم الحلم، يعني مضموم الحاء واللام، وفعله حلم مفتوح اللام، وفي التنزيل: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُم﴾، ثم قال: والحِلم الأناة، والعقل وجمعه أحلام وحلوم، وفي التنزيل: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا﴾.
стр. 941
وقال جرير:
هل من حلوم لأقدار فتنذرهم ... ما جرّب الناس من عصيي وتضريبي
وهذا أحد ما جمع من المصادر.
فعلى هذا يكون السؤال عن الرجل يجد البلل ولا يذكر الجماع أو نحوه.
وذكر ابن أبي شيبة عن حفص عن ابن عباس: إذا احتلم الرجل ولم ير بللًا فلا غسل عليه، وإذا رأى بللًا ولم يذكر أنَّه احتلم فعليه الغسل.
وعن إبراهيم عن الشعبي فيمن استيقظ ورأى أنَّه قد جامع ولم يرى بللًا لا غسل عليه.
وعن إبراهيم في الرجل يجد البلل بعد النوم، قال: يغتسل.
وقال مجاهد: لا يغتسل حتَّى يستيقن أنَّه أجنب.
وعن الحكم في الرجل يستيقظ فيجد البلة، قال: لا يغتسل.
وعن قتادة: لا يغتسل حتَّى يستيقن.
وعن سعيد بن جبير قال: إنما الغسل من الشهوة والفترة.
وعن حماد في الرجل يصبح فيرى على فراشه البلة، قال: إن كان يرى أنَّه احتلم اغتسل، وإن لم يكن يرى أنَّه احتلم لم يغتسل.
وقال قتادة: إن كان ماء دافقًا اغتسل. قال: فقلت: كيف يعلم؟ قال: يشمه.
وقال الحكم: لا يغتسل.
قال الشيخ أبو الحسن الماوردي ﵀: فأما إذا استيقظ النائم فيرى المني من غير أن يحس به في نومه فالغسل منه واجب، ولو أحس في النوم بالإنزال فلم ير
стр. 942
بعد استيقاظه منيًّا فلا غسل عليه، وذلك من حديث النفس، فلو رأى الرجل المني في ثوب هو لابسه ولم يحس من نفسه بالإنزال فيه فلا يخلو حال ذلك الثوب من أن يلبسه غيره، أم لا، فإن لبسه غيره لا غسل عليه لجواز أن يكون من غيره، ولا على ذلك الغير أيضًا لجواز أن لا يكون منه، وإن كان ذلك الثوب لا يلبسه غيره، فلو لم يلبسه غيره منذ غسل، وقد كان يلبسه غيره قبل الغسل نظر فيه فإن كان المني من ظاهره فلا غسل عليه لجواز أن يكون قد لاقى منيًّا على ثوب غيره فتعدى إليه، أو قد حاكه رجل أنزل فوقع منيه على ثوبه.
وإن كان المني من داخل الثوب فالغسل عليه واجب لعلمنا أنَّه منه، أو امتناع كونه من غيره، فإذا اغتسل أعاد كل صلاة صلاها من أقرب نومة نامها فيه لأنه الظاهر من حال إنزاله. إلا أن لا يكون قد نام فيه فلا يلزمه إعادة شيء مما صلى، لجواز أن يكون حادثًا بعد آخر صلاته، وليس هناك ظاهر يغلب فحمل على اليقين.
وللمني الَّذي يجب الاغتسال بخروجه أوصاف يأتي ذكرها، وحكمها في الاجتماع والافتراق في الباب بعد هذا. إن شاء الله تعالى.
* * *
стр. 943
٨٣ - باب في المني والمذي
حدثنا محمد بن عمرو السواق البلخي ثنا هشيم عن يزيد بن أبي زياد.
وحدثنا محمود بن غيلان ثنا حسين الجعفي عن زائدة عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي قال: سألت النبي ﷺ عن المذي؛ فقال: "من المذي الوضوء، ومن المني الغسل".
قال: وفي الباب عن المقداد بن الأسود وأبي بن كعب.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وقد روي عن علي عن النبي
ﷺ من غير وجه: من المذي الوضوء، ومن المني الغسل.
وهو قول عامة أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين، وبه يقول سفيان والشافعي وأحمد وإسحاق.
* الكلام عليه:
أخرجه ابن ماجة من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي ﵇.
وأخرج أبو داود من حديث حصين بن قبيصة عن علي ﵁ قال: كنت رجلًا مذاء فجعلت أغتسل حتَّى تشقق ظهري، فذكرت ذلك للنبي ﷺ أو ذكر له، فقال رسول الله ﷺ : "لا تفعل إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك وتوضأ وضوءك للصلاة، وإذا فضخت الماء فاغتسل".
وأخرجه النسائي، وأخرجه البخاري ومسلم من حديث محمد بن الحنفية عن علي مختصرًا.
стр. 944
قد صحح الترمذي هذا الحديث وفي إسناده يزيد بن أبي زياد، وهو وإن كان مسلم قد انفرد بإخراج حديثه مقرونًا بغيره، في كتاب الأطعمة، فقد تكلم فيه بعضهم، فلنذكر ما حضرنا من الكلام عليه ليبين محله من القبول أو التوقف، قال أبو الفرج بن الجوزي في كتاب "الضعفاء" له: يزيد بن زياد، ويقال: ابن أبي زياد ويقال: أبو زيّاد، الشامي، واسم أبيه ميسرة.
يروي عن الزهري وعبد الرحمن بن أبي ليلى.
قال علي ويحيى: ضعيف لا يحتج به.
قال ابن المبارك: ارم به.
وقال أبو حاتم الرازي: ضعيف الحديث، كل أحاديث موضوعة أو باطلة.
وقال البخاري: منكر الحديث ذاهب.
وقال النسائي: متروك الحديث.
وقال ابن حبان: صدوق إلا أنَّه لما كبر ساء حفظه وتغيَّر، وكان يتلقن ما لقن فوقعت المناكير في حديثه، فسماع من سمع منه قبل التغير صحيح. انتهى ما ذكره.
وهذا عنده كلام على راوٍ واحدٍ، وإنما هذا الكلام على ثلاثة من الرواة:
فأحدهم يزيد بن أبي زياد الدمشقي، يروي عن الزهري، روى عنه وكيع ومحمد بن ربيعة.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، قال: سمعت ابن نمير يقول: يزيد بن أبي زياد الَّذي يروي عنه وكيع ليس بشيء، سألت أبي عنه، فقال: ضعيف الحديث كل أحاديثه [موضوعة].
стр. 945
وقال البخاري: هو منكر الحديث.
والثاني: يزيد بن زياد، واسم أبي زياد ميسرة مولى عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي المدني.
روى عن محمد بن كعب القرظي.
روى عنه مالك وابن إسحاق.
ذكره ابن أبي حاتم، وذكر رواية ابن إسحاق عنه.
وقال الترمذي: روى عنه مالك بن أنس وغير واحد، مدني.
والثالث: راوي هذا الحديث، وهو كوفي مولى بني هاشم، مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل.
روى عن عبد الله بن جعفر ومجاهد وعبد الرحمن بن أبي ليلى.
روى عنه الأعمش والثوري وشعبة وزهير بن معاوية، وزائدة وشريك وجرير بن عبد الحميد، وسفيان بن عيينة، ومحمد بن فضيل وعبد الله بن إدريس وغيرهم.
قال شعبة: كان رفاعًا.
وقال عثمان بن أبي شيبة: سألت جريرًا عن ليث وعطاء بن السائب ويزيد بن أبي زياد؟ فقال: يزيد أحسنهم استقامة في الحديث، ثم عطاء.
قال عبد الله: سألت أبي عن هذا فقال: أقول كما قال جرير.
وقال مرة: وكان ليث أكثرهم تخليطًا.
وقال عبد الله: قال لي أبي: لم يكن يزيد بن أبي زياد بالحافظ، وليس بذاك.
قال عبد الله: فقلت ليحيى بن معين: يزيد بن أبي زياد وعطاء بن السائب.
стр. 946
فقال: نعم، ومن سمع من عطاء وهو مختلط فيزيد فوق عطاء.
وروى العباس الدوري عن يحيى بن معين: لا يحتج بحديثه، ذكره ابن أبي حاتم، وحكى عن أبيه قوله فيه: ليس بالقوي.
وعن أبي زرعة: كوفي لين، يكتب حديثه ولا يحتج به.
وإذ قد تبين أنهم ثلاثة وأن أحوالهم مختلفة، فلنذكر ما ينبني على اختلاف أحوالهم من اختلاف أحوال أخبارهم في القبول والرد، فنقول:
أما الأول فلا تلتحق أخباره بالصحيح ولا بالحسن لما فيه من الجرح المفسر الذي لم يعارضه شبهة تعديل، وقد وقع لأبي عيسى حديث من طريقه وردّه به، وهو حديث: "ادرأوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم".
رواه يزيد عن الزهري عن عروة عن عائشة.
ورواه عن يزيد عنده: وكيع، ومحمد بن ربيعة.
قال الترمذي: يزيد يضعف في الحديث.
وأما الثاني فينبغي أن يكون حديثه -إذا سلم من العلل والشذوذ والتفرد- من باب الحسن، إذا لم يعدم شاهدًا أو متابعًا لدخوله تحت كنف الستر والسلامة من الجرح، والمعرفة بعينه برواية من روى عنه.
وأما الثالث فينبغي أن يتردد النظر في حديثه بين قسمي الحسن والصحيح بحسب شواهد الحديث المخرج من روايته ومتابعاته، فحيث وجد ما يعضده فلا ينبغي أن يقصر به عن التصحيح لثناء من أثنى عليه، واشتهاره بحمل العلم، وكون الجرح فيه غير مفسر.
وينبغي أن يعتبر مذهب المجرح بلفظ: لا يحتج به، وهل هو ممن يحتج بالحسن أو لا؟
стр. 947
فإن كان القائل بالتجريح عمن جرحه؛ لا يحتج به، وهو لا يحتج إلا بالصحيح، فلم يسلب الجروح رتبة تحسين حديثه، وإن كان المجرح ممن يحتج بالحسن فقد سلبه تلك الرتبة، وهو أشد في الجرح من الأول.
وأما الترمذي فقد صحح حديث يزيد هذا في مواضع منها حديث الباب.
وحديثه عن مقسم عن ابن عباس: أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم.
وحديثه عن عبد الله بن الحارث: حدثني المطلب بن ربيعة: أن العباس دخل على النبي ﷺ مغضبًا ... الحديث.
ومما حسن من حديثه حديثه عن مجاهد عن ابن عباس: دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة.
وهو من رواية زياد البكائي عنه. وزياد وإن كان قد مس بتضعيف من النسائي وابن معين، فقد أثنى عليه أحمد وأبو زرعة، وأخرج له في الصحيحين، فلعل التصحيح والتحسين في ذلك بمشاركة الأمور الخارجة عن نفس السند من اشتهار المتون أو غرابتها أو اشتهار طرقها أو عدم ذلك.
وأيضًا فهو من رواية ابن أبي ليلى عن علي، وقد قيل: لم يسمعه منه.
وأما حديث المقداد بن الأسود؛ فروى سليمان بن يسار عن المقداد بن الأسود: أن علي بن أبي طالب ﵁ أمره أن يسأل رسول الله ﷺ عن الرجل إذا دنا من أهله فخرج منه الذي؛ ماذا عليه؛ فإن عندي ابنته وأنا استحيي أن أسأله. قال المقداد: فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: "إذا وجد أحدكم ذلك فلينضح فرجه وليتوضئ وضوءه للصلاة".
رواه أبو داود، وأخرجه النسائي وابن ماجه.
стр. 948
قال الإمام الشافعي: حديث سليمان بن يسار عن المقداد مرسل لا نعلم سمع منه شيئًا.
قال البيهقي: هو كما قال، وابن حبان يزعم أنه سمع منه وعمره دون العشر سنين.
وقد رواه بكير بن الأشج عن سليمان بن يسار عن ابن عباس في قصة علي والمقداد موصولًا. انتهى.
وحديث سليمان بن يسار عند مسلم من حديث مخرمة بن بكير عن أبيه، ولم يسمع مخرمة من أبيه شيئًا، كذا قال عنه غير واحد، إلا أن مالكًا ذكر أنه سأله: هل سمع من أبيه؟ فقال: إي والله.
قال: وكان مخرمة رجلًا صالحًا.
وأما حديث أبي بن كعب، فقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا محمد بن بشر، قال: ثنا مسعر عن مصعب بن شيبة عن أبي حبيب بن يعلى بن منية عن ابن عباس أنه أتى أبيًّا ومعه عمر بن الخطاب فخرج عليهما فقال: إني وجدت مذيًا فغسلت ذكري وتوضأت. فقال عمر: أو يجزئ ذلك؟
قال: نعم. قال: سمعته من النبي ﷺ ؟ قال: نعم.
وأبو حبيب بن يعلى بن منية، ومنية أمه، وهو يعلى بن أمية التميمي حليف لقريش، ويقال منية أخت عتبة بن غزوان المازني.
ذكره أبو أحمد الحاكم فيمن يعرف بكنيته ولا يقف على اسمه.
وقال: روى عن ابن عباس.
روى عنه مصعب بن شيبة.
стр. 949
قال عبد الغني: روى له ابن ماجه.
قال ابن أبي شيبة: نا أبو معاوية عن الأعمش عن سليمان بن مسهر عن خرشة بن الحر، قال: سئل عثمان عن المذي، فقال: ذاك المقطر، ومنه الوضوء.
وعن ابن علية عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي: أن سلمان بن ربيعة تزوج امرأة من بني عقيل فرآها فلاعبها فخرج منه ما يخرج من الرجل. قال سليمان: أو قال: المذي.
قال: فاغتسلت ثم أتيت عمر فسألته، فقال: ليس عليك في ذلك غسل (١).
وابن علية عن ابن عون عن أنس بن سيرين عن ابن عباس: المني يغتسل منه، والمذي يغسل منه فرجه، ويتوضأ، والذي من الشهوة لا أدري ما هو.
وعن عائشة: الني يغتسل منه، والمذي والودي يتوضأ منهما.
وسئل أبو هريرة عن المذي؟ فقال: منه الوضوء.
وروى وكيع عن سفيان عن منصور عن مجاهد عن ابن عباس قال: المني والودي والمذي، فأما المني ففيه الغسل، وأما المذي والودي ففيهما الوضوء.
وعن عكرمة ومجاهد مثله.
وروى ابن علية عن ابن عون عن محمد قال: ذكروا عند ابن عمر البلة والمذي وبعض ما يجد الرجل، فقال: إنكم لتذكرون شيئًا ما أجده، ولو وجدته لاغتسلت منه.
стр. 950
فضخ الماء؛ بالفاء والضاد والخاء المعجمتين، ساكنة الضاد، دفقه، يقال أفضخ الدلو، ويقال للدلو المفضخة لدفق الماء منها.
وفي المذي لغات. مذي؛ بفتح الميم وإسكان الذال، وبكسر الذال وتشديد الياء، وبكسر الذال وتخفيف الياء، وأفصحها الأولى وأشهرها.
يقال منه: مذي وأمذى، ومذاء بتشديد الذال.
والمذي؛ ماء أبيض رقيق لزج يخرج عند تذكر الجماع لا بشهوة ولا دفق ولا يعقبه بفتور، وربما لا يحس بخروجه، ويكون ذلك للرجل والمرأة، وهو في النساء أكثر منه في الرجال، وفي حديث أبي: وغسلت فرجي، وفي حديث المقداد: فلينضح فرجه.
والنضح هنا محمول عند الأصحاب على الغسل؛ فإن النضح يكون غسلًا ويكون رشًا.
وقد جاء في رواية أخرى في الصحيح: يغسل ذكره، فهو محمول عندهم على ذلك.
وأما حكمه فقد أجمع العلماء على أنه لا يوجب الغسل، قال أحمد والشافعي وأبو حنيفة والجمهور بوجوب الوضوء منه لهذا الحديث.
وقد اختلف العلماء في غسل جميع الذكر منه أو غسل ما أصابه المذي منه على قولين:
الأول: محكي عن مالك وأحمد: أنه يغسل منه جميع الذكر.
الثاني: محكي عن الشافعي وغيره.