← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16599

النفح الشذي شرح جامع الترمذي ط الصميعي

ابن سيد الناس

Полный текст (2 088 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

فقال: نعم، ومن سمع من عطاء وهو مختلط فيزيد فوق عطاء. وروى العباس الدوري عن يحيى بن معين: لا يحتج بحديثه، ذكره ابن أبي حاتم، وحكى عن أبيه قوله فيه: ليس بالقوي. وعن أبي زرعة: كوفي لين، يكتب حديثه ولا يحتج به. وإذ قد تبين أنهم ثلاثة وأن أحوالهم مختلفة، فلنذكر ما ينبني على اختلاف أحوالهم من اختلاف أحوال أخبارهم في القبول والرد، فنقول: أما الأول فلا تلتحق أخباره بالصحيح ولا بالحسن لما فيه من الجرح المفسر الذي لم يعارضه شبهة تعديل، وقد وقع لأبي عيسى حديث من طريقه وردّه به، وهو حديث: "ادرأوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم". رواه يزيد عن الزهري عن عروة عن عائشة. ورواه عن يزيد عنده: وكيع، ومحمد بن ربيعة. قال الترمذي: يزيد يضعف في الحديث. وأما الثاني فينبغي أن يكون حديثه -إذا سلم من العلل والشذوذ والتفرد- من باب الحسن، إذا لم يعدم شاهدًا أو متابعًا لدخوله تحت كنف الستر والسلامة من الجرح، والمعرفة بعينه برواية من روى عنه. وأما الثالث فينبغي أن يتردد النظر في حديثه بين قسمي الحسن والصحيح بحسب شواهد الحديث المخرج من روايته ومتابعاته، فحيث وجد ما يعضده فلا ينبغي أن يقصر به عن التصحيح لثناء من أثنى عليه، واشتهاره بحمل العلم، وكون الجرح فيه غير مفسر. وينبغي أن يعتبر مذهب المجرح بلفظ: لا يحتج به، وهل هو ممن يحتج بالحسن أو لا؟

стр. 947

فإن كان القائل بالتجريح عمن جرحه؛ لا يحتج به، وهو لا يحتج إلا بالصحيح، فلم يسلب الجروح رتبة تحسين حديثه، وإن كان المجرح ممن يحتج بالحسن فقد سلبه تلك الرتبة، وهو أشد في الجرح من الأول. وأما الترمذي فقد صحح حديث يزيد هذا في مواضع منها حديث الباب. وحديثه عن مقسم عن ابن عباس: أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم. وحديثه عن عبد الله بن الحارث: حدثني المطلب بن ربيعة: أن العباس دخل على النبي ﷺ مغضبًا ... الحديث. ومما حسن من حديثه حديثه عن مجاهد عن ابن عباس: دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة. وهو من رواية زياد البكائي عنه. وزياد وإن كان قد مس بتضعيف من النسائي وابن معين، فقد أثنى عليه أحمد وأبو زرعة، وأخرج له في الصحيحين، فلعل التصحيح والتحسين في ذلك بمشاركة الأمور الخارجة عن نفس السند من اشتهار المتون أو غرابتها أو اشتهار طرقها أو عدم ذلك. وأيضًا فهو من رواية ابن أبي ليلى عن علي، وقد قيل: لم يسمعه منه. وأما حديث المقداد بن الأسود؛ فروى سليمان بن يسار عن المقداد بن الأسود: أن علي بن أبي طالب ﵁ أمره أن يسأل رسول الله ﷺ عن الرجل إذا دنا من أهله فخرج منه الذي؛ ماذا عليه؛ فإن عندي ابنته وأنا استحيي أن أسأله. قال المقداد: فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: "إذا وجد أحدكم ذلك فلينضح فرجه وليتوضئ وضوءه للصلاة". رواه أبو داود، وأخرجه النسائي وابن ماجه.

стр. 948

قال الإمام الشافعي: حديث سليمان بن يسار عن المقداد مرسل لا نعلم سمع منه شيئًا. قال البيهقي: هو كما قال، وابن حبان يزعم أنه سمع منه وعمره دون العشر سنين. وقد رواه بكير بن الأشج عن سليمان بن يسار عن ابن عباس في قصة علي والمقداد موصولًا. انتهى. وحديث سليمان بن يسار عند مسلم من حديث مخرمة بن بكير عن أبيه، ولم يسمع مخرمة من أبيه شيئًا، كذا قال عنه غير واحد، إلا أن مالكًا ذكر أنه سأله: هل سمع من أبيه؟ فقال: إي والله. قال: وكان مخرمة رجلًا صالحًا. وأما حديث أبي بن كعب، فقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا محمد بن بشر، قال: ثنا مسعر عن مصعب بن شيبة عن أبي حبيب بن يعلى بن منية عن ابن عباس أنه أتى أبيًّا ومعه عمر بن الخطاب فخرج عليهما فقال: إني وجدت مذيًا فغسلت ذكري وتوضأت. فقال عمر: أو يجزئ ذلك؟ قال: نعم. قال: سمعته من النبي ﷺ ؟ قال: نعم. وأبو حبيب بن يعلى بن منية، ومنية أمه، وهو يعلى بن أمية التميمي حليف لقريش، ويقال منية أخت عتبة بن غزوان المازني. ذكره أبو أحمد الحاكم فيمن يعرف بكنيته ولا يقف على اسمه. وقال: روى عن ابن عباس. روى عنه مصعب بن شيبة.

стр. 949

قال عبد الغني: روى له ابن ماجه. قال ابن أبي شيبة: نا أبو معاوية عن الأعمش عن سليمان بن مسهر عن خرشة بن الحر، قال: سئل عثمان عن المذي، فقال: ذاك المقطر، ومنه الوضوء. وعن ابن علية عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي: أن سلمان بن ربيعة تزوج امرأة من بني عقيل فرآها فلاعبها فخرج منه ما يخرج من الرجل. قال سليمان: أو قال: المذي. قال: فاغتسلت ثم أتيت عمر فسألته، فقال: ليس عليك في ذلك غسل (١). وابن علية عن ابن عون عن أنس بن سيرين عن ابن عباس: المني يغتسل منه، والمذي يغسل منه فرجه، ويتوضأ، والذي من الشهوة لا أدري ما هو. وعن عائشة: الني يغتسل منه، والمذي والودي يتوضأ منهما. وسئل أبو هريرة عن المذي؟ فقال: منه الوضوء. وروى وكيع عن سفيان عن منصور عن مجاهد عن ابن عباس قال: المني والودي والمذي، فأما المني ففيه الغسل، وأما المذي والودي ففيهما الوضوء. وعن عكرمة ومجاهد مثله. وروى ابن علية عن ابن عون عن محمد قال: ذكروا عند ابن عمر البلة والمذي وبعض ما يجد الرجل، فقال: إنكم لتذكرون شيئًا ما أجده، ولو وجدته لاغتسلت منه.

стр. 950

فضخ الماء؛ بالفاء والضاد والخاء المعجمتين، ساكنة الضاد، دفقه، يقال أفضخ الدلو، ويقال للدلو المفضخة لدفق الماء منها. وفي المذي لغات. مذي؛ بفتح الميم وإسكان الذال، وبكسر الذال وتشديد الياء، وبكسر الذال وتخفيف الياء، وأفصحها الأولى وأشهرها. يقال منه: مذي وأمذى، ومذاء بتشديد الذال. والمذي؛ ماء أبيض رقيق لزج يخرج عند تذكر الجماع لا بشهوة ولا دفق ولا يعقبه بفتور، وربما لا يحس بخروجه، ويكون ذلك للرجل والمرأة، وهو في النساء أكثر منه في الرجال، وفي حديث أبي: وغسلت فرجي، وفي حديث المقداد: فلينضح فرجه. والنضح هنا محمول عند الأصحاب على الغسل؛ فإن النضح يكون غسلًا ويكون رشًا. وقد جاء في رواية أخرى في الصحيح: يغسل ذكره، فهو محمول عندهم على ذلك. وأما حكمه فقد أجمع العلماء على أنه لا يوجب الغسل، قال أحمد والشافعي وأبو حنيفة والجمهور بوجوب الوضوء منه لهذا الحديث. وقد اختلف العلماء في غسل جميع الذكر منه أو غسل ما أصابه المذي منه على قولين: الأول: محكي عن مالك وأحمد: أنه يغسل منه جميع الذكر. الثاني: محكي عن الشافعي وغيره.

стр. 951

وقد أخذ بعض الناس من قوله ﵇: يغسل ذكره؛ أن الاستنجاء بالحجر إنما يجوز الاقتصار عليه في النجاسة المعتادة، وهي البول والغائط، وأما النادر كالدم والمذي فلا بد فيها من الماء، وهذا أصح القولين عند أصحابنا، كذا قال الشيخ محيي الدين ﵀ في "شرح مسلم". والمعروف أن الصحيح جواز الاقتصار على الحجر في ذلك، وكذا نقله هو في "الروضة". وقال غيره: والانفصال عن ذلك ممكن بحمل ذلك على الاستحباب، أو على أنه خرج مخرج الغالب. وفيه جواز الاستنابة في الاستفتاء، وأنه يجوز الاعتماد على الخبر المظنون مع القدرة على المقطوع به لسؤال علي المقداد أن يستفتي له مع تمكنه من السؤال، واقتصاره على خبر المقداد في ذلك. وقد يمنع اقتصاره على خبر المقداد، فلعل المقداد سأل عن ذلك بحضور علي صيانة لعلي أن يكون المواجه بهذا السؤال للعذر الذي ذكره علي في ذلك، وسمع علي الجواب عن سؤال المقداد من النبي ﷺ شفاهًا إذ لا مانع من ذلك من غير واسطة المقداد ولا غيره. وفيه ما كانوا من حسن الأدب مع النبي ﷺ وحفظهم لعظيم حرمته وتوقيره. وفيه حسن العشرة مع الصهر لمحل علي من النبي ﷺ . وأما المني فقد جاءت حقيقته في قوله ﵇: "إن ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر"، وسيأتي لهذا الحديث ذكر في باب المرأة ترى مثل ما

стр. 952

يرى الرجل، وهذا أصل في بيان صفة المني، وهذه صفته في حال السلامة، وفي الغالب. قال العلماء: مني الرجل في حال الصحة أبيض ثخين يندفق في خروجه دفعة بعد دفعة، ويخرج بشهوة وتلذذ، وإذا خرج استعقب خروجه فتور ورائحته كرائحة طلع النخل، وهي قريبة من رائحة العجين، وقيل يشبه رائحة القصل، وقيل إذا يبس كانت ريحه كريح البول، فهذه صفاته، وقد يفارقه بعضها مع بقاء ما يستقل بكونه منيًّا، وذلك بأن يمرض فيصير منيه رقيقًا أصفر، أو يسترخي وعاء المني فيسيل من غير التذاذ وشهوة، أو يستكثر من الجماع فيجمد ويصير كاللحم (١)، وربما خرج دمًا عبيطًا. وإذا خرج المني أحمر فهو طاهر موجب للغسل، كما لو كان أبيض. ثم إن خواص المني المعتبرة في كونه منيًّا ثلاث: الأولى: الخروج بشهوة مع الفتور عقيبه. الثانية: الرائحة التي تشبه رائحة الطلع كما سبق. الثالثة: الخروج .... (٢) وتدفق في دفعات. وكل واحدة من هذه الثلاث كافية في إثبات كونه منيًّا، ولا يشترط اجتماعها فيه، وإذا لم يوجد شيء منها لم يحكم بكونه منيًّا، وغلب على الظن كونه ليس منيًّا. وأما مني المرأة فهو أصفر رقيق، وقد يبيض لفضل قوتها، وله خاصيتان يعرف بواحدة منهما:

стр. 953

الأولى: الرائحة التي أشرنا إليها، كما سبق. الثانية: التلذذ بالخروج والفتور بعقبه. ويجب الغسل لخروج المني بأي صفة كان، وعلى أي حال كان. وأما الخلاف في طهارته ونجاسته فيأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 954

شرح الترمذي «النفح الشذي شرح جامع الترمذي» تأليف ابن سيد الناس اليعمري ﵀ (ت ٧٣٤ هـ) تحقيق أبو جابر الأنصاري - عبد العزيز أبو رحلة - صالح اللحام [الجزء الثالث]

стр. 955

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 956

شَرْحُ التِّرمِذِيّ «النَّفْحُ الشَّذيّ شَرْحُ جَامِعُ التِّرمِذيّ» [٣]

стр. 957

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ جَمِيع حُقُوق الملكية الأدبية مَحْفُوظَة للناشر، فَلَا يسمح مُطلقًا بطبع أَو نشر أَو تَصْوِير أَو إِعَادَة تنضيد الْكتاب كَامِلا أَو مجزأ. ويحظر تخزينه أَو برمجته أَو نسخه أَو تسجيله فِي نطاق استعادة المعلومات فِي أَي نظام كَانَ ميكانيكي أَو الكتروني أَو غَيره يُمكن من استرجاع الْكتاب أَو جُزْء مِنْهُ. وَلَا يسمح بترجمة الْكتاب أَو جُزْء مِنْهُ إِلَى أَي لُغَة أُخْرَى دون الْحُصُول على إِذن خطي مسبق من الناشر. حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة للناشر دَار الصميعي الطبعة الأولى ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م دَار الصميعي للنشر والتوزيع هَاتِف: ٤٢٦٢٩٤٥ - ٤٢٥١٤٥٩، فاكس: ٤٢٤٥٣٤١ المركز الرئيس، الرياض - شَارِع السويدي الْعَام ص. ب: ٤٩٦٧، الرَّمْز البريدي: ١١٤١٢ المملكة الْعَرَبيَّة السعودية فرع القصيم: عنيزة - أَمَام جَامع الشَّيْخ (بن عثيمين) يرحمه الله هَاتِف: ٣٦٢٤٤٢٨، تلفاكس: ٣٦٢١٧٢٨

стр. 958

٨٤ - باب ما جاء في المذي يصيب الثوب ثنا هناد: نا عبدة، عن محمد بن إسحاق، عن سعيد بن عبيد -هو ابن السباق-، عن أبيه، عن سهل بن حنيف قال: كنت ألقى من المذي شدّةً وعناءً، فكنت أكثر من الغسل، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، وسألته عنه فقال: "إنّما يجزيك من ذلك الوضوء" (١). قلت: يا رسول الله! كيف بما يصيب ثوبي منه؟ قال: "يكفيك أن تأخذ كفًّا من ماء فتنضح به ثوبك حيث ترى أنه أصاب منه" (٢). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، لا نعرفه إلا من حديث محمد بن إسحاق في المذي. وقد اختلف أهل العلم في المذي يصيب الثوب، فقال بعضهم: "لا يجزئ إلا بالغسل، وهو قول الشافعي وإسحاق. وقال بعضهم: يجزئه النضح. وقال أحمد: أرجو أن يجزئه النضح بالماء (٣). * الكلام عليه: أخرجه أبو داود وابن ماجه. فأبو داود: عن مسدد، عن ابن علية. وابن ماجه: عن أبي كريب، عن ابن المبارك وعبدة بن سليمان، كلهم عن ابن إسحاق.

стр. 959

ومدار هذا الحديث على ابن إسحاق، وقد تقدم التعريف بحاله، وإن من الأئمة من يصحح حديثه، ومنهم من وقف عن الاحتجاج به في الأحكام (١). وأما الترمذي فيصحح حديثه تارة ويحسنه تارة. فمما صحح من حديثه: حديث: "أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من النبوة الرؤيا الصادقة". رواه عن إسحاق بن موسى، عن يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة. وحديث: "يمين الله ملأى سحاء". رواه في التفسير عن ابن منيع، عن يزيد بن هارون، عن ابن إسحاق، عن أبي الرثد، عن الأعرج، عن أبي هريرة. وحديث: "لم يكذب إبراهيم في شيء قط إلا في ثلاث ... ". رواه عن سعيد بن يحيى الأموي، عن أبيه، عن ابن إسحاق، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة. وحديث: لما توفي عبد الله بن أُبَيّ دُعِيَ رسول الله ﷺ للصلاة عليه ... ". رواه في التفسير، عن عبد بن حميد، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس. وحديث: "لا يحتكر إلا خاطئ". رواه عن إسحاق بن منصور، عن يزيد بن هارون، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن ابن المسيّب، عن معمر بن عبد الله بن نضلة (٢).

стр. 960

وحسّن من أخباره: حديث النهي عن نتف الشيب (١)؛ وقد كان يمكن أن يقال: هذا الحديث من رواية ابن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، فلعل الذي قصر به عن التصحيح ذلك، لما في قبول هذه النسخة من الخلاف بين السلف. لكن منع من ذلك أنه صحح حديث: "لا يحل سلف وبيع" (٢). من رواية أيوب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. وصحح حديث: "من لم يرحم صغيرنا ... " (٣). وهو من رواية ابن إسحاق، عن عمرو بن شعيب كذلك. ومما حسن أيضًا من حديث ابن إسحاق: "قدم زيد بن حارثة المدينة ورسول الله ﷺ في بيتي، فقرع الباب ... " أخرجه في الاستئذان عن محمد بن إسماعيل، عن إبراهيم بن يحيى بن محمد بن عباد، حدثني أبي يحيى عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة (٤). وحديث: "ما من مسلم يموت فيصلي عليه ثلاثة صفوف من المسلمين ... " (٥). رواه عن أبي كريب، عن ابن المبارك، ويونس بن بكير، عن ابن

стр. 961

إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد اليَزَني، عن مالك بن هبيرة، عن النبي ﷺ . وربما ذكر من حديثه ما سكت عنه، ولم يعرض له بتصحيح ولا تحسين، وترك باب النظر فيه مفتوحًا لمن أراده كحديث: "سأل عثمانُ قباثَ بن أشيم: أنت أكبر أم رسول الله ﷺ ؟ ... " (١). رواه في المناقب، عن ابن بشار، عن وهب بن جرير، عن أبيه، عن ابن إسحاق، عن المطلب بن عبد الله بن قيس بن مخرمة، عن أبيه، عن جده: الحديث ... قال أبو الحسن بن القطان (٢): وفي إسناده أيضًا سعيد بن عبيد بن السباق، وهو ممن لا يعرف له حال، ولا يوقف فيه على جرح ولا تعديل، فينبغي أن يكون الحديث بسببه حسنًا (٣). هذا معنى كلامه، وقوله في ابن السبّاق: لم يوقف فيه على جرح صحيح، وأما قوله: ولا تعديل؛ فقد وثقه النسائي، وأبوه أخرج له البخاري ومسلم وغيرهما، فاندفعت شبهة ابن القطان، ولم يبق الحمل إلا على ابن إسحاق. وأما المذي وقد تقدم في الباب قبله ذكر اللغات فيه، ووصفه، وشيء من أحكامه. وروى العلاء بن الحارث، عن حرام بن حكيم -بالحاء والراء المهملتين-، عن عمه عبد الله بن سعد الأنصاري، قال: سألت النبي ﷺ عمّا يوجب الغسل،

стр. 962

وعن الماء يكون بعد الماء فقال: "ذلك المذي وكل فحل يمذي، فتغسل من ذلك فرجك وأنثييك، وتوضأ وضوءك للصلاة" (١). في هذا الحديث زيادة غسل الأنثيين، وهو صحيح الإسناد (٢)؛ فإنه عند أبي داود من حديث ابن وهب، عن معاوية بن صالح، عن العلاء. ومعاوية بن صالح أخرج له مسلم (٣). ولما ذكر عبد الحق هذا الحديث قال: لا يصح غسل الأنثيين، ولا يحتج بهذا الإسناد (٤). قال ابن القطان (٥): كذا قال: وهو كذلك، ولكن بقي عليه أن يبين منه موضع العلة (٦)، وهي الجهل بحال حرام بن حكيم الدمشقي (٧)، ثم حكى أبو الحسن عن عبد الحق أنه قال -في باب ما يحل للرجل من امرأته-: ... وذكر حديثًا من طريق حرام هذا، ثم قال بعده (٨): حرام بن حكيم ضعيف (٩).

стр. 963

قال: ولا أدري من أين جاءه تضعيفه، إنما هو مجهول الحال. انتهى. وليس ذلك من عملهما بمستقيم في الحديثين معًا (١)؛ فقد خفي عليهما من توثيق حرام ما ذكره العجلي؛ قال أحمد بن عبد الله العجلي (٢): مصري ثقة، كذا قال مصري، وإنما هو دمشقي، قاله الحافظ عبد الغني في ترجمته (٣). وقد أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه (٤). وحرام بن حكيم هذا: قال ابن أبي حاتم (٥): حرام بن معاوية روى عن النبي ﷺ وعن عمر كلامه، روى معمر عن زيد بن رفيع، عنه فقال (٦): عن حرام بن حكيم: سمعت أبي يقول ذلك، ثم ذكر ترجمة حرام بن حكيم الدمشقي -فجعلهما ترجمتين، وإنما ذلك كله ترجمة واحدة- روى عن عمه عبد الله بن سعد، وأبي هريرة روى عنه العلاء بن الحارث، وزيد بن واقد، وعبد الله بن العلاء بن زيد .. سمعت أبي يقول ذلك. فقال أبو بكر الخطيب -ومن خطه نقلت (٧) -: حرام بن حكيم هو حرام بن معاوية، وليس بغيره، يختلف على معاوية بن صالح في اسم أبيه، وكان معاوية بن صالح يروي حديثه عن العلاء بن الحارث عنه، عن عمه عبد الله بن سعد، وقيل: إنه يرسل الرواية عن أبي ذر الغفاري وأبي هريرة، وابن أبي حاتم تبع البخاري في

стр. 964

التفريق في الترجمة، وكذلك فعل أبو الحسنن الدارقطني ولعله تبع البخاري (١). وروى بكر بن سهل، عن عبد الله بن صالح بن معاوية، عن معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن حرام بن معاوية، عن عبد الله بن سعد، وروى محمد بن إسماعيل بن عليّة وخالد بن محمد البصري، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن حرام بن معاوية، عن عمه عبد الله بن سعد (٢). ويعضد هذا الحديث الذي رده عبد الحق في غسل الأنثيين ما روى أبو عوانة في "صحيحه" (٣) من حديث سليمان بن حيان، عن ابن حسان، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة السلماني (٤)، عن علي قال: كنت رجلًا مذّاءً فاستحييت أن أسأل النبيّ ﷺ عن ذلك (٥)، فقال النبيّ ﷺ : "يغسل أنثييه وذكره ويتوضأ وضوءه للصلاة". رواه عن موسى بن سهل، عن محمد بن عبد العزيز، عن يزيد بن خالد بن مرسل (٦). يزيد بن خالد من أهل يافا.

стр. 965

ذكر أبو حاتم، عن محمود بن سُمَيْع قال: يزيد ثقة عاقل (١). وكذلك عند أبي داود من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن علي. ورواه يوسف بن يعقوب القاضي عن محمد بن أبي بكر، عن حماد بن زيد، عن هشام، عن عروة، أنّ عليًّا ... فذكره (٢). ورجاله ثقات، إلا أن ابن أبي حاتم قال في المراسيل (٣): عروة بن الزبير، عن أبي بكر مرسل، وعن علي مرسل. قال القاضي أبو بكر بن العربي (٤): أجمع العلماء على أن المذي نجس، واختلفوا في غسله أو نضحه (٥). فقال مالك والشافعي وإسحاق: لا يجزئه إلا الغسل. وقال أحمد: أرجو أن يجزئه النضح. ودليلنا أنها نجاسة فوجب غسلها، أصلها سائر النجاسات، وهذا الحديث حجة لنا؛ لأنه قال: "يكفيك أن تأخذ كفًّا من ماء فتنضح به ثوبك"، والنجاسات على قسمين: نجاسة كلون الماء وهو البول والودي ونحوهما ... ونجاسة تخالف لون الماء لزِم صبّ الماء حتى يذهب عنها، فإذا وافقت لون الماء فالواجب أن تكاثر بالماء خاصة، إذ ليس لها عين تزال، وكفّ من ماء على ما ورد في الحديث أكبر من نقطة من مذي (٦). انتهى.

стр. 966

وقد سبق في حديث المقداد نضح الفرج منه، وحملهم النضح على الغسل، فكذلك تأويله في الثوب، وقد قالوا في قوله ﵇: "إني لأعرف مدينة ينضح البحر جانبها بجانبها" (١) أن المراد الغسل. قال الماوردي: ولو شكّ فيما أنزله هل هو مني أو مذي فلا غسل عليه للشك فيه، ويتوضأ ولا يلزمه غسله لجواز أن يكون منيًّا طاهرًا، وإن احتاط في الأمرين فغسله واغتسل كان أولى وأفضل. وأما الودي؛ فهو كدر يخرج بعد البول قطرة أو قطرتين، وهو يوجب الوضوء دون الغسل كالمذي. فصارت المائعات الخارجة من الذكر غير البول المعتاد ثلاثة: المني وهو طاهر يوجب الغسل، والمذي والودي وهما نجسان يجب منهما الوضوء، وغسل المحل أو نضحه على الخلاف الذي حكيناه. * * *

стр. 967

٨٥ - باب ما جاء في المني يصيب الثوب ثنا هناد: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام قال: "ضافَ عائشةَ ضيفٌ، فأمرت له بملحفة صفراء فنام فيها، فاحتلم فاستحيا أن يرسل بها، وبها أثر الاحتلام، فغمسها في الماء ثم أرسل بها، فقالت عائشة: "أفسد علينا توبنا! إنما كان يكفيه أن يفركه بأصابعه، وربما فركته من ثوب رسول الله ﷺ بأصابعي". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وهو قول غير واحد من أصحاب النبي ﷺ ، والتابعين، ومن بعدهم من الفقهاء مثل سفيان وأحمد وإسحاق، قالوا في المني يصيب الثوب يجزئه الفرك، وإن لم يغسل. وهكذا رُوي عن منصور عن إبراهيم، عن همام بن الحارث، عن عائشة مثل رواية الأعمش. وروى أبو معشر هذا الحديث عن إبراهيم، عن الأسود عن عائشة، وحديث الأعمش أصح.

стр. 968

٨٦ - باب غسل المني من الثوب (١) حدثنا أحمد بن منيع: ثنا أبو معاوية: عن عمرو بن ميمون بن مهران، عن سليمان بن يسار، عن عائشة: "أنها غسلت منيًّا من ثوب رسول الله ﷺ ". قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح. وفي الباب عن ابن عباس. وحديث عائشة أنها غسلت منيًّا من ثوب رسول الله ﷺ ليس بمخالف لحديث الفرك؛ لأنه إذا كان الفرك يجزئ، فقد يستحب للرجل أن لا يرى ثوبه أثره. قال ابن عباس: المني بمنزلة المخاط؛ فأمطه عنك ولو بإذخرة (٢). * الكلام عليه: صحح الترمذي حديث الأعمش، عن إبراهيم، عن همام، عن عائشة، وقواه بالمتابعة عن منصور، عن إبراهيم، ورجحه على حديث أبي معشر، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، وكلاهما صحيح أخرجه مسلم (٣) وغيره. والحديث عند إبراهيم عنهما، وكان يحدث تارة عن همام، وتارة عن الأسود، وتارة عنهما عن عائشة، وكلها في الصحيح -أعني أصل الحديث-.

стр. 969

فأما رواية أبي معشر التي أشار إليها فقد ذكرها مسلم (١) وتابعه عليها من طريق الأسود منصور والمغيرة بن مقسم وواصل الأحدب، وكلها عند مسلم، وحماد بن أبي سليمان، عند أبي داود، عن موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، عنه. وأما حديث الأعمش، فقال الدارقطني: قال أبو عوانة، وعبدة بن سليمان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، وقد جمع بينهما حفص بن غياث، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود وهمام، كلاهما عن عائشة. رواه مسلم عن عمر بن حفص، عن أبيه. وأما حديث منصور فقد ذكرنا أن مسلمًا رواه من طريقه عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشه بخلاف ما ذكره الترمذي فإنه ذكره عن منصور، عن إبراهيم، عن همام، عن عائشة. وقد ذكر الشيخ أبو الحسنن الدارقطني أن الأشجعي رواه عن الثوري، عن منصور عن إبراهيم، عن همام، وعن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة. قال الدارقطني: وهو صحيح من حديث إبراهيم عن الأسود، وهمام عن عائشة؛ لأن حفص بن غياث جمع بينهما عن الأعمش، ولأن الأشجعي، عن الثوري جمع بينهما، عن منصور. انتهى. فتحصّل من هذا أن حديث الأعمش ومنصور سواء في رتبة واحدة من الصحة، وأن حديث أبي معشر أيضًا يساويهما؛ لصحه الحديث عن همام والأسود عن عائشة، والأشجعي عبيد الله بن عبد الرحمن، أبو عبد الرحمن كوفي ثقة صاحب سفيان مخرّج له في الصحيحين. وأما حديث عمرو بن ميمون، عن سليمان بن يسار، عن عائشة، فقد سكت

стр. 970

الترمذي عنه (١)، ولم يحكم عليه بشيء. قال البزار (٢): وإنما يروى الغسل عن عائشة ﵂ من وجه واحد: رواه عمرو بن ميمون، عن سليمان بن يسار، عن عائشة ﵂. ولم يسمع سليمان بن يسار من عائشة، ولا يكون معارضًا لهذه الأسانيد حديث عمرو، عن سليمان، عن عائشة. وهذا توهين من البزار للحديث، وليس كما ذكر فإن الحديث صحيح مخرج في الكتب الستة (٣)، وسماع سليمان بن يسار من عائشة؛ صحيح ثابت في الصحيحين (٤): أما البخاري: فرواه من حديث عبد الواحد، عن عمرو بن ميمون، عن سليمان بن يسار، قال: سألت عائشة ﵂ عن المني يصيب الثوب؟ فقالت: "كنت أغسله من ثوب رسول الله ﷺ فيخرج إلى الصلاة وأثر الغسل في

стр. 971

ثوبه بقع الماء". وفي رواية محمد بن بشر عند مسلم؛ عن عمرو بن ميمون قال: سألت سليمان بن يسار عن المني يصيب الرجل، أيغسله أم يغسل الثوب؟ فقال: حدثتني عائشة ﵂: "أن رسول الله ﷺ كان يغسل المني، ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب، وأنا أنظر إلى أثر الغسل فيه". فلفظ البخاري عن سليمان: سألت عائشة، ولفظ مسلم عنه: حدثتني عائشة؛ وهذا صريح في السماع. فهذا الحديث المسكوت عنه عند الترمذي صحيح أيضًا، وقد قيل: إن الفرك كان في ثياب ينام فيها، لا في ثياب يصلي فيها، واستدل عليه بحديث عمرو بن ميمون الماضي، وأن الغسل كان في ثوب الصلاة (١). وبحديث يزيد بن أبي حبيب، عن سويد بن قيس، عن معاوية بن حُدَيْج (٢)، عن معاوية بن أبي سفيان: أنه سأل أخته أم حبيبة زوج النبيّ ﷺ : هل كان رسول الله ﷺ يصلي في الثوب الذي يجامعها فيه؛ قالت: "نعم، إذا لم يَرَ فيه أذىً". أخرجه أبو داود (٣). وروى خالد بن الحارث، عن أشعث، عن محمد بن (٤) عبد الله بن شقيق، عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ لا يصلي في لحف

стр. 972

نسائه" (١). رواه شعبة (٢) عن أشعث، وفيه: "لحفنا"، ويرد هذا التأويل حديث أبي معشر الصحيح (٣)، من طريق عائشة الذي قدمناه، ولفظه: "أفركه من ثوب رسول الله ﷺ فيصلي فيه". وأمّا من فرّق بين رطبه ويابسه: فروى الدراقطني (٤) من حديث بشر بن بكر، عن الأوزاعي، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة قالت: "كنت أفرك المنيّ من ثوب رسول الله ﷺ إذا كان يابسًا، وأغسله إذا كان رطبًا". أخرجه من حديث أبي إسماعيل الترمذي عن الحميدي. ورواه الطحاوي (٥) عن أحمد بن البرقي، عن الحميدي؛ إلا أنه قال فيه: "وأغسله أو أمسحه إذا كان رطبًا". شكّ (٦) الحميدي، وكذلك رواه أبو (٧) عوانة في "صحيحه". وأما حكّ رطبه بالإذخر دون الغسل، فقد روى الدارقطني (٨) من حديث إسحاق بن يوسف الأزرق، نا شريك، عن محمد بن عبد الرحمن، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄ قال: "سئل رسول الله ﷺ عن المني يصيب الثوب،

стр. 973

فقال: "إنما هو بمنزلة المخاط (١)، وإنما يكفيك مسحه بخرقة أو بإذخرة". قال: لم يرفعه غير إسحاق الأزرق عن شريك، ثم أخرجه من حديث وكيع عن ابن عباس موقوفًا به (٢). لم يذكر الترمذي حديث ابن عباس هذا، وكذلك لم يذكر حديث أم سلمة. قرأت على محمد بن ساعد، أخبرك يوسف بن خليل، أنا البراني (٣) زيد، أنا محمود الصيرفي، أنا أبو الحسين بن فاذشاه، أنا الطبراني (٤)، نا أحمد بن سهل الأهوازي، نا (٥) سليمان بن داود المنقري ثنا سلم بن قتيبة عن أبي بكر الهذلي، عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة قالت: "كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ ". وقد اختلف العلماء (٦) في طهارة المني أو نجاسته: فروي عن عمر (٧) بن الخطاب وابن مسعود وجابر (٨) بن سمرة ﵃ أنهم غسلوه من ثيابهم، وأمروا بغسله، ومثله عن ابن (٨) عمر وعائشة (٨) على اختلاف عنهما. وعن جُبَيْر بن نُفَير: أنّه أرسل إلى عائشة يسألها عن المني في الثوب، فقالت: إن شئت فاغسله وإن شئت فاحككه. وروي عن سعيد بن المسيب أنه أمر بغسله.

стр. 974

وروى عنه أنه قال: إذا صلى فيه لم يعد. وقال مالك: غسل الاحتلام من الثوب أمر مجمع عليه عندنا، وعن الأوزاعي نحوه. ولا يجوز عند مالك وأصحابه في سائر النجاسات إلا الغسل بالماء، ولا يجزئ عنده الفرك وأنكره ولم يعرفه. وأما أبو حنيفة وأصحابه فالمني عندهم نجس، ويجزئ فيه الفرك على أصلهم في النجاسات (١)، أنه يطهرها كل ما أزال عينها من الماء وغير الماء. وقال الثوري: يفركه فإن لم يفركه أجزأته صلاته. وقال الحسن بن حيّ: لا تعاد الصلاة من المني في الثوب وإن كثُر، وتعاد من المني في الجسد، وإن قل، وكان يفتي مع ذلك بفركه من الثوب إذا كان يابسًا، ويغسله إذا كان رطبًا. وقال الليث بن سعد: هو نجس، ويعيد منه في الوقت، ولا يعيد بعده، ويفركه من الثوب بالتراب قبل أن يصلي. وقال الشافعي: المني طاهر، ويفركه من ثوبه إذا كان يابسًا، وإن لم يفركه فلا بأس به، وأما النجاسات فلا يطهرها عنده إلا الغسل بالماء كقول مالك سواءً. والمني عند أبي ثور وأحمد وإسحاق وداود وطاهر كقول الشافعي، ويستحبون غسله رطبًا، وفركه يابسًا، وهو قول سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عباس، كان سعد يفرك المني من ثوبه، وقال ابن عباس: هو نجس أمطه عنك بإذخرة أو امسحه بخرقة. وروى معمر عن الزهري، عن طلحة بن عبيد الله، عن أبي هريرة: أنه كان

стр. 975

يقول في الجنابة تصيب الثوب: إن رأيت أثره فاغسله، وإن شككت فلم تدر أصاب الثوب أم لا فانضحه. وروي نحو ذلك عن ابن عمر وسعيد بن المسيب، وعن أنس بن مالك والشعبي وابن سيرين وجماعة من التابعين. هذا حكم المني، ولنا قول شاذ: أن منيّ المرأة نجس دون مني الرجل، وقول أشذّ منه: أنّ مني الرجل ومنىّ المرأة نجس، والصواب أنهما طاهران. وهل يحل أكل المني الطاهر؟ فيه وجهان لأصحابنا، أظهرهما أنّه لا يحل أكله لأنه مستقذر؛ فهو داخل في جملة الخبائث المحرمة علينا. وأما منيّ باقي الحيوانات غير الآدمي، فمنها الكلب والخنزير والمتولد من أحدهما، فمنيّها نجس بلا خلاف، وما عداها من الحيوانات في منيّه ثلاثة أوجه: * الأصح: أنها كلها طاهرة من مأكول اللحم وغيره. * والثاني: أنها نجسة. * والثالث: التفرقة بين مأكول اللحم، فهو طاهر، وغيره فهو نجس. أما القول بنجاسة المنيّ عند القائلين فله وجوه (١): * الأول: حديث الغسل منه، وهو صحيح كما تقدّم. * الثاني: أن الفضلات المستحيلة إلى الاستقذار في مقر تجتمع فيه نجسة، والمني منها فليكن نجسًا. * الثالث: أن الأحداث الموجبة للطهارة نجسة، والمني منها، أي من الأحداث الموجبة للطهارة.

стр. 976

* الرابع: أنه يجري على مجرى البول فينجس. وأما في كيفية إزالته فلأن النجاسة لا تزال إلا بالماء؛ إلا ما عُفِيَ عنه من آثار بعضها، والفرع ملحق بالأعم الأغلب. وأما أبو حنيفة ﵀ فإنّه اتبع الحديث في فرك اليابس، والقياس في غسل الرطب، ولم يَرَ الاكتفاء بالقول دليلًا على الطهارة، وشبّهه بعض أصحابه بما جاء في الحديث من دلك النعل من الأذى، وهو قوله ﵊: "إذا وطئ أحدكم الأذى بخفه أو بنعله فطهورها التراب". رواه الطحاوي من حديث أبي هريرة، فإن الاكتفاء بالدلك فيه لا يدل على طهارة الأذى. وأما الشافعي ﵀ فاتّبع الحديث في فرك اليابس ورآه دليلًا على الطهارة؛ فإنه لو كان نجسًا لما اكتفى فيه إلا بالغسل قياسًا على سائر النجاسات، فلو اكتفى بالفرك مع كونه نجسًا لزم خلاف القياس، والأصل عدم ذلك. وهذا الحديث يخالف ظاهره ما ذهب إليه مالك، وقد اعتذر عنه بأن الفرك فيه محمول على الفرك بالماء، وفيه بعد؛ لأنه ثبت في بعض الروايات في هذا الحديث عن عائشة ﵂ أنها قالت: "لقد رأيتني وإنّي لأحكه من ثوب رسول الله ﷺ يابسًا بظفري". فهذا تصريح بيبسه. وأيضًا ففي رواية يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة قالت: "كنت أفرك المنيّ من ثوب رسول الله ﷺ إن كان يابسًا، وأغسله أو أمسحه إذا كان رطبًا"، شك الراوي.

стр. 977

وهذا التقابل بين الغسل والفرك يقتضي اختلافهما، والذي قرب التأويل المذكور عند من قال به: إما في بعض الروايات عن عائشة أنها قالت لضيفها الذي غسل الثوب: "إنما كان يجزئك أن رأيته أن تغسل مكانه، وإن لم تره نضحت حوله، لقد رأيتني وأنا أفركه من ثوب رسول الله ﷺ ". فحصرت الإجزاء في الغسل لما رآه، وحكمت بالنضح لما لم يره، وهذا حكم النجاسات، فإن كان هذا الفرك المذكور من غير ماء، ناقض آخر الحديث أوله؛ الذي يقتضي حصر الإجزاء في قولها لأحكه يابسًا بظفري، أصرح وأنص على عدم الماء مما ذكر من القرائن في كونه مفروكًا بالماء، والحديث الواحد اختلفت طرقه ونعني بالقرائن النضح لما لم يُرَ، وقولها: "إنما كان يجزئك". ومن الناس من سلك طريقة أخرى في الأحاديث التي اقتصر فيها على ذكر الفرك، فقال: هذا لا يدل إلا على الفرك من الثوب، وليس فيه دلالة على أنه الثوب الذي يصلى فيه فيحمل على قرب النوم، ويحمل الحديث الآخر الذي فيه الغسل على ثوب الصلاة، بدليل قولها: "فيخرج إلى الصلاة، وإن بقع الماء في ثوبه". ولا يقال إذا حملتم الثوب على ثوب غير الصلاة، فأي فائدة في ذكر ذلك؟ لأنا نقول: فائدته جواز لباس الثوب النجس في غير حالة الصلاة، وهذه الطريقة: قد تمشي لو لم يأت روايات صحيحة بقولها: "أفركه ثم يصلي فيه"، وفي بعضها: "فيصلي فيه". فأخذ بعضهم من كون الفاء للتعقيب، أنه يعقب الصلاة بالفرك، ويقتضي ذلك عدم الغسل قبل الدخول في الصلاة، واحتمال غسله بعد الفرك واقع يقتضيه القياس، ولكن الأصل عدمه، فيتعارض النظر بين اتباع الأصل ومخالفة هذا القياس، أو بين اتباع القياس ومخالفة الأصل، فما ترجح منهما عمل به. * * *

стр. 978

٨٧ - باب ما جاء في الجنب ينام قبل أن يغتسل ثنا هناد: ثنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة قالت: "كان النبي ﷺ ينام وهو جنب لا يمسّ ماءً". حدثنا هنّاد: نا وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق نحوه. قال أبو عيسى: وهذا قول سعيد بن المسيب وغيره. وقد روى غير واحد عن الأسود، عن عائشة، عن النبيّ ﷺ أنه: "كان يتوضأ قبل أن ينام". وهذا أصح من حديث أبي إسحاق عن الأسود. وقد رَوَى عن أبي إسحاق هذا الحديث شعبة والثوري، وغير واحد، ويرون هذا غلطًا من أبي إسحاق (١). * الكلام عليه: أخرجه النسائي (٢) وابن (٣) ماجه، وسكت عنه الترمذي فلم يحكم عليه بشيء، ولعله لشبهة كلام العلماء فيه، وقد نبّه عليه بقوله: يرون هذا غلطًا من أبي إسحاق. قال يزيد (٤) بن هارون: هذا الحديث وهم، وقال سفيان (٥) الثوري: فذكرت

стр. 979

الحديث يومًا يعني حديث أبي إسحاق هذا، فقال لي إسماعيل: يا فتى فَشُدَّ هذا الحديث بشيء. وذكر الخلال عن مهنا: سألت أحمد عن حديث أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة قالت: "كان النبيّ ﷺ ينام جنبًا لا يمسُّ ماء"، قال: ليس صحيحًا (١)، قلت: لِمَ؟ قال: لأن شعبة روى عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة: "أنّ رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاه" (٢) , قلت: مِنْ قِبَلِ مَنْ جاء هذا الاختلاف؟ قال: من قبل أبي إسحاق الحديث، ثم قال (٣): وسألت أحمد بن صالح عن هذا الحديث، فقال: لا يحل أن يروى هذا الحديث. قال أبو عبد الله: الحكم يرويه مثل قصة أبي إسحاق ليس عن الأسود: الجنب يأكل، يعني أنه ليس في تلك الرواية كذا عن الأسود، وأن فيها الجنب يأكل. قال الأثرم (٤): وقد روى أبو إسحاق عن الأسود، عن عائشة ﵂: "أنّ النَّبيّ ﷺ كان يجنب ثم ينام قبل أن يمسّ ماء"، فلو لم يخالف أبا إسحاق في هذا إلا إبراهيم وحده، عن الأسود كان أثبت، وأعلم بالأسود، ثم وافق إبراهيمَ عبد (٥) الرحمن بن الأسود، ثم وافقهما فيما روياه أبو سلمة وعروة عن عائشة رصي الله عنها.

стр. 980

ثم وافق ما صحّ عن عائشة ﵂ من ذلك رواية ابن عمر عن عمر، وما رُوِيَ عن عمار وأبي سعيد فتبيّن أنّ حديث أبي إسحاق إنما هو وهم. وروى هُشَيْم عن عبد الملك، عن عطاء، عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ مثل ما رواه أبو إسحاق عن الأسود. ورواية عطاء، عن عائشة مما لا يحتجّ به، إلا أن يقول: سمعت، ولو قال في هذا سمعت؛ كانت تلك الأحاديث أقوى (١). وأورد الترمذي حديث الباب من طريق أبي بكر بن عياش، عن الأعمش، عن أبي إسحاق ثم أتبعه بحديث وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق، وكلاهما عنده عن هنّاد، عنهما. وفائدة هذه المتابعة تقوية حديث أبي بكر بن عياش لسلامة وكيع مما طعن به على أبي بكر بن عياش، وأبو (٢) بكر وإن كان ممن له قدم راجح في العبادة والعلم وقراءة القرآن، وتروى له مناقب منها: أنّه أقام خمسين سنة لا يفرش له فراش ينام عليه (٣). ومنها أنّه عند موته أشار إلى موضع في منزله وذكر أنّه ختم القرآن فيه ثمانية عشر ألف مرة (٤). ومنها أن محمد بن المثنى قال: سمعت إبراهيم بن شماس قال: سمعت إبراهيم بن أبي بكر بن عياش، قال: شهدت أبي عند الموت فبكيت، فقال: يا بني، ما يبكيك؟ فما أتى أبوك فاحشة قط (٥). ومنها: أن يزيد بن هارون

стр. 981

قال عنه: لم يضع جنبه على الأرض منذ أربعين سنة (١)، فقال قال: مفضّل الغساني: سألت يحيى (٢) بن معين عنه؛ فضعّفه. ومن رواية عباس الدُّوري عن يحيى: شريك أثبت من أبي الأحوص، وأبو الأحوص أثبت من أبي بكر بن عياش. وقال عثمان (٣) بن زائدة: سألت سفيان الثوري عمّن آخذ العلم بالكوفة؟ فقال: عليك بزائدة وسفيان بن عيينة، قلت: فأبو بكر بن عياش؟ قال: ذاك صاحب قرآن. وروى ابن (٤) المديني، عن يحيى القطان قال: لو كان أبو بكر بن عياش بين يديَّ ما ساكته عن شيء. وعن أحمد (٥): كثير الخطأ جدًّا، قيل له: في كتبه؟ قال: لا، إذا حدّث من حفظه. ومع ذلك فقد وثّقه العجلي (٦) وأبو (٧) داود وغيرهما (٨).

стр. 982

قال الترمذي (١): وقد روى غير واحد عن الأسود، عن عائشة، عن النبيّ ﷺ أنّه كان يتوضأ قبل أن ينام" (٢). وهذا أصحّ من حديث أبي إسحاق، عن الأسود ... إلى آخره (٢). قلت: من الناس من يحمل الوهم في ذلك على أبي (٣) إسحاق معتمدًا على أنّ عبد الرحمن بن الأسود وإبراهيم النخعي روياه عن الأسود (٤)، فخالفا أبا إسحاق، فذكرا الوضوء قبل النوم فعارضاه، وكذلك من ذكرنا معهما في هذا الباب، وستأتي أحاديثهم في الباب بعد هذا. ومن الناس من جمع بين الروايتين؛ قال الدارقطني (٥): وقال بعض أهل العلم: يشبه أن يكون الخبران صحيحين، وأنّ عائشة قالت: "ربما كان النبيّ ﷺ قدم الغسل وربّما أخّره". كما حكى ذلك عنها غضيف بن الحارث وعبد الله بن أبي قيس وغيرهما، وأن الأسود حفظ ذلك عنها، فحفظ عنه أبو إسحاق تأخير الوضوء والغسل، وحفظ عنه عبد الرحمن بن الأسود والنخعي تقديم الوضوء على الغسل.

стр. 983

ويمكن أن يقال في دفع الوهم عن أبي إسحاق أن الثقة كأبي إسحاق إذا روى اعتمدت روايته إلا بعلّة بيّنة، والأحاديث التي ذكرها على قسمين: أحدهما الأمر بالوضوء قبل النوم، والثاني: فعل الرسول ﷺ ، فأما الأمر فيمكن أن يحمل على الاستحباب، ويحمل الفعل على بيان الجواز، ولا تعارض ولا دليل على الوهم. وأما الفعل فليس يدلّ على الوجوب بمجرّده، ويمكن أن يكون الأمران جميعًا وقعا، فالفعل لبيان الاستحباب، والترك لبيان الجواز (١). وقد اعتضدت رواية أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة، برواية عبد الملك عن عطاء، عنها. وقد نقل ذلك عن عائشة من فتياها. قال أبو (٢) بكر بن أبي شيبة، نا الفضل بن دكين، نا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر (٣)، عن حذيفة، قال: عائشة قالت: نومة قبل الغسل أوعب لخروجه. وعن حذيفة أيضًا قال: ثنا وكيع، عن مالك بن مغول، عن طلحة بن مصرّف قال: قال حذيفة: نومة بعد الجنابة أوعب للغسل (٤). وقد روت أم سلمة ﵂: "أنّ النبيّ ﷺ كان يجنب ثم ينام، ثم يجنب، ثم ينام" رواه الإمام أحمد (٥) في مسنده، وهذا مما لم يذكره الترمذي في الباب.

стр. 984

قال أبو (١) عمر: ما أعلم أحدًا من أهل العلم أوجب الوضوء على الجنب إذا أراد أن ينام فرضًا إلا طائفة من أهل الظاهر، وأما سائر الفقهاء بالأمصار فلا يوجبونه، وأكثرهم يأمرون به ويستحبونه، وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وجماعة من الصحابة والتابعين. قال مالك: لا ينام الجنب حتى يتوضأ وضوءه للصلاة، قال: وله أن يعاود أهله قبل أن يتوضأ، ويأكل قبل أن يتوضأ إلا أن يكون في يده قذر فيغسلها. فال: وأما الحائض فتنام قبل أن تتوضأ. وقول الشافعي في هذا كله نحو قول مالك. وقال الليث بن سعد: لا ينام الجنب حتى يتوضأ رجلًا كان أو امرأة. وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري: لا بأس أن ينام الجنب على غير وضوء، وأحبّ إليهم أن يتوضأ. قال: فإذا أراد أن يأكل مضمض وغسل يديه. وهو قول الخزرجي (٢). وقال الأوزاعي: الحائض والجنب إذا أرادا أن يأكلا (٣) غسلا أيديهما. وقال سعيد بن المسيب: إن شاء الجنب نام قبل أن يتوضأ (٤). * * *

стр. 985

٨٨ - باب ما جاء في الوضوء للجنب إذا أراد أن ينام حدثنا محمد بن المثنى: نا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر: أنّه سأل النبيّ ﷺ : أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: "نعم، إذا توضّأ". قال: وفي الباب عن عمار وعائشة وجابر وأبي سعيد وأبي سلمة. قال أبو عيسى: حديث عمر أحسن شيء في هذا الباب وأصحّ، وهو قول غير واحد من أصحاب النبيّ ﷺ (١)، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق، قالوا: إذا أراد الجنب أن ينام، توضأ قبل أن ينام (٢). * الكلام عليه: أخرجه مالك (٣) في موطئه، عن قتيبة، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن عمر. ولفظه: أنّه شكا إلى رسول الله ﷺ أنّه تصيبه جنابة من الليل، فقال له رسول الله ﷺ : "توضأ واغسل ذكرك، ثم نم". أخرجه البخاري (٤) ومسلم (٥) والجماعة (٦)، وحديث عمار يأتي في كتاب
следующие страницы →