كبر وهو منحط.
حدثنا وكيع، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: كبر وأنت تهوي، وأنت تركع. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: هذا إسانيد صحيحة، رجالها ثقات.
стр. 1017
٢٨٧ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: «اللهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَمِلْءَ الأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ العَبْدُ، وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ، اللهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١)
الحكم المستفاد من الحديث
هذه الزيادة في هذا الحديث على قوله: «ربنا لك الحمد» مستحبة، وهو مذهب الشافعي، ورواية عن أحمد.
وقد ذهب أكثر الحنابلة إلى أنَّ المأموم لا يزيد على قوله: «ربنا ولك الحمد»؛ لأنه مأمورٌ بها في قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وإذا قال سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد»؛ فدلَّ على أنه لا يُشرع في حقِّهم سواه.
والصواب القول الأول، وهو الاستحباب في حقِّ الإمام، والمأموم، والمنفرد؛ لأنَّه ذِكْرٌ مشروع في الصلاة أشبه سائر الأذكار، وهو مذهب إسحاق أيضًا. (٢)
تنبيه: للركوع، والسجود، والاعتدال من الركوع أذكار متعددة وردت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- راجعها في «صفة الصلاة» للعلامة محمد ناصر الدين الألباني -رحمه الله تعالى-.
стр. 1018
٢٨٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أُمِرْت أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: عَلَى الجَبْهَةِ -وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى أَنْفِهِ- وَاليَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ وَأَطْرَافِ القَدَمَيْنِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم السجود على الأعضاء السبعة .
لا خلاف في أنَّ السجود على هذه الأعضاء هو السجود الكامل.
• واختلفوا في الواجب من ذلك على قولين:
الأول: يجب السجود على جميعها، وهو أحد القولين للشافعي، ورجَّحه كثير من أصحابه، والصحيح المشهور عن أحمد، وعليه أصحابه وأكثرهم لم يَحْكِ عنه خلافًا، وهو قول مالك، وإسحاق، وزُفَر، وحُكِي عن طاوس، واستدلوا بحديث ابن عباس ﵄، الذي في الباب، والأمر للوجوب.
الثاني: إنما يجب بالجبهة فقط، ولا يجب بغيرها، وهو القول الثاني للشافعي، وحُكي رواية عن أحمد، وهو قول أبي حنيفة، وصاحبيه، واحتجوا بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «سجد وجهي ... ».
وهذا يدل على أنَّ السجود على الوجه، ولأنَّ الساجد على الوجه يُسمى ساجدًا، وإذا وضع غير الوجه على الأرض لا يُسمى بذلك ساجدًا.
стр. 1019
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب؛ لدلالة الحديث عليه، وأما حديث: «سجد وجهي ... ».
فسجود الوجه لا ينافي سجود ما عداه، وإنما أضاف السجود إليه؛ لأنَّه أشرف الأعضاء السبعة، والله أعلم. (١)
مسألة [٢]: حكم السجود على الأنف .
• في حديث الباب: «أُمرت أن أسجد على سبعة أعظم: الجبهة»، وأشار بيده إلى أنفه، ولمسلم في رواية: «الجبهة والأنف»، فاستدل بهذا وذاك من يقول: يجب السجود على الأنف مع الجبهة.
وهو قول مالك، وأحمد في رواية عنهما، وإسحاق، وأبي خيثمة، وأبي بكر بن أبي شيبة، وحُكي قولًا للشافعي.
وجاء في المسألة حديث صريح عن ابن عباس ﵄ عند الدارقطني (١/ ٣٤٨)، والحاكم (١/ ٢٧٠)، مرفوعًا: «لا تُقبل صلاة لا يمس فيها الأنف ما يمس الجبين».
ولكن الصواب في هذا الحديث أنه من مراسيل عكرمة، صوَّبَ ذلك أبوداود، والترمذي، والدارقطني، وغيرهم.
قال ابن رجب: ورُوي معناه عن طاوس، والنخعي، وسعيد بن جبير.
стр. 1020
وقد جاء عن ابن عباس ﵄، كما في «سنن البيهقي» (٢/ ١٠٤)، أنه قال: «إذا سجد أحدكم؛ فليضع أنفه على الأرض؛ فإنكم قد أُمرتم بذلك».اهـ
وهو من طريق سماك عن عكرمة، وقد أعله الترمذي بالإرسال.
• وذهب كثير من العلماء إلى أنَّ السجود على الأنف مستحبٌّ غير واجب، ورُوي عن الحسن، والشعبي، والقاسم، وسالم، وهو قول الشافعي، وسفيان،، ومالك، وأحمد في الرواية الثانية عنهما.
وحَمَلَ من قال بذلك حديث ابن عباس ﵄ على الاستحباب دون الوجوب، وقالوا: لأنه عدَّ الأعضاء المأمور بالسجود عليها سبعًا، ولو كان الأنف معها؛ لكانت ثمانيًا.
واستدلوا بحديث جابر ﵁ كما في «فوائد تمَّام» (٣٤٠)، قال: رأيت النبي ﷺ سجد بأعلى جبهته على قصاص الشعر.
وهو حديث ضعيفٌ؛ في إسناده: أبو بكر بن أبي مريم، وهو شديد الضعف.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب في المسألة هو القول الأول، وجعلها سبعة أعضاء باعتبار أنَّ الأنف، والجبهة كالعضو الواحد؛ لاتصاله به، وعدم وجود الفاصل بينهما، والله أعلم.
وقد رجَّح هذا القول الإمام الشوكاني ﵀، فقال: وبهذا البيان يتضح لك أنَّ رواية ذكر الجبهة مع الإشارة إلى الأنف لبيان أنَّ السجود على الجبهة لا يكون
стр. 1021
تامًّا، كاملًا؛ إلا بوضع الأنف معها، ومع هذا فقد أغنانا عن ذلك ذكرهما معًا في الأحاديث كما أشرنا إليه، وقد اجتمع في السجود على الجبهة، والأنف البيان للسجود المأمور به في القرآن المعلوم وجوبه بالضرورة الشرعية بالقول والفعل، فكان ذلك كافيًا في فرضية السجود على تلك الأعضاء من غير انضمام أمر الأمة بذلك، فكيف وقد ثبت كما ذكرناه لك. اهـ «السَّيل» (١/ ٢١٧). (١)
تنبيه: قال ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٥/ ١١٨): ولو اقتصر على السجود على أنفه دون جبهته؛ لم يجزئه عند أحد من العلماء ممن أوجب السجود على الأنف غير أبي حنيفة، وهي رواية عن الثوري، رواها عنه حسَّان بن إبراهيم. اهـ
قال ابن المنذر ﵀ كما في «المغني» (٢/ ١٩٧): لا أعلم أحدًا سبقه إلى هذا القول. يعني أبا حنيفة.
مسألة [٣]: مباشرة الساجد بأعضائه الأرض .
• ذهب جمهور العلماء إلى استحباب مباشرته بأعضائه الأرض.
وكرهوا أن يفصل بين جبهته، أو أنفه، أو يديه فاصل متصل بالمصلي، قالوا: وإذا فعله؛ فصلاته صحيحة، مجزئة، وَتَرَكَ الأفضلَ. وأجازوه بوجود العذر.
• بينما ذهب الشافعي إلى أنه لا يجزئه أن يسجد على كور عمامته، ولا على طرف ثوبه المتصل به، حتى يكشف عن بعض محل سجوده، وهو قول له في
стр. 1022
اليدين أيضًا، والأصح عنه أنه يجوز في اليدين.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الراجح قول الجمهور؛ قياسًا على الخُفين، والركبتين، وعلى القفازين، وقد علَّق البخاري في «صحيحه» عن الحسن، أنه قال: كان القوم يسجدون على العمامة، والقلنسوة، ويداه في كُمِّه.
ثم استدل بحديث أنس بن مالك ﵁، قال: كُنَّا نصلي مع النبي ﷺ ، فيضع أحدنا طرف الثوب من شِدَّة الحر في مكان السجود، فيسجد عليه.
وهو في «صحيح مسلم» أيضًا برقم (٦٢٠). (١)
стр. 1023
٢٨٩ - وَعَنِ ابْنِ بُحَيْنَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ : كَانَ إذَا صَلَّى فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إبْطَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
٢٩٠ - وَعَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا سَجَدْتَ فَضَعْ كَفَّيْكَ، وَارْفَعْ مِرْفَقَيْكَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: حكم التفريج بين اليدين في السجود .
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في «فتح الباري» (٨٠٧): وفي استحباب التجافي في السجود أحاديث كثيرة، لم يخرج البخاري منها غير هذا -يعني حديث ابن بحينة- والقول باستحبابه قول جمهور العلماء، وذكر الترمذي أن العمل عندهم عليه، وهذا يشعر بأنه إجماع منهم.
ثم قال ابن رجب ﵀: فان أطال السجود ولحقته مشقة بالتفريج، فله أن يعتمد بمرفقيه على ركبتيه، وقد روى ابن عجلان، عن سُمَي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: اشتكى أصحاب رسول الله ﷺ مَشَقَّةَ السجود عليهم إذا تفرجوا، فقال: «استعينوا بالركب» خَرَّجَه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وهذا لفظه، وابن حبان في «صحيحه» والحاكم (٣)، ورواه الثوري، وابن عيينة، وغيرهما، عن
стр. 1024
سُمَي، عن النعمان بن أبي عياش، عن النبي ﷺ مرسلًا، والمرسل أصح عند البخاري وأبي حاتم الرازي والترمذي والدارقطني وغيرهم، ورخص فيه عمر بن عبد العزيز والأوزاعي ومالك في النافلة، وكذلك قال بعض أصحابنا، وأصحاب الشافعي، والمنصوص عن أحمد في رواية حرب أنه لا يفعل، بل يجافي، ومتى كان التجافي يَضُرُّ بمن يليه في الصف للزحام؛ فإنه يضم إليه من جناحه، قاله الأوزاعي. انتهى المراد بتصرف.
مسألة [٢]: رفع المرفقين عن الأرض في السجود .
أمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- -كما في حديث البراء ﵁ - برفع المرفقين، وعليه فيجب على الساجد أن يرفع مرفقيه عن الأرض، ولا يضعهما على الأرض؛ فإنَّ ذلك من فعل بعض السباع.
وفي «الصحيحين» عن أنس ﵁ أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب».
وقد تقدم الكلام على ذلك عند حديث عائشة ﵂ المتقدم برقم (٢٦٥).
стр. 1025
٢٩١ - وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : كَانَ إذَا رَكَعَ فَرَّجَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَإِذَا سَجَدَ ضَمَّ أَصَابِعَهُ. رَوَاهُ الحَاكِمُ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: كيفية وضع الأصابع في الركوع والسجود .
دلَّ حديث الباب على أنَّ المصلي يُفرِّج أصابعه في الركوع، ويضمها، ويبسطها في السجود، وقد استحب ذلك أهل العلم كما في «المغني»، و «شرح المهذب»، وتقدم أنَّ الحديثَ ضعيفٌ.
وقد جاء التفريج بين الأصابع في الركوع في حديث أبي حميد عند أبي داود (٧٣١)، والبيهقي (٢/ ٨٤)، وفي إسناده: ابن لهيعة، وهو ضعيفٌ، مختلطٌ.
وجاء من طريق أخرى عند أبي داود (٧٣٤)، والبيهقي أيضًا (٢/ ٨٥) بلفظ: كأنه قابضٌ عليها.
وفي إسناده: فُليح بن سليمان، وجاء في حديث المسيء في صلاته في «الطبراني»: «فأثبت يديك على ركبتيك».
стр. 1026
وهذا اللفظ محتمل، وهو أقرب إلى كونه مُفَرِّجًا بين أصابعه، والله أعلم.
وأما في السجود؛ فقد أخرج ابن أبي شيبة (١/ ٢٦٤)، بإسناد صحيح عن ابن عمر ﵄، أنه قال: إذا سجد أحدكم؛ فليستقبل القبلة بيديه؛ فإنهما يسجدان مع الوجه.
وأخرج ذلك أيضًا عن الحسن، وابن سيرين، وسالم، والقاسم، وغيرهم. (١)
стр. 1027
فَصْلٌ فِي ذِكْرِ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ
مسألة [١]: موضع اليدين في السجود .
جاء في حديث أبي حُميد في «سنن أبي داود» (٧٣٤)، وغيره: «ووضع كفيه حذو منكبيه».
وهذه الرواية من طريق: فُليح بن سليمان، وهو ضعيفٌ.
وهذه الرواية اعتمدها الحنابلة، والشافعية، واستحبوا وضع اليدين حذو المنكبين في السجود.
وقد صحَّ في حديث وائل بن حُجر في «صحيح مسلم» (٤٠١): فلما سجد وضع وجهه بين كفيه.
وفي «سنن النسائي» (٣/ ٣٥): «فلما سجد وضع رأسه بذلك المنزل من بين يديه».
وفي رواية: «قريبتان من أُذُنيه» (١)، وهذا أولى؛ لصحة الحديث في ذلك، وقد عمل به أحمد، قال الأثرم: رأيت أبا عبد الله سجد، ويداه بحذاء أُذُنيه. (٢)
стр. 1028
مسألة [٢]: هل يلزمه السجود على جميع العضو، أم يجزئ بعضه ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ٢٠١ - ٢٠٢): وَالْكَمَالُ فِي السُّجُودِ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ يَضَعَ جَمِيعَ بَطْنِ كَفَّيْهِ، وَأَصَابِعِهِ عَلَى الْأَرْضِ، وَيَرْفَعَ مِرْفَقَيْهِ؛ فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِ بَاطِنِهِمَا، أَجْزَأَهُ، قَالَ أَحْمَدُ: إنْ وَضَعَ مِنْ الْيَدَيْنِ بِقَدْرِ الْجَبْهَةِ، أَجْزَأَهُ، وَإِنْ جَعَلَ ظُهُورَ كَفَّيْهِ إلَى الْأَرْضِ، وَسَجَدَ عَلَيْهِمَا، أَوْ سَجَدَ عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِ يَدَيْهِ، فَظَاهِرُ الْخَبَرِ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ أُمِرَ بِالسُّجُودِ عَلَى الْيَدَيْنِ، وَقَدْ سَجَدَ عَلَيْهِمَا، وَكَذَلِكَ لَوْ سَجَدَ عَلَى ظُهُورِ قَدَمَيْهِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ سَجَدَ عَلَى الْقَدَمَيْنِ، وَلَا يَخْلُو مِنْ إصَابَةِ بَعْضِ أَطْرَافِ قَدَمَيْهِ الْأَرْضَ، فَيَكُونَ سَاجِدًا عَلَى أَطْرَافِ قَدَمَيْهِ، وَلَكِنَّهُ يَكُونُ تَارِكًا لِلْأَفْضَلِ الْأَحْسَنِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ. اهـ
قال ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٥/ ١١٥ - ١١٦) رقم (٨١١): وقال القاضي أبو يعلى: يجزئه أن يضع من يديه وجبهته على الأرض شيئًا، وإنْ قلَّ، ومن أصحابنا من حكى الإجماع على ذلك.
ثم بيَّنَ ابن رجب ﵀ عدم صحة الإجماع، وأنَّ هناك من أوجب السجود على جميع اليدين.
ثم قال: ومذهب الشافعي الذي عليه أكثر أصحابه، ونصَّ عليه في «الأم» أنه لو سجد على بعض جبهته كره، وأجزأه، ولأصحابه وجهٌ: لا يجزئه حتى يسجد على جميع الجبهة. اهـ
стр. 1029
٢٩٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: رَأَيْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّي مُتَرَبِّعًا. رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. (١)
سيأتي الكلام عليه -إن شاء الله- في آخر باب صلاة المسافر، والمريض.
стр. 1030
٢٩٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: «اللهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاهْدِنِي، وَعَافِنِي، وَارْزُقْنِي». رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ إلَّا النَّسَائِيّ، وَاللَّفْظ لِأَبِي دَاوُد، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: ما يقول بين السجدتين .
قال ابن رجب ﵀: رُوي عن أكثر العلماء استحباب ما في حديث ابن عباس ﵄، منهم: مكحول، والثوري، وأصحاب الشافعي. اهـ
قلتُ: وقد أخرج ابن ماجه (٨٩٧)، وابن خزيمة (٦٨٤)، وأبو داود (٨٧٤)، والنسائي (٣/ ٢٢٦)، وغيرهم من حديث حذيفة بن اليمان، أنه ذكر صفة صلاة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قال: ثم رفع، فقال: «رَبِّ اغفِرْ لِي» نحوًا مما سجد، وهو حديث صحيح.
قال ابن رجب ﵀: واستحب الإمام أحمد ما في حديث حذيفة؛ فإنه أصح عنده من حديث ابن عباس، وقال: يقول: «رب اغفر لي»، ثلاث مرات، أو ما شاء. ومن أصحابه من قال: يقولها مرتين فقط. ومنهم من قال: يقولها ثلاثًا كتسبيح الركوع والسجود، وحمل حديث حذيفة أنه كان يكرر ذلك؛ فإن في
стр. 1031
حديثه: أن جلوسه بين السجدتين كان نحوًا من سجوده.
ورُوي عن أكثر العلماء استحباب ما في حديث ابن عباس، منهم: مكحول، والثوري، وأصحاب الشافعي. وقال إسحاق: كله جائز، وعنده: إن قال ما في حديث ابن عباس لم يكرره، وإن قال: «رب اغفر لي» كرره ثلاثًا. انتهى كلام ابن رجب.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب ما ذهب إليه أحمد، أنه يقول: «ربِّ اغفر لي»، ويكررها ما شاء، ويجعل الجلوس بين السجدتين نحوًا من سجوده، كما في حديث حذيفة، وكما في حديث البراء ﵁ في «الصحيحين» (١)، قال: رمَقتُ صلاة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فوجدت قيامه، فركوعه، واعتداله بعد ركوعه، وسجوده، وجلوسه بين السجدتين قريبًا من السواء.
وهذا ترجيح شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (١٤/ ٤٠٧ - ٤٠٨). (٢)
مسألة [٢]: حكم الأذكار بين السجدتين .
قال ابن رجب ﵀ (٥/ ١٣٣ - ١٣٤): وحكم هذا الذكر بين السجدتين عند أكثر أصحاب أحمد حكم التسبيح في الركوع والسجود، وأنه واجب تبطل الصلاة بتركه عمدًا، ويسجد لسهوه، وَرُوي عن أحمد أنه ليس بواجب. قال حرب:
стр. 1032
مذهب أحمد أنه إن قال؛ جاز، وإن لم يقل؛ جاز، والأمر عنده واسع. وكذا ذكر أبو بكر الخلال، أن هذا مذهب أحمد، وهذا قول جمهور العلماء، وحكي عن أبي حنيفة أنه ليس بين السجدتين ذكر مشروع بالكلية. وعن بعض أصحابه أنه يسبح فيه. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب قول الجمهور؛ لأنَّ ذلك هو الذي يدل عليه فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
стр. 1033
٢٩٤ - وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ ﵁، أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي، فَإِذَا كَانَ فِي وِتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ لَمْ يَنْهَضْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مع ذكر بعض المسائل الملحقة
مسألة [١]: حكم جلسة الاستراحة .
• فيها أقوال:
الأول: استحبابها، وهو قول الشافعي، وهو قول إسحاق في رواية، وطائفة من أهل الحديث، منهم: حماد بن زيد، وهو قول أحمد في رواية عنه، ذكر الخلَّال أنَّ قول أحمد استقرَّ عليها، واختارها الخلال، وصاحبه أبو بكر بن جعفر.
واستدلوا بحديث مالك بن الحويرث الذي في الباب، وبحديث أبي حميد في «مسند أحمد» (٥/ ٤٢٤)، و «سنن أبي داود» (٧٣٠)، وابن ماجه (١٠٦١)، والبيهقي (٢/ ١٢٣)، وغيرهم، قال في صفة صلاة رسول الله ﷺ بعد السجدة الثانية: ثم يُكبر، ويجلس على رجله اليسرى، حتى يرجع كل عظم منه إلى موضعه. وقد قاله أبو حميد بمحضر عشرة من الصحابة، رضوان الله عليهم.
الثاني: عدم الاستحباب، وهو قول أحمد في رواية، وهو المشهور عند الحنابلة، قال الترمذي: العمل عليه عند أهل العلم يعني على عدم الجلوس وقد عزاه ابن رجب إلى الأكثرين.
стр. 1034
وحجتهم في ذلك: أنَّ هذا هو المروي عن الصحابة، منهم: عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس ﵃، وقال النعمان بن أبي عياش: أدركتُ غير واحد من أصحاب رسول الله ﷺ ، فكان إذا رفع من السجدة الأخيرة أول ركعة والثالثة قام كما هو، ولم يجلس. (١) وهذا يدل على أنهم علموا أنَّ ذلك ليس من سنن الصلاة مطلقًا.
الثالث: أنها تستحب لمن كبر، وثقل بدنه، وشق عليه النهوض معتمدًا على ركبتيه من غير جلسة، وهو قول بعض الشافعية، والحنابلة، ورواية عن إسحاق.
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب؛ لصحة الأدلة فيه، وأما ما جاء عن الصحابة، فأثر عمر، وعلي، لا يثبتان؛ فإنَّ في إسنادهما: عيسى بن أبي عيسى الحنَّاط، وهو متروك، وأما أثر ابن مسعود؛ فهو صحيح.
وأما أثر ابن عباس، وابن عمر؛ فهما صحيحان، ولكنهما ليسا بصريحين؛ فإنَّ لفظهما: «كانا يقومان على صدور أقدامهما»، وأما أثر النعمان بن أبي عياش؛ فإسناده حسنٌ، ولكن قد خالفهم صحابة آخرون، فأثبتوا جلسة الاستراحة، ومن علم حجة على من لم يعلم، والله أعلم. (٢)
مسألة [٢]: كيفية جلسة الاستراحة .
تقدم في حديث أبي حميد ما يدل على أنه يجلس مفترشًا، وبهذا أخذ الشافعي،
стр. 1035
وأحمد في رواية، وفي رواية عنه أنه يجلس على إليتيه، والقول الأول أصح؛ لدلالة الحديث عليه. (١)
مسألة [٣]: موضع تكبيرة الانتقال إذا جلس للاستراحة .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ٢١٥): يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءُ تَكْبِيرِهِ مَعَ ابْتِدَاءِ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنْ السُّجُودِ، وَانْتِهَاؤُهُ عِنْدَ اعْتِدَالِهِ قَائِمًا؛ لِيَكُونَ مُسْتَوْعِبًا بِالتَّكْبِيرِ جَمِيعَ الرُّكْنِ الْمَشْرُوعِ فِيهِ، وَعَلَى هَذَا بَقِيَّةُ التَّكْبِيرَاتِ، إلَّا مَنْ جَلَسَ جَلْسَةَ الِاسْتِرَاحَةِ؛ فَإِنَّهُ يَنْتَهِي تَكْبِيرُهُ عِنْدَ انْتِهَاءِ جُلُوسِهِ، ثُمَّ يَنْهَضُ لِلْقِيَامِ بِغَيْرِ تَكْبِيرٍ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَنْهَضُ مُكَبِّرًا. وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ فَإِنَّهُ يُفْضِي إلَى أَنْ يُوَالِيَ بَيْنَ تَكْبِيرَتَيْنِ فِي رُكْنٍ وَاحِدٍ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِجَمْعِهِمَا فِيهِ. اهـ
مسألة [٤]: هل ينهض بعد جلوس الاستراحة معتمدًا على يديه، أم قدميه ؟
• في المسألة قولان:
الأول: أنه يقوم معتمدًا على يديه، وهو قول الزهري، ومكحول، وعمر بن عبد العزيز، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأحمد في رواية، ودليلهم حديث مالك بن الحويرث عند النسائي (٢/ ٢٤٣)، قال في صفة صلاة رسول الله ﷺ : ألا أحدثكم عن صلاة رسول الله ﷺ ؟ قال أبو قلابة: فكان إذا رفع رأسه من السجدة الثانية في أول الركعة استوى قاعدًا، ثم قام، فاعتمد على الأرض.
стр. 1036
والحديث في البخاري أيضًا برقم (٨٢٤)، ولفظ النسائي أصرح.
الثاني: أنه ينهض على صدور قدميه، وهذا القول صحَّ عن ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس كما تقدم في جلسة الاستراحة، وهو قول النخعي، والثوري، وأبي حنيفة، وأحمد. ولهؤلاء أدلة مرفوعة كلها ضعيفةٌ، قال ابن رجب: وفي النهوض على صدور القدمين أحاديث مرفوعة أسانيدها ليست قوية. اهـ
من تلك الأحاديث: حديث أبي هريرة ﵁ عند الترمذي (٢٨٨)، قال: كان النبي ﷺ في الصلاة ينهض على صدور قدميه. وفي إسناده: خالد بن إلياس، وهو متروك، ومنها: حديث وائل بن حُجر عند النسائي (٢/ ٢٠٦)، قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه. وهو ضعيفٌ، في إسناده: شريك القاضي، وقد خُولِفَ، فرواه غيره مرسلًا، وهو أصح.
ومن ذلك: حديث ابن عمر ﵄، عند أبي داود (٩٩٢)، قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يعتمد الرجل على يديه إذا نهض في الصلاة»، وهو حديث شاذٌّ، شذَّ به محمد بن عبدالملك الغزَّال، والحفاظ يروونه عن عبد الرزاق بلفظ: «نهى أن يجلس الرجل في صلاته، وهو معتمد على يديه»، أو بمعناه، وقد وهمه البيهقي وغيره.
وجاء عن علي بن أبي طالب ﵁، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (١/ ٣٩٥)، و «الأوسط» لابن المنذر (٣/ ٢٠٠)، أنه قال: من السنة في الصلاة المكتوبة إذانهض الرجل في الركعتين الأوليين أن لا يعتمد بيديه على الأرض؛ إلا أن يكون
стр. 1037
شيخًا كبيرًا لا يستطيع. وفي إسناده: عبد الرحمن بن إسحاق الكوفي مُتَّفَقٌ على ضعفه.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب القول الأول. (١)
فائدة: قال ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٨٢٤): والأكثرون على أنه لا تلازم بين الجلسة والاعتماد، فقد كان من السلف من يعتمد، ولا يجلس للاستراحة، منهم: عبادة بن نسي، وحكاه عن أبي ريحانة الصحابي، وهذا مذهب أصحاب الشافعي، وأحمد؛ فإن أصحاب الشافعي، قالوا: يعتمد، سواء قلنا: يجلس للاستراحة أو قلنا: لا يجلس. وقال أصحاب أحمد: لا يعتمد، سواء قلنا: يجلس، أو قلنا: لا يجلس. اهـ
قلتُ: وهذا يُقوِّي الاحتمال في أثر ابن عمر، وابن عباس ﵃، اللَّذَيْنِ تقدَّما في جلسة الاستراحة؛ فإنَّ الثابت عنهما أنهما كانا ينهضان على صدور القدمين، وهذا لا يلزم منه ترك جلسة الاستراحة، كما تبين لك ذلك من كلام ابن رجب ﵀.
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مسألة [١]: القنوت في النوازل .
• ذهب جمهور العلماء إلى أنه يُشرع القنوت في الصلوات إذا نزل بالمسلمين نازلة؛ لثبوت ذلك عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، كما في أحاديث الباب.
قال الرافعي ﵀: مقتضى كلام أكثر الأئمة أنه لا يُستحب القنوت في غير الصبح بحال، وإنما الخلاف في الجواز فحيث يجوز فالاختيار فيه إلي المصلي. قال: ومنهم من يُشعر كلامه بالاستحباب.
قال النووي ﵀: قلتُ: وهذا أقرب إلى السنة؛ فإنه ثبت عن النبي ﷺ القنوت للنازلة، فاقتضى أن يكون سنَّة، وممن صرح بأن الخلاف في الاستحباب صاحب «العدة»، قال: ونصَّ الشافعي في «الأم» على الاستحباب مطلقًا. اهـ (١)
مسألة [٢]: في أي الصلوات يقنت ؟
• قال أحمد، وإسحاق: يقنت في الفجر، وهو المشهور عند المالكية؛ لحديث أنس ﵁ الذي في الباب، فقد جاء في بعض الروايات في «الصحيحين» (٢) تقييده بصلاة الفجر.
• وجاء عن بعض أهل العلم أنه يقنت في المغرب، والفجر؛ لأنهما صلاتا جهر في طرفي النهار، وقد جاء عن أنس في «البخاري» (١٠٠٤)، وعن البراء عند مسلم
стр. 1040
٦٧٨ - : أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يقنت في المغرب والفجر. وقال به أبو الخطاب الحنبلي.
• وذهب الشافعية وبعض المالكية إلى أنه يقنت في الصلوات كلها؛ لما ثبت في «الصحيحين» (١) عن أبي هريرة، أنه قال: لأقربنَّ بكم صلاة رسول الله ﷺ ، فكان يقنت في الركعة الآخرة من صلاة الظهر، والعشاء الآخرة، وصلاة الصبح ... .
وثبت في «مسند أحمد» (١/ ٣٠١)، و «صحيح ابن خزيمة» (٦١٨)، وغيرهم، بإسناد صحيح عن عبد الله بن عباس ﵄، قال: قنت رسول الله ﷺ شهرًا متتابعًا في الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والصبح، في دبر كل صلاة، إذا قال: «سمع الله لمن حمده» من الركعة الأخيرة يدعو عليهم، علي حي من بني سُلَيم، على رِعْلٍ، وذكوان، وعُصيَّة، ويؤمن من خلفه، أرسل إليهم يدعوهم إلى الإسلام، فقتلوهم.
قلتُ: قول الشافعية هو الصواب، وهو ترجيح الشوكاني في «نيل الأوطار»، وذكر بعض الصلوات في أحاديثهم لا يدل على أنه لم يقنت في غيرها، وإنما يُستفاد منها المحافظة على القنوت فيها أكثر من غيرها. (٢)
مسألة [٣]: موضع القنوت .
جاء في حديث ابن عمر ﵄، في «البخاري» (٤٥٥٩): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَنَتَ بعد
стр. 1041
الرُّكوع، وكذلك من حديث أبي هريرة ﵁ في «الصحيحين» (١)، ومن حديث خفاف بن إيماء الغفاري في «صحيح مسلم» (٦٧٩)، وأكثر روايات حديث أنس في «الصحيحين» أنه بعد الركوع، وجاءت بعض الروايات في حديث أنس أنه قبل الركوع.
قال ابن رجب ﵀ في «فتح الباري» (٦/ ٢٧٦): وقد أنكر الأئمة على عاصم روايته عن أنس القنوتَ قبل الركوع، قال أحمد: خالفهم عاصم كلهم. يعني: خالف أصحاب أنس. ثم قال: هشام، عن قتادة، عن أنس، أن النبي ﷺ قنت بعد الركوع. والتيمي، عن أبي مجلز، عن أنس. وأيوب، عن محمد: سألت أنسًا. وحنظلة السدوسي عن أنس: أربعة أوجه. وقال أبوبكر الخطيب في كتاب «القنوت»: أما حديث عاصم الأحول، عن أنس؛ فإنه تفرد بروايته، وخالف الكافة من أصحاب أنس، فرووا عنه القنوت بعد الركوع، والحكم للجماعة على الواحد. وقد حمل بعض العلماء المتأخرين حديث عاصم عن أنس في القنوت قبل الركوع على أن المراد به: إطالة القيام، كما في الحديث: «أفضل الصلاة طول القنوت».اهـ
قلتُ: وهذا المحمل قرره ابن القيم في «زاد المعاد»، وأشاد به. وفي حديث عاصم الأحول إشارة إلى ذلك؛ فقد قال عاصم: سألت أنس بن مالك عن القنوت، فقال: قد كان القنوت. قلت: قبل الركوع أو بعده؟ قال: قبله، قال: فإن
стр. 1042
فلانا أخبرني عنك أنك قلت بعد الركوع، فقال: «كذب إنما قنت رسول الله ﷺ بعد الركوع شهرا يدعو على أناس قتلوا أناسا من أصحابه، يقال لهم القراء». متفق عليه، واللفظ للبخاري. (١)
وقال البيهقي ﵀ في «السنن الكبرى» (٢/ ٢٠٨): ورواة القنوت بعد الركوع أكثر، وأحفظ، وعلى هذا درج الخلفاء الراشدون ﵃ في أكثر الروايات عنهم، وأشهرها. اهـ
قلتُ: وقد ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ القنوت بعد الركوع، وهو مذهب الشافعي، وأحمد، وهو الصواب.
وثبت ذلك عن أبي بكر الصديق، وعمر بن بالخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب ﵃ كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٢/ ٣١٢)، و «الأوسط» لابن المنذر (٥/ ٢٠٨)، و «الكبرى» للبيهقي (٢/ ٢١٠).
• وذهب أبو حنيفة ومالك إلى أن القنوت قبل الركوع، بعد فراغه من القراءة، إلا أن أبا حنيفة يقول: يكبر ويقنت. وقال مالك: يقنت من غير تكبير.
وقد ثبت عن بعض الصحابة رضوان الله عليهم أنهم قنتوا قبل الركوع؛ ففي «مصنف ابن أبي شيبة» ثبوت ذلك عن ابن عباس والبراء ﵄، ولكن جاء فيه أن ذلك في صلاة الصبح.
стр. 1043
وثبت أيضًا عن عمر ﵁ بإسناد صحيح أنه قنت في صلاة الصبح قبل الركوع. أخرجه عبد الرزاق (٣/ ١٠٩)، والبيهقي (٢/ ٢١١).
وثبت أيضًا عن علي وأبي موسى وأنس ﵃ عند ابن المنذر في «الأوسط» (٥/ ٢٠٨ - ٢٠٩) أنهم قنتوا قبل الركوع في صلاة الصبح.
وثبت عن ابن مسعود ﵁ أنه قنت قبل الركوع في الوتر. أخرجه الطبراني في الكبير (٩١٦٥) بإسنادٍ صحيحٍ.
قال أبو عبد الله غفر الله له: من أخذ بهذه الآثار عن الصحابة رضوان الله عليهم، وقنت قبل الركوع لا ننكر عليه، ولا سيما في صلاة الصبح، كما هو وارد في عامة الآثار المذكورة عدا أثر ابن مسعود ﵁.
والذي نختاره هو: القنوت بعد الركوع؛ للأحاديث المتقدمة، وبالله التوفيق.
تنبيه: الذين قنتوا قبل الركوع من الصحابة ثبت عن بعضهم أنه كبر قبل أن يقنت، ثم كبر عند ركوعه.
ثبت ذلك عن عمر بن الخطاب والبراء بن عازب عند عبد الرزاق (٣/ ١٠٩)، وابن أبي شيبة (٢/ ٣١٥)، وابن المنذر (٥/ ٢١١)، وجاء عن علي ابن أبي طالب ﵁ عند ابن أبي شيبة، وابن المنذر، بإسناد فيه عبد الأعلى بن عامر الثعلبي، وفيه ضعف. (١)
стр. 1044
مسألة [٤]: مداومة القنوت في صلاة الصبح لغير نازلة .
• ذهب جمهور أهل العلم إلى عدم مشروعيته.
واستدلوا بحديث طارق بن أشيم الذي في الكتاب، وبقوله: (أي بُني محدث)، وبحديث أنس الذي في الكتاب: «قنت شهرًا، ثم تركه»، واستدلوا أيضًا بحديث: كان لا يقنت إلا إذا دعا لقوم، أو دعا عليهم.
وقد عزا هذا القول لأكثر أهل العلم الإمامُ الترمذيُّ عَقِبَ حديث طارق بن أشيم المذكور.
• وذهب الشافعي، ومالك، وابن أبي ليلى، والحسن بن صالح إلى استحباب ذلك.
واستدلوا بحديث أنس بن مالك الذي في الباب: «فأما الفجر، فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا»، وقد تقدم أنه حديث منكر.
واستدلوا بأنَّ هذا فعل أبي بكر، وعمر، وعثمان ﵃، كما في «سنن البيهقي» (٢/ ٢٠٨)، وهذا لا يثبت عنهم؛ لأنَّ في إسناده: العَوَّام بن حمزة، وقد أُنكر عليه هذا الحديث كما في «الكامل»، و «الميزان».
والصواب ما ذهب إليه الجمهور، والله أعلم. (١)
стр. 1045
بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ
مسألة [١]: رفع اليدين في القنوت .
• في هذه المسألة قولان:
الأول: استحباب رفع اليدين، وهو مذهب أحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي، والصحيح من مذهب الشافعية. وثبت الرفع بعد الركوع عن عمر بن الخطاب وابن عباس ﵄، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٢/ ٣١٦).
واستدلوا بعموم الأدلة التي فيها الحث على رفع اليدين في الدعاء، منها: حديث سلمان ﵁: «إنَّ الله حيي كريم، يستحيي إذا رفع العبد إليه يديه أن يردهما صفرًا، خائبتين». (١)
واستدلوا بحديث أنس بن مالك ﵁، قال: لقد رأيت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كلما صلَّى الغداة رفع يديه يدعو عليهم. يعني على الذين قتلوهم.
الثاني: عدم رفع اليدين، وهو قول مالك، والأوزاعي، ويزيد بن أبي مريم.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب القول الأول؛ لحديث أنس المذكور، فقد أخرجه أحمد (١٢٤٠٢)، فقال: حدثنا هاشم، وعفان، قالا: حدثنا سليمان بن
стр. 1046
المغيرة، عن ثابت، عن أنس بن مالك، فذكر الحديث مُطوَّلًا، وفيه: قال أنس: فما رأيت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وجد على شيء قط وَجْدَهُ عليهم، فلقد رأيت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كلما صلَّى الغداة رفع يديه، فدعا عليهم ... ، وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم.
وقد رواه حماد بن سلمة، عن ثابت مُختصرًا، أخرجه أحمد (١٣٨٥٤)، ولا يقال: إنَّ حماد بن سلمة خالف سليمان بن المغيرة في ثابت؛ لأنه اختصر الحديث، ولم يذكر القنوت من أصله، والله أعلم.
فهذه الزيادة زادها ثابت البناني على بقية الرواة، وسياق الحديث يدل على أنها محفوظة لمن تأمل ذلك، والله أعلم.
وقد أخرج الحديث المذكور أيضًا عبد بن حميد (١٢٧٦)، من طريق: هاشم ابن القاسم به، وأخرجه أيضًا أبو عوانة (٥/ ٤٠ - ٤١)، والبيهقي في «الدلائل» (٣/ ٣٤٩)، من طريق: عفان بن مسلم به. (١)
مسألة [٢]: تأمين المأمومين .
تقدم (٢) حديث ابن عباس ﵄، عند أحمد، وأبي داود، وابن خزيمة، والبيهقي، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قنت شهرًا متتابعًا ... ، الحديث، وفيه: ويؤمن من خلفه.
وَقَدِ اسْتدلَّ أهلُ العلم بهذا الحديث على استحباب تأمين المأمومين عند
стр. 1047
دعاء الإمام، وقد بوب ابن خزيمة ﵀ على ذلك، فقال (١/ ٣١٣): [باب القنوت في الصلوات كلها، وتأمين المأمومين عند دعاء الإمام في القنوت]. وقال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ٥٨٤): إذا أخذ الإمام في القنوت أَمَّنَ من خلفه، لا نعلم فيه خلافًا. اهـ
وَزَادَ الطَّبَرَانِيُّ وَالبَيْهَقِيُّ: «وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْت». (١)
زَادَ النَّسَائِيّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِي آخِرِهِ: «وَصَلَّى اللهُ عَلَى النَّبِيِّ». (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مسألة [١]: حكم القنوت في صلاة الوتر .
• في هذه المسألة أقوال:
الأول: أنه يقنت في الوتر في السنة كلها، رُوي هذا القول عن ابن مسعود (٣)، وقال به الحسن، والنخعي، وهو مذهب إسحاق، وأبي ثور، وأحمد في رواية، وهو المشهور عند الحنابلة، وهو مذهب الحنفية، وأوجبه أبو حنيفة دون صاحبيه.
واستدلوا بحديث الحسن بن علي الذي في الباب، وبحديث علي ﵁: كان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقول في آخر وتره: «اللهم، إني أعوذ برضاك من سخطك،
стр. 1050
وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أُحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك»، أخرجه أبو داود (١٤٢٧)، وهو في «الصحيح المسند» لشيخنا ﵀ برقم (٩٥٧).
الثاني: أنه يقنت في النصف الثاني من رمضان، وهذا صحَّ عن ابن عمر ﵄، فقد أخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر بإسناد صحيح عن نافع، قال: كان ابن عمر لا يقنت إلا في النصف. يعني من رمضان.
وجاء هذا القول عندهما عن علي بن أبي طالب، وفي إسناده: الحارث الأعور، وأخرجه ابن خزيمة (١١٠٠)، عن أبي بن كعب بحضرة عمر بإسناد صحيح. ثم تبين لي أن زيادة القنوت مدرج من كلام الزهري، وأصل الحديث عند البخاري (١٩٢١)، وغيره بدون زيادة القنوت، وقد عزاه للزهري من قوله ابن نصر المروزي في كتاب الوتر (٧٢).
وهذا قول جماعة من أهل العلم، منهم: ابن سيرين، والزهري، ومالك، والشافعي، وأحمد في رواية.
الثالث: أنه لا يقنت في الوتر مطلقًا، وهو قول طاوس، وحكاه ابن وهب عن الإمام مالك، وأخرج ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن ابن عمر ﵄، أنه كان لا يقنت في الفجر، ولا في الوتر، فكان إذا سئل عن القنوت؟ قال: ما نعلم القنوت؛ إلا طول القيام، وقراءة القرآن.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الذي نختاره عدم القنوت؛ لأنَّ حديث الحسن لم
стр. 1051
تثبت فيه زيادة: «في قنوت الوتر»؛ ولأنه لم يثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- القنوت في الوتر مع مداومته ﵇ لقيام الليل، وحديث علي يُحمل على ظاهره، بأنَّ هذا الدعاء يقال قبل التسليم.
وقد بوب عليه ابن أبي شيبة في «مصنفه»، فقال: [باب ما يقول الرجل في آخر وتره] ومن قنت في الوتر كما فعل بعض الصحابة فلا ينكر عليه، وبالله التوفيق. (١)
تنبيه: لم يثبت حديث عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه قنت في الوتر، جزمَ بذلك الإمام أحمد، وابن خزيمة، وابن المنذر، والبيهقي، وغيرهم، وهذا يدل على عدم القنوت في الوتر كما رجَّحناه، والله أعلم. (٢)
تنبيه آخر: القائلون بالقنوت، مذهبهم في رفع اليدين، والتأمين، ومحل القنوت كما تقدم في قنوت النوازل.
مسألة [٢]: هل في دعاء القنوت دعاء مؤقت مخصوص .
• نَصَّ كثير من أهل العلم أنه ليس في دعاء القنوت دعاء مؤقت، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة.
وثبت عن ابن عباس ﵄ كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٢/ ٣٠٠) أنه قال في قنوت الوتر: «لك الحمد ملء السماوات السبع، وملء
стр. 1052
الأرضين السبع، وملء ما بينهما من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، حق ما قال العبد، كلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد».
قال أبو عبد الله غفر الله له: ولم أجد أحدًا من أهل العلم القائلين بمشروعية القنوت، يرون فيه دعاءً مؤقتًا، لا يتجاوز فيه، وعليه فمن دعا بغير حديث الحسن ابن علي ﵄ فلا بأس عليه في ذلك، والله أعلم، ولكن ليس من السنة الإطالة في هذا الدعاء، وليس من السنة ترتيله كما يرتل القرآن، فضلًا عن تمطيط الدعاء والتغني فيه، وبالله التوفيق. (١)
стр. 1053
٢٩٩ - وَلِلْبَيْهَقِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا دُعَاءً نَدْعُو بِهِ فِي القُنُوتِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ. وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ. (١)
الحكم المستفاد من الحديث
استدل بهذا الحديث من ذهب إلى استمرار القنوت في صلاة الصبح.
وكذلك استدل به من يدعو بالدعاء المذكور في حديث الحسن المتقدم في صلاة الفجر.
والحديث ضعيف منكر، فلا يصلح للاستدلال به على المسألتين، والعمل بذلك من البدع، والله أعلم.
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مسألة [١]: ماذا يقدم المصلي عند سجوده: أيديه، أم ركبتيه ؟
• ذهب جمهور العلماء إلى تقديم الركبتين على اليدين، واستدلوا بحديث وائل ابن حُجر ﵁، الذي في الباب، وقد تقدم بيان ضعفه، وقد جاء حديث بمعناه، من حديث سعد بن أبي وقاص (١)، وفي إسناده متروكان، وضعيف، وجاء عن أبي هريرة ﵁، (٢) وفي إسناده متَّهَمٌ، وأصح ما عندهم مرسلُ عاصم بن كليب الذي في الباب في تخريج حديث وائل، وقد صحَّ هذا القول عن عمر بن الخطاب ﵁، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (١/ ٢٦٣)، و «الأوسط» (٣/ ١٦٥).
• وذهب مالك، والأوزاعي، وأحمد في رواية، وهوقول الحسن إلى تقديم اليدين على الركبتين، وجاء عن ابن عمر ﵄، ذلك، وعلَّقه البخاري في «صحيحه»، واستدلوا بحديث أبي هريرة ﵁، الذي في الباب.
• وذهب مالك في رواية عنه إلى أنهما سواء، وقال قتادة: يضع أهون ذلك عليه.