تثبت فيه زيادة: «في قنوت الوتر»؛ ولأنه لم يثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- القنوت في الوتر مع مداومته ﵇ لقيام الليل، وحديث علي يُحمل على ظاهره، بأنَّ هذا الدعاء يقال قبل التسليم.
وقد بوب عليه ابن أبي شيبة في «مصنفه»، فقال: [باب ما يقول الرجل في آخر وتره] ومن قنت في الوتر كما فعل بعض الصحابة فلا ينكر عليه، وبالله التوفيق. (١)
تنبيه: لم يثبت حديث عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه قنت في الوتر، جزمَ بذلك الإمام أحمد، وابن خزيمة، وابن المنذر، والبيهقي، وغيرهم، وهذا يدل على عدم القنوت في الوتر كما رجَّحناه، والله أعلم. (٢)
تنبيه آخر: القائلون بالقنوت، مذهبهم في رفع اليدين، والتأمين، ومحل القنوت كما تقدم في قنوت النوازل.
مسألة [٢]: هل في دعاء القنوت دعاء مؤقت مخصوص .
• نَصَّ كثير من أهل العلم أنه ليس في دعاء القنوت دعاء مؤقت، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة.
وثبت عن ابن عباس ﵄ كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٢/ ٣٠٠) أنه قال في قنوت الوتر: «لك الحمد ملء السماوات السبع، وملء
стр. 1052
الأرضين السبع، وملء ما بينهما من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، حق ما قال العبد، كلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد».
قال أبو عبد الله غفر الله له: ولم أجد أحدًا من أهل العلم القائلين بمشروعية القنوت، يرون فيه دعاءً مؤقتًا، لا يتجاوز فيه، وعليه فمن دعا بغير حديث الحسن ابن علي ﵄ فلا بأس عليه في ذلك، والله أعلم، ولكن ليس من السنة الإطالة في هذا الدعاء، وليس من السنة ترتيله كما يرتل القرآن، فضلًا عن تمطيط الدعاء والتغني فيه، وبالله التوفيق. (١)
стр. 1053
٢٩٩ - وَلِلْبَيْهَقِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا دُعَاءً نَدْعُو بِهِ فِي القُنُوتِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ. وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ. (١)
الحكم المستفاد من الحديث
استدل بهذا الحديث من ذهب إلى استمرار القنوت في صلاة الصبح.
وكذلك استدل به من يدعو بالدعاء المذكور في حديث الحسن المتقدم في صلاة الفجر.
والحديث ضعيف منكر، فلا يصلح للاستدلال به على المسألتين، والعمل بذلك من البدع، والله أعلم.
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مسألة [١]: ماذا يقدم المصلي عند سجوده: أيديه، أم ركبتيه ؟
• ذهب جمهور العلماء إلى تقديم الركبتين على اليدين، واستدلوا بحديث وائل ابن حُجر ﵁، الذي في الباب، وقد تقدم بيان ضعفه، وقد جاء حديث بمعناه، من حديث سعد بن أبي وقاص (١)، وفي إسناده متروكان، وضعيف، وجاء عن أبي هريرة ﵁، (٢) وفي إسناده متَّهَمٌ، وأصح ما عندهم مرسلُ عاصم بن كليب الذي في الباب في تخريج حديث وائل، وقد صحَّ هذا القول عن عمر بن الخطاب ﵁، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (١/ ٢٦٣)، و «الأوسط» (٣/ ١٦٥).
• وذهب مالك، والأوزاعي، وأحمد في رواية، وهوقول الحسن إلى تقديم اليدين على الركبتين، وجاء عن ابن عمر ﵄، ذلك، وعلَّقه البخاري في «صحيحه»، واستدلوا بحديث أبي هريرة ﵁، الذي في الباب.
• وذهب مالك في رواية عنه إلى أنهما سواء، وقال قتادة: يضع أهون ذلك عليه.
стр. 1056
قال أبوعبدالله غفر الله له: لم يصح في المسألة حديثٌ؛ فالأمر واسعٌ، والأقرب إلى السُّنَّة تقديم اليدين على الركبتين؛ لحديث أبي هريرة ﵁: «ثم يُكَبِّر حين يهوي ساجدًا» (١)، وكأنَّ البخاري استند إليه في هذه المسألة، ولحديث البراء بن عازب: كان لا يحني أحدٌ مِنَّا ظهره حتى يقع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ساجدًا، ثم نقع سجودًا بعده. وهو متفق عليه (٢). (٣)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
في هذا الحديث بيان صفة وضع اليدين أثناء التشهد.
وقد جاء في ذلك أحاديث أخرى:
منها: حديث عبد الله بن الزبير في «مسلم» (٥٧٩) أيضًا، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قعد يدعو، وضع يده اليمنى على فَخذِه اليمنى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بإصبعه السبابة، ووضع إبهامه على إصبعه الوسطى، ويلقم كفَّه اليسرى ركبته.
ومنها: حديث وائل بن حجر ﵁ في «سنن أبي داود» (٧٢٦)، والبيهقي (٢/ ١٣١)، وغيرهما: «ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى، ووضع مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم عقد الخنصر، والبنصر، ثم حلق الوسطى بالإبهام، وأشار بالسبابة».
واللفظ للبيهقي، وهو حديث حسن.
قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٥٧٩): وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى اِسْتِحْبَاب وَضْعهَا عِنْد الرُّكْبَة، أَوْ عَلَى الرُّكْبَة، وَبَعْضهمْ يَقُول بِعَطْفِ أَصَابِعهَا عَلَى الرُّكْبَة، وَهُوَ مَعْنَى قَوْله: «وَيُلْقِم كَفّه الْيُسْرَى رُكْبَته»، وَالْحِكْمَة فِي وَضْعهَا عِنْد الرُّكْبَة مَنْعهَا مِنْ الْعَبَث، وَأَمَّا قَوْله: «وَوَضَعَ يَده الْيُمْنَى عَلَى فَخِذه الْيُمْنَى»؛ فَمُجْمَعٌ عَلَى اِسْتِحْبَابه. اهـ
стр. 1059
مسألة [١]: حالات أصابع اليد اليمنى .
لها حالتان:
الأولى: أن يقبض الأصابع كلها، ويُشير بالسَّبابة، وعليه يدل حديث ابن عمر ﵄، الذي في الباب.
الثانية: أن يقبض الخنصر، والبنصر، ويضع الإبهام على الوسطى، مُحَلِّقًا بها حلقة، ويشير بالسبابة، وعليه يدل حديث وائل بن حجر المتقدم، وحديث عبد الله بن الزبير، ويُحتمل في حديث عبد الله بن الزبير أن يضع إبهامه على الوسطى بدون تحليق، والله أعلم.
تنبيه: ذهب بعض أهل العلم إلى تخصيص رفع السبابة عند التشهد أعني عند قوله: أشهد أن لا إله إلا الله، وهذا قول الشافعية، والحنفية، وهو قولٌ لا دليل عليه. (١)
مسألة [٢]: لو كانت سبَّابة اليد اليمنى مقطوعة .
• قال النووي ﵀ في «شرح مسلم»: ويشير بِمُسَبِّحتِه اليمنى لا غير، فلو كانت مقطوعة، أو عليلة لم يُشِرْ بغيرها، لا من الأصل باليمنى، ولا باليسرى. اهـ
قلتُ: وما ذكره النووي هو مذهب الحنابلة أيضًا، وهو الصحيح.
• وقد ذهب المالكية إلى استحباب رفع الأصبع اليسرى. (٢)
стр. 1060
بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ
مسألة [١]: موضع البصر في التشهد .
قال النووي ﵀: والسُّنَّةُ أن لا يجاوز بصره إشارتَه، وفيه حديث صحيح في «سنن أبي داود». انتهى.
قال أبو عبد الله غفر الله له: يُشيرُ النووي ﵀ إلى حديث عبد الله بن الزبير عند أبي داود (٩٩٠)، والنسائي (٣/ ٣٩)، وغيرهما، وفيه: «وأشار بالسبابة، ولا يجاوز بصره إشارته»، وهو حديثٌ حسنٌ.
مسألة [٢]: تحريك الإصبع في التشهد .
• ذهب بعض أهل العلم إلى تحريك الإصبع، وهو قول بعض الشافعية والمالكية واستدلوا بما جاء في حديث وائل بن حُجر ﵁، في صفة صلاة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قال: «ثم رفع إصبعه، فرأيته يحركها يدعو بها»، أخرجه البيهقي (٢/ ١٣٢)، وغيره.
• وذهب أكثر أهل العلم إلى عدم التحريك؛ لأنَّ كل من روى صفة جلوس النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في التشهد ذكر الإشارة، ولم يذكر التحريك، بل ثبت عند أبي داود، والنسائي بإسناد ظاهره الحسن عن عبدالله بن الزبير، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يُشير
стр. 1061
بإصبعه إذا دعا ولا يحركها. (١)
وأما حديثهم؛ فقد أُعِلَّ بالشذوذ، تفرد بالزيادة المذكورة: زائدة بن قدامة، وخالفه جمعٌ من الرواة، فلم يذكروها، وقد أشار إلى شذوذها ابن خزيمة، والبيهقي. (٢)
٣٠٤ - وَلِمُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ: «التَّحِيَّاتُ المُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلهِ» إلَى آخِرِهِ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مسألة [١]: حكم التشهد الأول .
• ذهب جمهور العلماء إلى أنه مُستحبٌّ، واستدلوا بحديث عبد الله ابن بحينة في «الصحيحين» (٢): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نساه، فجبره بسجود السهو، ولم يرجع إليه.
• وذهب الثوري، وأحمد في ظاهر مذهبه، وإسحاق، وأبو ثور، وداود، وغيرهم إلى وجوبه، وأنه إنْ تركه عمدًا بطلت صلاته، وإن تركه سهوًا سجد للسهو، وحكاه الطحاوي عن مالك.
واستدلوا بحديث ابن مسعود عند النسائي (٢/ ٢٣٨)، وغيره، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إذا قعدتم في كل ركعتين، فقولوا: التحيات لله ... »، وهو حديث صحيح، واستدلوا بمداومة فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مع قوله: «صلُّوا كما رأيتموني أُصلي»، وحديث ابن بحينة يدل على سقوطه بالسهو، ويجبره بالسجدتين.
قال أبو عبد الله غفر الله له: هذا القول هو الصواب، والله أعلم. (٣)
стр. 1064
مسألة [٢]: حكم التشهد الأخير .
• ذهب كثير من العلماء إلى أنَّ التشهد الأخير من أركان الصلاة، وهو قول الحسن، ومكحول، ونافع، والشافعي، وأحمد في ظاهر مذهبه، وإسحاق، وأبي ثور، وداود، وحُكي عن مالك.
واستدلوا بحديث ابن مسعود المتقدم في المسألة السابقة، وبقوله في حديث الباب: «كنا نقول قبل أن يُفرض علينا التشهد»، وقد تقدم أنها زيادة شاذة، وبحديث أبي موسى عند مسلم (٤٠٤) مرفوعًا: «إذا كان أحدكم عند القعدة؛ فليكن من أول قول أحدكم: التحيات لله ... ».
• وذهب بعض أهل العلم إلى أنه سنَّة لا تبطل الصلاة بتركه، منهم: النخعي، وقتادة، وحماد، والأوزاعي، وهو المشهور عن مالك، وهو رواية عن أحمد، واستدلوا بحديث ابن بحينة كما في المسألة السابقة.
• وقال طائفة من أهل العلم: هو واجبٌ تبطل الصلاة بتركه عمدًا، ويسجد لسهوه، وهو قول الزهري، والثوري، وحُكي عن الأوزاعي، وهو رواية عن أحمد.
واستدلوا بالأدلة السابقة للوجوب.
واستدلوا بأنه يسقط لسهوه، ويجبر بسجدتي السهو: بحديث عبد الله ابن بحينة، وهو قول أبي خيثمة، وابن أبي شيبة.
قال أبو عبد الله غفر الله له: هذا القول الأخير هو الصواب، والله أعلم. (١)
стр. 1065
مسألة [٣]: المختار من صيغ التشهد .
أكثر العلماء اختاروا تشهد ابن مسعود ﵁، واختار الشافعي، والليث تشهد ابن عباس ﵄، واختار مالك تشهد عمر بن الخطاب ﵁، ولفظه: «التحيات لله، الزاكيات لله، الطيبات، الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله»، أخرجه مالك في «الموطإ» (١/ ٩٠)، وإسناده صحيح.
قال أبو عبد الله غفر الله له: كل ما صحَّ عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من التشهدات؛ فإنه يجزئ، وقد حكى بعضهم الإجماع على ذلك، والواقع وجود خلاف شاذ، والمختار عندي: أن يقول بهذا تارة وبذاك أخرى، والله أعلم. (١)
مسألة [٤]: هل يقول: السلام عليك أيها النبي، أم: السلام على النبي ؟
أخرج البخاري (٦٢٦٥) حديث ابن مسعود في التشهد، وفي آخره: قال ابن مسعود: وهو بين ظهرانينا، فلما قُبِضَ قلنا: السلام. يعني: على النبي.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في شرح حديث (٨٣١): كَذَا وَقَعَ فِي الْبُخَارِيّ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة فِي «صَحِيحه»، وَالسَّرَّاج، وَالْجَوْزَقِيّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيّ، وَالْبَيْهَقِيُّ، مِنْ طُرُق مُتَعَدِّدَة إِلَى أَبِي نُعَيْمٍ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ بِلَفْظِ: «فَلَمَّا قُبِضَ قُلْنَا: السَّلَام عَلَى النَّبِيّ» بِحَذْفِ لَفْظ: (يَعْنِي)، قَالَ السُّبْكِيُّ فِي «شَرْح الْمِنْهَاج» بَعْد أَنْ ذَكَرَ هَذِهِ الرِّوَايَة مِنْ عِنْد أَبِي عَوَانَة وَحْده: إِنْ صَحَّ هَذَا عَنْ
стр. 1066
الصَّحَابَة دَلَّ عَلَى أَنَّ الْخِطَاب فِي السَّلَام بَعْد موت النَّبِيّ ﷺ غَيْر وَاجِب، فَيُقَال: السَّلَام عَلَى النَّبِيّ. قُلْتُ: قَدْ صَحَّ بِلَا رَيْب، وَقَدْ وَجَدْت لَهُ مُتَابِعًا قَوِيًّا. قَالَ عَبْد الرَّزَّاق: أَخْبَرَنَا اِبْن جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاء، أَنَّ الصَّحَابَة كَانُوا يَقُولُونَ -وَالنَّبِيّ ﷺ حَيٌّ-: السَّلَام عَلَيْك أَيّهَا النَّبِيّ، فَلَمَّا مَاتَ قَالُوا: السَّلَام عَلَى النَّبِيِّ. وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح. انتهى كلام الحافظ.
قال أبو عبد الله غفر الله له: والذي ذهب إليه أكثر العلماء أن يقال: السلام عليك أيها النبي، وهو الصواب؛ لأنَّ هذا هو الذي علمناه رسولنا، ونبينا محمد -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فلا نعدل عنه.
وما جاء عن بعض الصحابة؛ فقد خالفهم غيرهم من الصحابة، فقد ثبت عن عمر ﵁ في «موطإِ مالك» (١/ ٩٠) وغيره: أنه كان يُعَلِّم الناس التشهد على المنبر، ويقول فيه: السلام عليك أيها النبي. وهو بمحضر من الصحابة ولم ينكره أحدٌ، والله أعلم. (١)
مسألة [٥]: زيادة التسمية قبل التشهد .
جاءت زيادة التسمية قبل التشهد في حديث جابر ﵁، عند النسائي (٢/ ٢٤٣)، وابن ماجه (٩٠٢)، والبيهقي (٢/ ١٤١)، وغيرهم، وهو حديث مُعَلٌّ، وزيادة شاذَّةٌ؛ فإنَّ راويه: أيمن بن نابل رواه عن أبي الزبير، فجعله عن جابر سَلَكَ الجادَّةَ وزاد فيه التسمية، وقد رواه: الليث بن سعد، وغيره عن أبي
стр. 1067
الزبير، عن سعيد بن جبير، وطاوس، عن ابن عباس ﵄، فذكر حديث الباب، وليس فيه التسمية.
وحديث جابر ﵁، قد أعلَّهُ البخاري، والنسائي، والدارقطني، والترمذي، وابن المنذر، وغيرهم، وعلى هذا فلا يُسَمَّى في بداية التشهد، بل يُبْدَأ بالتحيات، ويؤيد ذلك حديث أبي موسى عند مسلم (٤٠٤): «إذا كان أحدكم في القعدة؛ فليكن من أول قوله: التحيات لله .. ».
وفي «مصنف ابن أبي شيبة» (١/ ٢٩٤): حدثنا ابن فضيل، عن داود بن أبي هند، عن أبي العالية، قال: سمع ابن عباس، رجلا يصلي، فلما قعد يتشهد قال: الحمد لله، التحيات لله، قال: فقال ابن عباس وهو ينتهره: «الحمد لله إذا قعدت، فابدأ بالتشهد بالتحيات لله». إسناده صحيح، رجاله رجال الشيخين.
وأخرجه عبد الرزاق (٢/ ١٩٨) عن الثوري، عن داود بن أبي هند به.
هذا وقد جاء عن ابن عمر ﵄ بإسنادٍ صحيح عند مالك (١/ ٩١)، وعبد الرزاق (٢/ ١٩٨) أنه كان يزيد في أول التشهد قوله: «بسم الله».
مسألة [٦]: إذا نقص المصلي بعض ألفاظ التشهد .
في «الموسوعة الفقهية الكويتية» (١٢/ ٣٦) ما نصُّه:
• ذهب الحنفية إلى أنه يكره تحريمًا أن يزيد في التشهد حرفًا، أو يبتدئ بحرف قبل حرف.
стр. 1068
قال أبو حنيفة: ولو نقص من تشهده أو زاد فيه كان مكروها؛ لأن أذكار الصلاة محصورة، فلا يزاد عليها.
ثم أضاف ابن عابدين قائلا: والكراهة عند الإطلاق للتحريم.
• ويكره كذلك عند المالكية الزيادة على التشهد، واختلفوا في ترك بعض التشهد، فالظاهر من كلام بعض شيوخهم عدم حصول السنة ببعض التشهد، خلافا لابن ناجي في كفاية بعضه، قياسا على السورة.
• وأما الشافعية فقد فصلوا الكلام، وقالوا: إن لفظ المباركات والصلوات، والطيبات والزاكيات سنة ليس بشرط في التشهد، فلو حذفها كلها واقتصر على الباقي أجزأه من غير خلاف عندهم.
وأما لفظ: «السلام عليك ... » إلخ فواجب لا يجوز حذف شيء منه، إلا لفظ: «ورحمة الله وبركاته».
وفي هذين اللفظين ثلاثة أوجه:
أصحها عدم جواز حذفهما.
والثاني: جواز حذفهما.
والثالث: يجوز حذف «وبركاته»، دون: «رحمة الله».
وكذلك الترتيب بين ألفاظها مستحب عندهم على الصحيح من المذهب، فلو قدم بعضه على بعض جاز، وفي وجه لا يجوز كألفاظ الفاتحة.
стр. 1069
والحنابلة يرون أنه إذا أسقط لفظة هي ساقطة في بعض التشهدات المروية صح تشهده في الأصح. وفي ﷺ واوا أو حرفا أعاد الصلاة، لقول الأسود: فكنا نتحفظه عن رسول الله ﷺ كما نتحفظ حروف القرآن. انتهى.
قال أبو عبد الله غفر الله له: أصح الأقوال في المسألة ما ذهب إليه الحنابلة من أنه لا يجوز إسقاط لفظة من التشهد، مما لم تسقط من جميع التشهدات، وأنه إذا أسقط لفظة قد سقطت من بعض التشهدات الثابتة عن النبي ﷺ أن تشهده صحيح.
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: حكم الصلاة على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في التشهد الأخير .
• في هذه المسألة ثلاثة أقوال:
الأول: أنها ركنٌ من أركان الصلاة، لا تصح الصلاة بدونها على كل حال، وهو قول الشافعي، وأحمد في رواية عنه، واستدلوا بالأمر بها في حديث فضالة، وأبي مسعود.
الثاني: تصحُّ الصلاة بدونها مع السهو دون العمد، وهو رواية عن أحمد، وإسحاق.
الثالث: الاستحباب، وتصحُّ الصلاة بدونها بكل حال، وهو قول أكثر العلماء، منهم: أبو حنيفة، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وأحمد وإسحاق في رواية عنهما، وداود، وابن جرير، وغيرهم، واستدلوا بحديث ابن مسعود المتقدم: «ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو»، يعني بعد التشهد.
واستدلوا بحديث فَضَالة بن عبيد؛ فإنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يأمر من صلَّى، ولم يصلِّ عليه بالإعادة، حيث لم يكن يعلم ذلك، وقد أمر المسيء في صلاته بالإعادة؛ فدلَّ على أنَّ ذلك غير واجب.
واستدلوا بحديث أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال لرجلٍ: «ما تقول في الصلاة؟» قال: أتشهد، وأسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار، أَمَا إني لا أُحسنُ دندنتك، ولا دندنة
стр. 1072
معاذ، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «حولها ندندن»، جاء عن رجلٍ من أصحاب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- (١)، وهو في «الصحيح المسند» (١٤٦١).
وأما الأمر بها في الحديث الآخر؛ فلا يدل على الوجوب؛ فإنه إنما أمرهم عند سؤالهم عنه، وهذه قرينة تُخْرِجُ الأمر عن الوجوب على ما ذكره طائفة من الأصوليين؛ فإنه لو كان أمره للوجوب لابتدأهم به، ولم يؤخره إلى سؤالهم مع حاجتهم إلى بيان ما يجب في صلاتهم؛ فإنَّ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز؛ فدلَّ على أنه اكتفى بالسلام عليه عن الصلاة.
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الثالث هو الصواب، والله أعلم، وقد ثبت عن ابن عمر ﵄ أنه كان يوالي التشهد بالتسليم. أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٢٠٤) بإسنادٍ صحيح. (٢)
مسألة [٢]: هل الصلاة على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- تكون في التشهد الأول أيضًا ؟
• ذهب أحمد، وإسحاق، وأبو حنيفة، والشافعي في قول، والثوري، وعزاه ابن رجب إلى أكثر العلماء، إلى أنَّ الجلوس الأول يُقتصر فيه على التشهد، ولا يزيد عليه الصلاة على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، واستدلوا بحديث ابن مسعود ﵁ عند أحمد (٣٦٥٦)، وأبي داود (٩٩٥)، والترمذي (٣٦٦)، وغيرهم، أن رسول الله ﷺ كان إذا قعد في الركعتين الأوليين كأنه على الرضف. ولكن الحديث ضعيف؛ فإنه من طريق أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه. وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه.
стр. 1073
واستدلوا بما جاء عن أبي بكر الصديق ﵁، أنه كان إذا جلس في الركعتين كأنه على الرضف. أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٩٥) من طريقين: أحداهما فيها انقطاع؛ سلمة بن تميم لم يسمع من أبي بكر ﵁. والثانية: فيها رجل مبهم.
• وذهب الشافعي في الجديد، وهو الأصح عند الشافعية إلى أنه يُشرع للمصلي أن يصلي على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في التشهد الأول.
وقد استدل بعضهم لهذا القول بحديث عائشة عند أبي عوانة (٢٢٩٥): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يصلي من الليل تسع ركعات، لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة، فيدعو ربَّه، ويصلي على نَبِيِّهِ، ثم ينهض، ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة، فيقعد، ثم يحمد ربَّه، ويصلي على نبيه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ويدعو، ثم يسلم تسليمًا يُسْمِعُنا. وإسناده صحيح، وأصله في «مسلم» بغير هذا اللفظ.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الأقرب -والله أعلم- القول الأول؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر بالصلاة عليه، ولم يعين التشهد الأول أو الأخير، وقد أجمعوا على مشروعيته في الأخير دون الأول، وحديث فَضَالَة يؤيد ذلك؛ فإن فيه بعد الصلاة ذكر الدعاء، وهذا في التشهد الأخير.
ثم ظهر لي أن الإتيان به في التشهدين أقرب؛ لحديث عائشة ﵂ في قيام الليل، الذي تقدم ذكره؛ ولأن قول الصحابة: (قد علمنا كيف نسلم عليك؛ فكيف نصلي عليك)، يشمل التشهد الأول والأخير؛ فإن السلام حاصلٌ في التشهدين؛ فكذلك الصلاة في التشهدين. (١)
стр. 1074
٣٠٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنْ أَرْبَعٍ، يَقُولُ: اللهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمِ، وَمِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «إذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الأَخِيرِ».
٣٠٨ - وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي، قَالَ قُلْ: «اللهُمَّ إنِّي ظَلَمْت نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِك وَارْحَمْنِي، إنَّك أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: الدعاء بعد التشهد .
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٥/ ١٨٧): الدعاء في التشهد الأخير قبل السلام مشروعٌ بلا خلاف. اهـ
قلتُ: وقد اختلفوا في حكم الاستعاذة من الأربع، فذهب بعض أهل العلم إلى وجوبها، حُكي ذلك عن طاوس، وقال به بعض أهل الظاهر.
قال ابن رجب ﵀: وحكى بعض أصحابنا وجهًا لهم بمثل ذلك.
стр. 1075
• وذهب جمهور العلماء إلى استحباب الاستعاذة من الأربع، وصرفوا الأمر في حديث أبي هريرة من الوجوب إلى الاستحباب، والصارف عندهم حديث ابن مسعود، وحديث الفتى الَّلذان تقدَّما في [حكم الصلاة على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-]، وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (١)
مسألة [٢]: الدعاء بما ليس في القرآن .
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٥/ ١٨٨ - ١٨٩): وقوله «ثُمَّ لِيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إلَيْهِ، فَيَدْعُو» يستدل به على أنه يجوز الدعاء في الصلاة بما لا يوافق لفظه لفظ القرآن، وعامة الأدعية المروية عن النبي ﷺ في صلاته كذلك، وقد سبق في الباب الماضي بعض ذلك، وهذا قول جمهور العلماء، خلافًا لأبي حنيفة، والثوري في قولهما: لا يدعو في صلاته إلا بما يوافق لفظَ القرآن؛ فإن خالف بطلت صلاته. اهـ
стр. 1076
٣٠٩ - وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ﵁ قَالَ: صَلَّيْت مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَكَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ» وَعَنْ شِمَالِهِ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم التسليم .
• ذهب جمهور العلماء إلى أن التسليم ركنٌ من أركان الصلاة، واستدلوا بحديث علي ﵁، قال: قال رسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم» (٢)،
стр. 1077
وهو حديث حسنٌ -إن شاء الله-، واستدل ابن حزم على ذلك بحديث ابن مسعود في سجود السهو، وفيه: «فليتم صلاته، ثم يسلم، ثم يسجد سجدتين».
• وذهب طائفة من الفقهاء إلى أنه لا يجب، بل يجوز له الخروج من صلاته بفعل كل منافٍ لها من أكل، أوشربٍ، أو كلامٍ، أو حَدَثٍ، وهو قول الحكم، وحماد، والثوري، وأبي حنيفة وأصحابه، والأوزاعي، وإسحاق.
واستدلوا بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا: «إذا أحدث أحدكم، وقد جلس في آخر صلاته قبل أن يُسلم جازت صلاته»، خرَّجه الترمذي (٤٠٨)، وفي إسناده: عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، وهو ضعيفٌ، وقد اضطرب في إسناده.
قال ابن رجب ﵀: ورفعه منكرٌ جدًّا، ولعله موقوفٌ، والإفريقي لا يُعتمد على ما ينفرد به. انتهى.
واستدلوا بقول ابن مسعود بعد ذكره التشهد: إذا قلت هذا فقد قضيتَ صلاتَكَ، إنْ شئت أن تقوم؛ فقم، وإن شئت أن تقعد؛ فاقعد. وهذا لا يدل على ما ذهبوا إليه، بل مراد ابن مسعود ﵁: فقد قضيتَ صلاتك، وبقي عليك التسليم، ويدل على ذلك أنه قد ثبت عنه أنه قال كما في «الأوسط» (٣/ ٧٦) لابن المنذر: الصلاة تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم.
стр. 1078
والصواب هو قول الجمهور، والله أعلم. (١)
مسألة [٢]: هل تجب التسليمة الثانية ؟
قال ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٥/ ٢١٣ - ٢١٤): والقائلون بالتسليمتين أكثرهم على أنه لو اقتصر على تسليمة واحدة أجزأه، وصحت صلاته، وذكره ابن المنذر إجماعًا ممن يحفظ عنه من أهل العلم. وذهب طائفة منهم إلى أنه لا يخرج من الصلاة إلا بالتسليمتين معًا، وهو قول الحسن بن حي وأحمد في روايةٍ عنه وبعض المالكية وبعض أهل الظاهر، واستدلوا بقوله ﵇: «تحليلها التسليم»، وقالوا: التسليم هو ما عهد منه فعله، وهو التسليمتان، وبقوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، وقدكان يسلم تسليمتين. ومن ذهب إلى قول الجمهور، قال: التسليم مصدرٌ، والمصدر يصدق على القليل والكثير، ولا يقتضي عددًا، فيدخل فيه التسليمة الواحدة، واستدلوا بأن الصحابة قد كان منهم من يسلم تسليمتين، ومنهم من يسلم تسليمةً واحدةً، ولم ينكر هؤلاء على هؤلاء، بل قد روي عن جماعةٍ منهم التسليمتان، والتسليمة الواحدة، فَدَلَّ على أنهم كانوا يفعلون أحيانًا هذا، وأحيانًا هذا، وهذا اجماع منهم على أن الواحدة تكفي. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: قول الجمهور هو الصواب، وقد صحَّت التسليمة عن أنس، وابن عمر، وعائشة ﵃. (٢)
стр. 1079
مسألة [٣]: صفة التسليم .
• ذهب أكثر العلماء إلى أنَّ صفة التسليم: «السلام عليكم ورحمة الله»، عن يمينه وشماله، وقد جاء في ذلك أحاديث:
منها: حديث جابر بن سمرة في «مسلم» (٤٣١)، قال: كُنَّا إذا صلينا مع رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قلنا: «السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله»، وأشار بيده إلى الجانبين، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «علامَ تومئون بأيديكم كأنها أذناب خيل شُمس ... »، الحديث.
ومنها: حديث ابن عمر ﵄ في «مسند أحمد» (٦٣٩٧)، و «أبي يعلى» (٥٧٦٤)، و «سنن النسائي» (٣/ ٦٢)، وغيرهم: أنه سئل عن صلاة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، كيف كانت؟ قال: «الله أكبر»، كلما وضع ورفع، ثم يقول: «السلام عليكم ورحمة الله»، عن يمينه، «السلام عليكم ورحمة الله» عن يساره.
ومنها: حديث عمار بن ياسر ﵁ في «سنن ابن ماجه» (٩١٦)، وهو في «الجامع الصحيح مما ليس في الصحيحين»، قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يُسلم عن يمينه، وعن يساره، حتى يُرى بياض خَدِّه: «السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله».
قال ابن رجب ﵀: ولو اقتصر على قوله: «السلام عليكم»؛ أجزأه عند جمهورهم، ولأصحاب أحمد فيه وجهان. انتهى.
стр. 1080
قال أبو عبد الله غفر الله له: أما الإجزاء؛ فإنه يجزئه، ولكنه ترك الأفضل؛ وذلك لأنه يشمله قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «تحليلها التسليم».
وقد صحَّ عن علي كما في «مصنف عبد الرزاق» (٢/ ٢١٩)، أنه اقتصر عليها في الجانبين.
قال ابن رجب ﵀: وكان من السلف من يقول في التسليمة الأولى: «السلام عليكم ورحمة الله»، ويقتصر في الثانية على: «السلام عليكم»، ورُوي عن عمار ﵁ (١)، وغيره، وقد تقدم حديث ابن عمر ﵄، المرفوع بموافقة ذلك. اهـ
قلتُ: أراد بحديث ابن عمر ﵄، ما أخرجه أحمد (٥٤٠٢)، والنسائي (٣/ ٦٣)، من طريق: عبد العزيز الدراوردي، عن عمرو بن يحيى المازني، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع بن حبان أنه سأل ابن عمر ﵄، عن صلاة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؟ فقال: «الله أكبر»، كلما وضع ورفع، ثم يقول: «السلام عليكم، ورحمة الله»، عن يمينه، وعن يساره: «السلام عليكم»، وهذا إسناد ظاهره الصحة.
ولكن قد رواه أحمد (٦٣٩٧)، والنسائي (٣/ ٦٢)، وأبو يعلى (٥٧٦٤)، وغيرهم من طريق: ابن جريج، قال: أخبرني عمرو بن يحيى بإسناده، فذكر الحديث، وزاد في الشمال: «ورحمة الله».
стр. 1081
وأخرجه الطبراني (١٣٣١٣) بإسناد صحيح من طريق: خالد الواسطي، عن عمرو بن يحيى كذلك بزيادة: «ورحمة الله»؛ فالظاهر أنَّ زيادة: «ورحمة الله» محفوظة، وقصَّر الدراوردي.
قال ابن رجب ﵀: وقالت طائفة: يزيد مع ذلك: (وبركاته)، ومنهم: الأسود بن يزيد كان يقولها في التسليمة الأولى، وقال النخعي: أقولها، وأُخفيها، واستحبه طائفة من الشافعية، وقد خرَّج أبو داود من حديث وائل بن حُجر ... ، فذكر حديث الباب. انتهى.
قال أبو عبد الله غفر الله له: تقدم أنَّ حديث وائل بن حجر ﵁ ليس بمحفوظ؛ فعلى هذا فلا يزيد: «وبركاته».
تنبيه: جاءت أحاديث مرفوعة عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، أنه كان يُسلم تسليمة واحدة، ولم يثبت منها شيء، وقد جزم بذلك بعض الحفاظ والأئمة، منهم: أحمد، وابن المديني، والأثرم، وابن حزم، والعقيلي، والبزار، وابن عبد البر، والنووي، وابن القيم، وابن رجب، وغيرهم ... . (١)
стр. 1082
بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ
مسألة [١]: متى يُسلم المأموم ؟
• استحب أهل العلم أن يُسلم المأموم عَقِبَ الإمام مباشرة، وبوَّبَ البخاري في «صحيحه»: [باب: يسلم حين يسلم الإمام]، وهو قول أحمد، وإسحاق، والشافعي، واستدل عليه البخاري بحديث عتبان بن مالك، قال: صلينا مع رسول الله ﷺ ، فسلمنا حين سلَّم.
• وقال القاضي أبو الطيب الطبري ﵀ -من الشافعية-: إذا سلَّم الإمام؛ فالمأموم بالخيار: إنْ شاء سلَّم بعده، وإن شاء استدام الجلوس للتعوذ، والدعاء، وأطال ذلك، وعلل ذلك بأنه قد انقطعت قدوته بالإمام بسلامه.
وهذا مخالفة لنص الشافعي، وعامة أصحابه، وللمأثور عن الصحابة.
قال البخاري ﵀ في «صحيحه»: وكان ابن عمر يستحب إذا سلَّم الإمام أن يسلم من خلفه.
قال ابن رجب ﵀: روى وكيع بإسناده عن مجاهد قال: سألت ابن عمر، قلت: يُسلم الإمام وقد بقي شيء من الدعاء أدعو، أو أُسلم؟ قال: لا، بل سلم. (١)
стр. 1083
مسألة [٢]: هل يسلم المأموم عقب فراغ الإمام من التسليمتين، أم التسليمة الأولى فقط ؟
• قال ابن رجب ﵀: والأُولى للمأموم أن يسلم عقب فراغ الإمام من التسليمتين؛ فإنْ سلَّمَ بعد تسليمته الأُولى؛ جاز عند من يقول: إنَّ الثانية غير واجبة؛ لأنه يرى أنَّ الإمام قد خرج من صلاته بتسليمته الأُولى، ولم يَجُزْ عند من يرى أنَّ الثانية واجبة، لا يخرج من الصلاة بدونها. اهـ (١)
مسألة [٣]: إذا سلَّمَ المأموم مع تسليم إمامه .
• قال ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٥/ ٢٢١): ولو سلَّم المأموم مع تسليم إمامه؛ ففي بطلان صلاته لأصحابنا وأصحاب الشافعي وجهان، والأصح عندنا، وعندهم أنه لا تبطل صلاته، كما لو قارنه في سائر الأركان، سوى تكبيرة الإحرام، ومذهب مالك البطلان. انتهى.
قلتُ: والأصح عدم البطلان.
مسألة [٤]: إذا سلَّمَ المأموم قبل تسليم إمامه .
قال ابن رجب ﵀: وإنْ سلَّم المأموم قبل سلام إمامه؛ لم يَجُزْ، وبطلت صلاته إنْ تعمد ذلك، ولم ينو مفارقته على وجهٍ يجوز معه المفارقة إلا عند من يرى أنَّ السلام ليس من الصلاة، ويخرج منها بانتهاء التشهد، أو بدون تشهد عند من يرى أنَّ التشهد الأخير سُنَّة. اهـ (٢)
стр. 1084
مسألة [٥]: الالتفات عند السلام .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ٢٤٧): ويُسَنُّ أنْ يلتفت عن يمينه في التسليمة الأُولى، وعن يساره في الثانية، كما جاءت السنة في حديث ابن مسعود، وسعد، ووائل بن حُجر، وجابر بن سمرة، وغيرهم. انتهى.
مسألة [٦]: حكم رَدِّ المأموم على سلام الإمام، وكذا على سلام المأمومين .
• جاء في هذه المسألة حديثان:
الأول: ما أخرجه مسلم في «صحيحه» (٤٣١)، من حديث جابر بن سمرة، قال: كُنَّا إذا صلينا مع رسول الله ﷺ ، فقلنا: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، وأشار بيده إلى الجانبين، فقال رسول الله ﷺ : «عَلَامَ تُومِئُون بِأَيْدِيْكُم كَأَنَّها أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ، إِنَّما يَكْفِي أَحَدَكُم أَنْ يَضَعَ يَدَهَ عَلَى فَخِذِهِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ عَلَى أَخِيْهِ مِنْ عَلَى يَمِيْنِهِ وَشِمَالِهِ».
الثاني: ما أخرجه أبو داود (١٠٠١)، وابن ماجه (٩٢٢)، من حديث سمرة، قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نردَّ على الإمام، وأن نتحابَّ، وأنْ يسلم بعضنا على بعض. وهو من طريق: الحسن عن سمرة، وقد اختُلِف في سماعه منه، والرَّاجح أنه لم يسمع منه؛ إلا حديث العقيقة.
قال الحافظ ابن رجب ﵀: وقال إسحاق: لا اختلاف بين أهل العلم في الرد على الإمام إذا سلَّمَ كما سلَّم. اهـ
стр. 1085
قلتُ: ولكن ذهب بعض أهل العلم إلى أن سلام المأمومين يكفيهم عن الرد على الإمام، فقد بوب البخاري في «صحيحه»: [باب من لم يرد السلام على الإمام، واكتفى بتسليم الصلاة].
وهو قول أحمد في رواية، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والنخعي.
وهذا القول هو الصواب، والله أعلم.
واستدل عليه البخاري (٨٤٠) بحديث عتبان بن مالك ﵁، لما دعا النبي ﷺ ليصلي في بيته؛ فجاء النبي ﷺ فقال: «أين تحب أن أصلي من بيتك؟»، فأشار إلي المكان الذي يحب أن يصلي فيه. قال: فقام، فصففنا خلفه، ثم سلم وسلمنا حين سلم. وأصله في الصحيحين.
• وذهب جمهور العلماء إلى أنَّ المأموم يرد السلام، واختلفوا على ثلاثة أقوال:
فمنهم من قال: يرد قبل السلام. وهو قول ضعيفٌ.
ومنهم من قال: يرد بعد السلام.
ومنهم من قال: ينوي بتسليمه الرد على الإمام مع نيته الخروج من الصلاة. وهذا القول أقرب من الذي قبله، وهو قريب من قول من قال: يكتفي بتسليمه ولا يرد على الإمام. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مسألة [١]: حكم الأذكار عقب الصلاة .
• قال الحافظ ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٨٤٤): وجمهور أهل العلم على استحبابه، وقد رُويَ عن علي، وابن عباس، وابن الزبير، وغيرهم، وهو قول عطاء، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم، وخالف فيه طائفة قليلة من الكوفيين. انتهى المراد.
والصواب قول الجمهور، ويكون الذكر بما ثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
مسألة [٢]: الدعاء عَقِبَ الصلوات .
روى الترمذي (٣٤٩٩) عن أبي أمامة ﵁، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، سُئل: أيُّ الدعاء أسمع؟ فقال: جَوفُ الليل الآخر، ودُبُرَ الصلوات المكتوبات.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «نتائج الأفكار» (٢/ ٢٣٢): له علل: إحداها: الانقطاع، قال عباس الدُّوري في «تاريخه» عن يحيى بن معين: لم يسمع عبدالرحمن بن سابط من أبي أمامة. ثانيتها: عنعنة ابن جريج. ثالثتها: الشذوذ؛ فإنه جاء عن خمسة من أصحاب أبي أمامة أصل هذا الحديث من رواية أبي أمامة عن عمرو بن عبسة، واقتصروا كلهم على الشق الأول من الحديث. اهـ
وقد استدل بعض أهل العلم بهذا الحديث على استحباب الدعاء عَقِبَ الصلوات المكتوبات.