٢٧٦ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵄، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: إنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ مِنَ القُرْآنِ شَيْئًا، فَعَلِّمْنِي مَا يُجْزِئُنِي. فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللهِ، وَالحَمْدُ للهِ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ» الحَدِيثَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالحَاكِمُ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
دلَّ هذا الحديث على أنَّ من لم يستطع أن يحفظ من الفاتحة، أو غيرها شيئًا؛ فإنه يأتي بالأذكار الواردة فيه.
وإذا كان يحفظ من القرآن، شيئًا فيلزمه أن يأتي به، ولا يعدل إلى هذه الأذكار إلا عند عدم قدرته على قراءة شيء من القرآن؛ لقوله في هذا الحديث: لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئًا. ولقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل:٢٠]، ولحديث المسيء في صلاته، وقد تقدم في أول الباب.
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أنه إن كان يحفظ آية كررها سبعًا، وإن كانت آيتين كررها ثلاثًا، ومرةً، وهكذا.
стр. 982
ولا أعلم دليلًا على هذا، وقد قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» (١)، فإذا لم يستطع الذكر أيضًا، لزمه القيام بقدر قراءة الفاتحة عند أحمد، والشافعي، وهو الصحيح خلافًا لمالك. (٢)
стр. 983
٢٧٧ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي بِنَا فَيَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالعَصْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، وَيُسْمِعُنَا الآيَةَ أَحْيَانًا، وَيُطَوِّلُ الرَّكْعَةَ الأُولَى، وَيَقْرَأُ فِي الأُخْرَيَيْنِ (١) بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مع ذكر بعض المسائل الملحقة
مسألة [١]: الجهر، والإسرار بالقراءة في الصلوات الخمس .
قال الإمام النووي ﵀ في «المجموع» (٣/ ٣٨٩): السُّنَّةُ الجهر في ركعتي الصبح، والمغرب، والعشاء، وفي صلاة الجمعة، والإسرار في الظهر، والعصر، وثالثة المغرب، والثالثة، والرابعة من العشاء، وهذا كله بإجماع المسلمين مع الأحاديث الصحيحة المتظاهرة على ذلك. (٣)
مسألة [٢]: من صلَّى منفردًا، فهل يَجْهَرُ فيما يُجْهَرُ فيه ؟
• قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٣/ ٣٨٩): وأما المنفرد؛ فَيُسَنُّ له الجهر عندنا، وعند الجمهور، قال العبدري: هو مذهب العلماء كافة إلا أبا حنيفة، فقال: جهرُ المنفرد، وإسراره سواء.
دليلنا: أنَّ المنفرد كالإمام في الحاجة إلى الجهر للتدبر، فَسُنَّ له الجهر
стр. 984
كالإمام، وأولى؛ لأنه أكثر تدبرًا لقراءته؛ لعدم ارتباط غيره به، وقدرته على إطالة القراءة. انتهى المراد.
• ومذهب أبي حنيفة هو مذهب طاوس، وأحمد؛ فإنهما قالا: إن شاء جهر، وإن شاء لم يجهر، وكره الجهر للمنفرد بعض الحنابلة.
وقول الجمهور هو الصواب. (١)
مسألة [٣]: المأموم يسر بالقراءة .
قال النووي ﵀ في «المجموع» (٣/ ٣٩٠): وأجمعت الأمة على أن المأموم يُسَنُّ له الإسرار ويُكره له الجهر، سواء سمع قراءة الإمام أم لا، قال صاحب «الحاوي»: حَدُّ الجهر أن يُسمع من يليه، وَحَدُّ الإسرار أن يُسْمِعَ نفسَه، ودليل كراهة الجهر للمأموم حديث عمران بن الحصين ﵄ أن رسول الله ﷺ صلى الظهر، فجعل رجلٌ يقرأ خلفه ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]، فلما انصرف قال: «أيكم قرأ»؟ أو: «أيكم القارئ»؟ فقال رجل: أنا. فقال: «قد ظننت أن بعضهم خالجنيها»، رواه مسلم (٢)، ومعني خالجنيها: جاذبنيها، ونازعنيها. اهـ
مسألة [٤]: المرأة هل تجهر بالقراءة ؟
قال النووي ﵀ في «المجموع» (٣/ ٣٩٠): وأما المرأة، فقال أكثر أصحابنا: إنْ كانت تصلي خالية، أو بحضرة نساء، أو رجال محارم؛ جهرت بالقراءة، سواء صلَّتْ بنسوة، أو منفردة، وإنْ صلَّتْ بحضرة أجنبي؛ أسَرَّتْ. اهـ
стр. 985
مسألة [٥]: هل يجهر بالفائتة، أو يسر ؟
قال النووي ﵀ في «المجموع» (٣/ ٣٩٠): واما الفائتة؛ فإن قضى فائتة الليل بالليل جهر بلا خلاف، وإن قضى فائتة النهار بالنهار أسَرَّ بلا خلاف، وإن قضى فائتة النهار ليلا، أو الليل نهارًا، فوجهان يعني عند الشافعية أصحهما عند الشافعية: أن الاعتبار بوقت القضاء في الإسرار والجهر، صححه البغوي، والمتولي، والرافعي. والثاني: الاعتبار بوقت الفوات، وبه قطع صاحب «الحاوي».انتهى المراد.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الراجح أنَّ الاعتبار بوقت الفريضة الأصلي، ولهذا فإنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لما نام عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس، صلَّاها بعد طلوع الشمس، وجهر بالقراءة؛ لقول أبي قتادة ﵁ في «صحيح مسلم» (٦٨١): فصنع كما كان يصنع كل يوم.
مسألة [٦]: الجهر والإسرار في الصلوات الأخرى .
قال النووي ﵀ في «المجموع» (٣/ ٣٩١): أما صلاة العيد، والاستسقاء، والتراويح، وخسوف القمر، فَيُسَنُّ فيها الجهر بلا خلاف، وأما نوافل النهار فَيُسَنُّ فيها الإسرار بلا خلاف، وأما السنن الراتبة مع الفرائض فيُسر بها كلها باتفاق أصحابنا، ونقل القاضي عياض في «شرح مسلم» عن بعض السلف الجهر في سنة الصبح، وعن الجمهور الإسرار كمذهبنا. اهـ
وقال ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٧٧٧): وأما غير ذلك من التطوع؛ فالأكثرون على أنه لا يجهر فيها بالقراءة يعني التطوع بالنهار ورخَّصت طائفة في
стр. 986
الجهر في التطوع بالنهار إذا لم يؤذ أحدًا، وهو قول النخعي، والثوري، وإسحاق، ولأصحابنا وجهٌ أنه لا بأس به. انتهى باختصار.
والصواب قول الجمهور؛ لأنه لم يرد عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الجهر فيها، والله أعلم.
مسألة [٧]: حكم الجهر بالقراءة فيما يجهر فيه .
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٤/ ٤٣٨ - ٤٣٩): والجهر فيما يجهر فيه سنة لا تبطل الصلاة بتركه عند جمهور العلماء، وحُكي عن ابن أبي ليلى أنه تبطل الصلاة بتركه، وهو وجهٌ ضعيفٌ لأصحابنا إذا تعمد ذلك. انتهى من الفتح رقم (٧٦٥).
والصواب قول الجمهور؛ لعدم وجود دليل على الوجوب.
مسألة [٨]: إذا جهر في موضع الإسرار، أو العكس ناسيًا .
• فيه أقوال:
الأول: ليس عليه شيء، ولا يسجد للسهو، ورُوي عن أنس ﵁، (١) وعلقمة، والأسود، أنهم فعلوا ذلك، ولم يسجدوا للسهو، وهو قول الأوزاعي، والشافعي، وأحمد في أصح الروايتين عنه.
الثاني: أنه يسجد للسهو، وهو قول النخعي، والثوري، وأبي حنيفة، وإسحاق، وأحمد في رواية.
الثالث: قال مالك: إنْ تطاول ذلك يسجد للسهو، ولا أرى عليه في
стр. 987
السِّرِّ سهوًا.
والصواب القول الأول؛ لحديث أبي قتادة في الباب: ويسمعنا الآية أحيانًا. فهذا السهو وافق مكانًا يجوز فيه الجهر أحيانًا. (١)
مسألة [٩]: أدنى الجهر، ومنتهاه .
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٤/ ٤٣٨): وأدنى الجهر أن يُسمع من يليه، هذا قول أصحابنا، والشافعية، وغيرهم، وقد سبق عن ابن مسعود، قالَ: من أسمع أذنيه فلم يخافت، وهو يدل على أنَّ أدنى الجهر: أن يسمع نفسه، روى وكيع، عن سفيان، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن الأسود بن هلال، عن ابن مسعود، قالَ: لم يخافت من أسمع أذنيه. (٢)
ومنتهى الجهر: أن يُسمع من خلفه إن أمكن ذَلِكَ من غير مشقة، وقد كانَ عمر بن الخطاب يَسْمعُ قراءَته في المسجد مَنْ خارجَه. انتهى.
مسألة [١٠]: إسماع الآية في السرية أحيانًا .
• دلَّ حديث أبي قتادة على استحباب ذلك؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يفعل ذلك، وقد جاء ذلك أيضًا من حديث البراء بن عازب عند بعض أصحاب «السنن» (٣)، قال: كان النبي ﷺ يصلي بنا الظهر، فنسمع منه الآية بعد الآيات من سورة لقمان،
стр. 988
والذاريات. وقد قال بذلك الشافعي، وأحمد.
• وكره ذلك الحنفية.
• وقال بعض أهل العلم: لعلَّ ذلك كان من غير قصدٍ بسبب الاستغراق في القراءة، والصواب ما ذهب إليه الشافعي، وأحمد. (١)
مسألة [١١]: حكم قراءة سورة بعد فاتحة الكتاب في الركعتين الأوليين .
• ذهب جمهور العلماء إلى الاستحباب، واستدلوا بحديث عبادة بن الصامت ﵁، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، وظاهره الاكتفاء بها في الوجوب، وجاء عن أبي هريرة ﵁ في «الصحيحين» (٢)، قال: في كل صلاة يقرأ، فما أسمعنا رسول الله ﷺ ، أسمعناكم، وما أخفى عنَّا أخفينا عنكم، وإن لم تزد على أم القرآن أجزأتك، وإن زدت؛ فهو خير.
واستدلوا بما رواه أبو داود (٧٩٣)، وابن خزيمة (١٦٣٤)، بإسناد حسن عن جابر بن عبدالله ﵄، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال للفتى: «كيف تصنع يا ابن أخي إذا صليتَ؟» قال: أقرأ بفاتحة الكتاب، وأسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار، وإني لا أدري ما دندنتك، ودندنة معاذ. فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إني ومعاذ حول هاتين».
• وقد نقل بعضهم عدم الخلاف في الاستحباب، والصحيح أنَّ هناك من أوجب القراءة بعد الفاتحة، قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (٧٥٦):
стр. 989
وادَّعى ابن حبان، والقرطبي، وغيرهما الإجماع على عدم وجوب قدر زائد عليها، وفيه نظر؛ لثبوته عن بعض الصحابة، ومن بعدهم فيما رواه ابن المنذر، وغيره، ولعلهم أرادوا أنَّ الأمر استقر على ذلك. اهـ
قلتُ: أما عن الصحابة؛ فقد أورد ابن المنذر الوجوب عن صحابيين، كما في «الأوسط» (٣/ ١٠١):
أحدهما: عثمان بن أبي العاص، وسنده صحيح، ولفظه: «لا تتم صلاة إلا بفاتحة الكتاب، وثلاث آيات فصاعدًا».
أخرجه ابن المنذر من طريق حماد بن سلمة، قال: أخبرنا سعيد الجريري، عن عبد الله بن بريدة، عن عمران بن حصين، أن عثمان بن أبي العاص، قال ... فذكره. ثم رأيت ابن أبي شيبة (١/ ٣٦٠) أخرجه من طريق ابن علية عن سعيد الجريري بإسناده بدون ذكر عثمان بن أبي العاص، وهذه الرواية أرجح؛ لأن ابن علية سمع من الجريري قبل الاختلاط، وأما حماد بن سلمة؛ فقد سمع منه قبل الاختلاط وبعده.
وكذلك أخرجه البيهقي في «جزء القراءة خلف الإمام» (٢٣٤) من طريق بشر ابن المفضل، عن الجريري، بإسناده بدون ذكر عثمان بن أبي العاص. وبشر سمع من الجريري قبل الاختلاط.
وعليه فالأصح أن الأثر عن عمران بن حصين ﵄، وليس عن عثمان بن أبي العاص ﵁.
стр. 990
وثانيهما: عن عمر بن الخطاب ﵁، ولفظه: «لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، وشيء معها.
وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (١/ ٣٦٠) وفي إسناده: عباية بن ربعي، وهو ابن رداد، لَيَّنَهُ أبو حاتم، فقال: شيخ.
وقد استدل من ذهب إلى الوجوب بزيادة: «فصاعدًا» عند مسلم برقم (٣٩٤)(٣٧)، من حديث عبادة بن الصامت ﵁ بلفظ: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصاعدًا»، وهذه الزيادة شاذة، شذَّ بها معمرٌ، قال الإمام البخاري في «جزء القراءة» (٤): وعامة الثقات لم يتابع معمرا في قوله: فصاعدا مع أنه قد أثبت فاتحة الكتاب وقوله: فصاعدا غير معروف ما أردته حرفا أو أكثر من ذلك؟ إلا أن يكون كقوله: لا تقطع اليد إلا في ربع دينار فصاعدا فقد تقطع اليد في دينار وفي أكثر من دينار.
قال البخاري ﵀: ويقال: إن عبد الرحمن بن إسحاق تابع معمرا، وأن عبد الرحمن ربما روى عن الزهري، ثم أدخل بينه وبين الزهري غيره ولا نعلم أن هذا من صحيح حديثه أم لا. اهـ
واستدلوا بحديث أبي سعيد في «سنن أبي داود» (١) وغيره: أُمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب، وما تيسر.
والجواب عن هذا: أنَّ الأمر محمول على الاستحباب، والصارف له عن
стр. 991
الوجوب حديث الفتى المتقدم. (١)
مسألة [١٢]: قراءة شيء من القرآن بعد الفاتحة في الركعتين الأُخريين .
• دلَّ حديث أبي قتادة الذي في الباب على عدم قراءة شيء بعد الفاتحة في الركعتين الأخريين.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٤/ ٤٧٦ - ٤٧٨): وقد ذهب أكثر العلماء إلى القول بذلك، وأنه لا يزيد في الركعتين الأخريين، والثالثة من المغرب على فاتحة الكتاب، ورُوي نحو ذلك عن علي، وابن مسعود، وعائشة، وأبي هريرة، وجابر، وأبي الدرادء (٢)، وعن ابن سيرين، قال: لا أعلمهم يختلفون أنه يقرأ في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب. وقد دل على ذلك أيضًا: حديث سعد (٣) في الحذف في الأخريين وقد تقدم في مواضع من الكتاب.
• وروى مالك (٤) عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان إذا صلى وحده يقرأ في الأربع جميعًا، في كل ركعة بأم القرآن وسورة.
• وذهب الشافعي في أحد قوليه إلى أنه يستحب أن يقرأ سورة مع أم القرآن في
стр. 992
الركعات كلها، ومن أصحابنا من حكاه رواية عن أحمد، وأكثر أصحابنا قالوا: لا يستحب. رواية واحدة.
• وفي كراهيته عنه روايتان، وقد تقدم عن أبي بكر الصديق، أنه قرأ في الثالثة من المغرب بعد الفاتحة: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران:٨]. (١)
• وقد استحب أحمد ذلك في رواية.
قال القاضي أبو يعلى: يحتمل أنه استحبه؛ لأنه دعاء؛ فإنه قال في رواية الأثرم: إن شاء قاله. قال: ولا تدري أكان ذلك من أبي بكر قراءة أو دعاء. وقد تقدم من حديث أبي سعيد الخدري ما يدل على أن النبي ﷺ كان يقرأ في الركعتين الأخريين على قدر نصف قراءته في الأوليين، وحمله طائفة من أصحابنا وغيرهم على أن هذا كان يفعله أحيانًا لبيان الجواز، فيدل على أنه غير مكروه، خلافا لمن كرهه، والله أعلم. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: قول الجمهور هو الصواب؛ لحديث أبي قتادة؛ فإن ظاهره الاستمرار بخلاف حديث أبي سعيد؛ فإن ظاهره عدم ذلك، ومع ذلك فيجوز قراءة شيء بعد الفاتحة؛ لحديث أبي سعيد المذكور، ولعموم حديث: «أُمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب، وما تيسر».
والأفضل الاقتصار على الفاتحة، والله أعلم. (٢)
стр. 993
مسألة [١٣]: المسبوق بركعتين من الرباعية، هل يقرأ في الركعتين الأخريين غير الفاتحة ؟
• ذهب الشافعية -كما في «شرح المهذب» (٣/ ٣٨٧ - ٣٨٨) - إلى استحباب قراءة شيء مع الفاتحة؛ لئلا تخلو صلاته من قرآن غير الفاتحة، وهو رواية عن أحمد، ووجه عند الحنابلة، وهو مذهب الحنفية.
• وذهب أحمد في رواية إلى أنه يقتصر على الفاتحة.
وقد رجَّح هذه الرواية المجد ابن تيمية، ومال إليه ابن رجب ﵀، وهو وجهٌ عند الشافعية.
قال أبو عبد الله غفر الله له: هذه المسألة مبنية على الاختلاف فيما يدركه المسبوق: هل هو أول صلاته، أو آخرها؟
والراجح في هذه المسألة أنَّ ما أدركه المسبوق مع الإمام؛ فهو أول صلاته، وما قام يقضيه؛ فهو آخر صلاته.
وعلى هذا فالراجح هو القول الثاني، والله أعلم. (١)
مسألة [١٤]: لو ابتدأ المصلي بالسورة قبل الفاتحة .
• قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٣/ ٣٨٨): لو قرأ السورة، ثم قرأ الفاتحة؛ أجزأته الفاتحة ولا تحسب له السورة على المذهب، وهو المنصوص في «الأم»، وقطع به الأكثرون. انتهى المراد.
стр. 994
مسألة [١٥]: لو ترك الإمام السورة في الأوليين ؟.
قال النووي ﵀ في «المجموع» (٣/ ٣٨٨): قال الشيخ أبو محمد الجويني في كتابه «التبصرة»: لو ترك الإمام السورة في الأوليين؛ فإن تمكن المأموم فقرأها قبل ركوع الإمام حصلت له فضيلة السورة، وإن لم يتمكن لإسراع الإمام، وكان يود أن يتمكن فللمأموم ثواب السورة، وعلى الإمام وبال تقصيره؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «يُصَلُّونَ لَكُم؛ فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُم، وَإِنْ أَخْطَأوا فَلَكُم وَعَلَيْهِم»، رواه البخاري (١)، قال: وربما تأخر المأموم بعد ركوع الإمام لقراءة السورة، وهذا خطأ؛ لأن المأموم يتعين عليه فرض المتابعة إذا هوى الإمام للركوع، فلا يجوز أن يشتغل عن الفرض بنفل. اهـ
مسألة [١٦]: تطويل الركعة الأولى على الثانية .
• استحب طائفة من أهل العلم تطويل الركعة الأولى على الثانية، ومنهم: الثوري، وأحمد، وإسحاق، ومحمد بن الحسن، وطائفة من أصحاب الشافعي، واستدلوا بحديث أبي قتادة.
• وذهب أبو حنيفة، وأبو يوسف إلى أنه لا يطيل سوى الركعة الأولى من الفجر؛ لأنه وقت غفلة، ونوم، ويسوي بين الركعتين في سائر الصلوات.
• وقال مالك، والشافعي: يسوي بين الركعتين الأوليين في سائر الصلوات.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الأفضل ما ذهب إليه أهل القول الأول؛ لحديث
стр. 995
أبي قتادة، والله أعلم. (١)
مسألة [١٧]: تطويل الركعة الثالثة على الرابعة .
قال ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٤/ ٤٢٠): الأكثرون على عدم الاستحباب، ومن الشافعية من نقل الاتفاق، ومنهم من حكى لأصحابهم فيه وجهين. اهـ
قلتُ: الصواب هو عدم الاستحباب.
مسألة [١٨]: كيف يصنع الأخرس الذي لا يستطيع القراءة ؟
• ذهب الشافعية إلى أنه يجب عليه أن يحرك لسانه؛ لأنَّ القراءة تتضمن النطق، وتحريك اللسان، فسقط ما عجز عنه، ووجب ما قدر عليه، وذهب إلى هذا القاضي أبو يعلى من الحنابلة.
• وذهب جمهور الحنابلة إلى أنه لا يجب عليه تحريك لسانه، بل يجب عليه القيام بقدر الفاتحة فحسب.
وهذا القول هو الصواب؛ لأنَّه لا فائدة من تحريك لسانه، وهو ترجيح شيخ الإسلام وابن القيم، وابن رجب، وانظر ما تقدم عند تكبيرة الإحرام من العاجز، والأخرس. (٢)
стр. 996
٢٧٨ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: كُنَّا نَحْزِرُ قِيَامَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الظُّهْرِ وَالعَصْرِ، فَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ قَدْرَ: ﴿الم * تَنْزِيلُ﴾، وَفِي الأُخْرَيَيْنِ (١) قَدْرَ النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ، وَفِي الأُولَيَيْنِ مِنَ العَصْرِ عَلَى قَدْرِ الأُخْرَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ، وَالأُخْرَيَيْنِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (٢)
٢٧٩ - وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: كَانَ فُلَانٌ يُطِيلُ الأُولَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ، وَيُخَفِّفُ العَصْرَ، وَيَقْرَأُ فِي المَغْرِبِ بِقِصَارِ المُفَصَّلِ وَفِي العِشَاءِ بِوَسَطِهِ وَفِي الصُّبْحِ بِطِوَالِهِ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا صَلَّيْت وَرَاءَ أَحَدٍ أَشْبَهَ صَلَاةً بِرَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ هَذَا. أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. (٣)
٢٨٠ - وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي المَغْرِبِ بِالطُّورِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٤)
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مسألة [١]: حزب المفصل وتعيينه .
• سمي حزب المفصل بهذا الاسم؛ لكثرة الفصول فيه بين سوره، واختلف أهل العلم من أين يبدأ حزب المفَصَّل، والجمهور على أنه يبدأ من [ق] أو [الحجرات]، واتفقوا على أنه ينتهي بسورة [الناس].
стр. 997
• واختلفوا في تعيين طواله وقصاره ووسطه:
فالمشهور عند الحنفية: أن طواله من [الحجرات] إلى [البروج]، ووسطه من [البروج] إلى [البينة]، وقصاره من [البينة] إلى سورة [الناس].
والمشهور عند المالكية: أن طواله من [الحجرات] إلى [النازعات]، ووسطه إلى [الضحى]، وقصاره إلى [الناس].
والمشهور عند الشافعية: أن طواله من [الحجرات] إلى [عم]، ووسطه إلى [الضحى]، وقصاره إلى [الناس].
والمشهور عند الحنابلة: أن طواله من [ق] إلى [عم]، ووسطه إلى [الضحى]، وقصاره إلى [الناس].
قلتُ: جاء في تعيين حزب المفصل حديث ضعيف، وهو:
ما أخرجه أحمد (١٦١٦٦)، وأبو داود (١٣٩٣)، وابن ماجه (١٣٤٥) وغيرهم من طرق عن عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، عن عثمان بن عبد الله بن أوس الثقفي، عن جده أوس بن حذيفة، قال: كنت في الوفد الذين أتوا النبي ﷺ أسلموا من ثقيف، من بني مالك، أنزلنا في قبة له، فكان يختلف إلينا بين بيوته، وبين المسجد، فإذا صلى العشاء الآخرة انصرف إلينا، ولا نبرح حتى يحدثنا، ويشتكي قريشا، ويشتكي أهل مكة، ثم يقول: «لا سواء، كنا بمكة مستذلين، ومستضعفين، فلما خرجنا إلى المدينة كانت سجال الحرب علينا، ولنا» فمكث
стр. 998
عنا ليلة لم يأتنا حتى طال ذلك علينا بعد العشاء، قال: قلنا: ما أمكثك عنا يا رسول الله؟ قال: «طرأ علي حزب من القرآن، فأردت أن لا أخرج حتى أقضيه» قال: فسألنا أصحاب رسول الله ﷺ حين أصبحنا، قال: قلنا: كيف تحزبون القرآن؟ قالوا: نحزبه ثلاث سور، وخمس سور، وسبع سور، وتسع سور، وإحدى عشرة سورة، وثلاث عشرة سورة، وحزب المفصل من قاف حتى يختم.
وهذا إسنادٌ ضعيف؛ لضعف عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، وجهالة حال عثمان بن عبد الله بن أوس.
قلتُ: والحديث وإن كان ضعيفًا؛ إلا أن أكثر أهل العلم أخذوا بالتحديد الوارد فيه، والله أعلم. (١)
مسألة [٢]: القراءة في صلاة الظهر .
• ذهب إسحاق، وطائفة من الحنابلة إلى أنه يقرأ بوسط المفصل؛ لحديث جابر بن سمرة في «صحيح مسلم» (٤٦٠): كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقرأ في الظهر بـ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وفي العصر نحو ذلك، وفي الصبح أطول من ذلك، وأخرج الترمذي (٣٠٧) عن جابر بن سمرة بإسناد حسن، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يقرأ في الظهر، والعصر بـ: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾، ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾، وشبههما.
وأخرج البزار كما في «كشف الأستار» (٤٨٢) من حديث أنس بإسناد
стр. 999
صحيح أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يقرأ في الظهر، والعصر بـ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، وهذان الحديثان في «الجامع الصحيح» لشيخنا ﵀ (٢/ ١٠٣ - ١٠٤).
• وذهب جماعة إلى أنه يقرأ بطوال المفصل، وهو قول الثوري، والشافعية، وبعض الحنابلة، واستدلوا بحديث أبي سعيد، وأبي هريرة ﵄، اللَّذَيْنِ في الباب، وبحديث البراء بن عازب عند النسائي (٢/ ١٦٣)، قال: كُنَّا نصلي خلف النبي ﷺ الظهر، فنسمع منه الآية بعد الآيات من سورة لقمان، والذاريات.
• وقد استحب بعض أهل العلم القراءة بقدر ثلاثين آية، وهم النخعي، والثوري، وأحمد، وإسحاق.
قال أبو عبد الله غفر الله له: والخلاف في المسألة إنما هو في الأفضل.
والظاهر أنَّ الأفضل أن يُعمل بهذا تارة، وبذاك أخرى، والله أعلم. (١)
مسألة [٣]: القراءة في العصر .
• ذهب أحمد إلى أنه يجعلها على النصف من الظهر، ودليله حديث أبي سعيد ﵁، الذي في الباب.
• وذهب الشافعية إلى أنه يقرأ بوسط المفصل، واستدلوا بالأحاديث المتقدمة في المسألة السابقة.
стр. 1000
• وذهب النخعي، والثوري، وإسحاق إلى أنه يقرأ بقصار المفصل.
والراجح ما ذهب إليه أحمد، والشافعي. (١)
مسألة [٤]: القراءة في المغرب .
• قال ابن رجب ﵀: وذهب أكثر العلماء إلى استحباب تقصير الصلاة في المغرب، وحكى الترمذي أنَّ العمل عند أهل العلم على القراءة في المغرب بقصار المفصل، وهذا يُشعر بحكاية الإجماع عليه، وممن استحب ذلك: ابن المبارك، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وقال: كانوا يستحبون ذلك. انتهى بتصرف.
قلتُ: ويدل على هذا حديث أبي هريرة ﵁ الذي في الباب، وحديث رافع بن خديج في «الصحيحين»، قال: كُنَّا نصلي المغرب مع النبي ﷺ ، ثم ينصرف أحدنا، وإنه ليبصر مواقع نبله. (٢)
• وقد ذهبت طائفة إلى استحباب تطويلها، واستدلوا بحديث زيد بن ثابت في «البخاري» (٧٦٤): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قرأ فيها بَطُولَى الطُّولَيين. يعني الأعراف، وبحديث جبير بن مطعم الذي في الباب، وبحديث أم الفضل في «الصحيحين» (٣): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قرأ فيها بالمرسلات.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الأفضل في المغرب أن يُقَصِّرَ القراءة فيها، ولا
стр. 1001
بأس بالتطويل أحيانًا.
وقد نصَّ على ذلك الشافعي، وأحمد، ولكن ينبغي أن لا يشقَّ على المأمومين بذلك، والله أعلم. (١)
مسألة [٥]: القراءة في العشاء .
• ذهب جمهور العلماء إلى استحباب القراءة فيها بوسط المفصل.
ودليلهم حديث أبي هريرة ﵁ الذي في الباب، وحديث معاذ ﵁: «إذا أممت الناس؛ فاقرأ بـ: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾.
• وذهب النخعي، وإسحاق إلى أنها تكون مثل الظهر.
والصواب قول الجمهور. (٢)
مسألة [٦]: القراءة في الفجر .
• ذهب جمهور العلماء إلى استحباب القراءة في الفجر بطوال المفصل، وهو قول مالك، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
ودليلهم حديث أبي هريرة ﵁ الذي في الباب، وحديث أبي برزة ﵁ في «الصحيحين» (٣): وكان يقرأ بالستين إلى المائة. (٤)
стр. 1002
مسألة [٧]: قراءة سورة تامة .
قال ابن رجب ﵀ في «فتح الباري» (٧٥٩): والأفضل القراءة بسورة تامة بالاتفاق. اهـ
مسألة [٨]: القراءة ببعض السورة من أولها، أو آخرها، أو وسطها .
• قال ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٤/ ٤٦٥): وأكثر العلماء على أنه لا يُكره قراءة أوائل السُّوَر، وأوساطها، وخواتيمها في الصلاة، وعن أحمد أنه يكره القراءة من أوساط السور دون خواتيمها، وعنه أنه يكره القراءة من أواخر السور، ومن أصحابه من حملها على كراهة المداومة. اهـ
قلتُ: الصواب قول الجمهور؛ لقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل:٢٠]، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن».
مسألة [٩]: الجمع بين السورتين في ركعة .
• قال ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٤/ ٤٧١): وأكثر العلماء على أنه لا يُكره الجمع بين السور في الصلاة المفروضة، ورُوي فعله عن عمر، وابن عمر (١)، وعمر بن عبد العزيز، وعلقمة، وهو قول قتادة، والنخعي، ومالك، وعن أحمد في كراهته روايتان، وكرهه أصحاب أبي حنيفة. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب قول الجمهور؛ للأدلة السابقة آنفًا.
стр. 1003
مسألة [١٠]: ترداد السورة في الركعتين .
أخرج أبو داود (٨١٦) عن رجلٍ من جهينة، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صلَّى بهم الفجر، فقرأ: «﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾» في الركعتين كلتيهما، وقد نصَّ أحمد على جواز ذلك. (١)
مسألة [١١]: قراءة القرآن على غير ترتيب المصحف .
قال ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٤/ ٤٦٨): الأكثرون على أنَّ ذلك غير مكروه، وعن أحمد رواية أنه يُكره إنْ تعمد ذلك. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب قول الجمهور، ويدل عليه حديث حذيفة ابن اليمان في «صحيح مسلم» (٧٧٢): أنه صلَّى مع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صلاة الليل، فقرأ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سورة البقرة، ثم سورة النساء، ثم آل عمران.
стр. 1004
٢٨١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ ﴿الم * تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةِ، وَهَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
٢٨٢ - وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: يُدِيمُ ذَلِكَ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: حكم قراءة هاتين السورتين في فجر يوم الجمعة .
• قال ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٨٩١): وقد اختلف العلماء في قراءة سورةٍ معينةٍ في صلاةٍ معينةٍ، فكرهته طائفة، وحُكي عن أبي حنيفة، ومالك، ولم يكرهه الأكثرون، بل استحبوا منه ما رُوي عن النبي ﷺ .
• وممن استحب قراءة سورة ﴿الم﴾ [سورة السجدة] و: ﴿هَلْ أَتَى﴾ في صلاة الفجر يوم الجمعة: الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو خيثمة، وابن أبي شيبة، وسليمان بن داود الهاشمي، والجوزجاني، وغيرهم من فقهاء الحديث،
стр. 1005
وهذا هو المروي عن الصحابة، منهم: عليٌّ، وابن عباسٍ، وأبو هريرة. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب ما ذهب إليه الجمهور، والله أعلم.
مسألة [٢]: هل يُستحبُّ المداومة في قراءتهما ؟
• قال ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٨٩١): ثم اختلفوا: هل يستحب المداومة على ذلك في كل جمعةٍ؟ فقال بعضهم: لا يستحب ذلك، بل يستحب فعله أحيانًا، وهو قول الثوري، وأحمد -في المشهور عنه-، وإسحاق، وعَلَّلا بأنه يُخشى من المداومة عليه اعتقاد الجهال وجوبه، وأن صلاة الفجر يوم الجمعة فيها زيادة سجدة، أو أنها ثلاث ركعات، ونحو ذلك مما قد يتخيله بعض من هو مفرطٌ في الجهل.
• وقال الأكثرون: بل يستحب المداومة عليه، وهو قول الشافعي، وسائر من سَمَّيْنَا قوله، وهو ظاهر ما نقله إسماعيل بن سعيدٍ الشالنجي عن أحمد؛ فإنه قالَ: سألته عن القراءة في الفجر يوم الجمعة؟ فقال: نراه حسنًا، أن تقرأ: ﴿الم * تَنْزِيلُ﴾ [السجدة:١ - ٢]، و: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [الإنسان:١]، ورجحه بعض أصحابنا، وهو الأظهر.
وكان السلف يداومون، قال الأعرج: كان مروان، وأبو هريرة يقرءان في صلاة الصبح بـ: ﴿الم * تَنْزِيلُ﴾، و: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ في كل جمعة.
وقال الشعبي: ما شهدت ابن عباسٍ قرأ يوم الجمعة إلا ﴿تَنْزِيلُ﴾، و: ﴿هَلْ
стр. 1006
أَتَى﴾ [الإنسان:١].
خرَّجه ابن أبي شيبة، واعتقاد فرضية ذلك بعيدٌ جدًّا، فلا يترك لأجله السنة الصحيحة، واتباع عمل الصحابة. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: أثر ابن عباس أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١٤٠ - ١٤١)، وفي إسناده: جابر بن يزيد الجعفي، وهو كذاب.
والأظهر في هذه المسألة هو استحباب المداومة على ذلك؛ لظاهر حديث أبي هريرة؛ إلا أنْ يحصل مشقة على المأمومين فيترك، والله أعلم.
стр. 1007
٢٨٣ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَمَا مَرَّتْ بِهِ آيَةُ رَحْمَةٍ إلَّا وَقَفَ عِنْدَهَا يَسْأَلُ، وَلَا آيَةُ عَذَابٍ إلَّا تَعَوَّذَ مِنْهَا. أَخْرَجَهُ الخَمْسَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: سؤال الرحمة، والاستعاذة من العذاب أثناء القراءة .
قال الإمام النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٤/ ٦٦ - ٦٧): قال الشافعي، وأصحابنا: يُسَنُّ للقارئ في الصلاة، وخارجها إذا مرَّ بآية رحمة أن يسأل الله تعالى الرحمة، أو آية عذاب أن يستعيذ به من العذاب، أو بآية تسبيح أن يُسَبِّحَ.
قال: وكل هذا يُستحب لكل قارئ في صلاته، أو غيرها، سواء صلاة الفرض، والنفل، والمأموم، والإمام، والمنفرد؛ لأنه دعاء، فاستووا فيه كالتأمين، ودليل هذه المسألة حديث حذيفة .... ثم ذكر حديث الباب، وعن عوف بن مالك ﵁ قال: قمت مع رسول الله ﷺ ليلة، فقام، فقرأ سورة البقرة، ولا يمر بآية رحمة إلا وقف وسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف وتعوَّذ، ثم ركع ... ، الحديث رواه أبو داود، والنسائي (٢)، ثم نقل النووي عن الحنفية كراهة ذلك، وردَّ عليهم بمخالفتهم للأدلة، ولجمهور العلماء. انتهى.
قلتُ: ومذهب الحنابلة استحباب ذلك في النافلة دون الفريضة؛ لأنَّ الأدلة
стр. 1008
جاءت في النافلة، وهذا اختيار الصنعاني، وهو الصواب. (١)
٢٨٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَلَا وَإِنِّي نُهِيت أَنْ أَقْرَأَ القُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا، فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (٢)
٢٨٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: «سُبْحَانَك اللهُمَّ [رَبَّنَا] (٣) وَبِحَمْدِك، اللهُمَّ اغْفِرْ لِي». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٤)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم أذكار الركوع، والسجود .
• في هذه المسألة ثلاثة أقوال:
الأول: الاستحباب، وهو قول جمهور العلماء، ومنهم: الشافعي، ومالك، والثوري، وغيرهم، واستدل هؤلاء بحديث المسيء في صلاته؛ فإنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يُعَلِّمْهُ ذلك.
الثاني: الوجوب، وهو قول أحمد، وإسحاق، قالوا: فإنْ تركه عمدًا بطلت صلاته، وإن تركه سهوًا وجب عليه أنْ يجبره بسجود السهو.
الثالث: ركنٌ لا يسقط في عمدٍ، ولا سهوٍ، حُكي رواية عن أحمد، وهو قول
стр. 1009
داود، ورجَّحه الخطابي، وهو قول يحيى بن يحيى، وعلي بن دينار، من أئمة المالكية، ويُستدل لهم بقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الصلاة: «إنما هي التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن»، وكذلك سمَّى الله الصلاة تسبيحًا كما سماها قرآنًا، فدلَّ على أنَّ الصلاة لا تخلوا عن القرآن، والتسبيح.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الأقرب إلى الصواب هو القول الثاني؛ لحديث ابن عباس الذي في الباب، ولحديث: «صلُّوا كما رأيتموني أُصلي»، ولم نَقُلْ بالقول الثالث؛ لأنه قد وردَ في «الصحيحين» (١): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نسي التشهد الأول، وتكبيرة الانتقال، وجبر ذلك بسجدتي السهو، والتكبير والتسبيح جنسهم واحد، والله أعلم. (٢)
مسألة [٢]: ما هو الذي يجزئ عن الوجوب ؟
• قال ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٥/ ٦٥): وعلى القول بالوجوب، فقال أصحابنا: الواجب في الركوع: سبحان ربي العظيم، وفي السجود: سبحان ربي الأعلى، لا يجزئ غير ذلك. وقال إسحاق: يجزئ كل ما رُوي عن النبي ﷺ من تسبيح، وذكر، ودعاء، وثناء.
قال ابن رجب ﵀: وهو قياس مذهبنا في جواز جميع أنواع الاستفتاحات، والتشهدات الواردة في الصلاة. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: قول إسحاق هو الصواب، والله أعلم.
стр. 1010
مسألة [٣]: الدعاء في الركوع .
دلَّ حديث عائشة الذي في الباب على استحبابه، وبوب عليه البخاري في «صحيحه»: [باب الدعاء في الركوع]، وهو قول أكثر العلماء، وقال مالك: يُكره الدعاء في الركوع دون السجود؛ لحديث ابن عباس الذي في الباب.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الأصل في الركوع هو الثناء، والتعظيم، ولا بأس بالدعاء بما ورد في حديث عائشة ﵂، بل يُستحبُّ كما قال الجمهور. (١)
مسألة [٤]: قراءة القرآن في الركوع، والسجود .
دلَّ الحديث الذي في الباب -أعني حديث ابن عباس ﵄ - على النهي عن ذلك، ومثله حديث علي ﵁ في «صحيح مسلم» (٤٨٠)، قال: نهاني رسول الله ﷺ أنْ أقرأ القرآن راكعًا، أو ساجدًا.
وذهب أكثر العلماء إلى كراهية القراءة في الركوع، والسجود، ومنهم من حكاه إجماعًا.
وهل الكراهة للتحريم، أو للتنزيه؟
• فيه خلاف، وحكى ابن عبد البر الإجماع على أنه لا يجوز.
• ومذهب الشافعي، وأكثر الحنابلة أنه مكروه.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب هو التحريم؛ لأنه هو الأصل في النهي.
стр. 1011
قال ابن رجب ﵀: وهل تبطل به الصلاة، أو لا؟ فيه وجهان لأصحابنا، والأكثرون على أنها لا تبطل بذلك، وللشافعية وجهٌ: إنْ قرأ بالفاتحة خاصَّة بطلت صلاته؛ لأنه نقل ركنًا إلى غير موضعه. اهـ. (١)
стр. 1012
٢٨٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ ثُمَّ يَقُولُ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ: «رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ» ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ، ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا، وَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ اثْنَتَيْنِ (١) بَعْدَ الجُلُوسِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم تكبيرات الانتقال .
• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ تكبيرات الانتقال سُنَّةٌ لا تبطل الصلاة بتركها عمدًا، ولا سهوًا، وحجتهم في ذلك أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يأمر المسيء في صلاته بها.
• وذهب الإمام أحمد، وإسحاق، إلى أنَّ هذه التكبيرات واجبة، من تركها عمدًا بطلت صلاته، ومن تركها سهوًا؛ فلا شيء عليه، ويسجد للسهو، واستدلوا على الوجوب بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «صلُّوا كما رأيتموني أُصلي»، وبأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمرَ بها المسيء في صلاته كما في «سنن أبي داود» (٨٥٧)، والنسائي (٢/ ٢٢٥)، وغيرهما من حديث رفاعة بن رافع، وإسناده صحيح، واستدل الإمام أحمد لسقوطه بالسهو بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نسي التشهد الأول؛ فأتم صلاته، وسجد للسهو، وقد ترك بتركه التشهد التكبيرة للجلوس له؛ فدل على أنها تسقط بالسهو، ويُجبرُ بالسجود له.
стр. 1013
وقد حُكي عن أحمد رواية أنَّ هذه التكبيرات من فروض الصلاة لا تسقط الصلاة بتركها عمدًا، ولا سهوًا، وحُكي عنه رواية أخرى أنها فرضٌ في حقِّ غير المأموم، وأما المأموم فتسقط عنه بالسهو.
قال أبو عبدالله غفرالله له: الصواب ما ذهب إليه أحمد وإسحاق والله أعلم. (١)
تنبيه: الحُكْمُ السَّابق يشمل الإمام، والمأموم، والمنفرد، ويشمل قول: «سمع الله لمن حمده» بدل التكبير.
مسألة [٢]: جمع الإمام بين التسميع والتحميد .
• دلَّ حديث الباب على أنَّ الإمام يجمع بين التسميع، والتحميد، وهو قول الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وأبي يوسف، ومحمد.
• وذهب مالك، وأبو حنيفة، إلى أنَّ الإمام يقتصر على التسميع، والمأموم على التحميد؛ لحديث أبي هريرة ﵁ في «الصحيحين» (٢) مرفوعًا: «إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم، ربنا ولك الحمد؛ فإنه من وافق قوله قول الملائكة غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه».
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب، والله أعلم. (٣)
تنبيه: حكم المنفرد في هذه المسألة المذكورة كحكم الإمام.
стр. 1014
مسألة [٣]: هل يقول المأموم: سمع الله لمن حمده، أم يقتصر على التحميد ؟
• ذهب مالك، والثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة، وأحمد، إلى أنَّ المأموم لا يقول: سمع الله لمن حمده. بل يقتصر على قوله: ربنا ولك الحمد؛ لحديث أبي هريرة ﵁ في «الصحيحين» (١): «وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا، ولك الحمد»، ومثله حديث أبي موسى ﵁ في «صحيح مسلم» (٤٠٤)، وجاء عن غيرهما.
• وذهب عطاء، وأبو بردة، وابن سيرين، والشافعي، وإسحاق، إلى أنَّ المأموم يجمع بين التسميع، والتحميد؛ لعموم قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «صلُّوا كما رأيتموني أُصلي».
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في مقام التعليم، لم يأمرهم إلا أن يقولوا: «ربنا لك الحمد»، ولم يأمرهم بأكثر من ذلك. (٢)
مسألة [٤]: كيفية التحميد .
له أربع كيفيات، كلها في «الصحيحين»، أو أحدهما، وهي: «ربنا لك الحمد»، «ربنا، ولك الحمد»، وبزيادة: «اللهم» في الصِّيغتين، وكله جائزٌ، وأفضله عند مالك، وأحمد بزيادة الواو، وذهب الثوري، والكوفيون إلى أنَّ الأفضل بدون الواو.
والراجح القول الأول؛ لأنَّ زيادة الواو تتضمن معطوفًا محذوفًا، تقديره:
стр. 1015
(ربنا حمدناك، ولك الحمد)، أو نحو ذلك. (١)
مسألة [٥]: موضع قول: ربنا ولك الحمد، وقول: سمع الله لمن حمده .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ١٨٩): وَمَوْضِعُ قَوْلِ: «رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ» فِي حَقِّ الْإِمَامِ وَالْمنْفَرِدِ بَعْدَ الِاعْتِدَالِ مِنْ الرُّكُوعِ؛ لِأَنَّهُ فِي حَالِ رَفْعِهِ يُشْرَعُ فِي حَقِّهِ قَوْلُ: «سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ»، فَأَمَّا الْمأْمُومُ فَفِي حَالِ رَفْعِهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ : «إذَا قَالَ الْإِمَامُ: سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ» يَقْتَضِي تَعْقِيبَ قَوْلِ الْإِمَامِ قَوْلَ الْمَأْمُومِ، وَالْمَأْمُومُ يَأْخُذُ فِي الرَّفْعِ عَقِيبَ قَوْلِ الْإِمَامِ: سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ؛ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ حِينَئِذٍ، وَاَلله أَعْلَمُ. اهـ
مسألة [٦]: محل تكبيرات الانتقال .
• ظاهر حديث أبي هريرة يدلُّ على أنَّ تكبيرات الانتقال تُقال عند الانتقال من الرُّكن السَّابق، وقبل الدخول في الرُّكن الذي بعده، وهذا مذهب الحنابلة، والشافعية، وغيرهم.
وفي «مصنف ابن أبي شيبة» (١/ ٢٥٥): حدثنا ابن إدريس، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، قال: كان عبد الله بن يزيد الخطمي إذا رفع رأسه من الركعة هوى بالتكبيرة، فكأنه في أرجوحة حتى يسجد.
حدثنا يعلى، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، قال: كان عمر إذا رفع رأسه من الركوع، قال: سمع الله لمن حمده، قبل أن يقيم ظهره، وإذا كبر
стр. 1016
كبر وهو منحط.
حدثنا وكيع، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: كبر وأنت تهوي، وأنت تركع. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: هذا إسانيد صحيحة، رجالها ثقات.
стр. 1017
٢٨٧ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: «اللهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَمِلْءَ الأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ العَبْدُ، وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ، اللهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١)
الحكم المستفاد من الحديث
هذه الزيادة في هذا الحديث على قوله: «ربنا لك الحمد» مستحبة، وهو مذهب الشافعي، ورواية عن أحمد.
وقد ذهب أكثر الحنابلة إلى أنَّ المأموم لا يزيد على قوله: «ربنا ولك الحمد»؛ لأنه مأمورٌ بها في قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وإذا قال سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد»؛ فدلَّ على أنه لا يُشرع في حقِّهم سواه.
والصواب القول الأول، وهو الاستحباب في حقِّ الإمام، والمأموم، والمنفرد؛ لأنَّه ذِكْرٌ مشروع في الصلاة أشبه سائر الأذكار، وهو مذهب إسحاق أيضًا. (٢)
تنبيه: للركوع، والسجود، والاعتدال من الركوع أذكار متعددة وردت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- راجعها في «صفة الصلاة» للعلامة محمد ناصر الدين الألباني -رحمه الله تعالى-.
стр. 1018
٢٨٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أُمِرْت أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: عَلَى الجَبْهَةِ -وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى أَنْفِهِ- وَاليَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ وَأَطْرَافِ القَدَمَيْنِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم السجود على الأعضاء السبعة .
لا خلاف في أنَّ السجود على هذه الأعضاء هو السجود الكامل.
• واختلفوا في الواجب من ذلك على قولين:
الأول: يجب السجود على جميعها، وهو أحد القولين للشافعي، ورجَّحه كثير من أصحابه، والصحيح المشهور عن أحمد، وعليه أصحابه وأكثرهم لم يَحْكِ عنه خلافًا، وهو قول مالك، وإسحاق، وزُفَر، وحُكِي عن طاوس، واستدلوا بحديث ابن عباس ﵄، الذي في الباب، والأمر للوجوب.
الثاني: إنما يجب بالجبهة فقط، ولا يجب بغيرها، وهو القول الثاني للشافعي، وحُكي رواية عن أحمد، وهو قول أبي حنيفة، وصاحبيه، واحتجوا بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «سجد وجهي ... ».
وهذا يدل على أنَّ السجود على الوجه، ولأنَّ الساجد على الوجه يُسمى ساجدًا، وإذا وضع غير الوجه على الأرض لا يُسمى بذلك ساجدًا.
стр. 1019
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب؛ لدلالة الحديث عليه، وأما حديث: «سجد وجهي ... ».
فسجود الوجه لا ينافي سجود ما عداه، وإنما أضاف السجود إليه؛ لأنَّه أشرف الأعضاء السبعة، والله أعلم. (١)
مسألة [٢]: حكم السجود على الأنف .
• في حديث الباب: «أُمرت أن أسجد على سبعة أعظم: الجبهة»، وأشار بيده إلى أنفه، ولمسلم في رواية: «الجبهة والأنف»، فاستدل بهذا وذاك من يقول: يجب السجود على الأنف مع الجبهة.
وهو قول مالك، وأحمد في رواية عنهما، وإسحاق، وأبي خيثمة، وأبي بكر بن أبي شيبة، وحُكي قولًا للشافعي.
وجاء في المسألة حديث صريح عن ابن عباس ﵄ عند الدارقطني (١/ ٣٤٨)، والحاكم (١/ ٢٧٠)، مرفوعًا: «لا تُقبل صلاة لا يمس فيها الأنف ما يمس الجبين».
ولكن الصواب في هذا الحديث أنه من مراسيل عكرمة، صوَّبَ ذلك أبوداود، والترمذي، والدارقطني، وغيرهم.
قال ابن رجب: ورُوي معناه عن طاوس، والنخعي، وسعيد بن جبير.
стр. 1020
وقد جاء عن ابن عباس ﵄، كما في «سنن البيهقي» (٢/ ١٠٤)، أنه قال: «إذا سجد أحدكم؛ فليضع أنفه على الأرض؛ فإنكم قد أُمرتم بذلك».اهـ
وهو من طريق سماك عن عكرمة، وقد أعله الترمذي بالإرسال.
• وذهب كثير من العلماء إلى أنَّ السجود على الأنف مستحبٌّ غير واجب، ورُوي عن الحسن، والشعبي، والقاسم، وسالم، وهو قول الشافعي، وسفيان،، ومالك، وأحمد في الرواية الثانية عنهما.
وحَمَلَ من قال بذلك حديث ابن عباس ﵄ على الاستحباب دون الوجوب، وقالوا: لأنه عدَّ الأعضاء المأمور بالسجود عليها سبعًا، ولو كان الأنف معها؛ لكانت ثمانيًا.
واستدلوا بحديث جابر ﵁ كما في «فوائد تمَّام» (٣٤٠)، قال: رأيت النبي ﷺ سجد بأعلى جبهته على قصاص الشعر.
وهو حديث ضعيفٌ؛ في إسناده: أبو بكر بن أبي مريم، وهو شديد الضعف.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب في المسألة هو القول الأول، وجعلها سبعة أعضاء باعتبار أنَّ الأنف، والجبهة كالعضو الواحد؛ لاتصاله به، وعدم وجود الفاصل بينهما، والله أعلم.
وقد رجَّح هذا القول الإمام الشوكاني ﵀، فقال: وبهذا البيان يتضح لك أنَّ رواية ذكر الجبهة مع الإشارة إلى الأنف لبيان أنَّ السجود على الجبهة لا يكون