المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مسألة [١]: حكم الأذكار عقب الصلاة .
• قال الحافظ ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٨٤٤): وجمهور أهل العلم على استحبابه، وقد رُويَ عن علي، وابن عباس، وابن الزبير، وغيرهم، وهو قول عطاء، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم، وخالف فيه طائفة قليلة من الكوفيين. انتهى المراد.
والصواب قول الجمهور، ويكون الذكر بما ثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
مسألة [٢]: الدعاء عَقِبَ الصلوات .
روى الترمذي (٣٤٩٩) عن أبي أمامة ﵁، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، سُئل: أيُّ الدعاء أسمع؟ فقال: جَوفُ الليل الآخر، ودُبُرَ الصلوات المكتوبات.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «نتائج الأفكار» (٢/ ٢٣٢): له علل: إحداها: الانقطاع، قال عباس الدُّوري في «تاريخه» عن يحيى بن معين: لم يسمع عبدالرحمن بن سابط من أبي أمامة. ثانيتها: عنعنة ابن جريج. ثالثتها: الشذوذ؛ فإنه جاء عن خمسة من أصحاب أبي أمامة أصل هذا الحديث من رواية أبي أمامة عن عمرو بن عبسة، واقتصروا كلهم على الشق الأول من الحديث. اهـ
وقد استدل بعض أهل العلم بهذا الحديث على استحباب الدعاء عَقِبَ الصلوات المكتوبات.
بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ
مسألة [١]: رفع الصوت بالذكر .
• ذهب بعض أهل العلم إلى رفع الصوت بالذكر عَقِبَ الصلاة، واستدلوا بحديث ابن عباس ﵄، في «الصحيحين» (١)، قال: إنَّ رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
وفي رواية: كنتُ أعرف انقضاء صلاة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالتكبير. واستدلوا بحديث المغيرة بن شعبة الذي في الباب، وبنحوه عن ابن الزبير في «مسلم» (٥٩٤)، وبحديث ثوبان الذي في الباب، وهذا قول بعض أهل الظاهر.
• وذهب جمهور العلماء إلى أن الأفضل الإسرار بالذكر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ [الأعراف:٢٠٥]، وقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف:٥٥]، وقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لمن جهر بالذكر من أصحابه: «إنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا».
وقال ابن خزيمة ﵀: باب رفع الصوت بالتكبير والذكر.
ثم ذكر الحديث السابق.
وقال أبو عوانة ﵀: باب ذكر الأخبار التي تبين قول النبي ﷺ عقب تسليمه
стр. 1092
من التشهد، وإعلامه من يخفى عليه فراغه من الصلاة بالتكبير.
ثم ذكر حديث ابن عباس المتقدم.
وقال ابن الأثير ﵀ في «جامع الأصول»: الجهر بالذكر بعد الصلاة.
وقال أبو داود ﵀: باب التكبير بعد الصلاة.
وقال النسائي ﵀: التكبير بعد تسليم الإمام.
وقال البخاري ﵀: باب الذكر بعد الصلاة.
وقال ابن دقيق العيد ﵀ في «الإحكام» (١/ ٣٢٠): فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْجَهْرِ بِالذِّكْرِ عَقِيبَ الصَّلَاةِ، وَالتَّكْبِيرُ بِخُصُوصِهِ مِنْ جُمْلَةِ الذِّكْرِ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: فِيهِ الْإِبَانَةُ عَنْ صِحَّةِ فِعْلِ مَنْ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْ الْأُمَرَاءِ، يُكَبِّرُ بَعْدَ صَلَاتِهِ، وَيُكَبِّرُ مَنْ خَلْفَهُ. قَالَ غَيْرُهُ: وَلَمْ أَجِدْ مِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ قَالَ هَذَا إلَّا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ التَّكْبِيرَ فِي الْعَسَاكِرِ وَالْبُعُوثِ إثْرَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَالْعِشَاءِ تَكْبِيرًا عَالِيًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. وَهُوَ قَدِيمٌ مِنْ شَأْنِ النَّاسِ، وَعَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ مُحْدَثٌ.
قال ابن رجب ﵀: وذَكَرَ-يعني: أبا يعلى- عن أحمد نصوصًا تدل على أنه كان يجهر ببعض الذكر، ويُسرُّ الدعاء، وهذا هو الأظهر. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: هذا القول أقرب الأقوال؛ فيجهر ببعض الأذكار، وهي الأذكار التي ثبت أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- جهر بها، وما عدا ذلك فيُسر به؛ بقاءً على الأصل في الأذكار، وهو الإسرار، كقول الجمهور، والله أعلم. (١)
стр. 1093
٣١٧ - وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي». رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (١)
الأحكام المستفادة من الحديث
تقدَّمتْ مباحث الحديث ضمن المسائل المتقدمة.
ويُستفاد من هذا الحديث أيضًا أنَّ جميع ما تقدم من المسائل تشمل الرجال، والنساء؛ لعموم هذا الحديث.
وقد استثنى بعض أهل العلم بعض المسائل، فقالوا: لا تفعلها المرأة، وهي: رفع اليدين حذو المنكبين، والتورك، والمجافاة في السجود، خشية أن تنكشف العورة.
والصواب أنها تعمل هذه السنن؛ لأنَّ انكشاف العورة أمرٌ مظنونٌ، فلا تترك السنن من أجله، والله أعلم.
стр. 1094
٣١٨ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁، قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : «صَلِّ قَائِمًا؛ فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا؛ فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (١)
٣١٩ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ لِمَرِيضٍ صَلَّى عَلَى وِسَادَةٍ، فَرَمَى بِهَا وَقَالَ: «صَلِّ عَلَى الأَرْضِ إنِ اسْتَطَعْت، وَإِلَّا فَأَوْمِ إيمَاءً، وَاجْعَلْ سُجُودَك أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِك» (٢) رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ، وَلَكِنْ صَحَّحَ أَبُو حَاتِمٍ وَقْفَهُ. (٣)
سيأتي الكلام على هذين الحديثين في آخر صلاة المسافر والمريض، إن شاء الله تعالى.
تم باب صفة الصلاة بحمد الله
стр. 1095
بَابُ سُجُودِ السَّهْوِ وَغَيْرِهِ
مسألة [١]: حكم سجود السهو .
• ذهب جمهور العلماء إلى وجوبه، منهم: أحمد، ومالك، والثوري، وإسحاق، وأبو حنيفة، وغيرهم، وخصَّه مالك، وأبو ثور بما قبل السَّلام.
واستدلوا بحديث ابن مسعود ﵁، عند مسلم (٥٧٢)(٩٦): «وإذا زاد الرجل، أو نقص؛ فليسجد سجدتين قبل أن يسلِّم»، وبحديث ابن مسعود ﵁، في «الصحيحين» (١): «فليتحر الصواب؛ فليتم عليه، ثم ليسجد سجدتين».
• وخالف الشافعي وأصحابه، وأصحاب الرأي، فقالوا: هو سُنَّةٌ. قال شيخ الإسلام: وليس مع من لم يوجبها حجَّة تقارب ذلك. يعني أدلة الجمهور. (٢)
مسألة [٢]: من ترك سجود السهو نسيانًا .
• إنْ تركه نسيانًا، ثم ذكره قبل طول الفصل؛ سجد للسهو متى ذكره عند جمهور العلماء.
• خلافًا للحسن، وابن سيرين حيث قالا: إذا صرف وجهه عن القبلة لم يسجد.
• ولأبي حنيفة، حيث قال: إنْ تكلم سقط عنه سجود السهو.
стр. 1096
وقول الجمهور هو الصواب.
وأما قول الحسن، وابن سيرين؛ فيرده حديث ذي اليدين وسيأتي وأما قول أبي حنيفة؛ فيرده حديث ذي اليدين، وحديث ابن مسعود، وسيأتي أيضًا في الباب.
• وأما إنْ نسي السجود، وذكر بعد طول الفصل؛ ففيه قولان:
الأول: أنه لا يسجد للسهو، وهو قول أحمد في رواية، والشافعي في رواية، وهو قول مالك إذا كان السجود قبل السلام، وكثير من أصحاب الشافعي، وأحمد.
الثاني: أنه يسجد للسهو، وإن طال الفصل، وهو قول مالك فيما إذا كان السجود بعد السلام، وأحمد، والشافعي في رواية عنهما، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول أقرب -والله أعلم-؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر بالسجدتين قبل السلام، أو بعده.
وجاء عنه أنه سجد مع قرب الفصل ولم يأت عنه حديث في أنه سجد للسهو بعد طول الفصل.
وكما أنه لا يبني إذا نسي ركعةً، وذكرها بعد طول الفصل، فكذلك السجدتان للسهو، هذا والقول الثاني فيه قوة أيضًا.
واختلف القائلون بعدم السجود: هل تبطل الصلاة، أم لا؟
• فذهب الأكثر منهم إلى عدم البطلان.
стр. 1097
• وذهب أحمد في رواية إلى البطلان، وهو قول الحكم، وابن شبرمة، ومالك، فيما إذا كان السجود قبل السلام.
والصواب هو عدم البطلان، والله أعلم.
واختلف القائلون بعدم السجود أيضًا في تحديد طول الفصل:
• فذهب أحمد في رواية اختارها الخِرَقِي إلى أنَّ طولَ الفصل حدُّه إذا خرج من المسجد.
• وذهب الشافعي، وجماعة من الحنابلة إلى أنه يرجع في طول الفصل، وقصره إلى العرف، وهذا القول أقرب.
ويُستفاد أيضًا بقرب الفصل من صنيع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فكلما كان قريبًا من صنيعه سجد فيه للسهو، وسيأتي حديث ذي اليدين إن شاء الله. (١)
مسألة [٣]: هل تبطل الصلاة بترك سجود السهو عمدًا ؟
• إن كان السجود قبل السلام؛ فذهب جماعة من أهل العلم إلى بطلان الصلاة، وهو قول مالك، وأبي ثور، والثوري، وأحمد في رواية؛ وذلك لأنه واجبٌ في الصلاة؛ فهو من واجبات الصلاة.
• وعن أحمد رواية أنها لا تبطل، وهو قول الشافعي، وأبي حنيفة؛ لأنهما لا يريان وجوب السجود للسهو.
стр. 1098
والصواب هو القول بالبطلان، والله أعلم. (١)
• وأما إن كان السجود بعد السلام؛ فجمهور العلماء على أنَّ صلاته لا تبطل؛ لأنه واجبٌ خارجٌ عن الصلاة، فأشبه وجوب الجماعة، والأذان، والإقامة، والسترة؛ فإنَّ هذه الأمور لا تبطل الصلاة بتركها عمدًا.
• وذهب أحمد في رواية إلى البطلان، ومال إليها شيخ الإسلام ﵀؛ لأنه تعمد ترك واجب يجبر النقص الحاصل في الصلاة بسبب السهو؛ فهو في حكم من ترك واجبًا من واجبات الصلاة عمدًا، وتعمده ترك الواجبات يدل على تعظيم شعائر الله، وعلى مشاقته لأوامر الله، والنبي ﷺ يقول: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»، وهذا القول أقرب، والله أعلم. (٢)
стр. 1099
٣٢٠ - عَنْ عَبْدِاللهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ، فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، وَلَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى إذَا قَضَى الصَّلَاةَ، وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ، كَبَّرَ وَهُوَ جَالِسٌ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، قَبْل أَنْ يُسَلِّمَ، ثُمَّ سَلَّمَ. أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ، وَهَذَا اللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. (١)
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: يُكَبِّرُ فِي كُلِّ سَجْدَةٍ وَهُوَ جَالِسٌ وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ مَكَانَ مَا نَسِيَ مِنَ الجُلُوسِ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم من نسي التشهد الأول من الفريضة .
قال ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٦/ ٤٤١): وقد أجمع العلماء على أنَّ من ترك التشهد الأول من الصلاة الرباعية، أو المغرب، وقام إلى الثالثة سهوًا؛ فإنَّ صلاته صحيحة، ويسجد للسهو، وقد رُوي عن خَلْقٍ من الصحابة بأنهم فعلوه. اهـ
مسألة [٢]: إنْ نسي التشهد من صلاة التطوع، فقام إلى ثالثة ؟
• قال الحافظ ابن رجب ﵀: فإن كانت صلاته نافلة، وكان نوى ركعتين، ثم قام إلى ثالثة نهارًا؛ فهو مخير: إن شاء أتمها أربعًا، وهو أفضل؛ لأنَّ صلاة أربع بالنهار لا كراهة فيها، وبذلك يصون عمله عن الإلغاء، فكان أولى، وإن شاء رجع، وتشهد، وسجد للسهو، هذا قول أصحابنا، وجمهور العلماء. ومن الشافعية من
стр. 1100
قال: الأفضل أن يرجع؛ لئلا يزيد على ركعتين، ورُوي عن مالك: الأفضل الرجوع مالم يركع في الثالثة. وعنه: مالم يرفع رأسه من ركوعها، ثم يكون المُضي أفضل. ومتى أتمها أربعًا؛ فعند أصحابنا: إن كان قد تشهد عقب الركعتين؛ لم يسجد، وإلَّا سجد، وحُكي عن مالك، والأوزاعي، والشافعي: يسجد؛ لتأخيره السلام عن هذا التشهد. اهـ
وقال الماوردي ﵀ في كتاب «الحاوي» (٢/ ٢١٨): لا خلاف بين العلماء أنه يجوز أن يتمها أربعًا ويجوز أن يرجع إلى الثانية ويجوز أن يكمل الثالثة ويسلم. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: الوجه الثالث فيه نظر، ولا إجماع فيه؛ فإنه لا يجوز التنفل بوتر في النهار، والمختار أنه يتمها، ولا يلزمه سجود السهو، أو يرجع ويسجد للسهو، وهذا اختيار بعض الحنابلة.
قال الحافظ ابن رجب ﵀: وإن كان ذلك في صلاة الليل؛ فإنه يرجع، ولا يتمها أربعًا، ويسجد للسهو، نصَّ عليه أحمد؛ فإنْ أتمها أربعًا، ففي بطلان صلاته وجهان بناء على الوجهين في صحة تطوعه بالليل أربعًا. وحُكي عن مالك، والشافعي أنَّ الأفضل أن يمضي فيها. وقال الأوزاعي، ومالك في رواية: إنْ كان قد ركع في الثالثة؛ لم يرجع، وإلَّا رجع .... انتهى.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب أنه يمضي، ولا سجود عليه، وإذا رجع سجد للسهو، والله أعلم. (١)
من جميع طرقه على أنَّ من سلم من نقصِ ركعةٍ فأَزْيَد، من صلاته، ناسيًا، ثم ذكر قريبًا، أنه يبني على ما مضى من صلاته، ولا يلزمه إعادتها، وهو قول جمهور أهل العلم. انتهى. يعني: ويسجد للسهو.
قال: واختلفوا: هل يُشترط للبناء على ما مضى من الصلاة أن يذكر مع قرب الفصل، أم لا يُشترط ذلك؟ بل يبنى، ولو ذكر بعد طول الفصل على قولين: أحدهما: لا يبني إلا مع قُرب الفصل؛ فإنْ طال الفصل بطلت الصلاة، واستأنفها، وهذا قول أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وأبي خيثمة، وسليمان بن داود الهاشمي. الثاني: يبني ولو طال الفصل، وهو قول مكحول، والأوزاعي، ويحيى الأنصاري، والحسن بن حي، ونُقل عن أحمد ما يدل عليه، وقال الليث: يبني ما لم ينتقض وضوؤه. انتهى المراد.
قال أبو عبد الله غفر الله له: البناء بعد الخروج من الصلاة على خلاف الأصل؛ لأنَّ الأصل هو الإتيان بركعات الصلاة متوالية، فإذا جاء دليل بالخروج عن هذا الأصل اقتصرنا على ما جاء، ولم نتجاوزه، وإذا نظرنا في حديث ذي اليدين الذي في الباب، والذي أخرجه مسلم (٥٧٤) عن عمران بن حصين، وجدنا أنَّ الفصل لم يَطُلْ؛ ولذلك فالقول الأول هو الصواب، والله أعلم.
مسألة [٢]: إذا خرج المصلي من صلاته ناسيًا، فتكلم، فهل يبني، أم يعيد ؟
• ذهب النخعي، والثوري، وأصحاب الرأي إلى أنه إذا تكلم أعاد الصلاة، وقالوا: حديث ذي اليدين منسوخٌ.
стр. 1103
• وذهب الشافعي، ومالك، وأحمد في رواية إلى أنه يُتم، وإنْ تكلم؛ لأنه ناسٍ، ويظن أنَّ صلاته قد تمَّتْ.
• وذهب أحمد، وإسحاق إلى أنَّ الإمام إنْ تكلم وهو يرى أنه قد أكمل صلاته، ثم علم أنه لم يكملها يُتمُّ صلاته، ومن تكلم خلف الإمام وهو يعلم أنَّ عليه بقية من صلاته؛ فعليه أن يستقبلها.
قال أبو عبد الله غفر الله له: إذا تكلم المصلي، سواء كان إمامًا، أو مأمومًا، أو منفردًا، وهو يظن أنَّ الصلاة قد تمت؛ فيبني على صلاته، ثم يسجد للسهو بعد التسليم كما صنع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولا يجوز للمأموم أن يخرج من صلاته إنْ علمَ أنَّ الصلاة لم تتم، بل ينبه الإمام بالتسبيح.
والقول الثاني، والثالث ليس بينهما تعارضٌ لمن تأمل، وهو الصواب، والله أعلم، ولا دليل على نسخ حديث ذي اليدين. (١)
مسألة [٣]: حكم التكبير لسجود السهو .
قال ابن رجب ﵀ (٦/ ٤٩٠): والعمل على هذا عند أهل العلم، أنه يكبر في كل سجدة تكبيرة للسجود، وتكبيرة للرفع منه، وبه قال عطاء، والشافعي، وأحمد، وغيرهم، ولا فرق في ذلك بين سجود السهو قبل السلام، وبعده، ومن الشافعية من قال في السجود بعد السلام: يُكبر تكبيرة الإحرام، ثم يسجد للسجود. اهـ
قلتُ: الصواب قول الجمهور أنه: لا يكبر تكبيرة إحرام، كما في حديث ذي اليدين، والله أعلم.
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: التشهد بعد سجدتي السهو .
أما إذا كان السجود قبل السلام، فقد قال ابن رجب ﵀: لا يتشهد فيه عند أحد من العلماء؛ إلا رواية عن مالك رواها عنه ابن وهب، ورُوي عن ابن مسعود من وجه فيه انقطاع، ومُختلف في لفظه، وفي رفعه ووقفه.
• وأما إذا كان بعد السلام، فقال بالتشهد جمعٌ من العلماء منهم: الثوري، والليث، وأبو حنيفة، والشافعي، وأصحاب الرأي، والحنابلة، واستدلوا بحديث عمران الذي في الباب.
• وذهب إلى عدم التشهد ابن سيرين، والحسن، وقتادة، وابن المنذر، والجوزجاني، وعلَّقه البخاري في «صحيحه» عن أنس بن مالك، وهو ظاهرُ اختيار البخاري، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ثم الإمام السعدي، والإمام الوادعي رحمة الله عليهما، وهو الصواب. (١)
مسألة [٢]: التسليم بعد سجدتي السهو .
أما إذا كان السجود قبل السلام؛ فإنه يعقبه السلام من الصلاة، فلا يحتاج إلى تسليم آخر، ولا خلاف في هذا.
وأما إذا كان السجود بعد السلام؛ فقد ثبت في حديث ابن مسعود ﵁، في «الصحيحين»، وحديث عمران بن حصين في «صحيح مسلم».
стр. 1106
وفي الباب أيضًا: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سلَّمَ بعد سجدتي السهو الَّلتين بعد التسليم، وبهذا قال جمهور العلماء، خلافًا لما رُوي عن الحسن، وعطاء: أنه لا تسليم منها. (١)
تنبيه: أخرج أبو داود (١٠١١)، والبيهقي في «الكبرى» (٢/ ٣٥٤)، من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، وهشام، ويحيى بن عتيق، وابن عون، عن محمد، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ في قصة ذي اليدين: أنه كبر وسجد. وقال هشام -يعني ابن حسان-: كبر ثم كبر، وسجد.
قال أبو داود: روى هذا الحديث أيضا حبيب بن الشهيد، وحميد، ويونس، وعاصم الأحول، عن محمد، عن أبي هريرة، لم يذكر أحد منهم ما ذكر حماد بن زيد، عن هشام، أنه كبر، ثم كبر وسجد، وروى حماد بن سلمة، وأبو بكر بن عياش، هذا الحديث عن هشام لم يذكرا عنه هذا الذي ذكره حماد بن زيد، أنه كبر، ثم كبر. اهـ
وقال البيهقي ﵀: تفرد به حماد بن زيد عن هشام وسائر الرواة عن ابن سيرين ثم سائر الرواة عن هشام بن حسان لم يحفظوا التكبيرة الأولى وحفظها حماد ابن زيد ﵀.اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: الأقرب أنه لم يحفظها، وإنما أخطأ بذكرها؛ حيث لم يذكرها سائر الرواة؛ فهي زيادة شاذة، كما إشار إلى ذلك أبو داود ﵀.
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مسألة [١]: كيف يصنع المصلي إذا شك في صلاته ؟
• في المسألة أقوال:
الأول: أنه يبني على اليقين مُطلقًا، سواءٌ كان إمامًا، أو منفردًا، وسواءٌ غَلَبَ على ظَنِّهِ أمرٌ، أم لم يغلب، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد في رواية، واختارها كثير من الحنابلة، واستدلوا بحديث أبي سعيد الخدري ﵁، الذي في الباب.
الثاني: إذا كان إمامًا؛ فيتحرى الصواب، ويبني عليه؛ لحديث ابن مسعود، وإنْ كان منفردًا بنى على اليقين؛ لحديث أبي سعيد الخدري، وهذا مذهب أحمد في رواية. قيل: إنه المشهور عن أحمد، واختارها الخِرَقِي، وبعض الحنابلة.
الثالث: إنْ لم يغلب على ظنه شيء بنى على اليقين، وإنْ تحرى وغلب على ظنه شيء بنى عليه، وفي الحالة الأولى يسجد قبل السلام، وفي الثانية يسجد بعد السلام، وهذا قول النخعي، والثوري، وأبي حنيفة وأصحابه، وأحمد في رواية، ورجَّح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، ثم الإمام ابن عثيمين ﵀. وثبت عن ابن مسعود أنه قال: إذا شك الرجل في صلاته فلم يدر: ثلاثًا صلَّى أم ثنتين فليبن على أوثق ذلك، ثم يسجد سجدتي السهو. أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٣٠٥)، ومن طريقه ابن المنذر (٣/ ٢٨١) بإسنادٍ صحيح.
قال أبو عبد الله غفر الله له: وهو الصواب في المسألة؛ لأنَّ فيه إعمالًا لجميع الأدلة، وأصحاب القول الأول أهملوا حديث ابن مسعود، وبعضهم تأوله على
стр. 1109
خلاف ظاهره، وأصحاب القول الثاني خصصوا حديث ابن مسعود بلا دليل، والله أعلم. (١)
فائدة: قال الحافظ ابن رجب ﵀ في «الفتح» (١٢٣١):وقد دلت هذه الأحاديث على أن من شك في عدد صلاته، فإنه ليس عليه إعادتها، ولا تبطل صلاته بمجرد شكه، بل يسجد سجدتي السهو بعد بنائه على يقينه أو تحريه، وهو قول جمهور العلماء.
وروي عن طائفة، أن من شك في صلاته فإنه يعيدها. رواه همام بن منبه وابن سيرين، عن ابن عمر (٢). وهو خلاف رواية ابنه سالم ومولاه نافع وعبد الله بن دينار ومحارب بن دثار وغيرهم، كلهم رووا، عن ابن عمر، أنه يسجد ولا يعيد (٣).
وقد سبق عن ابن عمر رواية أخرى، أنه لا يسجد.
وذكر عطاء، انه سمع ابن عباس يقول: إن نسيت الصلاة المكتوبة فعد لصلاتك. وأنه بلغه عن ابن عمر وابن عباس، أنه إذا شك أعاد مرة. اهـ
فائدة أخرى: قال ابن رجب ﵀ (٦/ ٥١٥): من وسوس في صلاته، ولم يشك في عدد صلاته؛ فلا يسجد عند جمهور العلماء، وحكاه بعضهم إجماعًا. اهـ
стр. 1110
مسألة [٢]: كيف يصنع من قام إلى خامسة في صلاته ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ٤٢٨ - ٤٢٩): فَإِنَّهُ مَتَى قَامَ إلَى الْخَامِسَةِ فِي الرُّبَاعِيَّةِ، أَوْ إلَى الرَّابِعَةِ فِي الْمَغْرِبِ، أَوْ إلَى الثَّالِثَةِ فِي الصُّبْحِ؛ لَزِمَهُ الرُّجُوعُ مَتَى مَا ذَكَرَ، فَيَجْلِسُ؛ فَإِنْ كَانَ قَدْ تَشَهَّدَ عَقِيبَ الرَّكْعَةِ الَّتِي تَمَّتْ بِهَا صَلَاتُهُ، سَجَدَ لِلسَّهْوِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ وَإِنْ كَانَ تَشَهَّدَ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ صَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ سَجَدَ لِلسَّهْوِ وَسَلَّمَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَشَهَّدَ، تَشَهَّدَ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ، ثُمَّ سَلَّمَ؛ فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ حَتَّى فَرَغَ مِنْ الصَّلَاةِ، سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، عَقِيبَ ذِكْرِهِ، وَتَشَهَّدَ وَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ، وَبِهَذَا قَالَ عَلْقَمَةُ، وَالْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ. اهـ
ثم ذكر عن أبي حنيفة قولًا ليس عليه دليل.
قلتُ: ما قاله ابن قدامة هو الصواب، وهو قول الجمهور، إلا أن سجود السهو يكون بعد التسليم، ولا يكون بعده تشهد على الصحيح من أقوال أهل العلم، وسيأتي الكلام على محل سجود السهو قريبًا إن شاء الله.
تنبيه: هذا الحكم يشمل ما إذا زاد ركنًا غير القيام، كالركوع، والسجود، والقعود.
مسألة [٣]: من شكَّ في صلاته، ثم زال شكه، وتيقن ؟
قال ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٦/ ٤٥٩): لو شك في شيء من صلاته، ثم
стр. 1111
زال شكه قبل السلام، وتبين أنه لم يزد في صلاته ولم ينقص، فهنا يُستحب السجود ولا يجب، نقله ابن منصور عن أحمد، وإسحاق. وقال أصحابنا: الصحيح من مذهبنا، ومذهب الشافعي أنه لا يسجد إلا أن يكون قد فعل قبل زوال شكه ما يجوز أن يكون زائدًا؛ فإنه يسجد. وفي المذهبين وجه آخر: لا يسجد بحال؛ لأنَّ السجود إنما يُشرع من زيادةٍ، أو نقصٍ، أو تجويزهما، ولم يوجد شيء من ذلك، وهذا قول سفيان الثوري. انتهى.
قال أبو عبد الله غفر الله له: وهذا المذهب الأخير هو الصواب، ويدل عليه آخر حديث أبي سعيد ﵁: «فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ ... » الحديث؛ فإنه يدل على بقاء الشك، ويُفهم منه أنه إذا زال الشك؛ فلا سجود، والله أعلم.
مسألة [٤]: محل سجود السهو .
قد تقدم الكلام على محل سجود السهو في مسألة الشك، والتحري.
• وقد اختلف أهل العلم في محل سجود السهو للزيادة، والنقص، وللشك على أقوال:
القول الأول: أنَّ جميع السجود بعد السلام، وهو مذهب الحسن، والنخعي، وابن أبي ليلى، والثوري، وأصحاب الرأي، واسْتُدِلَّ لهم بحديث ثوبان: «لكل سهو سجدتان بعد ما يسلم»، وهو حديث ضعيفٌ، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى، ويجزئ عندهم أن يسجدها قبل السلام.
стр. 1112
القول الثاني: أنَّ جميع سجود السهو قبل السلام، وهو قول مكحول، والزهري، وربيعة، والأوزاعي، والليث، والشافعي، واستدلوا بحديث ابن بُحينة، وأبي سعيد، وحملوا حديث ذي اليدين على أنه منسوخ.
القول الثالث: إنْ كان من نقصٍ؛ فالسجود قبل السلام، وإنْ كان من زيادة؛ فالسجود بعد السلام، وهو قول مالك، والشافعي في القديم، وأبي ثور، وأحمد في رواية، وإسحاق في رواية.
واستدل هؤلاء على النقص بحديث ابن بُحينة، وقاسوا عليه كل نقص في الصلاة من واجباتها، واستدلوا على الزيادة بحديث ذي اليدين، وبحديث ابن مسعود، وقاسوا عليه كل زيادة يبطل عمدها الصلاة.
القول الرابع: سجود السهو كله قبل السلام؛ إلا في موضعين: من سلَّمَ من نقص ركعةٍ تامة، أو أكثر؛ لحديث ذي اليدين، وإنْ شكَّ الإمام في عدد الركعات فتحرى؛ لحديث ابن مسعود، وهذا هو ظاهر مذهب أحمد، وعليه عامة أصحابه، وهو قول سليمان الهاشمي، وأبي خيثمة، وابن المنذر.
هذه الأقوال هي أشهر الأقوال في المسألة، وقد رجَّح القولَ الثالث شيخُ الإسلام ابن تيمية ﵀، ثم الإمام ابن عثيمين ﵀.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الحالات التي جاءت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يجب علينا أن نتابعه فيها، فإذا حصل السهو في غيرها فما ذكره أهل القول الثالث قريب.
стр. 1113
تنبيه: نقل ابن عبد البر، والماوردي عدم الخلاف في الإجزاء عند أهل العلم بين سجود السهو قبل السلام وبعده، وإنما الاختلاف عندهم في الأَوْلَى، والأفضل.
قال ابن رجب ﵀: وكذلك صرَّح بهذا طوائفُ من الحنفية، والمالكية، والشافعية، ومن أصحابنا كالقاضي أبي يعلى، وأبي الخطاب، وغيرهما.
قال: وأنكر ذلك طوائفُ من أصحابنا، والشافعية، وقالوا: إنما الاختلاف في محل سجود السهو في وجوبه عند من يراه واجبًا، وفي الاعتداد به، وحصول السنة عند من يراه سُنَّةً. وهذا ظاهر على قواعد أحمد، وأصحابه؛ لأنهم يفرقون في بطلان الصلاة بترك سجود السهو عمدًا، بين ما محله قبل السلام، وما محله بعد السلام؛ فيبطلون الصلاة بترك السجود الذي محله قبل السلام دون الذي محله بعده، ولو كان ذلك على الأولوية لم يكن له أثر في إبطال الصلاة. اهـ
ثم ذكر أنَّ هذا وجه عند الشافعية.
قلتُ: والصواب أنَّه قد وجد خلاف عند بعضهم في الإجزاء، لا في الأفضلية، وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أعني: أنه اختار عدم الإجزاء، ولكن قد وجد جماعة من الصحابة، سجدوا فيما حقه قبل السلام، سجدوه بعد السلام:
من ذلك ما أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٦) بإسنادٍ صحيح عن الضحاك بن قيس ﵁، أنه صلَّى بالناس الظهر، فلم يجلس في الركعتين الأوليين، فلما سلم
стр. 1114
سجد سجدتين، وهو جالس.
وأخرج ابن المنذر (٣/ ٣٠٩)، والطحاوي (١/ ٤٤١) بإسناد صحيح، عن سعد بن أبي وقاص ﵁، وفيه أنه ترك التشهد الأول، ثم سجد سجدتين، وهو جالس بعد ما سلم.
وأخرج الطحاوي (١/ ٤٤١) بإسناد صحيح عن ابن الزبير أنه قام في الركعتين الأوليين من الظهر، فسبحنا به، فقال: سبحان الله ولم يلتفت إليهم، فقضى ما عليه، ثم سجد سجدتين بعد ما سلم.
وأخرج ابن أبي شيبة (٢/ ٢٩) بإسناد صحيح عن أبي هريرة والسائب القاري أنهما كانا يقولان: السجدتان قبل الكلام وبعد التسليم.
قال أبو عبد الله غفر الله له: فالذي يظهر أن من صنع كما صنع هؤلاء الصحابة، فسجد فيما حقه قبل السلام بعد السلام، أو فيما حقه بعد السلام قبل السلام أنه يجزئه، والله أعلم. (١)
стр. 1115
٣٢٦ - وَعَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ، فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، فَاسْتَتَمَّ قَائِمًا، فَلْيَمْضِ، وَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَتِمَّ قَائِمًا فَلْيَجْلِسْ وَلَا سَهْوَ عَلَيْهِ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: من قام ولم يجلس للتشهد الأول، فله ثلاث حالات .
الحالة الأولى: أن يتذكر قبل أن يستتم قائمًا، فقال الجمهور: له أن يرجع. وقال أحمد: يجب أن يرجع. وقول أحمد هو الصواب؛ لأنَّ الجلوس واجبٌ، ولم يتلبس المصلي بركن آخر.
стр. 1116
الحالة الثانية: أن يتذكر بعد أن يستتم القيام، وقبل القراءة.
قال ابن رجب ﵀: فيه قولان: الأول: لا يجوز أن يجلس، وحُكي عن علقمة، والضحاك، وقتادة، وهو قول أبي حنيفة، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأحمد في رواية، وممن كان لا يجلس إذا استتم قائمًا: سعد بن أبي وقاص، وعقبة ابن عامر، وابن الزبير (١)، وغير واحد من الصحابة. الثاني: أن له أن يرجع ما لم يشرع في القراءة، وهو قول النخعي، وحماد، والثوري مع قوله بكراهة الرجوع ورُوي نحوه عن الأوزاعي أيضًا، وهو قول أحمد في المشهور عنه عند أكثر أصحابه، ووجهٌ لأصحابه، ووجهٌ لأصحاب الشافعي، واستدلوا بأن القراءة هي المقصود الأعظم من القيام من لم يأت به، فلم يأت بالمقصود من القيام، فكأنه لم يوجد القيام تامًّا، وفي هذا نظر. اهـ
قلتُ: القول الأول هو الصواب، وقد رجَّحه الإمام ابن عثيمين، ويدل عليه حديث ابن بُحينة الذي في أول الباب، وحديث عقبة بن عامر، أنه صلى بالناس، فقام ولم يجلس، فقال الناس: سبحان الله! فلم يجلس، ثم قال: هي السنة. أخرجه ابن حبان (١٩٤٠)، وإسناده صحيح، وهو في «الصحيح المسند»، وجاء عن معاوية (٢) أيضًا نحو ذلك، وكذلك عن المغيرة (٣) ﵃.
стр. 1117
الحالة الثالثة: أن يتذكر بعد قيامه، وشروعه في القراءة؛ فلا يجوز له الرجوع عند جمهور العلماء، وخالف الحسن، فقال: يرجع مالم يركع، والصحيح ما ذهب إليه الجمهور؛ للأدلة المتقدمة. (١)
مسألة [٢]: هل تفسد الصلاة إذا رجع ؟
قال ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٦/ ٤٤٤): وحكى ابن عبد البر عن جمهور القائلين بأنه لا يرجع إذا تمَّ قيامه، أنه إذا رجع لم تفسد صلاته؛ لأن الأصل ما فعله، وَتَرْكُ الرجوع له رخصة، وحكى عن بعض المتأخرين أنه تفسد صلاته، قال: وهو ضعيفٌ. كذا قال، ومذهب الشافعي أنه إنْ رجع عالمًا بالحال بطلت صلاته، والجمهور على كراهة الرجوع، وإنْ لم تفسد به الصلاة عند من يرى ذلك، وإنما حُكي الخلاف في كراهته عن أحمد. اهـ
الثَّانِيَةِ؛ فَإِنَّهُ يَعُودُ، وَإِلَّا فَلَا يَعُودُ؛ لِأَنَّ الرَّكْعَةَ الْأُولَى قَدْ صَحَّ فِعْلُهَا، وَمَا فَعَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ سَهْوًا لَا يُبْطِلُ الْأُولَى، كَمَا لَوْ ذَكَرَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ. وَقَدْ ذَكَرَ أَحْمَدُ هَذَا الْقَوْلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَقَرَّبَه ... .
• وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ تَرَكَ سَجْدَةً فَذَكَرَهَا قَبْلَ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنْ رُكُوعِ الثَّانِيَةِ سَجَدَهَا وَأَعْتَد بِالرَّكْعَةِ الأُولَى، وَإِنْ ذَكَرَ بَعْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنْ رُكُوعِ الثَّانِيَةِ أَلْغَى الْأُولَى.
• وَقَالَ الْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ: مَنْ نَسِيَ سَجْدَةً، ثُمَّ ذَكَرَهَا، سَجَدَهَا فِي الصَّلَاةِ مَتَى مَا ذَكَرَهَا. وهو قول أصحاب الرأي. انتهى كلام ابن قدامة ﵀ بتصرف.
قال أبو عبد الله غفر الله له: قول الشافعي هو الصواب؛ لعدم وجود دليل يفرِّق بين ما إذا شرع في القراءة، أو لم يشرع.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (٣/ ٥٠٧): وهذا القول هو الصحيح، وذلك لأن ما بعد الرُّكن المتروك يقع في غير محلِّه لاشتراط الترتيب، فكل رُكن وَقَعَ بعد الرُّكن المتروك؛ فإنه في غير محلِّه لاشتراط الترتيب بين الأركان، وإذا كان في غير محلِّه؛ فإنه لا يجوز الاستمرار فيه، بل يرجع إلى الرُّكن الذي تَرَكَه كما لو نسيَ أن يغسل وجهه في الوُضُوء، ثم لما شرع في مسح رأسه ذَكَرَ أنه لم يغسل الوجه، فيجب عليه أن يرجع ويغسل الوجه وما بعده؛ فإنْ وَصَلَ إلى محلِّه مِن الرَّكعة الثانية؛ فإنه لا يرجع؛ لأن رجوعه ليس له فائدة، لأنه إذا رَجَعَ فسيرجع إلى نفس المحل، وعلى هذا؛ فتكون الرَّكعة الثانية هي الأُولى،
стр. 1120
ويكون له ركعة مُلفَّقَة مِن الأُولى ومِن الثانية. اهـ
وهو ترجيح الإمام السعدي ﵀ كما في «المختارات الجلية» (ص ٤٨).
تنبيه: المأموم إذا نسي ركنًا؛ فلا يرجع له، سواءٌ ذكره قبل القراءة، أم بعدها، بل يتابع الإمام، ويلغي ركعته الأولى، ويجعل الثانية مقامها، ثم يقضيها بعد تسليم الإمام؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما جُعل الإمام ليؤتم به».
مسألة [٢]: إذا نسي ركنًا أثناء الصلاة، ثم ذكره بعد السلام ؟
• ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يعيد ركعة كاملة سواء كان السهو في آخر ركعة، أو كان قبل ذلك؛ بشرط ألا يطول الفصل. وهذا القول رواية عن أحمد، واختارها بعض الحنابلة.
• ومذهب الشافعي، وأحمد في رواية أنه يرجع إلى الموضع الذي نسيه فيبني عليه إذا ذكره قبل طول الفصل.
قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (٣/ ٥٠٨): لا يلزمه أن يأتي بركعة كاملة، وإنما يأتي بما تَرَكَ وبما بعده؛ لأن ما قبل المتروك وَقَعَ في محلِّه صحيحاً، فلا يُلزم الإِنسان مرَّة أخرى، أما ما بعد المتروك، فإنما قلنا بوجوب الإِتيان به من أجل الترتيب ... ، وهذا القول هو الصحيح. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: أما إن كان الركن المنسي في الركعة الأخيرة؛ فإنه يأتي به وبما بعده فحسب، ولا يلزمه ركعة كاملة، وأما إن كان في غير الركعة
стр. 1121
الأخيرة فالظاهر أنه يكون كترك ركعة كاملة؛ فيلزمه أن يزيد ركعة بعد السلام إذا لم يطل الفصل، ثم يسجد للسهو، وبالله التوفيق. (١)
مسألة [٣]: هل يسجد المصلي للسهو إذا نسي تكبيرة الانتقال ؟
• في المسألة قولان لأهل العلم:
القول الأول: أن عليه السجود، وهو قول عطاء، والشافعي، والحنفية. والحجة لهذا القول أن النبي ﷺ أمر بتكبيرات الانتقال كما في حديث المسيء في صلاته.
القول الثاني: لا يسجدون لها سجود السهو، وهو قول الحكم، وأبي ثور، وإسحاق، وكأن هؤلاء رأوا ذلك من السنن التي لا توجب سجود السهو.
قال أبو عبد الله غفر الله له: تقدم معنا في صفة الصلاة أن الراجح هو وجوب تكبيرات الانتقال؛ لأن النبي ﷺ أمر بها، وعلى هذا فمن نسيها؛ فعليه سجود السهو، والله أعلم. (٢)
مسألة [٤]: من قال موضع: سمع الله لمن حمده، الله أكبر، والعكس من ذلك ؟
• قال الإمام مالك ﵀: إن رجع واستدرك فلا سجود عليه، وإلا فيسجد للسهو.
стр. 1122
• وقال بعض أهل العلم: لا سجود عليه للسهو، وهو قول النخعي، والشعبي، والقاسم.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح أن عليه سجود السهو؛ فإن استدرك قبل أن يفارق المحل؛ فلا سجود عليه. (١)
لأنَّ الإمام قد تحلل من صلاته بالتسليم؛ فالمتابعة متعذرة لوجود الحائل، وهو السلام، ولو سلَّمَ المسبوق بطلت صلاته، وهذا هو ترجيح الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (٣/ ٥٢٦).
مسألة [٢]: هل على المأموم سجود سهو إذا سها في نفسه ؟
• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ المأموم لا سجود عليه في مثل هذه الحال؛ لحديث عمر الذي في الباب، ولقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما جُعِلَ الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه».
• وذهب مكحول، وحُكي عن ابن سيرين إلى أنه يسجد للسهو، وهو قول داود الظاهري، وابن حزم، ورجَّحه الصنعاني، واستدلوا بعموم الأدلة في سجود السهو، وهي تشمل الإمام، والمأموم، والمنفرد.
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب.
قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (٣/ ٥٢٤): وذلك لأن النبي ﷺ قال: «إنما جُعل الإِمام ليؤتمَّ به فلا تختلفوا عليه»؛ ولأن سجود السَّهو واجب، وليس برُكن، والواجب يسقط عن المأموم من أجل متابعة الإِمام، وذلك في عدَّة صُور: منها: لو قام الإِمامُ عن التشهُّدِ الأول ناسياً سَقَطَ عن المأموم. ومنها: لو دخل المأمومُ مع الإِمام في ثاني ركعة في رباعية سَقَطَ عن المأموم التشهُّد الأول؛ لأنَّ التشهُّد الأول يقع لهذا المأموم في الرَّكعة الثالثة للإِمام، ومعلوم أن الإِمام لا يجلس في الرَّكعة الثالثة؛ فيلزم المأموم أن يقوم معه، فيسقط عنه واجب
стр. 1125
من واجبات الصَّلاة، فإذا كان الواجب يسقط عن المأموم مِن أجل المتابعة، فسجود السَّهو واجب؛ فيسقط عن المأموم من أجل المتابعة، وبناءً على هذا التَّعليل: لا سجود على المأموم إذا لم يفته شيء من الصلاة؛ فإن فاته شيء مِن الصَّلاة، ولزمه الإِتمام بعد سلام إمامه؛ لزمه سجود السَّهو إنْ سها سهواً يوجب السُّجود؛ لأنه إذا سَجَدَ لم يحصُل منه مخالفة لإمامه. اهـ
وقال الإمام الألباني ﵀ في «الإرواء» (٢/ ١٣٢): نحن نعلم يقينًا أنَّ الصحابة الذين كانوا يقتدون به ﷺ كانوا يسهون وراءه سهوًا يوجب السجود عليهم لو كانوا منفردين، هذا أمر لا يمكن لأحد إنكاره، فإذا كان كذلك؛ فلم يُنقل أنَّ أحدًا منهم سجد بعد سلامه ﷺ ، ولو كان مشروعًا لفعلوه، ولو فعل لنقلوه، فإذا لم يُنقل؛ دلَّ على أنه لم يُشرع، وهذا ظاهرٌ إن شاء الله تعالى. اهـ
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ٤٤٠): فإنْ سها المأموم فيما ينفرد به من القضاء؛ يسجد، رواية واحدة؛ لأنه قد صار منفردًا، فلم يتحمل عنه الإمام، وهكذا لو سها فسلَّم مع إمامه؛ قام، فأتمَّ صلاته، ثم يسجد بعد السلام كالمنفرد سواء. اهـ (١)
مسألة [٣]: إذا سها الإمام ولم يسجد سهوا أو عمدا، أيسجد من خلفه ؟
• اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن المأمومين يسجدون، وهو قول ابن سيرين، والحكم،