الأخيرة فالظاهر أنه يكون كترك ركعة كاملة؛ فيلزمه أن يزيد ركعة بعد السلام إذا لم يطل الفصل، ثم يسجد للسهو، وبالله التوفيق. (١)
مسألة [٣]: هل يسجد المصلي للسهو إذا نسي تكبيرة الانتقال ؟
• في المسألة قولان لأهل العلم:
القول الأول: أن عليه السجود، وهو قول عطاء، والشافعي، والحنفية. والحجة لهذا القول أن النبي ﷺ أمر بتكبيرات الانتقال كما في حديث المسيء في صلاته.
القول الثاني: لا يسجدون لها سجود السهو، وهو قول الحكم، وأبي ثور، وإسحاق، وكأن هؤلاء رأوا ذلك من السنن التي لا توجب سجود السهو.
قال أبو عبد الله غفر الله له: تقدم معنا في صفة الصلاة أن الراجح هو وجوب تكبيرات الانتقال؛ لأن النبي ﷺ أمر بها، وعلى هذا فمن نسيها؛ فعليه سجود السهو، والله أعلم. (٢)
مسألة [٤]: من قال موضع: سمع الله لمن حمده، الله أكبر، والعكس من ذلك ؟
• قال الإمام مالك ﵀: إن رجع واستدرك فلا سجود عليه، وإلا فيسجد للسهو.
стр. 1122
• وقال بعض أهل العلم: لا سجود عليه للسهو، وهو قول النخعي، والشعبي، والقاسم.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح أن عليه سجود السهو؛ فإن استدرك قبل أن يفارق المحل؛ فلا سجود عليه. (١)
لأنَّ الإمام قد تحلل من صلاته بالتسليم؛ فالمتابعة متعذرة لوجود الحائل، وهو السلام، ولو سلَّمَ المسبوق بطلت صلاته، وهذا هو ترجيح الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (٣/ ٥٢٦).
مسألة [٢]: هل على المأموم سجود سهو إذا سها في نفسه ؟
• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ المأموم لا سجود عليه في مثل هذه الحال؛ لحديث عمر الذي في الباب، ولقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما جُعِلَ الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه».
• وذهب مكحول، وحُكي عن ابن سيرين إلى أنه يسجد للسهو، وهو قول داود الظاهري، وابن حزم، ورجَّحه الصنعاني، واستدلوا بعموم الأدلة في سجود السهو، وهي تشمل الإمام، والمأموم، والمنفرد.
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب.
قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (٣/ ٥٢٤): وذلك لأن النبي ﷺ قال: «إنما جُعل الإِمام ليؤتمَّ به فلا تختلفوا عليه»؛ ولأن سجود السَّهو واجب، وليس برُكن، والواجب يسقط عن المأموم من أجل متابعة الإِمام، وذلك في عدَّة صُور: منها: لو قام الإِمامُ عن التشهُّدِ الأول ناسياً سَقَطَ عن المأموم. ومنها: لو دخل المأمومُ مع الإِمام في ثاني ركعة في رباعية سَقَطَ عن المأموم التشهُّد الأول؛ لأنَّ التشهُّد الأول يقع لهذا المأموم في الرَّكعة الثالثة للإِمام، ومعلوم أن الإِمام لا يجلس في الرَّكعة الثالثة؛ فيلزم المأموم أن يقوم معه، فيسقط عنه واجب
стр. 1125
من واجبات الصَّلاة، فإذا كان الواجب يسقط عن المأموم مِن أجل المتابعة، فسجود السَّهو واجب؛ فيسقط عن المأموم من أجل المتابعة، وبناءً على هذا التَّعليل: لا سجود على المأموم إذا لم يفته شيء من الصلاة؛ فإن فاته شيء مِن الصَّلاة، ولزمه الإِتمام بعد سلام إمامه؛ لزمه سجود السَّهو إنْ سها سهواً يوجب السُّجود؛ لأنه إذا سَجَدَ لم يحصُل منه مخالفة لإمامه. اهـ
وقال الإمام الألباني ﵀ في «الإرواء» (٢/ ١٣٢): نحن نعلم يقينًا أنَّ الصحابة الذين كانوا يقتدون به ﷺ كانوا يسهون وراءه سهوًا يوجب السجود عليهم لو كانوا منفردين، هذا أمر لا يمكن لأحد إنكاره، فإذا كان كذلك؛ فلم يُنقل أنَّ أحدًا منهم سجد بعد سلامه ﷺ ، ولو كان مشروعًا لفعلوه، ولو فعل لنقلوه، فإذا لم يُنقل؛ دلَّ على أنه لم يُشرع، وهذا ظاهرٌ إن شاء الله تعالى. اهـ
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ٤٤٠): فإنْ سها المأموم فيما ينفرد به من القضاء؛ يسجد، رواية واحدة؛ لأنه قد صار منفردًا، فلم يتحمل عنه الإمام، وهكذا لو سها فسلَّم مع إمامه؛ قام، فأتمَّ صلاته، ثم يسجد بعد السلام كالمنفرد سواء. اهـ (١)
مسألة [٣]: إذا سها الإمام ولم يسجد سهوا أو عمدا، أيسجد من خلفه ؟
• اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن المأمومين يسجدون، وهو قول ابن سيرين، والحكم،
стр. 1126
وقتادة، والأوزاعي، ومالك، والليث، والشافعي، وأبي ثور، وأحمد في رواية، وإسحاق.
قال أبو ثور: وذلك أن هذا شيء وجب عليهم وعليه؛ فلا يزول عنهم تركه ما وجب عليه، وذلك أن كل مؤد فريضة وما وجب عليه، فلا يزول عنه إلا بأدائه.
القول الثاني: أنهم لا يسجدون، وهو قول الحسن، وعطاء، والنخعي، والقاسم، وسالم، وحماد، والثوري، وأصحاب الرأي، وأحمد في رواية، وقول عن إسحاق، وقال به بعض الشافعية، منهم المزني، وأبو حفص بن الوكيل.
قال هؤلاء: وذلك لأنه إنما وجب السجود على المأمومين متابعة للإمام؛ فإذا لم يسجد فلا سجود عليهم.
وهذا القول أقرب؛ لأن سجود السهو إنما يكون جبرانا لسهو حصل منهم، ولم يحصل منهم السهو، ولا سجد إمامهم حتى تحصل المتابعة، والله أعلم. (١)
стр. 1127
٣٢٨ - وَعَنْ ثَوْبَانَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: تعدد السهو .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ٤٣٧): إذَا سَهَا سَهْوَيْنِ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ جِنْسٍ، كَفَاهُ سَجْدَتَانِ لِلْجَمِيعِ، لَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِيهِ. اهـ
ومعنى قوله: (مِنْ جِنْسٍ واحِدٍ) أنَّ كليهما قبل السلام، أو بعد السلام، ويدل على هذا حديث ابن بُحينة الذي في أول الباب؛ فإنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سها عن التشهد الأول، وبسهوه عنه سها أيضًا عن الجلوس للتشهد، وعن تكبيرة انتقال، ومع ذلك سجد سجدتين فقط.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ٤٣٧): وَإِنْ كَانَ السَّهْوُ مِنْ جِنْسَيْنِ، فَكَذَلِكَ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ قَوْلًا لِأَحْمَدَ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ: النَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ فِيهِ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَا ذَكَرْنَا. وَالثَّانِي، يَسْجُدُ سُجُودَيْنِ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَابْنُ
стр. 1128
أَبِي حَازِمٍ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ: إذَا كَانَ عَلَيْهِ سُجُودَانِ، أَحَدُهُمَا قَبْلَ السَّلَامِ، وَالْآخَرُ بَعْدَهُ، سَجَدَهُمَا فِي مَحِلَّيْهِمَا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ».اهـ
قلتُ: والصواب ما ذهب إليه الجمهور؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- «إذا نسي أحدكم؛ فليسجد سجدتين»، أخرجه مسلم (٥٧٢)(٩٤)، عن ابن مسعود ﵁، وأما حديثهم؛ فضعيفٌ.
قال ابن قدامة ﵀: فِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ، ثُمَّ إنَّ الْمُرَادَ بِهِ لِكُلِّ سَهْوٍ فِي صَلَاةٍ، وَالسَّهْوُ، وَإِنْ كَثُرَ؛ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي لَفْظِ السَّهْوِ؛ لِأَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: لِكُلِّ صَلَاةٍ فِيهَا سَهْوٌ سَجْدَتَانِ. اهـ
стр. 1129
بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ
مسألة [١]: هل يشمل سجود السهو صلاة النافلة ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ٤٤٣): وَحُكْمُ النَّافِلَةِ حُكْمُ الْفَرْضِ فِي سُجُودِ السَّهْوِ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا، إلَّا أَنَّ ابْنَ سِيرِينَ قَالَ: لَا يُشْرَعُ فِي النَّافِلَةِ. وَهَذَا يُخَالِفُ عُمُومَ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «إذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ»، وَقَالَ: «إذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ فَزَادَ أَوْ نَقَصَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ»، وَلَمْ يُفَرِّقْ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ ذَاتُ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ؛ فَيَسْجُدُ لِسَهْوِهَا كَالْفَرِيضَةِ. اهـ
وأخرج ابن المنذر في «الأوسط» (٣/ ٣٢٥) بإسناد صحيح عن ابن عباس ﵄ قال: إذا أوهمت في التطوع؛ فاسجد سجدتين. (١)
مسألة [٢]: هل يسجد للسهو في صلاة الجنازة ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ٤٤٤): وَلَا يُشْرَعُ السُّجُودُ لِلسَّهْوِ فِي صَلَاةِ جِنَازَةٍ؛ لِأَنَّهَا لَا سُجُودَ فِي صُلْبِهَا، فَفِي جَبْرِهَا أَوْلَى، وَلَا فِي سُجُودِ تِلَاوَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ شُرِعَ؛ لَكَانَ الْجَبْرُ زَائِدًا عَلَى الْأَصْلِ، وَلَا فِي سُجُودِ سَهْوٍ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَقَالَ إِسْحَاقُ: هُوَ إجْمَاعٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى التَّسَلْسُلِ وَلَوْ سَهَا بَعْدَ سُجُودِ السَّهْوِ لَمْ يَسْجُدْ لِذَلِكَ. اهـ
ونقل ابن المنذر عن قتادة أنه يعيد سجدتي السهو. (٢)
стр. 1130
مسألة [٣]: هل يسجد لترك المستحب ؟
• ذهب الشافعي، وأصحاب الرأي، وأحمد في رواية إلى مشروعية السجود عن ترك المستحب، واتفقوا على أنه لا يجب، وعن أحمد رواية بعدم مشروعيته، وهذه الرواية هي الصواب في المسألة؛ لعدم وجود دليل فيما نعلم عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه سجد للسهو لترك بعض سنن الصلاة، والله أعلم. (١)
مسألة [٤]: المسبوق الذي يدرك وترا من صلاة الإمام، هل عليه سجود سهو لجبر ما فاته مع الإمام ؟
• أخرج ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (٣/ ٣٠٦) من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: أخبرني نافع، قال: «رأيت ابن عمر تفوته ركعة فيجلس في وتره والإمام في شفع، فإذا سلم قام فأوفى ما بقي عليه، ثم سجد سجدتي السهو».
وأخرج أيضًا (٣/ ٣٠٦) من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، عن أبي سعيد الخدري، وابن عمر أنهما كانا يفعلان ذلك، قال ابن جريج: وأخبرت بعدما مات عطاء أنه يأثر حديث ابن عمر، عن إسماعيل بن عبد الرحمن ابن ذويب الأسدي.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الأسانيد صحيحة إليهما، وهي في «مصنف عبد الرزاق» (٢/ ٢١٠).
قال الإمام ابن المنذر ﵀: وروي ذلك عن عطاء، وطاوس، ومجاهد، وقال
стр. 1131
إسحاق: نرى أن يفعل بهذا اتباعا لهؤلاء.
قال: وقال أكثر فقهاء الأمصار من المتأخرين: ليس عليه سجود السهو، هذا قول أهل المدينة، وأهل الكوفة، والشافعي وأصحابه، وروي ذلك عن أنس بن مالك، وسعيد بن المسيب، والحسن، ومحمد بن سيرين، واحتج محتجهم بحديث أبي هريرة ثم أسنده ﵀ عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، ولكن ائتوها وأنتم تمشون، وعليكم السكينة، فما أدركتم صلوا وما فاتكم فأتموا».
ثم أسند ﵀ عن المغيرة بن شعبة، قال: «تخلف رسول الله ﷺ وتخلفت معه، وذكر الحديث، فلما انتهينا إلي القوم، وقد قاموا إلي الصلاة، وصلى بهم عبد الرحمن بن عوف، وقد ركع بهم ركعة، فلما أحس بالنبي ﷺ ذهب ليتأخر فأومأ إليه فصلي بهم، فلما سلم قام النبي ﷺ وقمت فركعنا الركعة التي سبقتنا».
قال أبو بكر بن المنذر: وبهذا نقول، وليس في شيء من الأخبار أنهم سجدوا سجود السهو.
قال أبو بكر: ودل حديث المغيرة على أن على المأموم إذا جاء إلى الإمام فدخل معه في صلاته، أن يقتدي به ويفعل كفعله، ومن ألزم من فعل هذا الفعل سجود السهو إنما يلزمه سجود العمد؛ لأن فاعله قاصد إلى دخوله معه، لا ساهيًا لفعل فعله. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح أنه لا سجود عليه، وحديث المغيرة
стр. 1132
المتقدم نص في المسألة، ولعل ابن عمر وأبا سعيد ﵄ لم يبلغهما الحديث، والله أعلم.
مسألة [٥]: من فاته بعض صلاة الإمام فأغفل القضاء حتى دخل في صلاة تطوع ثم ذكر؛ فكيف يصنع ؟
• قال الإمام ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (٣/ ٣٢٤): اختلف أهل العلم في المسبوق ببعض الصلاة يغفل القضاء حتى يدخل في صلاة تطوع:
فقالت طائفة: يلغي ما صلى من التطوع، ويتم ما في صلاته، ويسجد سجدتي السهو.
نسي أنس ركعة من صلاة الفريضة حتى دخل في التطوع ثم ذكر، فصلى بقية صلاة الفريضة، ثم سجد سجدتين وهو جالس، وبه قال الحكم، والأوزاعي، وقال الأوزاعي: لو ذكر بعد أن ركع ركعتين، أتم ما بقي من صلاته، ولا يعتد بركعتي التطوع.
وقالت طائفة: إذا دخل في تطوع بطلت عنه المكتوبة ويستأنف، كذلك قال الحسن البصري، وحماد بن أبي سليمان.
وقال مالك: إذا ذكر ذلك وقد تنفل بركعتين، أحب إلي أن يبتدي إذا تطوع بين فريضته.
وفيه قول ثالث: وهو أن ما عمل في النافلة إن كان قريبا رجع إلى المكتوبة، فأتمها وسجد للسهو، وإن كان قد تطاول ذلك وركع فيها ركعة بطلت المكتوبة
стр. 1133
وعليه أن يعيدها، هذا قول الشافعي.
وقد روينا عن النخعي، أنه قال: إن ذكرها قبل أن يركع جعلها تمام صلاته، وإن لم يذكرها حتى يركع ويسجد فإنه يستأنف صلاته.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح في هذه المسألة قول من قال: يلغي التطوع، ويتم ما بقي من صلاته كما فعل النبي ﷺ في قصة ذي اليدين.
وأثر أنس ﵁ الذي ذكره ابن المنذر، أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٣١٧) من طريق معمر، عن قتادة، عن أنس به. ورواية معمر عن قتادة فيها ضعف.
٣٣٥ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁، قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ، فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ أَصَابَ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ، وَفِيهِ: إنَّ اللهَ لَمْ يَفْرِضِ السُّجُودَ إلَّا أَنْ نَشَاءَ. وَهُوَ فِي «المُوَطَّأِ». (١)
٣٣٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ عَلَيْنَا القُرْآنَ، فَإِذَا مَرَّ بِالسَّجْدَةِ كَبَّرَ وَسَجَدَ وَسَجَدْنَا مَعَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِسَنَدٍ فِيهِ لِينٌ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مسألة [١]: حكم سجود التلاوة .
• ذهب الحنفية إلى وجوب سجود التلاوة، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق:٢٠ - ٢١]، وقوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم:٦٢].
• وذهب جمهور العلماء إلى أنه سنَّة مستحبة، واستدلوا على أنه ليس بواجب بحديث زيد بن ثابت الذي في الباب، وبحديث عمر كذلك.
وأجابوا عن أدلة الحنفية: بأنَّ الآية الأولى في ذمِّ الكفار في تركهم السجود إعراضًا، وتكبرًا، والآية الثانية المقصود بها جنس السجود؛ فيشمل سجود
стр. 1136
الصلاة، ولو سُلِّمَ بأنَّ المقصودَ بها سجود التلاوة فقط؛ فيكون الأمر للاستحباب، والصارف له عن الوجوب حديث زيد بن ثابت ﵁ الذي في الباب. (١)
مسألة [٢]: عدد سجدات التلاوة في القرآن .
• في المسألة أقوال:
القول الأول: خمس عشرة سجدة، وهو قول إسحاق، وأحمد في رواية، وبعض الشافعية، وقد جاء عن عمرو بن العاص ﵄ عند أبي داود (١٤٠١)، وابن ماجه (١٠٥٧): أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أقرأه خمس عشرة سجدة، منها ثلاث في المُفَصَّل، وفي سورة [الحج] سجدتان، وهو حديث ضعيفٌ، في إسناده: عبد الله بن منين، مجهول عين، والحارث بن سعيد مجهول حال.
القول الثاني: أربع عشرة سجدة، وهو المشهور عند الحنابلة، والشافعية، وهو قول أصحاب الرأي، ولكن أبا حنيفة أسقط الثانية من [الحج]، والباقون أسقطوا سجدة ﴿ص﴾ ووافق أبا حنيفة ابن حزمٍ.
القول الثالث: إحدى عشرة سجدة، وهو قول مالك، والشافعي في رواية، وجاء عن بعض التابعين، وهؤلاء أسقطوا الثانية من [الحج]، والثلاث التي في المُفَصَّل، وهي سورة [النجم، والانشقاق، والعلق].
واستدلوا على سقوط سجدات المُفَصَّل بحديث أبي الدراداء عند ابن ماجه
стр. 1137
١٠٥٥ - ، قال: سجدت مع النبي ﷺ إحدى عشرة، ليس فيها من المُفَصَّل شيء. وهو حديث ضعيفٌ، فيه انقطاع، والساقط رجلٌ مبهمٌ، واستدلوا بحديث ابن عباس ﵄، عند أبي داود (١٤٠٣): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يسجد في شيء من المُفَصَّل منذ تحول إلى المدينة. وهو حديث ضعيفٌ، فيه: الحارث بن عبيد الإيادي، ومطر الورَّاق، وكلاهما ضعيفٌ.
واستدلوا بما أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٦) بإسناد صحيح، عن أبي بن كعب ﵁، أنه قال: ليس في المفصل سجود.
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب، أعني أنَّ عدد السجدات خمس عشرة سجدة، وقد أجمع العلماء على السجود فيما عدا الثانية من الحج، وسجدة ﴿ص﴾، والثلاث التي في المفصل.
قال ابن حزم ﵀ في «المحلَّى» (٥٥٦): فأما السجدات إلى: ﴿الم * تَنْزِيلُ﴾، فلا خلاف فيها.
ثم ذكر الخلاف في السجدة الثانية من [الحج]، ونقل الاتفاق على ذلك أيضًا الطحاوي في «شرح المعاني» (١/ ٣٦٠).
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (١٠٦٧): وقد أجمع العلماء على أنه يسجد في عشرة مواضع، وهي متوالية؛ إلا ثانية [الحج]، و ﴿ص﴾.اهـ
قلتُ: فهذه عشر سجدات مُجمعٌ عليها، وسجد فيها الصحابة، وأما سجدة ﴿ص﴾؛ فهي ثابتة كما في حديث ابن عباس ﵄، الذي في الباب، ولكنها ليست
стр. 1138
متأكدة كغيرها؛ لحديث أبي سعيد عند أبي داود (١٤١٠)، قال: قَرَأَ رَسُولُ الله ﷺ ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ ﴿ص﴾، فَلَمَّا بَلَغَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ، وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمٌ آخَرُ قَرَأَهَا، فَلَمَّا بَلَغَ السَّجْدَةَ تَشَزَّنَ النَّاسُ لِلسُّجُودِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّمَا هِيَ تَوْبَةُ نَبِيٍّ، وَلَكِنِّي رَأَيْتُكُمْ تَشَزَّنْتُمْ لِلسُّجُودِ»، فَنَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدُوا.
وأما سجدات المفصَّل الثلاث؛ فلا ينبغي أن يُختلف في مشروعية السجود فيها؛ لضعف أدلة المانعين من ذلك كما تقدم، ولصحة الأحاديث في السجود كما في حديث أبي هريرة، وابن عباس ﵃، اللَّذَيْنِ في الباب.
وقد ثبت عن عمر وابن مسعود ﵄ السجود في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾. أخرجهما ابن أبي شيبة (٢/ ٧) بإسنادٍ صحيحٍ.
وأما سجدة [الحج] الثانية؛ فقد صحَّ عن جمعٍ من الصحابة السجود فيها، وهم: عمر بن الخطاب، وعلي، وابن عمر، وأبو الدراداء، وأبو موسى، وابن عباس ﵃، وصحَّ عن عبدالله بن عمر ﵄، أنه قال: لو سجدت واحدة كانت الآخرة أحب إليَّ. وصحَّ عن أبي إسحاق السبيعي أنه قال: أدركت الناس منذ سبعين سنة يسجدون في [الحج] سجدتين.
ولا يُعلم لهؤلاء الصحابة مخالف، والله أعلم، وهناك أقوال أخرى في المسألة. (١)
стр. 1139
مسألة [٣]: موضع سجدة سورة فصلت .
• قال الإمام ابن المنذر ﵀ في كتابه «الأوسط» (٥/ ٢٦٨): اختلف أهل العلم في الآية التي يسجد فيها من حم السجدة، فقالت طائفة: يسجد في الأولى منهما ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧] الآية، روي هذا القول عن ابن عمر: وابن عباس.
حدثنا علي بن عبد العزيز، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا عبد السلام، عن الحجاج، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان يسجد في الأولى من الحم".
حدثنا علي، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا عبد السلام، عن الحجاج، عن عطاء، عن ابن عباس، أنه كان يسجد في أول الآيتين من الحم".
وبه قال الحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وقال مسروق: كان أصحاب عبد الله يسجدون بالأولى، وقال الأعمش: «أدركت إبراهيم، وأبا صالح، وطلحة، وزبيدا، يسجدون بالآية الأولى من حم السجدة» وقاله مالك بن أنس، والليث بن سعد.
• وقالت طائفة: السجدة فيها عند قوله: ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨] الآية، روي عن ابن عباس أنه قال ذلك، وهذه الرواية أثبت من الرواية الأخرى، وروي ذلك عن سعيد بن المسيب، وابن سيرين، والنخعي، وأبي وائل، وبه قال سفيان الثوري، وإسحاق.
стр. 1140
حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق، عن الثوري، عن سعيد الزبيدي، عن فطر، عن مجاهد، أن ابن عباس، كان يسجد في الآخرة من حم ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨] الآية ". انتهى.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الرواية عن ابن عمر وابن عباس ﵄ بالقول الأول لم تثبت عنهما؛ فهي من طريق حجاج بن أرطاة، وهو ضعيف.
والرواية الثانية عن ابن عباس بالقول الثاني إسنادها صحيح رجاله ثقات، وسعيد الزبيدي، هو سعيد بن عبد الرحمن بن عبد الله الزبيدي، وهو ثقة، وثقه أبو داود وغيره.
فالصواب في المسألة: القول الثاني؛ لصحة ذلك عن ابن عباس ﵄، والله أعلم.
مسألة [٤]: هل يكبر لسجود التلاوة ؟
• ذهب جمهور العلماء إلى أنه يكبر لسجود التلاوة عند الخفض، وعند الرفع، واستدلوا بحديث ابن عمر ﵄ الذي في الباب.
• وذهب أبو حنيفة في رواية إلى أنه يكبر إذا سجد، ولا يكبر إذا رفع، وهو اختيار بعض الحنابلة.
• وذهب أبو حنيفة، ومالك في رواية عنهما إلى أنه لا يكبر مطلقًا.
وهذا القول هو الصواب، وهو ترجيح الإمام الألباني، والإمام الوادعي
стр. 1141
رحمة الله عليهما.
• وعن مالك ﵀ رواية: أنه يكبر إذا كان في صلاة. (١)
مسألة [٥]: التسليم بعد سجود التلاوة .
• ذهب إلى مشروعيته بعض أهل العلم، منهم: أبو قلابة، وابن سيرين، وإسحاق، وأحمد في رواية، وقاسوه على سجود السهو.
• وذهب جماعة من أهل العلم إلى عدم مشروعيته، وهو قول النخعي، والحسن، وسعيد بن جبير، والشافعي، وأحمد في رواية، ومالك.
وهذا القول هو الصواب؛ لعدم وجود دليل يدل على مشروعيته، والله أعلم. (٢)
стр. 1142
بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ
مسألة [١]: هل تشترط الطهارة لسجود التلاوة ؟
• ذهب جمهور العلماء إلى الاشتراط، وعَدُّوا سجود التلاوة صلاة، وحكى البخاري عن ابن عمر ﵄ تعليقًا: أنه كان يسجد على غير وضوء، وهو قول الشعبي، وسعيد بن المسيب، واختاره البخاري، وابن حزم، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، ورجحه الإمام الوادعي، والإمام العثيمين، والإمام ابن باز رحمة الله عليهم أجمعين.
وهو الصواب؛ لأنَّ سجود التلاوة ليس بصلاة. (١)
مسألة [٢]: هل يشترط استقبال القبلة في سجود التلاوة ؟
• ذهب جمهور العلماء إلى اشتراط ذلك أيضًا؛ لأنها عندهم صلاة.
• وذهب الذين لم يعدوها صلاة إلى أنه لا يُشترط ذلك، منهم: الشعبي، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، ورجَّح ذلك ابن حزم، وشيخ الإسلام، ثم الشيخ ابن عثيمين، والشيخ مقبل الوادعي رحمة الله عليهم.
وهذا القول هو الراجح، انظر المراجع السابقة.
стр. 1143
مسألة [٣]: هل يسجد المستمع لسجود التلاوة ؟
استحب أهل العلم للمستمع أن يسجد.
قال ابن قدامة ﵀: لا نعلم فيه خلافًا.
قلتُ: ويدل عليه حديث ابن عمر في «الصحيحين» (١)، قال: كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقرأ علينا السورة فيها السجدة، فيسجد، ونسجد معه، حتى ما يجد أحدنا موضعًا لجبهته. وكذلك حديث أبي سعيد ﵁ في سجدة ﴿ص﴾، وقد تقدم.
واختلفوا: هل يسجد المستمع إذا لم يسجد القارئ، أم لا؟
• فذهب الشافعي، وهو المشهور عند أصحابه إلى أنه يسجد؛ لوجود الاستماع.
• وذهب أحمد، وأصحابه إلى أنه لا يسجد، وهو اختيار بعض الشافعية.
واستدلوا بحديث ابن عمر ﵄، المتقدم؛ فإنَّ الصحابة كانوا يسجدون لسجود النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وبوَّب عليه البخاري في «صحيحه»: [باب من سجد لسجود القارئ]، وذكر عن ابن مسعود معلَّقًا بصيغة الجزم أنه قال لتميم بن حذلم وهو غلام فقرأ عليه سجدة، فقال: اُسْجُدْ، فأنت إمامنا فيها.
واستدلوا بحديث زيد بن ثابت، أنه قرأ على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سورة النجم، فلم يسجد فيها. وقالوا: وذلك لأنَّ زيدًا لم يسجد. وهذا محتمل، واستدلوا بمرسل عطاء بن يسار عند البيهقي (٢/ ٣٢٤) بإسناد صحيح عنه أنَّ غلامًا قرأ عند النبي
стр. 1144
-صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سجدة، فانتظرَ الغلام سجود النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فلم يسجد، فقال: يا رسول الله: قرأت السجدة، فلم تسجد؟ فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «كنتَ إمامًا، فلو سجدتَ سجدتُ معك».
قال أبو عبد الله غفر الله له: الأقرب قول أحمد؛ لمجموع ما استدل به هو وأصحابه، والله أعلم. (١)
مسألة [٤]: هل يسجد السامع الذي سمع، ولم يقصد الاستماع ؟
• ذهب أحمد، وأصحابه إلى أنه لا يسجد، وصحَّ ذلك عن عثمان بن عفان، وابن عباس، وعمران بن حصين، وسلمان الفارسي ﵃، وهو قول مالك، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
• وذهب النخعي، وسعيد بن جبير، وأصحاب الرأي، وإسحاق إلى أنه يسجد، قال الشافعي: لا أؤكد عليه السجود، وإنْ سجد؛ فَحَسَنٌ.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب ما ذهب إليه أحمد، ومالك؛ لأنَّ أدلة السجود جاءت في حق القارئ، والمستمع.
ولا نعلم دليلًا في حَقِّ السَّامِع الذي لا يقصد الاستماع، وتأيد ذلك بقول أربعة من الصحابة صحَّ عنهم، ولا يُعلم لهم مخالفٌ من الصحابة رضوان الله عليهم. (٢)
стр. 1145
مسألة [٥]: هل يُشترط لسجود المستمع أن يكون التَّالي ممن يصلح للإمامة ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ٣٦٧): وَيُشْتَرَطُ لِسُجُودِ الْمُسْتَمِعِ أَنْ يَكُونَ التَّالِي مِمَّنْ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ لَهُ إمَامًا؛ فَإِنْ كَانَ صَبِيًّا، أَوْ امْرَأَةً، فَلَا يَسْجُدُ السَّامِعُ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَصِحُّ لَهُ أَنْ يَأْتَمَّ بِهِ، وَمِمَّنْ قَالَ لَا يَسْجُدُ إذَا سَمِعَ الْمَرْأَةَ: قَتَادَةُ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ. وَقَالَ النَّخَعِيُّ: هِيَ إمَامُك. اهـ
ثم استدل بمرسل عطاء الذي تقدم. (١)
مسألة [٦]: هل للمستمع أن يرفع رأسه من السجود قبل القارئ ؟
• في هذه المسألة وجهان عند الحنابلة، وصوَّبَ صاحب «الإنصاف» جواز الرفع قبل القارئ، وهذا أظهر؛ لأنها ليست إمامة، إنما هي شبيهة بها؛ ولذلك يجوز للمستمع أن يسجد ولو كان أمام القارئ، أو عن يساره، والله أعلم. (٢)
مسألة [٧]: هل يقوم الركوع مقام السجود ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ٣٦٩): وَلَا يَقُومُ الرُّكُوعُ مَقَامَ السُّجُودِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَقُومُ مَقَامَهُ اسْتِحْبَابًا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص:٢٤]، وَلَنَا: أَنَّهُ سُجُودٌ مَشْرُوعٌ، فَلَا يَقُومُ مَقَامَهُ الرُّكُوعُ، كَسُجُودِ الصَّلَاةِ، وَالْآيَةُ
стр. 1146
الْمُرَادُ بِهَا السُّجُودُ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿وَخَرَّ﴾، وَلَا يُقَالُ لِلرَّاكِعِ: خَرَّ، وَإِنَّمَا رُوِيَ عَنْ دَاوُد ﵇ السُّجُودُ لَا الرُّكُوعُ، إلَّا أَنَّهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِالرُّكُوعِ. اهـ
والصواب ما قرره ابن قدامة ﵀، وعلى ذلك جمهور العلماء.
مسألة [٨]: إذا قرأ السجدة على الراحلة في السفر ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ٣٧٠): وَإِذَا كَانَ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السَّفَرِ؛ جَازَ أَنْ يُومِئَ بِالسُّجُودِ حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ، كَصَلَاةِ النَّافِلَةِ. فَعَلَ ذَلِكَ: (عَلِيٌّ، وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ) (١)، وَالنَّخَعِيُّ، وَعَطَاءٌ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. اهـ
مسألة [٩]: السجود للتلاوة في الصلاة .
• ذهب الجمهور إلى مشروعيته في الجهرية.
• وكرهها مالك في رواية، وفي رواية عنه أنه كرهها في السرية دون الجهرية، وقد كرهها في السرية بعض الحنابلة، والحنفية.
• وذهب بعض الحنابلة، والحنفية إلى مشروعيتها في السرية أيضًا، وهو قول الشافعي وأصحابه، واستدلوا بحديث ابن عمر ﵄، عند أبي داود (٨٠٧): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سجد في صلاة الظهر. وهو حديث ضعيفٌ في إسناده انقطاع، والساقط
стр. 1147
رجلٌ مجهول.
قلتُ: أما في الجهرية؛ فالسجود مشروعٌ، مستحبٌّ؛ لحديث أبي هريرة في «الصحيحين» أنه سجد مع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ في صلاة العتمة.
وأما في السرية: فالذي يظهر لي هو الكراهة؛ لما يحصل من تهويش على المأمومين، ولم يثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه سجد للتلاوة في الصلاة السرية، ولو ثبت لقلنا به. (١)
مسألة [١٠]: من لم يجد موضعًا للسجود .
قال ابن بطال ﵀ كما في «الفتح» (١٠٧٩): لم أجد هذه المسألة إلا في سجود الفريضة، فقال عمر: يسجد على ظهر أخيه، وبه قال الكوفيون، وأحمد، وإسحاق، وقال عطاء، والزهري: يؤخر حتى يرفعوا، وبه قال مالك، والجمهور، وإذا كان هذا في سجود الفريضة؛ فيجري مثله في سجود التلاوة. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: أثر عمر بن الخطاب أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٦٥)، بإسناد صحيح، وقد عزا هذا القول ابن حزم في «المحلَّى» (٤٤٠) إلى أبي حنيفة، والشافعي، وداود الظاهري، ورجَّحه قائلًا: أمرنا الله تعالى بالسجود، ولم يخص شيئًا نسجد عليه من شيء ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤]. ثم ساق أثر عمر بإسناده.
стр. 1148
ثم قال: وروينا عن الحسن البصري، وطاوس: إذا كثر الزحام؛ فاسجد على ظهر أخيك. وعن مجاهد: اسجد على رجل أخيك.
ثم قال: ولا يُعرف في هذا لعمر ﵁، من الصحابة ﵃، مخالفٌ. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب -والله أعلم- أنه إن كان يعلم أنه سيجد موضعًا للسجود إذا تأخر؛ فإنه يتأخر، ثم يسجد على الأرض، وإنْ لم يجد؛ فإنه يسجد على ظهر أخيه، أو رجله، والله أعلم.
مسألة [١١]: هل يُستحب في السجود للتلاوة أن يقف، ثم يخر ساجدًا ؟
• استحب بعض الحنابلة، والشافعية للساجد للتلاوة أن يقوم، ثم يسجد عن قيام، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم:٥٨]، وبقوله: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ [الإسراء:١٠٩].
• وذهب جماعة من أهل العلم من الحنابلة، والشافعية، وغيرهم إلى عدم استحباب ذلك، وقالوا: إذا قرأ وهو قائم؛ سجد، وخرَّ ساجدًا، وإذا قرأ وهو قاعد؛ فيسجد عن قعود، والخرور في اللغة بمعنى السقوط، وهو يحصل من القائم، والقاعد، ويدل على ذلك أنَّ كعب بن مالك كان جالسًا حين بُشِّرَ بالتوبة، فلما سمع الصوت قال: فخررت ساجدًا. وهذا القول هو الصواب.
قال الإمام النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٤/ ٦٥): قلت: ولم يذكر الشافعي، وجمهور الأصحاب هذا القيام، ولا ثبت فيه شيء يعتمد عليه مما يُحتج
стр. 1149
به، فالاختيار تَرْكُهُ؛ لأنه من جملة المحدثات.
وقال الإمام ابن باز ﵀، وأعضاء اللجنة الدائمة كما في «الفتاوى» (٧/ ٢٦٥): لا نعلم دليلًا على شرعية القيام من أجل سجود التلاوة. اهـ
مسألة [١٢]: ما هي الأذكار التي تقال في سجود التلاوة ؟
جاءت بعض الأدعية عن النبي ﷺ في سجود التلاوة، ولكنها معلة وضعيفة:
منها: ما أخرجه أبو داود (١٤١٤)، والترمذي (٥٨٠) وغيرهما من حديث عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ يقول في سجود القرآن بالليل، يقول في السجدة مرارًا: «سجد وجهي للذي خلقه، وشق سمعه وبصره، بحوله وقوته».
قال الإمام الدارقطني ﵀ في «العلل» (٣٧٥٠): يرويه خالد الحذاء، واختلف عنه؛ فرواه هشيم، ومحبوب بن الحسن، عن خالد، عن أبي العالية، عن عائشة.
وخالفهما ابن علية؛ فرواه عن خالد الحذاء، عن رجل لم يسمه، عن أبي العالية، عن عائشة، وهو الصواب. اهـ
قلتُ: وفي «جامع التحصيل»: قال أحمد: خالد الحذاء لم يسمع من أبي العالية.
ومنها: ما أخرجه الترمذي (٥٧٩) من طريق الحسن بن محمد بن عبيد الله ابن أبي يزيد، قال: قال لي ابن جريج: يا حسن، أخبرني عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابن عباس، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إني رأيتني الليلة،
стр. 1150
وأنا نائم كأني أصلي خلف شجرة، فسجدت، فسجدت الشجرة لسجودي، فسمعتها وهي تقول: «اللهم اكتب لي بها عندك أجرًا، وضع عني بها وزرًا، واجعلها لي عندك ذخرًا، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود».
قال الحسن: قال لي ابن جريج: قال لي جدك: قال ابن عباس: فقرأ النبي ﷺ سجدة، ثم سجد، فقال ابن عباس: فسمعته وهو يقول مثل ما أخبره الرجل عن قول الشجرة.
وهذا إسنادٌ ضعيف؛ لجهالة الحسن بن محمد بن عبيد الله بن أبي يزيد، وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه. وقال الذهبي: لا يعرف.
وقد ضعف الحديث العقيلي، وغيره.
قال أبو عبد الله غفر الله له: وإذا كان لم يثبت حديث عن النبي ﷺ في تخصيص دعاء لسجود التلاوة؛ فيقال فيه كما يقال في سجود الصلاة، والله أعلم.
قال ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (٥/ ٢٧٢): وكان أحمد بن حنبل يقول في سجود القرآن ما يقول في سجود الصلاة، وقال إسحاق: ليقل ما جاء عن النبي ﷺ : «سجد وجهي للذي خلقه، وشق سمعه وبصره ... إلى الخالقين»، و «رب ظلمت نفسي؛ فاغفر لي؛ إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت».اهـ
قلتُ: الدعاء الأول الذي ذكره إسحاق ﵀ ثابت عن النبي ﷺ في سجود الصلاة كما في «صحيح مسلم» عن علي بن أبي طالب ﵁.
стр. 1151
مسألة [١٣]: هل يسجد للتلاوة إذا قرأها بعد صلاة الصبح والعصر ؟
• قال الإمام ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (٥/ ٢٧٣): اختلف أهل العلم في السجود بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس: فكرهت طائفة أن يقرأ السجدة في هذين الوقتين. كره ذلك مالك بن أنس. وقال أحمد: لا يسجد إذا قرأ السجدة بعد الصبح، وبعد العصر ولا يعيدها.
وقال إسحاق: يعيدها إذا غربت الشمس.
وقال أبو ثور: إذا قرأ سجدة بعد العصر، أو بعد الفجر لم يسجد فيها، وقد كان ابن عمر يصيح عليهم إذا رآهم، يعني القُصاص يسجدون بعد الصبح.
وروينا عن كعب بن عجرة: أنه قرئت عنده السجدة قبل طلوع الشمس؛ فلم يسجد حتى طلعت الشمس، ثم سجد.
وروينا عن أبي أمامة: أنه كان إذا رأى أنهم يقرءون آية، أو سورة فيها سجدة بعد العصر؛ لم يجلس معهم.
حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، قال: «كان ابن عمر يصيح عليهم إذا رآهم، يعني القصاص، يسجدون بعد الصبح» قال معمر: وأخبرنيه أيوب، عن نافع.
حدثنا علي بن عبد العزيز، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن الحجاج، عن طلحة بن مصرف، عن المسيب بن رافع، أن كعب بن عجرة، قرئت عنده السجدة
стр. 1152
قبل طلوع الشمس، فلم يسجد حتى طلعت الشمس، ثم سجد.
قال أبو عبد الله غفر الله له: أثر ابن عمر صحيح، رجاله رجال الشيخين، وأثر كعب بن عجرة ضعيف؛ في إسناده حجاج بن أرطاة، وفيه ضعف.
ثم قال ابن المنذر ﵀: وكان أهل الشام يقرءون السجدة.
وكان سعيد بن المسيب ينهى عن سجدة القرآن بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس.
• قال: ورخصت طائفة في السجود بعد العصر وبعد الصبح، روينا عن الشعبي أنه قال: إذا قرأت القرآن فأتيت على السجدة فاسجد أي ساعة كانت، ولا تختصرن السجدة، من يقرأ القرآن فيسجد فيها. وقرأ الحسن البصري سجدة بعد العصر فسجد.
وممن روي عنه أنه قال: يسجد بعد صلاة العصر، وقبل طلوع الشمس: عطاء، وسالم، والقاسم، وعكرمة، وكان النخعي يقول: إذا قرأ السجدة بعد الغداة، أو بعد العصر سجد إذا كان وقت صلاة.
وقال حماد بن أبي سليمان: إذا كان في وقت صلاة، فلا بأس.
وقال الشافعي: من قرأ سجدة بعد العصر، أو بعد الصبح، أو بعد الفجر، فليسجد.
وقال أصحاب الرأي في السجدة يقرؤها بعد العصر قبل أن تغيب الشمس،
стр. 1153
وبعدما صلى الفجر قبل أن تطلع الشمس، قالوا: يسجدها. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: أما قراءة السجدة في هذا الوقت؛ فلا ينبغي أن يختلف في جوازه؛ إذ لا دليل يدل على المنع من ذلك.
وأما السجود في هذين الوقتين؛ فالذي يظهر لي أن لا بأس بذلك؛ لأنها ليست بصلاة، وإنما هو سجود تلاوة؛ ولأن ذوات الأسباب مخصوصة من النهي الوارد في ذلك، ولكن إن وافق قراءة السجدة وقت بزوغ الشمس، ووقت غروبها؛ فالأقرب هو كراهة السجود في ذلك الوقت؛ لأنه وقت يسجد فيه الكفار للشمس، وقد كره الشارع مشابهتهم في الصورة، ومن سجد لم نستطع أن نؤثمه؛ لأنه سجود عارض لسبب.
مسألة [١٤]: هل يسجد الماشي إذا قرأ السجدة ؟
• من أهل العلم من قال: يومئ إيماءً. وهو قول الأسود، وعلقمة، وعطاء ومجاهد.
• وقال بعضهم: يسجد على الأرض. وهو قول أبي العالية، والتيمي، وأبي زرعة بن عمرو، وأصحاب الرأي.
قال أبو عبد الله غفر الله له: وهذا القول أقرب؛ لأنه ليس بمسافر، ولا هو على راحلته، وليس هناك دليل على الإيماء في حالة المشي، والله أعلم.
وفي «صحيح مسلم» (٥٢٠) عن إبراهيم بن يزيد التيمي، قال: كنت أقرأ على
стр. 1154
أبي القرآن في السُّدَّة، فإذا قرأت السجدة سجد، فقلت له: يا أبت، أتسجد في الطريق؟ قال: إني سمعت أبا ذر يقول: سألت رسول الله ﷺ عن أول مسجد وضع في الأرض؟ قال: «المسجد الحرام» قلت: ثم أي؟ قال: «المسجد الأقصى» قلت: كم بينهما؟ قال: «أربعون عاما، ثم الأرض لك مسجد، فحيثما أدركتك الصلاة فصل».
مسألة [١٥]: هل تسجد الحائض إذا قرأت السجدة ؟
• ذهب جمع من أهل العلم إلى أنها لا تسجد؛ لأنها قد تركت ما هو أعظم من ذلك: الصلاة، وهو قول عطاء والزهري، وقتادة، وسعيد بن جبير، والنخعي، والحسن. وهو مذهب مالك، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي.
• وجاء عن عثمان ﵁، أنه قال: تومئ إيماء، وهو من طريق قتادة عن سعيد ابن المسيب، عن عثمان. ورواية قتادة عن سعيد بن المسيب فيها ضعف؛ لأنه يدلس عنه كثيرًا، وقد عنعن في هذا الأثر كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٢/ ١٤)، و «الأوسط» لابن المنذر (٥/ ٢٨٣).
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح أنَّ لها أن تسجد؛ لأنها ليست بصلاة كما تقدم، وهو مقتضى قول من قال: لا تشترط الطهارة لسجود التلاوة.
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مسألة [١]: حكم سجود الشكر .
• ذهب إلى مشروعية سجود الشكر الشافعي، وأحمد وأصحابهما، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر، وغيرهم، وذلك عند تجدد النعم، أو مجيء خبر يسر، واستدلوا على ذلك بأحاديث الباب، وبحديث كعب بن مالك ﵁ عند البخاري (٤٤١٨)، ومسلم (٢٧٦٩)، حين بُشِّر بالتوبة، فخرَّ ساجدًا شكرًا لله تعالى على ذلك.
• وذهب النخعي، ومالك، وأبو حنيفة إلى كراهته؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان في أيامه الفتوح، واستسقى فسقي، ولم ينقل أنه سجد، ولو كان مستحبًّا؛ لما تركه.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الأقرب هو مشروعية واستحباب سجود الشكر؛ للأدلة المتقدمة ولو تركه في بعض الأحيان، وفعله في بعضها كان أقرب إلى فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، والله أعلم. (١)
تنبيه: أحكام سجدة الشكر مثل أحكام سجود التلاوة عند أهل العلم القائلين بها.
стр. 1157
بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ
مسألة [١]: هل يسجد للشكر في الصلاة ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ٣٧٢): وَلَا يَسْجُدُ لِلشُّكْرِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ السَّجْدَةِ لَيْسَ مِنْهَا؛ فَإِنْ فَعَلَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ نَاسِيًا، أَوْ جَاهِلًا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ؛ فَلَا يُبْطِلُهَا؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ كَثِيْرٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ زَادَ سُجُوْدًا فِي الصَّلَاةِ سَهْوًا. انتهى.
مسألة [٢]: هل يُشرع السجود مجردًا بلا سبب ؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في «مجموع الفتاوى» (١١/ ٥٠٢ - ٥٠٣): فإن السجود لا يكون إلا على الوجه المشروع، وهو السجود في الصلاة، وسجود السهو، وسجود التلاوة، وسجود الشكر على أحد قولي العلماء، وأما السجود عقيب الصلاة بلا سبب؛ فقد كرهه العلماء، وكذلك ما يفعله بعض المشايخ من سجدتين بعد الوتر لم يفعله أحد من السلف ولا استحبه أحد من الأئمة ... ، وأما السجدتان؛ فلا أصل لهما، ولا للسجود المجرد بلا سبب، وقالوا: هو بدعة. اهـ
стр. 1158
بَابُ صَلَاة التَّطَوُّعِ
٣٤٠ - عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ الأَسْلَمِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : «سَلْ» فَقُلْت: أَسْأَلُك مُرَافَقَتَك فِي الجَنَّةِ، فَقَالَ: «أَوَ غَيْرَ ذَلِكَ؟» فَقُلْت: هُوَ ذَاكَ، قَالَ: «فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِك بِكَثْرَةِ السُّجُودِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١)
الحكم المستفاد من الحديث
في هذا الحديث حثٌّ على تكثير التَّنَفُّلِ لله بالصلاة، ومثله قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنك لن تسجد لله سجدة؛ إلا رفعك الله بها درجة وحطَّ عنك بها خطيئة»، أخرجه مسلم (٤٨٨)، من حديث ثوبان، وأبي الدرداء ﵄.
وأخرجه أحمد (٥/ ٢٤٨) (٥/ ١٦٤) من حديث أبي أمامة، وأبي ذر ﵄، وهما في «الصحيح المسند» لشيخنا ﵀ برقم (٤٨٨)(٢٧١).
٣٤٥ - وَلِلتِّرْمِذِيِّ نَحْوُهُ، وَزَادَ: «أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العِشَاءِ وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الفَجْرِ». (١)
الحكم المستفاد من الأحاديث المتقدمة
دلَّتْ الأحاديث المتقدمة على تأكد استحباب الرَّواتب التي مع صلاة الفريضة، وهي: أربعٌ قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر، وسُمِّيَت (راتبة)؛ لاستمرارها، ودوامها، وسنة الظهر القبلية (أربعٌ) و (اثنتان)، وأكثرُ فِعْلِ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أربع كما يظهر من الأحاديث، والله أعلم.
وقد أجمع العلماء على استحباب هذه النوافل، وخالف الحسن في سنة الفجر، فقال بوجوبها.
والراجح استحبابها؛ لفعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولقوله: «خمس صلوات في اليوم والليلة»، قال: هل عليَّ غيرهن؟ قال: «لا، إلا أنْ تطوَّع» (٢)، ولحديث معاذ ﵁: «فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم، والليلة» (٣)، وآكدُ هذه الركعات ركعتا الفجر؛ لحديثي عائشة ﵂ اللَّذَيْنِ في الباب.