بَابُ الآنِيَةِ
١٤ - عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمَانِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهِمَا؛ فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَكُمْ فِي الآخِرَةِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
١٥ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الَّذِي يَشْرَبُ فِي إنَاءِ الفِضَّةِ إنَّمَا يُجَرْجِرُ (٢) فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٣)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: حكم الأكل، والشرب في آنية الذهب، والفضة .
حديثا الباب يدلان على تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة.
قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» حديث (٢٠٦٥): قال أصحابنا: انعقد الإجماع على تحريم الأكل والشرب، وسائر الاستعمالات في إناء ذهب، أو فضة؛ إلا ما حُكي عن داود في تحريم الشرب فقط، ولعله لم يبلغه حديث تحريم الأكل، وقولٌ قديم للشافعي، والعراقيين، فقال بالكراهة دون التحريم، وقد رجع عنه، وتأوله أيضًا صاحب «التقريب» (٤)، ولم يحمله على ظاهره. انتهى بتصرف.
стр. 108
وقال الحافظ ﵀ في «الفتح» شرح حديث رقم (٥٦٣٢): ونقل ابن المنذر الإجماع على تحريم الشرب في آنية الذهب والفضة؛ إلا عن معاوية بن قرة، أحد التابعين، فكأنه لم يبلغه النهي. اهـ
ثم ذكر مذهب الشافعي في القديم، ثم رجوعه عنه.
مسألة [٢]: حكم استعمال الذهب، والفضة في غير الأكل والشرب .
• ذهب الجمهور إلى تحريم استعمالهما في غير الأكل والشرب، قال القرطبي ﵀ كما في «الفتح» (٥٦٣٥): في الحديث تحريم استعمال أواني الذهب، والفضة في الأكل والشرب، ويلحق بهما ما في معناهما، مثل التطيب، والتكحل، وسائر وجوه الاستعمالات، وبهذا قال الجمهور، وأغربت طائفةٌ شَذَّت، فأباحت ذلك مطلقًا، ومنهم من قصر التحريم على الأكل والشرب، ومنهم من قصره على الشرب؛ لأنه لم يقف على الزيادة في الأكل. انتهى.
وقد تقدم نقل النووي للإجماع على تحريم الاستعمال، وكذا نقله ابن عبد البر، ولا يصح نقل الإجماع.
• قال الصنعاني ﵀ في «سبل السلام» (١/ ٦٣): والحق ما ذهب إليه القائل بعدم تحريم غير الأكل والشرب فيهما؛ إذ هو ثابت بالنص، ودعوى الإجماع غير صحيحة، وهذا من شؤم تبديل اللفظ النبوي بغيره؛ فإنه ورد بتحريم الأكل والشرب فقط، فعدلوا عن عبارته إلى الاستعمال، وهجروا العبارة النبوية، وجاءوا بلفظ عام من تلقاء أنفسهم. اهـ
стр. 109
• وقال الشوكاني ﵀ في «النيل» (١/ ١١٦): ولا شك أنَّ أحاديث الباب تدل على تحريم الأكل والشرب، وأما سائر الاستعمالات فلا، والقياس على الأكل والشرب قياس مع الفارق، وأما حكاية النووي للإجماع على تحريم الاستعمال فلا تتم مع مخالفة داود، والشافعي، وبعض أصحابه، والحاصل أنَّ الأصل الحِل، فلا تثبت الحرمة إلا بدليل يسلمه الخصم، ولا دليل في المقام بهذه الصفة، فالوقوف على ذلك الأصل المعتضد بالبراءة الأصلية هو وظيفة المنصف الذي لم يخبط بسوط هيبة الجمهور، ولاسيما وقد أيد هذا الأصل حديث: «ولكن عليكم بالفضة، فالعبوا بها لعبًا»، أخرجه أحمد، وأبو داود، وشهد له ما سلف أنَّ أم سلمة جاءت بجلجل من فضة فيه شعر من شعر رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. والحديث في البخاري. انتهى بتصرف.
قلتُ: والحديث: «ولكن عليكم بالفضة، فالعبوا بها لعبًا»، أخرجه أحمد (٢/ ٣٣٤)، وأبو داود (٤٢٣٦)، وغيرهما، من حديث أبي هريرة، وفيه: أسيد بن أبي أسيد البراد، وفيه ضعفٌ، قال الدارقطني: يعتبر به. كما في «التهذيب».
• وقال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (١/ ٦٢): والصحيح أنَّ الاتخاذ، والاستعمال في غير الأكل، والشرب ليس بحرام؛ لأن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن شيء مخصوص، وهو الأكل، والشرب، ولو كان المحرم غيرهما؛ لكان النبي ﷺ أبلغ الناس، وأبينهم في الكلام- لا يخص شيئًا دون شيء، بل إن تخصيصه الأكل والشرب دليل على أن ما عداهما جائز؛ لأن الناس ينتفعون بها في غير ذلك.
стр. 110
قال: ولو كانت حرامًا مطلقًا؛ لأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بتكسيرها؛ لأنها إذا كانت محرمة في كل الحالات ما كان لبقائها فائدة، ويدل على ذلك أنَّ أم سلمة، وهي راوية الحديث كان عندها جلجل من فضة، جعلت فيه شعيرات من شعر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فكان الناس يستشفون بها، فيشفون بإذن الله، وهذا في «صحيح البخاري»، وهذا استعمال في غير الأكل والشرب. انتهى.
مسألة [٣]: اتخاذ الآنية من الذهب، والفضة دون استعمال .
• ذهب جمهور أهل العلم إلى تحريم اتخاذها، قياسًا على تحريم استعمالها، كما في «شرح المهذب» (١/ ٢٥٢).
• وذهب الشافعي في رواية عنه إلى جواز اتخاذها، وهو قول من تقدم أن رجحوا جواز استعمالها، ويدل عليه حديث أم سلمة السابق في المسألة السابقة، والله أعلم.
وهو قول أبي حنيفة، وأحمد في قول، كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٨٦). (١)
مسألة [٤]: استعمال الآنية من نفائس المعادن، كالياقوت، واللؤلؤ، والجواهر في الأكل، والشرب، وغيرهما .
قال الصنعاني ﵀ في «سبل السلام» (١/ ٦٣): ثم هل يلحق بالذهب والفضة نفائس الأحجار، كالياقوت، والجواهر؟ فيه خلافٌ، والأظهر عدم إلحاقه، وجوازه على أصل الإباحة؛ لعدم الدليل الناقل عنها. انتهى.
стр. 111
قلتُ: وما رجحه الصنعاني هو الصحيح، وهو مذهب الحنابلة كما في «المغني» (١/ ١٠٥ - ١٠٦)، وجمهور الشافعية، ومالك، كما في «شرح المهذب» (١/ ٢٥٢).
تنبيه: قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة».
قال الحافظ ﵀ في «الفتح» حديث (٥٦٣٢): قال الإسماعيلي: ليس المراد بقوله: «في الدنيا» إباحة استعمالهم إياه، وإنما المعنى بقوله: «لهم»، أي: هم الذين يستعملونه مخالفة لزي المسلمين، وقوله: «ولكم في الآخرة»، أي: تستعملونه مكافأة لكم على تركه في الدنيا، ويُمْنَعَهُ أولئك، جزاءً لهم على معصيتهم باستعماله. اهـ
مسألة [٥]: إذا تطهر في آنية الذهب، والفضة، هل يصح وضوؤه ؟
• اختلف الجمهور القائلون بتحريم استعمال الآنية في الوضوء، هل يصح وضوؤه إذا توضأ بها، أم لا؟
• فذهب جمهورهم إلى صحة الوضوء مع الإثم.
• وذهب أهل الظاهر، ورواية عن أحمد إلى أنه لا يصح.
والراجح القول الأول؛ لأنَّ التحريم ليس عائدًا إلى نفس الوضوء، وهذا بناءً على القول بتحريم استعمال الآنية بالوضوء، ولا نقول به. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مسألة [١]: دباغ جلود الميتة .
• اختلف أهل العلم في هذه المسألة على سبعة أقوال:
الأول: أنه يطهر بالدباغ جميع جلود الميتة؛ إلا الكلب، والخنزير، والمتولد من أحدهما، ويطهر بالدباغ ظاهر الجلد، وباطنه، ويجوز استعماله في الأشياء اليابسة، والمائعة، وهذا مذهب الشافعي، واستدل باستثناء الخنزير بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام:١٤٥]، وقاس الكلب عليه بجامع النجاسة.
الثاني: أنه لا يطهر شيء من جلود الميتة بالدباغ، وهذا القول أشهر الروايتين عن أحمد، ورواية عن مالك، واستدلوا بحديث عبد الله بن عكيم مرفوعًا: «لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب».
الثالث: أنه يطهر بالدباغ جلد مأكول اللحم، ولا يطهر غيره، قال النووي: وهو مذهب الأوزاعي، وابن المبارك، وأبي ثور، وإسحاق بن راهويه، واستدلوا بحديث: «ذكاة الميتة دباغها»، وهو صحيح، قالوا: فجعل الدباغ في الأُهُبِ كالذكاة.
قالوا: والذكاة المشبه بها لا يحل بها غير المأكول، فكذلك المشبه لا يطهر جلد غير المأكول، وهذا إن سلم لا ينفي ما استفيد من الأحاديث العامة للمأكول، وغيره.
стр. 115
الرابع: يطهر جلود جميع الميتات؛ إلا الخنزير، وهو مذهب أبي حنيفة.
الخامس: يطهر جميع جلود الميتة؛ إلا أنه يطهر ظاهره دون باطنه، فلا ينتفع به في المائعات، وهو مذهب مالك المشهور، وهو تفصيل لا دليل عليه.
السادس: يطهر الجميع، والكلب، والخنزير ظاهرًا، وباطنًا، وهو مذهب داود، وأهل الظاهر، وهو قول أبي يوسف، ورواية عن مالك.
السابع: أنه ينتفع بجلود الميتة، وإن لم تدبغ، ويجوز استعمالها في المائعات، واليابسات.
قال النووي: وهو مذهب الزهري، وهو وجه شاذ لبعض أصحابنا، لا تعريج عليه، ولا التفات إليه. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: أرجح هذه المذاهب فيما يظهر لنا -والله أعلم- هو القول السادس؛ لعموم حديث الباب «أيما إهاب دُبِغَ؛ فقد طهر»، وكذلك حديث: «دباغها طهورها» وهو ترجيح الصنعاني في «سبل السلام» (١/ ٦٥) والشوكاني في «النيل» (١/ ١٠٩).
وأما حديث عبد الله بن عكيم: «لا تنتفعوا من الميتة بإهاب، ولا عصب»، فقد ضعَّفَهُ بعضهم، وأعلَّهُ بالاضطراب، وعلى صحة الحديث؛ فقد أجيب عنه بأنَّ النهي فيه متوجه على الميتة قبل الدباغ، ويؤيده ما ذكره النضر بن شميل، وغيره
стр. 116
من أهل اللغة على أنَّ الإهاب يطلق على الجلد قبل دباغه. (١)
مسألة [٢]: بماذا يدبغ جلد الميتة ؟
قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٤/ ٢٩٤): يَجُوز الدِّبَاغ بِكُلِّ شَيْء يُنَشِّف فَضَلَات الْجِلْد وَيُطَيِّبهُ، وَيَمْنَع مِنْ وُرُود الْفَسَاد عَلَيْهِ، وَذَلِكَ كَالشَّث، وَالشَّبّ، وَالْقَرَظ، وَقُشُور الرُّمَّان، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْأَدْوِيَة الطَّاهِرَة. انتهى.
وهذا الذي ذكره النووي هو مذهب الحنابلة كما في «المغني» (١/ ٩٥) والمالكية، والحنفية، وقال به ابن وهب، وداود كما في «التمهيد» (١٠/ ٣٨٥) ط/ مرتبة.
مسألة [٣]: هل يطهر الجلد بمجرد الدباغ دون غسله بالماء ؟
• في هذه المسألة قولان، وهما وجهان عند الحنابلة، والشافعية، والراجح أنه لا يشترط غسله بالماء، وحديث: «يطهرها الماء والقرظ» تقدم أنه ضعيف، ولكن إذا غسل لإزالة القذارات التي فيه فلا بأس، والله أعلم. (٢)
مسألة [٤]: بيع جلد الميتة .
قال الإمام المروزي كما في «التمهيد» (١٠/ ٣٧٨) ط/ مرتبة: وسائر من ذكرنا جعلها طاهرة بعد الدباغ، وأطلق الانتفاع بها في كل شيء، وهو القول الذي نختاره، ونذهب إليه.
стр. 117
قال ابن عبد البر ﵀: قوله (أطلق الانتفاع بها في كل شيء) يعني الوضوء فيها، والصلاة فيها، وبيعها، وشراءها، وسائر وجوه الانتفاع بها، وبثمنها، كالجلود المذكاة سواءً، وعلى هذا أكثر أهل العلم بالحجاز، والعراق من أهل الفقه، والحديث، وممن قال بهذا: الثوري، والأوزاعي، وعبيد الله بن الحسن العنبري، والحسن بن حي، وأبو حنيفة، والشافعي، وأصحابهما، وهو قول: داود ابن علي الظاهري، والطبري، وإليه ذهب ابن وهب صاحب مالك، كل هؤلاء يقولون: دباغ الإهاب طهوره للصلاة، والوضوء، والبيع، وكل شيء. اهـ (١)
قلتُ: ويدل عليه عموم قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ألا أخذوا إهابها فانتفعوا به».
وأما بيع الجلد قبل الدباغ فلا يجوز؛ لأنه من الميتة، وقد قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كما في «الصحيحين» (٢) عن جابر ﵁: «إن الله حرَّم بيع الميتة، والخنزير، والأصنام».
قال الشوكاني ﵀ في «النيل» (٣/ ٥١٧): ونقل ابن المنذر الإجماع على تحريم بيع الميتة، والظاهر أنه يحرم بيعها بجميع أجزائها. انتهى.
مسألة [٥]: أكل جلد الميتة .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ٩٥): ولا يحل أكله بعد الدبغ في قول أكثر أهل العلم، وحكي عن ابن حامد أنه يحل، وهو وجه لأصحاب الشافعي؛ لقوله: «دباغ الأديم ذكاته»، ولأنه معنى يفيد الطهارة في الجلد،
стр. 118
فأباح الأكل كالذبح.
قال: ولنا قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة:٣]، والجلد منها، وقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما حرم من الميتة أكلها» متفق عليه، ولأنه جزء من الميتة؛ فحرم أكله كسائر أجزائها، ولا يلزم من الطهارة إباحة الأكل، بدليل الخبائث مما لا ينجس بالموت، ثم لا يسمع قياسهم في ترك كتاب الله، وسنة رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. انتهى.
وقول الجمهور هو الراجح؛ لما ذكره ابن قدامة ﵀.
مسألة [٦]: الانتفاع بجلود السِّباع .
جاء عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه نهى عن افتراش جلود السِّباع. أخرجه أبو داود (١٠٥٩)، والترمذي (١٧٧٠)(١٧٧١)، وأحمد (٥/ ٧٤)، والبزار (٢٣٣٠)(٢٣٣١)، والطبراني (٥١٠)(٥١١)، وغيرهم، من حديث أسامة بن عمير ﵁، وهو حديث روي مرسلًا، وموصولًا، والظاهر أن الروايتين محفوظتان؛ ولذلك فإنَّ البخاري لم يرجح إحدى الروايتين على الأخرى، كما في «العلل الكبير» للترمذي (٢/ ٧٤١).
وجاء عن المقدام بن معدي كرب، ومعاوية ﵄، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، أنه نهى عن لبس جلود السباع، والركوب عليها. وإسناده ضعيفٌ، فيه: بقية بن الوليد، ولم يصرح بالتحديث. أخرجه أبو داود (٤١٣١)، وأخرجه أحمد (٤/ ١٣١ - ١٣٢)، بلفظ: نهى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن الذهب، والحرير، ومياثر النمور. وصرَّح بقية عنده بالتحديث.
стр. 119
ولحديث معاوية إسناد آخر حسن عند أحمد (٤/ ٩٢) بلفظ: «نهى عن ركوب النمور».
وجاء الحديث عن أبي ريحانة بلفظ: كان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن ركوب النمور. أخرجه أحمد (٤/ ١٣٤)، وفيه مجهول حال، ولكن الحديث في الشواهد؛ فلا يَضُرُّ ذلك.
فيستفاد من الأحاديث المتقدمة أن جلود السباع وإن دُبِغَتْ، فلا يجوز افتراشها، والركوب عليها. وهو قول الأوزاعي، ويزيد بن هارون، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور.
قال الطحاوي ﵀ في «مشكل الآثار» (٨/ ٢٩٤ - ٢٩٥) -بعد أن ذكر حديث: «أيما إهاب دُبِغَ فقد طهر» -:
وَدَخَلَ فِي ذَلِكَ جُلُودُ السِّبَاعِ، وَلَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ أَنْ يُخْرِجَ مِمَّا قَدْ عَمَّهُ رَسُولُ ﷺ بِذَلِكَ الْقَوْلِ؛ إلَّا بِمَا يُوجِبُ لَهُ إخْرَاجُهُ بِهِ مِنْ آيَةٍ مَسْطُورَةٍ، وَمِنْ سُنَّةٍ مَأْثُورَةٍ، وَمِنْ إجْمَاعٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَجَبَ بِهِ دُخُولُ جُلُودِ السِّبَاعِ فِي الْأُهُبِ الَّتِي تَجِبُ طَهَارَتُهَا بِالدِّبَاغِ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ عَقَلْنَا أَنَّ النَّهْيَ الَّذِي جَاءَ فِي الْآثَارِ الَّتِي رَوَيْنَاهَا فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ الرُّكُوبِ عَلَى جُلُودِ السِّبَاعِ لَمْ يَكُنْ لِأَنَّهَا غَيْرُ طَاهِرَةٍ بِالدِّبَاغِ الَّذِي فُعِلَ بِهَا، وَلَكِنْ لِمَعْنًى سِوَى ذَلِكَ، وَهُوَ رُكُوبُ الْعَجَمِ عَلَيْهَا، لَا مَا سِوَى ذَلِكَ.
قال: وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ أَيْضًا مَا قَدْ حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: ثنا
стр. 120
سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، قَالَ: ثنا يُونُسُ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَأَى رَجُلًا وَعَلَيْهِ قَلَنْسُوَةٌ بَطَائِنُهَا مِنْ جُلُودِ الثَّعَالِبِ، فَأَلْقَاهُ عَنْ رَأْسِهِ، وَقَالَ: مَا يَدْرِيك لَعَلَّهُ لَيْسَ بِذَكِيٍّ. وَفِي هَذَا مَا قَدْ دَلَّ: أَنَّهُ لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ ذَكِيٌّ لَمْ يُكْرَهْ لَهُ لُبْسُ مَا هُوَ فِيهِ. اهـ
قلتُ: يشير الطحاوي ﵀ إلى أنَّ النهي عن الافتراش، والركوب إنما هو لكونه من عمل الأعاجم، ولا يشمل ذلك لبسه، ورواية المقدام، ومعاوية المصرحة بالنهي عن اللبس ضعيفة.
وقد ذهب بعضهم إلى أنَّ علة النهي إنما هو من أجل أنها مراكب أهل السرف، والخيلاء، ذكر ذلك الخطابي في «معالم السنن» (٤/ ١٨٦)، والشوكاني في «نيل الأوطار» (١/ ١٠٥).
ورخص في افتراش جلود السباع والركوب عليها: الحسن، وابن سيرين، وعروة، وعمر بن عبدالعزيز، والزهري، وغيرهم، ونقل عن جابر بن عبدالله بسند فيه ضعف، فيه الحجاج بن أرطاة كما في «الأوسط» لابن المنذر (٢/ ٣٠٠)، والصحيح أنه لا يجوز ركوبها، ولا افتراشها؛ للأدلة المتقدمة، ولعل المذكورين لم تبلغهم الأدلة في تحريم ذلك، والله أعلم. (١)
стр. 121
ذِكْرُ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَة
مسألة [١]: شعر الميتة، وصوفها .
• ذهب جمهور أهل العلم إلى أنها ليست بنجسة، واستدلوا بأدلة منها:
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل:٨٠]، وهذا عام في الحية، والميتة.
قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما حرم أكلها»، ففيه دلالة على جواز الانتفاع بأشعارها، وصوفها، وذلك يدل على طهارته.
قالوا: الأصل في الأعيان الطهارة، ولا تنجس إلا بدليل، وقالوا: إن اللحم إنما ينجس لاحتقان الرطوبات، والفضلات، والدم، والصوف، والشعر ليس كذلك.
وقالوا: إن الشعر لو جُزَّ حال الحياة كان طاهرًا بالإجماع، وهذا يدل على أنها ليست حية كحياة الحيوان؛ فإنه لا يتألم إذا قطعت، بعكس أعضائه.
• وذهب الشافعي ﵀ إلى نجاستها، واستدل الشافعية على ذلك بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾، وهو عام في الشعر وغيره.
وقد أجاب عن استدلالهم بهذه الآية شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٩٧)، فقال: وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ لَا
والقول الأول، وهو قول الجمهور هو الراجح، والله أعلم.
ورجَّحه أيضًا ابن القيم ببحث نفيس في «الزاد». (١)
مسألة [٢]: قرن الميتة، وظلفها .
• ذهب الشافعية، وجمهور الحنابلة إلى أنها نجسة، وهو قول مالك، وإسحاق، وابن المنذر، كما في «شرح المهذب» (١/ ٢٣٦).
• وذهب أبو حنيفة، وداود الظاهري إلى طهارة القرن، والظفر، والظلف، وهو وجهٌ عند الحنابلة رجَّحه شيخ الإسلام ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ١٠٠)، بل قال: وهذا قول جمهور السلف.
وهذا القول هو الراجح؛ للأدلة المذكورة في المسألة السابقة، والله أعلم. (٢)
مسألة [٣]: عظام الميتة .
• ذهب مالك، وأحمد، والشافعي، وإسحاق، وغيرهم من أهل العلم إلى نجاستها، كما في «شرح المهذب» (١/ ٢٣٦)؛ لأنها من الميتة، وتشملها الآية: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾، وحياتها حيوانية؛ لأنها تحس، وتتحرك بالإرادة، وقد قال تعالى: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩].
• وذهب الثوري، وأبو حنيفة إلى طهارتها، وهو قول داود الظاهري، وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٩٩)، حيث
стр. 124
قال: وَأَمَّا الْعِظَامُ، وَنَحْوُهَا، فَإِذَا قِيلَ: إنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي الْمَيْتَةِ؛ لِأَنَّهَا تَحُسُّ وَتَأَلَّم، قِيلَ لِمَنْ قَالَ ذَلِكَ: أَنْتُمْ لَمْ تَأْخُذُوا بِعُمُومِ اللَّفْظِ؛ فَإِنَّ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ كَالذُّبَابِ، وَالْعَقْرَبِ، وَالْخُنْفُسَاءِ، لَا يَنْجُسُ عِنْدَكُمْ، وَعِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، مَعَ أَنَّهَا مَيْتَةٌ مَوْتًا حَيَوَانِيًّا، وَقَدْ ثَبَتَ فِي «الصَّحِيحِ»، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ، ثُمَّ لِيَنْزَعْهُ؛ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءٌ، وَفِي الْآخَرُ شِفَاءٌ»، وَمَنْ نَجَّسَ هَذَا قَالَ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ: إنَّهُ لَا يُنَجِّسُ الْمَائِعَاتِ الْوَاقِعَةَ فِيهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ عُلِمَ أَنَّ عِلَّةَ نَجَاسَةِ الْمَيْتَةِ إنَّمَا هُوَ احْتِبَاسُ الدَّمِ فِيهَا، فَمَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ لَيْسَ فِيهِ دَمٌ سَائِلٌ، فَإِذَا مَاتَ لَمْ يَحْتَبِسْ فِيهِ الدَّمُ؛ فَلَا يَنْجُسُ، فَالْعَظْمُ وَنَحْوُهُ أَوْلَى بِعَدَمِ التَّنْجِيسِ مِنْ هَذَا؛ فَإِنَّ الْعَظْمَ لَيْسَ فِيهِ دَمٌ سَائِلٌ، وَلَا كَانَ مُتَحَرِّكًا بِالْإِرَادَةِ إلَّا عَلَى وَجْهِ التَّبَعِ. فَإِذَا كَانَ الْحَيَوَانُ الْكَامِلُ الْحَسَّاسُ الْمُتَحَرِّكُ بِالْإِرَادَةِ لَا يَنْجُسُ؛ لِكَوْنِهِ لَيْسَ فِيهِ دَمٌ سَائِلٌ، فَكَيْفَ يَنْجُسُ الْعَظْمُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ دَمٌ سَائِلٌ.
ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ السَّلَفِ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: كَانَ خِيَارُ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَتَمَشَّطُونَ بِأَمْشَاطٍ مِنْ عِظَامِ الْفِيلِ. انتهى.
قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: هذا القول هو الراجح، والله أعلم. (١)
مسألة [٤]: بيض الميتة .
• إن كان قِشرها قد صلب؛ فهي طاهرة عند الحنابلة، والحنفية، وجمهور الشافعية، واختاره ابن المنذر، فقال كما في «الأوسط» (٢/ ٢٩٠): لا فرق بين
стр. 125
البيضة التي قد اشتدت وصلبت تقع في البول والدم، وبين كونها في بطن الدجاجة الميتة أنها إذا غسلت تؤكل؛ لأنَّ النجاسة غير واصلة إليها في واحد من الحالين؛ لصلابتها، والحائل بينها وبين النجاسة من القشر الصحيح الذي يحيط العلم أن لا سبيل لوصول شيء إلى داخلها، فإذا كانت غير صلبة لينة فهي نجسة لا يجوز أكلها. انتهى.
• وخالف في هذه المسألة مالك، والليث، وبعض الشافعية، فقالوا بنجاستها؛ لأنها جزء من الدجاجة.
قال ابن قدامة ﵀: وَقَوْلُهم: (إِنَّها جُزْءٌ مِنْهَا) غَيْرُ صَحِيْحٍ، وَإِنَّمَا هِيَ مُوْدَعَةٌ فِيْهَا غَيْر مُتَّصِلَةٍ بِهَا، فَأَشْبَهَتِ الَوَلَدَ إِذَا خَرَجَ حَيًّا مِنَ المَيْتَةِ. اهـ
وقال ﵀: فَإِنْ لَمْ تَكْمُلْ الْبَيْضَةُ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: مَا كَانَ قِشْرُهُ أَبْيَضَ، فَهُوَ طَاهِرٌ، وَمَا لَمْ يَبْيَضَّ قِشْرُهُ فَهُوَ نَجِسٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ حَائِلٌ حَصِينٌ، وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّهُ لَا يَنْجُسُ؛ لِأَنَّ الْبَيْضَةَ عَلَيْهَا غَاشِيَةٌ رَقِيقَةٌ كَالْجِلْدِ، وَهُوَ الْقِشْرُ قَبْلَ أَنْ يَقْوَى، فَلَا يَنْجُسُ مِنْهَا إلَّا مَا كَانَ لَاقَى النَّجَاسَةَ، كَالسَّمْنِ الْجَامِدِ إذَا مَاتَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ، إلَّا أَنَّ هَذِهِ تَطْهُرُ إذَا غَسَلَهَا؛ لِأَنَّ لَهَا مِنْ الْقُوَّةِ مَا يَمْنَعُ تَدَاخُلَ أَجْزَاءِ النَّجَاسَةِ فِيهَا، بِخِلَافِ السَّمْنِ. انتهى.
قلتُ: ما ذكره ابن عقيل هو وجهٌ عند الشافعية كما في «شرح المهذب»، وهو الراجح فيما يظهر لنا، والله أعلم. (١)
стр. 126
مسألة [٥]: لبن الميتة، وإنفحَّتُها .
الإنفحة: هي لكل ذي كرش، شيءٌ يستخرج من بطنه، أصفر، يعصر في صُوْفَةٍ مبتلة في اللبن، فيغلظ كالجبن. «المصباح المنير».
• ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أنَّ اللبن، والإنفحة تعتبر نجسة، وهو مذهب الحنابلة، والشافعية، والمالكية، وقالوا: إنَّ هذا مائع في وعاء نجس؛ فكان نجسًا، كما لو حُلِبَ في وعاء نجس.
• وذهب أبو حنيفة، وداود الظاهري، وهو وجه ضعيفٌ عند الحنابلة إلى طهارته، واختاره شيخ الإسلام بناءً على ما اختاره من أنَّ الشيء لا ينجس إلا بالتغير، فقال: إن لم يكن متغيرًا بدمِ الميتة، وما أشبه ذلك؛ فهو طاهرٌ.
قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (١/ ٧٦): والذي يظهر لي رجحانه في هذه المسألة هو المذهب؛ لأنه وإن انفصل، واجتمع في الضرع قبل أن تموت؛ فإنه يسير بالنسبة إلى ما لاقاه من النجاسة؛ لأنها محيطة به من كل جانب، وهو يسير، ثم إنَّ الذي يظهر سريان عفونة الموت إلى هذا اللبن؛ لأنه ليس كالماء في قوة دفع النجاسة عنه، والمذهب، وإن كان فيه نظر من حيث قاعدة: (أن ما لا يتغير بالنجاسة فليس بنجس)، وهذه قاعدة عظيمة، محكمة، فالأخذ به من باب الاحتياط، وأيضًا بعموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة:٣]، واللبن في الضرع داخلٌ في هذا العموم. انتهى. (١)
стр. 127
١٩ - وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ ﵁، قَالَ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ قَالَ: «لَا تَأْكُلُوا فِيهَا؛ إلَّا أَنْ لَا تَجِدُوا غَيْرَهَا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
٢٠ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ تَوَضَّئُوا مِنْ مَزَادَةِ (٢) امْرَأَةٍ مُشْرِكَةٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣)، فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ.
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: حكم آنية الكفار .
قال الإمام النووي ﵀ في «شرح المهذب»: يكره استعمال أواني الكفار، سواء فيه أهل الكتاب، وغيرهم، والمتدين باستعمال النجاسة، وغيره، ودليله حديث أبي ثعلبة الخشني ﵁، قال أصحابنا: وأوانيهم المستعملة في الماء أخف كراهة؛ فإن تيقن طهارة أوانيهم؛ فلا كراهة حينئذٍ في استعمالها.
ثم قال: وهذا الذي ذكرناه من الحكم بطهارة أواني الكفار هو مذهبنا، ومذهب الجمهور من السلف، وحكى أصحابنا عن أحمد، وإسحاق نجاسة ذلك؛
стр. 128
لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة:٢٨]، ولحديث أبي ثعلبة، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «فاغسلوها»، واحتج أصحابنا بقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة:٥]، ومعلومٌ أن طعامهم يطبخونه في قدورهم، ويباشرونه بأيديهم، وبحديث عمران، وبأنَّ الأصل الطهارة، وبأنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يأذن للكفار في دخول المسجد، ولو كانوا أنجاسًا لم يأذن.
وأجاب أصحابنا عن الآية بجوابين، أحدها: معناها أنَّ المشركين نجس أديانهم، واعتقادهم، وليس المراد أبدانهم، وأوانيهم، بدليل أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أدخلهم المسجد، واستعمل آنيتهم، وأكل طعامهم.
وأجابوا عن حديث أبي ثعلبة: بأنَّ السؤال كان عن الآنية التي يطبخون فيها لحم الخنزير، ويشربون فيها الخمر، كما جاء في رواية أبي داود.
وجواب آخر: أنه محمول على الاستحباب. ذكره الشيخ أبو حامد، ويدل عليه أنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهاهم عن استعمالها مع وجود غيرها، وهذا محمول على الاستحباب بلا شك، والله أعلم. (١)
والحاصل من هذه المسألة: أنَّ آنية الكفار إنْ تُيُقِّنَ من نجاستها؛ حرم استعمالها حتى يغسلها، وإن تيقن من طهارتها؛ فلا كراهة في استعمالها، وما عدا هاتين الصورتين فيكره استعمالها؛ لحديث أبي ثعلبة: «لا تأكلوا فيها ... » الحديث.
стр. 129
وإنما حملنا النهي على الكراهة؛ لحديث عمران بن الحصين الذي في الباب، وللآية السابقة: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾.
ولحديث جابر في «سنن أبي داود» (٣٨٣٨)، وغيره، قال: كنا نغزو مع رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فنصيب من آنية المشركين، فنستمتع بها، فلا يعيب ذلك علينا.
ولحديث عبد الله بن مغفل في «الصحيحين» (١)(١٧٧٢)، قال: أصبت جِرَابًا من شحم يوم خيبر، فالتزمته، وقلت: لا أعطي اليوم أحدًا من هذا شيئًا، فالتفت، فإذا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- متبسمًا. ولأن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أكل من آنية اليهودية التي وضعت له السمَّ بالطعام.
وغسل الآنية في حديث أبي ثعلبة محمول على الاستحباب؛ لعدم غسل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- للآنية التي استعملها، كما في الأدلة المتقدمة، وقد أشار إلى هذا النووي في آخر كلامه، فَتَنَبَّه. (٢)
стр. 130
٢١ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ قَدَحَ النَّبِيِّ ﷺ انْكَسَرَ، فَاتَّخَذَ مَكَانَ الشَّعْبِ (١) سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ. أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: التضبيب بالفضة .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٥٢٠): وجملة ذلك أنَّ الضبة من الفضة تُباح بشروط: أحدها: أن تكون يسيرة. الثاني: أن تكون من الفضة، فأما الذهب فلا يباح، وقليله، وكثيره حرام. الثالث: أن يكون لحاجة.
ثم قال ابن قدامة ﵀: وممن رخص في ضبة الفضة: سعيد بن جبير، وميسرة، وزاذان، وطاوس، والشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر، وأصحاب الرأي، وإسحاق، وقال: قد وضع عمر بن عبد العزيز فاه بين ضبتين. انتهى المراد.
ونقل ابن عبد البر في «التمهيد» (١٦/ ١٠٩) جواز الشرب من الإناء المفضض عن عمران بن حصين، وأنس بن مالك (٣)، وطاوس، ومحمد بن علي ابن الحسن، والحكم بن عتيبة، وإبراهيم النخعي، وحماد، والحسن، وأبي العالية. اهـ، ونقل عن الشافعي كراهة ذلك.
стр. 131
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٥٢٠): وكره الشرب في الإناء المفضض: علي بن الحسين، وعطاء، وسالم، والمطلب بن عبد الله بن حنطب، ونهت عائشة أن يضبب الإناء، أو يحلقها بالفضة (١)، ونحو ذلك قول الحسن، وابن سيرين، ولعل هؤلاء كرهوا ما قصد به الزينة، أو كان كثيرًا، فيكون قولهم وقول الأولين واحدًا، ولا يكون في المسألة خلاف، فأما اليسير كتشعيب القدح ونحوه، فلا بأس؛ لأن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان له قدح فيه سلسلة من فضة شُعِّبَ بها. رواه البخاري بمعناه. انتهى.
قلتُ: والحاصل مما تقدم أنَّ الضبة من الفضة تُباح بالشروط المتقدمة، وقد رجح ذلك الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (١/ ٦٤).
تنبيه: ذهب أكثر العلماء الذين أجازوا الإناء المضبب إلى كراهة مباشرة الفضة عند الأكل، أو الشرب، لكن قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (١/ ٩٧): والصواب أنه ليس بمكروه، وله مباشرتها؛ لأنَّ الكراهة حكم شرعي يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي، وما دام ثبت بمقتضى حديث أنس المتقدم أنها مباحة، فما الذي يجعل مباشرتها مكروهة؟ وهل كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يتوقَّى هذه الجهة من قدحه؟ الجواب: لا. انتهى.
стр. 132
مسألة [٢]: التضبيب بالذهب .
• وأما التضبيب بالذهب، فقد ذهب عامة العلماء إلى تحريم ذلك؛ لأن النص إنما جاء في الفضة.
• ولم يخالف إلا القليل من أهل العلم، وهو وجه ضعيف عند الشافعية، والحنابلة، والراجح عدم الجواز. (١)
стр. 133
بَابُ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَبَيَانِهَا
مسألة [١]: النجاسة الحسية تنقسم إلى قسمين:
١) نجاسة عينية، وهي ما كان عينها نجسٌ، فلا تطهر أبدًا ما دامت على عينها، كالغائط، والميتة.
٢) نجاسة حكمية، وهي التي تقع على شيء طاهر، فينجس بها. (١)
٢٢ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الخَمْرِ: تُتَّخَذُ خَلًّا (٢)؟ قَالَ: «لَا». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (٣)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: نجاسة الخمر .
• ذهب جمهور أهل العلم إلى نجاسة الخمر، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة:٩٠]، ونقل بعضهم الإجماع على ذلك، ولا يصح، فقد خالف ربيعةُ شيخُ الإمام مالك، وداود الظاهري، كما في «شرح المهذب» (٢/ ٥٦٣).
بَابُ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَبَيَانِهَا
قال الإمام النووي ﵀ -مع أنه من القائلين بنجاستها-: ولا يظهر من الآية
стр. 134
دلالة ظاهرة؛ لأن الرجس عند أهل اللغة: القذر، ولا يلزم من ذلك النجاسة، وكذا الأمر بالاجتناب لا يلزم منه النجاسة. انتهى المراد.
قال الصنعاني ﵀ في «سبل السلام» (١/ ٧٦): وَالْحَقُّ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَعْيَانِ الطَّهَارَةُ وَأَنَّ التَّحْرِيمَ لَا يُلَازِمُ النَّجَاسَةَ، فَإِنَّ الْحَشِيشَةَ مُحَرَّمَةٌ طَاهِرَةٌ، وَكَذَا الْمُخَدَّرَاتُ وَالسُّمُومُ الْقَاتِلَةُ، لَا دَلِيلَ عَلَى نَجَاسَتِهَا ... ، فَإِذَا عَرَفْت هَذَا؛ فَتَحْرِيمُ الْحُمُرِ، وَالْخَمْرِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ نَجَاسَتُهُمَا، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا بَقِيَتَا عَلَى الْأَصْلِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ الطَّهَارَةِ، فَمَنْ ادَّعَى خِلَافَهُ؛ فَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ. انتهى.
وقال الإمام ابن عثيمين ﵀: والصحيح أنها ليست بنجسة، والدليل على ذلك ما يلي:
١) حديث أنس ﵁ في «الصحيحين» (١)، أنَّ الخمر لما حُرِّمَتْ خرج الناس، وأراقوها في الأسواق، وأسواق المسلمين لا يجوز أن تكون مكانًا للنجاسة.
٢) ما رواه مسلم (٢) عن ابن عباس ﵄، أنَّ رجُلًا جاء براوية خمرٍ، فأهداها للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فقال: أما علمت أنها حُرِّمَتْ، فسارَّ رجُلًا: أنْ بِعْهَا. فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنَّ الله إذا حَرَّمَ شيئًا حَرَّمَ ثمنه»، ففك الرجل الراوية، ثم أراقها بحضرة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولم يقل له: اغسلها، وهذا بعد التحريم.
٣) أنَّ الأصل الطهارة، حتى يقوم دليل النجاسة، ولا دليل.
стр. 135
والجواب عن الآية: أنه يراد بالنجاسة المعنوية لا الحسية؛ لوجهين:
الأول: أنها قرنت بالأنصاب، والأزلام، والميسر، ونجاسة هذه معنوية.
الثاني: أنَّ الرجس هنا قُيِّدَ بقوله: ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾، فهو رجسٌ عملي، وليس رجسًا عينيًّا تكون به هذه الأشياء نجسة. انتهى، وهذا القول هو الصحيح، والله أعلم.
مسألة [٢]: حكم تخليل الخمر .
• ذهب جمهور أهل العلم إلى تحريم تخليل الخمر إذا خللها بإضافة بعض المواد إليها، كالخل، أو الملح، أو خميرة، أو بصل، أو خبز حار، واستدلوا على ذلك بحديث الباب، وجاء عند أبي داود (٣٦٧٥)، وأحمد (٣/ ١١٩) بإسناد صحيح من حديث أنس ﵁: أنَّ أبا طلحة سأل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن أيتامٍ ورثوا خمرًا؟ قال: «أهرقها»، قال: أفلا نجعلها خلًّا؟ قال: «لا».
• وذهب أبو حنيفة إلى جواز ذلك، قال القرطبي كما في «النيل» (٥/ ٤٢١): كيف يصح لأبي حنيفة القول بالتخليل مع هذا الحديث، ومع سببه الذي خرج عليه؛ إذ لو كان جائزًا لكان قد ضيع على الأيتام أموالهم، ولوجب الضمان على من أراقها عليهم، وهو أبو طلحة. انتهى.
وأما إذا كان التخليل بنقلها من الشمس إلى الظِّل، أو من الظِّل إلى الشمس، فقد أجازه أيضًا الشافعية على الوجه الأصح عندهم، والصحيح أنَّ هذا أيضًا لا يجوز؛ لأنه يشمله حديث الباب. (١)
стр. 136
مسألة [٣]: إذا تخللت الخمر بنفسها .
قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (١٩٨٣): وأجمعوا على أنها إذا انقلبت بنفسها خلًّا؛ طهرت، وقد حكي عن سحنون المالكي أنها لا تطهر؛ فإن صحَّ عنه فهو محجوج بالإجماع قبله. انتهى.
قلتُ: قوله (طهرت) يعني (وتحل)، وهذا مبني على القول بنجاستها، وتقدم أنَّ الراجح أنها محرمة، وليست بنجسة، فإذا تخللت بنفسها؛ حلَّت.
مسألة [٤]: إذا خلل الإنسان الخمر، فهل تصبح الخمر حلالاً ؟
• ذهب جمهور أهل العلم، ومنهم مالك، والشافعي، وأحمد، إلى أنه يأثم بتخليله، ولا تحل الخمر، إن أصبحت خلًّا؛ لأنها خُلِّلَت بطريقةٍ غير شرعية، مخالفة لأمر الله ورسوله، فيكون باطلًا، مردودًا، فلا يترتب عليه أثر.
• وذهب بعض أهل العلم إلى أنها تطهر، مع كون الفعل حرامًا، وعللوا ذلك بأنَّ علة النجاسة، والتحريم الإسكار، والإسكار قد ذهب؛ فتكون حلالًا، وهذا القول رواية عن مالك.
• وقال آخرون: إنْ خلَّلَها مَنْ تحل له، كأهل الكتاب اليهود، والنصارى، حلَّت، وصارت طاهرة، وإنْ خلَّلَها منْ لا تحل له؛ فهي حرام، نجسة. وهذا القول رواية عن مالك.
قال الإمام ابن عثيمين ﵀: وهذا أقرب الأقوال.
• وذهب أبو حنيفة إلى جواز تخليلها، وهو قول باطل مخالف للأدلة.
стр. 137
قلتُ: الثابت عن الصحابة رضوان الله عليهم، أنه لا يؤكل منها إلا إن تخللت بنفسها؛ فقد أخرج أبو عبيد في الأموال (٣١١) قال: حدثني يحيى بن سعيد، ويزيد بن هارون، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن القاسم بن محمد، عن أسلم، قال: قال عمر بن الخطاب: لا تأكل خلا من خمر أفسدت، حتى يبدأ الله بفسادها، وذلك حين طاب الخل، ولا بأس على امرئ أصاب خلا من أهل الكتاب أن يبتاعه، ما لم يعلم أنهم تعمدوا إفسادها.
وأخرجه ابن أبي شيبة (٨/ ١٤) عن وكيع، عن ابن أبي ذئب، بإسناده، قال: لا بأس بخل وجدته مع أهل الكتاب؛ ما لم تعلم أنهم تعمدوا إفسادها بعد ما صارت خمرًا.
وهذا إسنادٌ صحيحٌ.
وأخرج ابن أبي شيبة (٨/ ١٢) عن عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن جبير بن نفير، قال: اختلف رجلان من أصحاب معاذ في خل الخمر، فسألا أبا الدرداء؟ فقال: لا بأس به. وإسناده صحيح أيضًا.
قلتُ: ولكن تقدم أنَّ الخمر طاهرة، ولا يحكم عليها بالنجاسة، فَتَنَبَّه. (١)
مسألة [٥]: استحالة النجاسة .
• ذهب جمهور أهل العلم إلى أن استحالة النجاسة لا يطهرها، كالعذرة إذا صارت ترابًا، أو جلود الميتة إذا أُحرِقت، وصارت رمادًا، أو وقعت ميتة في
стр. 138
مملحة فصارت ملحًا، وقالوا: إنَّ هذه المادة هي أصلها تلك المادة النجسة.
• وذهب أبو حنيفة، وأهل الظاهر إلى أن النجاسات تطهر بالاستحالات، وهذا القول هو رواية عن أحمد، انتصر لها شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم رحمة الله عليهما.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٧٠ - ٧١): وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَعْيَانَ لَمْ تَتَنَاوَلُهَا نُصُوصُ التَّحْرِيمِ لَا لَفْظًا، وَلَا مَعْنًى، فَلَيْسَتْ مُحَرَّمَةً، وَلَا فِي مَعْنَى الْمُحَرَّمِ، فَلَا وَجْهَ لِتَحْرِيمِهَا، بَلْ تَتَنَاوَلُهَا نُصُوصُ الْحِلِّ؛ فَإِنَّهَا مِنْ الطَّيِّبَاتِ، وَهِيَ أَيْضًا فِي مَعْنَى مَا اُتُّفِقَ عَلَى حِلِّهِ، فَالنَّصُّ وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي تَحْلِيلَهَا. وَأَيْضًا فَقَدْ اتَّفَقُوا كُلُّهُمْ عَلَى أنَّ الْخَمْرَ إذَا صَارَتْ خَلًّا بِفِعْلِ الله تَعَالَى، صَارَتْ حَلَالًا طَيِّبًا، وَاسْتِحَالَةُ هَذِهِ الْأَعْيَانِ أَعْظَمُ مِنْ اسْتِحَالَةِ الْخَمْرِ، وَاَلَّذِينَ فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا قَالُوا: الْخَمْرُ نَجُسَتْ بِالِاسْتِحَالَةِ؛ فَطَهُرَتْ بِالِاسْتِحَالَةِ، بِخِلَافِ الدَّمِ وَالْمَيْتَةِ، وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ. وَهَذَا الْفَرْقُ ضَعِيفٌ؛ فَإِنَّ جَمِيعَ النَّجَاسَاتِ نَجُسَتْ أَيْضًا بِالِاسْتِحَالَةِ؛ فَإِنَّ الدَّمَ مُسْتَحِيلٌ عَنْ أَعْيَانٍ طَاهِرَةٍ، وَكَذَلِكَ الْعَذِرَةُ، وَالْبَوْلُ، وَالْحَيَوَانُ النَّجِسُ، مُسْتَحِيلٌ عَنْ مَادَّةٍ طَاهِرَةٍ مَخْلُوقَةٍ. انتهى. (١)
وقال ابن القيم ﵀ في «أعلام الموقعين» (١/ ٣٩٤): وَعَلَى هَذَا فَالْقِيَاسُ الصَّحِيحُ تَعْدِيَةُ ذَلِكَ إلَى سَائِرِ النَّجَاسَاتِ إذَا اسْتَحَالَتْ، وَقَدْ نَبَشَ النَّبِيُّ ﷺ قُبُورَ
стр. 139
الْمُشْرِكِينَ مِنْ مَوْضِعِ مَسْجِدِهِ، وَلَمْ يَنْقُلْ التُّرَابَ، وَقَدْ أَخْبَرَ الله سُبْحَانَهُ عَنْ اللَّبَنِ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الدَّابَّةَ إذَا عُلِفَتْ بِالنَّجَاسَةِ، ثُمَّ حُبِسَتْ وَعُلِفَتْ بِالطَّاهِرَاتِ حَلَّ لَبَنُهَا وَلَحْمُهَا، وَكَذَلِكَ الزَّرْعُ وَالثِّمَارُ إذَا سُقِيَتْ بِالْمَاءِ النَّجَسِ، ثُمَّ سُقِيَتْ بِالطَّاهِرِ حَلَّتْ لِاسْتِحَالَةِ وَصْفِ الْخُبْثِ وَتَبَدُّلِهِ بِالطَّيِّبِ، وَعَكْسُ هَذَا أَنَّ الطَّيِّبَ إذَا اسْتَحَالَ خَبِيثًا صَارَ نَجَسًا كَالْمَاءِ وَالطَّعَامِ إذَا اسْتَحَالَ بَوْلًا وَعَذِرَةً، فَكَيْفَ أَثَّرَتْ الِاسْتِحَالَةُ فِي انْقِلَابِ الطَّيِّبِ خَبِيثًا، وَلَمْ تُؤَثِّرْ فِي انْقِلَابِ الْخَبِيثِ طَيِّبًا؟
إلى أن قال: وَالْحُكْمُ تَابِعٌ لِلِاسْمِ وَالْوَصْفُ دَائِرٌ مَعَهُ وُجُودًا وَعَدَمًا. انتهى. (١)
وقال ابن حزم ﵀ في «المحلَّى» (١٣٢): وَإِذَا أُحْرِقَتْ الْعَذِرَةُ، أوِ المَيْتَةُ، أو تَغَيَّرَتْ فَصَارَتْ رَمَادًا أو تُرَابًا، فَكُلُّ ذَلِكَ طَاهِرٌ، وَيُتَيَمَّمُ بِذَلِكَ التُّرَابِ، بُرْهَانُ ذَلِكَ: أَنَّ الأَحْكَامَ إنَّمَا هِيَ عَلَى مَا حَكَمَ الله تَعَالَى بِهَا فِيهِ مِمَّا يَقَعُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الاِسْمُ الَّذِي بِهِ خَاطَبَنَا الله عَزَّوَجَلَّ، فَإِذَا سَقَطَ ذَلِكَ الاِسْمُ فَقَدْ سَقَطَ ذَلِكَ الْحُكْمُ، وَأَنَّهُ غَيْرُ الَّذِي حَكَمَ الله تَعَالَى فِيهِ. وَالْعَذِرَةُ غَيْرُ التُّرَابِ وَغَيْرُ الرَّمَادِ، وَكَذَلِكَ الْخَمْرُ غَيْرُ الْخَلِّ، وَالإِنْسَانُ غَيْرُ الدَّمِ الَّذِي مِنْهُ خُلِقَ، وَالمَيْتَةُ غَيْرُ التُّرَابِ. اهـ
وقد رجَّح هذا القول الشوكاني في «الدراري»، ومحمد بن إبراهيم آل الشيخ، كما في «توضيح الأحكام» (١/ ١٧٢)، وهو الراجح، والله أعلم. (٢)
стр. 140
٢٣ - وَعَنْهُ، قَالَ: لمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ، أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَا طَلْحَةَ، فَنَادَى: إنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ؛ فَإِنَّهَا رِجْسٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: اختلاف العلماء في نجاسة الحمار الأهلي، والبغل .
• ذهب الإمام أحمد في المشهور عنه إلى نجاستهما، وتبعه على ذلك كثير من الحنابلة، واستدلوا بحديث الباب: «فإنها رجسٌ».
• وذهب الإمامان: مالك، والشافعي إلى أنهما طاهران، وهو رواية عن أحمد، اختارها بعضه أصحابه.
قال الموفق ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ٦٨): والصحيح عندي طهارتهما؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يركبهما، وتركب في زمنه، وفي عصر الصحابة، فلو كان نجسًا؛ لبَيَّنَ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ذلك، ولأنهما مما لا يمكن التحرز منهما لمقتنيهما، فأشبه السِّنَّور، وقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الحمر: «إنها رجس»، أراد أنها محرمة، كقوله تعالى في الخمر، والميسر، والأنصاب، والأزلام ﴿رِجْسٌ﴾، ويحتمل أنه أراد لحمها الذي كان في قدروهم؛ فإنه نجس؛ لأن ذبح ما لا يحل أكله لا يطهره. انتهى.
قلتُ: ويمكن الجواب أيضًا بأنَّ الرجس بمعنى القذر، ولا يلزم منه النجاسة،
стр. 141
بل مجرد التقذر، والاستخباث، والله أعلم.
وهذا القول هو الراجح، قال المرداوي في «الإنصاف» (١/ ٣٢٣): وهو الصحيح، والأقوى دليلًا. اهـ
وقال الصنعاني ﵀ في «سبل السلام» (١/ ٧٦): فَتَحْرِيمُ الْحُمُرِ وَالْخَمْرِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ نَجَاسَتُهُمَا، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا بَقِيَتَا عَلَى الْأَصْلِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ الطَّهَارَةِ، فَمَنْ ادَّعَى خِلَافَهُ؛ فَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ. اهـ
وقد رجَّح هذا القول الشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ عبد الرحمن السعدي، والإمام ابن عثيمين رحمة الله عليهم، كما في «توضيح الأحكام»، و «شرح بلوغ المرام» للعثيمين.
مسألة [٢]: حكم أكل الحمر الأهلية .
قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (١٣/ ٩٧): فَقَالَ الْجَمَاهِير مِنْ الصَّحَابَة، وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدهمْ بِتَحْرِيمِ لُحُومهَا؛ لِهَذِهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الصَّرِيحَة -ومنها حديث أنس الذي في الباب- وَقَالَ ابْن عَبَّاس: لَيْسَتْ بِحَرَامٍ. وَعَنْ مَالِك ثَلَاث رِوَايَات، أَشْهَرهَا: أَنَّهَا مَكْرُوهَة كَرَاهِيَة تَنْزِيه شَدِيدَة، وَالثَّانِيَة: حَرَام، وَالثَّالِثَة: مُبَاحَة. وَالصَّوَاب التَّحْرِيم، كَمَا قَالَهُ الْجَمَاهِير؛ لِلْأَحَادِيثِ الصَّرِيحَة. وَأَمَّا الْحَدِيث الْمَذْكُور فِي «سُنَن أَبِي دَاوُدَ» (١) عَنْ غَالِب بْن أَبْجَرَ قَالَ: أَصَابَتْنَا
стр. 142
سَنَة، فَلَمْ يَكُنْ فِي مَالِي شَيْء أُطْعِم أَهْلِي إِلَّا شَيْء مِنْ حُمُر، وَقَدْ كَانَ رَسُول الله ﷺ حَرَّمَ لُحُوم الْحُمُر الْأَهْلِيَّة، فَأَتَيْت النَّبِيّ ﷺ ، فَقُلْت: يَا رَسُول الله، أَصَابَتْنَا السَّنَة، فَلَمْ يَكُنْ فِي مَالِي مَا أُطْعِم أَهْلِي إِلَّا سِمَان حُمُر، وَإِنَّك حَرَّمْت لُحُوم الْحُمُر الْأَهْلِيَّة. فَقَالَ: أَطْعِمْ أَهْلَك مِنْ سَمِين حُمُرك، فَإِنَّمَا حَرَّمْتهَا مِنْ أَجْل جَوَّال الْقَرْيَة -يَعْنِي بِالْجَوَّالِ الَّتِي تَأْكُل الْجُلَّة، وَهِيَ الْعُذْرَة-، فَهَذَا الْحَدِيث مُضْطَرِب، مُخْتَلَف الْإِسْنَاد، شَدِيد الِاخْتِلَاف، وَلَوْ صَحَّ حُمِلَ عَلَى الْأَكْل مِنْهَا فِي حَال الِاضْطِرَار، وَاللهُ أَعْلَم. انتهى.
قلتُ: كلام النووي كلامٌ مفيدٌ، مختصرٌ، وقول ابن عباس بالإباحة قد صحَّ عنه كما في «البخاري» (٥٥٢٩)، واستدل بالآية: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام:١٤٥].
وابن عباس ﵄ قد بلغه النهي الذي في يوم خيبر، ولكنه قال كما في «الصحيحين» (١): لا أدري أنهى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن الحمر الأهلية من أجل أنه كان حمولة الناس، فكره أن تذهب حمولتهم، أو حرمها البتة يوم خيبر؟
قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (٥٥٢٩): والاستدلال بهذا -يعني بالآية المتقدمة- إنما يتم فيما لم يأت فيه نصٌّ عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بتحريمه، وقد تواردت الأخبار بتحريمه، والتنصيص على ذلك مقدم على عموم التحليل، وعلى القياس.
وقال -مجيبًا عن احتمال ابن عباس، واحتمال غيره-: قلت: وقد أزال هذه
стр. 143
الاحتمالات من كونها لم تُخَمَّس، أو كانت جلالة، أو كانت انتهبت، وكذا قول ابن عباس (لقلة الظهر، وذهاب حمولة الناس) حديث أنس المذكور، وفيه: «فإنها رجسٌ». انتهى.
وأما حديث غالب بن أبجر، فقد حكم عليه بالاضطراب أيضًا الزيلعي، ونقل عن البيهقي أنه قال في «المعرفة»: حديث غالب بن أبجر إسناده مضطرب، وإنْ صحَّ، فإنما رخص له عند الضرورة، حيث تباح الميتة، كما في لفظه. (١)
وقال الحافظ ﵀ في «الفتح» حديث (٥٥٢٩): وإسناده ضعيفٌ، والمتن شاذٌّ، مخالفٌ للأحاديث الصحيحة، فالاعتماد عليها.
مسألة [٣]: حكم الحيوان الذي لا يؤكل لحمه إذا ذُكِّيَ .
• ذهب أحمد، والشافعي، وداود، ومالك في رواية إلى أن ما لا يؤكل لحمه إذا ذُبِحَ فهو نجس؛ لأن هذه ذكاة غير شرعية، فلا تحله، ولا تطهره، واستدلوا بحديث: «فإنها رجسٌ»، وبحديث سلمة بن الأكوع ﵁ في «البخاري» (٤١٩٦)، ومسلم (١٨٠٢)، وفيه: أنَّ الصحابة نصبوا القدور يوم خيبر بلحوم الحمر، فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «اهريقوها، واكسروها»، فقال رجل: يا رسول الله، أو نهريقها، ونغسلها؟ فقال: «أو ذاك».
• وذهب أبو حنيفة، ومالك في رواية إلى أنه إذا ذبح فقد طهر جلده، قال بعض أصحاب أبي حنيفة: ولحمه. وقالوا: لا ملازمة بين التحريم، والنجاسة، فيكون
стр. 144
أكله محرمًا، مع أنه طاهرٌ. واستدلوا بحديث: «دباغ الأديم ذكاته»، فَشَبَّهَ الدبغ بالذكاة، والمشبه به أقوى من المشبه، فإذا طهَّر الدبغ مع ضعفه، فالذكاة أولى، ولأنَّ الدبغ يرفع العلة بعد وجودها، والذكاة تمنعها، والمنع أقوى من الرفع. واستدل لهم كذلك بأنَّ العلة من نجاسة الميتة احتقان الدم كما تقدم في مسألة (ما لا نفس له سائلة)، ومسألة (عظام الميتة)، والدم يخرج من هذا الحيوان بذبحه، فما هو الدليل على نجاسته، وأما حديث: «فإنها رجسٌ»، فقد تقدم الجواب عليه، وأما كونها ذكاة غير شرعية؛ فإن ذلك لا يستلزم النجاسة، وأما الأمر بغسل الآنية؛ فلكونها فيها لحم محرم، فيجب غسل الإناء من اللحم وأثره.
قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: يمكن أن يستدل على نجاسة الحيوان الذي لا يؤكل إذا ذكي بأنه صار ميتة، وإنما استثني في الشرع الحيوان الذي يؤكل إذا ذكي ذكاة شرعية، وأما ما لا يؤكل؛ فذكاته غير شرعية؛ فهو ميتة.
وكذلك الحيوان الذي يؤكل إذا ذكي ذكاة غير شرعية؛ فهو ميتة، وعليه فجلده ولحمه نجس كما هو مذهب أحمد، والشافعي، وهو الراجح، والله أعلم.
وأما كون العلة (احتقان الدم) في (ما لا نفس له سائلة) فهي علة مستنبطة، وقد يحتمل أيضًا أنَّ العلة أيضًا أنها قليلة الرطوبة، أو معدومتها مع العلة المتقدمة، والله أعلم. (١)
стр. 145
٢٤ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ ﵁ قَالَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِمِنًى، وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَلُعَابُهَا يَسِيلُ عَلَى كَتِفِي. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: لعاب الحيوانات .
في الحديث طهارة لعاب الإبل، وهو كذلك بالإجماع، ويلتحق بطهارة لعابه جميع الحيوانات التي يؤكل لحمها بالإجماع، واختلفوا في لعاب الحمر، والبغال، والسباع، والراجح طهارته كما تقدم الكلام على ذلك، عند الكلام على آسارها في شرح حديث: «إنها ليست بنجس»، يعني الهرة. فراجعه.
مسألة ملحقة: لعاب الآدمي المسلم طاهرٌ بالإجماع، وقد كان جرير بن عبدالله يأمر أهله أن يتوضؤوا بفضل سواكه. أخرجه عبدالرزاق (١/ ١٨٤) عن الثوري عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: كان جرير ... فذكره، وأخرجه البيهقي (١/ ٢٥٥) من طريق قبيصة، عن الثوري به، وهذا إسنادٌ صحيح.
وأما لعاب الكافر فهو طاهرٌ على الصحيح، خلافًا لابن حزم ومن معه، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة:٢٨] المراد به نجاسة معنوية كما تقدم بيان ذلك.