بل مجرد التقذر، والاستخباث، والله أعلم.
وهذا القول هو الراجح، قال المرداوي في «الإنصاف» (١/ ٣٢٣): وهو الصحيح، والأقوى دليلًا. اهـ
وقال الصنعاني ﵀ في «سبل السلام» (١/ ٧٦): فَتَحْرِيمُ الْحُمُرِ وَالْخَمْرِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ نَجَاسَتُهُمَا، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا بَقِيَتَا عَلَى الْأَصْلِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ الطَّهَارَةِ، فَمَنْ ادَّعَى خِلَافَهُ؛ فَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ. اهـ
وقد رجَّح هذا القول الشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ عبد الرحمن السعدي، والإمام ابن عثيمين رحمة الله عليهم، كما في «توضيح الأحكام»، و «شرح بلوغ المرام» للعثيمين.
مسألة [٢]: حكم أكل الحمر الأهلية .
قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (١٣/ ٩٧): فَقَالَ الْجَمَاهِير مِنْ الصَّحَابَة، وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدهمْ بِتَحْرِيمِ لُحُومهَا؛ لِهَذِهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الصَّرِيحَة -ومنها حديث أنس الذي في الباب- وَقَالَ ابْن عَبَّاس: لَيْسَتْ بِحَرَامٍ. وَعَنْ مَالِك ثَلَاث رِوَايَات، أَشْهَرهَا: أَنَّهَا مَكْرُوهَة كَرَاهِيَة تَنْزِيه شَدِيدَة، وَالثَّانِيَة: حَرَام، وَالثَّالِثَة: مُبَاحَة. وَالصَّوَاب التَّحْرِيم، كَمَا قَالَهُ الْجَمَاهِير؛ لِلْأَحَادِيثِ الصَّرِيحَة. وَأَمَّا الْحَدِيث الْمَذْكُور فِي «سُنَن أَبِي دَاوُدَ» (١) عَنْ غَالِب بْن أَبْجَرَ قَالَ: أَصَابَتْنَا
стр. 142
سَنَة، فَلَمْ يَكُنْ فِي مَالِي شَيْء أُطْعِم أَهْلِي إِلَّا شَيْء مِنْ حُمُر، وَقَدْ كَانَ رَسُول الله ﷺ حَرَّمَ لُحُوم الْحُمُر الْأَهْلِيَّة، فَأَتَيْت النَّبِيّ ﷺ ، فَقُلْت: يَا رَسُول الله، أَصَابَتْنَا السَّنَة، فَلَمْ يَكُنْ فِي مَالِي مَا أُطْعِم أَهْلِي إِلَّا سِمَان حُمُر، وَإِنَّك حَرَّمْت لُحُوم الْحُمُر الْأَهْلِيَّة. فَقَالَ: أَطْعِمْ أَهْلَك مِنْ سَمِين حُمُرك، فَإِنَّمَا حَرَّمْتهَا مِنْ أَجْل جَوَّال الْقَرْيَة -يَعْنِي بِالْجَوَّالِ الَّتِي تَأْكُل الْجُلَّة، وَهِيَ الْعُذْرَة-، فَهَذَا الْحَدِيث مُضْطَرِب، مُخْتَلَف الْإِسْنَاد، شَدِيد الِاخْتِلَاف، وَلَوْ صَحَّ حُمِلَ عَلَى الْأَكْل مِنْهَا فِي حَال الِاضْطِرَار، وَاللهُ أَعْلَم. انتهى.
قلتُ: كلام النووي كلامٌ مفيدٌ، مختصرٌ، وقول ابن عباس بالإباحة قد صحَّ عنه كما في «البخاري» (٥٥٢٩)، واستدل بالآية: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام:١٤٥].
وابن عباس ﵄ قد بلغه النهي الذي في يوم خيبر، ولكنه قال كما في «الصحيحين» (١): لا أدري أنهى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن الحمر الأهلية من أجل أنه كان حمولة الناس، فكره أن تذهب حمولتهم، أو حرمها البتة يوم خيبر؟
قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (٥٥٢٩): والاستدلال بهذا -يعني بالآية المتقدمة- إنما يتم فيما لم يأت فيه نصٌّ عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بتحريمه، وقد تواردت الأخبار بتحريمه، والتنصيص على ذلك مقدم على عموم التحليل، وعلى القياس.
وقال -مجيبًا عن احتمال ابن عباس، واحتمال غيره-: قلت: وقد أزال هذه
стр. 143
الاحتمالات من كونها لم تُخَمَّس، أو كانت جلالة، أو كانت انتهبت، وكذا قول ابن عباس (لقلة الظهر، وذهاب حمولة الناس) حديث أنس المذكور، وفيه: «فإنها رجسٌ». انتهى.
وأما حديث غالب بن أبجر، فقد حكم عليه بالاضطراب أيضًا الزيلعي، ونقل عن البيهقي أنه قال في «المعرفة»: حديث غالب بن أبجر إسناده مضطرب، وإنْ صحَّ، فإنما رخص له عند الضرورة، حيث تباح الميتة، كما في لفظه. (١)
وقال الحافظ ﵀ في «الفتح» حديث (٥٥٢٩): وإسناده ضعيفٌ، والمتن شاذٌّ، مخالفٌ للأحاديث الصحيحة، فالاعتماد عليها.
مسألة [٣]: حكم الحيوان الذي لا يؤكل لحمه إذا ذُكِّيَ .
• ذهب أحمد، والشافعي، وداود، ومالك في رواية إلى أن ما لا يؤكل لحمه إذا ذُبِحَ فهو نجس؛ لأن هذه ذكاة غير شرعية، فلا تحله، ولا تطهره، واستدلوا بحديث: «فإنها رجسٌ»، وبحديث سلمة بن الأكوع ﵁ في «البخاري» (٤١٩٦)، ومسلم (١٨٠٢)، وفيه: أنَّ الصحابة نصبوا القدور يوم خيبر بلحوم الحمر، فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «اهريقوها، واكسروها»، فقال رجل: يا رسول الله، أو نهريقها، ونغسلها؟ فقال: «أو ذاك».
• وذهب أبو حنيفة، ومالك في رواية إلى أنه إذا ذبح فقد طهر جلده، قال بعض أصحاب أبي حنيفة: ولحمه. وقالوا: لا ملازمة بين التحريم، والنجاسة، فيكون
стр. 144
أكله محرمًا، مع أنه طاهرٌ. واستدلوا بحديث: «دباغ الأديم ذكاته»، فَشَبَّهَ الدبغ بالذكاة، والمشبه به أقوى من المشبه، فإذا طهَّر الدبغ مع ضعفه، فالذكاة أولى، ولأنَّ الدبغ يرفع العلة بعد وجودها، والذكاة تمنعها، والمنع أقوى من الرفع. واستدل لهم كذلك بأنَّ العلة من نجاسة الميتة احتقان الدم كما تقدم في مسألة (ما لا نفس له سائلة)، ومسألة (عظام الميتة)، والدم يخرج من هذا الحيوان بذبحه، فما هو الدليل على نجاسته، وأما حديث: «فإنها رجسٌ»، فقد تقدم الجواب عليه، وأما كونها ذكاة غير شرعية؛ فإن ذلك لا يستلزم النجاسة، وأما الأمر بغسل الآنية؛ فلكونها فيها لحم محرم، فيجب غسل الإناء من اللحم وأثره.
قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: يمكن أن يستدل على نجاسة الحيوان الذي لا يؤكل إذا ذكي بأنه صار ميتة، وإنما استثني في الشرع الحيوان الذي يؤكل إذا ذكي ذكاة شرعية، وأما ما لا يؤكل؛ فذكاته غير شرعية؛ فهو ميتة.
وكذلك الحيوان الذي يؤكل إذا ذكي ذكاة غير شرعية؛ فهو ميتة، وعليه فجلده ولحمه نجس كما هو مذهب أحمد، والشافعي، وهو الراجح، والله أعلم.
وأما كون العلة (احتقان الدم) في (ما لا نفس له سائلة) فهي علة مستنبطة، وقد يحتمل أيضًا أنَّ العلة أيضًا أنها قليلة الرطوبة، أو معدومتها مع العلة المتقدمة، والله أعلم. (١)
стр. 145
٢٤ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ ﵁ قَالَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِمِنًى، وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَلُعَابُهَا يَسِيلُ عَلَى كَتِفِي. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: لعاب الحيوانات .
في الحديث طهارة لعاب الإبل، وهو كذلك بالإجماع، ويلتحق بطهارة لعابه جميع الحيوانات التي يؤكل لحمها بالإجماع، واختلفوا في لعاب الحمر، والبغال، والسباع، والراجح طهارته كما تقدم الكلام على ذلك، عند الكلام على آسارها في شرح حديث: «إنها ليست بنجس»، يعني الهرة. فراجعه.
مسألة ملحقة: لعاب الآدمي المسلم طاهرٌ بالإجماع، وقد كان جرير بن عبدالله يأمر أهله أن يتوضؤوا بفضل سواكه. أخرجه عبدالرزاق (١/ ١٨٤) عن الثوري عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: كان جرير ... فذكره، وأخرجه البيهقي (١/ ٢٥٥) من طريق قبيصة، عن الثوري به، وهذا إسنادٌ صحيح.
وأما لعاب الكافر فهو طاهرٌ على الصحيح، خلافًا لابن حزم ومن معه، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة:٢٨] المراد به نجاسة معنوية كما تقدم بيان ذلك.
стр. 146
ومما يؤيد ذلك الحديث الذي عند النسائي في «الكبرى» (٥٥٠)(٥٥١)، عن أبي هريرة ﵁: أنَّ عفريتًا من الجن أراد أن يمر بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وهو في الصلاة.
وفي الحديث: فخنقه رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حتى وجد برد لسانه في يده. وهو حديث صحيح، والله أعلم.
стр. 147
٢٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَغْسِلُ المَنِيَّ، ثُمَّ يَخْرُجُ إلَى الصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ الثَّوْبِ. وَأَنَا أَنْظُرُ إلَى أَثَرِ الغَسْلِ فِيهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
وَلِمُسْلِمٍ: لَقَدْ كُنْت أَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَرْكًا فَيُصَلِّي فِيهِ. (٢) وَفِي لَفْظٍ لَهُ: لَقَدْ كُنْت أَحُكُّهُ يَابِسًا بِظُفْرِي مِنْ ثَوْبِهِ. (٣)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم مني الآدمي .
• اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
الأول: القول بنجاسته، وهو قول أبي حنيفة، ومالك.
واستدلوا على ذلك بأدلة:
١) حديث عائشة الذي في الباب؛ فإن فيه غسل المني، وإنما يغسل لنجاسته.
٢) أنَّ المذي نجسٌ، وهو مبدأُ المني.
٣) أنه يخرج من مخرج البول، فكان نجسًا كالبول.
٤) حديث عمار عند أبي يعلى (١٦١١)، والدارقطني (١/ ١٢٧)، وغيرهما: «إنما تغسل ثوبك من الغائط، والبول، والمني، والدم، والقيء».
٥) أمر بالغسل من المني جماعة من الصحابة، وهم: عائشة، وابن عمر وجابر بن
стр. 148
سمرة ﵃ والأسانيد إليهم صحيحة كما في «الأوسط لابن المنذر» (٢/ ٢٨١ - ).
وقد رجَّح الشوكاني ﵀ هذا القول في «نيل الأوطار».
الثاني: طهارة المني، وهو قول الشافعي، وأحمد.
واستدلوا على ذلك بأدلة:
١) حديث عائشة الذي في هذا الباب، وفيه: أنها كانت تكتفي بفرك المني، وحَكِّهِ من دون غسل، وهذا أكبر دليل على طهارته، ولو كان نجسًا لما اكتفي بذلك، فقد ثبت عنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه قال في دم الحيض: «تَحُتُّهُ، ثم تقرصه بالماء، ثم تنضحه».
٢) أنَّ الأصل في الأشياء الطهارة، فمن ادَّعى نجاسته؛ فعليه الدليل الصحيح، الصريح على ذلك.
٣) لم يأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بغسله مع عموم البلوى به.
٤) عدم مبادرة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إلى إزالته، وتركه حتى ييبس دليل على طهارته، ذلك أنَّ المعروف من هدي النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- المبادرة في إزالة النجاسة كما أمر الصحابة بغسل بول الأعرابي الذي بال في المسجد، وكما بادر بغسل ثوبه من بول الغلام الذي بال في حجره، ولو قيل: إنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يعلم به حتى صار يابسًا، فالجواب: لو كان نجسًا لأُوْحِي إليه بنجاسته كما أُوحِي إليه بنجاسة نعله، وهذا القول هو
стр. 149
الراجح، وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، ثم الشيخ ابن عثيمين، رحمة الله عليهم أجمعين.
٥) اقتصر بعض الصحابة على فركه، ثبت ذلك عن سعد وعائشة ﵄، وصحَّ عن ابن عباس ﵄، أنه قال: امسحه بإذخرة، أو خرقة، ولا تغسله إن شئت إلا أن تقذره، أو تكره أن يرى على ثوبك. «الأوسط» (٢/ ٢٨٣).
وأما الردُّ عن أدلة المذهب الأول، فكما يلي:
١) حديث عائشة الذي في الباب، وفيه الغسل.
قال الحافظ ﵀ في «الفتح» حديث (٢٢٩): وليس في حديث الباب ما يدل على نجاسة المني؛ لأنَّ غسلها فعل، وهو لا يدل على الوجوب بمجرده.
وقال الشوكاني ﵀ في «النيل» (١/ ٩٧): وهذا لا يدل على المطلوب؛ لأنَّ غاية ما هناك أنه يجوز غسل المني من الثوب، وهذا مما لا خلاف فيه، بل يجوز غسل ما كان مُتَّفَقًا على طهارته، كالطيب، والتراب، فكيف بما كان مستقذرًا.
٢) قولهم: إنَّ المذي هو مبدأُ المني.
فقد أُجيب: بأنَّ هذه دعوى تحتاج إلى دليل؛ فإنهما حقيقتان مختلفتان في الماهية، والصفات، والعوارض، والرائحة، والطبيعة، وقد فرَّق الشارع بينهما، فأمر بغسل المذي، ولم يأمر بغسل المني.
٣) أنه وإن كان يخرج من مخرج البول؛ فإنَّ مجرى البول غير مجرى المني.
стр. 150
٤) حديث عمار موضوعٌ، باطلٌ، في إسناده: ثابت بن حماد، وهو متهم بالوضع.
وقال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٢/ ٥٤٩): باطلٌ لا أصل له.
قلتُ: وأدلة القائلين بالطهارة لم تسلم من الكلام عليها، ولكن الذي يظهر أن الكلام فيها لا يقدح بالاستدلال بها، والله أعلم. (١)
стр. 151
ذِكْرُ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ
مسألة [١]: مني غير الآدمي .
قال الشيرازي ﵀ في «المهذب» كما في «المجموع» (٢/ ٥٥٥): وأما منى غير الآدمي، ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: الجميع طاهر إلا مني الكلب، والخنزير؛ لأنه خارج من حيوان طاهر يخلق منه مثل أصله، فكان طاهرًا كالبيض، ومني الآدمي.
والثاني: الجميع نجس؛ لأنه من فضول الطعام المستحيل، وإنما حكم بطهارته من الآدمي؛ لحرمته، وكرامته، وهذا لا يوجد في غيره.
والثالث: ما أكل لحمه؛ فمنيه طاهر كلبنه، وما لا يؤكل لحمه؛ فمنيه نجس كلبنه. انتهى.
قال النووي ﵀ في «المجموع» (٢/ ٥٥٥): وصحح الرافعي النجاسة مطلقًا، والمذهب الأول. اهـ
قلتُ: والوجه الثالث عند الشافعية هو مذهب الحنابلة، كما في «الإنصاف» (١/ ٣٢٠)، والذي يظهر -والله أعلم- أنَّ مني الحيوانات كلها طاهرة إلا ما ثبت الدليل في نجاسته كالكلب، وكذا الخنزير على قول الجمهور.
стр. 152
مسألة [٢]: رطوبة فرج المرأة .
قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٢/ ٥٧٠): رطوبة الفرج ماءٌ أبيض متردد بين المذي، والعرق. اهـ
• وقد اختلف العلماء فيه على قولين:
الأول: نجاسته، وهو قولٌ للشافعي، ورواية عن أحمد، واستدلوا بحديث أُبَي ابن كعب في «الصحيحين» (١): أنه قال: يا رسول الله، إذا جامع الرجل المرأة، فلم يُنزل؟ قال: «يغسل ما مسَّ المرأة منه، ثم يتوضأ، ويصلي».
الثاني: طهارته، وهو الصحيح في مذهب الحنابلة، والأصح عند الشافعية صححه النووي في «شرح المهذب»، ثم ابن الملقن في «شرح العمدة»، واستدلوا بحديث عائشة الذي في الباب، مع أنَّ المني قد خالطته تلك الرطوبة، وأيضًا فإنَّ القول بنجاسته فيه من الحرج، والمشقة ما لا يعلمه إلا الله تعالى، خصوصًا من ابْتُلي به من النساء.
وقد رجَّحَ هذا القول الشيخ ابن عثيمين ﵀، وأما الحديث الذي استدلوا به، فليس بصريح، بل يحتمل أن يكون الغسل لما أصابه من مذي المرأة؛ فإنها أشد مذيًا من الرجل، والله أعلم. (٢)
стр. 153
٢٦ - وَعَنْ أَبِي السَّمْحِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الجَارِيَةِ، وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الغُلَامِ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: تطهير بول الرضيع .
• أخذ بظاهر حديث الباب أحمد، وإسحاق، فقالوا: ينضح بول الغلام، ويغسل بول الجارية، وذهب إلى هذا من التابعين: عطاء، والحسن، والزهري، وغيرهم، وقال به ابن وهب، وهو وجه عند الشافعية، وقال بهذا القول من الصحابة علي بن أبي طالب، وأم سلمة ﵄. أخرجه أبو داود (٣٨٠، و ٣٨٢)، وابن المنذر (٦٩٦، و ٦٩٧).
• وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يكفي النضح فيهما، وهو مذهب الأوزاعي، وهو وجه عند الشافعية.
قال الحافظ ﵀ في «الفتح»: وحكي عن مالك، والشافعي، وهؤلاء قاسوا الجارية على الغلام، وهذا قياس فاسد الاعتبار؛ لمصادمته للنصوص. اهـ (٢)
стр. 154
• وذهب الحنفية، والمالكية إلى وجوب الغسل من بول الجارية، والغلام، وهذا أيضًا مخالفٌ لحديث الباب، والراجح هو القول الأول، والله أعلم. (١)
مسألة [٢]: ضابط الغلام الرضيع .
قلتُ: جاء في حديث علي ﵁: «وينضح من بول الغلام ما لم يطعم».
قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀ كما في «المغني» (٢/ ٤٩٧): الصبي إذا طعم الطعام، وأراده، واشتهاه؛ غسل بوله، وليس إذا أطعم؛ لأنه قد يلعق العسل ساعة يولد، والنبي ﷺ حنك بالتمر، ولكن إذا كان يأكل، أو يريد الأكل. انتهى.
قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٣/ ١٩٩): ثم إنَّ النَّضح إنما يجزي ما دام الصبي يقتصر به على الرضاع، أما إذا أكل الطعام على جهة التغذية؛ فإنه يجب الغسل بلا خلاف. اهـ
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في «فتح الباري» حديث (٢٢٣): المُرَاد بِالطَّعَامِ مَا عَدَا اللَّبَن الَّذِي يَرْتَضِعُهُ، وَالتَّمْر الَّذِي يُحَنَّكُ بِهِ، وَالْعَسَل الَّذِي يَلْعَقُهُ لِلْمُدَاوَاةِ وَغَيْرهَا، فَكَانَ المُرَاد أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ الِاغْتِذَاء بِغَيْرِ اللَّبَنِ عَلَى الِاسْتِقْلَالِ، هَذَا مُقْتَضَى كَلَام النَّوَوِيّ فِي «شَرْحِ مُسْلِم» وَ «شَرْحِ الْمُهَذَّبِ».
ثُم قَالَ: وَحَمَلَ المُوَفَّق الْحَمَوِيّ فِي «شَرْحِ التَّنْبِيهِ» قَوْله: «لَمْ يَأْكُلْ» عَلَى ظَاهِرِهِ، فَقَالَ: مَعْنَاهُ لَمْ يَسْتَقِلَّ بِجَعْلِ الطَّعَامِ فِي فِيهِ. وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَبِهِ جَزَمَ الْمُوَفَّق بْن قُدَامَةَ وَغَيْره. انتهى.
стр. 155
وقال ابن الملقن ﵀ في «شرح العمدة» (١/ ٦٨١): معنى «لم يأكل»، أي: لم يستغن به، ويصير له غناءً عوضًا عن الإرضاع، لا أنه لم يدخل في جوفه شيء قط. اهـ
مسألة [٣]: نجاسة بول الرَّضيع .
أَمْرُ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالنَّضْحِ مِنْ بَوْلِهِ يدل على نجاسته، ولكنها نجاسة مخففة.
قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٣/ ١٩٩): وَلَا خِلَاف فِي نَجَاسَته، وَقَدْ نَقَلَ بَعْض أَصْحَابنَا إِجْمَاع الْعُلَمَاء عَلَى نَجَاسَة بَوْل الصَّبِيّ، وَأَنَّهُ لَمْ يُخَالِف فِيهِ إِلَّا دَاوُدُ الظَّاهِرِيّ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره: وَلَيْسَ تَجْوِيز مَنْ جَوَّزَ النَّضْح فِي الصَّبِيّ مِنْ أَجْل أَنَّ بَوْله لَيْسَ بِنَجِسٍ، وَلَكِنَّهُ مِنْ أَجْل التَّخْفِيف فِي إِزَالَته، فَهَذَا هُوَ الصَّوَاب، وَأَمَّا مَا حَكَاهُ أَبُو الْحَسَن بْن بَطَّال، ثُمَّ الْقَاضِي عِيَاض عَنْ الشَّافِعِيّ وَغَيْره أَنَّهُمْ قَالُوا: بَوْل الصَّبِيّ طَاهِر فَيُنْضَح. فَحِكَايَة بَاطِلَة قَطْعًا. اهـ
وقال الحافظ ﵀ في «الفتح» حديث (٢٢٣): وَلَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ، وَلَا الْحَنَابِلَةُ، وَكَأَنَّهُمْ أَخَذُوا ذَلِكَ مِنْ طَرِيق اللَّازِم -يعني أنهم عندما قالوا: يكفي النضح فيلزم أنهم يقولون بطهارته- وَأَصْحَاب الْمَذْهَبِ أَعْلَم بِمُرَادِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ. اهـ
قال ذلك ردًّا على ابن بطال، وابن عبدالبر؛ إذ نسبوا إلى الشافعي، وأحمد القول بطهارته.
стр. 156
٢٧ - وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي دَمِ الحَيْضِ يُصِيبُ الثَّوْبَ: «تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالمَاءِ، ثُمَّ تَنْضَحُهُ (١)، ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: نجاسة دم الحيض .
قال الشوكاني ﵀ في «نيل الأوطار» (١/ ٧٧): واعلم أنَّ دمَ الحيض نجسٌ بإجماع المسلمين كما قال النووي. انتهى.
مسألة [٢]: حكم بقية الدماء .
قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٢/ ٥٥٧) بعد أن استدل على نجاسة الدماء بحديث أسماء الموجود في الباب: والدلائل علي نجاسة الدم متظاهرة، ولا أعلم فيه خلافًا عن أحدٍ من المسلمين إلا ما حكاهُ صاحبُ «الحاوي» عن بعض المتكلمين أنه قال: هو طاهرٌ. ولكن المتكلمين لا يعتد بهم في الإجماع، والخلاف على المذهب الصحيح الذي عليه جمهور أهل الأصول من أصحابنا، وغيرهم. اهـ
وثبت عن ابن عمر ﵄، أنه كان إذا رأى في ثوبه دمًا؛ فغسله، فبقي أثره أسود؛ دعا بمقص؛ فقرضه. أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٩٨)، وابن المنذر
стр. 157
٧٠٥ - من طريق أيوب، وعبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر به.
وقد نقل الإجماع على ذلك أيضًا ابن عبدالبر في «التمهيد» (٢٢/ ٢٣٠)، والقرطبي في تفسير سورة البقرة [آية:١٧٣]، وكذلك ابن رشد في «بداية المجتهد» (١/ ١٢٠)؛ إلا أنه قيَّد الإجماع بالحيوان البري، فقال: اتفق العلماء على أنَّ دم الحيوان البري نجس.
قلتُ: استدلال النووي ﵀ بحديث أسماء لا يستقيم؛ لأنَّ دليله أخصُّ من دعواه، فالدليل يدل على نجاسة دم الحيض فقط، والدَّعوى أعم من ذلك، واستدلال غيره بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة:٣] لا يتجه؛ لأنَّ التحريم لا يلزم منه النجاسة، وأما قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام:١٤٥]؛ فإنَّ الضمير عائد على لحم الخنزير على الصحيح، ومع ذلك فقد اختلفوا في تفسير الرجس كما تقدم في مسألة [لعاب الخنزير]؛ ولذلك قال الشوكاني ﵀ في «الدراري المضيئة» (١/ ٩٤): وأما سائر الدماء، فالأدلة فيها مختلفة، مضطربة، والبراءة الأصلية مستصحبة حتى يأتي الدليل الخالص عن المعارضة الراجحة، أو المساوية.
وقد صحَّ عن ابن مسعود ﵁ أنه نحر جزورًا، وتلوث بدمائها، ثم صلَّى، ولم يغسلها. أخرجه عبدالرزاق (١/ ١٢٥)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٩٢)، وصححه الإمام الألباني ﵀ في «الصحيحة» (١/ ٥٤٣)، وذهب ﵀ إلى طهارة سائر الدماء ما عدا دم الحيض، وَبَيَّنَ عَدَمَ صِحَّةِ الإجماع بكلامٍ نفيس في «الصحيحة» (٣٠٠)
стр. 158
(١/ ٥٤٣)، وما بعدها، فراجعه.
وقال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «شرح البلوغ» (١/ ٢١٩): وأما بقية الدماء -يعني غير دم الحيض- فالقول الراجح فيها أنها ليست بنجسة، أي: الدماء الخارجة من الإنسان ليست بنجسة؛ لأنني إلى ساعتي هذه ما وجدت دليلًا يدل على النجاسة، وقد تقرر أن الأصل في الأشياء الطهارة إلا بدليل، وذكرنا في حديث: «ما قطع من البهيمة وهي حية؛ فهو ميتة» ذكرنا أنَّ القاعدة تقتضي ألا يكون نجسًا؛ لأن ميتة الآدمي طاهرة فما انفصل منه في حياته يكون طاهرًا كما لو قطعنا يدًا من يديه، أو رجلًا من رجليه؛ فهي طاهرة. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: أما دم الآدمي، وكذلك دم ما ميتته طاهرة، كالسمك، وحيوان البحر، فالصحيح طهارته، ولا دليل نعلمه على نجاسته، وكيف يكون نجسًا وميتته طاهرة؟!
وقد قال بطهارة دم السمك الجمهور كما في «بداية المجتهد» (١/ ١٢٠)، وعلق البخاري في «صحيحه» [باب (٢٤) من كتاب الوضوء] أثرًا عن الحسن أنه قال: ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم. اهـ
وصلى عمر بن الخطاب ﵁ عند أن طعن والدماء تسيل منه. أخرجه المروزي في كتابه «تعظيم قدر الصلاة» (٩٢٣ - ٩٢٥)، والآجري في الشريعة (ص ١٣٤)، وابن سعد (٣/ ٣٥١)، وغيرهم بأسانيد صحيحة، وصح عن ابن عمر في «مصنف ابن أبي شيبة» (١/ ١٣٨)، أنه عصر بثرة في وجهه، فخرج شيء
стр. 159
من دم فحكه بين إصبعيه، ثم صلى ولم يتوضأ.
قلتُ: وكذلك دم الحيوان البري لا دليل على نجاسته كما تقدم، والإجماع لا يصح، ويستثنى من ذلك ما كان نجسًا كالكلب، والله أعلم.
مسألة [٣]: هل يتعين الماء لغسل النجاسة ؟
• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ الماء يتعين لإزالة النجاسة، واستدلوا بحديث أسماء: «ثم تقرصه بالماء».
• وذهب أبو حنيفة، وأبو يوسف، وهو رواية عن أحمد، إلى أنَّ النجاسة تزال بكل مائعٍ، طاهرٍ، وبكل ما أذهب عين النجاسة، واستدلوا على ذلك بحديث عائشة في «البخاري» (٣١٢)، أنها قالت: ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه، فإذا أصابه شيء من الحيض قالت بريقها فقصعته بظفرها.
• وقال الشوكاني ﵀ في «نيل الأوطار» (١/ ٧٦): والحقُّ أنَّ الماء أصلٌ في التطهير؛ لوصفه بذلك كتابًا، وسنةً، وصفًا مطلقًا غير مقيد، ولكن القول بتعينه وعدم إجزاء غيره يرده حديث مسح النعل، وفرك المني وحَتِّهِ، وإزالته بإذخره، وأمثال ذلك كثير، ولم يأت دليل بحصر التطهير في الماء، ومجرد الأمر به في بعض النجاسات لا يستلزم الأمر به مطلقًا، وغايته تعينه في ذلك المنصوص بخصوصه إنْ سلم.
ثم اختار الشوكاني ﵀ أنَّ الماء يتعين في كل نجاسة؛ إلا ما جاء فيه نصٌّ كمسح الخفين بالتراب.
стр. 160
والراجح -والله أعلم- هو ما ذهب إليه أبو حنيفة، وقد رجَّحه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهو ترجيح الشيخ عبد الرحمن السعدي، وذلك لأنَّ الحكم هنا معقولُ المعنى، وهو: وجود النجاسة بوجود تلك العين النجسة، فإذا زالت العين النجسة زالت النجاسة، والحكم يدور مع عِلَّتِهِ وجودًا وعدمًا. (١)
стр. 161
٢٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَتْ خَوْلَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنْ لَمْ يَذْهَبِ الدَّمُ؟ قَالَ: «يَكْفِيك المَاءُ وَلَا يَضُرُّك أَثَرُهُ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: استخدام مواد منظفة مع الماء في غسل دم الحيض .
قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «يَكْفِيك المَاءُ»، استدل به على عدم وجوب استخدام مواد حادَّة منظفة مع الماء، كالسدر، والصابون، وما أشبههما، وقد قال بالاستحباب دون الوجوب كثير من أصحاب الشافعي، وأكثر الحنفية، ورجَّح هذا القول ابن خزيمة ﵀ في «صحيحه» (١/ ١٤١).
• وذهب الشافعي ﵀ إلى الوجوب، واستدل بحديث أم قيس ﵂، أنها سألت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن دم الحيض يصيب الثوب؟ فقال: «حُكِّيهِ بضلع، واغسليه بماء وسدر» أخرجه أبو داود (٣٦٣)، وهو حديث صحيح.
وقد مال الصنعاني إلى ترجيح هذا القول كما في «سبل السلام» (١/ ٨٤)، ورجَّحه الإمام الألباني ﵀ في «الصحيحة» (١/ ٥٤١).
قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: الذي يظهر أنَّ القول الأول أرجح والله أعلم.
وحديث: «يكفيك الماء» ضعيفٌ كما تقدم، ولكن يغني عنه حديث أسماء
стр. 162
الذي قبله، فقد سألت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن دم الحيض؟ فأجابها بغسله بالماء دون السدر، وغيره، وهو مقام الفتوى، ولو كان يجب عليها ذلك لبينه؛ فإنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، والأمر في حديث أم قيس يحمل على الاستحباب، جمعًا بين الأدلة، والله أعلم. (١)
وقوله في الحديث: «ولا يضرك أثره»، استدل به على أن بقاء أثر الحيض -أعني اللون، لا طعمه، وريحه- لا يضر، ومُرَخَّصٌ فيه، وقد صحَّ ذلك عن عائشة ﵂، أخرجه أبو داود (٣٥٧)، وابن المنذر (٢/ ١٤٨).
وفيه قول آخر: أنه يجب التخلص من أثره، ولو قرضه بالمقراض، وهو فعل ابن عمر، وصحَّ عنه كما في «الأوسط» لابن المنذر (٢/ ١٤٨).
قال ابن المنذر ﵀: وبالقول الأول أقولُ، وهو قول عوام أهل العلم من فقهاء الأمصار.
قلتُ: والحديث وإن كان ضعيفًا، إلا أنه يدل عليه حديث أسماء المتقدم؛ فإنه أمرها بغسله بالماء، ولم يفصل بين ما ذهب أثره وما لم يذهب أثره، والله أعلم.
стр. 163
ذِكْرُ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ فِي البَابِ
مسألة [١]: كيف تُزالُ النجاسة عن الماء ؟
تقدم في [باب المياه] أنَّ الماء إنما ينجس إذا حلت فيه نجاسة بالتغير، سواءً كان قليلًا، أو كثيرًا، وعلى هذا فإنَّ الماء تُزالُ نجاسته بإزالة التغير، وذلك بأنْ يضاف عليه الماء الطاهر حتى يذهب التغير.
وقد ذهب الحنابلة، والشافعية، وغيرهم إلى ذلك، ولكنهم اشترطوا فيما إذا كان الماء دون القلتين أن يذهب التغير، ويبلغ الماء القلتين؛ وذلك بناءً على ما ذهبوا إليه من أنَّ الماء إذا كان دون القلتين ينجس بمجرد حلول النجاسة فيه، وليس كذلك كما تقدم، والله أعلم. (١)
مسألة [٢]: النجاسة تصيب الثوب، ولا يعلم مكانها من الثوب .
• ذكر ابن المنذر ﵀ في هذه المسألة ثلاثة أقوال:
الأول: أنه ينضح الثوب، وهو قول عطاء، والحكم، وحماد، وأحمد.
الثاني: أن يتحرى ذلك المكان، فيغسله، هكذا قال ابن شبرمة.
الثالث: وهو أن يغسل الثوب كله، روي هذا القول عن النخعي، وهو قول
стр. 164
الشافعي، ومالك، ورجَّحه ابن المنذر، وهو الراجح؛ لأنَّ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولا يتم غسل النجاسة في هذه الحالة إلا بغسل جميع الثوب، والله أعلم. (١)
مسألة [٣]: هل تشترط النية في إزالة النجاسة ؟
قال شيخ الإسلام ﵀ (٢١/ ٥٩): فَإِنَّ الْقَصْدَ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ لَيْسَ بِشَرْطِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَلَكِنَّ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَد ذَكَرُوا وَجْهًا ضَعِيفًا فِي ذَلِكَ؛ لِيَطْرُدُوا قِيَاسَهُمْ فِي مُنَاظَرَةِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِي طَهَارَةِ الْحَدَثِ، كَمَا أَنَّ زُفَرَ نَفَى وُجُوبَ النِّيَّةِ فِي التَّيَمُّمِ؛ طَرْدًا لِقِيَاسِهِ، وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ مُطَّرَحٌ، وَقَدْ نَصَّ الْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّ مَاءَ الْمَطَرِ يُطَهِّرُ الْأَرْضَ الَّتِي يُصِيبُهَا. اهـ
وقال في موضع آخر (٢١/ ٤٧٨): وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ هُنَا التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ النَّجَاسَةَ مِنْ بَابِ تَرْكِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، فَحِينَئِذٍ إذَا زَالَ الْخَبَثُ بِأَيِّ طَرِيقٍ كَانَ؛ حَصَلَ الْمَقْصُودُ، وَلَكِنْ إنْ زَالَ بِفِعْلِ الْعَبْدِ وَنِيَّتِهِ أُثِيبَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِلَّا إذَا عَدِمَتْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ، وَلَا نِيَّتِهِ؛ زَالَتْ الْمَفْسَدَةُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ثَوَابٌ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ عِقَابٌ. اهـ
مسألة [٤]: يسير النجاسة التي يشق التحرز منها .
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ١٦ - ١٧): وَأَصْلٌ آخَرُ وَهُوَ: أَنَّ الْكُوفِيِّينَ قَدْ عُرِفَ تَخْفِيفُهُمْ فِي الْعَفْوِ عَنْ النَّجَاسَةِ، فَيَعْفُونَ مِنْ
مسألة [٥]: من وقع على ثوبه ماء لا يدري أنجسٌ أم لا، فهل يسأل عنه ؟
قال شيخ الإسلام ﵀ (٢١/ ٦٠٧): لَا يَجِبُ غَسْلُهُ، بَلْ وَلَا يُسْتَحَبُّ عَلَى الصَّحِيحِ، وَكَذَلِكَ لَا يُسْتَحَبُّ السُّؤَالُ عَنْهُ عَلَى الصَّحِيحِ؛ فَقَدْ مَرَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَعَ رَفِيقٍ لَهُ، فَقَطَرَ عَلَى رَفِيقِهِ مَاءٌ مِنْ مِيزَابٍ، فَقَالَ صَاحِبُهُ: يَا صَاحِبَ الْمِيزَابِ مَاؤُك طَاهِرٌ أَمْ نَجِسٌ؟ فَقَالَ عُمَرُ: يَا صَاحِبَ الْمِيزَابِ، لَا تُخْبِرْهُ؛ فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ عَلَيْهِ. وَاَللهُ أَعْلَمُ. اهـ
أقول: أثر عمر ﵁ أخرج مالك (١/ ٢٣ - ٢٤)، والدارقطني (١/ ٣٢) معناه بسند منقطع، ومع ذلك فالحكم في المسألة كما ذكر شيخ الإسلام، والله أعلم.
стр. 167
بَابُ الوُضُوءِ
يُضبط (الوضوء) كما يضبط (الطهور)، وقد تقدم ضبط (الطهور) في أول الكتاب.
والوضوء في اللغة: أصله من الوضاءة، وهي الحسن، والنظافة.
وشرعًا: هو التعبد لله عزوجل بغسل الأعضاء الأربعة على صفة مخصوصة. «الشرح الممتع» (١/ ١٤٨).
مسألة [١]: اشتراط النية .
• ذهب جمهور أهل العلم إلى أنَّ النية شرطٌ لصحة الوضوء، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، والليث، وأبي عبيد، وداود، وأبي ثور، وغيرهم، ودليلهم قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الأعمال بالنيات».
• وذهبت طائفة إلى أنه يصح الوضوء، والغسل، والتيمم بلا نية، حكاه ابن المنذر عن الأوزاعي، والحسن بن صالح، وحكاه الشافعية عنهما، وعن زفر، وقال أبو حنيفة، والثوري: يصح الوضوء، والغسل بلا نية، ولا يصح التيمم إلا بالنية، وهي رواية عن الأوزاعي.
وقد احْتُجَّ لهؤلاء بأدلة لا تدل على المطلوب، أوردها النووي ﵀ في «شرح
٢٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ» أَخْرَجَهُ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ. وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. (١)
قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «بالسواك».
قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٢٥٢): قال أهل اللغة: السِّواك بكسر السين، وهو يطلق على الفعل، وعلى العود الذي يتسوك به ... ، ثم قيل: إنَّ السواك مأخوذٌ من ساك إذا دلك، وقيل: من جاءت الإبل تساوك، أي: تتمايل هزالًا. وهو في اصطلاح العلماء استعمال عود، أو نحوه في الأسنان لتذهب الصفرة، وغيرها عنها، والله أعلم. اهـ
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم السواك .
قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٢٥٢): ثُمَّ إِنَّ السِّوَاك سُنَّة، لَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي حَال مِنْ الْأَحْوَال لَا فِي الصَّلَاة، وَلَا فِي غَيْرهَا، بِإِجْمَاعِ مَنْ يُعْتَدّ بِهِ فِي الْإِجْمَاع، وَقَدْ حَكَى الشَّيْخ أَبُو حَامِد الْإِسْفَرَايِنِيُّ، إِمَام أَصْحَابنَا الْعِرَاقِيِّينَ، عَنْ
بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ
مسألة [١]: وقت استحبابه .
قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٢٥٢): ثُمَّ إِنَّ السِّوَاك مُسْتَحَبّ فِي جَمِيع الْأَوْقَات، وَلَكِنْ فِي خَمْسَة أَوْقَات أَشَدّ اِسْتِحْبَابًا:
أَحَدهَا: عِنْد الصَّلَاة سَوَاء كَانَ مُتَطَهِّرًا بِمَاءٍ، أَوْ بِتُرَابٍ، أَوْ غَيْر مُتَطَهِّر، كَمَنْ لَمْ يَجِد مَاء وَلَا تُرَابًا.
الثَّانِي: عِنْد الْوُضُوء.
الثَّالِث: عِنْد قِرَاءَة الْقُرْآن.
الرَّابِع: عِنْد الِاسْتِيقَاظ مِنْ النَّوْم.
الْخَامِس: عِنْد تَغَيُّر الْفَم، وَتَغَيُرُهُ يَكُون بِأَشْيَاء، مِنْهَا: تَرْك الْأَكْل وَالشُّرْب. وَمِنْهَا: أَكْل مَا لَهُ رَائِحَة كَرِيهَة. وَمِنْهَا: طُول السُّكُوت. وَمِنْهَا: كَثْرَة الْكَلَام. اهـ
أما قوله: (مستحب في جميع الأوقات)، فيدل عليه حديث عائشة ﵂ عند النسائي (١/ ١٠)، وأحمد (٦/ ٤٧، ١٤٦)، وابن خزيمة (١٣٥)، وغيرهم: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب»، وهو حديث صحيح.
وأما قوله: (عند الصلاة)، فيدل عليه حديث أبي هريرة ﵁ في «الصحيحين» (١) «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة».
стр. 172
وأما قوله: (عند الوضوء)، فيدل عليه حديث الباب.
وأما قوله: (عند قراءة القرآن)، فقد جاء من حديث علي بن أبي طالب ﵁ مرفوعًا: «إنَّ العبد إذا تسوك، ثم قام يصلي، قام الملك خلفه، فتسمع لقراءته، فيدنو منه حتى يضع فاه على فيه، فما يخرج من فيه شيء من القرآن إلا صار في جوف الملك، فطهروا أفواهكم للقرآن».
أخرجه البزار (٦٠٣) من طريق: فضيل بن سليمان النميري، عن الحسن بن عبيد الله، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي مرفوعًا به.
قال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن علي ﵁ بإسناد أحسن من هذا الإسناد، وقد رواه غير واحد عن الحسن بن عبيد الله، عن سعد بن عبيده، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي ﵁، موقوفًا. اهـ
قلتُ: فالرَّاجح وقف الحديث على علي ﵁؛ فإن فضيل بن سليمان ضعيفٌ، ومع ذلك فقد خالفه الثقات، فرووه موقوفًا، وقد أخرجه موقوفًا البيهقي (١/ ٣٨).
ويمكن الاستدلال على استحباب السواك عند تلاوته القرآن بقياسه على الصلاة؛ فإن كُلًّا منهما مناجاةٌ لله .
وأما قوله: (عند الاستيقاظ من النوم).
فيدل عليه حديث حذيفة في «الصحيحين» (١): كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إذا قام من النوم يشوص فاه بالسواك.
стр. 173
وأما قوله: (عند تغير الفم)، فيدل عليه حديث عائشة المتقدم، والله أعلم.
ومن المواضع التي يستحب الاستياك فيها: عند دخول المنزل؛ لحديث عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله إذا دخل منزله بدأ بالسواك. أخرجه مسلم برقم (٢٥٣).
مسألة [٢]: في أي يد يباشر الاستياك ؟
• ذهب الإمام أحمد إلى أنَّ الأفضل أن يستاك باليسرى، وقال شيخ الإسلام: وما علمنا أحدًا من الأئمة خالف في ذلك، وذلك لأن الاستياك من باب إزالة الأذى، وذلك باليسرى، كما أن إزالة النجاسات كالاستجمار، ونحوه باليسرى، وإزالة الأذى واجبها ومستحبها باليسرى. (١)
• وذهب ابن الملقن إلى أنَّ الأفضل الاستياك باليمنى، واستدل بالحديث: «كان يعجبه التيمن في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله»، قال: وفي قولها: «وفي شأنه كله» يدخل الأخذ، والعطاء، والسواك. ثم استدل على ذلك بزيادة عند أبي داود (٤١٤٠) في حديث عائشة: «ونعله، [وسواكه]»، أخرجها أبو داود من طريق: مسلم بن إبراهيم عن شعبة، وأخرج الحديث من طريق: عمر بن حفص، عن شعبة بدون هذه الزيادة، ثم قال أبو داود: رواه عن شعبة معاذ، لم يذكر «سواكه».
قلتُ: بل رواه أيضًا عن شعبة محمد بن جعفر، وعفان بن مسلم، وبهز بن
стр. 174
أسد، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى القطان، وسليمان بن حرب، وحجاج بن منهال، وعبد الله بن المبارك، وأبو الوليد الطيالسي، وكلهم لم يذكروا قوله: «وسواكه»، فهي زيادة شاذة بدون شك. (١)
وقال الإمام ابن عثيمين ﵀ كما في «مجموع فتاواه» (١١/ ١١٦): والأمر ولله الحمد واسعٌ، فيستاك كما يريد؛ لأنه ليس في المسألة نصٌّ واضح. اهـ. (٢)
قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: قول شيخ الإسلام ﵀ "وما علمنا أحدًا من الأئمة خالف في ذلك"، فيقال: وهل علم منهم الموافقة لأحمد على ذلك؟ أو هل بلغهم قول أحمد، وأقروه؟
والأظهر -والله أعلم- استحباب ذلك باليمنى، ويدل على ذلك حديث عائشة ﵂ في «صحيح البخاري» (٨٩٠): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في مرض موته نظر إلى سواك في يد عبدالرحمن بن أبي بكر، قالت: فقلت: أعطني هذا السواك يا عبدالرحمن. فأعطانيه، فقضمته، ثم مضغته، ثم أعطيته رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فاستن به، وهو مستند إلى صدري.
ومعلوم أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أخذ السواك من عائشة بيمينه، ولم تذكر عائشة أنه نقله إلى اليسرى، ثم استاك به.
وأيضًا: فإنَّ السواك باليسرى على خلاف المعهود، فلو فعله النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ لنقل،
стр. 175
ومع ذلك فالأمر سهل كما قال الإمام العثيمين ﵀، والله أعلم.
مسألة [٣]: حكم التسوك بالأصابع ؟
جاء عن علي ﵁ عند أحمد (١/ ١٥٨) أنه دعا بِكُوزٍ مِنْ مَاءٍ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ ثَلاثًا، وَتَمَضْمَضَ ثَلاثًا، فَأَدْخَلَ بَعْضَ أَصَابِعِهِ فِي فِيهِ ... فذكر الحديث.
وهو من طريق المختار بن نافع، عن أبي مطر البصري، عن علي ﵁ به.
والمختار بن نافع ضعيف، وأبو مطر جهله أبو حاتم والذهبي، وتركه حفص بن غياث.
وجاء من حديث أنس ﵁ عند البيهقي (١/ ٤٠): «يجزئ من السواك الأصابع»، وهو من طريق عيسى بن شعيب، عن عبد الحكم القسملي، عن أنس.
ومن طريق عيسى بن شعيب، ثنا ابن المثنى، عن النضر بن أنس، عن أبيه به.
قال البيهقي ﵀: والمحفوظ من حديث ابن المثنى ما أخبرنا ... فساق بإسناده من طريق خالد بن خداش، ثنا عبد الله بن المثنى الأنصاري، حدثني بعض أهل بيتي، عن أنس ... فذكره بمعناه.
وقد سماه بعض الضعفاء (ثمامة): أخرجه البيهقي (١/ ٤١) من طريق أبي أمية الطرسوسي، عن عبد الله بن عمر الحمال، عن عبد الله بن المثنى به.
وأبو أمية، قال فيه الحاكم: كثير الوهم. والثاني قال فيه الإمام الألباني ﵀: الظاهر أنه الذي في «تاريخ بغداد» ﵁ (١٠/ ٢٣) عبد الله بن عمرو الحمال. ولم
стр. 176
يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.
قلتُ: وعيسى بن شعيب، هو البصري الضرير، فيه ضعف، وقد اضطرب في الإسناد كما أشار البيهقي، وعبد الحكم القسملي نقل البيهقي عن البخاري أنه قال: منكر الحديث.
وجاء الحديث عن عمرو بن عوف عند أبي نعيم، وفي إسناده كثير بن عبد الله ابن عمرو بن عوف، وهو متروك.
وجاء عن عائشة ﵂ عند الطبراني في "الأوسط? ﵁ (٦٦٧٨) وفي إسناده عيسى بن عبد الله، يرويه عن عطاء، عن عائشة. أنكره ابن عدي في "الكامل? (٥/ ١٨٣٩) على عيسى، وقال: عامة ما يرويه لا يتابع عليه. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: لم يثبت في الاستياك بالأصابع حديث، ومذهب المالكية، والشافعية في الأصح عندهم، وكذلك الحنابلة، والحنفية حصول الاستياك بالأصابع، وإجزاؤه به عن السنة، والصحيح أنه لا يدخل في فضيلة الاستياك الوارد بالأحاديث، ولكن لا بأس أن يحصل ذلك في الوضوء للمبالغة في تنظيف الفم. (١)
стр. 177
٣٠ - وَعَنْ حُمْرَانَ أَنَّ عُثْمَانَ ﵁ دَعَا بِوَضُوءٍ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ اليُمْنَى إلَى المِرْفَقِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ اليُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ اليُمْنَى إلَى الكَعْبَيْنِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ اليُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللهِ ﷺ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: غسل الكفين قبل الوضوء .
يستحب غسلهما قبل الوضوء بإجماع العلماء، نقله ابن المنذر في «الأوسط» (١/ ٣٧٥)، والنووي في «شرح مسلم» (٣/ ١٠٧).
مسألة [٢]: ضابط المضمضة .
قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٣/ ١٠٧): وَأَمَّا حَقِيقَة الْمَضْمَضَة، فَقَالَ أَصْحَابنَا: كَمَالهَا أَنْ يَجْعَل الْمَاء فِي فَمه، ثُمَّ يُدِيرهُ فِيهِ، ثُمَّ يَمُجّهُ، وَأَمَّا أَقَلّهَا: فَأَنْ يَجْعَل الْمَاء فِي فِيهِ، وَلَا يُشْتَرَط إِدَارَته عَلَى الْمَشْهُور الَّذِي قَالَهُ الْجُمْهُور، وَقَالَ جَمَاعَة مِنْ أَصْحَابنَا: يُشْتَرَط، وَأَمَّا الِاسْتِنْشَاق فَهُوَ إِيصَال الْمَاء إِلَى دَاخِل الْأَنْف، وَجَذْبُهُ بِالنَّفَسِ إِلَى أَقْصَاهُ. (٢)
ولا يشترط في المضمضة مجُّ الماء من الفم، بل يجوز له أن يبتلعه. (٣)
стр. 178
مسألة [٣]: حكم المضمضة والاستنشاق .
• ذكر النووي ﵀ أنَّ العلماء في هذه المسألة على أربعة مذاهب:
المذهب الأول: أنهما سنتان في الوضوء، والغسل، وهو مذهب الشافعية، وحكاه ابن المنذر عن الحسن البصري، والزهري، والحكم، وقتادة، وربيعة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومالك، والأوزاعي، والليث، ورواية عن عطاء، وأحمد.
واستدل هؤلاء بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- للمسيء في صلاته عند أن علمه: «إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله»، وهو حديث حسن.
قالوا: ولم يذكر الله تعالى في كتابه المضمضة، والاستنشاق، واستدلوا بحديث: «عشر من الفطرة»، وذكر منها «المضمضة، والاستنشاق».
وذكر بعض الفقهاء هذا الحديث بلفظ: «عشر من السنن»، وقد بين الحافظ ﵀ في «التلخيص» أنه لم يثبت بهذا اللفظ، والحديث باللفظ المذكور قبلُ أخرجه مسلم (٢٦١) عن عائشة ﵂، ولكنه قد انتُقِد، فقد انتقده الدارقطني في «التتبع»، وبيَّنَ أنَّ مصعب بن شيبة رواه موصولًا عن عائشة مرفوعًا، وأنَّ سليمان التيمي، وجعفر بن أبي إياس روياه عن طلق بن حبيب من قوله، ومصعب ضعيفٌ، فالصواب في الحديث أنه موقوفٌ من قول طلق بن حبيب.
وقد استدلوا أيضًا بحديث: «المضمضة والاستنشاق سنة»، أخرجه الدارقطني (١/ ٨٥) عن ابن عباس ﵄، وهو حديث ضعيفٌ جدًّا، ففي إسناده:
стр. 179
إسماعيل بن مسلم المكي، وهو شديد الضعف، وهذان الدليلان -وإنْ صحَّا- لا يفيدان استحباب المضمضة والاستنشاق؛ لأنَّ الفطرة، والسنة أعمُّ من أن تكونَ واجبة، أو مستحبة.
المذهب الثاني: أنهما واجبتان في الوضوء، والغسل، وشرطان لصحتهما، وهو مذهب ابن أبي ليلى، وحماد، وإسحاق، والمشهور عن أحمد، واستدلوا بالآية: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة:٦]، والأنف، والفم من الوجه.
المذهب الثالث: واجبتان في الغسل دون الوضوء، وهو قول أبي حنيفة، وأصحابه، وسفيان الثوري.
المذهب الرابع: الاستنشاق واجب في الوضوء، والغسل دون المضمضة، وهو مذهب أبي ثور، وأبي عبيد، وداود، ورواية عن أحمد، قال ابن المنذر ﵀: وبه أقول.
واستدل الموجبون لذلك بحديث أبي هريرة ﵁ في «الصحيحين» (١): «إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء، ثم لينتثر»، وفي لفظ لمسلم: «فليستنشق بمنخريه من الماء».
وبحديث سلمة بن قيس عند الترمذي (٢٧)، والنسائي (١/ ٦٧): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إذا توضأت فاستنثر»، قالوا: فهذه الأوامر كلها في الاستنشاق، وأما المضمضة فلم يصح فيها أمرٌ، وأما حديث لقيط بن صبرة: «وإذا توضأت
стр. 180
فمضمض»، فهذه الزيادة فيها كلام سيأتي إن شاء الله حيث ذكر الحافظ الحديث.
هذا وليعلم أنَّ أهل هذا المذهب لم يقولوا كلهم بوجوب الاستنشاق في الغسل أيضًا، كما هو ظاهرُ نقْلِ النووي؛ فإنَّ ابن حزم قال في «المحلَّى» (١٩٨): وقال أحمد بن حنبل، وداود: الاستنشاق، والاستنثار فرضان في الوضوء، وليسا فرضين في الغسل من الجنابة، وليست المضمضة فرض، لا في الوضوء، ولا في الغسل من الجنابة، وهذا هو الحق.
قلتُ: وهذا هو الراجح فيما يظهر لي -والله أعلم- لأنَّ الأدلة المتقدمة في إيجاب الاستنشاق مقيدة بالوضوء.
وأما استدلال الجمهور بحديث: «توضأ كما أمرك الله»، فيجاب عنه من وجهين:
الوجه الأول: قال أبو محمد بن حزم ﵀ في «المحلَّى»: وهذا لا حجة لهم فيه؛ لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]، فكل ما أمر به رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فالله تعالى أمر به.
الوجه الثاني: أنَّ المأمورات الشرعية لم تحصر في دليل واحد، فالأوامر متقدمة تضاف إلى ما ذكره الله في كتابه قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧].
وأما قول الحنابلة: (إنَّ الفم، والأنف من الوجه، فوجب المضمضة،