المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مسألة [١]: حكم سجود الشكر .
• ذهب إلى مشروعية سجود الشكر الشافعي، وأحمد وأصحابهما، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر، وغيرهم، وذلك عند تجدد النعم، أو مجيء خبر يسر، واستدلوا على ذلك بأحاديث الباب، وبحديث كعب بن مالك ﵁ عند البخاري (٤٤١٨)، ومسلم (٢٧٦٩)، حين بُشِّر بالتوبة، فخرَّ ساجدًا شكرًا لله تعالى على ذلك.
• وذهب النخعي، ومالك، وأبو حنيفة إلى كراهته؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان في أيامه الفتوح، واستسقى فسقي، ولم ينقل أنه سجد، ولو كان مستحبًّا؛ لما تركه.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الأقرب هو مشروعية واستحباب سجود الشكر؛ للأدلة المتقدمة ولو تركه في بعض الأحيان، وفعله في بعضها كان أقرب إلى فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، والله أعلم. (١)
تنبيه: أحكام سجدة الشكر مثل أحكام سجود التلاوة عند أهل العلم القائلين بها.
стр. 1157
بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ
مسألة [١]: هل يسجد للشكر في الصلاة ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ٣٧٢): وَلَا يَسْجُدُ لِلشُّكْرِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ السَّجْدَةِ لَيْسَ مِنْهَا؛ فَإِنْ فَعَلَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ نَاسِيًا، أَوْ جَاهِلًا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ؛ فَلَا يُبْطِلُهَا؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ كَثِيْرٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ زَادَ سُجُوْدًا فِي الصَّلَاةِ سَهْوًا. انتهى.
مسألة [٢]: هل يُشرع السجود مجردًا بلا سبب ؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في «مجموع الفتاوى» (١١/ ٥٠٢ - ٥٠٣): فإن السجود لا يكون إلا على الوجه المشروع، وهو السجود في الصلاة، وسجود السهو، وسجود التلاوة، وسجود الشكر على أحد قولي العلماء، وأما السجود عقيب الصلاة بلا سبب؛ فقد كرهه العلماء، وكذلك ما يفعله بعض المشايخ من سجدتين بعد الوتر لم يفعله أحد من السلف ولا استحبه أحد من الأئمة ... ، وأما السجدتان؛ فلا أصل لهما، ولا للسجود المجرد بلا سبب، وقالوا: هو بدعة. اهـ
стр. 1158
بَابُ صَلَاة التَّطَوُّعِ
٣٤٠ - عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ الأَسْلَمِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : «سَلْ» فَقُلْت: أَسْأَلُك مُرَافَقَتَك فِي الجَنَّةِ، فَقَالَ: «أَوَ غَيْرَ ذَلِكَ؟» فَقُلْت: هُوَ ذَاكَ، قَالَ: «فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِك بِكَثْرَةِ السُّجُودِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١)
الحكم المستفاد من الحديث
في هذا الحديث حثٌّ على تكثير التَّنَفُّلِ لله بالصلاة، ومثله قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنك لن تسجد لله سجدة؛ إلا رفعك الله بها درجة وحطَّ عنك بها خطيئة»، أخرجه مسلم (٤٨٨)، من حديث ثوبان، وأبي الدرداء ﵄.
وأخرجه أحمد (٥/ ٢٤٨) (٥/ ١٦٤) من حديث أبي أمامة، وأبي ذر ﵄، وهما في «الصحيح المسند» لشيخنا ﵀ برقم (٤٨٨)(٢٧١).
٣٤٥ - وَلِلتِّرْمِذِيِّ نَحْوُهُ، وَزَادَ: «أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العِشَاءِ وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الفَجْرِ». (١)
الحكم المستفاد من الأحاديث المتقدمة
دلَّتْ الأحاديث المتقدمة على تأكد استحباب الرَّواتب التي مع صلاة الفريضة، وهي: أربعٌ قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر، وسُمِّيَت (راتبة)؛ لاستمرارها، ودوامها، وسنة الظهر القبلية (أربعٌ) و (اثنتان)، وأكثرُ فِعْلِ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أربع كما يظهر من الأحاديث، والله أعلم.
وقد أجمع العلماء على استحباب هذه النوافل، وخالف الحسن في سنة الفجر، فقال بوجوبها.
والراجح استحبابها؛ لفعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولقوله: «خمس صلوات في اليوم والليلة»، قال: هل عليَّ غيرهن؟ قال: «لا، إلا أنْ تطوَّع» (٢)، ولحديث معاذ ﵁: «فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم، والليلة» (٣)، وآكدُ هذه الركعات ركعتا الفجر؛ لحديثي عائشة ﵂ اللَّذَيْنِ في الباب.
стр. 1161
مسألة [١]: وقت رواتب الصلاة .
• قال ابن قدامة ﵀: كلُّ سُنَّةٍ قبل الصلاة، فوقتها من دخول وقتها إلى فعل الصلاة، وكل سُنَّةٍ بعدها، فوقتها من فعل الصلاة إلى خروج وقتها. اهـ
• وذهب الشافعية إلى أنَّ السُّنَّةَ القبلية يمتد وقتها إلى آخر وقت الفريضة.
والصواب القول الأول، وهو قول بعض الشافعية أيضًا. (١)
стр. 1162
٣٤٦ - وَلِلْخَمْسَةِ عَنْهَا: «مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعٍ قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا حَرَّمَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى النَّارِ». (١)
الحكم المستفاد من الحديث
فيه فضيلة المحافظة على أربعٍ قبل الظهر، وأربعٍ بعدها، ومن عمل بهذا الحديث؛ فإنه يشمله أيضًا الأجر.
والثواب الحاصل في الحديث الذي قبله وزيادة، والله أعلم.
стр. 1163
٣٤٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «رَحِمَ اللهُ امْرَأً صَلَّى أَرْبَعًا قَبْلَ العَصْرِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ. وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَصَحَّحَهُ. (١)
الحكم المستفاد من الحديث
استدل بعض الفقهاء بهذا الحديث على استحباب التطوع بأربع قبل العصر.
والحديث ضعيف كما بيناه؛ فعليه فلا يستحب التقييد بأربع، بل يشرع التنفل بين الأذان والإقامة؛ لحديث: «بين كل أذانين صلاة»، وبالله التوفيق.
السواري، يُصلُّون هاتين الركعتين.
وفي «البخاري» (١١٨٤)، عن عقبة بن عامر، قال: إنَّا كُنَّا نفعله على عهد رسول الله ﷺ .
يعني: صلاة ركعتين قبل المغرب.
• وقد ذهب إلى استحباب هاتين الركعتين: أحمد، وإسحاق، وبعض الشافعية. وهو الصواب، وليس لمن كره هاتين الركعتين حُجَّة مقبولة.
• وقد ذهب إلى الكراهة مالك، والشافعي. (١)
стр. 1166
٣٥٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُخَفِّفُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى إنِّي أَقُولُ: أَقَرَأَ بِأُمِّ الكِتَابِ؟ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
الحكم المستفاد من الحديث
• استدل أهل العلم بهذا الحديث على استحباب تخفيف ركعتي الفجر، حتى إنَّ الإمام مالكًا قال: أما أنا فلا أزيد على أم القرآن. يعني لحديث عائشة المذكور.
• وذهب الحسن، وعطاء إلى أنه لا بأس بتطويلها.
قال ابن المنذر ﵀: أما الاقتصار على قراءة أم القرآن؛ فلا أحسِّنُه، ولا إعادة على من فعل ذلك، وأُحِبُّ أن يقرأ فيهما بما روينا أنَّ النبي ﷺ كان يقرأ به، ويخففهما أَحَبُّ إليَّ؛ لاتباع السنة. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: قول الجمهور هو الصواب، ويقرأ مع الفاتحة بشيء من القرآن، ويخففهما. (٢)
стр. 1167
٣٥١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ فِي رَكْعَتَيِ الفَجْرِ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١)
الحكم المستفاد من الحديث
استحب أهل العلم أن يقرأ في ركعتي الفجر بالسورتين المذكورتين.
وكذلك بما أخرجه مسلم (٧٢٧)، وغيره، من حديث ابن عباس ﵄، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يقرأ في ركعتي الفجر في الأُولى منهما آية البقرة: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة:١٣٦]، وفي الآخرة منهما: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران:٦٤].
وفي رواية: وفي الأخرى: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٥٢]، وهذه الرواية أرجح من التي قبلها؛ لأنه رواها خمسة من الثقات، وهم: مروان بن معاوية الفزاري، وعيسى بن يونس عند مسلم (٧٢٧)، وزهير بن معاوية عند أبي داود (١٢٥٩)، وعبدالله بن نمير، ويعلى بن عبيد عند أحمد (١/ ٢٣٠، ٢٣١).
وأما التي قبلها فتفرد بها أبو خالد الأحمر، وهو حسن الحديث لا يقوى على مخالفة الخمسة، والآية المشار إليها هي قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران:٥٢] الآية.
стр. 1168
٣٥٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا صَلَّى رَكْعَتَيِ الفَجْرِ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (١)
٣٥٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى جَنْبِهِ الأَيْمَنِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: حكم الاضطجاع بعد ركعتي الفجر .
• كره جماعة من أهل العلم هذا الاضطجاع، ومنهم: الأسود، والنخعي، والحسن، وسعيد بن جبير، وصحَّ عن ابن عمر، وابن مسعود، وهو مذهب مالك، وعزاه عياض للجمهور.
стр. 1169
• وذهب الشافعي، وأحمد وأصحابهما إلى استحباب هذه الضجعة بعد ركعتي الفجر، وصحَّ عن أبي موسى، ورافع بن خديج، وأنس بن مالك، أنهم كانوا يضطجعون بعد ركعتي الفجر.
وهذا القول هو الصواب؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فعلها كما في حديث الباب، وأما من كرهها؛ فليس لهم حجة في ذلك، ولعل بعضهم لم تبلغهم الأدلة، وبعضهم حملها على أنَّ ذلك لمن كان متعبًا من القيام، وهذا لا دليل عليه.
• وبالغ ابن حزم الظاهري، فقال: الاضطجاع بعد ركعتي الفجر واجب لا تصح صلاة الفجر إلا بها. وهذا قولٌ مردودٌ، منكرٌ؛ لأنَّ حديث الأمر لم يصح كما تقدم، ولو صحَّ فمن أين له بطلان الصلاة؟!. (١)
مسألة [٢]: الاضطجاع في المسجد .
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (١١٦١): وَذَهَبَ بَعْض السَّلَف إِلَى اِسْتِحْبَابهَا فِي الْبَيْت دُون الْمَسْجِد، وَهُوَ مَحْكِيّ عَنْ اِبْن عُمَر، وَقَوَّاهُ بَعْض شُيُوخنَا بِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَل عَنْ النَّبِيّ ﷺ أَنَّهُ فَعَلَهُ فِي الْمَسْجِد، وَصَحَّ عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ كَانَ يُحَصِّب مَنْ يَفْعَلهُ فِي الْمَسْجِد. أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة. اهـ
قلتُ: أثر ابن عمر أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٤٨)، بإسناد صحيح عن ابن المسيب عنه، ووقع في المطبوع (عمر) بدل (ابن عمر)، فالله أعلم.
стр. 1170
٣٥٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةٍ، تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
وَلِلْخَمْسَةِ -وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ-: «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى». وَقَالَ النَّسَائِيّ: هَذَا خَطَأٌ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: كيفية التطوع بالليل والنهار .
• اختار جمهور العلماء التطوع بـ: ركعتين ركعتين في الليل، أو في النهار؛ لحديث ابن عمر ﵄، الذي في الباب، قالوا: وهو صنيع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في النهار، وفي غالب أحواله بالليل.
• وأما التطوع بأكثر من ركعتين بالليل؛ فكرهه الجمهور، ومنهم من قال بعدم مشروعيته، والصواب ما ذهب إليه النخعي، وأبو حنيفة، وابن المنذر، وابن نصر المروزي، وهو مشروعية ذلك.
стр. 1171
ويدل عليه ما ثبت في «صحيح مسلم» (٧٤٦)، عن عائشة ﵂، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أوتر بتسعٍ، وعنده أيضًا (٧٤٦) أنه أوتر بسبعٍ، وفي «مسلم» أيضًا (١)، أنه أوتر بخمسٍ.
• وأما التطوع بالنهار؛ فقد أجاز التطوع بأكثر من ركعتين جمعٌ من أهل العلم، وهو مذهب الحنابلة، وإسحاق، والأوزاعي، وأصحاب الرأي؛ فقد أجازوا التطوع بأربعٍ، لا يُسلم إلا في آخرها.
وقد ثبت عن ابن عمر ﵄، بإسناد صحيح عند ابن أبي شيبة (٢/ ٢٧٤)، أنه كان يتطوع بالنهار أربعًا، أربعًا.
قال الإمام ابن عبد البر ﵀ في «التمهيد» (١٣/ ٢٤٤): حدثنا خلف بن قاسم، قال: حدثنا أبو طالب محمد بن زكرياء المقدسي ببيت المقدس، قال: حدثنا أبو محمد مضر بن محمد، قال: سألت يحيى بن معين عن صلاة الليل والنهار، فقال: صلاة النهار أربعا، لا يفصل بينهن، وصلاة الليل ركعتين. فقلت له: إن أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى. فقال: بأي حديث؟ فقلت: بحديث شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن علي الأزدي، عن ابن عمر ﵁، أن النبي ﷺ قال «صلاة الليل والنهار مثنى مثنى» فقال: ومن علي الأزدي حتى أقبل منه هذا؟! أدع يحيى بن سعيد الأنصاري، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، أنه كان يتطوع بالنهار أربعا لا يفصل بينهن. وآخذ بحديث علي الأزدي لو كان
стр. 1172
حديث علي الأزدي صحيحًا؛ لم يخالفه ابن عمر. قال يحيى: وقد كان شعبة ينفي هذا الحديث، وربما لم يرفعه.
وقد روى أبو داود (١٢٧٠) من حديث أبي أيوب، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قال: «أربعٌ قبل الظهر لا يسلم فيهن، تُفتح لهن أبواب السماء»، وفي إسناده: عبيدة بن معتب، وهو ضعيفٌ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مسألة [١]: فضيلة صلاة الليل والوتر .
إنَّ من أعظم القربات إلى الله صلاة الليل والوتر، قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩].
ويدل على فضل هذه العبادة حديث أبي هريرة، وحديث خارجة بن حذافة، وشواهده التي في الباب، وقد حافظ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- على الوتر سفرًا وحضرًا، وكان إذا فاته من الليل قضاه في النهار؛ لفضيلة هذه العبادة.
نسأل الله عزوجل أن يوفقنا وجميع المسلمين للمحافظة عليها.
مسألة [٢]: حكم الوتر .
• ذهب أبو حنيفة إلى وجوب الوتر، واحْتُجَّ له بحديث أبي أيوب ﵁، الذي في الباب، وبحديث علي ﵁، وإسناده حسن، -وسيأتي إن شاء الله-: «أوتروا يا أهل القرآن؛ فإنَّ الله وِتْرٌ يُحِبُّ الوتر».
وبحديث خارجة بن حذافة، وعمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، وحديث بريدة ﵁ وكلها مذكورة في الباب.
وبحديث ابن عمر ﵄: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا»، رواه البخاري (٤٧٢)، ومسلم (٧٥١)، وبحديث أبي سعيد وسيأتي: «أوتروا قبل أن تصبحوا».
стр. 1176
• وذهب جمهور العلماء من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم إلى أنَّ الوتر سُنَّةٌ متأكدة.
واستدلوا على عدم وجوبه بحديث طلحة بن عبيدالله ﵁ في «الصحيحين» (١)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قال: «خمسُ صلوات في اليوم والليلة»، قال: هل عليَّ غيرها؟ قال: «لا؛ إلا أن تطوع».
وبحديث ابن عباس ﵄، في «الصحيحين» (٢)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بعث معاذًا إلى اليمن، فقال له: «فإن هم أطاعوك لذلك؛ فأخبرهم أنَّ الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم، والليلة».
وصحَّ عن عبادة بن الصامت أنه قيل له: إنَّ أبا محمد -رجلٌ بالشام- يقول: إنَّ الوتر واجبٌ، فقال عبادة: كذبَ أبو محمد، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خمس صلوات كتبهن الله على العباد، من أتى بهن لم يضيع منهن شيئًا جاء وله عند الله عهد أنْ يدخله الجنة، ومن ضيعهنَّ استخفافًا بحقِهِنَّ؛ جاء ولا عهد له، إنْ شاء عذَّبه، وإنْ شاء غفر له».
رواه مالك (١/ ١٢٣)، وأبو داود (٤٢٥)، والنسائي (١/ ٢٣٠)، وهو حديث صحيح، وهو في «الصحيح المسند» (٥٣٩).
واستدلوا بحديث علي بن أبي طالب ﵁، الذي في الباب، وبحديث ابن عمر
стр. 1177
-﵄، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يُوتر على راحلته. متفق عليه. (١)
• وقد ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية كما في «الاختيارات» إلى أنَّ الوتر واجبٌ على من قام من الليل؛ لحديث ابن عمر: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا»، ولحديث: «أوتروا يا أهل القرآن».
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب قول الجمهور؛ لِمَا تقدَّم من الأدلة، والله تعالى أعلم. (٢)
مسألة [٣]: أقل الوتر، وأكثره .
قال الإمام النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٤/ ٢١ - ٢٢): قد سبق أنَّ مذهبنا أنَّ أقلَّه ركعة، وأكثره إحدى عشرة، وفى وجهٍ ثلاث عشرة، وما بين ذلك جائز، وكلما قرب من أكثرِه كان أفضل، وبهذا قال جمهور العلماء من الصحابة والتابعين، فمن بعدهم. وقال أبو حنيفة: لا يجوز الوتر إلا بثلاث ركعات موصولة بتسليمة واحدة، كهيئة المغرب. قال: ولو أوتر بواحدة، أو بثلاث، بتسليمتين لم يصح. انتهى المراد.
وقد استُدِلَّ لأبي حنيفة بحديث أبي سعيد مرفوعًا: «نهى عن البُتيراء: أنْ يصلي الرجل ركعة واحدة يوتر بها»، أخرجه ابن عبد البر (١٣/ ٢٥٤)، وهو حديث ضعيفٌ، فيه: عثمان بن محمد بن ربيعة، قال العُقيلي: الغالب على حديثه
стр. 1178
الوَهَم. قال ابن رجب: وقبله في الإسناد من لا يُعرف، وقد رُوي مرسلًا، خرَّجه سعيد بن منصور من حديث: محمد بن كعب القرظي مرسلًا.
واستدل الجمهور بحديث ابن عمر ﵄، في «الصحيحين» (١): «فإذا خِفْتَ الصبحَ؛ فأوتر بواحدة»، وبحديث ابن عمر ﵄ في مسلم (٧٥٢) مرفوعًا بلفظ: «الوتر ركعة من آخر الليل»، وبحديث عائشة في «مسلم» (٢)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- «كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة، يسلم بين كل ركعتين، ويوتر بواحدة»،
وقد صحَّ عن جمعٍ من الصحابة أنهم كانوا يوترون بركعة، ولا يُعلم لهم مُخالفٌ. والصواب قول الجمهور. (٣)
مسألة [٤]: الوتر بركعة ليس قبلها شيء .
• قال ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (٥/ ١٨٤): وقد اختلف أهل العلم في الرجل يوتر بركعة ليس قبلها شيء، كأنْ صلَّى العشاء الآخرة، ثم أراد أن يوتر بركعة، فقالت طائفة: ذلك جائزٌ، ورُوي ذلك عن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ ، أنهم فعلوا ذلك، فممن رُوي عنه فعل ذلك: (عثمان بن عفان، وسعد بن مالك، ومعاوية بن أبي سفيان، وقال ابن عباس -لما قيل له: إنَّ معاوية فعل ذلك- قال: أصاب، إنه فقيه. ورُوي ذلك عن أبي موسى الأشعري، وابن عمر،
قال: وممن كان يرى هذا جائزًا: أحمد، وأبو خيثمة، وأبو أيوب، وهذا على مذهب الشافعي، وكان مالك يكره ذلك.
قال ابن المنذر: والذي نُحِبُّ أن يصلي الرجل ركعتين، ركعتين، ثم يوتر بواحدة، وإنْ أوتر بواحدة ليس قبلها شيء جاز له ذلك. اهـ
قلتُ: وقد كره ذلك أيضًا أحمد في أكثر الروايات عنه، واستثنى إسحاق، وسفيان صاحب العذر كالمرض، والسفر، والتأخر، ونحو ذلك.
والصواب ما ذهب إليه الجمهور، وقد صحَّ عن الصحابة الذين ذكرهم ابن المنذر، ولا يُعلم لهم مُخالفٌ، ويدل عليه حديث: «الوتر ركعة من آخر الليل». (١)
فائدة: قال ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٦/ ٢٠٦ - ): وقول النبي ﷺ في حديث ابن عمر: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة، توتر له ما قد صلى» يدل على أن هذه الركعة الواحدة جعلت مجموع ما صلى قبلها وترًا، فيكون الوتر هو مجموع صلاة الليل الذي يختم بوتر، وهذا قول إسحاق بن راهويه، واستدل بقول النبي ﷺ : «أوتروا يا أهل القرآن»، وإنما أراد صلاة الليل. وقالت طائفة: الوتر هو الركعة الأخيرة، وما قبله فليس منه. وهو قول طائفة من أصحابنا، منهم: الْخِرَقِي، وأبو بكر، وابن أبي موسى. وفي كلام
стр. 1181
أحمد ما يدلُّ عليه، ومن أصحابنا من قال: الجميع وتر.
ثم ذكر ابن رجب ﵀ أنه وجه عند الشافعية، وعندهم وجه: أنَّ الجميع وتر.
قال: ويشهد له قول أبي إسحاق، وغيره: أقل الوتر ركعة، وأكثره إحدى عشرة ركعة. وفي بعض كلام الشافعي إيماء إليه.
قال ابن رجب: وفي «شرح المهذب»: الصحيح المنصوص يعني عند الشافعي في «الأم» و «المختصر» أنَّ الوتر يسمَّى تهجُّدًا.
قال ابن رجب: وينبغي أن يكون الاختلاف في تسمية ما قبل الركعة الأخيرة وترًا مختصًّا بما إذا كانت الركعات مفصولة بالتسليم بينها، فأما إنْ أوتر بتسع، أو بسبع، أو بخمس، أو بثلاث، بسلام واحد؛ فلا ينبغي التردد في أن الجميع وتر. انتهى بتصرف.
وقال ﵀ (٦/ ٢٢٥): وخرّج الإمام أحمد، وأبو داود من حديث معاوية بن صالح، عن عبدالله بن أبي قيس، قال: سألت عائشة: بكم كان رسول الله ﷺ يوتر؟ قالت: بأربع وثلاث، وست وثلاث، وثمان وثلاث، وعشرٍ، وثلاث، ولم يكن يوتر بأكثر من ثلاث عشرة، ولا بأنقص من سبع، وكان لا يدع ركعتين قبل الفجر. ففي هذه الرواية أن مجموع صلاة الليل تسمى وترًا، وأنه كان يوتر بثلاث عشرة سوى ركعتي الفجر، ولعلها أدخلت في ذلك الركعتين بعد صلاة العشاء حتى توافق سائر الروايات عنها. اهـ
стр. 1182
قال أبو عبد الله غفر الله له: الظاهر أنَّ الوتر هو مجموع صلاة الليل إذا خُتمت بوتر، وأما حديث: «فإذا خشيت الصبح؛ فأوتر بواحدة»، ففيها محذوف تقديره: فأوتر ما مضى من صلاتك بواحدة، كما صرَّح به في الرواية الأخرى المتقدمة، وهو ظاهر اختيار الإمام ناصر الدين الألباني ﵀ في كتابه «صلاة التراويح».
مسألة [٥]: إذا أوتر بثلاث، فهل يفصل بينهن، أم يوصل ؟
• قال الإمام النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٤/ ٢٤): ذكرنا اختلاف أصحابنا في الأفضل من ذلك، وأن الصحيح عندنا: أنَّ الفصل أفضل، وهو قول ابن عمر، ومعاذ القارئ (١)، وعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، ومالك وأحمد، وإسحق، وأبي ثور، وقال الأوزاعي: كلاهما حسن. وقال أبو حنيفة: لا تجوز إلا موصولات. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب قول الجمهور، وهو جواز الوصل والفصل، والفصل أفضل؛ لحديث ابن عمر ﵄: «مثنى، مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح؛ صلَّى واحدة توتر له ما قد صلَّى»، وحديث: «الوتر ركعة من آخر الليل»، والله أعلم.
وكثير ممن أجاز الوصل يختارون أن يكون بتشهدين، وصحَّ ذلك عن ابن مسعود (٢)، وذهب بعض أهل العلم إلى أن الوتر بثلاث موصولة يكون بتشهد
стр. 1183
واحد، وهو وجهٌ عند الحنابلة، والشافعية، ورُوي عن عطاء، وصحَّ عن أبي هريرة ﵁، أنه قال: لا توتروا بثلاث، تشبهوا بالمغرب، ولكن أوتروا بخمس ... وقد رُوي مرفوعًا، قال ابن رجب: وفي رفعه نكارة.
قال أبو عبد الله غفر الله له: المُختار أن يكون بتشهد واحد، وهو اختيار الإمام الوادعي، والإمام ابن عثيمين رحمة الله عليهما؛ لما صحَّ عن عائشة في «الصحيحين»، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يوتر بخمسٍ لا يجلس إلا في آخرها.
وهو ظاهر حديثها في الثلاث: كان يصلي أربعًا، فلا تسأل عن حسنهن، وطولهن .. ، ثم يُصلي ثلاثًا. والله أعلم. (١)
فائدة: قال ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٦/ ٢٠١): وأجاز أحمد وأصحابه، وإسحاق، أن يوتر بثلاث موصولة، وأن يوتر بخمس لا يجلس إلا في آخرهن، وبتسع لا يجلس إلا في الثامنة، ولا يسلم، ثم يقوم فيصلي ركعة، ثم يسلم؛ لما جاء في حديث عائشة المتقدم، وجعلوا هذه النصوص تخص عموم حديث: «صلاة الليل مثنى مثنى»، وقالوا -في التسع، والسبع، والخمس-: الأفضل أن تكون بسلام واحد؛ لذلك. فأما الوتر بسبع، فنصَّ أحمد على أنه لا يجلس إلا في آخرهن، ومن أصحابنا من قالَ: يجلس عقيب السادسة بتشهد، ولا يسلم. وقد اختلف ألفاظ حديث عائشة في ذلك. اهـ
وقد دلَّتِ الأدلة على ما ذهب إليه أحمد، وإسحاق.
стр. 1184
٣٦٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا.
قَالَتْ عَائِشَةُ، قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ قَالَ: «يَا عَائِشَةُ، إنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
٣٦٤ - وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا عَنْهَا: كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ عَشْرَ رَكَعَاتٍ، وَيُوتِرُ بِسَجْدَةٍ، وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ، فَتِلْكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ. (٢)
٣٦٥ - وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ، لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إلَّا فِي آخِرِهَا. (٣)
الأحكام المستفادة من الأحاديث
اختلفت الروايات المتقدمة في عدد ركعات النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من الليل، وفي «الصحيحين» (٤) عن ابن عباس ﵄، قال: كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة. وأخرج البخاري (١١٣٩) عن مسروق، قال: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂، عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بِالَّليْلِ؟ فَقَالَتْ: سَبْعٌ وَتِسْعٌ وَإِحْدَى عَشْرَةَ سِوَى رَكْعَتِي الْفَجْرِ.
стр. 1185
وقد جمع أهل العلم بين الروايات بأنَّ صلاة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كانت لا تزيد على إحدى عشرة ركعة، ومن ذكرها ثلاث عشرة، فعدَّها مع ركعتي الفجر كما في بعض الروايات، أو عَدَّ منها الركعتين الخفيفتين كما في روايات أخرى.
صلاة التراويح.
حديث عائشة المتقدم: «ما كان يزيد في رمضان، ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة»، كان جوابًا لأبي سلمة بن عبد الرحمن حيث سأل: كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ في رمضان؟ وفيه ردٌّ على من ذهب إلى استحباب صلاة التراويح بثلاث وعشرين ركعة، أو بست وثلاثين ركعة، أو بأربعين ركعة، ثم يوتر، فكل هذه تحديدات لا دليل عليها.
وقد استدل القائلون بأنها عشرون ركعة بدون الوتر بحديث ابن عباس ﵄، عند البيهقي (٢/ ٤٩٦)، قال: كان رسول الله ﷺ يصلي عشرين ركعة، والوتر. وهو حديث ضعيفٌ جدًّا، في إسناده: إبراهيم بن عثمان أبو شيبة العبسي، وهو متروكٌ، واستدلوا بما أخرجه البيهقي (٢/ ٤٩٦) من طريق: يزيد بن خُصيفة عن السائب بن يزيد، قال: كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب ﵁، في شهر رمضان بعشرين ركعة. قال: وكانوا يقرءُون بالمئين، وكانوا يتوكؤون على عِصِيِّهِم في عهد عثمان ﵁، من شدة القيام. وهذا إسنادٌ ظاهره الصحة.
قال الإمام الألباني ﵀ في «صلاة التراويح» (ص ٤٩ - ٥١): لكن له علة، بل عللٌ تمنع القول بصحته، وتجعله ضعيفًا مُنْكَرًا، وبيان ذلك من وجوه:
стр. 1186
الأول: أنَّ ابن خصيفة وإن كان ثقة؛ إلا أنه تفرد بما لم يروه الثقات، وهذا الأثر من هذا القبيل؛ فإنَّ مداره على السائب بن يزيد، وقد رواه عنه محمد بن يوسف، وابن خصيفة، واختلفا عليه في العدد، فالأول قال عنه: (١١)، والآخر قال: (٢٠)، والرَّاجح قول الأول؛ لأنه أوثق منه، فقد وصفه الحافظ ابن حجر بأنه ثقة ثبتٌ، واقتصر في الثاني على قوله: ثقة.
الثاني: أن محمد بن يوسف هو ابن أخت السائب بن يزيد؛ فهو لقرابته للسائب أعرف بروايته من غيره، وأحفظ؛ فما رواه من العدد أولى مما رواه عنه مُخالِفُه ابن خصيفة، ويؤيده أنه موافقٌ لحديث عائشة يعني الذي في الباب. انتهى كلام الشيخ ﵀ بتصرفٍ، واختصار.
وللأثر عن عمر ﵁، طريق أخرى عند البيهقي (٢/ ٤٩٦) وغيره، من طريق: يزيد بن رومان، عن عمر، وهو منقطعٌ؛ لأنَّ يزيدًا لم يدرك عمر بن الخطاب ﵁.
وقد جاء ذلك أيضًا عن علي ﵁، كما في «سنن البيهقي» (٢/ ٤٩٦)، من طريقين:
إحداهما فيها: أبو الحسناء، مجهولٌ، ويروي عن علي، وهو لا يروي عنه إلا بواسطة.
والثانية فيها: حماد بن شعيب، ضعيفٌ جدًّا، يرويه عن عطاء بن السائب، وهو مختلطٌ.
стр. 1187
وجاء عن أبي بن كعب ﵁، وفي إسناده انقطاع، وطريق أخرى فيها ضعفٌ، ونكارة.
وجاء عن ابن مسعود ﵁ بإسناد منقطع.
وقد أبان هذه الآثار بعللها الإمام الألباني ﵀ في كتابه «صلاة التراويح» (ص ٤٨ - ٧١).
٣٦٦ - وَعَنْهَا ﵂، قَالَتْ: مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَانْتَهَى وِتْرُهُ إلَى السَّحَرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. (١)
الحكم المستفاد من الحديث
يستفاد من الحديث مشروعية صلاة الليل في أوله، وفي أوسطه، وفي آخره، فكله مشروع، والأفضل في آخره لمن أمن النوم، وفوات وقت الوتر.
وسيأتي الكلام على وقت الوتر، ووقته المفضل، وبالله التوفيق.
стр. 1188
٣٦٧ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵄، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَا عَبْدَاللهِ، لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ، كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ، فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
الحكم المستفاد من الحديث
يُستفاد من الحديث الحثُّ على قيام الليل، والاستمرار عليه، وعلى فعل جميع الطاعات.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في شرح الحديث: وفيه استحباب الدوام على ما اعتاده المرء من الخير من غير تفريط، ويستنبط منه كراهة قطع العبادة، وإن لم تكن واجبة. اهـ
قلتُ: وقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، أنه قال: «أحبُّ العمل إلى الله تعالى أدومه وإن قلَّ». (٢)
٣٦٨ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَوْتِرُوا يَا أَهْلَ القُرْآنِ؛ فَإِنَّ اللهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. (٣)
الحكم المستفاد من الحديث
فيه الحث على قيام الليل، والوتر، وعلى استحباب ذلك استحبابًا مُؤَكَّدًا، وقد استدل بالحديث على وجوب الوتر، وقد تقدم الكلام على ذلك.
стр. 1189
٣٦٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
٣٧٠ - وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، يَقُولُ: «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالثَّلَاثَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: من أوتر في أول الليل، ثم قام، فأراد أن يتنفل، فكيف يصنع ؟
• في هذه المسألة قولان:
القول الأول: ينقض وتره؛ فيصلي في أول تهجده ركعة، ثم يوتر في آخر صلاته، حكاه ابن المنذر عن عثمان بن عفان، وعلي، وسعد، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وعمرو بن ميمون، وابن سيرين، وإسحاق، وهو قول بعض الشافعية، ورواية عن أحمد، واستدلوا بحديث ابن عمر ﵄: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا»، والصحابة الذين ذكرهم ابن المنذر كلهم صحَّ عنهم القول بذلك؛ إلا سعدًا ففي إسناده: إبراهيم بن مهاجر، وهو ضعيفٌ.
القول الثاني: لا ينقض وتره، بل يصلي ما شاء شفعًا، وهو مذهب الشافعي،
стр. 1190
ومالك، وأحمد، وأبي ثور، وعزاه القاضي عياض، ثم الحافظ ابن رجب إلى أكثر أهل العلم، وحكاه ابن المنذر عن أبي بكر الصديق، وسعد، وعمار بن ياسر، وابن عباس، وعائذ بن عمرو، وعائشة، وطاوس، وعلقمة، والنخعي، وأبي عمرو، وأبي مجلز، والأوزاعي، واستُدِلَّ لهذا القول بحديث طلق بن علي الذي في الباب: «لا وتران في ليلة».
والصحابة الذين ذكرهم ابن المنذر قد صحَّ عنهم القول بذلك كما في «الأوسط»، (٥/ ١٩٦ - )، و «مصنف عبد الرزاق» (٣/ ٢٩)، و «مصنف ابن أبي شيبة» (٢/ ٢٧٥)؛ إلا أثر أبي بكر؛ فهو من رواية سعيد بن المسيب عنه، ولم يدركه؛ فهو منقطع، وإلا أثر سعد؛ فإنه من طريق إبراهيم بن مهاجر، وهو ضعيفٌ.
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الثاني هو الصواب؛ لعدم وجود دليل على النقض، وحديث: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا»، محمول على الاستحباب، والأفضلية؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد صحَّ عنه أنه صلى ركعتين بعد الوتر كما في «صحيح مسلم» وغيره، والله أعلم. (١)
فائدة: هذه المسألة المتقدمة تدل على أنَّ الصحابة كانوا يرون جواز التنفل من الليل بما شاء دون التقييد بعدد معين، وهذا هو قول عامة أهل العلم، وإنْ كُنَّا نختار أن يُكتفى بإحدى عشرة ركعة؛ لأنَّ ذلك هو فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، والدليل على
стр. 1191
مشروعية ما تقدم قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح، فأوتر بواحدة» (١)، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «يَا بَنِي عَبْد مَنَاف، لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا البَيْتِ، وَصَلَّى، أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ، أَوْ نَهَارٍ». (٢)
وأخرج أبو داود (١٢٧٧)، بإسناد صحيح عن عمرو بن عبسة، قال: قلت: يا رسول الله، أَيُّ اللَّيْلِ أَسْمَعُ؟ قَالَ: «جَوْفُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، فَصَلِّ مَا شِئْتَ؛ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَكْتُوبَةٌ، حَتَّى تُصَلِّيَ الصُّبْحَ، ثُمَّ أَقْصِرْ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَتَرْتَفِعَ قِيسَ رُمْحٍ أَوْ رُمْحَيْنِ»، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ».
ونهى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن الصلاة في خمسة أوقات؛ فدلَّ على أنَّ غير هذه الأوقات يصلي العبد فيها ما شاء، وكما أنه يُشرع للعبد التنفل من بعد ارتفاع الشمس إلى الظهر دون التقيد بعدد؛ لحديث عمرو بن عبسة، مع أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يثبت عنه أنه صلَّى في هذا الوقت بأكثر من ثمان؛ فالأمر كذلك في صلاة الليل، والله أعلم.
مسألة [٢]: حكم الركعتين بعد الوتر .
أخرج مسلم في «صحيحه» (٧٤٦) عن عائشة ﵂، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صلَّى من الليل تسع ركعات جلس في الثامنة، ولم يسلم، ثم جلس في التاسعة، وسلم، ثم صلَّى ركعتين وهو قاعدٌ.
وأخرج من وجه آخر (٧٣٨)(١٢٦) عنها: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يصلي من الليل ثمان ركعات، ويوتر، ثم يصلي ركعتين، وهو قاعد، فإذا أراد أن يركع قام فركع.
стр. 1192
وأخرج أحمد (٥/ ٢٦٠) بإسناد حسنٍ عن أبي أمامة ﵁، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يصليهما بعد الوتر، وهو جالسٌ، يقرأ فيهما: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة:١]، و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وهو في «الصحيح المسند» (٤٩٥).
وأخرج الدارقطني (٢/ ٣٦)، من حديث ثوبان ﵁، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنَّ هذا السفر جَهدٌ، وثِقَل، فإذا أوتر أحدكم؛ فليصل ركعتين؛ فإن قام من الليل، وإلا كانتا له»، وهو حديث حسنٌ، وهو في «الصحيح المسند» لشيخنا ﵀ برقم (١٩٠).
فمن هذه الأدلة ذهب طائفة من أهل العلم إلى استحباب هاتين الركعتين بعد الوتر منهم: كثير بن ضمرة، وخالد بن معدان، والحسن، وأبو مجلز، وجماعة من الحنابلة.
وبالغ بعضهم فعدَّها من الرواتب، ومن أهل العلم من رخَّصَ فيها، ولم يكرهها، وهو قول الأوزاعي، وأحمد، ومنهم من كرهها، وهو قول مالك، وحُكي عن الشافعي.
قلتُ: الراجح هو الاستحباب؛ للأدلة المتقدمة، وقد صح عن ابن عباس ﵄ أنه صلاهما، وأفتى بهما. أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٨٣)، ويُستحب عدم المداومة عليها؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يداوم عليها، بل فعلها أحيانًا، وقال: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا». (١)
стр. 1193
٣٧١ - وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، يُوتِرُ بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وَ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَزَادَ: وَلَا يُسَلِّمُ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ. (١)
٣٧٢ - وَلِأَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ نَحْوُهُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، وَفِيهِ: كُلُّ سُورَةٍ فِي رَكْعَةٍ، وَفِي الأَخِيرَةِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وَالمُعَوِّذَتَيْنِ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: ما يقرأ في الوتر ؟
قال الإمام النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٤/ ٢٣): مذهبنا أنه يقرأ بعد الفاتحة في الأولى: ﴿سَبِّحِ﴾ وفى الثانية: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفى الثالثة:
стр. 1194
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ مرةً، والمعوذتين، وحكاه القاضى عياض عن جمهور العلماء، وبه قال مالك، وأبو داود، وقال أبوحنيفة، والثوري، وإسحاق كذلك؛ إلا أنهم قالوا: لا تُقْرَأُ المعوذتان. وحكي عن أحمد مثله، ونقله الترمذي عن أكثر العلماء من الصحابة ومن بعدهم. انتهى المراد.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب عدم قراءة المعوذتين؛ لعدم صحة الحديث فيه، وقد وقع في بعض الروايات، بيان أن كل سورة في ركعة؛ ففي رواية النسائي (٣/ ٢٣٥)، وابن المنذر (٥/ ٢٠٣)، في حديث أبي بن كعب ﵁، واللفظ للنسائي: «كان رسول الله ﷺ يقرأ في الركعة الأولى من الوتر بسبح اسم ربك الأعلى، وفي الثانية بقل يا أيها الكافرون، وفي الثالثة بقل هو الله أحد».
стр. 1195
بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ
مسألة [١]: ماذا يُقال بعد صلاة الوتر ؟
استحب أهل العلم أن يقول بعد صلاة الوتر: سبحان الملك القُدُّوس، ثلاث مرات؛ لما أخرجه أحمد (٣/ ٤٠٦)، وغيره من حديث عبد الرحمن بن أبزى، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، كان يوتر بـ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فإذا سلَّمَ قال: «سبحان الملك القدوس، سبحان الملك القدوس، سبحان الملك القدوس»، ورفع بها صوته.
وهو حديث صحيح، وقد صححه شيخنا مقبل الوادعي ﵀ في «الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين» برقم (٨٩٠).