← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

مشروعية ما تقدم قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح، فأوتر بواحدة» (١)، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «يَا بَنِي عَبْد مَنَاف، لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا البَيْتِ، وَصَلَّى، أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ، أَوْ نَهَارٍ». (٢) وأخرج أبو داود (١٢٧٧)، بإسناد صحيح عن عمرو بن عبسة، قال: قلت: يا رسول الله، أَيُّ اللَّيْلِ أَسْمَعُ؟ قَالَ: «جَوْفُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، فَصَلِّ مَا شِئْتَ؛ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَكْتُوبَةٌ، حَتَّى تُصَلِّيَ الصُّبْحَ، ثُمَّ أَقْصِرْ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَتَرْتَفِعَ قِيسَ رُمْحٍ أَوْ رُمْحَيْنِ»، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ». ونهى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن الصلاة في خمسة أوقات؛ فدلَّ على أنَّ غير هذه الأوقات يصلي العبد فيها ما شاء، وكما أنه يُشرع للعبد التنفل من بعد ارتفاع الشمس إلى الظهر دون التقيد بعدد؛ لحديث عمرو بن عبسة، مع أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يثبت عنه أنه صلَّى في هذا الوقت بأكثر من ثمان؛ فالأمر كذلك في صلاة الليل، والله أعلم. مسألة [٢]: حكم الركعتين بعد الوتر . أخرج مسلم في «صحيحه» (٧٤٦) عن عائشة ﵂، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صلَّى من الليل تسع ركعات جلس في الثامنة، ولم يسلم، ثم جلس في التاسعة، وسلم، ثم صلَّى ركعتين وهو قاعدٌ. وأخرج من وجه آخر (٧٣٨) (١٢٦) عنها: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يصلي من الليل ثمان ركعات، ويوتر، ثم يصلي ركعتين، وهو قاعد، فإذا أراد أن يركع قام فركع.

стр. 1192

وأخرج أحمد (٥/ ٢٦٠) بإسناد حسنٍ عن أبي أمامة ﵁، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يصليهما بعد الوتر، وهو جالسٌ، يقرأ فيهما: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة:١]، و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وهو في «الصحيح المسند» (٤٩٥). وأخرج الدارقطني (٢/ ٣٦)، من حديث ثوبان ﵁، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنَّ هذا السفر جَهدٌ، وثِقَل، فإذا أوتر أحدكم؛ فليصل ركعتين؛ فإن قام من الليل، وإلا كانتا له»، وهو حديث حسنٌ، وهو في «الصحيح المسند» لشيخنا ﵀ برقم (١٩٠). فمن هذه الأدلة ذهب طائفة من أهل العلم إلى استحباب هاتين الركعتين بعد الوتر منهم: كثير بن ضمرة، وخالد بن معدان، والحسن، وأبو مجلز، وجماعة من الحنابلة. وبالغ بعضهم فعدَّها من الرواتب، ومن أهل العلم من رخَّصَ فيها، ولم يكرهها، وهو قول الأوزاعي، وأحمد، ومنهم من كرهها، وهو قول مالك، وحُكي عن الشافعي. قلتُ: الراجح هو الاستحباب؛ للأدلة المتقدمة، وقد صح عن ابن عباس ﵄ أنه صلاهما، وأفتى بهما. أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٨٣)، ويُستحب عدم المداومة عليها؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يداوم عليها، بل فعلها أحيانًا، وقال: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا». (١)

стр. 1193

٣٧١ - وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، يُوتِرُ بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وَ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَزَادَ: وَلَا يُسَلِّمُ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ. (١) ٣٧٢ - وَلِأَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ نَحْوُهُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، وَفِيهِ: كُلُّ سُورَةٍ فِي رَكْعَةٍ، وَفِي الأَخِيرَةِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وَالمُعَوِّذَتَيْنِ. (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين مسألة [١]: ما يقرأ في الوتر ؟ قال الإمام النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٤/ ٢٣): مذهبنا أنه يقرأ بعد الفاتحة في الأولى: ﴿سَبِّحِ﴾ وفى الثانية: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفى الثالثة:

стр. 1194

﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ مرةً، والمعوذتين، وحكاه القاضى عياض عن جمهور العلماء، وبه قال مالك، وأبو داود، وقال أبوحنيفة، والثوري، وإسحاق كذلك؛ إلا أنهم قالوا: لا تُقْرَأُ المعوذتان. وحكي عن أحمد مثله، ونقله الترمذي عن أكثر العلماء من الصحابة ومن بعدهم. انتهى المراد. قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب عدم قراءة المعوذتين؛ لعدم صحة الحديث فيه، وقد وقع في بعض الروايات، بيان أن كل سورة في ركعة؛ ففي رواية النسائي (٣/ ٢٣٥)، وابن المنذر (٥/ ٢٠٣)، في حديث أبي بن كعب ﵁، واللفظ للنسائي: «كان رسول الله ﷺ يقرأ في الركعة الأولى من الوتر بسبح اسم ربك الأعلى، وفي الثانية بقل يا أيها الكافرون، وفي الثالثة بقل هو الله أحد».

стр. 1195

بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ مسألة [١]: ماذا يُقال بعد صلاة الوتر ؟ استحب أهل العلم أن يقول بعد صلاة الوتر: سبحان الملك القُدُّوس، ثلاث مرات؛ لما أخرجه أحمد (٣/ ٤٠٦)، وغيره من حديث عبد الرحمن بن أبزى، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، كان يوتر بـ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فإذا سلَّمَ قال: «سبحان الملك القدوس، سبحان الملك القدوس، سبحان الملك القدوس»، ورفع بها صوته. وهو حديث صحيح، وقد صححه شيخنا مقبل الوادعي ﵀ في «الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين» برقم (٨٩٠).

стр. 1196

٣٧٣ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَوْتِرُوا قَبْلَ أَنْ تُصْبِحُوا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١) وَلِابْنِ حِبَّانَ: «مَنْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ وَلَمْ يُوتِرْ فَلَا وِتْرَ لَهُ». (٢) ٣٧٤ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ نَامَ عَن الوِتْرِ أَوْ نَسِيَهُ فَلْيُصَلِّ إذَا أَصْبَحَ أَوْ ذَكَرَ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ. (٣) ٣٧٥ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ، فَإِنَّ صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (٤) ٣٧٦ - وَعنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إذَا طَلَعَ الفَجْرُ فَقَدْ ذَهَبَ كُلُّ صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَالوِتْرِ، فَأَوْتِرُوا قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. (٥)

стр. 1197

المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث مسألة [١]: وقت صلاة الوتر . • ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ أول وقت صلاة الوتر من بعد صلاة العشاء، واستدلوا على ذلك بحديث خارجة بن حذافة، وأبي بصرة، وقد تقدَّما في الكتاب برقم (٣٥٩). • وللشافعية وجهٌ أنه يدخل وقته بدخول وقت العشاء؛ فيجوز على ذلك فعله قبل صلاة العشاء، ولهم وجهٌ آخر: أنَّ وقته يدخل بعد العشاء، وصلاة أخرى إن كان وتره بركعة وإن كان بأكثر من ركعة صحَّ فعله بعد صلاة العشاء. والصواب ما ذهب إليه الجمهور من أهل العلم؛ لدلالة حديث أبي بصرة، وخارجة، والله أعلم. وأما آخر وقت الوتر: • فذهب الأكثرون إلى أنه يخرج وقته بذهاب الليل، وطلوع الفجر، فإذا طلع الفجر صار فعله قضاءً، وما دام الليل باقيًا؛ فإنَّ وقته باقٍ، وهو قول الشافعي، وأحمد في المشهور عنهما، وقول أبي حنيفة، والثوري، ورُوي عن عمر (١)، وابن

стр. 1198

عمر (١)، وأبي موسى (٢)، وأبي الدرداء (٣)، وسعيد بن جبير، وعطاء، والنخعي، واستدل هؤلاء بأحاديث كثيرة منها: حديث: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا»، وحديث: «إذا خشيت الصبح؛ فأوتر بواحدة» (٤)، وبحديث أبي سعيد الذي في الباب: «أوتروا قبل أن تصبحوا»، وبحديث ابن عمر: «بادروا الصبح بالوتر» أخرجه مسلم برقم (٧٥٠). • وذهب طائفة من أهل العلم إلى أنَّ الوتر لا يفوت وقته حتى يُصَلَّى الصبح، صحَّ ذلك عن علي، وابن مسعود (٥)، وهو قول أيوب، وحميد الطويل، والقاسم بن محمد، ومالك، والشافعي في القديم، وأحمد في رواية عنه، وإسحاق، وفي حديث أبي بصرة الغفاري: «ما بين صلاة العشاء إلى صلاة الصبح»، وممن رُوي عنه أنه أوتر بعد طلوع الفجر: (عبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، وحذيفة، وابن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وعائشة). (٦)

стр. 1199

قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب القول الأول، وهو قول الجمهور، وأما حديث أبي بصرة الغفاري: «إلى صلاة الصبح»؛ فالمقصود: إلى وقت صلاة الصبح، كما جاء ذلك في بعض طُرُقِهِ بلفظ: «إلى طلوع الصبح»، وهي من طريق: ابن لهيعة، ويؤيدها حديث خارجة، وبهذا التأويل تجتمع الأدلة. وأما فعل الصحابة، فقال ابن عبد البر: يُحتمل أن يكونوا قالوه فيمن نسي، أو نام عنه، دون من تعمده. قلتُ: وهي وقائع عين فعلوها، يُحتمل أن يكونوا صَلَّوهُ قضاءً، أو رأوه وقتًا اضطراريًّا لمن شغل أو نام، وهذا المحمل أحسن، والله أعلم. (١) مسألة [٢]: من صلى الوتر وكان قد نسي أن يصلي صلاة العشاء، أو نسي بعض شروطها ؟ • ذهب جمهور العلماء إلى أنه يصلي العشاء، ثم يعيد الوتر؛ لأنه صلَّاه قبل دخول وقته، وهو قول مالك، والشافعي، والأوزاعي، وأحمد، وأبي يوسف، ومحمد. • وذهب أبو حنيفة إلى أنه يجزئه، ولا إعادة عليه؛ لأنَّ وقته عنده بدخول وقت العشاء، ويجب أن يكون بعد صلاة العشاء بالذكر، لا بالنسيان، فإذا صلَّاه قبل

стр. 1200

العشاء ناسيًا أجزأه. والصواب ما ذهب إليه الجمهور، والله أعلم. (١) مسألة [٣]: من صلى العشاء مع المغرب جمع تقديم، فهل يدخل وقت الوتر بعد صلاة العشاء أيضًا ؟ • الجمهور من أهل العلم على أنَّ وقت الوتر يدخل بصلاة العشاء، وإنْ صلَّاها جمع تقديم؛ لعموم حديث أبي بصرة، وخارجة بن حذافة ﵄، وقد تقدما برقم (٣٥٩). • وذهب أبو حنيفة، والمالكية، وبعض الشافعية إلى أنه لا يدخل وقتها حتى يدخل وقت العشاء. والصواب ما ذهب إليه الجمهور. (٢) مسألة [٤]: هل يقضي الوتر إذا فاته ؟ • قال الحافظ ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٦/ ٢٤٣ - ٢٤٧): وقد اختلف العلماء في قضاء الوتر إذا فات، فقالت طائفة: لا يقضي، وهو قول أبي حنيفة، ومالك، ورواية عن أحمد، وإسحاق، وأحد قولي الشافعي، وحكاه أحمد عن أكثر العلماء، ويُروى عن النخعي أنه لا يقضي بعد صلاة الفجر، وعن الشعبي. وقالت طائفة: يقضي. وهو قول الثوري، والليث بن سعد، والمشهور عن الشافعي، ورواية عن أحمد.

стр. 1201

قال ابن رجب: واستدل من قال: لا يقضي الوتر بأن النبي ﷺ كان إذا نام أو شغله مرض أو غيره عن قيام الليل صلى بالنهار ثنتي عشرة ركعة. خرجه مسلم من حديث عائشة؛ فدل على أنه كان يقضي التهجد دون الوتر. اهـ واستدل القائلون بالقضاء بعموم حديث: «من نام عن صلاة، أو نسيها؛ فليصلها إذا ذكرها» أخرجه البخاري برقم (٥٩٧)، ومسلم (٦٨٤) عن أنس ﵁، بل قد صرَّح في حديث أبي سعيد بصلاة الوتر كما في الباب. قال ابن رجب: وممن رُوي عنه الأمر بقضاء الوتر من النهار: علي (١)، وابن عمر (٢)، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، والحسن، والشعبي، وحماد، وهو قول الشافعي في الصحيح عنه، وأحمد في رواية، والأوزاعي، إلا أنه قال: يقضيه نهاراً وبالليل؛ ما لم يدخل وقت الوتر بصلاة العشاء الآخرة، ولا يقضيه بعد ذلك؛ لئلا يجتمع وتران في ليلة. وعن سعيد بن جبير، قالَ: يقضيه من الليلة القابلة. وظاهر هذا أنه لا يقضيه إلا ليلًا؛ لأنَّ وقته الليل، فلا يفعل بالنهار. انتهى باختصار من «الفتح» لابن رجب. قال أبو عبد الله غفر الله له: يقضيه من النهار، ويشفعه؛ لفعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وهو قول من نفى قضاء الوتر، فَتَنَبَّهْ، والله أعلم.

стр. 1202

مسألة [٥]: أفضل أوقات الوتر . • ذهب طائفة من أهل العلم إلى أنَّ الوتر قبل النوم أفضل، وهو وجهٌ عند الشافعية، وصحَّ عن جماعة من الصحابة، أنهم كانوا يوترون أول الليل. وقد أوصى النبيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أبا هريرة، وأبا الدرداء أن يوتروا قبل النوم كما في «الصحيح». (١) • وذهب أكثر أهل العلم إلى أن الوتر آخر الليل أفضل لمن وثق من نفسه أن يقوم، ومن ليس كذلك؛ فالأفضل في حقِّه أن يوتر قبل النوم. واستدلوا بحديث جابر الذي في الباب، وهو عمل جمعٍ من الصحابة، وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. وقد ثبت عن أبي بكر الصديق ﵁، أنه كان يقوم ويوتر في أول الليل، وكان عمر ﵁ يقوم ويوتر في آخر الليل؛ فقال النبي ﷺ : «أخذ هذا بالحزم -وفي رواية: بالوثقى- وأخذ هذا بالقوة». أخرجه أحمد (٣/ ٣٣٠) عن جابر ﵁، وفي إسناده عبد الله بن محمد بن عقيل، وفيه ضعف. وأخرجه أبو داود (١٤٣٤)، وابن خزيمة (١٠٨٤) عن أبي قتادة ﵁ بنحوه. ورجح ابن خزيمة أنه من مراسيل عبد الله بن رباح.

стр. 1203

وجاء الحديث عن ابن عمر ﵄ عند ابن خزيمة (١٠٨٥)، وابن المنذر (٥/ ١٧١)، وفيه يحيى بن سليم الطائفي، وفيه ضعف. وجاء من مراسيل سعيد بن المسيب، أخرجه عبد الرزاق (٣/ ١٤). ومن مراسيل محمد بن يوسف، أخرجه كذلك عبد الرزاق (٣/ ١٤)؛ فالحديث بهذه الطرق صحيح، والله أعلم. (١)

стр. 1204

بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ مسألة [١]: الوتر على الراحلة . • قال الإمام النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٤/ ٢١): مذهبنا أنه جائز على الراحلة في السفر، كسائر النوافل، سواء كان له عذر أم لا، وبهذا قال جمهور العلماء من الصحابة فمن بعدهم، فمنهم: علي بن أبي طالب (١)، وابن عمر (٢)، وابن عباس (٣)، وعطاء، والثوري، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وداود. • وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يجوز إلا لعذر. دليلنا حديث ابن عمر، أن النبي ﷺ كان يوتر على راحلته في السفر. رواه البخاري، ومسلم. اهـ قلتُ: قول الجمهور هو الصواب. (٤)

стр. 1205

٣٧٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى أَرْبَعًا، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اللهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١) ٣٧٨ - وَلَهُ عَنْهَا: أَنَّهَا سُئِلَتْ: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَتْ: لَا إلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ. (٢) ٣٧٩ - وَلَهُ عَنْهَا: مَا رَأَيْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّي سُبْحَةَ الضُّحَى قَطّ، وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا. (٣) ٣٨٠ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: «صَلَاةُ الأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الفِصَالُ». (٤) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. (٥) الجمع بين ألفاظ حديث عائشة: قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (١١٧٧): وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ، فَذَهَبَ اِبْن عَبْد اَلْبَرّ وَجَمَاعَة (٦) إِلَى تَرْجِيحِ مَا اِتَّفَقَ اَلشَّيْخَانِ عَلَيْهِ دُونَ مَا

стр. 1206

اِنْفَرَدَ بِهِ مُسْلِم، وَقَالُوا: إِنَّ عَدَمَ رُؤْيَتِهَا لِذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَم اَلْوُقُوعِ، فَيُقَدَّمُ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ اَلصَّحَابَةِ اَلْإِثْبَاتُ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى اَلْجَمْعِ بَيْنَهُمَا. وَحَمَلَ اَلْبَيْهَقِيّ النَّفْيَ عَلَى اَلْمدَاوَمَةَ. وَذَهَبَ عِيَاض وَغَيْره إِلَى أنَّ قَوْلَهَا: (مَا صَلَّاهَا) مَعْنَاهَا: مَا رَأَيْته يُصَلِّيهَا، وَالْجَمْع بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهَا: (كَانَ يُصَلِّيهَا أَرْبَعًا) أَنَّهَا أَخْبَرَتْ فِي اَلْإِنْكَارِ عَنْ مُشَاهَدَتِهَا، وَفِي اَلْإِثْبَاتِ عَنْ غَيْرِهَا. اهـ بتصرفٍ، واختصار. قال أبو عبد الله غفر الله له: توجيهُ عياض هو الصواب المختار، والله أعلم. المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: حكم صلاة الضحى . • فيها أقوال: الأول: استحبابها، قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٤/ ٤٠): وهو مذهبنا، ومذهب جمهور السلف، وبه قال الفقهاء المتأخرون كافة. اهـ ويدل عليه حديث أبي ذر ﵁، في «صحيح مسلم» (٧٢٠)، وبريدة ﵁، بنحوه في «مسند أحمد» (٥/ ٣٥٤): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنْ المُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنْ الضُّحَى». ويدل عليه حديث عمرو بن عبسة ﵁ في «صحيح مسلم» (٨٣٢): أنَّ النبي

стр. 1207

-صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال بعد نهيه عن الصلاة حتى ترتفع الشمس: «ثُمَّ صَلِّ؛ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ». وفي «الصحيحين» (١)، عن أبي هريرة ﵁، قال: أَوْصَانِي خَلِيلِي ﷺ بِثَلَاثٍ: «بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيْ الضُّحَى، وَلَا أَنَام حَتَّى أُوتِرَ». وأخرج مسلم (٧٢٢)، عن أبي الدرداء، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مثله، وفيه قال: لن أدعهن ما عشت. واستدلوا بحديث زيد بن أرقم في «صحيح مسلم» (٧٤٨): «صَلَاةُ الأَوَّابِيْن حِيْنَ تَرْمَضُ الفِصَالُ». الثاني: ذهب بعض أهل العلم إلى أنها لا تُشرع؛ إلا لسببٍ، واحتجوا بأنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يفعلها إلا لسبب، واتفق وقوعها وقت الضحى، واختار هذا القول ابن القيم ﵀. الثالث: لا تُستحبُّ أصلًا، قال ابن حجر ﵀: وصحَّ عن عبد الرحمن بن عوف أنه لم يصلها، وكذلك ابن مسعود ﵄ (٢).

стр. 1208

الرابع: يُستحب تركها تارة، وفعلها تارة، ولا يواظب، وهو رواية عن أحمد، وذلك لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يواظب عليها، وقد صحَّ عن أبي هريرة ﵁، أنه قال: ما رأيت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يصلي الضحى قطُّ إلا مرة. أخرجه أحمد (٢/ ٤٤٦). الخامس: تُستحبُّ صلاتها والمواظبة عليها في البيوت. السادس: أنها بدعة، صحَّ ذلك من رواية عروة، عن ابن عمر، وصحَّ عن أبي بكرة ﵁، أنه رأى ناسًا يُصلُّون الضحى، فقال: إنكم لتصلون صلاةً ما صلاها رسول الله ﷺ ، ولا عامة أصحابه. أخرجه النسائي في «الكبرى» (٤٧٨) بإسناد صحيح. قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب قول الجمهور، أعني القول الأول؛ لما تقدم من الأدلة، وعدم مداومة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لا يدل على عدم الاستحباب، بعد أنْ حثَّ عليها، وأوصى بالمحافظة عليها، وإنما ترك المداومة عليها خشية أن تُفرضَ على الناس، كما ذكرت ذلك عائشة ﵂. وأما قول ابن عمر: بدعة. فقال النووي ﵀: ويتأول قوله (بدعة) على أنه لم يبلغه الأحاديث المذكورة، أو أراد أنَّ النبي ﷺ لم يداوم عليها، أو أنَّ الجهارة في المساجد ونحوها بدعة، وإنما سُنَّتْ النافلة في البيت. قال أبو عبد الله غفر الله له: قول ابن عمر ﵄: (بدعة) يُحمل على أنه أراد

стр. 1209

البدعة اللغوية، وهي أنَّ مداومة الناس عليها، وإن كان مستحبًا؛ فإنَّ ذلك لم يثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ويؤيد ذلك أنه صحَّ عنه كما في «مصنف عبد الرزاق» (٣/ ٧٨ - ٧٩) أنه قال: ما أحدث الناس أحبَّ إليَّ منها. وقال ابن القيم ﵀ في «الزاد»: وقال ابن عمر مرةً: ونعمت البدعة (١). وقال الشعبي: سمعت ابن عمر يقول: ما ابتدع المسلمون أفضل من صلاة الضحى (٢). اهـ (٣) مسألة [٢]: وقت صلاة الضحى . عامة أهل العلم على أنَّ وقتها من ارتفاع الشمس إلى زوالها؛ لحديث عمرو ابن عبسة في «صحيح مسلم» (٨٣٢): «ثم اقصر عن الصلاة حتى ترتفع الشمس، ثم صلِّ؛ فإنَّ الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظل بالرمح». (٤) مسألة [٣]: وقتها المختار . استحب أهل العلم أن تكون في وقت اشتداد الحر؛ لحديث زيد بن أرقم ﵁ المذكور في الباب. (٥)

стр. 1210

٣٨١ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ صَلَّى الضُّحَى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً بَنَى اللهُ لَهُ قَصْرًا فِي الجَنَّةِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَاسْتَغْرَبَهُ. (١) ٣٨٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْتِي فَصَلَّى الضُّحَى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ. رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي «صَحِيحِهِ». (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث مسألة [١]: عدد ركعات الضحى . • الأشهر في مذهب الحنابلة أنَّ أكثرها ثمان ركعات؛ لأنَّ هذا هو أكثر ما ورد عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، كما في «الصحيحين» (٣)، من حديث أم هانئ ﵂، ولهم رواية أنَّ أكثرها اثنتا عشرة ركعة؛ لحديث أنس الذي في الباب، وهذان القولان وجهان في مذهب الشافعية أيضًا، والأكثرون على أن أكثرها ثمان ركعات. • وذهب طائفة من أهل العلم إلى أنه لا حدَّ لأكثرها، منهم: أبو جعفر الطبري، وبه جزم الحليمي، والروياني من الشافعية، وهو قول الأسود بن يزيد. وهذا القول هو الصواب؛ لحديث عائشة ﵂ في «صحيح مسلم»: كان النبي ﷺ يصلي الضحى أربعًا، ويزيد ما شاء الله. ولحديث عمرو بن عبسة في «مسلم»

стр. 1211

٨٣٢ - أيضًا: «ثُمَّ صَلِّ؛ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ»، وهذا القول رجَّحه الشيخ ابن عثيمين ﵀. (١) تنبيه: أمَّا أقل الضحى؛ فركعتان عند عامة أهل العلم؛ لحديث أبي هريرة ﵁: «وركعتي الضحى ... »، وقد تقدم، وحديث أبي ذر أيضًا وقد تقدم: «ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى». فائدة: حديث: «يا ابن آدم تقرَّب إليَّ بأربع ركعات من أول النهار أكْفِك آخره»، من حديث نعيم بن همار (٢)، وأبي الدرداء (٣)، وهو حديث صحيح، وقد حمله كثير من أهل العلم على أنَّ المراد به من الضحى، وهو ظاهر صنيع عبد الرزاق الصنعاني، وأبي داود، والترمذي، وابن حبان، والبيهقي، والبغوي، وغيرهم؛ فإنهم أوردوه في صلاة الضحى، واختار بعض أهل العلم أنَّ المراد به ركعتا الفجر، وسنتها، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية كما في «زاد المعاد». قلتُ: ويشبهه حديث جندب بن عبد الله في «صحيح مسلم» (٦٥٧): «من صلَّى الفجر؛ فهو في ذمة الله؛ فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء؛ فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه، ثم يكبه على وجهه في نار جهنم». وينبغي للمسلم أن يحافظ على الأمرين؛ لينال الفضيلة المذكورة؛ فيحافظ على سنة الفجر مع فريضتها،

стр. 1212

ويحافظ على أربع ركعات من الضحى في أول النهار، والله المستعان. فائدة أخرى: حديث: «من صلَّى الفجر في جماعة، ثم قعد يذكر الله تعالى حتى طلعت الشمس، ثم صلَّى ركعتين كتبت له أجر حجَّة، وعمرة تامة»، أخرجه الترمذي (٥٨٦) من حديث أنس ﵁، وفي إسناده: أبو ظلال هلال بن أبي هلال، وهو إلى الضعف الشديد أقرب، وأخرجه الطبراني في «الأوسط» (٥٥٩٨)، عن ابن عمر ﵄، وفي إسناده: الفضل بن موفق، وهو ضعيفٌ، وأخرجه الطبراني في «الكبير» (٧٧٤١) من حديث أبي أمامة، وفي إسناده: عثمان بن عبدالرحمن الحراني، وهو ضعيفٌ، وله إسناد آخر في «الكبير» أيضًا (٧٦٤٩)، وقرن بأبي أمامة عتبة بن عبد السلمي ﵄، وفي إسناده: الأحوص بن حكيم، وهو ضعيفٌ، سيء الحفظ. والحديث بهذه الطُّرُق يرتقي إلى الحُسْنِ إن شاء الله، والله أعلم.

стр. 1213

بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ مسألة [١]: التنفل المطلق . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ٥٥٥): فأمَّا النوافل المطلقة؛ فتُشرع في الليل كله، وفي النهار فيما سوى أوقات النهي، وتطوع الليل أفضل من تطوع النهار. اهـ ويدل عليه حديث عمرو بن عبسة عند مسلم، وأبي داود، وغيرهما، وقد تقدمت ألفاظه، فراجعها. (١) فائدة: صلاة التسابيح لم يثبت فيها حديث، وقد جزم بذلك غير واحد من الحُفَّاظ، منهم: الإمام أحمد، والعُقيلي، وأبو بكر بن العربي، وابن الجوزي، والمزي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وغيرهم، وأحسن طرقها: حديث ابن عباس عند أبي داود (١٢٩٧)، وغيره، وقد تفرد به موسى بن عبد العزيز العدني، وأُنكر عليه كما في «الميزان»، وأعلَّه ابن المديني بالوقف على عكرمة كما في «إتحاف المهرة» (٨٢٨١). قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «التلخيص»: والحقُّ أنَّ طُرُقَهُ كلها ضعيفة، وإن كان حديث ابن عباس يقرب من شرط الحَسَنِ؛ إلا أنه شاذٌّ؛ لشدَّة الفردية

стр. 1214

فيه، وعدم المتابع، والشاهد من وجه معتبر، ومخالفة هيئتها لهيئة باقي الصلوات. انتهى. (١) مسألة [٢]: هل للمصلي أن يتنفل بأكثر من ركعتين متصلة، بدون تقييد عدد ؟ • قال الإمام ابن عبد البر ﵀ في كتابه «التمهيد» (١٣/ ٢٤٤): وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ؛ فَقَالَ مَالِكٌ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الحسن: صلاةالليل وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ، وَأَحْمَدِ بْنِ حَنْبَلٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ: صَلِّ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِنْ شِئْتَ رَكْعَتَيْنِ، وَإِنْ شِئْتَ أَرْبَعًا أَوْ سِتًّا أَوْ ثَمَانِيًا. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: صَلِّ مَا شِئْتَ بَعْدَ أَنْ تَقْعُدَ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ. وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، وَصَلَاةُ النَّهَارِ أَرْبَعًا. وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ذَكَرَ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، وَالنَّهَارِ أَرْبَعُ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، إِنْ شَاءَ لَا يسلم إِلَّا فِي آخِرِهِنَّ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَسْأَلُ عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي النَّافِلَةِ؛ فَقَالَ: أَمَّا الَّذِي أَخْتَارُ فَمَثْنَى مَثْنَى، وَإِنْ صَلَّى أَرْبَعًا فَلَا بَأْسَ وَأَرْجُو أَنْ لَا يُضَيَّقَ عَلَيْهِ. فَذَكَرَ لَهُ حَدِيثَ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ عَنْ عَلِيٍّ

стр. 1215

الْأَزْدِيِّ؟ فَقَالَ: لَوْ كَانَ ذَلِكَ الْحَدِيثُ يَثْبُتُ، وَمَعَ هَذَا حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فِي تَطَوُّعِهِ بِالنَّهَارِ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا وَالْفَجْرِ وَالْأَضْحَى وَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ وَإِنْ صَلَّى أَرْبَعًا فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي أَرْبَعًا بِالنَّهَارِ. وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ: قَالَ لِي نَافِعٌ: أَمَّا نَحْنُ فَنُصَلِّي بِالنَّهَارِ أَرْبَعًا قَالَ فَذَكَرْتُهُ لِمُحَمَّدٍ فَقَالَ: لَوْ صَلَّى مَثْنَى كَانَ أَجْدَرُ أَنْ يُحْفَظَ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: قَوْلُهُ ﷺ : «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» كَلَامٌ خَرَجَ عَلَى جَوَابِ السَّائِلِ كَأَنَّهُ قَالَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نُصَلِّي بِاللَّيْلِ؟ فَقَالَ: مَثْنَى مَثْنَى. وَلَوْ قَالَ لَهُ: وَبِالنَّهَارِ؟ جَازَ أَنْ يَقُولَ كَذَلِكَ أَيْضًا مَثْنَى مَثْنَى وَمَا خَرَجَ عَلَى جَوَابِ السَّائِلِ فَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَا عَدَاهُ وَسَكَتَ عَنْهُ لِأَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ بِخِلَافِهِ وَهَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ فَصَلَاةُ النَّهَارِ مَوْقُوفَةٌ عَلَى دَلَائِلِهَا: فَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهَا وَصَلَاةَ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى جَمِيعًا أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الصَّلَاةُ مَثْنَى مَثْنَى تَشَهُّدٌ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ» لَمْ يَخُصَّ لَيْلًا مِنْ نَهَارٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا مُعَاذٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ أبي أنس عن عبد الله بن نافع عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنِ الْمُطَّلِبِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الصَّلَاةُ مَثْنَى مَثْنَى يُتَشَهَّدُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ» (١) وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَرَوَاهُ اللَّيْثُ عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ

стр. 1216

فَخَالَفَ شُعْبَةَ فِي إِسْنَادِهِ. ثم استدل بحديث علي البارقي الأزدي عن ابن عمر: «صلاة الليل والنهار مثنى مثنى»، وقد تقدم أنه غير محفوظ. ثم قال: وَذَكَرَ مَالِكٌ فِي «الْمُوَطَّأِ» أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى يُسَلِّمُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ فَهَذِهِ فَتْوَى ابْنِ عُمَرَ وَهُوَ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى»، وَعَلِمَ مَخْرَجَهُ وَفَهِمَ مُرَادَهُ، وَحَدِيثُ مَالِكٍ هَذَا وَإِنْ كَانَ مِنْ بَلَاغَاتِهِ؛ فَإِنَّهُ مُتَّصِلٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ بكير بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ أن مُحمدَ بنَ عَبدَ الرَّحمنِ بْنِ ثَوْبَانَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى» يَعْنِي التَّطَوُّعَ. وَمِنَ الدَّلِيلِ أَيْضًا عَلَى أَنَّ صَلَاةَ النَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى كَصَلَاةِ اللَّيْلِ سَوَاءً: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلي قَبْلَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ، وَرَكْعَتِي الْفَجْرِ، وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَهُ، وَصَلَاةُ الْفِطَرِ وَالْأَضْحَى وَالِاسْتِسْقَاءِ. وَقَالَ: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ»، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ. اهـ

стр. 1217

وفي «الأوسط» لابن المنذر (٥/ ٢٣٦): وَكَانَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ يَقُولُ: "الَّذِي نَخْتَارُ لَهُ أَنْ تَكُونَ صَلَاتُهُ بِاللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، إِلَّا الْوِتْرَ؛ فَإِنَّ لَهُ أَحْكَامًا مُخْتَلِفَةً، وَأَمَّا صَلَاةُ النَّهَارِ فَأَخْتَارُ أَنْ يُصَلِّيَ قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا، وَقَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا، وَضَحْوَةً أَرْبَعًا، لِمَا جَاءَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ؛ فَإِنْ صَلَّى بِالنَّهَارِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ وَسَلَّمَ كَانَ جَائِزًا. وَفِيهِ قَوْلٌ آخر: وَهُوَ أَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ يُجْزِيكَ التَّشَهُّدُ فِي الصَّلَاةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ لَكَ حَاجَةٌ فَتُسَلِّمَ. هَكَذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ، وَقَالَ عَطَاءٌ كَذَلِكَ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: الرَّجُلُ فِي سَعَةٍ مِنْ صَلَاةِ النَّهَارِ أَنْ لَا يُسَلِّمَ مِنْ كُلِّ ثِنْتَيْنِ، وَإِنْ فَصَلَ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ بَعْدَ أَنْ يَتَشَهَّدَ فِي كُلِّ ثِنْتَيْنِ. اهـ وقال النووي ﵀ في «المجموع» (٤/ ٤٩): قال أصحابنا: التطوع الَّذِي لَا سَبَبَ لَهُ، وَلَا حَصْرَ لَهُ، وَلَا لِعَدَدِ رَكَعَاتِ الْوَاحِدَةِ مِنْه لَهُ أَنْ يَنْوِيَ عَدَدًا وَلَهُ أَنْ لَا يَنْوِيَهُ بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى نِيَّةِ الصَّلَاةِ، فَإِذَا شَرَعَ فِي تَطَوُّعٍ وَلَمْ يَنْوِ عَدَدًا فَلَهُ أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ رَكْعَةٍ وَلَهُ أَنْ يَزِيدَ فَيَجْعَلَهَا رَكْعَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ عَشْرًا أَوْ مِائَةً أَوْ أَلْفًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، وَلَوْ صَلَّى عَدَدًا لَا يَعْلَمُهُ ثُمَّ سَلَّمَ صَحَّ بِلَا خِلَافٍ اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي الْإِمْلَاءِ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ أَنَّ أبا ذر ﵁ صَلَّى عَدَدًا كَثِيرًا، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ لَهُ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ ﵀: هَلْ تَدْرِي: انْصَرَفْتَ عَلَى شَفْعٍ أَمْ على وِتْرٍ؟ قَالَ: إلَّا أَكُنْ أَدْرِي فَإِنَّ اللَّهَ يَدْرِي إنِّي سَمِعْتُ خَلِيلِي أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ يَقُولُ -ثُمَّ بَكَى- ثُمَّ قَالَ:

стр. 1218

إنِّي سَمِعْتُ خَلِيلِي أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يسجد لله سجدة الا رفع اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً» وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ فِي «مُسْنَدِهِ» بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إلَّا رَجُلًا اخْتَلَفُوا فِي عَدَالَتِهِ. قال أبو عبد الله غفر الله له: بالنظر إلى فعله ﵊؛ فإن عامة ما ورد عن النبي ﷺ من الأحاديث فيه أنه كان يصلي ركعتين ركعتين، وورد في صلاة الليل أنه صلَّى ﵊ أربعًا متصلة، وخمسًا، وسبعًا، وتسعًا، كما تقدم بيان ذلك. وأما في النهار فلم يثبت عنه صريحًا، أنه ﵊ صلَّى أكثر من ركعتين متصلة بسلام واحد، ولكن ثبت عن ابن عمر ﵄ بإسناد صحيح كما تقدم أنه كان يتنفل بأربعٍ متصلة في النهار؛ وعليه فلا بأس بذلك كما فعل هذا الصحابي الجليل ﵁. وأما التنفل بأكثر من أربع متصلة في النهار؛ فنختار تركه، ومن عمل ذلك قياسًّا على ما جاء في الليل؛ فلا نستطيع أن نحكم على صلاته بالبطلان. وأما الحديث الوارد عن أبي ذر ﵁؛ فإنه من طريق هارون بن رئاب، عن الأحنف بن قيس، عن أبي ذر ﵁. قال ابن عساكر كما في «معجم الشيوخ» (٦٥٢): منقطع، هارون بن رئاب لم يدرك الأحنف بن قيس. اهـ والتنفل بالنهار لا يكون بالوتر؛ فالنبي ﷺ لما كان يقضي ما فاته من الليل في النهار كان يصلي من النهار اثنتي عشرة ركعة. وكذلك في حديث سجود السهو،

стр. 1219

قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى ثلاثا أم أربعا، فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسا شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتماما لأربع كانتا ترغيما للشيطان» أخرجه مسلم (٥٧١) عن أبي سعيد الخدري. فقوله ﵊: «شفعن له صلاته» يدل على عدم مشروعية التنفل بالنهار وترًا. وحديث أبي ذر المتقدم تقدم أنه ضعيف، وكذلك ما أخرجه عبد الرزاق (٣/ ١٥٤)، وابن أبي شيبة (٢/ ٢٣٢)، والبيهقي (٣/ ٢٤) من طريق قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، قال: دخل عمر بن الخطاب المسجد فركع ركعة، فقيل له: فقال: إنما هو تطوع فمن شاء زاد، ومن شاء نقص، كرهت أن أتخذه طريقا. فإنه أيضًا ضعيف؛ فإن قابوس بن أبي ظبيان ضعيف، وأبو ظبيان لا يعلم له سماع من عمر ﵁. فائدة: صلاة الحاجة. أخرج الترمذي (٤٧٩)، وابن ماجه (١٣٨٤) من حديث عبدالله بن أبي أوفى ﵄: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «مَنْ كَانَتْ لَهُ إِلَى الله حَاجَةٌ، أَوْ إِلَى أَحَدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ؛ فَلْيَتَوَضَّأْ، فَلْيُحْسِنْ الْوُضُوءَ، ثُمَّ لِيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ لِيُثْنِ عَلَى اللهِ وَلْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ لِيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ العَلِيُّ العَظِيْمُ، سُبْحَانَ الله رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، وَالْغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ، وَالسَّلَامَةَ مِنْ

стр. 1220

كُلِّ إِثْمٍ، لَا تَدَعْ لِي ذَنْبًا إِلَّا غَفَرْتَهُ، وَلَا هَمًّا إِلَّا فَرَّجْتَهُ، وَلَا حَاجَةً هِيَ لَكَ رِضًا إِلَّا قَضَيْتَهَا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ». وهو ضعيفٌ جدًّا، في إسناده: أبو الورقاء فائد بن عبد الرحمن، قال أحمد: متروكٌ. وقال ابن معين: ليس بثقة. وقال البخاري: منكرُ الحديث. فائدة: صلاة التوبة. روى أبو داود (١٥٢١)، والترمذي (٤٠٦) عن علي بن أبي طالب، عن أبي بكر الصديق ﵄، مرفوعًا: «مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا، ثُمَّ يَقُومُ فَيَتَطَهَّرُ، ثُمَّ يُصَلِّي ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ الله، إِلَّا غَفَرَ لَهُ»، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: «﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران:١٣٥]». وفي إسناده: أسماء بن الحكم الفزاري، وهو مجهولٌ، تفرد بالرواية عنه علي ابن ربيعة الوالبي، ولم يوثقه سوى العِجْلِي، وابن حِبَّان، وقال الترمذي: لا نعرف لأسماء بن الحكم حديثًا غير هذا. واستنكر البخاري حديثَه هذا، كما في «الميزان». فائدة: صلاة الطهارة. يُستحبُّ لمن توضأ أن يصلي ركعتين بخشوع؛ فإنَّ ذلك من أسباب غفران الذنوب، ودخول الجنة، ثبت ذلك في «الصحيحين» (١) عن عثمان، وأبي هريرة ﵄، وأخرجه مسلم (٢٣٤) من حديث عقبة بن عامر، وأحمد (٥/ ٣٥٤) من حديث بريدة، وأبو داود (٩٠٥) من حديث زيد بن خالد الجهني.

стр. 1221

والحديثان الأخيران في «الصحيح المسند» لشيخنا ﵀ (١٥٩) (٣٥٧). فائدة: التنفل بالصلاة بين مغرب وعشاء. لم يثبت حديث في فضيلة التنفل في هذا الوقت بعدد معين، وقد بينا بعض علل الأحاديث الواردة في ذلك في شرحنا على منتقى الأخبار، ولكن ثبت فيه حديثان عن النبي ﷺ : أحدهما: ما أخرجه أحمد (٢٣٣٢٩)، والترمذي (٣٧٨١)، والنسائي في «الكبرى» (٨٢٤٠)، وغيرهم بإسناد صحيح عن حذيفة ﵁، قال: سألتني أمي: منذ متى عهدك بالنبي ﷺ ؟ قال: فقلت لها: منذ كذا وكذا، قال: فنالت مني وسبتني، قال: فقلت لها: دعيني، فإني آتي النبي ﷺ فأصلي معه المغرب، ثم لا أدعه حتى يستغفر لي ولك، قال: فأتيت النبي ﷺ فصليت معه المغرب، فصلى النبي ﷺ إلى العشاء، ثم انفتل فتبعته، فعرض له عارض فناجاه، ثم ذهب فاتبعته فسمع صوتي، فقال: «من هذا؟»، فقلت: حذيفة، قال: «ما لك؟»، فحدثته بالأمر، فقال: «غفر الله لك ولأمك»، ثم قال: «أما رأيت العارض الذي عرض لي قبيل؟»، قال: قلت: بلى، قال: «فهو ملك من الملائكة لم يهبط الأرض قط قبل هذه الليلة، استأذن ربه أن يسلم علي، ويبشرني أن الحسن، والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة». والحديث الثاني: ما أخرجه أبو داود (١٣٢١) بإسناد صحيح عن أنس بن مالك، في هذه الآية: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا

стр. 1222

وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦]، قال: «كانوا يتيقظون ما بين المغرب والعشاء يصلون». فالتنفل بين المغرب والعشاء مشروع بدون تحديد عدد يعتقد فيه الفضيلة، ويدل على ذلك أيضًا أن الشرع نهى عن الصلاة في ثلاثة أوقات؛ فما عدا ذلك من الأوقات له أن يتنفل من الصلاة ما شاء؛ فتأمل ذلك، وبالله نستعين. وممن نص على مشروعية التنفل في هذا الوقت أنس بن مالك ﵁، وأبو الشعثاء، وسعيد بن جبير، وشريح، والحسن بن مسلم. كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٢/ ١٩٦). وممن كره التنفل في هذا الوقت الحسين بن علي ﵁، وطاوس، ومجاهد، وكان ابن عمر لا يصليها إلا في رمضان كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٢/ ١٩٧)، وانظر «مصنف عبد الرزاق» (٣/ ٤٤ - ).

стр. 1223

صلاة الاستخارة قَالَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ ﵀ في «صَحِيحِه» (٦٣٨٢): بَابُ الدُّعَاءِ عِنْدَ الِاسْتِخَارَةِ حَدَّثَنَا مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو مُصْعَبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي المَوَالِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ كُلِّهَا، كَالسُّورَةِ مِنَ القُرْآنِ: «إِذَا هَمَّ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي - أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ - فَاقْدُرْهُ لِي، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي - أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ - فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِي الخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ، وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ». مسألة [١]: مشروعية صلاة الاستخارة . قَالَ الإِمَامُ الشَّوكانيُّ ﵀ في «النَّيلِ» (بَابُ صَلاةِ الاسْتِخَارة): "وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ صَلَاةِ الِاسْتِخَارَةِ وَالدُّعَاءِ عَقِيبَهَا وَلَا أَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا".اهـ

стр. 1224

وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ ﵀ في «الفَتْحِ» (٦٣٨٢): "قَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ: وَلَمْ أَرَ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الِاسْتِخَارَةِ لِوُرُودِ الْأَمْرِ بِهَا وَلِتَشْبِيهِهَا بِتَعْلِيمِ السُّورَةِ مِنَ الْقُرْآنِ، كَمَا اسْتَدَلَّ بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي وُجُوبِ التَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ لِوُرُودِ الْأَمْرِ بِهِ فِي قَوْلِهِ: «فَلْيَقُلْ»، وَلِتَشْبِيهِهِ بِتَعْلِيمِ السُّورَةِ مِنَ الْقُرْآنِ. فَإِنْ قِيلَ: الْأَمْرُ تَعَلَّقَ بِالشَّرْطِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: «إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ» قُلْنَا: وَكَذَلِكَ فِي التَّشَهُّدِ إِنَّمَا يُؤْمَرُ بِهِ مَنْ صَلَّى، وَيُمْكِنُ الْفَرْقُ، وَإِنِ اشْتَرَكَا فِيمَا ذُكِرَ أَنَّ التَّشَهُّدَ جُزْءٌ مِنَ الصَّلَاةِ؛ فَيُؤْخَذُ الْوُجُوبُ مِنْ قَوْلِهِ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»، وَدَلَّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الِاسْتِخَارَةِ مَا دَلَّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ صَلَاةٍ زَائِدَةٍ عَلَى الْخَمْسِ فِي حَدِيثِ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ:» لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ». قال الحافظ ﵀: وَهَذَا وَإِنْ صَلُحَ لِلِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ رَكْعَتَيِ الِاسْتِخَارَةِ لَكِنْ لَا يَمْنَعُ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى وُجُوبِ دُعَاءِ الِاسْتِخَارَةِ؛ فَكَأَنَّهُمْ فَهِمُوا أَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ لِلْإِرْشَادِ فَعَدَلُوا بِهِ عَنْ سُنَنِ الْوُجُوبِ، وَلَمَّا كَانَ مُشْتَمِلًا عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَالتَّفْوِيضِ إِلَيْهِ كَانَ مَنْدُوبًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ".اهـ مسألة [٢]: وقت الدعاء في صلاة الاستخارة . قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ١٧٧): "يَجُوزُ الدُّعَاءُ فِي صَلَاةِ الِاسْتِخَارَةِ وَغَيْرِهَا: قَبْلَ السَّلَامِ وَبَعْدَهُ، وَالدُّعَاءُ قَبْلَ السَّلَامِ أَفْضَلُ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَكْثَرُ دُعَائِهِ كَانَ قَبْلَ السَّلَامِ، وَالْمُصَلِّي قَبْلَ السَّلَامِ لَمْ يَنْصَرِفْ؛ فَهَذَا أَحْسَنُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ".اهـ

стр. 1225

وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ ﵀ في «الفَتْحِ» (٦٣٨٢): "هُوَ ظَاهِرٌ فِي تَأْخِيرِ الدُّعَاءِ عَنِ الصَّلَاةِ، فَلَوْ دَعَا بِهِ فِي أثناء الصَّلَاة احْتمل الإجزاء وَيَحْتَمِلُ التَّرْتِيبَ عَلَى تَقْدِيمِ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ الدُّعَاءِ؛ فَإِنَّ مَوْطِنَ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ السُّجُود أَو التَّشَهُّد. وَقَالَ ابن أَبِي جَمْرَةَ: الْحِكْمَةُ فِي تَقْدِيمِ الصَّلَاةِ عَلَى الدُّعَاءِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاسْتِخَارَةِ حُصُولُ الْجَمْعِ بَيْنَ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ فَيَحْتَاجُ إِلَى قَرْعِ بَابِ الْمَلِكِ، وَلَا شَيءَ لِذَلِكَ أَنْجَعُ وَلَا أَنْجَحَ مِنَ الصَّلَاةِ لِمَا فِيهَا مِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَالِافْتِقَارِ إِلَيْهِ مَآلًا وَحَالًا".اهـ قلتُ: الظاهر من الحديث: «إِذَا هَمَّ أحدكم بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ» أن الدعاء عقب الصلاة، ومن دعا قبل التسليم كما أشار شيخ الإسلام ﵀؛ فله وجه، ولا ينكر على من فعله. مسألة [٣]: بأي الأمرين يأخذ المصلي بعد الاستخارة ؟ قَالَ الإِمَامُ الشَّوكانيُّ ﵀ في «النَّيلِ» (بَابُ صَلاةِ الاسْتِخَارة): "قَالَ النَّوَوِيُّ: يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَ بَعْدَ الِاسْتِخَارَةِ مَا يَنْشَرِحُ لَهُ".اهـ قال الشوكاني: "ولَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى انْشِرَاحٍ كَانَ لَهُ فِيهِ هَوًى قَبْلَ الِاسْتِخَارَةِ، بَلْ يَنْبَغِي لِلْمُسْتَخِيرِ تَرْكُ اخْتِيَارِهِ رَأْسًا وَإِلَّا فَلَا يَكُونُ مُسْتَخِيرًا لِلَّهِ، بَلْ يَكُونُ مُسْتَخِيرًا لِهَوَاهُ وَقَدْ يَكُونُ غَيْر صَادِقٍ فِي طَلَبِ الْخِيَرَةِ، وَفِي التَّبَرِّي مِنْ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَإِثْبَاتِهِمَا لِلَّهِ تَعَالَى، فَإِذَا صَدَقَ فِي ذَلِكَ تَبَرَّأَ مِنْ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ وَمِنْ اخْتِيَارِهِ لِنَفْسِهِ".اهـ

стр. 1226

قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ ﵀ في «الفَتْحِ» (٦٣٨٢): "ويستدل لَهُ-يعني: قول النووي- بِحَدِيث أنس عِنْد ابن السُّنِّيِّ: «إِذَا هَمَمْتَ بِأَمْرٍ فَاسْتَخِرْ رَبَّكَ سَبْعًا ثُمَّ انْظُرْ إِلَى الَّذِي يَسْبِقُ فِي قَلْبِكَ؛ فَإِنَّ الْخَيْرَ فِيهِ»، وَهَذَا لَوْ ثَبَتَ لَكَانَ هُوَ الْمُعْتَمَدَ لَكِنَّ سَنَدَهُ وَاهٍ جِدًّا (١) وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ مَا يَنْشَرِحُ بِهِ صَدْرُهُ مِمَّا كَانَ لَهُ فِيهِ هَوًى قَوِيٌّ قَبْلَ الِاسْتِخَارَةِ، وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ فِي آخِرِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: «وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّه» (٢). وقال العز بن عبد السلام: يفعل بعد الاستخارة ما اتفق له". قال أبو عبد الله غفر الله له: ما ذكره النووي من أنه يفعل ما ينشرح له صدره أقرب؛ لقوله ﵊: «البر ما اطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس»، ولما أشار عمر ﵁ على أبي بكر الصديق ﵁ بجمع القرآن، لم يزل يراجعه. قال أبو بكر: حتى شرح الله صدري لذلك؛ فدعيا زيد بن ثابت ﵁. قال زيد: فلم يزالا يراجعاني حتى شرح الله

стр. 1227

صدري لذلك. وكذلك لما قاتل أبو بكر الصديق ﵁ مانعي الزكاة، فراجعه عمر ﵁ في ذلك فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة؛ فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقا؛ كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها. قال عمر ﵁: فوالله ما هو إلا أن رأيت أن الله قد شرح صدر أبي بكر ﵁ بالقتال؛ فعرفت أنه الحق. اهـ مسألة [٤]: حكم تكرار صلاة الاستخارة . قَالَ الإِمَامُ الشَّوكانيُّ ﵀ في «النَّيلِ» (بَابُ صَلاةِ الاسْتِخَارة): "وَهَلْ يُسْتَحَبُّ تَكْرَارُ الصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ قَالَ الْعِرَاقِيُّ: الظَّاهِرُ الِاسْتِحْبَابُ. وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ تَكْرَارِ الِاسْتِخَارَةِ سَبْعًا، رَوَاهُ ابْنُ السُّنِّيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: «إذَا هَمَمْت بِأَمْرٍ فَاسْتَخِرْ رَبَّكَ فِيهِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ اُنْظُرْ إلَى الَّذِي يَسْبِقُ إلَى قَلْبِك فَإِنَّ الْخَيْرَ فِيهِ»، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي «الْأَذْكَارِ»: إسْنَادُهُ غَرِيبٌ؛ فِيهِ مَنْ لَا أَعْرِفهُمْ. قَالَ الْعِرَاقِيُّ: كُلُّهُمْ مَعْرُوفُونَ وَلَكِنَّ بَعْضَهُمْ مَعْرُوفٌ بِالضَّعْفِ الشَّدِيدِ وَهُوَ إبْرَاهِيمُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ، وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي «الضُّعَفَاءِ» الْعُقَيْلِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَابْنُ عَدِيٍّ، وَالْأَزْدِيُّ. قَالَ الْعُقَيْلِيُّ: يُحَدِّثُ عَنْ الثِّقَاتِ بِالْبَوَاطِيلِ. وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: شَيْخٌ كَانَ يَدُورُ بِالشَّامِ يُحَدِّثُ عَنْ الثِّقَاتِ بِالْمَوْضُوعَاتِ، لَا يَجُوزُ ذِكْرُهُ إلَّا عَلَى سَبِيلِ الْقَدْحِ فِيهِ، وَقَدْ رَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَوْصِلِيِّ فَقَالَ: حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ

стр. 1228

ابْنُ حِبَّانَ بْنِ النَّجَّارِ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ أَبِيهِ النجار، عَنْ أَنَسٍ فَكَأَنَّهُ دَلَّسَهُ وَسَمَّاهُ النَّجَّارَ لِكَوْنِهِ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ. قَالَ الْعِرَاقِيُّ: فَالْحَدِيثُ عَلَى هَذَا سَاقِطٌ لَا حُجَّةَ فِيهِ. نَعَمْ قَدْ يُسْتَدَلُّ لِلتَّكْرَارِ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا دَعَا دَعَا ثَلَاثًا؛ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ تَكْرَارَ الدُّعَاءِ فِي الْوَقْتِ الْوَاحِدِ، فَالدُّعَاءُ الَّذِي تُسَنَّ الصَّلَاة لَهُ تُكَرَّرُ الصَّلَاةُ لَهُ كَالِاسْتِسْقَاءِ".اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: ويستدل على مشروعية تكرار الاستخارة بحديث عبد الله بن الزبير في «صحيح مسلم» (١٣٣٣) لما أراد أن يعيد بناء الكعبة، قال: لو كان أحدكم احترق بيته، ما رضي حتى يجده، فكيف بيت ربكم؟ إني مستخير ربي ثلاثا، ثم عازم على أمري. فلما مضى الثلاث أجمع رأيه على أن ينقضها. مسألة [٥]: دعاء الاستخارة يكون بعد صلاة ركعتين: قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ ﵀ في «الفَتْحِ» (٦٣٨٢): "قَوْلُهُ: «فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ» يُقَيِّدُ مُطْلَقَ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ حَيْثُ قَالَ: «صَلِّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكَ»، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ لِلتَّنْصِيصِ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ، وَيَكُونُ ذِكْرُهُمَا عَلَى سَبِيلِ التَّنْبِيهِ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى؛ فَلَوْ صَلَّى أَكْثَرَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ أَجْزَأَ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ كل رَكْعَتَيْنِ ليحصل مُسَمّى رَكْعَتَيْنِ، وَلَا يجزئ لَوْ صَلَّى أَرْبَعًا مَثَلًا بِتَسْلِيمَةٍ وَكَلَامُ النَّوَوِيِّ يُشْعِرُ بِالْإِجْزَاءِ".اهـ وقَالَ الإِمَامُ الشَّوكاني ﵀ في «النَّيلِ» (بَابُ صَلاةِ الاسْتِخَارة): "قَوْلُهُ: «فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ» فِيهِ أَنَّ السُّنَّةَ فِي الِاسْتِخَارَةِ كَوْنُهَا رَكْعَتَيْنِ فَلَا تُجْزِئُ الرَّكْعَةُ

стр. 1229

الْوَاحِدَةُ، وَهَلْ يُجْزِئُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُصَلِّي أَرْبَعًا أَوْ أَكْثَر بِتَسْلِيمَةٍ، يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: يُجْزِئُ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ: «ثُمَّ صَلِّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَك» فَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَضُرُّ الزِّيَادَةُ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ، وَمَفْهُومُ الْعَدَدِ فِي قَوْلِهِ: «فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ» لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ".اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: حديث أبي أيوب حديث ضعيف، أخرجه أحمد (٥/ ٤٢٣)، وابن خزيمة (١٢٢٠)، وابن حبان (٤٠٤٠)، والطبراني (٣٩٠١)، والحاكم (١/ ٣١٤)، والبيهقي (٧/ ١٤٧) من طريق الوليد بن أبي الوليد، عن أيوب بن خالد بن أبي أيوب الأنصاري، عن أبيه، عن جده أبي أيوب، به. وهذا إسناد ضعيف؛ أيوب بن خالد فيه ضعف، وأبوه خالد بن أبي أيوب مجهول. وعليه فيعمل بظاهر حديث جابر ﵁، فيصلي ركعتين، ثم يدعو عقبها، وأما الركعة الواحدة فلا يجزئ الاستخارة بعدها، وإذا زاد على الركعتين؛ فلا نستطيع الجزم بعدم الإجزاء، ولكن يخشى من ذلك، والله أعلم. مسألة [٦]: هل يشرع جعل الاستخارة عقب ركعتين من الرواتب ؟ • قَالَ الإِمَامُ الشَّوكاني ﵀ في «النَّيلِ» (بَابُ صَلاةِ الاسْتِخَارة): "قَوْلُهُ: «مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ» فِيهِ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ التَّسَنُّنُ بِوُقُوعِ الدُّعَاءِ بَعْد صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ، وَالسُّنَنِ الرَّاتِبَةِ، وَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ النَّوَافِلِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي «الْأَذْكَارِ»: إنَّهُ يَحْصُلُ التَّسَنُّنُ بِذَلِكَ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ ﷺ إنَّمَا أَمَرَهُ بِذَلِكَ بَعْدَ حُصُولِ الْهَمّ بِالْأَمْرِ

стр. 1230

فَإِذَا صَلَّى رَاتِبَةً أَوْ فَرِيضَةً ثُمَّ هَمَّ بِأَمْرٍ بَعْدَ الصَّلَاةِ أَوْ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ لَمْ يَحْصُلْ بِذَلِكَ الْإِتْيَانُ بِالصَّلَاةِ الْمَسْنُونَةِ عِنْدَ الِاسْتِخَارَةِ. قَالَ الْعِرَاقِيُّ: إنْ كَانَ هَمَّهُ بِالْأَمْرِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الرَّاتِبَةِ وَنَحْوِهَا ثُمَّ صَلَّى مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ الِاسْتِخَارَةِ وَبَدَا لَهُ بَعْدَ الصَّلَاةِ الْإِتْيَانُ بِدُعَاءِ الِاسْتِخَارَةِ فَالظَّاهِرُ حُصُولُ ذَلِكَ".اهـ قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ ﵀ في «الفَتْحِ» (٦٣٨٢): "وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي «الْأَذْكَارِ» لَوْ دَعَا بِدُعَاءِ الِاسْتِخَارَةِ عَقِبَ رَاتِبَةِ صَلَاةِ الظُّهْرِ مَثَلًا أَوْ غَيْرِهَا مِنَ النَّوَافِلِ الرَّاتِبَةِ وَالْمُطْلَقَةِ سَوَاءٌ اقْتَصَرَ عَلَى رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ أَجْزَأَ. كَذَا أَطْلَقَ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَيَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: إِنْ نَوَى تِلْكَ الصَّلَاةَ بِعَيْنِهَا وَصَلَاةَ الِاسْتِخَارَةِ مَعًا أَجْزَأَ، بِخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ يَنْوِ وَيُفَارِقْ صَلَاةَ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا شَغْلُ الْبُقْعَةِ بِالدُّعَاءِ، وَالْمُرَادُ بِصَلَاةِ الِاسْتِخَارَةِ أَنْ يَقَعَ الدُّعَاءُ عَقِبَهَا أَوْ فِيهَا وَيَبْعُدُ الْإِجْزَاءُ لِمَنْ عَرَضَ لَهُ الطَّلَبُ بَعْدَ فَرَاغِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْخَبَرِ أَنْ تَقَعَ الصَّلَاةُ وَالدُّعَاءُ بَعْدَ وُجُودِ إِرَادَةِ الْأَمْرِ".اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: الظاهر لي -والله أعلم- مشروعية الاستخارة عقب كل ركعتين من غير الفريضة، ولكن الأمر على ما ذكره العراقي ﵀؛ فلا يشرع حتى ينوي ذلك؛ لحديث: «إنما الأعمال بالنيات».
следующие страницы →