قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ ﵀ في «الفَتْحِ» (٦٣٨٢): "ويستدل لَهُ-يعني: قول النووي- بِحَدِيث أنس عِنْد ابن السُّنِّيِّ: «إِذَا هَمَمْتَ بِأَمْرٍ فَاسْتَخِرْ رَبَّكَ سَبْعًا ثُمَّ انْظُرْ إِلَى الَّذِي يَسْبِقُ فِي قَلْبِكَ؛ فَإِنَّ الْخَيْرَ فِيهِ»، وَهَذَا لَوْ ثَبَتَ لَكَانَ هُوَ الْمُعْتَمَدَ لَكِنَّ سَنَدَهُ وَاهٍ جِدًّا (١) وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ مَا يَنْشَرِحُ بِهِ صَدْرُهُ مِمَّا كَانَ لَهُ فِيهِ هَوًى قَوِيٌّ قَبْلَ الِاسْتِخَارَةِ، وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ فِي آخِرِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: «وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّه» (٢).
وقال العز بن عبد السلام: يفعل بعد الاستخارة ما اتفق له".
قال أبو عبد الله غفر الله له: ما ذكره النووي من أنه يفعل ما ينشرح له صدره أقرب؛ لقوله ﵊: «البر ما اطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس»، ولما أشار عمر ﵁ على أبي بكر الصديق ﵁ بجمع القرآن، لم يزل يراجعه. قال أبو بكر: حتى شرح الله صدري لذلك؛ فدعيا زيد بن ثابت ﵁. قال زيد: فلم يزالا يراجعاني حتى شرح الله
стр. 1227
صدري لذلك.
وكذلك لما قاتل أبو بكر الصديق ﵁ مانعي الزكاة، فراجعه عمر ﵁ في ذلك فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة؛ فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقا؛ كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها. قال عمر ﵁: فوالله ما هو إلا أن رأيت أن الله قد شرح صدر أبي بكر ﵁ بالقتال؛ فعرفت أنه الحق. اهـ
مسألة [٤]: حكم تكرار صلاة الاستخارة .
قَالَ الإِمَامُ الشَّوكانيُّ ﵀ في «النَّيلِ» (بَابُ صَلاةِ الاسْتِخَارة): "وَهَلْ يُسْتَحَبُّ تَكْرَارُ الصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ قَالَ الْعِرَاقِيُّ: الظَّاهِرُ الِاسْتِحْبَابُ. وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ تَكْرَارِ الِاسْتِخَارَةِ سَبْعًا، رَوَاهُ ابْنُ السُّنِّيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: «إذَا هَمَمْت بِأَمْرٍ فَاسْتَخِرْ رَبَّكَ فِيهِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ اُنْظُرْ إلَى الَّذِي يَسْبِقُ إلَى قَلْبِك فَإِنَّ الْخَيْرَ فِيهِ»، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي «الْأَذْكَارِ»: إسْنَادُهُ غَرِيبٌ؛ فِيهِ مَنْ لَا أَعْرِفهُمْ. قَالَ الْعِرَاقِيُّ: كُلُّهُمْ مَعْرُوفُونَ وَلَكِنَّ بَعْضَهُمْ مَعْرُوفٌ بِالضَّعْفِ الشَّدِيدِ وَهُوَ إبْرَاهِيمُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ، وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي «الضُّعَفَاءِ» الْعُقَيْلِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَابْنُ عَدِيٍّ، وَالْأَزْدِيُّ.
قَالَ الْعُقَيْلِيُّ: يُحَدِّثُ عَنْ الثِّقَاتِ بِالْبَوَاطِيلِ. وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: شَيْخٌ كَانَ يَدُورُ بِالشَّامِ يُحَدِّثُ عَنْ الثِّقَاتِ بِالْمَوْضُوعَاتِ، لَا يَجُوزُ ذِكْرُهُ إلَّا عَلَى سَبِيلِ الْقَدْحِ فِيهِ، وَقَدْ رَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَوْصِلِيِّ فَقَالَ: حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ
стр. 1228
ابْنُ حِبَّانَ بْنِ النَّجَّارِ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ أَبِيهِ النجار، عَنْ أَنَسٍ فَكَأَنَّهُ دَلَّسَهُ وَسَمَّاهُ النَّجَّارَ لِكَوْنِهِ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ. قَالَ الْعِرَاقِيُّ: فَالْحَدِيثُ عَلَى هَذَا سَاقِطٌ لَا حُجَّةَ فِيهِ.
نَعَمْ قَدْ يُسْتَدَلُّ لِلتَّكْرَارِ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا دَعَا دَعَا ثَلَاثًا؛ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ تَكْرَارَ الدُّعَاءِ فِي الْوَقْتِ الْوَاحِدِ، فَالدُّعَاءُ الَّذِي تُسَنَّ الصَّلَاة لَهُ تُكَرَّرُ الصَّلَاةُ لَهُ كَالِاسْتِسْقَاءِ".اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: ويستدل على مشروعية تكرار الاستخارة بحديث عبد الله بن الزبير في «صحيح مسلم» (١٣٣٣) لما أراد أن يعيد بناء الكعبة، قال: لو كان أحدكم احترق بيته، ما رضي حتى يجده، فكيف بيت ربكم؟ إني مستخير ربي ثلاثا، ثم عازم على أمري. فلما مضى الثلاث أجمع رأيه على أن ينقضها.
مسألة [٥]: دعاء الاستخارة يكون بعد صلاة ركعتين:
قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ ﵀ في «الفَتْحِ» (٦٣٨٢): "قَوْلُهُ: «فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ» يُقَيِّدُ مُطْلَقَ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ حَيْثُ قَالَ: «صَلِّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكَ»، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ لِلتَّنْصِيصِ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ، وَيَكُونُ ذِكْرُهُمَا عَلَى سَبِيلِ التَّنْبِيهِ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى؛ فَلَوْ صَلَّى أَكْثَرَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ أَجْزَأَ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ كل رَكْعَتَيْنِ ليحصل مُسَمّى رَكْعَتَيْنِ، وَلَا يجزئ لَوْ صَلَّى أَرْبَعًا مَثَلًا بِتَسْلِيمَةٍ وَكَلَامُ النَّوَوِيِّ يُشْعِرُ بِالْإِجْزَاءِ".اهـ
وقَالَ الإِمَامُ الشَّوكاني ﵀ في «النَّيلِ» (بَابُ صَلاةِ الاسْتِخَارة): "قَوْلُهُ: «فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ» فِيهِ أَنَّ السُّنَّةَ فِي الِاسْتِخَارَةِ كَوْنُهَا رَكْعَتَيْنِ فَلَا تُجْزِئُ الرَّكْعَةُ
стр. 1229
الْوَاحِدَةُ، وَهَلْ يُجْزِئُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُصَلِّي أَرْبَعًا أَوْ أَكْثَر بِتَسْلِيمَةٍ، يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: يُجْزِئُ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ: «ثُمَّ صَلِّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَك» فَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَضُرُّ الزِّيَادَةُ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ، وَمَفْهُومُ الْعَدَدِ فِي قَوْلِهِ: «فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ» لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ".اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: حديث أبي أيوب حديث ضعيف، أخرجه أحمد (٥/ ٤٢٣)، وابن خزيمة (١٢٢٠)، وابن حبان (٤٠٤٠)، والطبراني (٣٩٠١)، والحاكم (١/ ٣١٤)، والبيهقي (٧/ ١٤٧) من طريق الوليد بن أبي الوليد، عن أيوب بن خالد بن أبي أيوب الأنصاري، عن أبيه، عن جده أبي أيوب، به.
وهذا إسناد ضعيف؛ أيوب بن خالد فيه ضعف، وأبوه خالد بن أبي أيوب مجهول.
وعليه فيعمل بظاهر حديث جابر ﵁، فيصلي ركعتين، ثم يدعو عقبها، وأما الركعة الواحدة فلا يجزئ الاستخارة بعدها، وإذا زاد على الركعتين؛ فلا نستطيع الجزم بعدم الإجزاء، ولكن يخشى من ذلك، والله أعلم.
مسألة [٦]: هل يشرع جعل الاستخارة عقب ركعتين من الرواتب ؟
• قَالَ الإِمَامُ الشَّوكاني ﵀ في «النَّيلِ» (بَابُ صَلاةِ الاسْتِخَارة): "قَوْلُهُ: «مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ» فِيهِ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ التَّسَنُّنُ بِوُقُوعِ الدُّعَاءِ بَعْد صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ، وَالسُّنَنِ الرَّاتِبَةِ، وَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ النَّوَافِلِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي «الْأَذْكَارِ»: إنَّهُ يَحْصُلُ التَّسَنُّنُ بِذَلِكَ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ ﷺ إنَّمَا أَمَرَهُ بِذَلِكَ بَعْدَ حُصُولِ الْهَمّ بِالْأَمْرِ
стр. 1230
فَإِذَا صَلَّى رَاتِبَةً أَوْ فَرِيضَةً ثُمَّ هَمَّ بِأَمْرٍ بَعْدَ الصَّلَاةِ أَوْ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ لَمْ يَحْصُلْ بِذَلِكَ الْإِتْيَانُ بِالصَّلَاةِ الْمَسْنُونَةِ عِنْدَ الِاسْتِخَارَةِ.
قَالَ الْعِرَاقِيُّ: إنْ كَانَ هَمَّهُ بِالْأَمْرِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الرَّاتِبَةِ وَنَحْوِهَا ثُمَّ صَلَّى مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ الِاسْتِخَارَةِ وَبَدَا لَهُ بَعْدَ الصَّلَاةِ الْإِتْيَانُ بِدُعَاءِ الِاسْتِخَارَةِ فَالظَّاهِرُ حُصُولُ ذَلِكَ".اهـ
قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ ﵀ في «الفَتْحِ» (٦٣٨٢): "وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي «الْأَذْكَارِ» لَوْ دَعَا بِدُعَاءِ الِاسْتِخَارَةِ عَقِبَ رَاتِبَةِ صَلَاةِ الظُّهْرِ مَثَلًا أَوْ غَيْرِهَا مِنَ النَّوَافِلِ الرَّاتِبَةِ وَالْمُطْلَقَةِ سَوَاءٌ اقْتَصَرَ عَلَى رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ أَجْزَأَ. كَذَا أَطْلَقَ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَيَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: إِنْ نَوَى تِلْكَ الصَّلَاةَ بِعَيْنِهَا وَصَلَاةَ الِاسْتِخَارَةِ مَعًا أَجْزَأَ، بِخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ يَنْوِ وَيُفَارِقْ صَلَاةَ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا شَغْلُ الْبُقْعَةِ بِالدُّعَاءِ، وَالْمُرَادُ بِصَلَاةِ الِاسْتِخَارَةِ أَنْ يَقَعَ الدُّعَاءُ عَقِبَهَا أَوْ فِيهَا وَيَبْعُدُ الْإِجْزَاءُ لِمَنْ عَرَضَ لَهُ الطَّلَبُ بَعْدَ فَرَاغِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْخَبَرِ أَنْ تَقَعَ الصَّلَاةُ وَالدُّعَاءُ بَعْدَ وُجُودِ إِرَادَةِ الْأَمْرِ".اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: الظاهر لي -والله أعلم- مشروعية الاستخارة عقب كل ركعتين من غير الفريضة، ولكن الأمر على ما ذكره العراقي ﵀؛ فلا يشرع حتى ينوي ذلك؛ لحديث: «إنما الأعمال بالنيات».
стр. 1231
بَابُ صَلاةِ الجَمَاعَةِ وَالإِمَامَةِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
فتح العلام
في دراسة أحاديث بلوغ المرام
حديثيا وفقهيا مع ذكر بعض المسائل الملحقة
تأليف
أبي عبدالله محمد بن علي بن حزام الفضلي البعداني
في دار الحديث بدماج
الجزء الثالث
تابع كتاب الصلاة
صَلاةِ الجَمَاعَةِ وَالإِمَامَةِ - صَلاةِ المُسَافِرِ وَالمَرِيضِ - صَلاةِ الجُمُعَةِ - صَلاةِ الخَوْفِ صَلاةِ العِيدَيْنِ- صَلاةِ الكُسُوفِ- صَلاةِ الاسْتِسْقَاءِ- اللّبَاسِ- كِتَابُ الجَنَائِزِ
стр. 1232
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ صَلاةِ الجَمَاعَةِ وَالإِمَامَةِ
٣٨٣ - عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «صَلَاةُ الجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الفَذِّ (١) بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٢)
٣٨٤ - وَلَهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا. (٣)
٣٨٥ - وَكَذَا لِلْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَقَالَ: دَرَجَةً. (٤)
الجمع بين هذه الأحاديث:
ذكر أهل العلم أقوالًا في الجمع بين قوله: «سَبْعٍ وَعِشْرِينَ»، و «خَمْسٍ وَعِشْرِينَ»، أقواها ثلاثة أقوال:
الأول: ذكر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في كل وقت ما أعلمه الله، وأوحاه إليه من الفضل، فبلغه كما أُوحِيَ إليه، وكان قد أُوحِي إليه أنَّ صلاة الجماعة تَفْضُلُ على صلاة الفَذِّ بخمس وعشرين، والعدد لا مفهوم له عند كثير من العلماء، ثم أُوحِي إليه زيادة على ذلك.
стр. 1233
الثاني: صلاة الجماعة يتفاوت ثوابها في نفسها، وذلك بإقامة حقوقها، وخشوعها.
الثالث: صلاة الجماعة يتفاوت ثوابها بما تقترن به من الخشوع، والمشي إلى المسجد، وكثرة الجماعة فيه، وكون المشي على طهارة، والتبكير إلى المسجد، والمسابقة إلى الصف الأول ... .
وهذا القول استظهره الحافظ ابن رجب ﵀، وهو يشمل القول الذي قبله وزيادة.
ثم وقفت على قول رابع في الجمع بينهما:
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٢٢٢): وَقَدْ جُمِعَ بَيْنَهُمَا: بِأَنَّ حَدِيثَ الْخَمْسِ وَالْعِشْرِينَ ذُكِرَ فِيهِ الْفَضْلُ الَّذِي بَيْنَ صَلَاةِ الْمُنْفَرِدِ وَالصَّلَاةِ فِي الْجَمَاعَةِ، وَالْفَضْلُ: خَمْسُ وَعِشْرُونَ، وَحَدِيثُ السَّبْعَةِ وَالْعِشْرِينَ ذُكِرَ فِيهِ صَلَاتُهُ مُنْفَرِدًا وَصَلَاتُهُ فِي الْجَمَاعَةِ، وَالْفَضْلُ بَيْنَهُمَا؛ فَصَارَ الْمَجْمُوعُ سَبْعًا وَعِشْرِينَ. اهـ. (١)
فائدة: قال الحافظ ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٤/ ٣٠): والمراد بهذه الأجزاء، والأضعاف، والدرج معنى واحد والله أعلم وهو أنَّ صلاة الفذ لها ثواب مقدَّر معلوم عند الله، تزيد صلاة الجماعة على ثواب صلاة الفذ خمسة، وعشرين، أو سبعة وعشرين. اهـ.
стр. 1234
٣٨٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ هَمَمْت أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْتَطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إلَى رِجَالٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ فَأُحَرِّقُ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ. وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا أَوْ مِرْمَاتَيْنِ (١) حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ العِشَاءَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. (٢)
٣٨٧ - وَعَنْهُ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَثْقَلُ الصَّلَاةِ عَلَى المُنَافِقِينَ: صَلَاةُ العِشَاءِ وَصَلَاةُ الفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا».مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٣)
فائدة: قال الحافظ ابن رجب ﵀ في شرح هذا الحديث: وإنما ثَقُلَتْ هاتان الصلاتان فِي المساجد عَلَى المنافقين أكثر من غيرهما من الصلوات؛ لأن المنافقين كما وصفهم الله فِي القرآن: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النِّسَاء: ١٤٢]، والمرائي إنما ينشط للعمل إذا رآه النَّاس، فإذا لَمْ يشاهدوه ثَقُلَ عَلِيهِ العمل، وقد كَانَ النَّبِيّ ﷺ يُصلِّي هاتين الصلاتين فِي الظلام؛ فإنه كَانَ يغلس بالفجر غالبًا، ويؤخر العشاء الآخرة، ولم يكن فِي مسجده حينئذ مصباح ... ، وأيضًا؛ فالمشي إلى المساجد فِي هذين الوقتين أشق؛ لما فِيهِ من المشي فِي الظُّلَمِ. اهـ
قَالَ: «فَلَا تَفْعَلَا، إذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَدْرَكْتُم الإِمَامَ وَلَمْ يُصَلِّ فَصَلِّيَا مَعَهُ؛ فَإِنَّهَا لَكُم نَافِلَةٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَالثَّلَاثَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالتِّرْمِذِيُّ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مسألة [١]: حكم صلاة الجماعة .
• في هذه المسألة أربعة أقوال:
القول الأول: واجبة عينيًّا على كل رجلٍ، وهو قول الحسن، وعطاء، وأحمد، وأبي ثور، وإسحاق، والأوزاعي، والثوري، والفضيل بن عياض، والبخاري، وعامة فقهاء الحديث، منهم: ابن خزيمة، وابن المنذر، ورجح ذلك شيخ الإسلام ﵀.
واستدل أهل هذا القول بأحاديث أبي هريرة التي في الباب، وبحديث ابن مسعود ﵁ في «صحيح مسلم» (٦٥٤)، قال: من سرَّه أن يلقى الله تعالى غدًا مسلمًا؛ فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث يُنادَى بهنَّ؛ فإنَّ الله تعالى شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته؛ لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يُؤتى به يُهادى بين
стр. 1237
الرجلين حتى يقام في الصَّفِّ.
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء:١٠٢] الآية، ولو لم تكن واجبة؛ لرَخَّصَ لهم فيها حالة الخوف، ولم يجز الإخلال بواجبات الصلاة من أجلها.
القول الثاني: واجبة عينيًّا على كل رجلٍ، ولا تصحُّ الصلاة إلا بالجماعة، وهو قول داود الظاهري، وابن حزم، وبعض الحنابلة، واستدلوا بحديث ابن عباس ﵄، الذي في الباب، وبحديث: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد».
القول الثالث: أنها فرضُ كفاية، وهو الصحيح من مذهب الشافعية، وعليه جمهور المتقدمين من أصحاب الشافعي، وبعض الحنابلة، وهو قول جماعةٍ من الحنفية، والمالكية، واستدل أهل هذا القول على أنها فرض كفاية بحديث أبي الدرداء: «ما من ثلاثة في بدوٍ، ولا حَضَرٍ لا تُقام فيهم الصلاة؛ إلا استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة؛ فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية»، واستدلوا بحديث ابن عمر، وأبي هريرة ﵃، في تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفَذِّ.
القول الرابع: أنها سُنَّة مؤكدة، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، ووجهٌ عند الشافعية، واستدلوا على أنها سُنَّة بحديث التفضيل لصلاة الجماعة على صلاة الفَذِّ، وبحديث يزيد بن الأسود الذي في الباب.
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب؛ لقوة أدلته، وقد تأول
стр. 1238
المخالف هذه الأدلة بتأويلات مُتَكَلَّفَة لا دليل عليها.
وأما القول بأنها شرطٌ لصحة الصلاة؛ فهو قول ضعيفٌ، ويرده حديث التفضيل بين صلاة الرجل في الجماعة، وصلاته منفردًا في بيته، وسوقه، وأما حديث ابن عباس ﵄؛ فهو موقوفٌ عليه، وأما حديث: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد»؛ فهو حديث ضعيفٌ لا يثبت (١)، ومع التسليم بصحة الحديثين، فيكون النفي للكمال لا للصحة جمعًا بينها وبين حديث التفضيل.
وأما القول بأنه فرض كفاية؛ فيرده حديث الأعمى؛ فإنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يُرخِّصْ له في التخلف، وكذلك لا دليل على حمل الأدلة الموجبة لحضور الجماعة على ذلك، وأما حديث: «ما من ثلاثة في بدوٍ ... »؛ فهو حديث ضعيفٌ، أخرجه أبو داود برقم (٥٤٧)، وفي إسناده: السائب بن حُبيش، وفيه ضعفٌ، ومع ذلك فهو يدل على الوجوب العيني.
وأما حديث التفضيل فإنما يدل على صحة صلاة المنفرد، وذكر الفضيلة لا يدل على عدم الوجوب.
وأما حديث يزيد بن الأسود؛ فهي واقعةُ عينٍ تحتمل التأويل، فقد كانوا في سفر؛ لأنَّ هذه الصلاة كانت بمسجد الخِيْف بِمِنَى كما في ألفاظ الحديث؛ فيحتمل أنهم ما علموا وجوبها على المسافر، أو كانت رحالهم بعيدة، فَظَنَّا أنهما
стр. 1239
لن يدركا الجماعة مع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولا تُتْرَك الأدلة القوية في وجوب الجماعة لدليل محتمل، والله أعلم. (١)
مسألة [٢]: هل تجب صلاة الجماعة في المسجد ؟
• عن أحمد في هذه المسألة روايتان، واختار كثير من أصحابه أنه يُشرع أن تُصَلَّى الجماعة في البيت.
• وذهب بعض أصحابه إلى وجوبها في المسجد، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وابن رجب، والشيخ ابن باز، والسعدي، والشيخ ابن عثيمين، رحمهم الله تعالى.
وهذا القول هو الصواب؛ لحديث الأعمى، وحديث الهَمِّ بالتحريق، ولما رواه مسلم في «صحيحه» (٦٥٤) عن ابن مسعود ﵁ قال: «من سره أن يلقى الله غدا مسلما، فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن؛ فإن الله شرع لنبيكم ﷺ سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته، لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور، ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد، إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين
стр. 1240
الرجلين حتى يقام في الصف».
وأخرج ابن المنذر (٤/ ١٣٤) بإسناد صحيح عن ابن عمر ﵄، قال: كنا من فقدناه في صلاة العشاء والفجر؛ أسأنا به الظن. (١)
مسألة [٣]: إذا صلى الفريضة، ثم دخل المسجد فوجدهم يصلونها، فهل يعيدها ؟
• ذهب جمعٌ من أهل العلم إلى استحباب إعادة الفريضة، أيًّا كانت، وهو قول الحسن، وأبي ثور، وأحمد، والشافعي، وإسحاق، وغيرهم، واستدلوا على ذلك بحديث يزيد بن الأسود الذي في الباب.
• وذهب مالك، والثوري، والأوزاعي إلى استحباب إعادة الصلوات كلها؛ إلا المغرب، حتى لا يتنفل بوتر.
• وذهب أبو حنيفة إلى أنَّ الفجر، والعصر، والمغرب لا تُعاد.
• وذهب ابن عمر ﵄ (٢)، والنخعي إلى أنَّ الصبح، والمغرب لا تُعاد.
قلتُ: والصواب هو القول الأول؛ لحديث يزيد بن الأسود؛ فإنه عامٌّ يشمل جميع الصلوات. (٣)
فائدة: قد يظن أنَّ حديث يزيد بن الأسود الذي في الباب يتعارض مع حديث
стр. 1241
ابن عمر ﵄ عند أبي داود (٥٧٩)، والنسائي (٢/ ١١٤): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «لا تصلوا صلاة في يوم مرتين».
وقد أجاب عن ذلك شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٢٦٠)، فقال: أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَهُوَ فِي الْإِعَادَةِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَأَنَّهُ يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَقْصِدَ إعَادَةَ الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ يَقْتَضِي الْإِعَادَةَ؛ إذْ لَوْ كَانَ مَشْرُوعًا لِلصَّلَاةِ الشَّرْعِيَّةِ عَدَدٌ مُعَيَّنٌ كَانَ يُمْكِنُ الْإِنْسَانَ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ مَرَّاتٍ، وَالْعَصْرَ مَرَّاتٍ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَمِثْلُ هَذَا لَا رَيْبَ فِي كَرَاهَتِهِ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ الْأَسْوَدِ: فَهُوَ إعَادَةٌ مُقَيَّدَةٌ بِسَبَبِ اقْتَضَى الْإِعَادَةَ، وَهُوَ قَوْلُهُ: «إذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا، ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ؛ فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ»، فَسَبَبُ الْإِعَادَةِ هُنَا: حُضُورُ الْجَمَاعَةِ الرَّاتِبَةِ، وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ صَلَّى ثُمَّ حَضَرَ جَمَاعَةً رَاتِبَةً أَنْ يُصَلِّيَ مَعَهُمْ. اهـ
مسألة [٤]: إذا أعاد المغرب، فهل يشفعها بركعة ؟
• ذهب أحمد، والشافعي، وإسحاق إلى أنه يشفعها حتى لا يتطوع بوتر، وجاء ذلك عن علي ﵁، ولم يثبت عنه؛ أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٧٦)، وفي إسناده الحارث الأعور، وقد كذب.
وجاء عن حذيفة ﵁، أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٧٦)، وعبد الرزاق (٢/ ٤٢١ - )، بإسنادين أحدهما: فيه جابر الجعفي، وهو متروك. والثاني: فيه ليث ابن أبي سليم، وهو ضعيف مختلط.
стр. 1242
• وذهب أحمد في رواية، واختارها بعض الحنابلة إلى أنه يصليها كما هي بدون أن يشفعها، وهو قول الشافعية.
وهذا القول هو الصحيح، ويدل عليه حديث يزيد بن الأسود ﵁، وصحح هذا القول الإمام ابن عثيمين ﵀. (١)
مسألة [٥]: هل تجب الإعادة ؟
• ذهب بعض أهل العلم إلى إيجاب الإعادة، وهو قول بعض الحنابلة، وذهب عامة أهل العلم إلى أنَّ الإعادة مستحبَّة غير واجبة؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حديث يزيد بن الأسود: «فإنها لكما نافلة». (٢)
مسألة [٦]: إذا أعاد الصلاة، فأيهما فرضه ؟
• ذهب أحمد، وإسحاق، والشافعي، والثوري، وغيرهم، إلى أنَّ الأولى هي فرضه؛ لحديث يزيد بن الأسود الذي في الباب، وثبت هذا القول عن ابن عمر ﵄، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٢/ ٥٧٢)، وأخرجه أيضًا عن علي ﵁، ولم يثبت عنه؛ ففي إسناده الحارث الأعور، وقد كذب.
• وذهب سعيد بن المسيب، وعطاء، والشعبي إلى أنَّ الثانية فرضه، وقد جاء في ذلك حديث في «سنن أبي داود» (٥٧٧)، من حديث يزيد بن الأسود، ولفظه: «فصَلِّ معهم تَكُنْ لك نافلة وهذه مكتوبة»، وهو حديث ضعيفٌ؛ فيه: نوح بن
стр. 1243
صعصعة وهو مجهول وقد خالفه الثقات في لفظ الحديث والصحيح القول الأول. (١)
مسألة [٧]: اختلاف نية الإمام والمأموم في التنفل والافتراض .
• قال الإمام النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٤/ ٢٧١): ذكرنا أن مذهبنا جواز صلاة المتنفل والمفترض خلف متنفل ومفترض في فرض آخر، وحكاه ابن المنذر عن طاوس، وعطاء، والأوزاعي، وأحمد، وأبي ثور، وسليمان بن حرب. قال: وبه أقول. وهو مذهب داود.
وقالت طائفة: لا يجوز نفل خلف فرض ولا فرض خلف نفل، ولا خلف فرض آخر. قاله الحسن البصري، والزهري، ويحيي بن سعيد الأنصاري، وربيعة، وأبو قلابة، وهو رواية عن مالك.
وقال الثوري، وأبو حنيفة: لا يجوز الفرض خلف نفل ولا فرض آخر، ويجوز النفل خلف فرض. وَرُوي عن مالك مثله. واحتج لمن منع بقوله ﷺ : «إنما جعل الإمام ليؤتم به».اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب قول من يُجيزُ صلاة المتنفل خلف المفترض، والعكس، وصلاة المفترض خلف إنسان في فريضة أخرى، ويدل على جواز صلاة المتنفل خلف المفترض حديث يزيد بن الأسود الذي في الباب، وحديث أبي سعيد أن رجلًا دخل المسجد بعدما صلَّى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فقال النبي
стр. 1244
-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من يتصدق على هذا، فيصلي معه ... » (١) الحديث.
ويدل على جواز صلاة المفترض خلف المتنفل حديث معاذ أنه كان يصلي خلف النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- العشاء، ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم. (٢)
وحديث صلاة الخوف، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صلَّى بطائفة من أصحابه ركعتين، ثم سلَّمَ، ثم صلَّى بطائفة من أصحابه ركعتين، ثم سلَّمَ. (٣)
وهذه الأدلة تدل على جواز اختلاف نية الإمام، والمأموم؛ وعليه فتجوز صلاة المفترض خلف مفترض في صلاة أخرى.
وأما الجواب عن حديث: «إنما جُعل الإمام ليؤتم به»، فهو: أنَّ المراد ليؤتم به في الأفعال الظاهرة أعني الأركان، لا في النية؛ ولهذا قال -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فإذا كبَّر؛ فكبروا، وإذا ركع؛ فاركعوا، وإذا سجد؛ فاسجدوا ... » الحديث.
ثم رأيت شيخ الإسلام ﵀ يرجح ذلك كما في مواضع كثيرة من «مجموع الفتاوى» منها (٢٣/ ٣٨٣ - ،٢٤٧ - ،٢٦٢) حتى إنه أجاز صلاة العشاء خلف من يصلي التراويح كما في (٢٣/ ٣٨٦) وأجاز صلاة الفجر أن تصلَّى خلف من يصلي الظهر على مذهب الشافعي، وأحمد في الرواية الأخرى كما في (٢٣/ ٣٩١). (٤)
стр. 1245
بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة
مسألة [١]: الجماعة الثانية في مسجد قد صُلِّيَ فيه .
• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى كراهة ذلك، وهو قول سالم، وأبي قلابة، وحكاه بعضهم عن سعيد بن المسيب، والحسن، والنخعي، والضحاك، والقاسم، والزهري، والليث، والأوزاعي، والثوري، وأبي حنيفة، ومالك، وحكاه الترمذي عن ابن المبارك، والشافعي، وقد جاء عن ابن مسعود أنه جاء إلى المسجد، فوجدهم قد صلَّوا، فرجع إلى منزله، فصلَّى بالأسود، وعلقمة في بيته. أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٤٠٩)، وهو من طريق: حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، وفي روايته عنه ضعفٌ، كما في «التهذيب»، وأخرج ابن أبي شيبة (٢/ ٣٢٣) عن الحسن، أنه قال: كان أصحاب محمد -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إذا دخلوا المسجد، وقد صُلِّيَ فيه، صلَّوا فُرادى، وفي إسناده: أبو هلال محمد بن سليم الرَّاسبي، مُختلفٌ فيه، والرَّاجح ضعفُه، وأخرج الطبراني في «الأوسط» (٤٥٩٨) من حديث أبي بكرة ﵁، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أقبل من نواحي المدينة يريد الصلاة، فوجد الناس قد صلَّوا، فمال إلى منزله، فجمع أهله، فصلَّى بهم. وهو حديث ضعيفٌ، في إسناده: معاوية بن يحيى الأطرابلسي الدمشقي، وهو حسن الحديث له مناكير، وهذا الحديث منها كما في «الكامل» و «الميزان».
стр. 1246
قال ابن رجب ﵀: وذهب أكثر العلماء إلى جواز إعادة الجماعة في المساجد في الجملة، كما فعله أنس بن مالك، منهم: عطاء، وقتادة، ومكحول، وهو قول إسحاق، وأبي يوسف، ومحمد، وداود، واختلف فيه عن الحسن، والنخعي، فرُوي عنهما كالقولين، وهي رواية عن أحمد. اهـ
واستدل هؤلاء بحديث أبي سعيد الخدري ﵁، قال: جاء رجلٌ وقد صلَّى رسول الله ﷺ ، فقال: أيكم يتجر على هذا؟ فقام رجلٌ فصلَّى معه. أخرجه أحمد (٣/ ٥)، وأبو داود (٥٧٤)، واللفظ لأحمد، وهو حديث صحيح.
وهذا القول هو الصواب؛ لصحة دليله، وهو اختيار الإمام ابن باز، والإمام العثيمين، والإمام الوادعي رحمة الله عليهم.
وأما أهل القول الأول فدليلهم ضعيفٌ، واستند أهل ذلك القول إلى أنَّ هذا العمل يُكره؛ لكونه ذريعة لتخلف بعض من يخرجون على الأئمة، فلا يرون الصلاة معهم، بل يُصَلُّون جماعة أخرى.
ويُجاب عنه: بأنَّ فضيلة الجماعة لا تُتْرَكُ لمثل هذا الأمر، والله أعلم.
تنبيه: الخلاف المتقدم فيما إذا كان للمسجد إمام راتبٌ، وأما إذا لم يكن للمسجد إمام راتبٌ؛ فلا يُكره إعادة الجماعة فيه عند أحد من العلماء؛ خلا الليث بن سعد؛ فإنه كره الإعادة فيه أيضًا. قاله الحافظ ابن رجب ﵀.اهـ. (١)
стр. 1247
مسألة [٢]: من فاتته الجمعة؛ فهل يصلي الظهر جماعة في المسجد ؟
• كره بعض أهل العلم أن يصلوا الظهر جماعة في المسجد؛ لأنَّ في إظهار ذلك افتئاتًا على الأئمة، ويتستر به أهل البدع إلى أن يتركوا الجمعة، ويصلوا الظهر في المسجد كسائر الأيام، وممن كره ذلك: الحسن، وأبو قلابة، وهو قول أبي حنيفة.
• وكرهه أحمد إذا كثروا.
• وَرُوِيَتِ الرُّخصة فيه عن ابن مسعود، وإياس بن معاوية (١)، وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق.
قلتُ: وهذا القول هو الصواب، ولا تترك فضيلة الجماعة لفعل أهل البدع، والله أعلم. (٢)
مسألة [٣]: إذا صلوا جماعة أخرى، فهل يبتدئون بالسنة الراتبة، أم الفرض ؟
• أكثر أهل العلم على أنهم يبتدئون بالسنة الراتبة، ثم يصلون الفرض جماعة، وصحَّ عن أنس ﵁، أنه فعل ذلك (٣)، وهو قول مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية.
стр. 1248
• وذهب جماعة من أهل العلم إلى الابتداء بالفريضة، وهو قول الشعبي، والنخعي، وعطاء، والثوري، والليث، وأحمد في رواية، واستثنى الحسن ركعتي الفجر، ورُوي هذا القول عن ابن عمر ﵄، بسند ضعيفٍ، فيه رجلٌ مبهم.
قال أبو عبدالله غفر الله له: القول الأول هو الصحيح، ولكن إن خشي أن يأتي أناس آخرون، ويقيمون جماعة، وهو يصلي الراتبة؛ فلا بأس أن يبدؤوا بالفريضة، والله أعلم. (١)
стр. 1249
٣٩١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَلَا تُكَبِّرُوا حَتَّى يُكَبِّرَ وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَلَا تَرْكَعُوا حَتَّى يَرْكَعَ، وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَلَا تَسْجُدُوا حَتَّى يَسْجُدَ، وَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا أَجْمَعِينَ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد (١)، وَهَذَا لَفْظُهُ، وَأَصْلُهُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ». (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مع ذكر بعض المسائل الملحقة
مسألة [١]: هل يُشترط لصحة الجماعة أن ينوي المؤتمون الائتمام ؟
لا خَلافَ عند الشافعية والحنابلة في اشتراط ذلك، وهو الصحيح؛ لحديث «إنما جُعِلَ الإمام ليؤتم به»، وحديث: «إنما الأعمال بالنيات»، ثم رأيته مذهب المالكية والحنفية أيضًا. (٣)
стр. 1250
مسألة [٢]: هل يُشترَط أن ينوي الإمام الإمامة ؟
• المشهور عند الشافعية أنه لا يُشترط، وبه قال مالك، وأحمد في رواية، وآخرون.
• وذهب الأوزاعي، والثوري، وإسحاق إلى وجوب النية، وهو رواية عن أحمد.
• وقال أبو حنيفة وصاحباه: إنْ صلَّى بِرَجُلٍ لم تجبْ النية، وإنْ صلَّى بامرأة وجبتْ.
قال أبو عبدالله غفر الله له: الصواب هو القول الأول؛ لما أخرجه مسلم في «صحيحه» (١١٠٤)، من حديث أنس بن مالك ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ يُصلي في رمضان، فجئتُ، فقمتُ إلى جَنْبِهِ، وجاء رجلٌ آخر، فقام أيضًا حتى كُنَّا رهطًا، فلما أحسَّ أنَّا خلفه، جعل يتجوز في الصلاة، ثم دخل رَحْلَه ... الحديث. وهذا القول رجَّحه الإمام ابن عثيمين ﵀. (١)
مسألة [٣]: إذا نوى الإمام الإمامة ولم ينو المأموم الائتمام ؟
قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (٢/ ٣٠٠): الصورة الخامسة: أن ينوي الإمام الإمامة دون المأموم، كرجل جاء إلى جنب رجل، وكبر،
стр. 1251
فظن الأول أنه يريد أن يكون مأمومًا به، فنوى الإمامة، وهذا الرجل لم ينو الائتمام، فهنا لا يحصل ثواب الجماعة لا للإمام، ولا للمأموم؛ لأنه ليس هناك جماعة، فالمأموم لم يأتم بالإمام، ولا اقتدى به، والإمام نوى الإمامة، لكن بغير أحد، فلا يحصل ثواب الجماعة من غير أن يكون هناك جماعة. اهـ
مسألة [٤]: إذا أحرم منفردًا، ثم نوى الائتمام في الصلاة ؟
• في هذه المسألة خلافٌ عند الشافعية، وهما روايتان عن أحمد، في الصِّحَّةِ وعدمها، والصواب الجواز، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين ﵀. (١)
مسألة [٥]: إذا أحرم منفردًا، ثم نوى الإمامة ؟
• في هذه المسألة روايتان عن الإمام أحمد، الرواية الأولى: جواز ذلك بالنَّفل دون الفرض، واختارها أكثر أصحابه.
• والرواية الثانية: جواز ذلك في النَّفلِ والفرض، واختار ذلك ابن قدامة، وشيخ الإسلام ابن تيمية.
والقول الثاني هو الصواب؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ثبت عنه أنه صلَّى النافلة منفردًا، ثم جاء خلفه من يأتم به، فأمهم (٢)، وما جاز في النافلة؛ جاز في الفريضة، ومن فرَّق فعليه الدليل، وقد رجَّح هذا القول الإمام ابن عثيمين ﵀. (٣)
стр. 1252
فائدة: سُئل شيخ الإسلام عمَّا إذا أدرك الرجلُ مع الإمام بعض الصلاة، وقام ليأتي بما فاته، فأتم به آخرون، هل يجوز أم لا؟ فأجاب: إذا أدرك مع الإمام بعضًا، وقام يأتي بما فاته، فأتم به آخرون؛ جاز في أظهر قولي العلماء. «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٣٨٢).
مسألة [٦]: إذا انفرد المؤتم وصلى منفردًا ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «الْمُقْنِع»: فإنْ أحرم مأمومًا، ثم نوى الانفراد لعذر؛ جازَ. قال المرداوي: بلا نزاع.
ثم قال المرداوي: العذر، مثل: تطويل إمامه، أو مرضٍ، أو خوف نعاس، أو شيئ يُفسد صلاته، أو على مال، أو أهل، أو فوات رُفْقَةٍ، ونحوه.
ويدل على الانفراد لعذرٍ حديث معاذ حين طوَّلَ بأصحابه، فانفرد الرجل، وإنْ كان الانفراد بلا عذرٍ، ففيها روايتان عن أحمد، وهما وجهان عند الحنابلة، وهما: الصِّحَّةُ، والبطلان، والأقرب إلى الصواب هو الصِّحَّة، ويأثم على ترك الجماعة إنْ كان فرضًا، والله أعلم. (١)
مسألة [٧]: إذا تابع إمامًا ولا ينوي الائتمام ؟
• في هذه المسألة وجهان عند الشافعية، والأكثرون على عدم البطلان، وهو الصحيح، ولكن تفوته فضيلة الجماعة، وإنْ كانت واجبة عليه يأثم لتركها،
стр. 1253
والله أعلم. (١)
مسألة [٨]: حالات المأموم مع الإمام .
للمأموم مع إمامه أربع حالات:
١) المتابعة. ٢) الموافقة. ٣) السَّبق. ٤) الفوات.
الحالة الأولى: المتابعة.
وهي المأمور بها، والمشروعة عند جميع أهل العلم؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما جُعِلَ الإمام ليؤتم به» كما في الحديث الذي في الباب، ومعنى المتابعة: أنْ يشرع المأموم في أفعال الصلاة فور شروع الإمام، بدون موافقة.
الحالة الثانية: الموافقة.
ومعناها: أنْ يركع المأموم مع إمامه، ويسجد معه، ويرفع معه.
قال ابن قدامة ﵀: وَيُكْرَهُ فِعْلُهُ مَعَهُ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ أَنْ تَكُونَ أَفْعَالُهُ مَعَ أَفْعَالِ الْإِمَامِ.
ثم استدل ابن قدامة ﵀ بحديث البراء بن عازب في «الصحيحين» (٢)، وفيه: لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَقَعَ رَسُولُ الله ﷺ سَاجِدًا، ثُمَّ نَقَعُ سُجُودًا بَعْدَهُ.
وبحديث أَبِي مُوسَى في «صحيح مسلم» (٤٠٤)، وفيه: «فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا؛ فَإِنَّ الْإِمَامَ يَرْكَعُ قَبْلَكُمْ وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ، فَتِلْكَ بِتِلْكَ».اهـ
стр. 1254
وجاءت رواية عن الإمام مالك بموافقة الجمهور، وقد ذهب ابن حزم الظاهري إلى بطلان صلاته إذا وافق إمامه، وقال به بعض الحنابلة، وقول الجمهور هو الصواب؛ لأنَّ التحريم جاء في حقِّ المسابق كما سيأتي، ويُفهم منها مشروعية المتابعة، والموافقة، ولكن الائتمام الكامل لا يحصل إلا بالمتابعة، فلذلك كره له الموافقة، والله أعلم. (١)
تنبيه: ما تقدَّم من كراهية الجمهور للموافقة إنما هو في الأفعال الظاهرة، كالركوع، والسجود، والقيام، والقعود، وأما الأفعال التي ليست بظاهرة، وكذلك الأقوال في الصلاة؛ فيُشرع فعلها مع الإمام، وقبل الإمام؛ ما خلا تكبيرة الإحرام، والسلام؛ فإنه يقولها بعد الإمام، وقد تقدَّم حكم من كبَّرَ، أو سلَّمَ قبل إمامه في موضعه.
الحالة الثالثة: السَّبْق.
وهو أن يركع المأموم، أو يسجد، أو يقوم، أو يقعد قبل إمامه، وهو مُحرَّمٌ عند عامة أهل العلم، بل عدَّه بعضهم من الكبائر.
ويدل على تحريمه حديث أبي هريرة في «الصحيحين» (٢)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار».
وحديث أنس في «مسلم» (٤٢٦) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إنِّي إمامكم، فلا
стр. 1255
تسبقوني بالركوع، ولا بالسجود، ولا بالقيام، ولا بالانصراف»، وفي «سنن أبي داود» (٦١٩)، عن معاوية ﵁، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «لا تبادروني بالركوع، ولا بالسجود ... » الحديث، وإسناده حسن.
مسألة [٩]: إذا سبق المأموم إمامه متعمدًا ؟
هذه المسألة لها صور:
الأولى: أن يسبق إمامه بركنين أو أكثر متعمدًا.
• فمذهب الشافعية، والحنابلة، والظاهرية هو بطلان صلاته بغير خلاف عندهم.
الثانية: أن يسبق إمامه بركنٍ كاملٍ بأن يركع، ثم يرفع قبل ركوع إمامه، أو يسجد، ثم يرفع قبل سجود إمامه، وما أشبهه.
• فوجهٌ للشافعية، والصحيح من مذهب الحنابلة هو بطلان الصلاة، وهو مذهب الظاهرية أيضًا.
• وللحنابلة وجهٌ بعدم البطلان، وهو وجهٌ عند الشافعية.
الثالثة: أن يسبق إمامه إلى الركن، ثم يتبع الإمام فيدركه في ذلك الركن قبل أن يتمه.
• فمذهب أكثر العلماء أنها لا تبطل، ويعتد بها إذا اجتمع مع إمامه فيما بعد، قاله ابن رجب.
• وعن أحمد رواية أنَّ صلاته تبطل، وقيل: إنه ظاهر مذهب أحمد، وهو وجهٌ
стр. 1256
عند الحنابلة، وقول الظاهرية، وهو وجهٌ شاذٌّ عند الشافعية، واختار هذا القول الإمام السعدي، والإمام ابن عثيمين رحمة الله عليهما؛ لأنه ارتكب ما حُرِّمَ عليه متعمدًا، وذلك يُبطل الصلاة؛ فإنَّ النهي يقتضي الفساد، وَفِعْلُ المحظور عمدًا في الصلاة يُوجب بطلانها، إذا كان المحظور عائدًا إلى ذات الصلاة، أو شرطها، وهذا القول هو الصواب، وهو الصواب أيضًا في الصورتين الَّلتَيْنِ قبلها والله أعلم.
واختلف الحنابلة، والشافعية في هذه الصورة الثالثة: هل يجب عليه أن يعود، فيأتي بالركن بعد الإمام، أم لا؟
• فأكثر الحنابلة، وبعض الشافعية أوجبوا عليه الرجوع، وقالوا: إنْ لم يرجع متعمدًا؛ بَطلت صلاته، وإن كان ساهيًا، أو جاهلًا، لم تبطل.
• وذهب أكثر الشافعية، وبعض الحنابلة إلى أنه لا يلزمه الرجوع.
• وبالغ بعضهم فقالوا: إنْ عاد؛ بطلت صلاته؛ لأنه يزيد ركنًا متعمدًا، وهذا غير صحيح، والله أعلم. (١)
مسألة [١٠]: إذا سبق المأموم إمامه ساهيًا ؟
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٤/ ١٤٣): ولو سَبَقَ الإمامَ سهوًا حتى أدركه إمامه، اعتُدَّ لَهُ بذلك عند أصحابنا، وغيرهم، خلافًا لزُفَر. اهـ
قلتُ: والواجب عليه إذا ذكر أن يرجع إلى الركن الذي سبق الإمام منه حتى
стр. 1257
يُتابع إمامَه، والله أعلم.
الحالة الرابعة: الفوات.
وهو أن يفوت المأموم بعض الصلاة، ويسبقه الإمام، والفوات إما أن يكون لعذر، كنعاس، أو زحام، أو غفلة، أو عجلة في الإمام، وإما أن يكون لغير عذر.
فأما إنْ كان لعذرْ، فله ثلاث حالات:
الأولى: أن يسبقه الإمام بركن واحد.
قال ابن قدامة ﵀: يفعل ما سبق به، ويدرك إمامه، ولا شيئ عليه، نصَّ عليه أحمد، وهذا لا أعلم فيه خلافًا. اهـ
الثانية: أن يسبقه الإمام بركعة كاملة، أو أكثر.
قال ابن قدامة ﵀: يتبع إمامه، ويقضي ما سبقه الإمام به، وقد نصَّ عليه أحمد ﵀.
قلتُ: وهو قول الجمهور، وذكر الحافظ ابن رجب ﵀ عن الثوري أنه قال: يُصلي ما سبقه، ثم يتابع. قال: وهذا قول غريب.
الثالثة: أن يسبقه الإمام بركنين، فأكثر دون الركعة كاملة.
• فمذهب الإمام أحمد هو الإلغاء، ولا يعتد بتلك الركعة، ثم يقضي ركعةً بعد الصلاة. وذهب الشافعي ﵀ إلى أنه يصلي ما سبقه، ثم يُتابع الإمام، وهو قول أحمد في المزحوم، واختار قول الشافعي جماعةٌ من الحنابلة، منهم: ابن قدامة ﵀، واستُدل للشافعي بفعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بأصحابه في صلاة الخوف حين أقامهم خلفه
стр. 1258
صفين، فسجد بالصف الأول، والصف الثاني قائم حتى قام النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إلى الثانية، فسجد الصف الثاني، ثم تبعه، وكان ذلك جائزًا للعذر، فهذا مثله.
• وذهب مالك، والأوزاعي إلى أنه يُصلي ما سبقه إذا علم أنه سيدرك الإمام في السجود، وإنْ علم أنه لن يدركه حتى يقوم، فيلغي الركعة.
قال أبو عبد الله: قول الشافعي هو الصواب؛ لحديث صلاة الخوف.
قال ابن قدامة ﵀: والأَوْلَى في هذا -والله أعلم- ما كان على قياس فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في صلاة الخوف؛ فإنَّ ما لا نصَّ فيه يُرَدُّ إلى أقرب الأشياء به من المنصوص عليه. اهـ
وأما إن كان تخلف المأموم لغير عذر:
فإن كان تخلفه بركنين فأكثر؛ فاتفق الشافعية، والحنابلة على بطلان صلاته، وإن كان تخلفه بركنٍ واحدٍ، ففيه وجهان عند الشافعية، والحنابلة، والأصح عند الحنابلة البطلان، والأصح عند الشافعية عدم البطلان.
قال أبو عبد الله غفر الله له: لا دليل على التفريق بين ركنٍ، أو ركنين، بل إذا تخلَّف متعمدًا في ركن؛ فقد ارتكب ما حُرِّمَ عليه، كما لو تخلف في ركنين؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما جعُل الإمام ليؤتم به؛ فلا تختلفوا علىه»، فالصواب هو البطلان، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين ﵀. (١)
стр. 1259
مسألة [١١]: هل يُتابع الإمام على ترك بعض أفعال الصلاة المسنونة ؟
قال ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٤/ ٢٨٤): وأدخل بعضهم متابعته في ترك بعض أفعال الصلاة المسنونة، كرفع اليدين، فقال: لا يرفع المأموم يديه؛ إلا إذا رفع الإمام. وهو قول أبي بكر بن أبي شيبة، والجمهور على خلاف ذلك، وأنَّ المأموم يتابع إمامه فيما فعله، ويفعل ما تركه من السنن عمدًا، أو سهوًا، كرفع اليدين، والاستفتاح، والتعوذ، والتسمية، وغير ذلك فيما لا يفعله بعض الأئمة، معتقدًا له، فكل هذا يفعله المأموم، ولا يَقتدِي بإمامه في تركه. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: قول الجمهور هو الصواب.
وأما قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما جُعِل الإمام ليؤتم به»، فالمراد به الأفعال الظاهرة، كالركوع، والسجود، والقيام، والقعود كما بينه بقية الحديث، والله أعلم.
فائدة: قال الحافظ ابن رجب ﵀: ومما يدخل في ائتمام المأموم بإمامه أنه لا يتخلف عنه تخلُّفًا كثيرًا، بل تكون أفعال المأموم عَقِبَ أفعال إمامه حتى السلام. اهـ «الفتح» (٤/ ٢٨٥).
مسألة [١٢]: إذا ارتكب الإمام ما يبطل صلاته، فما حكم صلاة المأموم ؟
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٣٥٢): وَأَمَّا الْإِمَامُ فَلَوْ أَخْطَأَ أَوْ نَسِيَ؛ لَمْ يُؤَاخَذْ بِذَلِكَ الْمَأْمُومُ كَمَا فِي «الْبُخَارِيِّ» وَغَيْرِهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَئِمَّتُكُمْ يُصَلُّونَ لَكُمْ وَلَهُمْ؛ فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ وَلَهُمْ، وَإِنْ أَخْطَئُوا فَلَكُمْ