٣٩٢ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى فِي أَصْحَابِهِ تَأَخُّرًا، فَقَالَ: «تَقَدَّمُوا فَأْتَمُّوا بِي، وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١)
الحكم المستفاد من الحديث
قال الإمام الصنعاني ﵀ في «سبل السلام» (٢/ ٥٠): وَقَوْلُهُ: «ائْتَمُّوا بِي»، أَيْ: اقْتَدُوا بِأَفْعَالِي، وَلْيَقْتَدِ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ مُسْتَدِلِّينَ بِأَفْعَالِكُمْ عَلَى أَفْعَالِي. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ اتِّبَاعُ مَنْ خَلْفَ الْإِمَامِ مِمَّنْ لَا يَرَاهُ، وَلَا يَسْمَعُهُ، كَأَهْلِ الصَّفِّ الثَّانِي يَقْتَدُونَ بِالْأَوَّلِ، وَأَهْلِ الصَّفِّ الثَّالِثِ بِالثَّانِي، وَنَحْوِهِ أَوْ بِمَنْ يُبَلِّغُ عَنْهُ. اهـ
قلتُ: وقد بالغ الشعبي في هذه المسألة.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٤/ ٢٣٧): قال الشعبي: إذا انتهيت إلى الصف الآخر، ولم يرفعوا رؤوسهم، وقد رفع الإمام، فاركع؛ فإنَّ بعضكم أئمة بعض. وهذا قول غريب، والجمهور على خلافه، وأنَّ الاعتبار بالإمام وحده في إدراك الركعة بإدراك ركوعه. اهـ
стр. 1266
٣٩٣ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: احْتَجَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حُجْرَةً بِخَصَفَةً (١)، فَصَلَّى فِيهَا، فَتَتَبَّعَ إلَيْهِ رِجَالٌ، وَجَاءُوا يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ ... الحَدِيثَ، وَفِيهِ: «أَفْضَلُ صَلَاةِ المَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلَّا المَكْتُوبَةَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: صلاة المأموم خلف الإمام، وبينهما حائل .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٤٠٧): وَأَمَّا صَلَاةُ الْمَأْمُومِ خَلْفَ الْإِمَامِ، خَارِجَ المسْجِدِ، أَوْ فِي المَسْجِدِ، وَبَيْنَهُمَا حَائِلٌ؛ فَإِنْ كَانَتْ الصُّفُوفُ مُتَّصِلَةً، جَازَ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا طَرِيقٌ، أَوْ نَهْرٌ تَجْرِي فِيهِ السُّفُنُ، فَفِيهِ قَوْلَانِ مَعْرُوفَانِ، هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ: أَحَدُهُمَا: المَنْعُ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَالثَّانِي: الجوَازُ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ. انتهى المراد
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٣/ ٤٦) بعد أن ذكر الرواية الثانية: وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِي مَنْعِ ذَلِكَ، وَلَا إجْمَاعَ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ الِاقْتِدَاءَ؛ فَإِنَّ الْمُؤَثِّرَ فِي ذَلِكَ مَا يَمْنَعُ الرُّؤْيَةَ، أَوْ سَمَاعَ الصَّوْتِ، وَلَيْسَ هَذَا بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا ... .اهـ
وعزا هذا القول النووي للأكثرين كما في «شرح المهذب» (٤/ ٣٠٩).
стр. 1267
قال أبو عبد الله غفر الله له: أما وجود الحائل مع اتصال الصفوف فلا يمنع الاقتداء بلا إشكال، ويدل عليه حديث الباب.
وأما إذا وُجِدَ ما يمنع اتصال الصفوف كالسيل؛ فالصحيح ما صححه ابن قدامة، وأما إن كان الفاصل طريقًا فيصلون في الطريق، ولا تصح صلاتهم مع الفصل بالطريق إلا إذا عجزوا عن الصلاة فيه، والله أعلم، وهو ترجيح شيخ الإسلام ﵀ كما سيأتي.
стр. 1268
بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة
مسألة [١]: صلاة المأمومين في مؤخرة المسجد ولم تتصل الصفوف إليهم .
سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، كما في «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٤٠٨): عَمَّنْ يُصَلِّي مَعَ الْإِمَامِ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِمَامِ حَائِلٌ، بِحَيْثُ لَا يَرَاهُ، وَلَا يَرَى مَنْ يَرَاهُ: هَلْ تَصِحُّ صَلَاتُهُ؟ أَمْ لَا؟
أَجَابَ: الْحَمْدُ لله، نَعَمْ تَصِحُّ صَلَاتُهُ، عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ الصَّرِيحُ عَنْ أَحْمَدَ؛ فَإِنَّهُ نَصَّ عَلَى أَنَّ الْمِنْبَرَ لَا يَمْنَعُ الِاقْتِدَاءَ، وَالسُّنَّةُ فِي الصُّفُوفِ أَنْ يُتِمُّوا الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ، وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ؛ فَمَنْ صَلَّى فِي مُؤَخَّرِ الْمَسْجِدِ مَعَ خُلُوِّ مَا يَلِي الْإِمَامَ كَانَتْ صَلَاتُهُ مَكْرُوهَةً، وَاَللهُ أَعْلَمُ. اهـ
قلتُ: ولا خلاف في مذهب الشافعي، وأحمد في صحة الصلاة إذا كان الإمام والمأمومون في مسجد واحد، ويمكنه الاقتداء به بمشاهدةٍ، أو سماعٍ، والله أعلم، ونقل بعض الشافعية في جوازه الإجماع. (١)
стр. 1269
مسألة [٢]: صلاة المأمومين خارج المسجد .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٤١٠): إذَا امْتَلَأَ المسْجِدُ بِالصُّفُوفِ؛ صَفُّوا خَارِجَ المسْجِدِ، فَإِذَا اتَّصَلَتْ الصُّفُوفُ حِينَئِذٍ فِي الطُّرُقَاتِ وَالْأَسْوَاقِ، صَحَّتْ صَلَاتُهُمْ، وَأَمَّا إذَا صَفُّوا وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الصَّفِّ الْآخَرِ طَرِيقٌ يَمْشِي النَّاسُ فِيهِ؛ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُمْ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الصُّفُوفِ حَائِطٌ بِحَيْثُ لَا يَرَوْنَ الصُّفُوفَ، وَلَكِنْ يَسْمَعُونَ التَّكْبِيرَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ؛ فَإِنَّهُ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُمْ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ، وَكَذَلِكَ مَنْ صَلَّى فِي حَانُوتِهِ وَالطَّرِيقُ خَالٍ؛ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْعُدَ فِي الْحَانُوتِ وَيَنْتَظِرَ اتِّصَالَ الصُّفُوفِ بِهِ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَذْهَبَ إلَى المسْجِدِ فَيَسُدَّ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. اهـ
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (٤/ ٤٢٠ - ): والقول الثاني، وهو الذي مشى عليه صاحبُ «المقنع»: أنَّه لابُدَّ مِن اتِّصالِ الصُّفوفِ، وأنَّه لا يَصِحُّ اقتداءُ مَن كان خارجَ المسجدِ إلا إذا كانت الصُّفوفُ متَّصلةً؛ لأنَّ الواجبَ في الجماعةِ أن تكون مجتمعةً في الأفعالِ، وهي متابعة المأمومِ للإِمام، والمكان، وإلا لقلنا: يَصِحُّ أن يكون إمامٌ ومأمومٌ واحد في المسجد، ومأمومان في حجرة بينها وبين المسجد مسافة، ومأمومان آخران في حجرة بينها وبين المسجدِ مسافة، ومأمومان آخران بينهما وبين المسجد مسافة في حجرة ثالثة، ولا شَكَّ أنَّ هذا توزيعٌ للجماعةِ، ولاسيَّما على قولِ مَن يقول: إنَّه يجب أن تُصلَّى الجماعةُ في
стр. 1270
المساجد.
فالصَّوابُ في هذه المسألة: أنَّه لابُدَّ في اقتداءِ مَن كان خارجَ المسجدِ مِن اتِّصالِ الصُّفوفِ؛ فإنْ لم تكن متَّصِلة؛ فإنَّ الصَّلاة لا تَصِحُّ. اهـ
تنبيه: قال الإمام النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٤/ ٣٠٩): يُشترط لصحة الاقتداء علم المأموم بانتقالات الإمام، سواء صَلَّيَا في المسجد، أو في غيره، أو أحدهما فيه والآخر في غيره، وهذا مُجمع عليه. قال أصحابنا: ويحصل له العلم بذلك بسماع الإمام، أو من خلفه، أو مشاهدة فعله، أو فعل من خلفه، ونقلوا الإجماع في جواز اعتماد كل واحد من هذه الأمور. اهـ
مسألة [٣]: هل للإمام أن يكون أعلى من المأموم ؟
• كره جماعة من أهل العلم أن يكون الإمام أعلى من المأموم، وهو مذهب أحمد، وكثير من أصحابه، وقال به مالك، والأوزاعي، وأصحاب الرأي، وسواء أراد التعليم، أم لم يُرِدْ ذلك.
واستدلوا بما أخرجه أبو داود (٥٩٧)، عن حذيفة ﵁، أنه أمَّ الناس في المدائن على دكان، فأخذ أبو مسعود بقميصه، فجبذه، فلما فرغ من صلاته، قال: ألم تعلم أنهم كانوا يُنْهَون عن ذلك؟ قال: قد ذكرتُ حين مددتني. وإسناده صحيح.
• وذهب الشافعي، وأحمد في رواية إلى جواز ذلك إذا أراد التعليم، واستدلوا
стр. 1271
بحديث سهل بن سعد في «الصحيحين» (١) في صلاة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- على المنبر وفيه: «إنما صنعت ذلك لتأتموا بي، ولتعلموا صلاتي».
وهذا القول هو الصواب. (٢)
مسألة [٤]: عُلو المأموم على الإمام .
• ذهب جمعٌ من أهل العلم إلى جواز ذلك، وهو قول أحمد، والمشهور من مذهبه، وبه قال الشافعي، والثوري، وإسحاق، وأصحاب الرأي.
وصحَّ عن أبي هريرة أنَّه صلَّى مأمومًا في سطح المسجد. أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٢٣)، وعبدالرزاق (٣/ ٨٣)، وعلَّقه البخاري في «الصحيح» [باب (١٨) من كتاب الصلاة].
وقال مالك: لا تصح صلاته إذا صلَّى الجمعة فوق سطح المسجد بصلاة الإمام. وفي سائر الصلوات عنه روايتان: الجواز، والكراهة، وهي آخر الروايتين عنه.
والصواب القول الأول، ولا نعلم دليلًا على المنع من ذلك. (٣)
مسألة [٥]: الصلاة على ما وضع على وجه الأرض مما ينقل .
قال ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٢/ ٤٤٢) ط/الغرباء: الصلاة على ما وضع على الأرض مما يتأبد فيها، أو ينقل عنها كمنبر وسرير ونحوه، يجوز ذلك عند
стр. 1272
أكثر العلماء. قال أبو طالب: سألت أحمد عن الصلاة على السرير الفريضة والتطوع؟ قال: نعم، إذا كان يمكنه مثل السطح. وقال حرب: سألت إسحاق عن الصلاة على السرير من الخشب؟ قال: لا بأس به.
وروى حرب بإسناده، عن الأوزاعي، أنه لم ير بأسا بالصلاة على الأسرة وأشباهها. وليس في هذا اختلاف بين العلماء، إلا خلاف شاذ قديم. روى أبو نعيم الفضل بن دكين: ثنا أبو بكر بن عياش، عن إسماعيل بن سميع، عن علي بن أبي كثير، قال: رأى عمار رجلا يصلي على دابته، فمده من خلفه، فقال: هاهنا صل في القرار. ولعل هذا المصلي كان إماما لقوم يصلون تحته. اهـ
قلتُ: علي بن أبي كثير، لم أر له توثيقًا من معتبر؛ فهو مجهول الحال، والله أعلم.
стр. 1273
٣٩٤ - وَعَنْ جَابِرِ ﵁ قَالَ: صَلَّى مُعَاذٌ بِأَصْحَابِهِ العِشَاءَ فَطَوَّلَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَتُرِيدُ أَنْ تَكُونَ يَا مُعَاذُ فَتَّانًا؟ إذَا أَمَمْت النَّاسَ فَاقْرَأْ بِـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، وَ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وَ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: تخفيف الصلاة .
هذا الحديث يدل على تخفيف الصلاة، وقد أخرج البخاري (٧٠٦)، ومسلم (٤٦٩) من حديث أنس ﵁، قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أخفَّ الناس صلاة في تمام. واللفظ لمسلم.
قال ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (١/ ٢١٣ - ٢١٤): فَالتّخْفِيفُ أَمْرٌ نِسْبِيّ يَرْجِعُ إلَى مَا فَعَلَهُ النّبِيّ ﷺ ، وَوَاظَبَ عَلَيْهِ لَا إلَى شَهْوَةِ الْمَأْمُومِينَ؛ فَإِنّهُ لَمْ يَكُنْ يَأْمُرُهُمْ بِأَمْرٍ، ثُمّ يُخَالِفُهُ، وَقَدْ عَلِمَ أَنّ مِنْ وَرَائِهِ الْكَبِيرَ، وَالضّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ، فَاَلّذِي فَعَلَهُ هُوَ التّخْفِيفُ الّذِي أَمَرَ بِهِ؛ فَإِنّهُ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ صَلَاتُهُ أَطْوَلَ مِنْ ذَلِكَ بِأَضْعَافٍ مُضَاعَفَةٍ، فَهِيَ خَفِيفَةٌ بِالنّسْبَةِ إلَى أَطْوَلِ مِنْهَا، وَهَدْيُهُ الّذِي كَانَ وَاظَبَ عَلَيْهِ هُوَ الْحَاكِمُ عَلَى كُلّ مَا تَنَازَعَ فِيهِ الْمُتَنَازِعُونَ، وَيَدُلّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ النّسَائِيّ وَغَيْرُهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَأْمُرُنَا بِالتّخْفِيفِ، وَيَؤُمّنَا
стр. 1274
بِـ: [الصَّافَّاتِ] (١)، فَالْقِرَاءَةُ بِـ: [الصَّافَّاتِ] مِنْ التّخْفِيفِ الّذِي كَانَ يَأْمُرُ بِهِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. اهـ
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٤/ ٢٠٩): فالصلاة الَّتِيْ كَانَ النَّبِيّ ﷺ يُصَلِّيها بالناس هِيَ التخفيف الَّذِي أمر بِهِ غيره، وإنما أنكر عَلَى من طَوَّلَ تَطْويلًا زائدًا عَلَى ذَلِكَ؛ فَإِنَّ مُعَاذَ بن جبل كَانَ يصلي مَعَ النَّبِيّ ﷺ بالمدينة صلاة العشاء، وكان النَّبِيّ ﷺ يُؤَخِّرُها كثيرًا، كما سبق ذكره فِي [المواقيت]، ثُمَّ ينطلق إلى قومه فِي بني سَلَمَة فيصلي بهم، وقد استفتح حينئذ بسورة البقرة، فهذا هُوَ الَّذِي أنكره عَلَى معاذ، ويشهد لهذا: حَدِيْث ابن عُمَر، قَالَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ لَيَأْمُرُنَا بِالتَّخْفِيْفِ، وَإِنْ كَانَ لَيَؤُمُّنَا بالصَّافَات. خَرَّجَهُ الإِمَامُ أَحْمَد، وَالنَّسَائِي، وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي «صحيحه». والمراد: أَنَّ التَّخْفِيْفَ المأمُور بِهِ هُوَ مَا كَانَ يَفْعَلُه. اهـ
وقد سبق إلى هذا البيان شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٥٧٥، ٥٩٦ - ٥٩٧).
مسألة [٢]: إعادة الصلاة ليؤم غيره ؟
جاء في بعض طرق حديث الباب في «الصحيحين» أنَّ معاذًا ﵁ كان يصلي مع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- العشاء الآخرة، ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم. ومثله ما ثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه صلَّى بأصحابه صلاة الخوف مرتين كما سيأتي إن شاء الله في بابه.
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٣٨٦ - ٣٨٨): أَظْهَرُ
٣٩٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ فِي قِصَّةِ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالنَّاسِ وَهُوَ مَرِيضٌ قَالَتْ: فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ، فَكَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ جَالِسًا وَأَبُو بَكْرٍ قَائِمًا، يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَيَقْتَدِي النَّاسُ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: كيفية صلاة القادر على القيام خلف الإمام القاعد .
• ذهب بعض أهل العلم إلى عدم جواز ائتمام المأموم خلف الإمام القاعد، وهو قول محمد بن الحسن، والحسن بن حي، ومالك في ظاهر مذهبه، والثوري في رواية عنه، وجاء في ذلك حديث مرسلٌ من مراسيل الشعبي: «لا يَؤُمَّنَّ أَحَدٌ بَعْدِي جَالِسًا»، وفي إسناده: جابر الجعفي، وهو كذَّابٌ.
• وذهب عامة أهل العلم إلى جواز ائتمام المأموم وصلاته وراء الإمام الجالس، واختلفوا: هل يُصلي وراءه جالسًا، أم قائمًا على قولين:
القول الأول: أنَّ المأموم يُصلي قائمًا، وإنْ قعد إمامُه، وهذا قول المغيرة، وحماد، وأبي حنيفة، والثوري، وابن المبارك، ومالك، والشافعي، وأبي ثور، واعتمدوا على أَقْيسة، أو عمومات مثل قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «صلِّ قائمًا؛ فإنْ لم تستطع فقاعدًا»، وتبعهم على ذلك طائفة من المحدثين، كالحميدي، والبخاري، وادَّعَوا
стр. 1278
نسخ أحاديث الأمر بالجلوس بصلاة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في مرضِ موته قاعدًا، والناس خلفه قيامًا، ولم يأمرهم بالجلوس كما قرره البخاري، وحكاه عن الحميدي.
القول الثاني: يُصلِّي القادر على القيام خلف الإمام الجالس جالسًا، هذا هو المروي عن الصحابة، ولا يُعرف عنهم اختلاف في ذلك.
وممن رُوي عنه ذلك من الصحابة: أُسيد بن حضير، وقيس بن قهد، وجابر ابن عبدالله، وأبو هريرة، ومحمود بن لبيد، ولا يُعرف عن صحابي خلاف ذلك، بل كانوا يفعلون ذلك في مساجدهم ظاهرًا، ولم ينكر عليهم عملهم صحابيٌّ، ولا تابعي.
وهو قول الأوزاعي، وحماد بن زيد، وأحمد، وإسحاق، وأبي خيثمة، وسليمان الهاشمي، وأبي بكر بن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن خزيمة، وغيرهم.
واستدل هؤلاء بحديث أبي هريرة ﵁، في «الصحيحين» (١) مرفوعًا: « ... ، وإذا صلى قاعدًا؛ فَصَلُّوا قعودًا أجمعين».
وهذا القول هو الصواب.
وأما ادِّعاءُ النسخ؛ فليس بصحيح؛ لأنَّ النسخ لا يُرجع إليه إلا إذا لم يمكن الجمع بين الدليلين.
قال ابن رجب ﵀: ويدل على أنَّ الأمر بالقعود غير منسوخ أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- علَّله بِعِللٍ لم تُنسخ، ولم تبطل منذ شُرعت، منها: أنه علَّله بأنَّ الإمام إنما جُعل
стр. 1279
إمامًا؛ ليؤتم به، ويُقتدى به في أفعاله. وقال: «وإذا كبَّرَ؛ فكبروا ... ، وإذا صلَّى جالسًا، فَصَلُّوا جلوسًا أجمعون»، وما قبل الصلاة جالسًا لم يُنسخ منه شَيْئ، فكذلك القعود؛ لأنَّ الجميع مرتَّب على أنَّ الإمام يؤتم به، ويُقتدى به.
ومنها: أنه جعل القعود خلفه من طاعة الأمراء، وهو من طاعته، كما في «مسند أحمد» (١) من حديث ابن عمر، وفيه قال: «فإنَّ من طاعة الله أن تطيعوني، ومن طاعتي أن تطيعوا أمراءكم، فإذا صلوا قعودًا، فصلوا قعودًا».
وفي رواية: «ومن طاعتي أن تطيعوا أئمتكم»، ومنها: أنه جعل القيام خلف الإمام الجالس من جنس فعل فارس، والروم بعظمائها، حيث يقومون، وملوكهم جلوس. اهـ
ثم ذكر حديث جابر في «صحيح مسلم» (٢) بهذا المعنى.
وأما الجواب عن جلوس النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في مرض موته، وصلاة من خلفه قائمين، فمن وجهين:
أحدهما: أنَّ المؤتمين بأبي بكر ائتموا بإمام ابتدأ بهم الصلاة، وهو قائم، فيقال: إنْ ابتدأ بهم الإمام الصلاة جالسًا؛ صلوا وراءه جلوسًا، وإنْ ابتدأ بهم قائمًا، ثم اعتلَّ فجلس؛ أتموا خلفه قيامًا، وهذا جواب الإمام أحمد، وأصحابه.
الثاني: أن تُحمل أحاديث الأمر بالقعود على الاستحباب، ويُحمل القيام
стр. 1280
الذي في مرض موته على الجواز، وهذا الحمل وجهٌ للحنابلة.
قال أبو عبد الله غفر الله له: وهذا الوجه الثاني أقرب عندي، والله أعلم.
تنبيه: الآثار المتقدمة عن الصحابة: أُسيد بن حُضير، وجابر، وأبي هريرة، وقيس، كلها أخرجها ابن أبي شيبة (٢/ ٣٦٦)، وعبد الرزاق (٢/ ٤٦١)، وابن المنذر في «الأوسط» (٤/ ٢٠٦) بأسانيد صحيحة.
تنبيه آخر: يظهر، والله أعلم: أن الخلاف السابق فيما إذا كان جلوس الإمام عارضًا لمرض طارئ، وأما إن كان الإمام مقعدًا، لا يستطيع القيام باستمرار، فيظهر وجوب القيام على المأمومين في هذه الصورة، وكثير من الفقهاء يرون أن الإمام المقعد باستمرار لا يصلح لإمامة الأصحاء، وهذا غير صحيح، بل تصح إمامته، ولكن يصلي المأمومون خلفه قيامًا، والله أعلم. (١)
стр. 1281
٣٩٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إذَا أَمَّ أَحَدُكُمُ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ؛ فَإِنَّ فِيهِمُ الصَّغِيرَ وَالكَبِيرَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الحَاجَةِ، فَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ فَلْيُصَلِّ كَيْفَ شَاءَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
الحكم المستفاد من الحديث
يستفاد من هذا الحديث وجوب التخفيف في الصلاة على الناس.
وفي «الصحيحين» عن أبي مسعود الأنصاري ﵁: أنَّ رجلًا شكى تطويل إمامه إلى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فغضب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وقال: «يا أيها الناس، إن منكم منفرين، فأيكم أمَّ الناس فليوجز» أخرجه البخاري برقم (٩٠)، ومسلم برقم (٤٦٦).
وتقدم في شرح الحديث رقم (٣٩٤) بيان التخفيف المأمور به، وبالله التوفيق.
стр. 1282
٣٩٧ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ قَالَ: قَالَ أَبِي: جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ حَقًّا، فَقَالَ: «إذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا». قَالَ: فَنَظَرُوا فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَكْثَرَ قُرْآنًا مِنِّي، فَقَدَّمُونِي، وَأَنَا ابْنُ سِتِّ أَوْ سَبْعِ سِنِينَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَأَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. (١)
٣٩٨ - وَعَنِ أَبِي مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى، فَإِنْ كَانُوا فِي القِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا» وَفِي رِوَايَةٍ: «سِنًّا» «وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ (٢) إلَّا بِإِذْنِهِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (٣)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: الأحق بالإمامة .
• ذهب طائفة من أهل العلم إلى تقديم الأفقه، وهو قول عطاء، والثوري، ومالك، والأوزاعي، والشافعي؛ لأنه قد يَنُوبُه في الصلاة ما لا يدري ما يفعل فيه إلا بالفقه؛ فيكون أولى.
• وذهب طائفة من أهل العلم إلى تقديم الأقرأ على الأفقه، وهو قول ابن
стр. 1283
سيرين، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وابن المنذر، ونصَّ أحمد على أنه يُقدَّم الأقرأ إذا كان يعرف ما تحتاج إليه الصلاة من الفقه، وكذلك قال كثير من المحققين من أصحابه، وحكوا مذهبه على هذا الوجه.
واستدل هؤلاء بحديث عمرو بن سلمة، وأبي مسعود اللذَيْنِ في الباب.
وأخرج مسلمٌ أيضًا (٦٧٢)، عن أبي سعيد مرفوعًا: «إذا كانوا ثلاثة؛ فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم»، وفي حديث مالك بن الحويرث في «الصحيحين» (١): «فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآنًا»، وهذه النصوص في محل النزاع.
وقد استدل القائلون بتقديم الأفقه: بتقديم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لأبي بكر مع أنَّ أُبي بن كعب هو أَقرأُ الصحابة.
وأُجِيبَ: بمنع أن يكون أُبي بن كعب أَقرأ من أبي بكر؛ لأنَّ المراد بالأقرأ في الإمامة الأكثر قرآنًا، وأبو بكر يقرأ القرآن كلَّه، فلا مزية لأُبي بن كعب عليه في ذلك، وامتاز أبو بكر بالعلم، والفضل.
وأجاب الإمام أحمد: بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أراد بذلك التنبيه على خلافته.
وقد تأول الشافعي الأحاديث المتقدمة التي نصَّتْ على تقديم الأكثر قرآنًا على أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إنما خاطب أصحابه، وكان أكثرهم قرآنًا أكثرهم فِقهًا؛ فإنَّ قراءتهم كانت علمًا، وعملًا.
стр. 1284
وأُجيب عن هذا بوجهين:
أحدهما: أنَّ هذا خطابٌ عامٌّ للأمة كلها، فلا يختص بالصحابة.
الثاني: أنه فرَّقَ بين الأقرأ، والأعلم بالسُّنَّةِ، وقدم الأقرأ عليه.
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الثاني هو الصواب، ويجب على القارئ أن يتعلم أحكام الصلاة والإمامة، والله أعلم. (١)
مسألة [٢]: إمامة الغلام الذي لم يحتلم .
• في المسألة أربعة أقوال:
الأول: الجواز في الفرض، والنافلة، وهو قول الشافعي، وإسحاق، وأبي ثور، وأحمد في رواية.
الثاني: الكراهة في الفرض، والنافلة؛ لأنه غير مكلف، وهو قول النخعي، وعطاء، والشعبي، ومجاهد، ومالك، والثوري، وأصحاب الرأي.
الثالث: يؤمهم في النَّفْلِ دون الفرض؛ لأن عبادة الطفل تقع نافلةً، رُوي عن الحسن، وهو قول أحمد في رواية.
الرابع: يؤمهم في الفريضة إذا لم يكن معهم شَيْئ من القرآن؛ لموضع الحاجة، وهو قول الزهري، والأوزاعي.
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب؛ لحديث عمرو بن سلمة الذي في الباب. (٢)
стр. 1285
مسألة [٣]: إمامة العبد .
• كرهها جماعةٌ، منهم: أبو مجلز، والضحاك، ومالك، وقال: إلا أن يكون من خلفه أعراب لا يقرؤون.
• وذهب أكثر العلماء إلى ترخيص ذلك، منهم: الشعبي، والنخعي، والحسن، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم.
وهذا القول هو الصواب؛ لعموم حديث: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله»، ولحديث أبي ذر ﵁ في «صحيح مسلم» (٦٤٨)، قال: أوصاني خليلي ﷺ : «أنْ أسمع، وأُطيع، وإنْ كان عبدًا مُجَدَّع الأطراف، وأنْ أُصلي الصلاة لوقتها؛ فإنْ أدركت القوم وقد صلوا كنت قد أحرزت صلاتك، وإلا كانت لك نافلة». وصحَّ عن أبي ذر، وحذيفة، وابن مسعود ﵃، أنهم صلوا خلف أبي سعيد مولى أبي أسيد، وصحَّ عن عائشة ﵂، أنه كان يؤمها غلامها ذكوان. (١)
مسألة [٤]: إمامة الرجل في بيته، ومسجده .
• ذهب أكثر العلماء إلى أنَّ الرجل لا يقدم على رب البيت، وإمام المسجد؛ إلا بإذنه؛ لحديث أبي مسعود في الباب.
وصحَّ عن أبي سعيد مولى أبي أُسيد، قال: بنيت على أهلي وأنا مملوك، فدعوت أُناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ ، فيهم: عبد الله بن مسعود، وأبو ذر،
стр. 1286
وحذيفة، فحضرت الصلاة، فقلت: يتقدم بعضكم، فقالوا: لا، تقدَّمْ أنت أحق. (١)
وظاهر هذا أنه لا يتقدم أحدٌ وإن أَذِنَ؛ لأنه أحق بالإمامة، وهو قول إسحاق.
وجاء فيه حديثٌ عند الترمذي (٣٥٦) وأبي داود (٥٩٦) من حديث مالك ابن الحويرث مرفوعًا: «من زار قومًا فلا يؤمهم، وليؤمهم رجلٌ منهم» وفي إسناده: أبو عطية، قال ابن المديني: لا يُعرَف.
والصواب ما ذهب إليه الجمهور، والله أعلم.
ولا خلاف في أنَّ صاحب البيت أحقُّ بالإمامة، قاله ابن قدامة. (٢)
مسألة [٥]: إذا جاء الإمام الراتب، وقد تقدم أحدٌ، فهل له تأخيره ؟
• في المسألة قولان:
الأول: عدم جواز التأخير، ونقله ابن عبد البر إجماعًا، وحكاه بعض الحنابلة عن أكثر العلماء.
الثاني: الجواز، وهو قول الشافعي، وأحد الوجهين عند الحنابلة، وهو قول ابن القاسم المالكي.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب هو الجواز؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فعلَ ذلك مع أبي بكر الصديق ﵁، في مرض موته.
стр. 1287
ولكن ذلك يُكرهُ في حقِّ غير النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ لِمَا يحدث في القلوب من نفور، وكراهية، إلا أنْ يكون عند قوم كلهم يحبون إمامته، ولا يجد أحد في نفسه من ذلك شيئًا؛ فيكون جائزًا لِمَا تقدَّم، والله أعلم. (١)
стр. 1288
٣٩٩ - وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁، «وَلَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا، وَلَا أَعْرَابِيٌّ مُهَاجِرًا، وَلَا فَاجِرٌ مُؤْمِنًا». وَإِسْنَادُهُ وَاهٍ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: إمامة المرأة الرجل .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٣/ ٣٣): وأما المرأة؛ فلا يصح أنْ يأتم بها الرجل بحالٍ، في فرض، ولا نافلة، في قول عامة الفقهاء، وقال أبو ثور: لا إعادة على من صلَّى خلفها. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب قول الجمهور، وحديث الباب ضعيفٌ، ولكن يُغني عنه قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لن يُفلح قومٌ وَلوا أمرهم امرأة» (٢)، والمؤتمون يولون أمرهم إمامهم. (٣)
مسألة [٢]: إمامة الأعرابي .
الأعرابي هو من لم يُهاجر إلى الأمصار من أهل البادية.
• وقد رخَّصَ في إمامة الأعرابي جمعٌ من أهل العلم، منهم: الثوري، والشافعي،
стр. 1289
وأحمد في المشهور عنه، وإسحاق.
• وكره إمامته أبو مِجْلَز، والشعبي، والحسن، وعطاء، ومالك، وأحمد في رواية.
قلتُ: والراجح جواز إمامة الأعرابي بغيره، ولا دليل على كراهة ذلك؛ إلا أنْ يكون لا يُحسن القراءة، ولا يفقه أحكام الصلاة؛ فلا يؤمهم، والله أعلم. (١)
مسألة [٣]: إمامة الكافر .
• ذهب عامة أهل العلم إلى أنه لا تصح الصلاة خلفه، سواء أظهر كفره، أو أسره.
• وذهب أبو ثور، والمزني إلى أنه إنْ أسرَّ بكفره، ولم يَعلم المأموم بكفره إلا بعد الصلاة؛ فلا إعادة عليه.
ورجَّح هذا الإمام السعدي، والإمام ابن عثيمين رحمة الله عليهما. (٢)
مسألة [٤]: إمامة الفاسق .
• فيها قولان:
الأول: لا تصح الصلاة خلفه، وهو مذهب أحمد في رواية، وقال بعضهم: إنه المشهور من مذهبه.
الثاني: تصح الصلاة خلفه، وهو مذهب الشافعي، وأصحاب الرأي، وكثير
стр. 1290
من المالكية، وأحمد في رواية اختارها جماعة من أصحابه، وعزاه شيخ الإسلام إلى الجمهور.
وهذا القول هو الصواب؛ لأنَّ من صحَّتْ صلاته، صحَّتْ إمامته، إلا ما خصَّه الدليل، ولِأَنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر أبا ذَرٍّ بالصلاة خلف أئمة الجور كما تقدم.
والصحابة ﵃ كانوا يُصلُّون خلف أمراء بني أمية، وخلف الحجاج، وهم فُسَّاقٌ، وقد صوَّب هذا القول الإمام ابن باز، والإمام العثيمين، والإمام الوادعي رحمة الله عليهم.
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٣٥٢ - ٣٥٤): وَلَوْ عَلِمَ الْمَأْمُومُ أَنَّ الْإِمَامَ مُبْتَدِعٌ يَدْعُو إلَى بِدْعَتِهِ، أَوْ فَاسِقٌ ظَاهِرُ الْفِسْقِ، وَهُوَ الْإِمَامُ الرَّاتِبُ الَّذِي لَا تُمْكِنُ الصَّلَاةُ إلَّا خَلْفَهُ، كَإِمَامِ الْجُمُعَةِ، وَالْعِيدَيْنِ، وَالْإِمَامِ فِي صَلَاةِ الْحَجِّ بِعَرَفَةَ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ الْمَأْمُومَ يُصَلِّي خَلْفَهُ عِنْدَ عَامَّةِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَد، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَغَيْرِهِمْ؛ وَلِهَذَا قَالُوا فِي الْعَقَائِدِ: إنَّهُ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ وَالْعِيدَ خَلْفَ كُلِّ إمَامٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا، وَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْقَرْيَةِ إلَّا إمَامٌ وَاحِدٌ؛ فَإِنَّهَا تُصَلَّى خَلْفَهُ الْجَمَاعَاتُ؛ فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِي جَمَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَحْدَهُ، وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ فَاسِقًا.
هَذَا مَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ: أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَغَيْرِهِمَا، بَلْ الْجَمَاعَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى الْأَعْيَانِ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِ أَحْمَد، وَمَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ الْفَاجِرِ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ،
٤٠٠ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «رُصُّوا صُفُوفَكُمْ، وَقَارِبُوا بَيْنَهَا، وَحَاذُوا بِالأَعْنَاقِ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم تسوية الصفوف .
تسوية الصفوف واجبة، ويأثم من قصَّرَ في ذلك؛ لحديث الباب، ولقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لتُسَوُّنَّ صفوفكم أو ليُخَالِفَنَّ الله بين وجوهكم» (٢)، وقوله: «استووا ولا تختلفوا؛ فتختلف قلوبكم». (٣)
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في الفتح (٧١٨): وقد توعد على ترك تسوية الصفوف بالمخالفة بين الوجوه، وظاهره: يقتضي مسخ الوجوه وتحويلها إلى صور الحيوانات أو غيرها، كما قالَ: «أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار - أو صورته صورة حمار». وظاهر هذا الوعيد: يدل على تحريم ما توعد عليهِ. اهـ
وقد بوب البخاري ﵀ في «صحيحه»: (باب إثم من لم يتم الصف). ثم
стр. 1294
استدل بحديث أنس بن مالك، أنه قدم المدينة فقيل له: ما أنكرت منا منذ يوم عهدت رسول الله ﷺ ؟ قال: «ما أنكرت شيئا إلا أنكم لا تقيمون الصفوف».
مسألة [٢]: حث الإمام على تسوية الصفوف .
يُستحَبُّ للإمام أن يحث على تسوية الصفوف، ويأمر بذلك؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يفعله، ويُستحَبُّ له أن يتلفظ بالأقوال التي كان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقولها، وإنْ أتى بمعناها؛ فلا بأس، ما لم يفعله رغبة عن أقوال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، والله أعلم.
مسألة [٣]: كيفية تسوية الصفوف .
ذكر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كما في حديث الباب أنَّ التسوية تحصل بالمحاذاة بالأعناق، وفي حديث آخر ذكر ﵊ أنَّ التسوية تحصل بالمحاذاة بين المناكب كما في «سنن أبي داود» (٦٦٦)، من حديث ابن عمر ﵄: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «حاذوا بين المناكب»، وإسناده صحيح.
وكذلك بيَّن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنَّ التسوية تحصل بالتراص، والتراص: هو التلاصق مع التسوية، قال أنس بن مالك ﵁ كما في «البخاري» (٧٢٥): فكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه بقدمه.
وثبت عن النعمان بن بشير ﵄ أنه قال: فرأيت الرجل يلزق منكبه بمنكب صاحبه، وركبته بركبة صاحبه، وكعبه بكعبه. أخرجه أبو داود (٦٦٢)، وإسناده حسن.
стр. 1295
مسألة [٤]: المقاربة بين الصفوف .
أمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالمقاربة بين الصفوف، وهذا الأمر أقل أحواله أنه يفيد استحباب ذلك.
قال بعض أهل العلم: وذلك يحصل بأن لا يفرق بينهما تفريق كثير بحيث يمكن دخول صف آخر بينهما. قاله صاحب «المرقاة»، وتبعه صاحب «عون المعبود»، وبالله التوفيق.
стр. 1296
بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة
مسألة [١]: الأحق في الصف الأول .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٣/ ٥٧): السُّنَّةُ أَنْ يَتَقَدَّمَ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ أُولُو الْفَضْلِ وَالسِّنِّ، وَيَلِي الْإِمَامَ أَكْمَلُهُمْ وَأَفْضَلُهُمْ. قَالَ أَحْمَدُ: يَلِي الْإِمَامَ الشُّيُوخُ، وَأَهْلُ الْقُرْآنِ، وَتُؤَخَّرُ الصِّبْيَانُ، وَالْغِلْمَانُ، وَلَا يَلُونَ الْإِمَامَ؛ لِمَا رَوَى أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَقُولُ: «لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» (١)، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. اهـ
مسألة [٢]: هل الصبيان يصفون مع الرجال، أم يختصون بصف مؤخر ؟
جاء حديث يتعلق بتأخير الصبيان إلى صف متأخر عقب الرجال، وهو ما أخرجه أحمد (٢٢٨٩٦)، وأبو داود (٦٧٧)، وغيرهما من طريق شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم قال: قال أبو مالك الأشعري ﵁ لقومه: ألا أصلي لكم صلاة رسول الله ﷺ ، فصف الرجال، ثم صف الولدان خلف الرجال، ثم صف النساء خلف الولدان.
وهذا الحديث ضعيف؛ لأنه من طريق شهر بن حوشب، وهو ضعيف.
وقد اعتمد كثير من الفقهاء على هذا الحديث؛ فقالوا بتأخير الصبيان إلى صف
стр. 1297
منفرد عقب صف الرجال، وهو قول جمهور الشافعية، والحنابلة، والحنفية، وهذا القول لم يثبت دليله.
والصحيح أن الصبيان يدخلون مع الرجال في الصفوف، وهو قول المالكية، وبعض الشافعية، ويدل على ذلك حديث ابن عباس ﵄، في الصحيحين: «أقبلت راكبًا على حمار أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله ﷺ يصلي بمنى، فمررت بين يدي بعض الصف، وأرسلت الأتان ترتع، فدخلت في الصف، فلم ينكر ذلك علي».
وأخرج البخاري (١٣٢١) عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ ، مر بقبر قد دفن ليلا، فقال: «متى دفن هذا؟» قالوا: البارحة، قال: «أفلا آذنتموني؟» قالوا: دفناه في ظلمة الليل فكرهنا أن نوقظك. فقام، فصففنا خلفه، قال ابن عباس: وأنا فيهم؛ فصلى عليه.
وقد بوب البخاري ﵀ على هذا الحديث: باب صفوف الصبيان مع الرجال في الجنائز.
وفي «الصحيحين» عن أنس ﵁، قالَ: صليتُ أنا ويتيم في بيتنا خلف النبي ﷺ ، وأمي أم سليمٍ خلفنا.
قال ابن رجب ﵀ في «فتح الباري» (٧٢٧): واستدل أيضًا بحديث أنسٍ هَذا على أنَّ الصبي يقوم في صفِّ الرجال مِن غير كراهةٍ. اهـ
стр. 1298
وقال ابن الملقن ﵀ في كتابه «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» (٢/ ٥٣٢): فيه أن للصبي موقفًا في الصف، وبه قال الجمهور.
قال النووي ﵀ في «شرح مسلم»: وهو الصحيح المشهور من مذهبنا، وعن أحمد كراهته في الفرائض، والمساجد. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح أن الصبي الذي يحسن الصلاة، ويصلي صلاة صحيحة أن له حقًّا في الدخول في الصف مع الرجال كما تدل علىه الأحاديث المتقدمة، والله أعلم.
هذا وإفرادهم في صف واحد فيه مفسدة؛ فإنهم يلعبون في الصلاة ويتخاصمون فيها، ودخولهم مع الرجال في الصفوف يبعد هذه المفسدة عنهم. (١)
مسألة [٣]: هل يؤخر الصبي الذي يحسن الصلاة من الصف الأول إذا سبق إليه ؟
روى النسائي في «سننه» (٨٠٨) بإسناد صحيح عن قيس بن عباد قال: بينا أنا في المسجد في الصف المقدم فجبذني رجل من خلفي جبذة فنحاني، وقام مقامي فوالله ما عقلت صلاتي، فلما انصرف فإذا هو أبي بن كعب فقال: «يا فتى، لا يسؤك الله؛ إن هذا عهد من النبي ﷺ إلينا أن نليه»، ثم استقبل القبلة، فقال: «هلك أهل العقد ورب الكعبة» -ثلاثا- ثم قال: «والله ما عليهم آسى، ولكن آسى على من أضلوا» يعني بأهل العقد: «الأمراء».
стр. 1299
قال المرداوي ﵀ في «الإنصاف» (٢/ ٢٨٥) ط/إحياء التراث: الذي قطع به الإمام ابن رجب في القاعدة الخامسة والثمانين: جواز تأخير الصبي عن الصف الفاضل، وإذا كان في وسط الصف، وقال: صرح به القاضي، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد، وعليه حمل فعل أبي بن كعب بقيس بن عباد. اهـ
قلتُ: وذهب بعض الحنابلة إلى عدم تأخيره كما في «الإنصاف».
قال الإمام العثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (٣/ ١٧ - ١٨): في هذا نظرٌ، بل نقول: إنَّ الصبيان إذا تقدَّموا إلى مكانٍ، فهم أحقُّ به مِن غيرهم؛ لعموم الأدلَّة على أنَّ مَن سبقَ إلى ما لم يسبق إليه أحدٌ فهو أحقُّ به، والمساجدُ بيوتُ الله، يستوي فيها عباد الله، فإذا تقدَّم الصبيُّ إلى الصفِّ الأول -مثلًا- وجَلَسَ فليكنْ في مكانِه، ولأننا لو قلنا بإزاحة الصِّبيان عن المكان الفاضل، وجعلناهم في مكان واحد أدى ذلك إلى لَعبِهم؛ لأنَّهم ينفردون بالصَّفِّ، ثم هنا مشكل، إذا دخل الرِّجالُ بعد أن صفَّ الجماعة هل يُرجعونهم، وهم في الصلاة؟ وإن بَقَوا صفًّا كاملاً فسيُشوِّشون على مَنْ خلفَهم مِن الرِّجَال، ثم إنَّ تأخيرهم عن الصَّفِّ الأول بعد أن كانوا فيه يؤدِّي إلى محذورين:
المحذور الأول: كراهة الصَّبيِّ للمسجدِ؛ لأن الصَّبيَّ -وإنْ كان صبيًّا- لا تحتقره، فالشيء ينطبع في قلبه.
المحذور الثاني: كراهته للرَّجُل الذي أخَّره عن الصَّفِّ.
فالحاصل: أنَّ هذا القولَ ضعيفٌ، أعني: القول بتأخير الصِّبيان عن أماكنهم،
стр. 1300
وأما قوله ﷺ : «لِيَلِني منكم أُولُو الأحلامِ والنُّهى» فمرادُه -صلوات الله عليه وسلامه- حَثُّ البالغين العقلاء على التقدُّم؛ لا تأخير الصِّغار عن أماكنهم. اهـ
قلتُ: ويدل على عدم تأخيره، أن الصحابة قدموا عمرو بن سلمة الجرمي يصلي بهم، وهو ابن ست سنين، أو سبع، وكان أكثرهم قرآنًا، فكيف يؤخر من كان هذا حاله عن الصف الأول؟!.
وقال عبد الرحمن بن القاسم النجدي ﵀ في «حاشيته على الروض المربع» (٢/ ٣٤١): قال بعض الأصحاب: الأفضل تأخير مفضول، وكذا تأخير صبي، واختاره الشيخ، وقطع به ابن رجب، لقصة عمر (١)، وقال أحمد: يكره أن يقوم الصبي مع الناس في المسجد خلف الإمام. وقال في «الفروع»: وظاهر كلامهم في الإيثار بمكانه، وفيمن سبق إلى مكان، ليس له ذلك. أي: تأخير صبيان لبالغين لاتحاد جنسهم، وقاله الحافظ وغيره، واختاره القاضي وغيره، وهو مذهب الشافعي، وعليه عمل الناس، وصوبه في «الإنصاف» وقطع به المجد وغيره، وصرحوا بعدم الإيثار.
وقوله:» ليلني ... «الحديث، لا يتم الاستدلال به على إخراجهم من صفوف الرجال البالغين، إنما فيه تقديم البالغين، أو نوع منهم، وإذا كانوا أقرأ ففيهم أهلية لذلك، واحتمال: أن يكونوا أولى فيعمل بالأحوط، وتقديمه فعل لا يدل على فساد