← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

٤٠٩ - وَعَنْ أُمِّ وَرَقَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهَا أَنْ تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا. رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: حكم صلاة النساء جماعة بينهن . • في هذه المسألة أقوال: الأول: الاستحباب، وهو قول عطاء، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور، وأحمد في رواية، واستدلوا على ذلك بحديث أم ورقة الذي في الباب، وبما جاء عن أم سلمة، وعائشة أنهن كُنَّ يَؤُمَنَّ النساء، وأثر أم سلمة له طريقان يحسَّن بهما كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٢/ ٨٨ - ٨٩)، وأثر عائشة له ثلاثة طرق يُحَسَّن بها كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٢/ ٨٩)، و «مصنف عبدالرزاق» (٣/ ١٤١). الثاني: الكراهة مع الإجزاء، وهو قول الحنفية، وأحمد في رواية. الثالث: الجواز في التطوع، وهو قول الشعبي، والنخعي، وقتادة. الرابع: المنع، وهو قول الحسن، وسليمان بن يسار، ومالك.

стр. 1332

قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب، وهو ترجيح ابن القيم ﵀ في «أعلام الموقعين» (٢/ ٣٥٧)، فقد قال بعد أن ذكر حديث أم ورقة، وأثر عائشة، وأم سلمة: "ولو لم يكن في المسألة إلا عموم قوله ﷺ : «تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة»؛ لَكَفَى". انتهى. قلتُ: ولكن ينبغي أن لا تتكلف الجماعة في حق النساء؛ لأنَّ التكلف في ذلك لم يكن معهودًا، والله أعلم. (١)

стр. 1333

بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة مسألة [١]: إذا صلَّتِ المرأةُ بالنساء، فأين تقوم ؟ • جاء في أثر عائشة ﵂، أنها كانت تؤم النساء، فتقوم وسطهن، وكذلك في أثر أم سلمة، وكلاهما صالح للحجية بطرقه، وقد أخذ بذلك أهل العلم. قال ابن قدامة ﵀: لا نعلم خلافًا بين من رأى لها أن تؤمهن أنها تقوم وسطهن. قلتُ: والواقع وجود الخلاف، فقد خالف ابن حزم في «المحلَّى»، فقال بأنها تتقدم كما يفعل الرجال. قال أبو عبد الله غفر الله له: الأقرب أنها تؤمهن في وسط الصف، كما فعلت عائشة وأم سلمة ﵄ وإن تقدمت كما يصنع الرجال فلا ينكر ذلك والله أعلم. (١) مسألة [٢]: وقوف المرأة مع الرجال في الصف . وقوف المرأة مع الرجال في الصف لغير ضرورة خلاف السنة، وغير مشروع، واختلفوا في بطلان من صلَّى بجوار المرأة على قولين:

стр. 1334

الأول: أنَّ صلاته لا تبطل. وهو قول الشافعي، ومالك، وجماعة من الحنابلة، وعزاه النووي للجمهور. الثاني: أنها تبطل. وهو قول أبي حنيفة، وجماعة من الحنابلة. واختار ابن قدامة ﵀ القول الأول، وهو الذي نختاره، والله أعلم. (١) مسألة [٣]: صلاة المرأة منفردة خلف صف النساء في جماعة النساء . • في هذه المسألة وجهان عند الحنابلة: فمنهم من قال: حكمها حكم صلاة الرجل منفردًا خلف الصف. ومنهم من قال: إنَّ صلاتها تصح؛ لأنَّ المرأة وحدها صف. واختار الشيخ ابن عثيمين ﵀ القول الأول. (٢) مسألة [٤]: خروج المرأة إلى جماعة الرجال في المسجد . • عامة أهل العلم على جواز الخروج إلى المسجد لِتُصلِّيَ جماعة مع الرجال. • ولكن أصبح كثير من أهل العلم يكرهون خروجها؛ لما يحصل من فتنة بخروجها؛ حتى جاء عن عائشة ﵂ كما في «الصحيحين» (٣) أنها قالت: لو يعلم

стр. 1335

رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ما أحدث النساء؛ لَمنَعَهُنَّ المسجد كما مُنِعَتْ نساء بني إسرائيل. • وجاء عن بعض أهل العلم أنه رخَّص للعجائز دون الشابات؛ لما يحصل من فتنة بخروجهن، وهو قول الشافعي، ومالك في رواية، وجمعٍ من الحنابلة. • وجاء عن بعضهم أنه رخَّص لها في الجُمَعِ دون سائر الصلوات، وهو قول مالك في رواية، وجمعٍ من الحنابلة. قال أبو عبد الله غفر الله له: الذي نختاره جواز خروجها إلى المسجد إذا لم تحصل فتنة، وصلاتها في بيتها خير لها، كما في الحديث: «وبيوتهن خير لهن»، وهو قول عامة أهل العلم، والله أعلم. (١) مسألة [٥]: هل يجب عليها استئذان زوجها ؟ قال ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٥/ ٣١٨): لا نعلم خلافًا بين العلماء أنَّ المرأة لا تخرج إلى المسجد إلا بإذن زوجها، وهو قول ابن المبارك، والشافعي، ومالك، وأحمد، وغيرهم. لكن من المتقدمين من كان يكتفي في إذن الزوج بعلمه بخروج المرأة من غير منعٍ. ثم ذكر قصة عاتكة بنت زيد أنها كانت تخرج بعلم عمر، وكانت تقول: لأَخْرُجَنَّ إلا أن تمنعني. فلا يمنعها. (٢)

стр. 1336

مسألة [٦]: هل للزوج أن يمنع امرأته من الخروج، أم لا ؟ • فيها قولان: الأول: أنه لا يجوز له المنع، وهو قول عمر، وابنه عبد الله، وقال به ابن المبارك، ومالك، وغير واحد. الثاني: أنَّ له المنع، حُكي عن الشافعي، وقاله القاضي أبو يعلى من الحنابلة. قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب، ولا ينبغي أن يُخْتَلَف فيه بعد قول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها» (١) متفق عليه عن ابن عمر ﵄. قال الحافظ ابن رجب ﵀: وهذا لابد من تقييده بما إذا لم يَخَفْ فتنةً، أو ضررًا. قلتُ: وفي المسألة قولٌ ثالث، وهو الكراهة، قال به بعض الحنابلة. (٢) تنبيه: إذا خرجت المرأة إلى المسجد؛ فيجب عليها أن تخرج غيرَ مُتطيبة، ولا مُظهِرة زينتها؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ولكن لِيَخْرُجن تَفِلَات»، أخرجه أبو داود (٥٦٥) عن أبي هريرة، وهو في «الصحيح المسند» (١٢٧٦)، ولقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا شهدت إحداكن العشاء الآخرة؛ فلا تَمس طيبًا»، أخرجه مسلم (٤٤٣) عن زينب الثقفية ﵂.

стр. 1337

٤١٠ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَخْلَفَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، يَؤُمُّ النَّاسَ، وَهُوَ أَعْمَى. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُودَاوُد. (١) ٤١١ - وَنَحْوُهُ لِابْنِ حِبَّانَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂. (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين مسألة [١]: حكم إمامة الأعمى . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٣/ ٢٧ - ٢٨): وَأَمَّا الْأَعْمَى فَلَا نَعْلَمُ فِي صِحَّةِ إمَامَتِهِ خِلَافًا، إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ أَنَسٍ، أَنَّهُ قَالَ: مَا حَاجَتُهُمْ إلَيْهِ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: كَيْفَ أَؤُمُّهُمْ وَهُمْ يَعْدِلُونَنِي إلَى الْقِبْلَةِ؟!، وَالصَّحِيحُ عَنْ ابْنِ

стр. 1338

عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَؤُمُّ وَهُوَ أَعْمَى، وَعِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ، وَقَتَادَةُ وَجَابِرٌ. اهـ، ثم ذكر حديث أنس الذي في الباب. قلتُ: أثر أنس، وابن عباس ﵃، أخرجهما ابن المنذر في «الأوسط» (٤/ ١٥٤)، وأثر أنس فيه: زياد النميري، ضعيفٌ، وأثر ابن عباس فيه: عبد الأعلى ابن عامر الثعلبي، وهو ضعيفٌ أيضًا. قال ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (٤/ ١٥٤): وإباحة إمامة الأعمى كالإجماع من أهل العلم، وقد روينا عن ابن عباس أنه أَمَّهُم وهو أعمى، وليس في قول أنس: (ما حاجتهم إليه) نهيًا عن إمامة الأعمى، فيكون اختلافًا. اهـ

стр. 1339

٤١٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، وَصَلُّوا خَلْفَ مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: الصلاة خلف المبتدع، ومستور الحال . قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٣٥١): يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَالجمُعَةَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ خَلْفَ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ مِنْهُ بِدْعَةً، وَلَا فِسْقًا، بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الِائْتِمَامِ أَنْ يَعْلَمَ المَأْمُومُ اعْتِقَادَ إمَامِهِ، وَلَا أَنْ يَمْتَحِنَهُ، فَيَقُولُ: مَاذَا تَعْتَقِدُ؟ بَلْ يُصَلِّي خَلْفَ مَسْتُورِ الْحَالِ. وَلَوْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ فَاسِقٌ، أَوْ مُبْتَدِعٌ؛ فَفِي صِحَّةِ صَلَاتِهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَمَالِكٍ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ الصِّحَّةُ. انتهى المراد. قلتُ: والقول بالصحة هوالصواب، ما لم يكفر ببدعته، والخلاف المذكور هو ما لم يؤد به إلى ترك الجمعة، والجماعة. قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٣٥٣): وَلِهَذَا قَالُوا فِي الْعَقَائِدِ: إنَّهُ يُصَلِّي الجُمُعَةَ وَالْعِيدَ خَلْفَ كُلِّ إمَامٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا، وَكَذَلِكَ إذَا

стр. 1340

لَمْ يَكُنْ فِي الْقَرْيَةِ إلَّا إمَامٌ وَاحِدٌ؛ فَإِنَّهَا تُصَلَّى خَلْفَهُ الجمَاعَاتُ؛ فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِي جَمَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَحْدَهُ، وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ فَاسِقًا، هَذَا مَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ: أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَغَيْرِهِمَا، بَلْ الجمَاعَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى الْأَعْيَانِ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَمَنْ تَرَكَ الجمُعَةَ وَالجمَاعَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ الْفَاجِرِ؛ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَغَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ. اهـ وقال ﵀ (٢٣/ ٣٤٥): وَأَمَّا إِذَا أَمْكَنَ فِعْلُ الجُمُعَةِ وَالجَماعَةِ خَلْفَ البَرِّ؛ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ فِعْلِهَا خَلْفَ الفَاجِرِ، وَحِيْنَئِذٍ فَإِذَا صلَّى خَلْفَ الفَاجِرِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَهُوَ مَوْضِعُ اجْتِهَادٍ لِلْعُلَمَاءِ. اهـ قلتُ: وتقدم نقل الخلاف في ذلك، والصواب صحة صلاته مع الكراهة، والخلاف المتقدم فيما إذا لم يكفر ببدعته. قال شيخ الإسلام ﵀ (٢٣/ ٣٤٥): وَأَمَّا الصَّلَاةُ خَلْفَ مَنْ يَكْفُرُ بِبِدْعَتِهِ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ، فَهُنَاكَ قَدْ تَنَازَعُوا فِي نَفْسِ صَلَاةِ الجُمُعَةِ خَلْفَهُ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ يَكْفُرُ أَمَرَ بِالإِعَادَةِ؛ لِأَنَّها صَلَاةٌ خَلْفَ كَافِرٍ، لَكِنْ هَذِهِ المَسْأَلَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِتَكْفِيْرِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ، وَالنَّاسُ مُضْطَرِبُونَ فِي هَذِهِ المسْأَلَةِ، وَحَقِيْقَةُ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الْقَوْلَ قَدْ يَكُونُ كُفْرًا، فَيُطْلَقُ الْقَوْلُ بِتَكْفِيْرِ صَاحِبِهِ، وَلَكِنَّ الشَّخْصَ المُعَيَّنَ الَّذِي قَالَهُ لَا يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ، حَتَّى تَقُومَ عَلَيْهِ الْحُجَةُّ الَّتِي يَكْفُرُ تَارِكُهَا. اهـ قلتُ: من أصبح كافرًا ببدعته، وثبتت عليه الشروط، وانتفت الموانع، فلا تصح الصلاة خلفه، والله أعلم.

стр. 1341

٤١٣ - وَعَنْ عَلِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الصَّلَاةَ، وَالإِمَامُ عَلَى حَالٍ فَلْيَصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الإِمَامُ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. (١) الحكم المستفاد من الحديث قال الإمام الصنعاني ﵀ في «سبل السلام» (٢/ ٧٢): وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَنْ لَحِقَ بِالْإِمَامِ أَنْ يَنْضَمَّ إلَيْهِ فِي أَيِّ جُزْءٍ كَانَ مِنْ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ، فَإِذَا كَانَ الْإِمَامُ قَائِمًا، أَوْ رَاكِعًا؛ فَإِنَّهُ يَعْتَدُّ بِمَا أَدْرَكَهُ مَعَهُ كَمَا سَلَفَ، فَإِذَا كَانَ قَاعِدًا، أَوْ سَاجِدًا؛ قَعَدَ بِقُعُودِهِ وَسَجَدَ بِسُجُودِهِ، وَلَا يَعْتَدُّ بِذَلِكَ. اهـ

стр. 1342

بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة بِالبَابِ مسألة [١]: ابتداء التطوع بعد إقامة الصلاة . • قال ابن رجب ﵀ في «الفتح»: ولا نعلم خلافًا أنَّ إقامة الصلاة تقطع التطوع فيما عدا ركعتي الفجر. اهـ ثم ذكر الخلاف في ركعتي الفجر، وذكره الشوكاني في «النيل» بأوسع مما ذكره ابن رجب. والصواب من تلك الأقوال: أنه لا يجوز له الدخول في ركعتي الفجر بعد الإقامة، سواء كان في المسجد، أو في البيت بحديث أبي هريرة ﵁ في «صحيح مسلم» (٧١٠): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إذا أُقيمت الصلاة؛ فلا صلاة إلا المكتوبة». قال الشوكاني ﵀: وهو قول أهل الظاهر، ونقله ابن حزم عن الشافعي، وعن جمهور السلف، وكذا قال الخطابي، وحَكى الكراهة عن الشافعي، وأحمد. ثم استظهر الشوكاني قول الظاهرية. مسألة [٢]: إذا أُقيمت وهو في تطوع، فهل يستديمه أم يقطعه ؟ • في المسألة أقوال: الأول: أنه يتم، قال ابن رجب: وهو قول الأكثرين، منهم: النخعي، والثوري،

стр. 1343

والشافعي، وأحمد، وإسحاق، حملًا للنهي على الابتداء دون الاستدامة. الثاني: يقطعها، وهو قول سعيد بن جبير، وأهل الظاهر، وحُكي رواية عن أحمد، قال ابن رجب ﵀: وهي غريبة. الثالث: إنْ أدرك الجماعة أتمها، وإنْ خشي أنْ لا يدركها؛ قطعها، وهو قول أحمد في رواية. الرابع: إنْ أدرك مع الإمام الركعة الأولى؛ أتمها، وإلَّا فيقطعها، وهو قول مالك. قال أبو عبد الله غفر الله له: قول الإمام مالك هو الأقرب عندي إلى الصواب، والله أعلم. (١) مسألة [٣]: الأعذار المبيحة لترك الجماعة . ١ - الأول: المرض. قال ابن المنذر ﵀: ولا أعلم اختلافًا بين أهل العلم أنَّ للمريض أن يتخلف عن الجماعات من أجل المرض. اهـ ودليل ذلك ما ثبت في «البخاري» (٦٦٤)، و «مسلم» برقم (٤١٨) (٩٥)، عن عائشة ﵂: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال في مرض موته: «مُرُوا أبا بكر فليصلِّ بالناس». قال ابن رجب ﵀: وخروج المريض إلى المسجد، ومحاملته أفضل كما خرج

стр. 1344

النبي ﷺ يهادَى بين رجلين، وقد قال ابن مسعود: ولقد كان الرجل يهادَى بين رجلين حتى يُقام في الصف. اهـ ٢ - الثاني: المطر والطين. دليله: حديث ابن عمر ﵄ في «الصحيحين»: أنه قال: إنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة برد، ومطر يقول: «ألا صلوا في الرحال»، وفي رواية: «في الليلة الباردة، أو المطيرة في السفر». وفي «الصحيحين» عن ابن عباس ﵄: أنه أمر مؤذنه يوم الجمعة أن يقول: «صلوا في بيوتكم»، ثم قال: قد فعل ذلك رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وإن الجمعة عزمة عليكم، فكرهت أن أحرجكم فتمشون في الطين، والدحض. ٣ - الثالث: إذا حضر الطعام. وقد تقدم ذكر الأحاديث في ذلك في [باب الخشوع في الصلاة]. قال ابن رجب ﵀: وحاصل الأمر أنه إذا حضر الطعام كان عذرًا في ترك صلاة الجماعة، فيقدم تناول الطعام، وإن خشي فوات الجماعة، ولكن لابد أن يكون له ميل إلى الطعام، ولو كان ميلًا يسيرًا، صرح بذلك أصحابنا وغيرهم، فأما إذا لَمْ يكن لَهُ ميل بالكلية إلى الطعام، فلا معنى لتقديم الأكل عَلَى الصلاة، وقالت طائفة أخرى: يبدأ بالصلاة قَبْلَ الأكل؛ إلا أن تكون نفسه شديدة التوقان إلى الطعام. وهذا مذهب الشَّافِعِيّ، وقول ابن حبيب المالكي، واستدل لَهُ ابن حبان بالحديث الَّذِي فِيهِ التقييد بالصائم، وألحق بِهِ كل من كَانَ شديد التوقان إلى

стр. 1345

الطعام فِي الصلاة؛ لأنه يمنع من كمال الخشوع، بخلاف الميل اليسير. وقالت طائفة أخرى: يبدأ بالصلاة إلا أن يكون الطعام خفيفًا. حكاه ابن المنذر عَن مَالِك، وهذا يحتمل أَنَّهُ أراد أن الخفيف من الطعام يطمع مَعَهُ فِي إدراك الجماعة، بخلاف الطعام الكثير فيختص هَذَا بالعشاء، وهذا بناء عَلَى أن وقت المغرب وقت واحد، كما هُوَ قَوْلِ مَالِك، والشافعي فِي أحد قوليه، ونقل حرب عَن إِسْحَاق أَنَّهُ يبدأ بالصلاة؛ إلا فِي حالين، أحدهما: أن يكون الطعام خفيفًا. والثاني: أن يكون أكله مَعَ الجماعة، فيشق عليهم قيامه إلى الصلاة. وهؤلاء قالوا: إن النَّبِيّ ﷺ أمر بتقديم العشاء عَلَى الصلاة حيث كَانَ عشاؤهم خفيفًا، كما كَانَتْ عادة الصَّحَابَة ﵃ فِي عهد النَّبِيّ ﷺ ، فَلَمْ يتناول أمره غير مَا هُوَ معهود فِي زمنه. ثم قال ﵀: وبكل حال؛ فلا يرخص مَعَ حضور الطعام فِي غير ترك الجماعة، فأما الوقت فلا يرخص بذلك فِي تفويته عِنْدَ جمهور العلماء، ونص عَلِيهِ أحمد وغيره، وشذت طائفة فرخصت فِي تأخير الصلاة عَنِ الوقت بحضور الطعام أَيْضًا، وَهُوَ قَوْلِ بعض الظاهرية، ووجه ضَعِيف للشافعية، حكاه المتولى وغيره. اهـ ٤ - الرابع: إذا احتاج إلى الخلاء. لحديث عائشة ﵂ المتقدم في [باب الخشوع في الصلاة] مرفوعًا: «لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان»، وفي «سنن الترمذي» (١٤٢) من حديث عبدالله بن الأرقم ﵁، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا أُقيمت الصلاة، وأراد أحدكم الخلاء؛ فليبدأ بالخلاء».

стр. 1346

٥ - الخامس: الخوف الشديد. كأن يخشى عدوًّا يريد قتله، أو الاعتداء عليه، أو يخاف من السلطان أن يحبسه ظلمًا. ٦ - السادس: السفر. كأن تقام الصلاة وهو يريد السفر، ويخشى أن ترحل القافلة ولا يلحقها؛ فله ترك الجماعة؛ لأنَّ عليه ضررًا بتخلفه عن القافلة. ٧ - السابع: أن يكون قيّمًا بمريض يخاف ضياعه. لأنَّ حفظ الآدمي آكد من حرمة الجماعة، وفي «البخاري» (٣٩٩٠) عن ابن عمر ﵄: أنه ذكر له أنَّ سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وكان بدريًّا مرض في يوم جمعة، فركب إليه بعد أن تعالى النهار واقتربت الجمعة، وترك الجمعة. ٨ - الثامن: شدة النعاس. لحديث عائشة ﵂ عند البخاري (٢١٢)، ومسلم (٧٨٦): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إذا نعس أحدكم وهو يصلي؛ فليرقد حتى يذهب عنه النوم؛ فإنَّ أحدكم إذا صلَّى وهو ناعس لا يدري لعله يستغفر فيسب نفسه». ٩ - أكل البصل، والكراث، والثوم. ويدل على ذلك حديث جابر في «الصحيحين» أن النبي ﷺ قال: «من أكل ثومًا، أو بصلًا، أو كراثًا؛ فليعتزل مسجدنا»، وفيهما عن أنس وابن عمر ﵃ بنحوه.

стр. 1347

ولا يجوز أكله بدون حاجة؛ قاصدًا بذلك ترك الجماعة. (١) تنبيه: لا تُتْرَك الجماعة، أو الجمعة مطلقًا من الناس جميعًا عند وجود الأعذار العامَّة، كالمطر، والطين، والبرد الشديد، بل يجب على الإمام أن يصلي بمن حضر، وقد بوَّب البخاري في «صحيحه»: [باب هل يصلي الإمام بمن حضر؟ وهل يخطب يوم الجمعة في المطر؟]، ثم ذكر حديث ابن عباس ﵄ عند أن جلس على المنبر يوم الجمعة، وأمر مؤذنَهُ أن يقول: «الصلاة في الرحال»، وقد تقدم الحديث. قال ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٤/ ٩٧): يعني بهذا الباب: أن المطر والطين، وإن كَانَ عذرًا فِي التخلف عَن الجماعة فِي المسجد؛ إلا أَنَّهُ عذر لآحاد النَّاس، وأما الإمام فلا يترك الصلاة لذلك فِي المسجد، ويصلي جماعة فِي المسجد بمن حضر، وكذلك يوم الجمعة لا يترك الخطبة وصلاة الجمعة فِي المسجد بمن حضر فِيهِ إذا كانوا عددًا تنعقد بهم الجمعة، وإنما يباح لآحاد النَّاس التخلف عَن الجمعة والجماعات فِي المطر ونحوه إذا أقيم شعارهما فِي المساجد؛ وعلى هَذَا فلا يبعد أن يكون إقامة الجماعات والجمع فِي المساجد فِي حال الأعذار كالمطر فرض كفاية لا فرض عين، وأن الإمام لا يدعهما، وَهُوَ قريب من قَوْلِ الإمام أحمد فِي الجمعة إذا كَانَتْ يوم عيد: أَنَّهُ يسقط حضور الجمعة عمن حضر العيد، إلا الإمام ومن تنعقد بِهِ الجمعة؛ فتكون الجمعة حينئذ فرض كفاية، والله أعلم، ولا شك أن النَّبِيّ ﷺ كَانَ لا يترك إقامة الجمع فِي المطر، ويدل عَلِيهِ: أَنَّهُ

стр. 1348

لما استسقى للناس عَلَى المنبر يوم الجمعة، ومطروا من ذَلِكَ الوقت إلى الجمعة الأخرى؛ أقام الجمعة الثانية فِي ذَلِكَ المطر حَتَّى شكي إليه كثرة المطر فِي خطبته يومئذ، فدعا اللهَ بإمساك المطر عَن المدينة. اهـ تنبيه آخر: الأعذار المتقدمة هي عذر أيضًا في ترك الجمعة؛ إلا العذر الثالث، وبالله التوفيق.

стр. 1349

بَابُ صَلاةِ المُسَافِرِ وَالمَرِيضِ ٤١٤ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَوَّلُ مَا فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ الحَضَرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) وَلِلْبُخَارِيِّ: ثُمَّ هَاجَرَ، فَفُرِضَتْ أَرْبَعًا، وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى الأَوَّلِ. (٢) زَادَ أَحْمَدُ: إلَّا المَغْرِبَ فَإِنَّهَا وِتْرُ النَّهَارِ وَإِلَّا الصُّبْحَ فَإِنَّهَا تَطُولُ فِيهَا القِرَاءَةُ. (٣) ٤١٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْصُرُ فِي السَّفَرِ وَيُتِمُّ، وَيَصُومُ وَيُفْطِرُ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ (٤)، إلَّا أَنَّهُ مَعْلُولٌ، وَالمَحْفُوظُ عَنْ عَائِشَةَ مِنْ فِعْلِهَا، وَقَالَتْ: إنَّهُ لَا يَشُقُّ عَلَيَّ. أَخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ. (٥)

стр. 1350

٤١٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ اللهَ تَعَالَى يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ (١)، وَفِي رِوَايَةٍ: «كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ». (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث مسألة [١]: حكم قصر الصلاة في السفر . • ذهب جماعة من أهل العلم إلى وجوب القصر، وهو قول الحنفية، والظاهرية، وحماد، والثوري، ومالك في رواية، وحُكِي عن قتادة، والحسن، وعمر بن عبد العزيز، واحتجوا على ذلك بأدلة: ١) حديث عائشة ﵂ الذي في الباب. ٢) حديث ابن عباس ﵄ في مسلم (٦٨٧)، قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيه ﷺ صلاة الحضر أربعًا، وصلاة السفر ركعتين، وصلاة الخوف ركعة. ٣) عن عمر بن الخطاب ﵁، قال: صلاة الجمعة ركعتان، وصلاة الفطر

стр. 1351

ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان محمد ﷺ . رواه أحمد، والنسائي، وابن ماجه. (١) ٤) أثر ابن عباس ﵄، عند ابن المنذر (٤/ ٣٣٤)، أنه قال: من صلَّى في السفر أربعًا، فهو كمن صلَّى في الحضر ركعتين. ٥) أثر ابن عمر ﵄، عند ابن المنذر (٤/ ٣٣٣)، أنه قال: صلاة السفر ركعتان، من خالف السنة كفر. • وذهب جمهور العلماء إلى عدم وجوب القصر، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء:١٠١]. فهذه الآية تدل على أن القصر مباح، ومن لازمه أنَّ الإتمام جائزٌ أيضًا؛ وذلك لأنَّ نفي الجناح يدل على الإباحة. وقد أجيب على استدلال الجمهور بهذه الآية بأنَّ المراد بالقصر فيها إنما هو قصر هيئة الصلاة، لا قصر عددها، وهذا الجواب لا يصح؛ لما أخرجه مسلم في «صحيحه» برقم (٦٨٦) من حديث يعلى بن أمية، أنه سأل عمر بن الخطاب عن هذه الآية، فقال: كيف وقد أمن الناس؟ فقال عمر: عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك؟ فقال: «صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا

стр. 1352

صدقته»، فهذا الحديث يدل دلالة صريحة على أنَّ قصر عدد الصلاة مما هو مرادٌ بالآية؛ لأنَّ قصر العدد هو الذي استمر في حالة الأمن، لا قصر الهيئة، والله أعلم. وأُجيب عن استدلال الجمهور بهذه الآية بأنَّ الآية دليل عليهم؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد قال عند أن سأله عمر: «فاقبلوا صدقته»، والأمر يقتضي الوجوب. وأجاب الجمهور: بأنَّ الأمر للندب؛ لأنه وقع جوابًا لسؤالهم، ولأنَّ الآية تدل على عدم الوجوب؛ لقوله فيها: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾. وأُجيب عن استدلال الجمهور بهذه الآية بأنها دلَّت على إباحة القصر، وقد استُفيدَ الوجوب من أدلة أخرى، وقد تقدمت، فيؤخذ بها لأنَّ فيها زيادة. وأجاب الجمهور على ذلك بما سيأتي إن شاء الله عند الجواب على أدلة القائلين بالقصر. واستدل الجمهور على أنَّ القصر غير واجب بحديث عائشة الذي في الباب، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يقصر في الصلاة، ويتم. وهو حديث باطلٌ، واستدل الجمهور أيضًا على عدم الوجوب: بإتمام عائشة، وعثمان، ولا يُعلم أنَّ أحدًا من الصحابة حكم على صلاتهما بالبطلان، بل كانوا يُصلُّون خلف عثمان. وقال ابن عبد البر ﵀ في «التمهيد»: وفي إجماع الجمهور من الفقهاء على أنَّ المسافر إذا دخل في صلاة المقيمين، فأدرك منها ركعة أنه يلزمه أن يصلي أربعًا، فلو كان فرض المسافر ركعتين لم ينتقل فرضه إلى أربع، كما أنَّ المقيم إذا

стр. 1353

دخل خلف المسافر لم ينتقل فرضه إلى اثنتين، وهذا واضح لمن تدبر وأنصف. اهـ واستدل الجمهور على أنَّ القصر غير واجب بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «صدقة تصدق الله بها عليكم»، فسمَّاها صدقة، والصدقة والرخصة لا يجب العمل بها. وقد ردَّ الجمهور على أدلة القائلين بالوجوب بما يلي: ١) حديث عائشة: «فُرِضت الصلاة ركعتين ركعتين ... ». أُجيب عنه بأجوبة أحسنها إجابة الحافظ في «فتح الباري». قال ﵀ (٣٥٠): وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي -وَبِهِ تَجْتَمِع الْأَدِلَّة السَّابِقَة- أَنَّ الصَّلَوَات فُرِضَتْ لَيْلَة الْإِسْرَاء رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ إِلَّا الْمَغْرِب، ثُمَّ زِيدَتْ بَعْد الْهِجْرَة عَقِب الْهِجْرَة إِلَّا الصُّبْح، ثُمَّ بَعْد أَنْ اِسْتَقَرَّ فَرْض الرُّبَاعِيَّة خُفِّفَ مِنْهَا فِي السَّفَر عِنْد نُزُول الْآيَة السَّابِقَة، وَهِيَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾. قال: فَعَلَى هَذَا المُرَاد بِقَوْلِ عَائِشَة: (فَأُقِرَّتْ صَلَاة السَّفَر)، أَيْ: بِاعْتِبَارِ مَا آلَ إِلَيْهِ الْأَمْر مِنْ التَّخْفِيف، لَا أَنَّهَا اِسْتَمَرَّتْ مُنْذُ فُرِضَتْ، فَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْقَصْر عَزِيمَة. انتهى بتصرف. قلتُ: ويؤيد ما قاله الحافظ حديث أنس بن مالك الكعبي عند أبي داود (٢٤٠٨)، والنسائي (٤/ ١٩٠)، وأحمد (٤/ ٣٤٧)، وغيرهم مرفوعًا: «إنَّ الله وضع شطر الصلاة عن المسافر» وإسناده حسن، فهذا الحديث يدل على أنَّ القصر

стр. 1354

تخفيف حصل بعد أن كانت على المسافر أربعًا، كالمقيم، والله أعلم. ٢) أثر ابن عباس ﵄. قال ابن قدامة ﵀ في «المغني»: وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُ قَوْلِهَا، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ مِنْهَا؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِ فَرْضِ الصَّلَاةِ فِي سِنِّ مَنْ يَعْقِلُ الْأَحْكَامَ، وَيَعْرِفُ حَقَائِقَهَا، وَلَعَلَّهُ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا، أَوْ كَانَ فَرْضُهَا فِي السَّنَةِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا؛ فَإِنَّهَا فُرِضَتْ بِمَكَّةَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ، وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ حِينَ مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ ابْنَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَفِي حَدِيثِهِ مَا اُتُّفِقَ عَلَى تَرْكِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَالْخَوْفُ رَكْعَةٌ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ مَا أَرَادَتْ عَائِشَةُ مِنْ ابْتِدَاءِ الْفَرْضِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَأْمُرْ مَنْ أَتَمَّ بِالْإِعَادَةِ. اهـ قلتُ: ويُحتمل أن يكون ذلك اجتهادًا من ابن عباس ﵄، بدليل أنَّ صلاة الخوف ليست مفروضة ركعة واحدة، وسيأتي بيانه إن شاء الله في صلاة الخوف. ٣) قال ابن قدامة ﵀: وَقَوْلُ عُمَرَ: (تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ)، أَرَادَ بِهَا تَمَامٌ فِي فَضْلِهَا غَيْرُ نَاقِصَةِ الْفَضِيلَةِ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهَا غَيْرُ مَقْصُورَةِ الرَّكَعَاتِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ وَالْإِجْمَاعُ؛ إذْ الْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي الْقَصْرِ وَالْإِتْمَامِ. اهـ قلتُ: ومع ذلك فهو منقطعٌ كما تقدم. ٤) أثر ابن عباس ﵄، من طريق: الضحاك بن مزاحم عنه، والضحاك لم يلق

стр. 1355

ابن عباس؛ فهو منقطعٌ (١)، ضعيفٌ. ٥) أثر ابن عمر ﵄، عند ابن المنذر إسناده ضعيف؛ لأنه من رواية معمر عن قتادة، ولكن أخرجه ابن عبد البر في «التمهيد» (٤/ ٣٧٣)، بإسناد صحيح، ثم قال: الكفر ها هنا كفر النعمة، وليس بكفر يَنْقُل عن المِلَّة، كأنه قال: كفرٌ لنعمة التأسي التي أنعم الله على عباده بالنبي ﷺ ، ففيه الأسوة الحسنة في قبول رخصته، كما في امتثال عزيمته ﷺ .اهـ • ثم اختلف القائلون بعدم وجوب القصر في حكم الإتمام على أقوال: الأول: الإتمام أفضل، وهو قول للشافعي. الثاني: قول من يُسوِّي بينهما، كبعض أصحاب مالك. وهو قول سعيد بن المسيب، وأبي قلابة الجرمي، كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢/ ٤٥٢). الثالث: قول من يقول: القصر أفضل، كقول الشافعي الصحيح، وإحدى الروايتين عن أحمد. الرابع: قول من يقول: الإتمام مكروهٌ، كقول مالك في إحدى الروايتين، وأحمد في الرواية الأخرى. قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٩): وأظهر الأقوال قول من يقول: إنه سُنَّة -يعني القصر-، وإنَّ الإتمام مكروه. اهـ

стр. 1356

قلتُ: وهذا هو الذي اختاره الإمام ابن عثيمين ﵀، وهو الذي نراه أقرب إلى الصواب، والله أعلم. (١) مسألة [٢]: ما هي الصلوات التي تُقصر ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ١٢١): قَالَ ابْنُ المنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنْ لَا يُقْصَرَ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَالصُّبْحِ، وَأَنَّ الْقَصْرَ إنَّمَا هُوَ فِي الرُّبَاعِيَّةِ. اهـ قلتُ: ويدل على ذلك حديث عائشة ﵂ الذي في الباب. (٢) مسألة [٣]: هل يترخص في سفر المعصية بقصر الصلاة، أم لا ؟ • ذهب الشافعي، وأحمد، ومالك إلى جواز القصر في كل سفر؛ إلا سفر المعصية، وعزا النووي هذا القول إلى جماهير العلماء، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:١٧٣]. • وذهب الأوزاعي، والثوري، والمزني، وأبو حنيفة إلى أنه يقصر في كل سفر، حتى في سفر المعصية؛ لعموم الأدلة القاضية بالقصر لمن سافر، وأما قوله تعالى: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾، فقال شيخ الإسلام: قوله ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ حال من اضطر،

стр. 1357

فيجب أن يكون حال اضطراره، وأكله الذي يأكل فيه غير باغٍ، ولا عادٍ؛ فإنه قال: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾، ومعلوم أنَّ الإثم إنما ينفى عن الأكل الذي هو الفعل، لا عن نفس الحاجة إليه، فمعنى الآية: (فمن اضطر، فأكل غير باغٍ، ولا عادٍ)، وهذا يبين أنَّ المقصود أنه لا يبغي في أكله، ولا يتعدى. وهذا القول هو الصواب، وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. فائدة: ثبت عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: لا تقصر الصلاة إلا في حج، أو جهاد. أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٤٦٦)، وعبد الرزاق (٢/ ٥٢٢)، وابن المنذر (٤/ ٣٤٥) بإسناد صحيح. وخالفه غيره من الصحابة منهم ابن عمر، وابن عباس ﵄، كما في المصادر المتقدمة بإسناد صحيح، وعزا ابن المنذر إلى عامة أهل العلم مشروعية ذلك، وهو الصحيح، والله أعلم. (١) مسألة [٤]: هل تُشترط النية في القصر ؟ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، كما في «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٢٠ - ٢١): وَالْعُلَمَاءُ مُتَنَازِعُونَ فِي المُسَافِرِ: هَلْ فَرْضُهُ الرَّكْعَتَانِ؟ وَلَا يَحْتَاجُ قَصْرُهُ إلَى نِيَّةٍ؟ أَمْ لَا يَقْصُرُ إلَّا بِنِيَّةٍ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ، كَأَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَغَيْرُهُ. وَالثَّانِي: قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ الْقَوْلُ الْآخَرُ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ اخْتَارَهُ

стр. 1358

الْخِرَقِيِّ وَغَيْرُهُ. وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ سُنَّةُ النَّبِيِّ ﷺ ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَقْصُرُ بِأَصْحَابِهِ، وَلَا يُعْلِمُهُمْ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ أَنَّهُ يَقْصُرُ، وَلَا يَأْمُرُهُمْ بِنِيَّةِ الْقَصْرِ، وَلِهَذَا لَمَّا سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ نَاسِيًا، قَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ: أَقَصُرَتِ الصَّلَاةُ، أَمْ نَسِيت؟ فَقَالَ: «لَمْ أَنْسَ، وَلَمْ تُقْصَرْ»، قَالَ: بَلَى، قَدْ نَسِيت. وَفِي رِوَايَةٍ: «لَوْ كَانَ شَيْءٌ لَأَخْبَرْتُكُمْ بِهِ»، وَلَمْ يَقُلْ: لَوْ قَصُرَتْ لَأَمَرْتُكُمْ أَنْ تَنْوُوا الْقَصْرَ. وَكَذَلِكَ لَمَّا جَمَعَ بِهِمْ لَمْ يُعْلِمْهُمْ أَنَّهُ جَمَعَ قَبْلَ الدُّخُولِ، بَلْ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ يَجْمَعُ حَتَّى يَقْضِيَ الصَّلَاةَ الْأُولَى، فَعُلِمَ أَيْضًا أَنَّ الْجمْعَ لَا يَفْتَقِرُ إلَى أَنْ يَنْوِيَ حِينَ الشُّرُوعِ فِي الْأُولَى، كَقَوْلِ الْجمْهُورِ، وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ يُوَافِقُ ذَلِكَ. انتهى. قال أبو عبد الله غفر الله له: ما صَوَّبَهُ شيخ الإسلام في هذه المسألة هو الصحيح، وبحثُه مفيد، ليس عليه مزيد. (١)

стр. 1359

بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة مسألة [١]: إذا صلى المسافر خلف من لا يعلم أمقيم هو أم مسافر ؟ إنْ عَرَف بالقرائن أنَّ هذا الإمام مسافر؛ نوى القصر، أو أنه مقيم؛ نوى الإتمام. • وأما إذا لم يعرف: فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه ينوي الإتمام؛ لأنه هو الأصل في الصلاة. • واختار بعضهم أنه ينوي القصر؛ لأنه هو الأصل في صلاة السفر. والذي يظهر: أنه يطلق النية بنية الإمام، وهو قول بعض الشافعية، والحنابلة، والله أعلم. (١) مسألة [٢]: مسافر صلى خلف مقيم، ثم فسدت صلاته، فهل يعيدها تامة، أم يقصرها ؟ • قال الإمام النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٤/ ٣٥٨): فرعٌ: في مذاهبهم في مسافر اقتدى بمقيم، ثم أفسد المأموم صلاته؛ لزمه إعادتها تامة، وبه قال مالك، وأحمد، ورواية عن أبي ثور، وقال الثوري، وأبو حنيفة، وأبو ثور في

стр. 1360

رواية: يقصر. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب أنه يقصر؛ لأنَّ الإتمام إنما كان متابعةً للإمام، فإذا انفرد رجع إلى أصله، والأصل في صلاة المسافر القصر، والله أعلم. (١) مسألة [٣]: إذا نسي صلاةً في حال إقامته، وذكرها في حال سفره ؟ نقل الإمام أحمد، وابن المنذر الإجماع على أنه يصليها تمامًا، صلاة المقيم، وخالف ابن حزم، فقال: يصليها قصرًا؛ لأنَّ ذلك وقتها؛ لحديث أنس في «الصحيحين» (٢): «من نام عن صلاة، أو نسيها؛ فليصلها إذا ذكرها»، وقد قال بعض أهل العلم: إن الحديث دليل على ابن حزم؛ لأنه قال: «فليصلها»، والضمير عائدٌ إلى الصلاة التي فاتته، وهي أربع ركعات، وغاية ما يدل عليه الحديث أنَّ ذلك الوقت يكون وقتها. وقد رجَّح القول الأول الإمام ابن عثيمين ﵀. (٣) مسألة [٤]: إذا نسي الصلاة في حال سفره، وذكرها في حال إقامته ؟ • في هذه المسألة قولان: الأول: يصليها تمامًا، وهو قول أحمد، والأوزاعي، وداود، ورواية عن

стр. 1361

الشافعي، ورجَّحه ابن حزم، واستدل على ذلك بحديث أنس المتقدم، وأما غيره، فقالوا: يُتِمُّها احتياطًا. الثاني: يصليها قصرًا، وهو قول مالك، والثوري، وأصحاب الرأي، والشافعي في القديم، وهو قول الحسن، وحماد؛ لأنَّ الصلاة التي نسيها ركعتان، وفي الحديث المتقدم: «فليصلها أي: الصلاة المنسية إذا ذكرها». قلتُ: الأقرب -والله أعلم- أنه يتمها؛ لأن الأصل فيها هو الإتمام، وإنما قصرت في حال سفره تخفيفًا عليه، وقذ ذهب السفر؛ فترجع إلى أصلها، والله أعلم. (١) مسألة [٥]: إذا دخل وقت الصلاة، وهو مقيم، ثم سافر، فهل له أن يقصر ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٣/ ١٤٣): قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ لَهُ قَصْرَهَا، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّهُ سَافَرَ قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ سَافَرَ قَبْلَ وُجُوبِهَا. اهـ وذكر ابن قدامة خلافًا للحنابلة المتأخرين. مسألة [٦]: إذا صلى المسافر خلف المقيم ؟ • إذا صلَّى المسافر خلف المقيم؛ فإنه يصلي بصلاة المقيم، فيُتِمّها؛ لحديث: «إنما جُعِل الإمام ليؤتم به»، وسواءٌ أدرك الصلاة كاملة، أو ركعة، أو أقل من

стр. 1362

ركعة، وهذا قول الجمهور، وصحَّ ذلك عن ابن عمر، وابن عباس ﵃. • وذهب بعض أهل العلم إلى أنه إذا أدركهم جلوسًا في آخر الصلاة؛ صلَّى ركعتين، وهو قول الحسن، والنخعي، والزهري، وقتادة، ومالك. • وذهب بعض أهل العلم إلى أنه إنْ أدرك ركعتين؛ أجزأته، وهو قول طاوس، والنخعي. وقد تقدم النقل عن مالك، وأحمد في رواية في آخر شرح الحديث رقم (٤٠٧) أنه يجوز للمسافر أن ينوي القصر في هذه الحالة، ولا يلزمه الإتمام. قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب قول الجمهور، ولكن إن نوى القصر فيما إذا أدرك ركعتين أو أقل أجزأه ذلك، والله أعلم. (١) مسألة [٧]: إذا صلَّى المقيم خلف المسافر ؟ نقل ابن المنذر، وابن عبد البر، وابن قدامة عدم الخلاف في أنَّ المقيم يُتِمُّ صلاته، ولا يقصرها، وصحَّ عن عمر ﵁، أنه صلى بالناس، وهو مسافر، ثم قال: أتِمُّوا صلاتكم، فإنَّا قومٌ سُفْرٌ. وثبت ذلك أيضًا عن ابن عمر ﵄، أخرجهما عبد الرزاق (٢/ ٥٤٠) بأسانيد صحيحة. (٢)

стр. 1363

٤١٧ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ، أَوْ فَرَاسِخَ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث معنى الحديث: قال السندي ﵀ في حاشيته على «مسند أحمد» كما في «تحقيق المسند» (١٩/ ٣٣٥): ظاهره أنَّ هذا المقدار مسيرة القصر، لكن أصل هذا الحديث فيما يظهر ما جاء عن أنس في حجة الوداع أنه صلَّى بذي الحليفة ركعتين، فالمراد أنه إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال بنية سفر طويل صلى ركعتين. اهـ قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (١٠٨٦): وحكى النووي أن أهل الظاهر ذهبوا إلى أن أقل مسافة القصر ثلاثة أميال، وكأنهم احتجوا في ذلك بما رواه مسلم، وأبو داود من حديث أنس قال: كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال، أو فراسخ قصر الصلاة. وهو أصح حديث ورد في بيان ذلك وأصرحه، وقد حمله من خالفه على أن المراد به المسافة التي يبتدأ منها القصر، لا غاية السفر. ولا يخفى بُعْد هذا الحمل، مع أن البيهقي ذكر في روايته من هذا الوجه أن يحيى بن يزيد راويه عن أنس قال: سألت أنسًا عن قصر الصلاة، وكنت أخرج إلى الكوفة يعني من البصرة فأصلي ركعتين ركعتين حتى أرجع، فقال أنس: ... ، فذكر الحديث، فظهر أنه سأله عن جواز القصر في السفر، لا عن الموضع الذي يبتدأ القصر منه،

стр. 1364

ثم إن الصحيح في ذلك أنه لا يتقيد بمسافة، بل بمجاوزة البلد الذي يخرج منها، ورده القرطبي بأنه مشكوك فيه فلا يحتج به في التحديد بثلاثة فراسخ؛ فإن الثلاثة أميال مدرجة فيها فيؤخذ بالأكثر. اهـ مسألة [١]: متى يبدأ في القصر ؟ • قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (١٠٨٩): قَالَ اِبْن المنْذِر: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لِمَنْ يُرِيد السَّفَر أَنْ يَقْصُر إِذَا خَرَجَ عَنْ جَمِيع بُيُوت الْقَرْيَة الَّتِي يَخْرُج مِنْهَا، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا قَبْل الْخُرُوج عَنْ الْبُيُوت، فَذَهَبَ الْجمْهُور إِلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مُفَارَقَة جَمِيع الْبُيُوت، وَذَهَبَ بَعْض الْكُوفِيِّينَ إِلَى أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ السَّفَر يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَلَوْ كَانَ فِي مَنْزِله، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِذَا رَكِبَ قَصَرَ إِنْ شَاءَ. وَرَجَّحَ اِبْن الْمُنْذِر الْأَوَّل بِأَنَّهُمْ اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَقْصُر إِذَا فَارَقَ الْبُيُوت، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا قَبْل ذَلِكَ، فَعَلَيْهِ الْإِتْمَام عَلَى أَصْل مَا كَانَ عَلَيْهِ حَتَّى يَثْبُت أَنَّ لَهُ الْقَصْر، قَالَ: وَلَا أَعْلَم النَّبِيّ ﷺ قَصَرَ فِي شَيْء مِنْ أَسْفَاره إِلَّا بَعْد خُرُوجه عَنْ الْمَدِينَة. اهـ. (١) وقد ثبت عن علي بن أبي طالب، وعلَّقه البخاري في «صحيحه»، باب (٥) من كتاب تقصير الصلاة، أنه كان في سفر، فقصر بأصحابه، وهم يرون البيوت، ثم رجع من سفره فقصر بهم وهم يرون البيوت. أخرجه عبد الرزاق، وابن المنذر وغيرهما. وثبت عن ابن عمر ﵄، أنه كان يقصر إذا خرج من بيوت المدينة من طريقين يشهد أحدهما للآخر. (٢)

стр. 1365

٤١٨ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ إلَى مَكَّةَ، فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعْنَا إلَى المَدِينَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. (١) ٤١٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ تِسْعَةَ عَشَرَ (يَوْمًا) (٢) يَقْصُرُ. وَفِي لَفْظٍ: بِمَكَّةَ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (٣) وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد: سَبْعَ عَشْرَةَ (٤)، وَفِي أُخْرَى: خَمْسَ عَشْرَةَ. (٥) ٤٢٠ - وَلَهُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁: ثَمَانِيَ عَشْرَةَ. (٦)

стр. 1366

٤٢١ - وَلَهُ عَنْ جَابِرٍ ﵁: أَقَامَ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ. وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ؛ إلَّا أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي وَصْلِهِ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين مسألة [١]: إذا أقام المسافر ببلدٍ، فهل يقصر، أم يُتِم ؟ • هذه المسألة تُعتبر أصعب مسائل هذا الباب، وقد اختلف العلماء فيها اختلافًا كثيرًا، ونذكر هاهنا أشهر الأقوال في المسألة: القول الأول: إذا عزم على إقامة خمسة عشر يومًا؛ أتم الصلاة، ثبت هذا عن ابن عمر ﵄، بمجموع بعض الطرق كما في «الأوسط» (٤/ ٣٥٥)، وابن أبي شيبة (٢/ ٤٥٥)، وقال بهذا القول أصحاب الرأي، والثوري، وهو قول المزني من الشافعية. القول الثاني: إذا عزم على إقامة اثني عشر يومًا فأكثر؛ أتم الصلاة، ثبت هذا القول عن ابن عمر ﵄، كما في «الأوسط» (٤/ ٣٥٥)، بإسناد حسنٍ، وكان هذا آخر أمره، كما بينه نافع، كما في الأوسط، وهو قول عبيدالله بن عبدالله بن عتبة، والأوزاعي.

стр. 1367

القول الثالث: إذا عزم على إقامة تسعة عشر يومًا؛ أتمَّ، وإن كان دونها قصر، صحَّ هذا عن ابن عباس ﵄، وقال به إسحاق بن راهويه. القول الرابع: إذا عزم على إقامة عشرة أيام؛ أتَمَّ، وهو قول الحسن بن صالح، ومحمد بن علي. وثبت هذا القول عن ابن عمر ﵄، كما في «الأوسط»، وجاء عن ابن عباس ﵄، كما في «الأوسط»، وفي إسناده ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف. القول الخامس: إذا عزم على إقامة أربعة أيام؛ أتمَّ، وإن كان دونها؛ قَصَرَ، وهذا قول ابن المسيب في رواية، والشافعي، ومالك، وأبي ثور، إلا أنَّ الشافعي لا يعد منها يوم الدخول، ويوم الخروج. القول السادس: إذا عزم على إقامة أكثر من أربعة أيام؛ أتمَّ، وهو قول أحمد، وداود، وعن أحمد رواية إنْ عزم على (٢١) صلاةً؛ أتمَّ، وهذه الرواية لا تبعد عن الرواية الأولى، واختارها ابن المنذر. القول السابع: أنَّ المسافر لا يزال مسافرًا، وإنْ أقام في بلد؛ مالم يستوطن ذلك البلد، أو ينوِ به إقامةً مطلقةً، وهذا القول اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ورجَّحه الإمام ابن عثيمين ﵀، وقد استند شيخ الإسلام لهذا المذهب على بعض الآثار، وهي ما ثبت عن ابن عباس ﵄، بإسناد صحيح عند ابن المنذر (٤/ ٣٥٩)، وابن أبي شيبة (٢/ ٤٥٣)، عن ابن عباس ﵄، أنَّ أبا جمرة الضُّبَعِي قال له: إِنَّا نُطيل المقام بالغزو في خراسان، فكيف ترى؟ قال: صَلِّ ركعتين، وإنْ أقمت عشر سنين. وصحَّ عنه عندهما أيضًا أنه قال: إنْ أقمت في بلدة خمسة أشهر،

стр. 1368

فاقصر الصلاة. وصحَّ عن أنس بن مالك ﵁، أنه أقام بنيسابور سنةً، أو سنتين يُصلِّي ركعتين. أخرجه ابن المنذر (٤/ ٣٦٠)، وابن أبي شيبة (٢/ ٤٥٤)، وإسناده صحيح. وثبت عن سعد بن أبي وقاص أنه أقام بِعُمان شهرين يقصر الصلاة، أخرجه أيضًا ابن المنذر، وابن أبي شيبة، وثبت عن عبد الرحمن بن سمرة أنه أقام بكابل شتوة، أو شتوتين، يصلي ركعتين. أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٤٥٤)، وثبت عن ابن عمر ﵄، أنه أقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة، حبسه الثلج. أخرجه البيهقي. قال أبو عبد الله غفر الله له: هذه المسألة ليس فيها نَصٌّ صريح يُعتمد عليه، ولكن أقرب هذه الأقوال إلى الصواب -والله أعلم- هو القول السادس؛ وذلك لأنَّ المسافر إذا عزم على الإقامة أصبح مُقيمًا. ومما يدل على ذلك أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رخَّص للمهاجر إقامة ثلاثة أيام في بلده. أخرجاه في «الصحيحين» (١) من حديث العلاء بن الحضرمي، ولو كانت إقامة المهاجر أربعة أيام، أو أكثر، لا تجعله مُقيمًا لما حُرِّم عليه البقاء. وقوله: (رخَّص) يدل على أنَّ هذه تُعتبر إقامة، ولكنه رُخِّصَ فيها، وعلى هذا: فمن أقام فهو مقيم، والمقيم عليه أن يُتمَّ الصلاة، ولكن صحَّ عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في

стр. 1369

«الصحيحين» (١) أنه أقام في حجة الوداع أربعة أيام، وهو يقصر الصلاة؛ فإنه وصل مكة صبيحة الرابع من ذي الحجة، ثم أقام بها إلى صبيحة الثامن، فهذا يدل على أنَّ من عزم على إقامة أربعة أيام فحكمه حكم المسافر، فإذا زاد على هذه المدة فحكمه حكم المقيم على الأصل، والله أعلم. وهذا القول رجَّحه الإمام ابن باز ﵀، وهو اختيار الشيخ يحيى حفظه الله. وأما القائلون بتحديد خمسة عشر يومًا، فليس عندهم ما يعتمد عليه إلا أثر ابن عمر ﵄، وقد جاء عن ابن عمر خلاف ذلك، وأمَّا رواية: «أقام بمكة خمسة عشر يومًا» فقد تقدم أنها ليست صحيحة. وأما القائلون بتحديد تسعة عشر يومًا، فاستندوا إلى حديث ابن عباس ﵄، الذي في الباب، وليس لهم فيه دلالة؛ لأنَّ الظاهر من الحديث أنَّ هذه الفترة أقامها النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- غيرَ عازم على إقامتها، بل وقعت اتفاقًا من غير قصد. وأما القائلون بتحديد عشرة أيام؛ فحجتهم حديث أنس الذي في الباب، وهو في «الصحيحين»، وفيه زيادة: (قلت لأنس: كم أقمتم بها؟ قال: عشرًا)، لكن قال الإمام أحمد، وغيره: ليس لحديث أنس وجه؛ إلا أنه حسب أيام إقامته ﷺ في حجته منذ دخل مكة إلى أن خرج منها، لا وجه له إلا هذا.

стр. 1370

وأما ما ذهب إليه شيخ الإسلام؛ فلا يستقيم من حيث اللغة؛ لأنَّ من عزم إقامة سنة مثلًا، أو سنتين، أو أكثر؛ فإنه ليس بضارب في الأرض، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾، وهذا لا يُعدُّ ضاربًا في الأرض، شرعًا، ولا لغةً، ولا عُرْفًا. وأما الآثار المذكورة؛ فقد جاء عن ابن عباس ﵄، التحديد بتسعة عشر يومًا كما في «البخاري»، وجاء عن ابن عمر ﵄، التحديد باثني عشر يومًا، فهذا يدل على أنَّ الآثار المذكورة عنهما ليس المراد بها أنهم عزموا على إقامة تلك المدة، بل ذلك في حقِّ من لم يعزم على الإقامة. وكذلك سعد بن أبي وقاص، قد ثبت في «الصحيحين» (١) عنه أنه عند أنْ وَلِيَ الكوفة، وأقام بها كان يصلي تمامًا، فهذا يدل على أنه في تلك الواقعة لم يَعزِم على الإقامة، وكذلك الآثار الأخرى تُحمل على أنهم لم يعزموا على الإقامة، وهذا يحصل في الجهاد؛ فإنَّ المجاهد إنما يريد أن يفتح تلك البلدة، ثم ينصرف، ومما ينبه عليه أن أثر أنس، وعبد الرحمن بن سمرة من طريق الحسن عنهما، وقد عنعن، وهو مدلس. ولْيُعْلَم أيضًا أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قد تردد في المسألة في بعض المواضع، فقد قال كما في «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ١٧): إذا نوى أن يُقيم بالبلد
следующие страницы →