← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

٤٢١ - وَلَهُ عَنْ جَابِرٍ ﵁: أَقَامَ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ. وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ؛ إلَّا أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي وَصْلِهِ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين مسألة [١]: إذا أقام المسافر ببلدٍ، فهل يقصر، أم يُتِم ؟ • هذه المسألة تُعتبر أصعب مسائل هذا الباب، وقد اختلف العلماء فيها اختلافًا كثيرًا، ونذكر هاهنا أشهر الأقوال في المسألة: القول الأول: إذا عزم على إقامة خمسة عشر يومًا؛ أتم الصلاة، ثبت هذا عن ابن عمر ﵄، بمجموع بعض الطرق كما في «الأوسط» (٤/ ٣٥٥)، وابن أبي شيبة (٢/ ٤٥٥)، وقال بهذا القول أصحاب الرأي، والثوري، وهو قول المزني من الشافعية. القول الثاني: إذا عزم على إقامة اثني عشر يومًا فأكثر؛ أتم الصلاة، ثبت هذا القول عن ابن عمر ﵄، كما في «الأوسط» (٤/ ٣٥٥)، بإسناد حسنٍ، وكان هذا آخر أمره، كما بينه نافع، كما في الأوسط، وهو قول عبيدالله بن عبدالله بن عتبة، والأوزاعي.

стр. 1367

القول الثالث: إذا عزم على إقامة تسعة عشر يومًا؛ أتمَّ، وإن كان دونها قصر، صحَّ هذا عن ابن عباس ﵄، وقال به إسحاق بن راهويه. القول الرابع: إذا عزم على إقامة عشرة أيام؛ أتَمَّ، وهو قول الحسن بن صالح، ومحمد بن علي. وثبت هذا القول عن ابن عمر ﵄، كما في «الأوسط»، وجاء عن ابن عباس ﵄، كما في «الأوسط»، وفي إسناده ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف. القول الخامس: إذا عزم على إقامة أربعة أيام؛ أتمَّ، وإن كان دونها؛ قَصَرَ، وهذا قول ابن المسيب في رواية، والشافعي، ومالك، وأبي ثور، إلا أنَّ الشافعي لا يعد منها يوم الدخول، ويوم الخروج. القول السادس: إذا عزم على إقامة أكثر من أربعة أيام؛ أتمَّ، وهو قول أحمد، وداود، وعن أحمد رواية إنْ عزم على (٢١) صلاةً؛ أتمَّ، وهذه الرواية لا تبعد عن الرواية الأولى، واختارها ابن المنذر. القول السابع: أنَّ المسافر لا يزال مسافرًا، وإنْ أقام في بلد؛ مالم يستوطن ذلك البلد، أو ينوِ به إقامةً مطلقةً، وهذا القول اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ورجَّحه الإمام ابن عثيمين ﵀، وقد استند شيخ الإسلام لهذا المذهب على بعض الآثار، وهي ما ثبت عن ابن عباس ﵄، بإسناد صحيح عند ابن المنذر (٤/ ٣٥٩)، وابن أبي شيبة (٢/ ٤٥٣)، عن ابن عباس ﵄، أنَّ أبا جمرة الضُّبَعِي قال له: إِنَّا نُطيل المقام بالغزو في خراسان، فكيف ترى؟ قال: صَلِّ ركعتين، وإنْ أقمت عشر سنين. وصحَّ عنه عندهما أيضًا أنه قال: إنْ أقمت في بلدة خمسة أشهر،

стр. 1368

فاقصر الصلاة. وصحَّ عن أنس بن مالك ﵁، أنه أقام بنيسابور سنةً، أو سنتين يُصلِّي ركعتين. أخرجه ابن المنذر (٤/ ٣٦٠)، وابن أبي شيبة (٢/ ٤٥٤)، وإسناده صحيح. وثبت عن سعد بن أبي وقاص أنه أقام بِعُمان شهرين يقصر الصلاة، أخرجه أيضًا ابن المنذر، وابن أبي شيبة، وثبت عن عبد الرحمن بن سمرة أنه أقام بكابل شتوة، أو شتوتين، يصلي ركعتين. أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٤٥٤)، وثبت عن ابن عمر ﵄، أنه أقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة، حبسه الثلج. أخرجه البيهقي. قال أبو عبد الله غفر الله له: هذه المسألة ليس فيها نَصٌّ صريح يُعتمد عليه، ولكن أقرب هذه الأقوال إلى الصواب -والله أعلم- هو القول السادس؛ وذلك لأنَّ المسافر إذا عزم على الإقامة أصبح مُقيمًا. ومما يدل على ذلك أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رخَّص للمهاجر إقامة ثلاثة أيام في بلده. أخرجاه في «الصحيحين» (١) من حديث العلاء بن الحضرمي، ولو كانت إقامة المهاجر أربعة أيام، أو أكثر، لا تجعله مُقيمًا لما حُرِّم عليه البقاء. وقوله: (رخَّص) يدل على أنَّ هذه تُعتبر إقامة، ولكنه رُخِّصَ فيها، وعلى هذا: فمن أقام فهو مقيم، والمقيم عليه أن يُتمَّ الصلاة، ولكن صحَّ عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في

стр. 1369

«الصحيحين» (١) أنه أقام في حجة الوداع أربعة أيام، وهو يقصر الصلاة؛ فإنه وصل مكة صبيحة الرابع من ذي الحجة، ثم أقام بها إلى صبيحة الثامن، فهذا يدل على أنَّ من عزم على إقامة أربعة أيام فحكمه حكم المسافر، فإذا زاد على هذه المدة فحكمه حكم المقيم على الأصل، والله أعلم. وهذا القول رجَّحه الإمام ابن باز ﵀، وهو اختيار الشيخ يحيى حفظه الله. وأما القائلون بتحديد خمسة عشر يومًا، فليس عندهم ما يعتمد عليه إلا أثر ابن عمر ﵄، وقد جاء عن ابن عمر خلاف ذلك، وأمَّا رواية: «أقام بمكة خمسة عشر يومًا» فقد تقدم أنها ليست صحيحة. وأما القائلون بتحديد تسعة عشر يومًا، فاستندوا إلى حديث ابن عباس ﵄، الذي في الباب، وليس لهم فيه دلالة؛ لأنَّ الظاهر من الحديث أنَّ هذه الفترة أقامها النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- غيرَ عازم على إقامتها، بل وقعت اتفاقًا من غير قصد. وأما القائلون بتحديد عشرة أيام؛ فحجتهم حديث أنس الذي في الباب، وهو في «الصحيحين»، وفيه زيادة: (قلت لأنس: كم أقمتم بها؟ قال: عشرًا)، لكن قال الإمام أحمد، وغيره: ليس لحديث أنس وجه؛ إلا أنه حسب أيام إقامته ﷺ في حجته منذ دخل مكة إلى أن خرج منها، لا وجه له إلا هذا.

стр. 1370

وأما ما ذهب إليه شيخ الإسلام؛ فلا يستقيم من حيث اللغة؛ لأنَّ من عزم إقامة سنة مثلًا، أو سنتين، أو أكثر؛ فإنه ليس بضارب في الأرض، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾، وهذا لا يُعدُّ ضاربًا في الأرض، شرعًا، ولا لغةً، ولا عُرْفًا. وأما الآثار المذكورة؛ فقد جاء عن ابن عباس ﵄، التحديد بتسعة عشر يومًا كما في «البخاري»، وجاء عن ابن عمر ﵄، التحديد باثني عشر يومًا، فهذا يدل على أنَّ الآثار المذكورة عنهما ليس المراد بها أنهم عزموا على إقامة تلك المدة، بل ذلك في حقِّ من لم يعزم على الإقامة. وكذلك سعد بن أبي وقاص، قد ثبت في «الصحيحين» (١) عنه أنه عند أنْ وَلِيَ الكوفة، وأقام بها كان يصلي تمامًا، فهذا يدل على أنه في تلك الواقعة لم يَعزِم على الإقامة، وكذلك الآثار الأخرى تُحمل على أنهم لم يعزموا على الإقامة، وهذا يحصل في الجهاد؛ فإنَّ المجاهد إنما يريد أن يفتح تلك البلدة، ثم ينصرف، ومما ينبه عليه أن أثر أنس، وعبد الرحمن بن سمرة من طريق الحسن عنهما، وقد عنعن، وهو مدلس. ولْيُعْلَم أيضًا أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قد تردد في المسألة في بعض المواضع، فقد قال كما في «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ١٧): إذا نوى أن يُقيم بالبلد

стр. 1371

أربعة أيام فما دونها؛ قصر الصلاة، وإنْ كان أكثر ففيه نزاعٌ، والأحوط أن يُتمَّ الصلاة. اهـ (١) مسألة [٢]: إذا أقام ببلدٍ لحاجة يتوقعها قبل أربعة أيام ؟ قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٤/ ٣٦٥): أمَّا إذا أقام في بلد لانتظار حاجة يتوقعها قبل أربعة أيام، فقد ذكرنا أنَّ الأصح عندنا أنه يقصر إلى ثمانية عشر يومًا. وقال أبوحنيفة ومالك وأحمد: يقصر أبدًا. وقال أبو يوسف ومحمد: هو مقيم. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب قول مالك، وأحمد، وعليه تحمل الآثار الواردة عن الصحابة في القصر في أكثر من أربعة أيام، التي تقدم ذكرها في المسألة السابقة، والله أعلم. مسألة [٣]: صلاة الملَاّح في السفينة . إنْ كان له مسكن يسكنه في البر؛ فحكمه حكم المسافر بدون إشكال، واختلفوا فيما إذا كانت السفينة مَسْكَنَهُ، ومعه أهله، وليس له مأوى في البر. • فذهب أحمد، وعطاء إلى أنَّ حكمه حكم المقيم؛ فيتم، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.

стр. 1372

• وذهب الشافعي، ومالك، ومحمد بن الحسن، وأبو ثور، إلى أنَّ له القصر؛ لأنَّه مسافر، لكن قال الإمام الشافعي: أُحِبُّ له أن يُتم احتياطًا. قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب أنَّ له القصر؛ لأنه ما زال مسافرًا، ولا شك أنَّ له بلد إقامة، وإنْ أتمها احتياطًا كما قال الشافعي؛ فهو أفضل، والله أعلم. (١) مسألة [٤]: إذا مرَّ ببلدة له فيها أهل، ودار، فهل يتم، أم يقصر ؟ • في هذه المسألة أقوال: القول الأول: أنه يتم، صحَّ هذا القول عن ابن عباس ﵄، فقد أخرج عبد الرزاق (٢/ ٥٢٤)، بإسناد صحيح عن ابن عباس، أنه قال: إذا قدمت على أهلٍ لك، أو ماشية؛ فأتم الصلاة. وهذا قول أحمد، وعنه رواية أنه قال: يُتم؛ إلا أن يكون مارًّا. القول الثاني: إذا أراد أن يقيم بها يومًا وليلة؛ أتمَّ، وإلا قصر، وهو قول مالك. القول الثالث: إذا أقام بها أربعة أيام؛ يتم، وإلا فيقصر، وهو قول الشافعي، وابن المنذر. قال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح -والله أعلم- القول الأول، وإنْ مرَّ مرورًا ولم يمكث فالأقرب أنه يقصر، وبالله التوفيق. (٢)

стр. 1373

مسألة [٥]: إذا شرع في الصلاة، وهو مسافر، ثم أقام، وكذا العكس ؟ قال الإمام أبو محمد بن حزم ﵀ في «المحلى» (٥١٦): ومن ابتدأ صلاة وهو مقيم، ثم نوى فيها السفر، أو ابتدأها وهو مسافر ثم نوى فيها أن يقيم أتم في كلا الحالين. برهان ذلك ما ذكرناه من أن الإقامة غير السفر، وأنه لا يخرج عن حكم الإقامة مما هو إقامة؛ إلا ما أخرجه نَصٌّ، فهو إذا نوى في الصلاة سفرًا فلم يسافر بعد، بل هو مقيم، فله حكم الإقامة، وإذا افتتحها وهو مسافر؛ فنوى فيها الإقامة؛ فهو مقيم بعدُ، لا مسافر؛ فله أيضًا حكم الإقامة؛ إذ إنما كان له حكم السفر بالنص المخرج لتلك الحال عن حكم الإقامة، فإذا بطلت تلك الحال ببطلان نيته صار في حال الإقامة، وبالله تعالى التوفيق. اهـ وهذا الذي قرره ابن حزم هو مذهب الحنابلة كما في «المغني» (٣/ ١٤٢)، والشافعية كما في «شرح المهذب» (٤/ ٣٥٢)، بل قال النووي: بل نقل الشيخ أبو حامد وغيره إجماع المسلمين على هذا. اهـ

стр. 1374

٤٢٢ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إلَى وَقْتِ العَصْرِ، ثُمَّ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) وَفِي رِوَايَةٍ الْحَاكِمِ فِي الأَرْبَعِينَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: صَلَّى الظُّهْرَ، وَالعَصْرَ ثُمَّ رَكِبَ. (٢) وَلِأَبِي نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجِ مُسْلِمٍ: كَانَ إذَا كَانَ فِي سَفَرٍ، فَزَالَتِ الشَّمْسُ صَلَّى الظُّهْرَ، وَالعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ ارْتَحَلَ. (٣)

стр. 1375

٤٢٣ - وَعَنْ مُعَاذٍ ﵁ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَكَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ، وَالعَصْرَ جَمِيعًا، وَالمَغْرِبَ، وَالعِشَاءَ جَمِيعًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث مسألة [١]: الجمع بين الصلاتين في السفر . أجمع أهل العلم على أنَّ الجمع يكون في صلاة الظهر مع صلاة العصر، وفي صلاة المغرب مع صلاة العشاء، ولا يجمع بين غيرها، نقل الإجماع النووي وغيره. • واختلفوا في جواز الجمع المذكور في السفر على ثلاثة أقوال: القول الأول: جواز الجمع بين الظهر، والعصر، وكذلك المغرب والعشاء، سواء كان جمع تقديم، أو جمع تأخير، وهذا قول جمهور العلماء، منهم: أحمد، والشافعي، ومالك، وجماعة من الصحابة والتابعين، واستدلوا بحديث أنس ﵁، الذي في الباب، وكذلك حديث معاذ، وفي «الصحيحين» (٢) عن ابن عمر ﵄، قال: كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إذا أعجله السير في السفر أخَّرَ صلاة المغرب حتى يجمع

стр. 1376

بينها، وبين العشاء حين يغيب الشَّفَق. وفي الباب أحاديث أخرى. القول الثاني: جواز جمع التأخير دون جمع التقديم، وهو قول أحمد في رواية، وابن حزم، ورُوي عن مالك؛ لأن أدلة جمع التقديم لا تخلو من ضعفٍ. القول الثالث: لا يجمع في السفر، لا جمع تقديم، ولا تأخير، وهو قول الحسن، وابن سيرين، والنخعي، وأصحاب الرأي؛ لأنَّ لكل صلاة وقتًا محدودًا؛ فلا يجوز أن يصلي الصلاة خارج وقتها المحدود لها. قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب هو القول الأول، وأما جمع التقديم؛ فهو ثابت في «الصحيح» (١)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- جمعَ قبل ذهابه إلى عرفة بين الظهر، والعصر، وما ثبت وجاز في يوم عرفة؛ جاز في غيره. وأما قول أصحاب الرأي؛ فهو قول باطل؛ لأنَّ أدلة المواقيت عامَّة، وأدلة الجمع خاصَّة، ولا تعارض بين عام وخاص، بل العام يُخَصُّ بالنص الخاص، والله أعلم. (٢) مسألة [٢]: هل يجمع المسافر النازل، أم هو خاص بالسائر ؟ • ذهب مالك ﵀ إلى أنَّ المسافر يجمع إذا كان على سير؛ لحديث ابن عمر ﵄، المتقدم في المسألة السابقة. • وأما إذا كان نازلًا؛ فلا يجمع، بل يصلي كل صلاة في وقتها كما فعل النبي

стр. 1377

-صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بمِنَى، وهو قول الليث. • وذهب جمهور العلماء إلى جواز الجمع للنازل؛ لحديث معاذ في «صحيح مسلم» (١)، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فكان يجمع الصلاة، فصلَّى الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا، حتى إذا كان يومًا أخَّرَ الصلاة، ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل، ثم خرج، فصلى المغرب والعشاء جميعًا. قال ابن عبد البر ﵀ كما في «الفتح» (١١١٢): فِي هَذَا أَوْضَح دَلِيل عَلَى الرَّدّ عَلَى مَنْ قَالَ: لَا يَجْمَع إِلَّا مَنْ جَدَّ بِهِ السَّيْر. وَهُوَ قَاطِع للِالْتِبَاسِ. اهـ وقال الشافعي ﵀ في «الأم»: قَوْلُه: دَخَلَ، ثُمَّ خَرَجَ. لَا يَكُونُ إِلَّا وَهُوَ نَازِلٌ، فَلِلْمُسَافِرِ أَنْ يَجْمَعَ نَازِلًا وَمُسَافرًا. اهـ والصواب قول الجمهور، وما استدل به مالك يدل على جواز الأمرين، لا على عدم جواز الجمع للنازل، والله أعلم. (٢) مسألة [٣]: هل تشترط النية للجمع بين الصلاتين ؟ • الخلاف في هذه المسألة كالخلاف المتقدم في مسألة النية للقصر، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ﵀، وقد تقدم الكلام على ذلك. والراجح عدم اشتراط النية، وراجع ما تقدم ذكره في المسألة المذكورة. (٣)

стр. 1378

مسألة [٤]: هل يُشترط الترتيب بين الصلاتين في الجمع ؟ اشترط أهل العلم للجمع بين الصلاتين الترتيب؛ لأنه هو الذي فعله رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، ولو بدأ بالثانية لم تصح، ويجب إعادتها بعد الأولى جامعًا. قال النووي ﵀ (٤/ ٣٧٤): ولو صلى الأولى، ثم الثانية، فبان فساد الأولى؛ فالثانية فاسدة أيضًا، ويعيدهما جميعًا جامعًا. اهـ قلتُ: وهو مذهب جمهور الحنابلة، وذهب بعض الحنابلة إلى أنَّ صلاته الأولى تفسد، ويعيدها، وأما صلاته الثانية؛ فتجزئه. (١) مسألة [٥]: هل يُشترط الموالاة بين الصلاتين في الجمع ؟ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، كما في «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٥٣): فصارت الأقوال للعلماء في اقتران الفعل ثلاثة: أحدها: أنه لا يجب الاقتران، لا في وقت الأُولى، ولا الثانية، كما قد نص عليه أحمد كما ذكرناه في السفر، وجمع المطر. والثانى: أنه يجب الاقتران في وقت الأُولى دون الثانية. وهذا هو المشهور عند أكثر أصحابه المتأخرين، وهو ظاهر مذهب الشافعي؛ فإن كان الجمع في وقت الأُولى اشترط الجمع، وإن كان في وقت الآخِرَة؛ فإنه

стр. 1379

يصلي الأُولى في وقت الثانية، وأما الثانية فيصليها في وقتها؛ فتصح صلاته لها، وإن أَخَّرَها، ولا يأثم بالتأخير، وعلى هذا تُشترط الموالاة في وقت الأُولى دون الثانية. والثالث: تُشترط الموالاة في الموضعين كما يُشترط الترتيب. وهذا وجهٌ في مذهب الشافعي، وأحمد، ومعنى ذلك أنه إذا صلى الأُولى وأَخَّرَ الثانية؛ أثم، وإن كانت وقعت صحيحة؛ لأنه لم يكن له إذا أَخَّرَ الأُولى إلا أن يصلي الثانية معها، فإذا لم يفعل ذلك كان بمنزلة من أخَّرَها إلى وقت الضرورة، ويكون قد صلَّاها في وقتها مع الإثم. قال: والصحيح أنه لا تشترط الموالاة بحال، لا في وقت الأُولى، ولا في وقت الثانية؛ فإنه ليس لذلك حد في الشرع، ولأن مراعاة ذلك يسقط مقصود الرخصة. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: والقول الأول هو الصواب، كما صححه شيخ الإسلام، وهو ترجيح شيخنا الفاضل أبي عبد الرحمن الحجوري حفظه الله. (١) تنبيه: اشترط أهل العلم للجمع بين الصلاتين وجود العذر المبيح للجمع عند ابتداء الصلاة الثانية، وبعضهم شرط وجود العذر من ابتداء الصلاة الأولى، وهذا بناء على اشتراط النية، وقد تقدم أنها لا تُشترط؛ فالصحيح أنه لا يُشترط وجود العذر إلا عند الصلاة الثانية، والله أعلم. (٢)

стр. 1380

٤٢٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تَقْصُرُوا الصَّلَاةَ فِي أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ (١)، مِنْ مَكَّةَ إلَى عُسْفَانَ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ. كَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: ما ضابط السفر الذي يقصر به المسافر ؟ • اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال، منها: القول الأول: أنَّ ضابط ذلك خروج مسيرة ثمانية وأربعين ميلًا، وهو قول الحسن، والزهري، ومالك، والليث، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور. واستدلوا على ذلك بحديث ابن عباس ﵄ الذي في الباب، وتقدم أنه شديد الضعف. وصحَّ هذا القول عن ابن عباس، وابن عمر ﵃. القول الثاني: إذا خرج مسيرة ثلاثة أيام بلياليهن، وهو قول الشعبي، والنخعي، والثوري، وأبي حنيفة.

стр. 1381

وقد احتج لهم بحديث ابن عمر ﵄، في «الصحيحين»: «لا تسافر امرأة ثلاثًا؛ إلا ومعها ذو محرم». (١) القول الثالث: مسيرة يوم تام، وهو قول الأوزاعي، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وابن المنذر، وثبت هذا القول عن ابن عمر، وابن عباس ﵃، وقال به الزهري أيضًا. وقد احتُجَّ لهم بحديث أبي هريرة ﵁، في «الصحيحين»: «لا تسافر المرأة مسيرة يوم؛ إلا ومعها ذو محرم». (٢) القول الرابع: يقصر في كل سفرة طويلة، وقصيرة، فكل ما يُسمى سفرًا؛ قصر فيه الصلاة، وهو قول داود الظاهري، وطائفة من الحنابلة. واختاره ابن قدامة في «المغني»، فقال: ولا أرى لما صار إليه الأئمة حجة؛ لأنَّ أقوال الصحابة متعارضة مختلفة، ولا حجة فيها مع الاختلاف، وقد رُوي عن ابن عباس، وابن عمر ﵃، خلاف ما احتج به أصحابنا، ثم لو لم يوجد ذلك لم يكن في قولهم حجة مع قول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وفعله، وإذا لم تثبت أقوالهم امتنع المصير إلى التقدير الذي ذكروه لوجهين: أحدهما: أنه مخالف لسنة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- التي رويناها، ولظاهر القرآن؛ لأنَّ ظاهره إباحة القصر لمن ضرب في الأرض؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ

стр. 1382

عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾، وقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «يمسح المسافر ثلاثة أيام»، جاء لبيان أكثر مدة المسح؛ فلا يصح الاحتجاج به هاهنا، وعلى أنه يمكنه قطع المسافة القصيرة في ثلاثة أيام، وقد سمَّاه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سفرًا، فقال: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم؛ إلا مع ذي محرم». الثاني: أنَّ التقدير بابه التوقيف، فلا يجوز المصير إليه برأي مجرد لاسيما وليس له أصل يرد إليه، ولا نظير يُقاس عليه، والحجة مع من أباح القصر لكل مسافر؛ إلا أنْ ينعقد الإجماع على خلافه. اهـ وهذا القول اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فقال كما في «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ١٥): وهذا قول كثير من السلف والخلف، وهو أصح الأقوال في الدليل، ولكن لا بد أن يكون ذلك مما يُعَدُّ في العُرْفِ سفرًا، مثل أن يتزود له، ويبرز للصحراء. انتهى المراد. وقال في (٢٤/ ٤٠): كل اسم ليس له حد في اللغة، ولا في الشرع؛ فالمرجع فيه إلى العرف، فما كان سفرًا في عرف الناس فهو السفر الذي علق به الشارع الحكم، وذلك مثل سفر أهل مكة إلى عرفة؛ فإن هذه المسافة بريد، وهذا سفر ثبت فيه جواز القصر والجمع بالسنة، والبريد هو نصف يوم بسير الإبل والأقدام، وهو ربع مسافة يومين وليلتين، وهو الذي قد يسمى مسافة القصر، وهو الذي يمكن الذاهب اليها أن يرجع من يومه. اهـ وقال ﵀ كما في (٢٤/ ٤٧ - ٤٨): فلو كانت المسافة محدودة؛ لكان حدها

стр. 1383

بالبريد أجود، لكن الصواب أنَّ السفر ليس محددًا بمسافة، بل يختلف: فيكون مسافرًا في مسافة بريد، وقد يقطع أكثر من ذلك، ولا يكون مسافرًا. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الرابع هو الصواب، وهو اختيار ابن القيم أيضًا، ورجَّحه الإمام ابن عثيمين. إلا أننا نجزم أنَّ الضرب في الأرض بمقدار مسيرة ليلة يعتبر سفرًا؛ وعليه فإنَّ مسافة نصف يوم كذلك تعتبر سفرًا؛ لأنَّ من ذهب هذا المقدار ورجع استغرق يومه كاملًا، وقد سمعت شيخنا مقبلًا الوادعي ﵀ يفتي بذلك، وبالله التوفيق. (١)

стр. 1384

٤٢٥ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «خَيْرُ أُمَّتِي الَّذِينَ إذَا أَسَاءُوا اسْتَغْفَرُوا، وَإِذَا سَافَرُوا قَصَرُوا وَأَفْطَرُوا». أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الأَوْسَطِ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ (١)، وَهُوَ فِي مُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ عِنْدَ البَيْهَقِيّ مُخْتَصَرًا. (٢) الحكم المستفاد من الحديث يستفاد من هذا الحديث أنَّ القصر للمسافر أفضل من الإتمام، والحديث ضعيف، ولكن يغني عنه مداومة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وخلفائه على القصر، وتقدم الكلام على حكم القصر في أول الباب.

стр. 1385

بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة مسألة [١]: حكم صلاة الجماعة على المسافر . يجب على المسافرين أن يصلوا جماعة، إذا لم يشق عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء:١٠٢]، وصلاة الخوف كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يصليها في غزواته، وذلك في السفر، وفي «الصحيحين» (١) عن مالك بن الحويرث، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال لهم: «فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ». وقد ذهب إلى وجوبها على المسافرين الإمام ابن عثيمين ﵀، كما في «مجموع فتاواه» (١٥/ ٣٦٠، ٣٦٢)، وكذا الإمام ابن باز ﵀، كما في «مجموع فتاواه» (١٢/ ٣٩ - ٤٠)، وهو مقتضى قول من استدل بالآية المتقدمة على وجوب الجماعة على المقيم، والله أعلم. مسألة [٢]: هل يجمع بسبب وجود المطر ؟ • أما بين المغرب، والعشاء؛ فذهب جمهور العلماء إلى مشروعية الجمع، وصحَّ ذلك عن ابن عمر، وجاء عن أبي سلمة بن عبدالرحمن أنه قال: إنَّ من السنة إذا كان يومٌ مطير أن يجمع بين المغرب والعشاء. رواه الأثرم، وهو قول مالك،

стр. 1386

والشافعي، وأحمد، وغيرهم. • وذهب أصحاب الرأي إلى عدم مشروعية الجمع في المطر، والصواب هو القول الأول، ويدل عليه حديث ابن عباس في «صحيح مسلم» (١)، قال: جمع النبي ﷺ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، بالمدينة في غير خوف، ولا مطر. وفي رواية لمسلم برقم (٧٠٥): «من غير خوفٍ، ولا سفر». فمفهوم الحديث أنَّ الجمع يُشرع عند الخوف، والسفر، والمطر، والله أعلم. وأما بين الظهر، والعصر؛ فمنع الجمع بينهما مع الحنفية: مالك، وأحمد، وذهب إلى مشروعيته الشافعي، وأصحابه، وجمعٌ من الحنابلة، وهو الصواب؛ لحديث ابن عباس المتقدم، والله أعلم. (٢) تنبيه: قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٣/ ١٣٣): والمطر المبيح للجمع هو ما يبل الثياب، وتلحق المشقة بالخروج فيه، وأما الطَّل، والمطر الخفيف الذي لا يبل الثياب؛ فلا يبيح، والثلج كالمطر في ذلك؛ لأنه في معناه، وكذلك البرد. اهـ مسألة [٣]: هل الطين والوحل عذرٌ في الجمع، أم لا ؟ • في هذه المسألة قولان: الأول: أنَّ ذلك عذرٌ يبيح الجمع، وهو قول مالك، ووجهٌ عند الحنابلة.

стр. 1387

الثاني: أنَّ ذلك لا يبيح الجمع، وهو قول الشافعي، ووجهٌ عند الحنابلة. قال أبو عبد الله غفر الله له: الذي يظهر أن ذلك عذرٌ في الجمع؛ لأنَّ المشقة في الطين، والوحل أشد منها في المطر، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين ﵀، ولو ترك ذلك خروجًا من الخلاف؛ فهو أفضل، والله أعلم. (١) مسألة [٤]: هل الريح الشديدة في الليلة الباردة عذرٌ في الجمع ؟ • ذهب بعض الحنابلة إلى أنه يُعتبر عُذرًا؛ لوجود المشقة، وهو قول عمر بن عبدالعزيز. • ومذهب الشافعية، وجماعة من الحنابلة أنه لا يُعتبر عذرًا، ويشهد للقول الأول حديث ابن عمر ﵄، في «الصحيحين» أنَّ مؤذن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يقول: «صلوا في رحالكم»، في الليلة المطيرة، أو الليلة ذات البرد. وقد رجَّح الإمام ابن عثيمين القول الأول. (٢) مسألة [٥]: هل يجمع في المطر، وما ذُكِرَ بعده جمع تأخير ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٣/ ١٣٦): فَأَمَّا الجمْعُ لِلْمَطَرِ، فَإِنَّمَا يُجْمَعُ فِي وَقْتِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ السَّلَفَ إنَّمَا كَانُوا يَجْمَعُونَ فِي وَقْتِ الْأُولَى، وَلِأَنَّ تَأْخِيرَ الْأُولَى إلَى وَقْتِ الثَّانِيَةِ يُفْضِي إلَى لُزُومِ المَشَقَّةِ، وَالْخُرُوجِ فِي الظُّلْمَةِ ... ، وَرُبَّمَا يَزُولُ الْعُذْرُ قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِ الْأُولَى، فَيَبْطُلُ الجمْعُ وَيَمْتَنِعُ. اهـ

стр. 1388

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٥٦): وكذلك جمع المطر، السنة أن يجمع للمطر في وقت المغرب، حتى اختلف مذهب أحمد: هل يجوز أن يجمع للمطر في وقت الثانية؟ على وجهين، وقيل: إن ظاهر كلامه أنه لا يجمع. وفيه وجه ثالث: أن الأفضل التأخير، وهو غلطٌ، مخالف للسنة والإجماع القديم. اهـ مسألة [٦]: هل للمريض أن يجمع بين الصلاتين ؟ • في المسألة قولان: القول الأول: الجواز، وهوقول عطاء، ومالك، وأحمد، وبعض الشافعية. القول الثاني: لا يجوز له الجمع، وهو قول الشافعي، وأصحاب الرأي. قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول أقرب؛ لأنَّ المريض عذره أشد من عذر المسافر، وعذر المطر؛ ولذلك قال النووي ﵀ في «شرح المهذب»: وهذا الوجه قويٌّ جدًّا، ويُسْتَدل له بحديث ابن عباس قال: جمع رسول الله ﷺ بالمدينة من غير خوف، ولا مطر. رواه مسلم (١)، ووجه الدلالة منه أنَّ هذا الجمع إما أن يكون بالمرض، وإما بغيره مما في معناه، أو دونه، ولأنَّ حاجة المريض، والخائف آكد من الممطور. اهـ. (٢)

стр. 1389

مسألة [٧]: الجمع لغير عذر . • ذهب الجمهور إلى عدم الجواز، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وحملوا حديث ابن عباس المتقدم على أنَّ ذلك كان لعذرٍ، كمرض أو غيره، ومنهم من تأوله بأنه جمعٌ صوري، بأنْ يكون أخَّرَ الصلاة الأُولى إلى آخر وقتها، والصلاة الثانية قدَّمها إلى أول وقتها، وهناك تأويلات أخرى، وكلها تأويلات باطلة. قال النووي ﵀ في «شرح مسلم»: وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَئِمَّة إِلَى جَوَاز الْجمْع فِي الْحَضَر لِلْحَاجَةِ لِمَنْ لَا يَتَّخِذهُ عَادَة، وَهُوَ قَوْل اِبْن سِيرِينَ، وَأَشْهَب مِنْ أَصْحَاب مَالِك، وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ الْقَفَّال، وَالشَّاشِيّ الْكَبِير مِنْ أَصْحَاب الشَّافِعِيّ عَنْ أَبِي إِسْحَاق الْمَرْوَزِيِّ، عَنْ جَمَاعَة مِنْ أَصْحَاب الْحَدِيث، وَاخْتَارَهُ اِبْن الْمُنْذِر، وَيُؤَيِّدهُ ظَاهِر قَوْل اِبْن عَبَّاس: أَرَادَ أَلَّا يُحْرِج أُمَّته، فَلَمْ يُعَلِّلهُ بِمَرَضٍ وَلَا غَيْره، وَالله أَعْلَم. اهـ قلتُ: وهو قول ربيعة، وابن شبرمة، وهو الصواب، وهو ترجيح شيخنا مقبل الوادعي ﵀. (١)

стр. 1390

٤٢٦ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ قَالَ: كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ (١)، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: «صَلِّ قَائِمًا؛ فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا؛ فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (٢) ٤٢٧ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: عَادَ النَّبِيُّ ﷺ مَرِيضًا فَرَآهُ يُصَلِّي عَلَى وِسَادَةٍ فَرَمَى بِهَا، وَقَالَ: «صَلِّ عَلَى الأَرْضِ إنِ اسْتَطَعْت، وَإِلَّا فَأَوْمِ إيمَاءً، وَاجْعَلْ سُجُودَك أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِك». رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ، وَصَحَّحَ أَبُوحَاتِمٍ وَقْفَهُ. (٣) ٤٢٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي مُتَرَبِّعًا، رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (٤) المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث مسألة [١]: إذا لم يستطع المريض أن يُصلي قائمًا ؟ نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على أنه يصلي قاعدًا؛ لحديث عمران بن حصين الذي في الباب، وممن نقل الإجماع على ذلك النووي، وابن قدامة. (٥)

стр. 1391

مسألة [٢]: إذا استطاع مع المشقة الشديدة أن يقوم ؟ • جمهور العلماء على أنه يصلي قاعدًا أيضًا، والمشقة الشديدة، أو زيادة المرض من الأعذار في ترك القيام في الصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]. وفي حديث أنس ﵁، في «الصحيحين» (١): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- جحش شقه الأيمن؛ فصلى قاعدًا، والظاهر أنه لم يعجز عن القيام بالكلية، ولكنه شقَّ عليه القيام، وهذا قول أحمد، والشافعي، ومالك، وإسحاق. • وعن أحمد رواية أنه يصلي قائمًا، ونقله عياض عن الشافعي، وهو خلاف المشهور عند الشافعية؛ فإنَّ المشهور عندهم أنه يقول بالقول الأول. والصواب قول الجمهور، والله أعلم. (٢) مسألة [٣]: إذا ابتدأ صلاته قائمًا، ثم عجز عن القيام أثناء الصلاة ؟ قال الإمام النووي ﵀: إذا افتتح الصلاة قائمًا، ثم عجز؛ قعد وبنى عليها بالإجماع، نقل الإجماع فيه الشيخ أبو حامد، وغيره. اهـ قلتُ: ويشمله الأدلة السابقة. (٣)

стр. 1392

مسألة [٤]: من قدر على القيام، وعجز عن الركوع، والسجود، فهل يسقط عنه القيام ؟ • لا يسقط عنه القيام عند جمهور العلماء، وهو قول أحمد، والشافعي، ومالك؛ لأنه قادر عليه، ويركع، ويسجد حسب طاقته. • وقال أبو حنيفة: لا يلزمه القيام. قلتُ: الصواب قول الجمهور، ويومئ برأسه في الركوع وهو قائم، ثم يومئ برأسه في السجود وهو جالس، ودليل الجمهور حديث عمران الذي في الباب. (١) مسألة [٥]: إذا كان يصلي قاعدًا لعذر، ثم استطاع القيام أثناء الصلاة ؟ قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٤/ ٣٢١): وإنْ افتتحها قاعدًا للعجز، ثم قدر على القيام؛ قامَ، وبنى عندنا، وبه قال أبو حنيفة، وأبو يوسف، والجمهور، وقال محمد: تبطل صلاته. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب قول الجمهور، ولا دليل على البطلان، والله أعلم. مسألة [٦]: القيام على مُتَّكَأ كالعصا، وشبهها . قال القاضي عياض ﵀ في «شرح مسلم» (٣/ ١٤٩): وأما الاتكاء على العِصِيِّ؛ لطول القيام في النوافل، فما أعلم أنه اختلف في جوازه، والعمل به إلا ما رُوي عن ابن سيرين في كراهة ذلك، وقول مجاهد: ينقص من أجره بقدر ذلك.

стр. 1393

هو من باب قوله: «صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم». • واختلف فيه في الفرائض لغير ضرورة، فمذهب مالك، وجمهور العلماء أنه لا يجوز، وأنه لا يجزئ من القيام، ومن اعتمد على عصي، أو حائط اعتمادًا لو زال سقط؛ فسدت صلاته، وكأنه لم يقم فيها، وأجاز ذلك جماعة من الصحابة، والسلف، منهم: أبو سعيد الخدري، وأبو ذر، وغيرهم. وأما الضرورة، وعند العجز عن القيام؛ فيجوز، وهو أولى من الصلاة جالسًا. قاله مالك وغيره. انتهى. قال أبو عبد الله غفر الله له: أما في النافلة؛ فقد ثبت عن جماعة من الصحابة، والتابعين فعل ذلك، فقد أخرج مالك في «الموطأ» عن محمد بن يوسف، عن السائب بن يزيد أنه قال: أمر عمر بن الخطاب أُبي بن كعب، وتميمًا الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة، قال: وقد كان القارئ يقرأ بالمئين حتى كُنَّا نعتمد على العصي من طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في فروع (١) الفجر. وهذا إسناد صحيح جدًّا. والذي نختاره عدم الاعتماد؛ ويدل عليه حديث جابر ﵁ الذي في الباب، وهو ضعيف، ولكن يغني عنه حديث أنس بن مالك ﵁، في «الصحيحين» (٢)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- دخل المسجد، وحبلٌ ممدود بين ساريتين، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- «ما هذا؟»، قالوا: حبل لزينب تصلي، فإذا كسلت، أو فترت تعلقت به. فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-:

стр. 1394

«حُلُّوه، لِيُصَلِّ أحدكم نشاطه، فإذا كسل، أو فتر؛ فليقعد»، وهو فعل جابر ابن عبدالله كما في الباب. وأما في الفريضة لضرورة، فقال الشوكاني ﵀ في «النيل» (٨٥٢): وَقَدْ ذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّ مَنْ احْتَاجَ فِي قِيَامِهِ إلَى أَنْ يَتَّكِئَ عَلَى عَصًا، أَوْ عُكَّازٍ، أَوْ يَسْتَنِدَ إلَى حَائِطٍ، أَوْ يَمِيلَ عَلَى أَحَدِ جَانِبَيْهِ؛ جَازَ لَهُ ذَلِكَ، وَجَزَمَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ بِاللُّزُومِ، وَعَدَمِ جَوَازِ الْقُعُودِ مَعَ إمْكَانِ الْقِيَامِ، مَعَ الِاعْتِمَادِ، مِنْهُمْ: الْمُتَوَلِّي، وَالْأَذْرَعِيُّ، وَكَذَا قَالَ بِاللُّزُومِ ابْنُ قُدَامَةَ الْحَنْبَلِيُّ، وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ، وَيَجُوزُ الْقُعُودُ. اهـ قلتُ: وظاهر نقل القاضي عياض أنَّ مالكًا لا يقول بوجوب الاعتماد على العصا إذا كان قادرًا على القيام بها. • وأما مذهب الشافعية، والحنابلة فهو لزوم الاعتماد. • وذهب ابن حزم في «المحلَّى» (٤٠٦)، إلى بطلان الصلاة. والذي يظهر لي -والله أعلم- أنه لا يعتمد، بل يصلي قاعدًا؛ لحديث عمران، وإنْ اعتمد؛ جاز له ذلك، وأما القول بالبطلان فلا يصح، والله أعلم. (١) مسألة [٧]: إذا عجز المريض عن الصلاة قاعدًا، فكيف يصلي ؟ • ذهب جمهور العلماء إلى أنه يصلي على جنبه؛ لحديث عمران بن حصين الذي

стр. 1395

في الباب، قالوا: فإذا عجز عن الصلاة على جنبه؛ صلَّى مستلقيًا. • وذهب أبو ثور، وأصحاب الرأي إلى أنه إنْ عجز عن الصلاة قاعدًا؛ صلَّى مستلقيًا، واستدلوا بحديثٍ لا أصل له كما في «نصب الراية» (٢/ ١٧٦)، ولفظه: «يصلي المريض قائمًا؛ فإن لم يستطع فقاعدًا؛ فإن لم يستطع فعلى قفاه يومئ إيماءً؛ فإن لم يستطع فالله أحق بقبول العذر منه»، قال الزيلعي ﵀: حديث غريب. وهذا اصطلاحه فيما لا أصل له. والصواب ما ذهب إليه الجمهور؛ لحديث عمران، والله أعلم. (١) مسألة [٨]: إذا صلى المريض قاعدًا وعجز عن الركوع والسجود: أيرفع لرأسه شيئا يسجد عليه، أم يومئ إيماءً ؟ • قال الإمام ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (٤/ ٣٧٩ - ): فيها لأهل العلم قولان: أحدهما: أن يومي إيماء، ولا يرفع إلى وجهه شيئا يسجد عليه، روي هذا القول عن ابن مسعود، وابن عمر، وجابر بن عبد الله، وسئل أنس عن صلاة المريض فقال: يسجد، ولم يرخص في أن يرفع إليه شيئا. ثم أسنده عن ابن مسعود ﵁ بإسناد فيه زيد بن معاوية العبسي، وهو مجهول الحال. وعن ابن عمر بأسانيد صحيحة، وعن جابر بن عبد الله ﵄، بإسناد رجاله ثقات، فيه عنعنة أبي الزبير، وأسنده عن أنس ﵁ بإسناد

стр. 1396

شيخه مبهم. قال ابن المنذر ﵀: وقال عطاء: يومي برأسه إيماء، ويجعل السجود أخفض من الركعة، وقال سفيان الثوري، في المريض الذي لا يستطيع السجود على الأرض يومي إيماء، وقال مالك: إذا لم يستطع السجود لا يرفع إلي جبهته شيئا، ولا ينصب بين يديه وسادة، ولا شيئا من الأشياء، وكان أبو ثور يقول: وإن صلى المريض قاعدا ولم يقدر على السجود أومى إيماء، وإن رفع إلى وجهه شيئا فسجد عليه أجزأه ذلك، والإيماء أحب إلي. وقالت طائفة: لا يرفع إلى وجهه شيئا يسجد عليه، وإن وضع وسادة على الأرض فسجد عليها أجزأه ذلك إن شاء الله، هذا قول الشافعي. وقد روينا عن أم سلمة: أنها كانت تسجد على مرفقة من رمد كان بها، وروي عن ابن عباس: أنه رخص في السجود على المرفقة الظاهرة، وروينا عن أنس: أنه كان إذا اشتكى سجد على مرفقة. ثم أسنده عن أم سلمة ﵂ بإسناد حسنٍ، وعن ابن عباس من طريقين يحسن بهما، وعن أنس ﵁، بإسناد صحيحٍ. قال ابن المنذر ﵀: وقال أحمد: في المريض يسجد على شيء رفعه إلى جبهته أحب إلى أن لا يرفعه، فإن فعل فلا بأس ويسجد على المرفقة أحب إلي من أن يومي برأسه، لحديث أم سلمة، وابن عباس، وكذلك قال إسحاق. ويجزي عند أصحاب الرأي السجود على الوسادة أو المرفقة إذا وضعت بالأرض. اهـ

стр. 1397

قال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح أنه يومئ إيماء، لأنه الثابت عن النبي ﷺ في حال سفره. ولم يثبت عن النبي ﷺ رفع المرفقة، والوسادة ونحو ذلك. (١) مسألة [٩]: هل لمن شكى عينيه أن يصلي مستلقيًا إذا أمره الطبيب بذلك للحفاظ على عينيه، ومعالجتها ؟ • قال الإمام ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (٤/ ٣٨٣): واختلفوا في المرء يعالج عينيه، فقالت طائفة: لا يجزيه الصلاة إلا قائما إذا أمكنه القيام روينا عن ابن عباس، أنه لما كف بصره قال له رجل: إن صبرت سبعًا لا تصلي إلا مستلقيا؛ داويتك ورجوت أن تبرأ عينك، فأرسل ابن عباس إلى عائشة، وأبي هريرة، وغيرهم من أصحاب النبي ﷺ فكلهم يقول: أرأيت إن مت في هذه السبع كيف تصنع بالصلاة؟، فترك معالجة عينيه فلم يداوها. ثم أسنده عن موسى بن هارون، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المسيب بن رافع، عن ابن عباس به. وهذا إسنادٌ صحيح، وهو في «مصنف ابن أبي شيبة» (٢/ ٢٣٦). قلتُ: وقد كره ذلك عبيد الله، وأبو وائل، ومالك، والأوزاعي. • وذهب إلى مشروعية ذلك جابر بن زيد، وأصحاب الرأي، وهو قول قريب؛ لعموم قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾.

стр. 1398

ولقوله ﷺ : «وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم». مسألة [١٠]: هل تصح الصلاة إذا صلى مستلقيًا مع القدرة على الصلاة على جنب ؟ • ظاهر مذهب الشافعية أنها لا تصح، فقد قال إمام الحرمين، والغزالي، وغيرهما: هذا الخلاف في الكيفية الواجبة، فمن قال بكيفية لا يُجَوِّز غيرها. اهـ قلتُ: وهو قولٌ في مذهب الحنابلة، كما في «الإنصاف». وقال صاحب «الشرح الكبير»: عدم الصحة أظهر. وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين. • والقول الثاني في مذهب أحمد -وهو المشهور- أنها تصح الصلاة؛ لأنه نوع استقبال، ويشبه الاضطجاع. قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب، وهو ترجيح ابن قدامة ﵀، فقد قال في «المغني»: والدليل يقتضي أن لا يصح؛ لأنه خالف أمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في قوله: «فعلى جنب».انتهى المراد. (١) مسألة [١١]: هل يضطجع على جنبه الأيمن، أم الأيسر ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ٥٧٤): إذا ثبت هذا؛ فالمستحب أن يصلي على جنبه الأيمن؛ فإنْ صلَّى على الأيسر جاز؛ فإنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يُعَيِّنْ جنبًا

стр. 1399

بعينه، ولأنه يستقبل القبلة على أي الجنبين كان. اهـ قلتُ: وهو مذهب الشافعية، والمالكية، وغيرهم. (١) مسألة [١٢]: إذا لم يستطع أن يومئ برأسه ؟ • مذهب الشافعية، والحنابلة أنه يومئ بطرفه، فعند الركوع يخفض طرفه قليلًا، وعند السجود يُغمض عينه، وهو قول الحسن، وزُفَر. • وذهب أبو حنيفة إلى أنَّ الصلاة تسقط عنه، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وحكاها رواية عن أحمد، وهو قول عند المالكية. • وذهب بعض أهل العلم إلى أنه تسقط عنه الأفعال، ويصلي بقدر استطاعته، فينوي بقلبه الأفعال، ويأتي بالأقوال، وهو قول بعض الحنابلة، كما في «الإنصاف» وقال به المالكية، والشافعية، والحنابلة، عند العجز عن الإيماء بالطرف. وهذا القول الثالث هو الصواب، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين ﵀؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، والله أعلم. (٢) مسألة [١٣]: كيفية الجلوس لمن صلَّى جالسًا . • اختار طائفة من أهل العلم أنه يجلس متربعًا، وهو قول مالك، والثوري، والليث، وأحمد، وإسحاق، وأحد قولي الشافعي، وغيرهم؛ لحديث عائشة الذي في

стр. 1400

الباب. وممن ثبت عنه التربع في الصلاة من الصحابة: ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس ﵃، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٢/ ٢١٩)، و «الأوسط» لابن المنذر (٤/ ٤٣٢) ط/الفلاح. • واختار طائفة من أهل العلم أنْ يجلس مفترشًا، وهو قول أبي حنيفة، وزُفر، والقول الثاني للشافعي. قال أبو عبد الله غفر الله له: لم يثبت في الكيفية حديثٌ؛ فيجلس كيف شاء، كما قال بذلك أبو حنيفة في رواية، وذكره ابن قدامة عن ابن المسيب، وعروة، والخلاف المتقدم في الأفضل، والمختار؛ فَتَنَبَّهْ. (١) مسألة [١٤]: إذا كان المريض يستطيع أن يصلي قائمًا إذا ترك الجماعة، وصلَّى في بيته ؟ • للحنابلة وجهٌ: أنه يلزمه القيام، وتسقط عنه الجماعة؛ لأنَّ القيام ركنٌ، والجماعة واجبة، فالقيام مقدَّمٌ. • والوجه الثاني عند الحنابلة: أنه مُخَيَّرٌ بين الأمرين. قال ابن قدامة ﵀: واحتمل أنه مخير بين الأمرين؛ لأننا أبحنا له ترك القيام المقدور عليه مع إمام الحي العاجز عن القيام، مراعاةً للجماعة، فهاهنا أولى، ولأنَّ الأجر يتضاعف بالجماعة أكثر من تضاعفه بالقيام، وهذا أحسن، وهو مذهب الشافعي. اهـ

стр. 1401

قلتُ: ولكن الذي نصَّ عليه الشافعي هو أفضلية الصلاة منفردًا مع القيام، وهو قول جمهور أصحابه، والذي نختاره له هو حضور الجماعة؛ لحديث ابن مسعود ﵁، في «صحيح مسلم»: ولقد كان الرجل يُؤتَى به يُهادَى بين الرجلين حتى يُقام في الصف. ولأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- خرج، فصلَّى مع الناس قاعدًا في مرض موته. ولا يجب عليه حضور الجماعة، فقد قال ابن المنذر كما في «الفتح» لابن رجب (٤/ ٧٨): ولا أعلم خلافًا بين أهل العلم أنَّ للمريض أن يتخلَّفَ عن الجماعات من أجل المرض. اهـ والذي اخترته هو قول بعض الشافعية، والحنابلة. (١)

стр. 1402

بَابُ صَلاةِ الجُمُعَةِ ٤٢٩ - عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ،، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵃، أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ -عَلَى أَعْوَادِ مِنْبَرِهِ-: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الغَافِلِينَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: حكم صلاة الجمعة . قال الحافظ ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٥/ ٣٢٥): صلاة الجمعة فريضة من فرائض الأعيان على الرجال دون النساء، بشرائط أخر، هذا قول جمهور العلماء، ومنهم من حكاه إجماعًا كابن المنذر، وَشَذَّ من زعم أنها فرض كفايةٍ من الشافعية، وحكاه بعضهم قولًا للشافعي، وأنكر ذلك عامة أصحابه، حتى قال طائفة منهم: لا تحل حكايته عنه. وحكاية الخطابي لذلك عن أكثر العلماء، وهم منه، ولعله اشتبه عليه الجمعة بالعيد. وحكي عن بعض المتقدمين أن الجمعة سنةٌ. وقد رَوَى ابن وهبٍ، عن مالكٍ: أن الجمعة سنة. وحملها ابن عبد البر على أهل القرى المختلف في وجوب الجمعة عليهم خاصة، دون أهل الأمصار. اهـ

стр. 1403

قلتُ: الصحيح بدون مرية أنَّ الجمعة فرضٌ واجبٌ على كل رجل مسلم، حرٍّ، بالغٍ، ذكرٍ، مقيمٍ. وقد نقل ابن المنذر الإجماع على ذلك، ويدل على ذلك حديث الباب، وحديث طارق بن شهاب الذي في آخر الباب. وحديث أبي الجعد الضمري عند أبي داود (١٠٥٢)، والنسائي (٣/ ٨٨)، والترمذي (٥٠٠) وابن ماجه (١١٢٥)، وأحمد (٣/ ٤٢٤ - ٤٢٥)، أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من ترك ثلاث جُمَعٍ تهاونًا طُبِعَ على قلبه»، وإسناده حسن. (١) مسألة [٢]: من صلَّى ظهرًا وليس له عذر، وترك الجمعة فما حكمه ؟ • من أهل العلم من يقول: لا تجزئه الصلاة، وإن لم يدرك الجمعة؛ فيعيد الظهر مرة أخرى، وهذا قول الثوري، والشافعي، وأحمد. • وقال الحنفية: إذا صلى الجمعة انتقضت الظهر. • وقال أبو ثور، والشافعي في القديم: يصلي مع الإمام الجمعة وتكون له نافلة. قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب؛ لأنه لمَّا صلى ظهرًا بغير عذر؛ فهو عمل مردود عليه لقوله ﵊: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد»، وعليه فعمله باطل مردود عليه، فإن أدرك الجمعة؛ وإلا فعليه الإعادة، وبالله التوفيق. (٢)

стр. 1404

مسألة [٣]: هل يجب حضور الجمعة على كل من كان في القرية من المقيمين، وغيرهم ؟ قال الحافظ ابن رجب ﵀ في «فتح الباري» (٥/ ٤٠٣ - ): وهذا الذي في القرية، إنْ كان من أهلها المستوطنين بها؛ فلا خلاف في لزوم السَّعي إلى الجمعة له، وسواء سمع النداء، أو لم يسمع، وقد نصَّ على ذلك الشافعي، وأحمد، ونقل بعضهم الاتفاق عليه. قال الحافظ ابن رجب ﵀: وإن كان من غير أهلها؛ فإنْ كان مسافرًا، يُباح له القصر، فأكثر العلماء على أنه لا يلزمه الجمعة مع أهل القرية، وحُكِيَ عن الزهري، والنخعي أنه يلزمه تبعًا لأهل القرية، ورُوي عن عطاء أيضًا أنه يلزمه، وكذا قال الأوزاعي: إنْ أدركه الأذان قبل أن يرتحل؛ فليجب. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الثاني أقرب إلى الصواب فيما إذا كان نازلًا، وأما إن كان على ارتحال فلا تجب عليه، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩]، فعمومها يشمل المسافر المذكور. قال الحافظ ابن رجب ﵀: وإنْ كان المسافر قد نوى إقامةً بالقرية تمنعه من قصر الصلاة، فهل يلزمه الجمعة؟ فيه وجهان لأصحابنا، وأوجب عليه الجمعة في هذه الحال: مالك، وأبو حنيفة، ولم يوجبها الشافعي وأصحابه. اهـ

стр. 1405

قال أبو عبد الله غفر الله له: مذهب مالك ومن معه هو الصواب؛ لعموم الآية المتقدمة، وعموم حديث الباب، والله أعلم. مسألة [٤]: من كان يسكن خارج القرية، أو المصر، هل يلزمه حضور الجمعة، أم لا ؟ • قال الحافظ ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٥/ ٤٠٤): هذا مما اختلف فيه العلماء، فقالت طائفةٌ: لا تلزم من كان خارج المصر، أو القرية الجمعة مع أهله بحالٍ، إذا كان بينهم وبين المصر فرجة، ولو كانوا من ربض المصر. وهذا قول الثوري، وأبي حنيفة وأصحابه، إلحاقًا لهم بأهل القرى؛ فإنَّ الجمعة لا تُقام عندهم في القرى. وقال أكثر أهل العلم: تلزمهم الجمعة مع أهل المصر، أو القرية، مع القرب دون البعد. ثم اختلفوا في حد ذلك: • فقالت طائفةٌ: المعتبر إمكان سماع النداء، فمن كان موضع الجمعة بحيث يمكنه سماع النداء لزمه، وإلا فلا. هذا قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق، واستدلوا بظاهر قول الله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩]، وخَّرج أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ : «الجمعة على من سمع النداء»، وروي موقوفًا، وهو أشبه. اهـ قال أبو عبد الله: الحديث المذكور أخرجه أبو داود برقم (١٠٥٦). ثم قال: روى هذا الحديث جماعة عن سفيان مقصورًا على عبد الله بن عمرو، ولم يرفعوه، وإنما أسنده قبيصة. اهـ
следующие страницы →