قلتُ: ولكن الذي نصَّ عليه الشافعي هو أفضلية الصلاة منفردًا مع القيام، وهو قول جمهور أصحابه، والذي نختاره له هو حضور الجماعة؛ لحديث ابن مسعود ﵁، في «صحيح مسلم»: ولقد كان الرجل يُؤتَى به يُهادَى بين الرجلين حتى يُقام في الصف. ولأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- خرج، فصلَّى مع الناس قاعدًا في مرض موته.
ولا يجب عليه حضور الجماعة، فقد قال ابن المنذر كما في «الفتح» لابن رجب (٤/ ٧٨): ولا أعلم خلافًا بين أهل العلم أنَّ للمريض أن يتخلَّفَ عن الجماعات من أجل المرض. اهـ
والذي اخترته هو قول بعض الشافعية، والحنابلة. (١)
стр. 1402
بَابُ صَلاةِ الجُمُعَةِ
٤٢٩ - عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ،، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵃، أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ -عَلَى أَعْوَادِ مِنْبَرِهِ-: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الغَافِلِينَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم صلاة الجمعة .
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٥/ ٣٢٥): صلاة الجمعة فريضة من فرائض الأعيان على الرجال دون النساء، بشرائط أخر، هذا قول جمهور العلماء، ومنهم من حكاه إجماعًا كابن المنذر، وَشَذَّ من زعم أنها فرض كفايةٍ من الشافعية، وحكاه بعضهم قولًا للشافعي، وأنكر ذلك عامة أصحابه، حتى قال طائفة منهم: لا تحل حكايته عنه. وحكاية الخطابي لذلك عن أكثر العلماء، وهم منه، ولعله اشتبه عليه الجمعة بالعيد.
وحكي عن بعض المتقدمين أن الجمعة سنةٌ. وقد رَوَى ابن وهبٍ، عن مالكٍ: أن الجمعة سنة. وحملها ابن عبد البر على أهل القرى المختلف في وجوب الجمعة عليهم خاصة، دون أهل الأمصار. اهـ
стр. 1403
قلتُ: الصحيح بدون مرية أنَّ الجمعة فرضٌ واجبٌ على كل رجل مسلم، حرٍّ، بالغٍ، ذكرٍ، مقيمٍ.
وقد نقل ابن المنذر الإجماع على ذلك، ويدل على ذلك حديث الباب، وحديث طارق بن شهاب الذي في آخر الباب.
وحديث أبي الجعد الضمري عند أبي داود (١٠٥٢)، والنسائي (٣/ ٨٨)، والترمذي (٥٠٠) وابن ماجه (١١٢٥)، وأحمد (٣/ ٤٢٤ - ٤٢٥)، أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من ترك ثلاث جُمَعٍ تهاونًا طُبِعَ على قلبه»، وإسناده حسن. (١)
مسألة [٢]: من صلَّى ظهرًا وليس له عذر، وترك الجمعة فما حكمه ؟
• من أهل العلم من يقول: لا تجزئه الصلاة، وإن لم يدرك الجمعة؛ فيعيد الظهر مرة أخرى، وهذا قول الثوري، والشافعي، وأحمد.
• وقال الحنفية: إذا صلى الجمعة انتقضت الظهر.
• وقال أبو ثور، والشافعي في القديم: يصلي مع الإمام الجمعة وتكون له نافلة.
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب؛ لأنه لمَّا صلى ظهرًا بغير عذر؛ فهو عمل مردود عليه لقوله ﵊: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد»، وعليه فعمله باطل مردود عليه، فإن أدرك الجمعة؛ وإلا فعليه الإعادة، وبالله التوفيق. (٢)
стр. 1404
مسألة [٣]: هل يجب حضور الجمعة على كل من كان في القرية من المقيمين، وغيرهم ؟
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في «فتح الباري» (٥/ ٤٠٣ - ): وهذا الذي في القرية، إنْ كان من أهلها المستوطنين بها؛ فلا خلاف في لزوم السَّعي إلى الجمعة له، وسواء سمع النداء، أو لم يسمع، وقد نصَّ على ذلك الشافعي، وأحمد، ونقل بعضهم الاتفاق عليه.
قال الحافظ ابن رجب ﵀: وإن كان من غير أهلها؛ فإنْ كان مسافرًا، يُباح له القصر، فأكثر العلماء على أنه لا يلزمه الجمعة مع أهل القرية، وحُكِيَ عن الزهري، والنخعي أنه يلزمه تبعًا لأهل القرية، ورُوي عن عطاء أيضًا أنه يلزمه، وكذا قال الأوزاعي: إنْ أدركه الأذان قبل أن يرتحل؛ فليجب. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الثاني أقرب إلى الصواب فيما إذا كان نازلًا، وأما إن كان على ارتحال فلا تجب عليه، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩]، فعمومها يشمل المسافر المذكور.
قال الحافظ ابن رجب ﵀: وإنْ كان المسافر قد نوى إقامةً بالقرية تمنعه من قصر الصلاة، فهل يلزمه الجمعة؟ فيه وجهان لأصحابنا، وأوجب عليه الجمعة في هذه الحال: مالك، وأبو حنيفة، ولم يوجبها الشافعي وأصحابه. اهـ
стр. 1405
قال أبو عبد الله غفر الله له: مذهب مالك ومن معه هو الصواب؛ لعموم الآية المتقدمة، وعموم حديث الباب، والله أعلم.
مسألة [٤]: من كان يسكن خارج القرية، أو المصر، هل يلزمه حضور الجمعة، أم لا ؟
• قال الحافظ ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٥/ ٤٠٤): هذا مما اختلف فيه العلماء، فقالت طائفةٌ: لا تلزم من كان خارج المصر، أو القرية الجمعة مع أهله بحالٍ، إذا كان بينهم وبين المصر فرجة، ولو كانوا من ربض المصر. وهذا قول الثوري، وأبي حنيفة وأصحابه، إلحاقًا لهم بأهل القرى؛ فإنَّ الجمعة لا تُقام عندهم في القرى. وقال أكثر أهل العلم: تلزمهم الجمعة مع أهل المصر، أو القرية، مع القرب دون البعد. ثم اختلفوا في حد ذلك:
• فقالت طائفةٌ: المعتبر إمكان سماع النداء، فمن كان موضع الجمعة بحيث يمكنه سماع النداء لزمه، وإلا فلا. هذا قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق، واستدلوا بظاهر قول الله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩]، وخَّرج أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ : «الجمعة على من سمع النداء»، وروي موقوفًا، وهو أشبه. اهـ
قال أبو عبد الله: الحديث المذكور أخرجه أبو داود برقم (١٠٥٦).
ثم قال: روى هذا الحديث جماعة عن سفيان مقصورًا على عبد الله بن عمرو، ولم يرفعوه، وإنما أسنده قبيصة. اهـ
стр. 1406
قلتُ: والموقوف لا يثبت؛ فإنه من طريق أبي سلمة بن نبيه، عن عبد الله بن هارون، عن عبد الله بن عمرو به. وأبو سلمة، وشيخه مجهولان. ولكن هذا القول هو الصواب؛ للآية المذكورة، وما سواه من الأقوال ليس عليها دليل.
قال ابن رجب ﵀: وقالت طائفة: تجب الجمعة على من بينه وبين الجمعة فرسخ، وهو ثلاثة أميال، وهو قول ابن المسيب، والليث، ومالك، ومحمد بن الحسن، وهو رواية عن أحمد.
قال: ومن أصحابنا من قال: لا فرق بين هذا القول، والذي قبله؛ لأنَّ الفرسخ هو منتهى ما يسمع فيه النداء غالبًا.
قال: وقالت طائفة: تجب الجمعة على من بينه وبينها أربعة أميال، ورُوي عن ابن المنكدر، والزهري، وعكرمة، وربيعة.
وعن ربيعة أيضًا: تجب على من إذا نودي لصلاة الجمعة، وخرج من بيته ماشيًا، أدرك الجمعة.
قال: وقالت طائفة: تجب على من أَوَاه الليل إلى منزله، قال ابن المنذر: رُوي ذلك عن ابن عمر، وأبي هريرة، وأنس، والحسن، ونافع، وكذلك قال عكرمة، والحكم، وعطاء، والأوزاعي، وأبو ثور، وهو قول أبي خيثمة زهير بن حرب، وسليمان بن داود الهاشمي، وفيه حديث مرفوعٌ عن أبي هريرة، ذكره الترمذي، وبيَّنَ ضعفَ إسناده، وأنَّ أحمد أنكره أشد الإنكار. اهـ
стр. 1407
قال أبو عبد الله: أما حديث أبي هريرة المذكور؛ فضعيفٌ جدًّا أخرجه الترمذي برقم (٥٠١)، وفي إسناده: عبد الله بن سعيد المقبري، وهو متروك، وفيه: معارك بن عبَّاد، وحجَّاج ابن نصير، وكلاهما شديد الضَّعف. ثم رأيت حجاج بن نصير قد تابعه مسلم بن إبراهيم عند البيهقي (٣/ ١٧٦) فبقيت العلة في الآخرين.
وأما الآثار المتقدمة عن الصحابة، فأثر أنس من طريق: معمر عن قتادة، وهي رواية ضعيفة، وأثر أبي هريرة فيه: أيوب بن عتبة، وهو ضعيفٌ، وأثر ابن عمر إسناده صحيح.
قال أبو عبد الله: وفي المسألة أقوال أخرى، والتي ذكرناها هي الأشهر، والصواب -فيما يظهر لي- هو قول ربيعة: تجب على من إذا نودي لصلاة الجمعة، وخرج من بيته ماشيًا، أدرك الجمعة. لأن الله لم يلزم الناس بالسعي للجمعة؛ إلا عند سماع النداء، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩]، فإذا كان لا يدرك الجمعة بعد سماع النداء؛ فكيف يلزم بحضورها. (١)
مسألة [٥]: هل تجب الجمعة على الأعمى ؟
• ذهب جمهور العلماء إلى وجوبها على الأعمى القادر على الإتيان، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، وأبي يوسف، وقال أبو حنيفة: لا تجب عليه.
стр. 1408
والصواب ما ذهب إليه الجمهور؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يرخص للأعمى في ترك الجماعة؛ فالجمعة من باب أولى، ولأنَّه يشمله عموم الآية، وعموم حديث الباب، والله أعلم.
مسألة [٦]: حكم البيع بعد أذان الجمعة ؟
قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩]، فهذه الآية نص صريح في تحريم البيع بعد سماع النداء يوم الجمعة، والمراد به النداء الثاني الذي كان على عهد النبي ﷺ ؛ إذ لم يكن في عهده ﵊ غيره، وهو حين يجلس الخطيب على المنبر. هذا هو الصحيح، وعليه أكثر العلماء.
وعن أحمد رواية: أن التحريم يحصل بالأذان الأول، وهو قول إسحاق، والأصح عند الحنفية. وعن أحمد رواية بتحريم البيع بالزوال، لا بالنداء، وقال بذلك الثوري وإسحاق في رواية.
وقد نقل إسحاق بن راهويه الإجماع على تحريم البيع. وممن صرح بالمنع الحسن، وعطاء، وأيوب، والضحاك، والشعبي، ومكحول، وعمر بن عبد العزيز.
وحكى القاضي إسماعيل عمن لم يسمه أنه يقول: مكروه. لقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، ورد ذلك بقول تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾.
стр. 1409
وهل يفسد البيع أم لا؟
فيه خلاف بين أهل العلم:
• فقال بعض أهل العلم: إن البيع فاسد، وهو قول القاسم، وربيعة، ومالك، والليث، والثوري، وأحمد، وإسحاق. وهذا هو الصحيح؛ لأنه عمل مخالف للشرع منهي عنه؛ فاقتضى النهي الفساد.
• وقال بعض أهل العلم: لا يفسد البيع، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، والعنبري، وبعض المالكية. (١)
مسألة [٧]: هل يشمل النهيُ البيعَ في حال المشي وهما ساعيان إلى الجمعة ؟
• ذهب بعض أهل العلم إلى أن النهي لا يشمل البيع في حالة المشي؛ لأنهما ساعيان، وهذا قول الشافعية، وبعض الحنفية، وبعض المالكية؛ لأنه قد سعى إلى ذكر الله، ولم يشغله البيع عن السعي.
• وذهب الحنابلة وبعض المالكية، وبعض الحنفية إلى المنع؛ عملًا بعموم الآية المتقدمة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩].
والعمل بهذا القول أحوط، والقول الأول له وجهٌ. (٢)
стр. 1410
مسألة [٨]: ما حكم بيع من لا تلزمه الجمعة كالعبد والمسافر والمرأة ؟
• إذا باع المذكورون بعد أذان الجمعة؛ فبيعهم صحيح؛ لأنهم لا تلزمهم الجمعة، وهو قول الشافعي، ورواية عن أحمد، وهو الصحيح.
• وذهب أحمد في رواية إلى أن العبد والمسافر لا يجوز لهما البيع بعد النداء. (١)
مسألة [٩]: ما حكم عقود المعاملات الأخرى غير البيع بعد نداء الجمعة ؟
• ذهب الحنفية والشافعية، وبعض الحنابلة إلى أن النهي يشمل جميع العقود؛ لأنها تشغل عن السعي للجمعة.
• وذهب المالكية إلى تخصيص ذلك بعقود المعاوضات، لا النكاح، والهبة، والخلع، والصدقة ... ونحوها. وهو مذهب الحنابلة.
وهذا القول أقرب؛ لظاهر الآية، ولكن المسلم مأمور بالسعي للجمعة، فلا يجوز له أن يشتغل بشاغل عن السعي، والله أعلم. (٢)
стр. 1411
٤٣٠ - وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ ﵁ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الجُمُعَةَ، ثُمَّ نَنْصَرِفُ وَلَيْسَ لِلْحِيطَانِ ظِلٌّ يُسْتَظَلُّ بِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. (١)
وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: كُنَّا نُجَمِّعُ مَعَهُ إذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ نَرْجِعُ، نَتَتَبَّعُ الفَيْءَ. (٢)
٤٣١ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: مَا كُنَّا نَقِيلُ، وَلَا نَتَغَدَّى إلَّا بَعْدَ الجُمُعَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. (٣) وَفِي رِوَايَةٍ: فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . (٤)
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مسألة [١]: أول وقت الجمعة .
• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ أول وقت الجمعة هو زوال الشمس؛ لأنها بدل صلاة الظهر، وصلاة الظهر تبدأ بزوال الشمس بالإجماع، والذي هو معذور في ترك الجمعة؛ فإنه يصلي الظهر.
واستدلوا على ذلك بحديث أنس في «صحيح البخاري» (٥)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس، وقد بوَّبَ عليه البخاري في «صحيحه»: [باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس]، قال: وكذلك يروى عن عمر، وعلي، والنعمان
стр. 1412
ابن بشير، وعمرو بن حريث.
قلتُ: وهي آثار صحيحة، وقد بيَّن من وصلها الحافظ في «التغليق».
• وذهب أحمد، وإسحاق، إلى جواز إقامة الجمعة قبل الزوال، واستدلوا بحديث سلمة بن الأكوع، وسهل بن سعد اللَّذَيْنِ في الباب، واستدلوا بحديث جابر بن عبد الله في «صحيح مسلم» (٨٥٨)، قال: كُنَّا نصلي الجمعة مع النبي ﷺ ، ثم نرجع إلى نواضحنا، فنريحها حين تزول الشمس.
واستدلوا بأثر عبد الله بن سيدان، عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، أنهم كانوا يصلون الجمعة قبل نصف النهار، أو عند انتصافه.
قال أبو عبد الله غفر الله له: وقول الجمهور هو الصواب.
وأما حديث سلمة بن الأكوع: فالمقصود منه نفي الظل الكبير الذي يصلح للاستظلال به كما في الرواية الأخرى: «ثم نرجع نتتبع الفيء».
وأما حديث سهل بن سعد: فليس فيه إشكال؛ فإنه أطلق على الأكلة غداءً، وعلى الاستراحة تلك قيلولة، باعتبار أصلها، لا أنها فُعِلَتْ في وقتها.
وأما حديث جابر: ففيه التعجيل الشديد بالصلاة بعد الزوال، ولا يُنافي ذلك أنْ يكونوا صلَّوها بعد الزوال؛ لأنَّ لفظة: «حين تزول الشمس» تشمل وقت الزوال وقبله بقليل، وبعده بقليل.
وعلى التسليم؛ فإنما يستفاد من الحديث جواز التعجيل اليسير قبل الوقت؛
стр. 1413
بحيث تقع الخطبة، أو بعضها مع الصلاة في الوقت، والله أعلم.
وأما أثر عبد الله بن سيدان: فلا يصح، ولا يثبت؛ فإنه مجهول العدالة، وقال البخاري: لا يُتابع على حديثه. يعني حديثه المذكور.
• وقد اختلف القائلون بجواز فعلها قبل الزوال في أول وقتها؛ فالمشهور في مذهب الحنابلة أنَّ وقتها من طلوع الشمس قيد رمح، وقال بعضهم: من الساعة السادسة؛ لحديث أبي هريرة ﵁ في «الصحيحين» (١) أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من راح في الساعة الأولى ... ، ومن راح في الساعة الخامسة ... » الحديث.
• وقال بعض الحنابلة: يجوز فعلها من بعد صلاة الفجر، وأنكر هذا القول ابن رجب ﵀، وقال: وهذا القول غُلُوٌّ من قائله، وكيف يجوز إقامة الجمعة في وقت صلاة الفجر .... إلخ.
وقد جاء عن ابن مسعود، ومعاوية، أنهما صلَّيا الجمعة ضُحًى، ولا يثبت عن واحد منهما؛ فإنَّ أثر ابن مسعود في إسناده: عبد الله بن سلمة المرادي، وفيه ضعفٌ، وأثر معاوية في إسناده: سعيد بن سويد، وهو مجهول. (٢)
مسألة [٢]: آخر وقت الجمعة .
قال ابن رجب ﵀ (٥/ ٤٢٠): وأما آخر وقت الجمعة: فهو آخر وقت الظهر، هذا هو قول جمهور العلماء، وهو قول أبي حنيفة، والثوري، والحسن بن
стр. 1414
حي، ومالك في رواية، والشافعي، وأحمد، وعبد العزيز بن الماجشون ... ، ونقل ابن القاسم، عن مالكٍ، أن آخر وقتها: غروب الشمس. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: قول الجمهور هو الصواب؛ لحديث أبي قتادة في «صحيح مسلم» (٦٨١)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَجِيءَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى»، فهذا الحديث نصٌّ على أنَّ صلاة الجمعة ينتهي وقتها بدخول وقت صلاة العصر، والله أعلم.
مسألة [٣]: إذا خرج وقت الظهر، وهو في صلاة الجمعة ؟
قال النووي ﵀ في «المجموع» (٤/ ٥١٣): إذا خرج وقت الظهر وهم في صلاة الجمعة، فمذهبنا أنها تفوت الجمعة ويتمونها ظهرًا، وقال أبو حنيفة: تبطل، ويستأنفون الظهر. وقال عطاء: يتمها جمعة. وقال أحمد: إن كان صلى منها ركعة؛ أتمها جمعة، وإن كان أقل؛ يتمها ظهرًا. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب قول من قال: يتم الصلاة إن كان قد صلَّى ركعة. وأما إذا لم يدرك ركعةً قبل خروج الوقت؛ فإنه لا يصلي، ويأثم إثمًا كبيرًا إنْ أخَّرها حتى خرج وقتها لغير عذرٍ.
стр. 1415
٤٣٢ - وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا، فَجَاءَتْ عِيرٌ مِنَ الشَّامِ، فَانْفَتَلَ النَّاسُ إلَيْهَا، حَتَّى لَمْ يَبْقَ إلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: ما هو العدد الذي تنعقد به الجمعة ؟
• في هذه المسألة أقوال، منها:
الأول: تنعقد بأربعين رجلًا. وهو مذهب الشافعي، وأحمد في المشهور عنه، وإسحاق، ورواية عن مالك، واستدلوا بأن أسعد بن زرارة أول من جمَّع بهم في نقيع الخضمات، وكانوا أربعين رجلًا. (٢) واستدلوا بحديث جابر بن عبد الله عند الدارقطني، أنه قال: مضت السُّنَّة أنَّ في كل أربعين فصاعدًا جمعة. وهو حديث شديد الضعف، وسيأتي في الكتاب.
الثاني: تنعقد بخمسين رجلًا، رُوي ذلك عن عمر بن عبد العزيز، وهو رواية عن أحمد.
الثالث: تنعقد باثني عشر رجلًا، وهو قول ربيعة، واسْتُدِلَّ له بحديث جابر المتقدم في الباب.
الرابع: تنعقد بأربعة، وهو قول أبي حنيفة وصاحبيه، والأوزاعي، ومالك
стр. 1416
والثوري في رواية عنهما، والليث.
الخامس: تنعقد بثلاثة، وهو قول ابن المبارك، والأوزاعي، والثوري، وأبي ثور، وأحمد في رواية، واختار هذا القول الإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين رحمهما الله، واستدلوا على ذلك بأن أقل الجمع ثلاثة، وبحديث أبي الدرداء: «ما من ثلاثة في قرية لا تُقام فيهم الصلاة إلا كان قد استحوذ عليهم الشيطان».
أخرجه أبوداود (٥٤٧) وفي إسناده: السائب بن حبيش، وهو مجهول الحال.
السادس: أنها تنعقد بما تنعقد به الجماعة، وهما اثنان، وهو قول الحسن بن صالح، وأبي ثور، وداود الظاهري، وحُكي عن مكحول، وهو اختيار ابن حزم، والصنعاني، والشوكاني، والألباني، والوادعي، واستدلوا على ذلك بحديث طارق ابن شهاب: «الجمعة حقٌّ واجبٌ على كل مسلم في جماعة» والجماعة تحصل باثنين، وقالوا: لا دليل على التحديد بأكثر من ذلك.
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأخير هو الصواب؛ لما تقدم، وأما استدلال القائلين بأربعين، وكذا باثني عشر، فهي وقائع حصلت اتفاقًا من غير قصد، وأما التحديد بأربعة، وثلاثة؛ فليس عليه دليل، والله أعلم. (١)
فائدة: الجمعة لا تُصلَّى إلا جماعة، ولا تصح من منفرد كما دلَّ على ذلك حديث طارق بن شهاب، وقد نقل الإجماع على ذلك الإمام النووي، والحافظ ابن رجب رحمة الله عليهما. (٢)
стр. 1417
٤٣٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُول اللهِ ﷺ : «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا فَلْيُضِفْ إلَيْهَا أُخْرَى، وَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ». رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، لَكِنْ قَوَّى أَبُوحَاتِمٍ إرْسَالَهُ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: بماذا تُدركُ صلاة الجمعة ؟
• في المسألة أقوال:
القول الأول: أنَّ الجمعة تُدرَكُ بإدراك الخطبة، ومن فاتته الخطبة؛ صلَّى ظهرًا، وهو قول طاوس، وعطاء، ومجاهد، ومكحول، وسعيد بن جبير، وقالوا: الخطبة بدلٌ عن الركعتين، وقد رُوي هذا القول عن عمر بن الخطاب، ولا يثبت؛ فإنه منقطعٌ؛ فقد أخرجه عبد الرزاق (٣/ ٢٣٧)، وابن أبي شيبة (٢/ ١٢٨) من
стр. 1418
طريق عمرو بن شعيب، عن عمر به. وهو لم يدرك عمر ﵁.
القول الثاني: أنَّ الجمعة تُدركُ بإدراك الإمام قبل التسليم، وهو قول الحكم، وحماد، وأبي حنيفة وأصحابه، وداود، وابن حزم، وغيرهم، واستدلوا بحديث أبي هريرة: «ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا» متفق عليه. (١)
القول الثالث: أنَّ الجمعة تُدركُ بإدراك ركعة، وهو قول أكثر العلماء، منهم: الحسن، والنخعي، والزهري، والأوزاعي، والليث، والثوري، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وقد استدل هؤلاء بحديث الباب، وبعموم حديث أبي هريرة في «الصحيحين»: «من أدرك ركعة من الصلاة؛ فقد أدرك الصلاة»، وقد صحَّ هذا القول عن جماعة من الصحابة، وهم: ابن عمر، وابن مسعود، وأنس ﵃، ولا يُعلم لهم مخالف من الصحابة.
وهذا القول رجَّحه الإمام الألباني، والإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين، وغيرهم رحمة الله عليهم، وهو اختيار شيخنا يحيى حفظه الله في كتابه «أحكام الجمعة»، وهو الصواب؛ لعموم حديث أبي هريرة المتقدم.
فإن قيل: إنَّ حديث أبي هريرة المقصود به إدراك الركعة من الصلاة قبل خروج وقتها؟
قلنا: هذا هو الظاهر من حديث أبي هريرة، والأمر في مسألتنا كذلك؛ فإنَّ المسبوق ينتهي عليه وقت الجمعة بانتهاء صلاة الجمعة، فيكون مُدْرِكًا لها
стр. 1419
بإدراك ركعة، والله أعلم، وهذا هو قول الصحابة كما تقدم، وهم أعلم بالشرع مِنَّا، وبالله التوفيق.
تنبيه: إذا فاتت القوم الجمعة صلوا ظهرًا بالإجماع، نقله ابن المنذر في «الأوسط» (٤/ ١٠٧)، وخالف ابن حزم فقال: يصلون جمعة، وهو قول محدث، مخالف للإجماع قبله، ومخالف لفعل الصحابة. (١)
فائدة: قال الحافظ ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٥/ ٥٢٨): وذهب عطاءٌ إلى أن من حضر الخطبة فقد أدرك الجمعة، فلو أحدث بعد حضوره الخطبة، فذهب، فتوضأ، ثم رجع وقد فرغ الإمام من صلاة الجمعة، أنه يصلي ركعتين؛ لأنه قد حضر الخطبة. نقله عبد الرزاق، عن ابن جريجٍ عنه. وخالفه جمهور العلماء، فقالوا: يصلي أربعًا. اهـ
قلتُ: والصواب قول الجمهور، والله أعلم.
مسألة [٢]: إذا أدرك المسافر من صلاة الجمعة التشهد ؟
• من أهل العلم من قال: يصلي أربعًا ظهرًا؛ لأنه صلى خلف مقيم، وهو قول الأوزاعي، والثوري، وأحمد، والشافعي.
• وقال إسحاق: يصلي الظهر ركعتين؛ لأنه مسافر فيقصر.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الذي يظهر أنه يجوز له أن ينوي الإتمام؛ لأنه
стр. 1420
صلى خلف مقيم، ويجوز له أن ينوي القصر؛ لأنه لم يدرك أكثر من ركعتين، والله أعلم. (١)
مسألة [٣]: إذا ذكر المصلي أثناء صلاة الجمعة أنه لم يصلِّ الفجر ؟
• قال بعض أهل العلم: يتم الجمعة، ثم يصلي الصلاة الفائتة، وهو قول الشافعي، وهو الصحيح في المسألة؛ لأن المصلى مشغول بصلاة قد ضاق وقتها، وبخروجه عنه يذهب عليه وقتها.
وهذا القول مقتضى قول الجمهور.
• وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف: ينصرف، ويصلي الغداة، ثم إن أدرك الجمعة، وإلا صلى ظهرًا.
• وقال محمد بن الحسن، وزفر: إن خاف فوات الجمعة؛ صلى الجمعة. (٢)
стр. 1421
٤٣٤ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ (، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ قَائِمًا، فَمَنْ نَبَّأَك أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ جَالِسًا فَقَدْ كَذَبَ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم الخطبة قائمًا .
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٥/ ٤٧٤): واختلف العلماء في الخطبة جالسًا، فمنهم من قال: لا يصح. وهو قولُ الشافعي، وَحُكِي رواية عن مالكٍ، وأحمد. وقال ابن عبدالبر: أجمعوا على أن الخطبة لا تكون إلا قائمًا لمن قدر على القيام. ولعله أراد إجماعهم على استحباب ذلك؛ فإن الأكثرين على أنها تصح من الجالس، مع القدرة على القيام، مع الكراهة، وهو قولُ أبي حنيفة ومالك، والمشهور عن أحمد، وعليه أصحابه، وهو قول إسحاق أيضًا. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب قول الجمهور، أعني استحباب القيام، وكراهة الجلوس؛ لمداومة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- على ذلك، وهذ لا يفيد أكثر من تأكد الاستحباب، والله أعلم. (٢)
مسألة [٢]: حكم الجلوس بين الخطبتين .
• ذهب الشافعي وأصحابه إلى وجوبها؛ لمداومة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- على فعل ذلك.
• وذهب أكثر العلماء إلى الاستحباب، وعدم الوجوب، وهو الصواب؛ لما تقدم في المسألة السابقة. (٣)
стр. 1422
٤٣٥ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا خَطَبَ، احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ: صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ، وَيَقُولُ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١)
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ (٢): كَانَتْ خُطْبَةُ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الجُمُعَةِ: يَحْمَدُ اللهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ عَلَى أَثَرِ ذَلِكَ وَقَدْ عَلَا صَوْتُهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ (٣): «مَنْ يَهْدِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ». وَلِلنَّسَائِيِّ: «وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ». (٤)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم خطبة الجمعة .
• ذهب جمهور العلماء إلى أنها شرطٌ لصلاة الجمعة، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ وبقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «صلوا كما رأيتموني أصلي» مع مداومة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- على ذلك، وقال بعضهم: خطبتا الجمعة بدل ركعتي الظهر، والبدل يأخذ حكم المبدل منه.
стр. 1423
• ثم اختلف الجمهور: هل الخطبتان شرطٌ، أم تجزئه خطبة واحدة؟
فذهب إلى الأول: أحمد، وهو المشهور من مذهبه، والشافعي وأصحابه، وذهب إلى الثاني: مالك، والأوزاعي، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر، وأصحاب الرأي، وأحمد في رواية.
وذهب الحسن، وابن سيرين، وداود، وابن حزم، والجويني، وعبدالملك المالكي، ومالك في رواية إلى عدم وجوب الخطبة وإلى أنها مستحبة استحبابًا شديدًا؛ لمداومة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عليها.
وقد رجَّح الإمام الشوكاني هذا القول في «نيل الأوطار»، فقال: وَقَدْ عَرَفْتَ غَيْرَ مَرَّةٍ أَنَّ مُجَرَّدَ الْفِعْلِ لَا يُفِيدُ الْوُجُوبَ.
وقال أيضًا: وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ ﷺ : «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»، وَهُوَ مَعَ كَوْنِهِ غَيْرُ صَالِحٍ لِلِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى الْوُجُوبِ لِمَا قَدَّمْنَا فِي أَبْوَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ لَيْسَ فِيهِ إلَّا الْأَمْرُ بِإِيقَاعِ الصَّلَاةِ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي كَانَ يُوقِعُهَا عَلَيْهَا، وَالْخُطْبَةُ لَيْسَتْ بِصَلَاةٍ.
وقال في جوابه عن الآية: وَرُدَّ بِأَنَّ الْوَاجِبَ بِالْأَمْرِ هُوَ السَّعْيُ فَقَطْ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ السَّعْيَ لَيْسَ مَأْمُورًا بِهِ لِذَاتِهِ بَلْ لِمُتَعَلِّقِهِ وَهُوَ الذِّكْرُ، وَيُتَعَقَّبُ هَذَا التَّعَقُّبِ بِأَنَّ الذِّكْرَ الْمَأْمُورَ بِالسَّعْيِ إلَيْهِ هُوَ الصَّلَاةُ، غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْخُطْبَةِ، وَقَدْ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى وُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالنِّزَاعِ فِي وُجُوبِ الْخُطْبَةِ؛ فَلَا يَنْتَهِضُ هَذَا الدَّلِيلُ لِلْوُجُوبِ. اهـ
стр. 1424
وقال ابن حزم ﵀ في «المحلَّى» (٥٢٧): ومن لهذا الْمُقْدِم أن الله تعالى أراد بالذكر المذكور فيها الخطبة، بل أول الآية، وآخرها يكذبان ظنَّه الفاسد؛ لأنَّ الله تعالى إنما قال: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، ثم قال : ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الجمعة:١٠]، فصح أن الله إنما افترض السعي إلى الصلاة إذا نودي لها، وأمر إذا قضيت بالانتشار وذكره كثيرًا؛ فصح يقينا أن الذكر المأمور بالسعي له هو الصلاة، وذكر الله تعالى فيها بالتكبير، والتسبيح، والتمجيد، والقراءة، والتشهد لا غير ذلك. اهـ.
قلتُ: يظهر لي -والله أعلم- أنَّ الصحيح قول الجمهور، أن الخطبة شرط لصلاة الجمعة؛ فإن لم تقم الخطبة؛ فلا يصلوا الجمعة، وإنما يصلون ظهرًا، لأنه لم يعهد عن النبي ﷺ ، وأصحابه صلاة جمعة بدون خطبة، ويدل على ذلك أن الصحابة رضوان الله عليهم، لما وافق يوم الجمعة يوم العيد، وصلوا العيد مع ابن الزبير، ثم لم يخرج عليهم لصلاة الجمعة؛ صلوا الظهر وحدانًا، ولم يصلوا الجمعة.
فقد أخرج أبو داود (١٠٧١) بإسنادٍ صحيحٍ عن عطاء بن أبي رباح، قال: صلى بنا ابن الزبير في يوم عيد، في يوم جمعة أول النهار، ثم رحنا إلى الجمعة، فلم يخرج إلينا فصلينا وحدانا، وكان ابن عباس بالطائف، فلما قدم ذكرنا ذلك له، فقال: «أصاب السنة». (١)
стр. 1425
مسألة [٢]: الحمد والثناء على الله في الخطبة .
نقل ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٥/ ٤٨٥)، عدم الخلاف في أنَّ خطبة الجمعة تُستفتح بالحمد. ثم ذكر حديث جابر الذي في الباب.
• وقد اختلف أهل العلم في وجوب الحمد في الخطبة: فذهب الشافعية، والحنابلة إلى أنَّ الحمد ركنٌ من أركان الخطبة، واستدلوا بمداومة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- على ذلك مع حديثٍ ضعيفٍ وهو: «كل أمر ذي بال لا يُبدأ فيه بحمد الله؛ فهو أجذم». (١)
• وذهب المالكية، والحنفية إلى أنَّ الحمد سنَّةٌ، وهو ظاهر كلام شيخ الإسلام، وابن حزم، والسعدي؛ فإنهم قالوا: يكفي في الخطبة ما يقع عليه اسم الخطبة عُرفًا، ومال إلى ذلك الشيخ ابن عثيمين ﵀، وهذا القول أقرب إلى الصواب؛ لأنَّ فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لا يدل إلا على الاستحباب، والله أعلم. (٢)
مسألة [٣]: الصلاة على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الخطبة .
• ذهب الشافعية، والحنابلة إلى اشتراط ذلك، وجعلوا ذلك ركنًا من أركان الخطبة، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح:٤]، وقالوا: معناه: لا أُذْكَرُ؛
стр. 1426
إلا ذُكِرتَ معي.
• وذهب المالكية، والحنفية إلى عدم الوجوب، واختاره ابن حزم، وابن القيم، والسعدي، ومال إليه ابن عثيمين، وهذا القول هو الصواب؛ لعدم وجود دليل يدل على الوجوب، ودليلهم لا دلالة فيه على ما استدلوا به؛ فإنَّ معناه: أنَّ الله رفع ذكره، وقدْرَهُ، ولم يُعلم أحد قال بأنه يجب أن يذكر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كلما ذُكر الله عزوجل، والله أعلم. (١)
مسألة [٤]: هل يجب على الخطيب الموعظة في الخطبة ؟
• ذهب إلى وجوب ذلك الشافعية، والحنابلة، وأكثرهم على أنه لا يتعين في الموعظة لفظ: (تقوى الله)، بل يقوم مقامه أي وعظٍ كان مما هو في معناه، واشترط جماعة منهم لفظ: (تقوى الله).
• وذهب الحنفية، والمالكية إلى أنها سنة، ويجزئه كل ما يطلق عليه خطبة، وإنْ لم يشتمل على الأمر بتقوى الله تعالى، وهو ظاهر اختيار ابن حزم. (٢)
قال الإمام النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٤/ ٥٢٢): قد ذكرنا أنَّ أركانها عندنا خمسة، وبه قال أحمد. -يعني الثلاثة المتقدمة والدعاء للمسلمين، وقراءة شيء من القرآن-.
стр. 1427
قال: وقال الأوزاعي، وإسحاق، وأبو ثور، وابن القاسم المالكي، وأبو يوسف، ومحمد، وداود: الواجب ما يقع عليه اسم الخطبة. وقال أبو حنيفة: يكفيه أن يقول: سبحان الله، أو باسم الله، أو الله أكبر. اهـ
قلتُ: وما ذهب إليه الأوزاعي، وإسحاق، ومن معهم هو الصواب، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، والله أعلم.
مسألة [٥]: قول الخطيب: (أما بعد)، بعد الحمد والثناء .
دلَّ حديث الباب على أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يقول هذه الكلمة في خُطَبِهِ، وقد بوب البخاري في «صحيحه»: [باب من قال في الخطبة بعد الثناء: أما بعد]. ثم ذكر في الباب ستة أحاديث عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في ذلك.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٥/ ٤٨٤): فَدَلَّتْ هذه الأحاديث كلها على أن الخطب كلها، سواء كانت للجمعة، أو لغيرها، وسواء كانت على المنبر، أو على الأرض، وسواء كانت من جلوس، أو قيام؛ فإنها تبتدأ بحمد الله والثناء عليه بما هو أهله، ثم يذكر بعد ذلك ما يحتاج إلى ذكره من موعظة، أو ذكر حاجة يحتاج إلى ذكرها، ويفصل بين الحمد والثناء، وبين ما بعده بقوله: (أما بعد)، والمعنى في الفصل بـ: (أما بعد) الإشعار بأن الأمور كلها وإن جلت وعظمت؛ فهي تابعة لحمد الله والثناء عليهِ، فذاك هوَ المقصود بالإضافة، وجميع المهمات تبعٌ له من أمور الدين والدنيا. انتهى المراد.
стр. 1428
مسألة [٦]: رفع الصوت في الخطبة .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٣/ ١٧٨): ويُستحبُّ أن يرفع صوته ليُسْمِعَ الناس. اهـ. ثم استدل بحديث جابر الموجود في الباب.
وقال شيخنا يحيى حفظه الله تعالى في «أحكام الجمعة» (ص ١٥٧): قال النووي في «شرح مسلم»، والشوكاني في «النيل» رحمهما الله: فيه أنَّه يُستحب للخطيب أن يفخم أمر الخطبة، ويرفع صوته، ويجزل كلامه، ويظهر الغضب، والفزع؛ لأنَّ تلك الأمور إنما تكون عند اشتدادها. قلت: نعم، لكن لا ينبغي أن يتكلف رفع الصوت فوق طاقته، فلربما بُحَّ صوته، وتعب، وبعد أن يتعب من رفع الصوت يكون مُعرَّضًا لكثرة اللحن، وسوء التعبير، وعدم استحضار الأدلة ... انتهى المراد من كلامه.
مسألة [٧]: هل يشترط في خطبة الجمعة أن تكون باللغة العربية ؟
• أما مع عدم القدرة على اللغة العربية، أو عدم فهمها إن كان عند أعاجم فيجوز الخطبة بغير اللغة العربية عند أهل العلم، وقد نص على ذلك جمع من الشافعية، والحنابلة.
• وأما مع القدرة على اللغة العربية؛ فجعلها الشافعية والحنابلة من شروط صحة الخطبة، في الأصح في المذهبين.
• ويوجد وجه عند المذهبين بصحة الخطبة، ولو كانت بغير العربية، وهذا أقرب مع الكراهة؛ لأن القصد هو إبلاغ الخير والوعظ للناس، وقد قال تعالى:
стр. 1429
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾.
هذا وما يتعلق بالآيات القرآنية؛ فلا يجوز أن تقرأ بغير العربية؛ لأن القرآن أنزل باللغة العربية، ولكن لا بأس أن يفسر الآيات بغير العربية، والله أعلم. (١)
مسألة [٨]: هل تُشترط الطهارة للخطبة ؟
• اشترطها الشافعي في الجديد، وهي رواية عن أحمد.
• والرواية الأخرى عن أحمد وهي الأشهر: أنه لا يُشترط، وهو قول الشافعي في القديم، وهو قول مالك، وداود، وأبي حنيفة، وهذا القول هو الصواب؛ لعدم وجود دليل على الاشتراط، والله أعلم. (٢)
مسألة [٩]: جلوس الإمام على المنبر إذا رقاه حتى يفرغ المؤذن من الأذان .
أخرج البخاري في «صحيحه» (٩١٥) عن السائب بن يزيد قال: إنَّ التأذين الثاني في يوم الجمعة أمر به عثمان بن عفان حين كثر أهل المسجد وكان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الإمام.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في شرح هذا الحديث: وجلوس الإمام على المنبر يوم الجمعة إذا رَقَى المنبر حتى يفرغ من الأذان سنة مسنونة، تلقتها الأمة بالعمل بها، خلفًا عن سلف.
ثم قال: ولا خلاف أنه غير واجب. اهـ
стр. 1430
٤٣٦ - وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ، وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
تتمة الحديث في «صحيح مسلم»: «فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة، وإنَّ من البيان لسحرًا».
قال النووي ﵀: وليس هذا الحديث مخالفًا للأحاديث المشهورة في الأمر بتخفيف الصلاة؛ لأنَّ المراد بالحديث الذي نحن فيه أنَّ الصلاة تكون طويلة بالنسبة إلى الخطبة، لا تطويلًا يشق على المأمومين. اهـ
وقال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٣/ ١٧٩): ويُستحب تقصير الخطبة؛ لما رَوى عمَّار ... فذكر حديث الباب.
قال: وقال جابر بن سمرة: كنت أصلي مع النبي ﷺ ، فكانت صلاته قصدًا، وخطبته قصدًا. رواه مسلم. اهـ (٢)
قلتُ: وهذا هو قول الجمهور، أعني استحباب تقصير الخطبة.
• وقد ذهب ابن حزم إلى عدم جواز تطويل الخطبة، والظاهر هو قول الجمهور؛ إلا إنْ شقَّ على الناس بالتطويل، والله أعلم.
стр. 1431
٤٣٧ - وَعَنْ أُمِّ هِشَامِ بِنْتِ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ ﵂، قَالَتْ: مَا أَخَذْت ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق:١] إلَّا عَنْ لِسَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَقْرَؤُهَا كُلَّ جُمُعَةٍ عَلَى المِنْبَرِ إذَا خَطَبَ النَّاسَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: استحباب قراءة القرآن في الخطبة .
فيه استحباب الإكثار من قراءة القرآن في الخطبة، واستحباب الخطبة بهذه السورة.
قال النووي ﵀: قال العلماء: سبب اختيار ﴿ق﴾ أنها مشتملة على البعث، والموت، والمواعظ الشديدة، والزواجر الأكيدة، وفيه دليل للقراءة في الخطبة، وفيه استحباب قراءة ﴿ق﴾، أو بعضها في كل خطبة. اهـ
مسألة [٢]: هل قراءة شيء من القرآن شرط لصحة الخطبة ؟
• ذهب إلى اشتراط ذلك الشافعي وأصحابه في المشهور عنهم، والإمام أحمد في الرواية المشهورة عنه، وهو الصحيح من المذهب عند أصحابه، وعليها أكثرهم، واستدلوا بفعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كما في حديث الباب، وكما سيأتي من حديث جابر بن سمرة ﵄.
стр. 1432
• وذهبت طائفة من أهل العلم إلى أنَّ ذلك سنة، وليس بواجب، وهو قول المالكية، والحنفية، ووجهٌ عند الشافعية، ورواية عن أحمد اختارها بعض أصحابه، وهو اختيار ابن حزم، وابن القيم، والشوكاني، والسعدي.
وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (١)
стр. 1433
بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة
مسألة [١]: إذا قرأ الخطيب بسورة فيها سجدة، فهل ينزل ويسجد، أم لا ؟
• منع مالك من ذلك، وقال: هي تطوع؛ فلا يشتغل بها أثناء الخطبة.
• وخالفه جمهور العلماء، فقالوا بمشروعية سجود التلاوة.
واستدلوا بحديث أبي سعيد الخدري ﵁، في «سنن أبي داود» (١٤١٠): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قرأ على المنبر يوم الجمعة سورة [ص]، فلما جاء السجدة، نزل فسجد، وسجد الناس معه.
وإسناده صحيح، وصححه الإمام الوادعي ﵀ في «الصحيح المسند» (٤١٧).
وصحَّ عن عمر بن الخطاب ﵁ في «البخاري» (١٠٧٧) أنه قرأ بسورة النحل على المنبر يوم الجمعة، فنزل، فسجد، وسجد الناس.
ومذهب الجمهور هو الصواب. (١)
стр. 1434
٤٣٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ تَكَلَّمَ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ فَهُوَ كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا. وَالَّذِي يَقُولُ لَهُ: أَنْصِتْ لَيْسَتْ لَهُ جُمُعَةٌ». رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ لَا بَأْسَ بِهِ (١)، وَهُوَ يُفَسِّرُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» مَرْفُوعًا:
٤٣٩ - «إذَا قُلْتَ لِصَاحِبِك: أَنْصِتْ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ». (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: حكم الكلام أثناء الخطبة .
• ذهب جماعة من أهل العلم إلى تحريم الكلام أثناء الخطبة، وهو مذهب أحمد في المشهور عنه، ومالك، والأوزاعي، وأبي حنيفة، وهو قول الشافعي في القديم، وقال به من التابعين: عطاء، ومجاهد، وعزا ابن رجب هذا القول إلى الأكثرين، واستدلوا بأحاديث الباب، وبحديث أبي هريرة أنَّ أبا ذرٍّ سأل أُبي بن كعب في الخطبة عن سورة متى نزلت؟ فأعرض عنه، فلما انتهت الخطبة، قال أُبي لأَبي ذر: ليس لك من صلاتك إلا ما لغوت. فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «صدق أُبي»، وفي الباب أحاديث أخرى في الإنصات إلى كلام الخطيب.
стр. 1435
• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى كراهة ذلك، ولم يقولوا بالتحريم، وهو الجديد من مذهب الشافعي، والصحيح عند الشافعية، وحُكي رواية عن أحمد، وبه قال عروة، وسعيد بن جبير، والشعبي، والنخعي، والثوري، وداود، واستدلوا ببعض الأحاديث التي فيها كلام بعض الناس للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وهو على المنبر، كالذي سأل الاستسقا، والذي سأل عن صلاة الليل والذي جاء يسأل عن دينه، وغيرهم.
وقد أجاب أصحاب القول الأول عن هذه الأحاديث بأنها مخصوصة بالكلام مع الخطيب للحاجة جمعًا بين الأدلة، والقول الأول هو الصواب، والله أعلم. (١)
مسألة [٢]: متى يجب الإنصات ؟
• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ الإنصات يجب بشروع الإمام في الخطبة، وهو المروي عن عمر بن الخطاب ﵁ بإسناد صحيح (٢)، أنهم كانوا ينصتون له إذا شرع في الخطبة.
• وقد ذهب طائفة من أهل الكوفة إلى أنه يجب بخروج الإمام، وهو قول الحكم، وأبي حنيفة.
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حديث أبي هريرة: «والإمام يخطب». (٣)
стр. 1436
مسألة [٣]: متى ينتهي النهي عن الكلام في الخطبة ؟
• ذهب جمهور أهل العلم إلى أنه ينتهي بفراغ الإمام من الخطبتين، ويجوزون الكلام مع نزوله، وبين الصلاة والخطبة.
• وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ النهي يمتد إلى الدخول في الصلاة.
قال أبو عبد الله غفر الله له: قول الجمهور هو الصواب؛ لحديث أبي هريرة السابق، والله أعلم. (١)
مسألة [٤]: حكم الكلام بين الخطبتين عند جلوس الإمام .
• منع من ذلك الأوزاعي، وإسحاق، وأصحاب مالك، وبعض الشافعية، والحنابلة، وقالوا: هو سكوت يسير يشبه سكوت الإمام للتنفس.
• وذهب طائفة من الحنابلة، والشافعية، إلى جواز الكلام في ذلك الوقت، وهذا القول أصحُّ؛ لحديث أبي هريرة السابق: «والإمام يخطب»، وفي حديثه الآخر في «صحيح مسلم»: «ثم أنصت إذا تكلم الإمام ... »، ومع ذلك فالأولى أن يسكت إذا لم يحتج إلى الكلام، والله أعلم. (٢)
مسألة [٥]: الإشارة في الخطبة .
من احتاج إلى الكلام في الخطبة؛ فلا يتكلم، وله أن يُشير، قال ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٥/ ٤٩٦): ولا خلاف في جواز الإشارة بين العلماء؛ إلا ما حُكِي عن
стр. 1437
طاوس وحده يعني أنه كره ذلك ولا يصح؛ لأنَّ الإشارة في الصلاة جائزة، ففي حال الخطبة أولى. اهـ
وثبت عن ابن عمر ﵄ كما في «مصنف عبد الرزاق» (٣/ ٢٢٥) أنه كان يشير في الخطبة، وهو كذلك عند ابن أبي شيبة (٢/ ١١٧)، وأخرج أيضًا ذلك عن مجزأة بن زاهر الأسلمي ﵁ بإسناد صحيح أنه رأى رجلا يتكلم يوم الجمعة، فأشار إليه أن اسكت. (١)
مسألة [٦]: إذا تكلم الخطيب بالبدعة والفسوق ؟
• قال ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٥/ ٥٠٣): فأما إنْ تَكَلَّم بكلام محرم، كبدعةٍ، أو كَسَبِّ السَّلف، كما كان يفعله بنو أمية، سوى عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه، فقالت طائفةٌ: يلحق بالخطب وينصت لهُ، رُوي عن عمرو بن مُرَّة، وقتادة.
• قال: والأكثرون على خلاف ذلك، منهم: الشعبي، وسعيد بن جبيرٍ، وأبو بردة، وعطاءٌ، والنخعي، والزهري، وعروة، والليث بن سعدٍ، وهو الصحيح؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام:٦٨] الآية، وما كانَ مُحرَّمًا حرم استماعه والإنصات إليه، ووجب التشاغل عنه، كسماع الغناء، والآت اللهو، ونحو ذلك، ولعل قول عمرو بن مرة، وقتادة في كلامٍ مباحٍ، لا في محرمٍ. اهـ
стр. 1438
قال أبو عبد الله غفر الله له: ما صححه ابن رجب هو الصواب، وهو ترجيح شيخنا مقبل الوادعي ﵀. (١)
مسألة [٧]: هل للمستمع للخطبة أن يصلي على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إذا ذُكِرَ ؟
• في المسألة قولان:
القول الأول: أنه يصلي على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في نفسه، وهو مذهب مالك، وأحمد، وإسحاق، وأبي يوسف، واستدلوا بحديث: «البخيل من ذُكِرتُ عنده، فلم يصل عليَّ» (٢)، وحديث: «رغم أنف رجلٍ ذُكرتُ عنده، فلم يُصَلِّ عليَّ» (٣)، قالوا: وعموم الأمر بالإنصات مُقيَّد بهذه الأدلة، وهو يصلي في نفسه، فلا يُنافي الإنصات. قالوا: وتخصيص عموم أحاديث النهي عن الكلام أولى؛ لأنَّ عمومها ضعيفٌ، فقد خصص في الكلام مع الخطيب، وخصص بصلاة تحية المسجد، وفيها الصلاة على النبي ﷺ ، وخصص بالكلام الواجب، كتنبيه الضَّرير، أو تنبيه الغافل عن بعض الهوام، ونحو ذلك.
القول الثاني: أنه يُنصت، ولا يُصلي على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وهو اختيار الثوري، وأبي حنيفة، ومحمد، والليث، ومالك في رواية، والشافعي، واستدلوا بعموم
стр. 1439
أحاديث النهي عن الكلام، وهو اختيار شيخنا مقبل الوادعي ﵀.
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول أقرب إلى الصواب؛ لما تقدم والله أعلم وهو اختيار الإمام ابن باز ﵀ وحكم الحمد في العطاس كحكم الصلاة. (١)
مسألة [٨]: من تكلم متعمدًا في الخطبة، فهل يصلي جمعة، أو ظهرًا ؟
جاء عن عكرمة، وعطاء الخراساني، أنهما قالا: من لغا فلا جمعة له.
وبنحوه قال الأوزاعي. والمراد أنه يفوته ثواب الجمعة، وبذلك فسَّره عطاء، وابن وهب.
وقال إسحاق: يُخشى عليه فوات الأجر. وبذلك قال عطاء.
وقال الحسن، والزهري: يصلي ركعتين.
وقال الثوري: يستغفر الله، ويصلي.
قال الحافظ ابن رجب ﵀: ولا يصح عن أحدٍ خلاف ذلك، والله أعلم.
يعني: أنه يصلي الجمعة، لا الظهر.
قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في «التمهيد» (١٩/ ٣٧): على هذا جماعة الفقهاء من أهل الرأي والأثر وجماعة أهل النظر لا يختلفون في ذلك وحسبك بهذا أصلا وإجماعا. اهـ. (٢)
стр. 1440
مسألة [٩]: من لم يسمع الخطبة؛ لبعده، أو صممه، فهل ينصت ؟
• في هذه المسألة أقوال:
القول الأول: يذكر الله في نفسه، ويقرأ القرآن، وهو قول علقمة، وعطاء، وسعيد بن جبير، والنخعي، والشافعي، والثوري، وأحمد، وإسحاق.
القول الثاني: أنه يُنصت، ولا يتكلم بشيء، وهو قول الزهري، والأوزاعي، ومالك، وأبي حنيفة.
القول الثالث: لا يجب عليه الإنصات مطلقًا، بل يُباح له الكلام، وهو قول عروة بن الزبير، وطائفة من أصحاب الشافعي، وأومأ إليه أحمد، فقال: يشرب الماء إذا لم يسمع. واختاره القاضي أبو يعلى.
قال أبو عبد الله غفر الله له: أمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالإنصات، ولم يخص من سمع ممن لم يسمع، ولكن من المعلوم أنَّ المراد من الإنصات هو سماع كلام الخطيب، وعدم التهويش على غيره، وعلى هذا؛ فالظَّاهر أنَّ له أن يذكر الله في نفسه، ولا يلزمه الانصات، وإن أنصت؛ فحسن، والله أعلم. (١)
مسألة [١٠]: حكم تشميت العاطس، ورد السلام .
• في المسألة أقوال:
القول الأول: الجواز، وهو قول الحسن، والشعبي، والنخعي، والحكم،