مسألة [٣]: متى ينتهي النهي عن الكلام في الخطبة ؟
• ذهب جمهور أهل العلم إلى أنه ينتهي بفراغ الإمام من الخطبتين، ويجوزون الكلام مع نزوله، وبين الصلاة والخطبة.
• وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ النهي يمتد إلى الدخول في الصلاة.
قال أبو عبد الله غفر الله له: قول الجمهور هو الصواب؛ لحديث أبي هريرة السابق، والله أعلم. (١)
مسألة [٤]: حكم الكلام بين الخطبتين عند جلوس الإمام .
• منع من ذلك الأوزاعي، وإسحاق، وأصحاب مالك، وبعض الشافعية، والحنابلة، وقالوا: هو سكوت يسير يشبه سكوت الإمام للتنفس.
• وذهب طائفة من الحنابلة، والشافعية، إلى جواز الكلام في ذلك الوقت، وهذا القول أصحُّ؛ لحديث أبي هريرة السابق: «والإمام يخطب»، وفي حديثه الآخر في «صحيح مسلم»: «ثم أنصت إذا تكلم الإمام ... »، ومع ذلك فالأولى أن يسكت إذا لم يحتج إلى الكلام، والله أعلم. (٢)
مسألة [٥]: الإشارة في الخطبة .
من احتاج إلى الكلام في الخطبة؛ فلا يتكلم، وله أن يُشير، قال ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٥/ ٤٩٦): ولا خلاف في جواز الإشارة بين العلماء؛ إلا ما حُكِي عن
стр. 1437
طاوس وحده يعني أنه كره ذلك ولا يصح؛ لأنَّ الإشارة في الصلاة جائزة، ففي حال الخطبة أولى. اهـ
وثبت عن ابن عمر ﵄ كما في «مصنف عبد الرزاق» (٣/ ٢٢٥) أنه كان يشير في الخطبة، وهو كذلك عند ابن أبي شيبة (٢/ ١١٧)، وأخرج أيضًا ذلك عن مجزأة بن زاهر الأسلمي ﵁ بإسناد صحيح أنه رأى رجلا يتكلم يوم الجمعة، فأشار إليه أن اسكت. (١)
مسألة [٦]: إذا تكلم الخطيب بالبدعة والفسوق ؟
• قال ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٥/ ٥٠٣): فأما إنْ تَكَلَّم بكلام محرم، كبدعةٍ، أو كَسَبِّ السَّلف، كما كان يفعله بنو أمية، سوى عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه، فقالت طائفةٌ: يلحق بالخطب وينصت لهُ، رُوي عن عمرو بن مُرَّة، وقتادة.
• قال: والأكثرون على خلاف ذلك، منهم: الشعبي، وسعيد بن جبيرٍ، وأبو بردة، وعطاءٌ، والنخعي، والزهري، وعروة، والليث بن سعدٍ، وهو الصحيح؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام:٦٨] الآية، وما كانَ مُحرَّمًا حرم استماعه والإنصات إليه، ووجب التشاغل عنه، كسماع الغناء، والآت اللهو، ونحو ذلك، ولعل قول عمرو بن مرة، وقتادة في كلامٍ مباحٍ، لا في محرمٍ. اهـ
стр. 1438
قال أبو عبد الله غفر الله له: ما صححه ابن رجب هو الصواب، وهو ترجيح شيخنا مقبل الوادعي ﵀. (١)
مسألة [٧]: هل للمستمع للخطبة أن يصلي على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إذا ذُكِرَ ؟
• في المسألة قولان:
القول الأول: أنه يصلي على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في نفسه، وهو مذهب مالك، وأحمد، وإسحاق، وأبي يوسف، واستدلوا بحديث: «البخيل من ذُكِرتُ عنده، فلم يصل عليَّ» (٢)، وحديث: «رغم أنف رجلٍ ذُكرتُ عنده، فلم يُصَلِّ عليَّ» (٣)، قالوا: وعموم الأمر بالإنصات مُقيَّد بهذه الأدلة، وهو يصلي في نفسه، فلا يُنافي الإنصات. قالوا: وتخصيص عموم أحاديث النهي عن الكلام أولى؛ لأنَّ عمومها ضعيفٌ، فقد خصص في الكلام مع الخطيب، وخصص بصلاة تحية المسجد، وفيها الصلاة على النبي ﷺ ، وخصص بالكلام الواجب، كتنبيه الضَّرير، أو تنبيه الغافل عن بعض الهوام، ونحو ذلك.
القول الثاني: أنه يُنصت، ولا يُصلي على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وهو اختيار الثوري، وأبي حنيفة، ومحمد، والليث، ومالك في رواية، والشافعي، واستدلوا بعموم
стр. 1439
أحاديث النهي عن الكلام، وهو اختيار شيخنا مقبل الوادعي ﵀.
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول أقرب إلى الصواب؛ لما تقدم والله أعلم وهو اختيار الإمام ابن باز ﵀ وحكم الحمد في العطاس كحكم الصلاة. (١)
مسألة [٨]: من تكلم متعمدًا في الخطبة، فهل يصلي جمعة، أو ظهرًا ؟
جاء عن عكرمة، وعطاء الخراساني، أنهما قالا: من لغا فلا جمعة له.
وبنحوه قال الأوزاعي. والمراد أنه يفوته ثواب الجمعة، وبذلك فسَّره عطاء، وابن وهب.
وقال إسحاق: يُخشى عليه فوات الأجر. وبذلك قال عطاء.
وقال الحسن، والزهري: يصلي ركعتين.
وقال الثوري: يستغفر الله، ويصلي.
قال الحافظ ابن رجب ﵀: ولا يصح عن أحدٍ خلاف ذلك، والله أعلم.
يعني: أنه يصلي الجمعة، لا الظهر.
قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في «التمهيد» (١٩/ ٣٧): على هذا جماعة الفقهاء من أهل الرأي والأثر وجماعة أهل النظر لا يختلفون في ذلك وحسبك بهذا أصلا وإجماعا. اهـ. (٢)
стр. 1440
مسألة [٩]: من لم يسمع الخطبة؛ لبعده، أو صممه، فهل ينصت ؟
• في هذه المسألة أقوال:
القول الأول: يذكر الله في نفسه، ويقرأ القرآن، وهو قول علقمة، وعطاء، وسعيد بن جبير، والنخعي، والشافعي، والثوري، وأحمد، وإسحاق.
القول الثاني: أنه يُنصت، ولا يتكلم بشيء، وهو قول الزهري، والأوزاعي، ومالك، وأبي حنيفة.
القول الثالث: لا يجب عليه الإنصات مطلقًا، بل يُباح له الكلام، وهو قول عروة بن الزبير، وطائفة من أصحاب الشافعي، وأومأ إليه أحمد، فقال: يشرب الماء إذا لم يسمع. واختاره القاضي أبو يعلى.
قال أبو عبد الله غفر الله له: أمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالإنصات، ولم يخص من سمع ممن لم يسمع، ولكن من المعلوم أنَّ المراد من الإنصات هو سماع كلام الخطيب، وعدم التهويش على غيره، وعلى هذا؛ فالظَّاهر أنَّ له أن يذكر الله في نفسه، ولا يلزمه الانصات، وإن أنصت؛ فحسن، والله أعلم. (١)
مسألة [١٠]: حكم تشميت العاطس، ورد السلام .
• في المسألة أقوال:
القول الأول: الجواز، وهو قول الحسن، والشعبي، والنخعي، والحكم،
стр. 1441
وقتادة، والثوري، وإسحاق، وأحمد في رواية، وهو قول الشافعي في الجديد، وبعض الشافعية، وذلك لوجوب الرد، فهو مخصوص من الإنصات.
القول الثاني: عدم جواز ذلك، وهو قول عطاء، ومالك، والأوزاعي، وأصحاب الرأي، وأحمد في رواية، وهو قول الشافعي في القديم، وبعض الشافعية، واستدلوا بعموم أحاديث الأمر بالإنصات، وعدم الكلام.
القول الثالث: يحرم على من يسمع الخطبة، ويُباح الرد على من كان بعيدًا لا يسمع، وهو قول أحمد في رواية، واختارها بعض أصحابه.
القول الرابع: لا يجوز رد السلام، ويجوز تشميت العاطس، وهو قول بعض الشافعية؛ وذلك لأنَّ الذي سلَّم كان ينبغي له أن لا يُسلم؛ فلم يستحق الرَّد، بخلاف العاطس؛ فإنَّ ذلك أمرٌ غالب عليه.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الراجح هو القول الثاني، ومن كان لا يسمع الخطبة؛ فردَّ كما قال أحمد، فلا بأس عليه إن شاء الله، والله أعلم. (١)
مسألة [١١]: هل يجب الإنصات على من كان في المسجد قبل أن يجلس ؟
قال ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٥/ ٥٠٤): فأما من دخل المسجد في حال الخطبة، فقالت طائفة: إنما يمتنع عليه الكلام إذا جلس، وأخذ مجلسه، وما دام يمشي؛ فله أن يتكلم، ويكلم من معه، وهذا قول الزهري، وقتادة، والثوري،
стр. 1442
والشافعي، وعموم قوله: «إذَا قُلْتَ لِصَاحِبِك: أَنْصِتْ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ» يشمل القائم، والقاعد، والماشي. اهـ
وما اختاره ابن رجب هو المختار عندي، والله أعلم.
مسألة [١٢]: شرب الخطيب الماء أثناء الخطبة .
• ذهب إلى إباحة ذلك جمع من أهل العلم، ومنهم: طاوس، ومجاهد، والشافعي.
• وذهب بعضهم إلى المنع من ذلك، وهو قول مالك، والأوزاعي، وأحمد، بل بالغ الإمام الأوزاعي؛ فقال: تفسد جمعته.
قال ابن المنذر ﵀: لا بأس به؛ لأن الأشياء على الإباحة، ولا نعلم حجة تمنع منه، والوقوف عنه أحسن في الأدب.
قال العبدري: قول الأوزاعي مخالف للإجماع. اهـ
قلتُ: والصحيح هو القول الأول؛ لعدم وجود دليل يدل على منع ذلك، وبالله التوفيق. (١)
стр. 1443
٤٤٠ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: دَخَلَ رَجُلٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ، فَقَالَ: «صَلَّيْتَ؟» قَالَ لَا، قَالَ: «قُمْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: تحية المسجد، والإمام يخطب .
• كره جماعة من أهل العلم أن يصلي الداخل ركعتين حال خطبة الخطيب، وقالوا: الاستماع واجبٌ؛ فيُقَدَّم على السنة.
وممن كره ذلك الثوري، ومالك، والليث، وأبو حنيفة.
• بينما ذهب طائفة من أهل العلم إلى مشروعية الصلاة حال الخطبة، واستحبوا ذلك مع التخفيف.
واستدلوا بحديث الباب، وهم: أحمد، والشافعي، وإسحاق، وابن المنذر.
وثبت عن أبي سعيد (٢) أنه لم يرضَ أن يجلس حتى صلَّى ركعتين.
وهذا القول هو الصواب، وهذا يدل على تأكد استحباب تحية المسجد كما تقدم في آخر باب المساجد، فراجعه. (٣)
стр. 1444
مسألة [٢]: هل يركع الخطيب تحية المسجد قبل الخطبة ؟
• ذهب جمهور العلماء إلى عدم مشروعية ذلك؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، والخلفاء بعده لم يُحفظ عن أحدٍ منهم أنهم كانوا يصلون تحية المسجد قبل الخطبة، بل يدخلون إلى الخطبة مباشرة، والله أعلم.
• وذهب بعض الشافعية إلى أنه يصلي.
وقد ضعف النووي هذا القول في «الروضة»، وقال: غريب، وشاذ، ومردود. وهو ضعيف كما يقول، والله أعلم. (١)
стр. 1445
٤٤١ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الجُمُعَةِ سُورَةَ الجُمُعَةِ، وَالمُنَافِقِينَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١)
٤٤٢ - وَلَهُ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵁ قَالَ: كَانَ يَقْرَأُ فِي العِيدَيْنِ، وَفِي الجُمُعَةِ: بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وَ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: حكم قراءة السُّوَر المذكورة في صلاة الجمعة .
استحبَّ أهل العلم القراءة في صلاة الجمعة بالسُّور المذكورة.
في الأولى: [سورة الجمعة]، وفي الثانية: [سورة المنافقين]، أو في الأولى: سورة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وفي الثانية: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾.
مسألة [٢]: يتولى الصلاة من يتولى الخطبة .
• ذهب عامة أهل العلم إلى أنَّ الصلاة يتولَّاها الذي يتولى الخطبة، وهو مذهب أحمد، والشافعي، والأوزاعي، والثوري، وأصحاب الرأي، ويجزئ عندهم أن يُصلي بالناس من لم يخطب.
• ولكن اختلفوا: هل يُشترط أن يكون ممن حضر الخطبة، أم لا؟ وفي ذلك
стр. 1446
روايتان عن الإمام أحمد:
إحداهما: أنه يُشترط أن يكون ممن حضر الخطبة، وهو قول الثوري، وأصحاب الرأي، وأبي ثور.
والثانية: أنه لا يُشترط، وهو قول الأوزاعي، والشافعي.
قال أبو عبد الله: والقول الثاني هو الصواب -والله أعلم-؛ لأنه تصح منه الجمعة؛ فتصحُّ منه الإمامة. (١)
مسألة [٣]: الخطبة تُقَدَّمُ على الصلاة .
• ذهب أصحاب المذاهب الأربعة إلى أنَّ تقديم الخطبة على الصلاة شرطٌ من شروط صحَّتها، وأنها لو أُخِّرَت عن الصلاة؛ فإنها لا تصح.
وقد قال بذلك الحنفية كما في «بدائع الصنائع» (١/ ٥٨٩)، والمالكية كما في «مدونة الفقه المالكي» (١/ ٥٣٧)، والشافعية كما في «المجموع» (٤/ ٥١٤)، والحنابلة كما في «الإنصاف» (٢/ ٣٦٥) (٢/ ٣٦٨).
• وقال في «الإنصاف» مبينًا عدم الخلاف في ذلك عند الحنابلة: ويُشترط تقدمها على الصلاة بلا نزاع.
قال أبو عبد الله غفر الله له: ويدل على ذلك مداومة فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لها قبل الصلاة، وهو القائل: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا؛ فهو ردٌّ».
стр. 1447
مسألة [٤]: الخطبة لا تكون إلا بعد دخول وقت الصلاة، كالصلاة .
• ذهب أصحاب المذاهب الأربعة إلى أنه يُشتَرطُ في خطبة الجمعة أن تكون بعد دخول وقت صلاة الجمعة؛ فإنْ وقعت، أو جزء منها قبله لم تجزئ، وقد قال بذلك الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، وقال به ابن حزم أيضًا.
قال أبو عبد الله غفر الله له: ويدل على ذلك أنَّ الخطبة لا تكون إلا بعد النداء، والنداء لا يجوز إلا عند دخول الوقت، وفي «البخاري» (٩١٢)، عن السائب بن يزيد ﵄: أنَّ الأذان يوم الجمعة أوله حين يجلس الإمام على المنبر، كان ذلك على عهد رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وعمر ... . الحديث.
ولكن كونها لا تصح إذا حصل جزء منها قبل الوقت موضع نظر؛ لأنه قد حصل بعضها في الوقت، والأظهر صحتها، والله أعلم. (١)
стр. 1448
٤٤٣ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ العِيدَ، ثُمَّ رَخَّصَ فِي الجُمُعَةِ، فَقَالَ: «مَنْ شَاءَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيُصَلِّ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم صلاة الجمعة إذا اجتمعت مع العيد في يوم واحد .
• في المسألة أقوال:
القول الأول: يسقط وجوب الجمعة على أهل القرى دون أهل البلد، والمصر، وهو قول الشافعي وأصحابه، واستدلوا بأثر عثمان في «صحيح البخاري» (٥٥٧١)، أنه قال: يا أيها الناس، إنَّ هذا يوم قد اجتمع لكم فيه عيدان، فمن أحبَّ أن ينتظر الجمعة من أهل العوالي؛ فلينتظر، ومن أحبَّ أن يرجع؛ فقد
стр. 1449
أذنت له.
القول الثاني: إذا صَلَّوا العيد لم تجب بعده صلاة حتى يصلي العصر، فيسقط عنه وجوب الجمعة، والظهر، وهذا قول عطاء، وذكر أنَّ ذلك صنيع ابن الزبير، وقال به إبراهيم النخعي، ونقل عن الشعبي، وهو من طريق مجالد عنه، وفيه ضعف، واختاره الشوكاني.
القول الثالث: يسقط وجوب الجمعة عن أهل البلد، ولكن ينبغي للإمام أن يصلي الجمعة، وهذا قول أحمد، وأصحابه، واستدلوا على سقوط وجوب الجمعة بأحاديث الباب، وصحَّ عن عمر بن الخطاب ﵁، بإسناد صحيح عند ابن المنذر (٤/ ٢٨٨)، أنه لم يُصلِّ الجمعة عند أن اجتمعت مع العيد، وصحَّ ذلك عن عثمان ﵁ كما تقدم، وعن علي ﵁ كما في «مصنف ابن أبي شيبة»، وثبت عن ابن الزبير، وابن عباس بإسناد صحيح كما في «المصنف» أيضًا، واستدلوا على أنَّ الإمام ينبغي له أن يصلي الجمعة بحديث أبي هريرة ﵁، الذي في الباب، ففيه قال: وإنَّا مُجَمِّعون. وهو إن كان مرسلًا؛ فإنه يشهد له حديث النعمان بن بشير ﵄ في «صحيح مسلم» (٨٧٨)، قال: كان النبي ﷺ يقرأ في العيد، والجمعة بـ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وَ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، قال: وإذا اجتمعا في يوم؛ قرأ بهما أيضًا في الصلاتين.
القول الرابع: لا تسقط الجمعة مطلقًا، وهو قول مالك، وأبي حنيفة.
قال أبو عبد الله: قول أحمد وأصحابه هو الصواب؛ لأدلتهم المذكورة.
стр. 1450
وقد اختلف أصحاب أحمد: هل يجب على الإمام إقامة الجمعة، أم لا؟
على قولين، والصواب عدم وجوبها؛ لحديث ابن الزبير وابن عباس ولأثر عمر ﵃، والله أعلم.
وأما استدلال الشافعية بأثر عثمان؛ فليس لهم فيه دلالة، بل الظاهر أنَّ عثمان يقول بالرخصة كقول غيره من الصحابة، ورأي أصحاب العوالي أحق بهذه الرخصة من غيرهم للمشقة الحاصلة عليهم؛ فخصَّهم بالذكر، والله أعلم. (١)
стр. 1451
٤٤٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الجُمُعَةَ فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعًا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: استحباب سنة الجمعة، وعدد ركعاتها .
فيه استحباب السنة الراتبة بعد الجمعة، وقد جاء في «الصحيحين» عن ابن عمر ﵄، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يصليها في بيته ركعتين.
• وقد اختلف أهل العلم في الجمع بين الحديثين على أقوال:
القول الأول: أنه مُخَيَّرٌ بين الركعتين، والأربع، وهو قول النخعي، وأحمد في رواية، وثبت عن ابن مسعود ﵁ بإسناد صحيح أنه كان يصلي أربعًا.
القول الثاني: إنْ صلَّى في المسجد؛ صلَّى أربعًا، وإنْ صلَّى في البيت؛ صلَّى ركعتين، وهو قول إسحاق.
القول الثالث: الإمام يصلي في البيت ركعتين، والمأموم في المسجد أربعًا، وهو قول أبي خيثمة، والجوزجاني.
القول الرابع: قال الشافعي: ما أكثر المصلي من التطوع بعد الجمعة؛ فهو أحب إلي.
стр. 1452
القول الخامس: يصلي أربعًا، أو ستًّا، وهو قول أحمد، وأبي حنيفة، والثوري.
القول السادس: يصلي ركعتين، ثم يصلي أربعًا، ثبت ذلك عن علي، وابن عمر، وأبي موسى، بأسانيد صحيحة، وقال به مجاهد، وعطاء، وحميد بن عبد الرحمن، والثوري.
قال أبو عبد الله غفر الله له: بعض الأقوال المتقدمة تتداخل، والأقرب في هذه المسألة: أنه مخير بين ركعتين، وأربع؛ لأنه هو الذي ثبت عن النبي ﷺ ، والله أعلم. (١)
стр. 1453
٤٤٥ - وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ﵁، أَنَّ مُعَاوِيَةَ ﵁ قَالَ لَهُ: إذَا صَلَّيْت الجُمُعَةَ فَلَا تَصِلْهَا بِصَلَاةٍ، حَتَّى تَتَكَلَّمَ أَوْ تَخْرُجَ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَنَا بِذَلِكَ: أَنْ لَا نوصِلَ صَلَاةً بِصَلَاةٍ حَتَّى نَتَكَلَّمَ أَوْ نَخْرُجَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: الفصل بين الفريضة والنافلة بكلام، أو تحول .
قال الإمام النووي ﵀ في «شرح مسلم»: فِيهِ دَلِيل لِمَا قَالَهُ أَصْحَابنَا، أَنَّ النَّافِلَة الرَّاتِبَة وَغَيْرهَا يُسْتَحَبّ أَنْ يَتَحَوَّل لَهَا عَنْ مَوْضِع الْفَرِيضَة إِلَى مَوْضِع آخَر، وَأَفْضَله التَّحَوُّل إِلَى بَيْته، وَإِلَّا فَمَوْضِع آخَر مِنْ الْمَسْجِد أَوْ غَيْره؛ لِيَكْثُر مَوَاضِع سُجُوده، وَلِتَنْفَصِل صُورَة النَّافِلَة عَنْ صُورَة الْفَرِيضَة.
وَقَوْله: (حَتَّى نَتَكَلَّم) دَلِيل عَلَى أَنَّ الْفَصْل بَيْنهمَا يَحْصُل بِالْكَلَامِ أَيْضًا. انتهى المراد.
قلتُ: وقول النووي: (لِيَكْثُر مَوَاضِع سُجُوده)، هذه عِلَّة ليس عليها دليل، ولكن العلة هي ما ذكره ﵀ من انفصال النافلة عن الفريضة، ولذلك يحصل ذلك بالكلام، والتحول.
وقال ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٥/ ٥٣٦): وأما مكان الصلاة بعد الجمعة؛ فالأفضل أن يكون في البيت لمن له بيت يرجع إليه؛ فإنْ صلَّى في المسجد، فهل
стр. 1454
يُكْرَه، أم لا؟ ذهب الأكثرون إلى أنه لا يُكره، ولكن يؤمر بالفصل بينها، وبين صلاة الجمعة، ومذهب مالك أنه يُكره للإمام أن يصلي بعد الجمعة في المسجد، ولا يُكره للمأموم إذا انتقل من موضع مصلَّاه. انتهى بتصرف.
قلتُ: الصواب قول الجمهور، والله أعلم.
٤٤٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنِ اغْتَسَلَ، ثُمَّ أَتَى الجُمُعَةَ، فَصَلَّى مَا قُدِّرَ لَهُ، ثُمَّ أَنْصَتَ حَتَّى يَفْرُغَ الإِمَامُ مِنْ خُطْبَتِهِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَعَهُ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى وَفَضْلُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
تقدم كثير من مباحث هذا الحديث.
وقوله: «فَصَلَّى مَا قُدِّرَ لَهُ»، يدل على استحباب التنفل قبل خروج الإمام يوم الجمعة.
قال النووي ﵀: وهو مذهبنا، ومذهب الجمهور.
قلتُ: وأما تحديد النافلة قبلها بأربع، أو إنكار التنفل مطلقًا؛ فليس عليه دليل، والله أعلم. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مسألة [١]: تعيين ساعة الجمعة المستجابة .
• اخْتُلِفَ في هذه المسألة اختلافًا كثيرًا كما في «الفتح» للحافظ ابن حجر ﵀، وأقوى تلك الأقوال قولان:
الأول: هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تُقضى الصلاة، واستدلوا بحديث أبي موسى الذي في الباب، وقد تقدم ما فيه، وقد قال بهذا القول ابن عمر (١)، وأبو بردة، والحسن، وأبو العالية، والشعبي، وغيرهم.
الثاني: هي آخر ساعة بعد العصر، واستدلوا بحديث جابر، وعبد الله بن سلام اللَّذَيْنِ في الباب، وصحَّ هذا القول عن عبدالله بن سلام، وأبي هريرة، وجاء عن عبدالله بن عباس من طريقين يحسَّن بهما، كما في «مصنف ابن أبي شيبة»، و «عبدالرزاق»، وهو قول طاوس، وعطاء، وغيرهم، وقد رجَّح الإمام الشوكاني هذا القول، وقال: والقول بأنها آخر ساعة من اليوم هو أرجح الأقوال، وإليه ذهب الجمهور من الصحابة (٢)، والتابعين، والأئمة. انتهى المراد. وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (٣)
стр. 1458
٤٥١ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: مَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ فَصَاعِدًا جُمُعَةً. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. (١)
الحكم المستفاد من الحديث
دلَّ هذا الحديث على أنَّ الجمعة إنما تقام بأربعين فصاعدًا، وقد استدل به من اشترط ذلك.
وقد تقدم ذكر هذه المسألة مع بيان الراجح فيها تحت حديث رقم (٤٣٢).
стр. 1459
٤٥٢ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَسْتَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ. رَوَاهُ البَزَّارُ بِإِسْنَادٍ لَيِّنٍ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم الدعاء للمؤمنين في الخطبة .
• ذهب أهل العلم إلى مشروعيته في الخطبة، وهو مذهب الحنابلة، والشافعية، والمالكية، والحنفية، حتى قال صاحب «الإنصاف»: وهذا بلا نزاع. اهـ، يعني في مذهبهم.
• وقد بالغ الشافعية في ظاهر مذهبهم، فقالوا: إنَّ ذلك ركنٌ من أركان الخطبة، واختاره النووي.
قال أبو عبد الله غفر الله له: لم أر أحدًا من المتقدمين منع من ذلك، وهو وقت يستجاب فيه الدعاء، ويجتمع فيه المسلمون، وقد دعا النبي ﷺ في الاستسقاء، وسيأتي أيضًا حديث عمارة بن رويبة، وسهل بن سعد ﵄، في المسألة التالية،
стр. 1460
وهما يدلان أيضًا على مشروعية الدعاء، وبالله التوفيق.
وأخرج عبد الرزاق (٣/ ٢١٦) عن ابن جريج، عن ابن شهاب قال: كان النبي ﷺ يدعو على المنبر يوم الجمعة فيؤمن الناس.
وهو مرسل يتقوى بما تقدم، وقد روي موصولًا، ولم يثبت؛ فأخرجه البيهقي (٣/ ٢١٠) من طريق قرة بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة به. ولا يثبت مرفوعًا. فإن قرة بن عبد الرحمن فيه ضعف، وتفرد بوصله. (١)
مسألة [٢]: حكم رفع اليدين في الدعاء في خطبة الجمعة .
أخرج مسلم (٨٧٤) عن عمارة بن رؤيبة ﵁، أنه رأى بشر بن مروان على المنبر رافعًا يديه، فقال: «قبح الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله ﷺ ما يزيد على أن يقول بيده هكذا، وأشار بإصبعه المسبحة».
وأخرجه أبو داود (١١٠٤)، ولفظه: «وهو يدعو في يوم جمعة»، وأخرجه الدارمي (١٥٦١)، ولفظه: «يدعو على المنبر»، وابن خزيمة (١٧٩٣)، ولفظه: «فرفع يديه في الدعاء»، والبيهقي (٣/ ٢١٠)، ولفظه: «يرفع يديه في الدعاء».
وأخرج أبو داود (١١٠٥)، وغيره، عن سهل بن سعد ﵁، قال: ما رأيت رسول الله ﷺ شاهرًا يديه قط يدعو على منبره، ولا على غيره، ولكن رأيته، يقول: هكذا، وأشار بالسبابة وعقد الوسطى بالإبهام. وفي إسناده عبد الرحمن بن معاوية،
стр. 1461
أبو الحويرث، وهو ضعيف، ويشهد له الحديث الذي قبله فيما يتعلق بخطبة الجمعة.
وأسند ابن أبي شيبة (٢/ ١٤٧) بإسناد صحيح عن الزهري قال: رفع الأيدي يوم الجمعة محدث.
وبإسناد صحيح عن ابن سيرين قال: أول من رفع يديه في الجمعة عبيد الله بن عبد الله بن معمر.
وأسند من طريق ليث بن أبي سليم، عن طاوس، أنه كان يكره دعاءهم الذي يدعونه يوم الجمعة، وكان لا يرفع يديه. وليث ضعيف.
وأسند بإسناد صحيح عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، قال: رفع الإمام يوم الجمعة يديه على المنبر، فرفع الناس أيديهم، فقال مسروق: قطع الله أيديهم.
وأسند في موضع آخر (١٤/ ٧٧) بإسناد صحيح عن الزهري، قال: رفع الأيدي يوم الجمعة محدث، وأول من أحدث رفع الأيدي يوم الجمعة مروان.
قال أبو عبد الله غفر الله له: يستفاد من الأدلة السابقة أن رفع الأيدي للدعاء في خطبة الجمعة ليس من السنة، بل هو من البدع والمحدثات.
ويستثنى من ذلك الاستسقاء فقد أخرج الشيخان عن أنس بن مالك ﵁: أن رجلا، دخل المسجد يوم جمعة من باب كان نحو دار القضاء، ورسول الله ﷺ قائم يخطب، فاستقبل رسول الله ﷺ قائما، ثم قال: يا رسول الله، هلكت
стр. 1462
الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا، فرفع رسول الله ﷺ يديه، ثم قال: «اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا» ... الحديث.
مسألة [٣]: حكم التأمين .
الذين تقدم عنهم أنهم يقولون بمشروعية الدعاء يقولون بمشروعية التأمين للمستمعين، وقيده بعض الحنابلة بكونه سرًّا، وهو قول المالكية. (١)
مسألة [٤]: حكم تخصيص صلاة الجمعة بالقنوت .
قال ابن أبي شيبة ﵀ في «المصنف» (٢/ ١٣٨): حدثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن نافع، قال: لم يكن عبد الله بن عمر ﵄، يقنت في الفجر والجمعة. وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات.
وأسند ابن أبي شيبة في «مصنفه» كراهة ذلك عن طاوس، ومكحول، والنخعي، وعمر بن عبد العزيز.
وأسند عبد الرزاق (٣/ ١٩٤) الكراهة عن الزهري، وقتادة، والحسن، وعطاء بن أبي رباح.
قال أبو عبد الله: هذا القنوت من البدع، لا دليل عليه، ولا يدخل في ذلك قنوت النوازل إذا قنت في الجمعة ضمنًا، كسائر الصلوات، وبالله التوفيق.
стр. 1463
٤٥٣ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي الخُطْبَةِ يَقْرَأُ آيَاتٍ مِنَ القُرْآنِ، يُذَكِّرُ النَّاسَ. رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَأَصْلُهُ فِي «مُسْلِمٍ». (١)
الحكم المستفاد من الحديث
يستفاد من الحديث استحباب التذكير بقراءة القرآن، وهكذا الأحاديث النبوية، وقد تقدم ذكر حكم ذلك.
стр. 1464
٤٥٤ - وَعَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ إلَّا أَرْبَعَةً: مَمْلُوكٌ، وَامْرَأَةٌ، وَصَبِيٌّ، وَمَرِيضٌ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَقَالَ: لَمْ يَسْمَعْ طَارِقٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ . (١)
وَأَخْرَجَهُ الحَاكِمُ مِنْ رِوَايَةِ طَارِقٍ المَذْكُورِ عَنْ أَبِي مُوسَى. (٢)
٤٥٥ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَيْسَ عَلَى مُسَافِرٍ جُمُعَةٌ». رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. (٣)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: من صلى الجمعة من المعذورين، فهل تجزئه عن صلاة الظهر ؟
قال النووي ﵀ في «المجموع» (٤/ ٤٩٥): المعذورون إنْ تركوا الظهر،
стр. 1465
وصلوا الجمعة؛ أجزأتهم بالإجماع، نقل الإجماع فيه ابن المنذر، وإمام الحرمين، وغيرهما. انتهى.
مسألة [٢]: هل تجب الجمعة على النساء ؟
قال ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (٤/ ١٦): أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أنْ لا جمعة على النساء، وأجمعوا على أنهن إذا حضرن الإمام، فصلين معه، أنَّ ذلك يجزئ عنهن. اهـ
قلتُ: ويدل على ذلك حديث طارق بن شهاب الذي في الباب. (١)
مسألة [٣]: هل تجب الجمعة على العبيد ؟
• في المسألة ثلاثة أقوال:
الأول: أنه ليس عليهم جمعة، وهو قول الجمهور؛ لحديث طارق بن شهاب الذي في الباب.
الثاني: أنَّ الجمعة واجبة على العبد الذي يؤدي الضريبة، وهو قول الحسن، وقتادة، والأوزاعي.
الثالث: أنَّ الجمعة واجبة على العبد، ولكن لا يجوز له الذهاب إذا لم يأذن له سيده، وهو قول داود الظاهري، وأحمد في رواية؛ لعموم الآية: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩] الآية.
стр. 1466
قال أبو عبد الله غفر الله له: حديث طارق بن شهاب نَصٌّ في محل النزاع؛ فالصواب قول الجمهور، ولولا حديث طارق؛ لَرَجَّحْنَا القول الثالث، والله أعلم. (١)
مسألة [٤]: هل تجب الجمعة على المسافر ؟
• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ المسافر لا تجب عليه الجمعة، وصحَّ عن ابن عمر ﵄، بإسناد صحيح أنه قال: ليس على المسافر جمعة. وصح عن عبد الرحمن ابن سمرة أنه أقام بكابل شتوة، أو شتوتين يصلي ركعتين، ولا يجمع. وصح عن أنس أنه أقام بنيسابور سنة، أو سنتين يصلي ركعتين، ولا يجمع. أخرجهما ابن أبي شيبة (٢/ ١٠٤).
• وحُكِيَ عن الزهري، والنخعي، وعطاء أنها تجب عليه الجمعة كالجماعة، وهو قول الأوزاعي، وبعض الظاهرية.
والصواب هو قول الجمهور؛ لحديث جابر بن عبد الله في «صحيح مسلم» (٢)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يوم عرفة صلَّى الظهر، وجمعها مع العصر، وقد كان يوم عرفة يوم الجمعة، ولم يُصَلِّها النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- جمعةً.
واستدل لهذا القول بحديث ابن عمر ﵄ الذي في الباب، وهو حديثٌ ضعيفٌ، والراجح وقفه على ابن عمر، ولا يُعلم لابن عمر مخالفٌ من الصحابة، والله أعلم.
مسألة [٥]: ما حكم السفر يوم الجمعة ؟
• أما قبل الزوال، فجمهور العلماء على جواز السفر، وهو قول أحمد، ومالك، والحسن، وابن سيرين، وهو قولٌ للشافعي، وصحَّ عن عمر بن الخطاب ﵁، أنه قال: إنَّ الصلاة لا تحبس عن سفر. يعني يوم الجمعة. أخرجه الشافعي كما في «المسند» (٤٣٥)، وابن المنذر (٤/ ٢١).
• وكره السَّفر يوم الجمعة طائفة من أهل العلم، منهم: سعيد بن المسيب، ومجاهد وصحَّ عن عائشة ﵂ وهو قولٌ للشافعي، قال النووي: الأصح عندنا تحريمه.
• وأما بعد زوال الشمس؛ فجمهور العلماء على عدم جواز السفر؛ لأنه مأمور بحضور الصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾.
• وخالف أبو حنيفة، والأوزاعي، فقالا بجواز السفر، مالم يحرم بالصلاة.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب قول الجمهور في كلا الحالتين، قبل الزوال وبعده، ولكن ينبغي أن يقيد بسماع النداء، لا بزوال الشمس؛ لأنَّ الجمعة تجب بسماع النداء، وقد نبَّه على ذلك الإمام ابن عثيمين ﵀.
تنبيه: وجوب حضور الجمعة بعد سماع النداء مخصوصٌ بما إذا احتاج إلى السفر في ذلك الوقت، وبمن يستطيع صلاة الجمعة في مكان آخر، فلكليهما أن يسافرا ولو بعد النداء، والله أعلم. وقد نبَّه على ذلك الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع». (١)
стр. 1469
٤٥٦ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إذَا اسْتَوَى عَلَى الْمِنْبَرِ اسْتَقْبَلْنَاهُ بِوُجُوهِنَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. (١)
٤٥٧ - وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: حكم اتخاذ المنبر، والخطبة عليه .
قال الإمام النووي ﵀ في «شرح مسلم» في الكلام على بعض الأحاديث (٦/ ١٥٢): وفيه استحباب اتخاذ المنبر، وهو سنة مُجْمَعٌ عليها. اهـ
وقال صاحب «المبدع» ﵀ (٢/ ١٦١): واتخاذه سنة مُجمع عليها.
قلتُ: والأدلة على اتخاذ المنبر كثيرة جدًّا تبلغ حد التواتر، والخطبة على المنبر أيضًا سنة مجمع عليها؛ فقد قال النووي ﵀ في «المجموع» (٤/ ٥٢٧): أجمع العلماء على أنه يستحب كون الخطبة على منبر.
قلتُ: وإذا لم يوجد منبر، أو تساهل؛ فخطب قائمًا على الأرض؛ فالخطبة صحيحة، ولا ينقصها شيء من واجباتها، والله أعلم.
стр. 1470
مسألة [٢]: استقبال وجه الخطيب، واستقبال الخطيب الناس .
قال ابن رجب ﵀ في «فتح الباري» (٤٧٦): وذكر الترمذي أَنَّ العمل على ذلك عند أهل العلم من الصحابة وغيرهم، يستحبون استقبال الإمام إذا خطب، قال: وهو قولُ سفيان، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. وقال ابن المنذر: هو كالإجماع ... ، وقال ابن عبد البر: لا أعلمهم يختلفون فيه. والأكثرون على إنهم إنما يستقبلوه في حال الخطبة، وهو قولُ أحمد. وقال إسحاق: يستقبلونه إذا خرج.
قال ابن رجب: أما استقبال الإمام أهل المسجد، واستدباره القبلة؛ فمجمع عليه أيضًا، والنصوص تدل عليه أيضًا؛ فإنه يخاطبهم ليفهموا عنه أيضًا، وذلك كله سنة، فلو خالفها الإمام؛ فقد خالف السنة، وَصَحَّت جمعته، ولأصحاب الشافعي وجه ضعيف: أنها لا تصح، والله أعلم. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: أما المسألة الأولى؛ فقد استدل عليها البخاري بحديث أبي سعيد ﵁، وهو في «الصحيحين» (١)، قال: جلس النبي ﷺ على المنبر، وجلسنا حوله. وأما المسألة الثانية؛ فالراجح ما ذهب إليه الجمهور، والله أعلم، خلافًا لما ذهب إليه بعض الشافعية.
وقد صح استقبال المستمع للخطيب عن أنس ﵁ كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٢/ ١١٨)، وجاء عن ابن عمر عند عبد الرزاق (٣/ ٢١٧)، وفي إسناده عبد الله العمري، وهو ضعيف. (٢)
стр. 1471
٤٥٨ - وَعَنِ الحَكَمِ بْنِ حَزْنٍ ﵁ قَالَ: شَهِدْنَا الجُمُعَةَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى عَصًا أَوْ قَوْسٍ. رَوَاهُ أَبُودَاوُد. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم الاعتماد على القوس والعصا .
• ذهب جمهور العلماء إلى استحباب ذلك، واستدلوا بأحاديث أصحها حديث الحكم بن حزن الذي في الباب، وكره الحنفية ذلك، ولا دليل لهم على ذلك.
وقد حمل ابن القيم حديث الحكم بن حزن، وشواهده على أنَّ ذلك كان قبل اتخاذ المنبر، ولا دليل له على هذا المحمل، بل الظاهر من حديث الحكم بن حزن أنَّ ذلك كان متأخرًا؛ لأنَّ الوفود التي وفدت كانت في الأعوام الأخيرة، والله أعلم. (٢)
مسألة [٢]: الاعتماد على السيف .
• ذهب جمهور العلماء إلى مشروعية الاعتماد على السيف، كالسوط، والقوس، وذهب الحنفية إلى استحباب ذلك في البلاد التي فُتِحت عنوة دون البلاد التي
стр. 1472
فُتِحت صُلْحًا.
قال ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (١/ ٤٢٩): ولم يُحفظ عنه أنه اعتمد على سيف، وما يظنه بعض الجهال أنه كان يعتمد على السيف دائمًا؛ فمن فرط جهله.
قال أبو عبد الله غفر الله له: أما تخصيص السيف بالاعتماد عليه كما أشار ابن القيم؛ فلا دليل على ذلك، بل هو من البِدَع، ولكن لو اعتمد عليه وفاقًا من غير قصد، أو لعدم وجود العصا؛ فلا بأس بذلك، والله أعلم.
وانظر المراجع السابقة.
стр. 1473
فَصْل فِي ذِكْرِ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَة
مسألة [١]: سلام الخطيب إذا صعد المنبر .
قلتُ: جاء في هذه المسألة أحاديث، منها: حديث جابر ﵁ عند ابن ماجه (١١٠٩)، وغيره، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان إذا صعد المنبر سلَّم. وفي إسناده: ابن لهيعة، وهو ضعيفٌ، مختلطٌ. وقال أبو حاتم في «العلل» (١/ ٢٠٥): حديث موضوعٌ. اهـ
قلتُ: فلعله أُدخل على ابن لهيعة من قِبَلِ بعض الكذابين، والله أعلم.
وجاء من حديث ابن عمر ﵄، أخرجه البيهقي (٣/ ٢٠٥)، وفي إسناده: عيسى بن عبد الله الأنصاري، يرويه عن نافع، عن ابن عمر، وهو ضعيفٌ، بل هو منكر الرواية عن نافع، وهذا الحديث مما أُنكر عليه كما في «الكامل» لابن عدي، وفي الباب مرسل من مراسيل الشعبي، أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١١٤)، وفي إسناده: مجالد الهمداني، وهو ضعيفٌ، ومرسل آخر من مراسيل عطاء، وإسناده صحيح كما في «مصنف عبد الرزاق» (٣/ ١٩٢)، والحديث بهذه الطُّرُق لا ينهض للحجية، والله أعلم.
وأما حكم المسألة: فقد ذهب أحمد، والأوزاعي، والشافعي إلى استحباب السلام من الخطيب إذا صعد المنبر، ومنع من ذلك أبو حنيفة، ومالك، وقالوا:
стр. 1474
يكفيه السلام الذي عند خروجه.
قال أبو عبد الله غفر الله له: والأقرب -والله أعلم- هو استحباب ذلك؛ إلا أن يكون قد سلَّم عند دخوله المسجد سلامًا أسمع الناس كلهم؛ فلا يُستحب له ذلك، والله أعلم. (١)
مسألة [٢]: حكم الحبوة والإمام يخطب .
جاء في النهي عن ذلك أحاديث لم يصح منها شيء، منها: حديث معاذ بن أنس، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب. أخرجه أبو داود (١١١٠)، والترمذي (٥١٤)، وفي إسناده: أبو مرحوم، وسهل بن معاذ، وكلاهما ضعيفٌ.
وجاء الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أخرجه ابن ماجه (١١٣٤)، وفي إسناده: بقية بن الوليد، وهو مدلس، وقد عنعن، وشيخه عبد الله بن واقد مجهول، ورواية بقية عن مشايخه المجهولين ليست بشيء كما نصَّ على ذلك بعض الحفاظ.
وأما حكم المسألة: فقد ذهب أكثر أهل العلم إلى إباحة الاحتباء والإمام يخطب، ولم يكرهوا ذلك، ذكر ذلك العراقي كما في «نيل الأوطار»، وصحَّ عن ابن عمر ﵄، أنه كان يحتبي كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٢/ ١١٩). (٢)
стр. 1475
مسألة [٣]: تحول الناعس من مكانه قبل الخطبة، أو أثنائها .
جاء في المسألة حديثان مرفوعان، أحدهما: حديث ابن عمر ﵄، عند أبي داود (١١١٩)، والترمذي (٥٢٦)، وغيرهما، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قال: «إذا نعس أحدكم في مجلسه يوم الجمعة؛ فليتحول منه»، وفي إسناده: محمد بن إسحاق، مدلس، وقد عنعن، ولم يصرح بالسماع، أو التحديث.
ثم وقفت على تصريحه بالسماع في «مسند أحمد» (٦١٨٧)، ولكن ابن المديني ﵀ قد أنكره على ابن إسحاق كما في «التهذيب»، فقال: لم أجد لابن إسحاق إلا حديثين منكرين فذكر هذا الحديث مع حديث آخر. اهـ وأعله بالوقف أيضًا الإمام أحمد كما في معرفة السنن والآثار (٢/ ٥٢٠).
قال البيهقي ﵀ في «الكبرى» (٣/ ٢٣٧): ولا يثبت رفع هذا الحديث، والمشهور عن ابن عمر من قوله، ثم أسنده من طريق الشافعي عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار عن ابن عمر موقوفًا.
وجاء من حديث سمرة بن جندب، أخرجه الطبراني في الكبير (٦٩٥٦)، والبيهقي (٣/ ٢٨٣) وغيره، وفي إسناده: إسماعيل بن مسلم المكي، وهو شديد الضعف. وأخرجه برقم (٧٠٠٣، و ٧٠٠٤) من طريق خبيب بن سليمان بن سمرة، عن أبيه، عن سمرة به. وخبيب، وأبوه مجهولان.
وقد استحب جماعة من أهل العلم لمن أصابه النعاس أن يتحول عن مكانه؛ للأدلة المتقدمة مع أثر ابن عمر ﵄. وأفتى الإمام أحمد بالتحول لمن نعس أخذًا