← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

٤٥٨ - وَعَنِ الحَكَمِ بْنِ حَزْنٍ ﵁ قَالَ: شَهِدْنَا الجُمُعَةَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى عَصًا أَوْ قَوْسٍ. رَوَاهُ أَبُودَاوُد. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: حكم الاعتماد على القوس والعصا . • ذهب جمهور العلماء إلى استحباب ذلك، واستدلوا بأحاديث أصحها حديث الحكم بن حزن الذي في الباب، وكره الحنفية ذلك، ولا دليل لهم على ذلك. وقد حمل ابن القيم حديث الحكم بن حزن، وشواهده على أنَّ ذلك كان قبل اتخاذ المنبر، ولا دليل له على هذا المحمل، بل الظاهر من حديث الحكم بن حزن أنَّ ذلك كان متأخرًا؛ لأنَّ الوفود التي وفدت كانت في الأعوام الأخيرة، والله أعلم. (٢) مسألة [٢]: الاعتماد على السيف . • ذهب جمهور العلماء إلى مشروعية الاعتماد على السيف، كالسوط، والقوس، وذهب الحنفية إلى استحباب ذلك في البلاد التي فُتِحت عنوة دون البلاد التي

стр. 1472

فُتِحت صُلْحًا. قال ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (١/ ٤٢٩): ولم يُحفظ عنه أنه اعتمد على سيف، وما يظنه بعض الجهال أنه كان يعتمد على السيف دائمًا؛ فمن فرط جهله. قال أبو عبد الله غفر الله له: أما تخصيص السيف بالاعتماد عليه كما أشار ابن القيم؛ فلا دليل على ذلك، بل هو من البِدَع، ولكن لو اعتمد عليه وفاقًا من غير قصد، أو لعدم وجود العصا؛ فلا بأس بذلك، والله أعلم. وانظر المراجع السابقة.

стр. 1473

فَصْل فِي ذِكْرِ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَة مسألة [١]: سلام الخطيب إذا صعد المنبر . قلتُ: جاء في هذه المسألة أحاديث، منها: حديث جابر ﵁ عند ابن ماجه (١١٠٩)، وغيره، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان إذا صعد المنبر سلَّم. وفي إسناده: ابن لهيعة، وهو ضعيفٌ، مختلطٌ. وقال أبو حاتم في «العلل» (١/ ٢٠٥): حديث موضوعٌ. اهـ قلتُ: فلعله أُدخل على ابن لهيعة من قِبَلِ بعض الكذابين، والله أعلم. وجاء من حديث ابن عمر ﵄، أخرجه البيهقي (٣/ ٢٠٥)، وفي إسناده: عيسى بن عبد الله الأنصاري، يرويه عن نافع، عن ابن عمر، وهو ضعيفٌ، بل هو منكر الرواية عن نافع، وهذا الحديث مما أُنكر عليه كما في «الكامل» لابن عدي، وفي الباب مرسل من مراسيل الشعبي، أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١١٤)، وفي إسناده: مجالد الهمداني، وهو ضعيفٌ، ومرسل آخر من مراسيل عطاء، وإسناده صحيح كما في «مصنف عبد الرزاق» (٣/ ١٩٢)، والحديث بهذه الطُّرُق لا ينهض للحجية، والله أعلم. وأما حكم المسألة: فقد ذهب أحمد، والأوزاعي، والشافعي إلى استحباب السلام من الخطيب إذا صعد المنبر، ومنع من ذلك أبو حنيفة، ومالك، وقالوا:

стр. 1474

يكفيه السلام الذي عند خروجه. قال أبو عبد الله غفر الله له: والأقرب -والله أعلم- هو استحباب ذلك؛ إلا أن يكون قد سلَّم عند دخوله المسجد سلامًا أسمع الناس كلهم؛ فلا يُستحب له ذلك، والله أعلم. (١) مسألة [٢]: حكم الحبوة والإمام يخطب . جاء في النهي عن ذلك أحاديث لم يصح منها شيء، منها: حديث معاذ بن أنس، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب. أخرجه أبو داود (١١١٠)، والترمذي (٥١٤)، وفي إسناده: أبو مرحوم، وسهل بن معاذ، وكلاهما ضعيفٌ. وجاء الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أخرجه ابن ماجه (١١٣٤)، وفي إسناده: بقية بن الوليد، وهو مدلس، وقد عنعن، وشيخه عبد الله بن واقد مجهول، ورواية بقية عن مشايخه المجهولين ليست بشيء كما نصَّ على ذلك بعض الحفاظ. وأما حكم المسألة: فقد ذهب أكثر أهل العلم إلى إباحة الاحتباء والإمام يخطب، ولم يكرهوا ذلك، ذكر ذلك العراقي كما في «نيل الأوطار»، وصحَّ عن ابن عمر ﵄، أنه كان يحتبي كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٢/ ١١٩). (٢)

стр. 1475

مسألة [٣]: تحول الناعس من مكانه قبل الخطبة، أو أثنائها . جاء في المسألة حديثان مرفوعان، أحدهما: حديث ابن عمر ﵄، عند أبي داود (١١١٩)، والترمذي (٥٢٦)، وغيرهما، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قال: «إذا نعس أحدكم في مجلسه يوم الجمعة؛ فليتحول منه»، وفي إسناده: محمد بن إسحاق، مدلس، وقد عنعن، ولم يصرح بالسماع، أو التحديث. ثم وقفت على تصريحه بالسماع في «مسند أحمد» (٦١٨٧)، ولكن ابن المديني ﵀ قد أنكره على ابن إسحاق كما في «التهذيب»، فقال: لم أجد لابن إسحاق إلا حديثين منكرين فذكر هذا الحديث مع حديث آخر. اهـ وأعله بالوقف أيضًا الإمام أحمد كما في معرفة السنن والآثار (٢/ ٥٢٠). قال البيهقي ﵀ في «الكبرى» (٣/ ٢٣٧): ولا يثبت رفع هذا الحديث، والمشهور عن ابن عمر من قوله، ثم أسنده من طريق الشافعي عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار عن ابن عمر موقوفًا. وجاء من حديث سمرة بن جندب، أخرجه الطبراني في الكبير (٦٩٥٦)، والبيهقي (٣/ ٢٨٣) وغيره، وفي إسناده: إسماعيل بن مسلم المكي، وهو شديد الضعف. وأخرجه برقم (٧٠٠٣، و ٧٠٠٤) من طريق خبيب بن سليمان بن سمرة، عن أبيه، عن سمرة به. وخبيب، وأبوه مجهولان. وقد استحب جماعة من أهل العلم لمن أصابه النعاس أن يتحول عن مكانه؛ للأدلة المتقدمة مع أثر ابن عمر ﵄. وأفتى الإمام أحمد بالتحول لمن نعس أخذًا

стр. 1476

بأثر ابن عمر ﵄، كما في «مسائل أبي داود» (١/ ٨٥). وأقول: الاستحباب حكمٌ شرعي، ولا يثبت إلا بدليل صحيح، ولكن من نعس قبل الخطبة، فأراد التحول لإذهاب النعاس؛ فلا يُنكر عليه، والله أعلم. (١) مسألة [٤]: حكم التبكير يوم الجمعة . استحب أهل العلم التبكير إلى الجمعة؛ لما أخرجه الشيخان عن أبي هريرة ﵁، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من اغتسل يوم الجمعة كغسل الجنابة، ثم راح في الساعة الأُولى، فكأنما قرَّب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية، فكأنما قرَّب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة، فكأنما قرَّب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة، فكأنما قرَّب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة، فكأنما قرَّب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر». وقد اختلف العلماء: متى تبدأ هذه الساعات؟ • فذهب مالك، وطائفة من أصحاب الشافعي إلى أنَّ هذه الساعات تبدأ من بعد زوال الشمس، واستدلوا بقوله في الحديث: «ثم راح»، والرَّواح يكون بعد زوال الشمس. • وذهب الثوري، وأبو حنيفة إلى أنها تبدأ من طلوع الشمس، ورجَّحه الخطابي، وابن حبيب المالكي، وقالوا: ما قبل ذلك يُعتبر وقتًا لصلاة الفجر. • وذهب الشافعي، وأحمد إلى أنَّ أول الساعات تبدأ بطلوع الفجر، وحجتهم أنَّ

стр. 1477

اليوم يبدأ بطلوع الفجر، وفي الحديث: «إذا كان يوم الجمعة كان على أبواب المسجد ملائكة يكتبون الأول فالأول ... ». (١) قال أبو عبد الله: وهذا القول هو الصواب؛ لقوة دليله، والله أعلم. (٢) تنبيه: استدلال المالكية بأنَّ الرَّواح لا يكون إلا بعد زوال الشمس غير مسلَّم، وقد أنكر الأزهري ذلك، وغلط قائله، فقد يستعمل ذلك فيما قبل الزوال، ولو سُلِّم بأنَّ حقيقة الرَّواح بعد الزوال؛ وجبَ حمله هنا على ما قبله مجازًا، ومن الأدلة على حمله على ذلك: حديث سهل بن سعد في «الصحيحين»: ما كُنَّا نقيل، ولا نتغدى إلا بعد الجمعة. (٣) مسألة [٥]: حكم تخطي رقاب الناس يوم الجمعة . • ذهب جمهور العلماء إلى كراهة ذلك؛ لحديث عبد الله بن بسر عند أبي داود وغيره، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رأى رجلًا يتخطى الرِّقاب، فقال: «اجلس؛ فقد آذيت». (٤) • وذهب ابن المنذر إلى تحريم ذلك، قال الشوكاني: وحكى أبو حامد في تعليقه عن الشافعي التصريح بالتحريم، وقال النووي في «زوائد الروضة»: المختار تحريمه.

стр. 1478

قال أبو عبد الله غفر الله له: الظاهر أنَّ قول الجمهور هو الصواب. والصارف للحديث إلى الكراهة هو حديث عقبة بن الحارث، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صلَّى العصر، ثم قام، فتخطى رقاب الناس إلى بيته .... الحديث. (١) ولكن إذا حصل منه أذية شديدة للقاعدين؛ فلا يؤمن عليه أن يقع في الإثم، والله أعلم. (٢) مسألة [٦]: متى يمنع التخطي ؟ قال ابن رجب ﵀ (٥/ ٤٤٠): وأكثر العلماء على كراهة تخطي الناس يوم الجمعة، سواء كان الإمام قد خرج، أم لم يخرج بعد، وقالت طائفة: لا يُكره التخطي؛ إلابعد خروجه، منهم: الثوري، ومالك، والأوزاعي في روايه، ومحمد ابن الحسن، ولهم في ذلك حديث ضعيف من حديث أرقم بن الأرقم المخزومي مرفوعًا: «الذي يتخطَّى الناس يوم الجمعة، ويفرِّق بين الاثنين بعد خروج الإمام كالجار قصبه إلى النار» (٣)، وفي إسناده: هشام بن زياد، أبو المقدام، ضعَّفوه. انتهى من الفتح بتصرف. قال أبو عبد الله غفر الله له: قول الجمهور هو الصواب؛ لعموم قوله: «اجلس؛ فقد آذيت»، فعلَّل ذلك بالأذية، وهي تحصل قبل خروج الإمام وبعده.

стр. 1479

مسألة [٧]: إذا وجد فرجة يصل إليها بالتخطي ؟ قال الحافظ ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٥/ ٤٤١): فإذا وجد فرجة لا يصل إليها إلا بالتخطي؛ ففيه قولان: أحدهما: يجوز له التخطي حينئذٍ، وهو قول الحسن، وقتادة، والأوزاعي، والشافعي، وغيرهم. والثاني: أنه يُكره، وهو قول عطاء، والثوري. وعن أحمد روايتان كالقولين. انتهى المراد. قال أبو عبد الله غفر الله له: الذي يظهر والله أعلم هو كراهة ذلك؛ إلا أن يحتاج إلى ذلك الموضع، كمن لا يجد موضعًا يجلس فيه، وما أشبهه. (١) مسألة [٨]: تخطي الرقاب للحاجة . قال الحافظ ابن رجب ﵀: ومتى احتاج إلى التخطي لحاجة لابدَّ منها، من وضوءٍ، أو غيره، أو لكونه لا يجد موضعًا للصلاة بدونه، أو كان إمامًا لا يمكنه الوصول إلى مكانه بدون التخطي؛ لم يُكره، وقد سبق حديث عقبة بن الحارث في قيام النبي ﷺ من صلاته مسرعًا يتخطى رقاب الناس. اهـ. (٢) مسألة [٩]: التفريق بين اثنين . في «البخاري» (٩١٠) من حديث سلمان الفارسي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجمُعَةِ، وَتَطَهَّرَ بِمَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، ثُمَّ ادَّهَنَ، أَوْ مَسَّ مِنْ طِيبٍ، ثُمَّ رَاحَ فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَصَلَّى مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ إِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ أَنْصَتَ؛

стр. 1480

غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجمُعَةِ الْأُخْرَى». قال الحافظ ابن رجب ﵀ (٩١٠): مما يدخل في التفريق بين اثنين: الجلوس بينهما إن كانا جالسين، أو القيام بينهما أن كانا قائمين في صلاة؛ فإن كان ذلك من غير تضييق عليهما، ولا دفع، ولا أذى، مثل أن يكون بينهما فرجة؛ فإنه يجوز، بل يستحب؛ لأنه مأمور بِسَدِّ الخلل في الصف، وإلَّا فهو منهي عنه، إلَّا أن يأذنا في ذلك. وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل للرجل أن يفرق بين اثنين؛ إلا بإذنهما» (١)، خرّجه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي. وقال: حديثٌ حسنٌ. فإن كان الجالسان بينهما قرابة، أو كانا يتحدثان فيما يباح، كان أشد كراهةً. اهـ مسألة [١٠]: إذا ازدحم المصلون في المسجد، ولم يستطع بعضهم أن يسجد على الأرض، فكيف يصنع ؟ قال الإمام النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٤/ ٥٧٥): أما إذا زُحم عن السجود، وأمكنه السجود على ظهر أخيه؛ فقد ذكرنا أنَّ الصحيح من مذهبنا أنه يلزمه ذلك، وبه قال عمر بن الخطاب، ومجاهد، والثوري، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود، وابن المنذر، وقال عطاء، والزهري، والحكم، ومالك: لا يجوز ذلك، بل ينتظر زوال الزحمة؛ فلو سجد لم يجزئه. وقال الحسن البصري: هو مُخَيَّرٌ بين السجود على ظهره، والانتظار. وقال نافع مولى ابن عمر: يومئ برأسه. انتهى المراد.

стр. 1481

قال أبو عبد الله غفر الله له: أثر عمر أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٦٥) بإسناد صحيح، والصواب في هذه المسألة أنَّ المصلي إذا علم أنه سيجد موضعًا للسجود إذا تأخر؛ فإنه يتأخر كما قال مالك، وإلَّا فإنه يسجد على ظهر أخيه، أو رجله، كما هو قول الجمهور، والله أعلم. ويدل على مشروعية التأخُّر: تأخرُ بعض الصحابة عن متابعة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في صلاة الخوف، ففي كلا المسألتين وُجِدَت الحاجة، والله أعلم. مسألة [١١]: إذا زحم المأموم عن الركوع والسجود حتى سلَّم الإمام من صلاة الجمعة ؟ • قال الإمام النووي ﵀ في شرح المهذب (٤/ ٥٧٥): مذهبنا أنَّ المأموم المزحوم تفوته الجمعة، ويتمها ظهرًا، وبه قال أيوب السختياني، وقتادة، ويونس، وأبو ثور، وابن المنذر. وقال الحسن، والنخعي، والأوزاعي، وأبو حنيفة، وأحمد: يصلي الجمعة. وقال مالك: أُحِبُّ أن يتمها أربعًا. انتهى. قال أبو عبد الله غفر الله له: مذهب الأوزاعي، وأحمد أقرب، والله أعلم، وتأخر المأموم عن متابعة الإمام كان لعذر كما في صلاة الخوف. مسألة [١٢]: الصلاة في أكثر من مسجد، أعني صلاة الجمعة . • ذهب جمهور العلماء إلى عدم جواز الصلاة في أكثر من مسجد في بلد واحد؛ لأنَّ صلاة الجمعة يُشرع فيها اجتماع المسلمين، وتعدد المساجد يؤدي إلى التفرقة، قالوا: ولم يُعلم أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأصحابه كانوا يتفرقون في أكثر من مسجد،

стр. 1482

بل الثابت أنهم كانوا كلهم يجتمعون في مسجد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. • وقد استثنى الحنابلة احتياج أهل البلد إلى تعدد المساجد؛ لكون البلد كبيرًا. • وقد ذهب من تقدم ذكرهم إلى أنها إن أُقيمت جمعتان في بلد واحد من غير حاجة أنَّ إحدى الجمعتين باطلة، واختلفوا فيما بينهم في أي الجمعتين تبطل. • وذهب عطاء، وداود الظاهري، وابن حزم إلى جواز تعدد صلاة الجمعة في أكثر من مسجد من بلد واحد؛ لعدم وجود دليل يمنع ذلك، واستدل ابن حزم على ذلك بقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ فلم يقل الله عزوجل: في موضع، ولا موضعين، ولا أقل، ولا أكثر ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤]، وله كلام جيد في «المحلَّى» فراجعه. قال أبو عبد الله غفر الله له: هذا القول هو الصواب، مع أنَّ الأفضل هو الاجتماع في مسجد واحد؛ إلا لحاجة، ومما ينبه عليه أنَّ الإمام إذا ألزم الناس أن يجتمعوا في مسجد واحد؛ وجب عليهم ذلك؛ إلا أن يشق عليهم، والله أعلم. (١) مسألة [١٣]: إذا احتاج المستمع للخطبة إلى الخروج لرعافٍ، أو قضاء حاجة ؟ قال أبو محمد بن حزم ﵀ في «المحلَّى» (٥٣٣): ومن رعف والإمام يخطب، واحتاج إلى الخروج؛ فليخرج، وكذلك من عرض له ما يدعوه إلى الخروج، ولا معنى لاستئذان الإمام، قال الله : ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ

стр. 1483

مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥] ولم يأت نص بإيجاب استئذان الإمام في ذلك، ويقال لمن أوجب ذلك: فإن لم يأذن له الإمام؟ أتراه يبقى بلا وضوء، أو هو يلوث المسجد بالدم، أو يضيع ما لا يجوز له تضييعه من نفسه، أو ماله، أو أهله، ومعاذ الله من هذا؟!.اهـ مسألة [١٤]: إقامة الجمعة في السجن . قال ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٥/ ٣٣٢): ولهذا لا تُقام الجمعة في السجن، وإن كان فيه أربعون، ولا يُعلم في ذلك خلاف بين العلماء، وممن قاله الحسن، وابن سيرين، والنخعي، والثوري، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم. انتهى. قال أبو عبد الله غفر الله له: قد خالف ابن حزم، فقال: ويصليها المسجونون. وقوله أصوب، والله أعلم؛ لعدم وجود دليل يمنع من ذلك، والله أعلم. (١) مسألة [١٥]: لبس الثياب الجميلة، والحسنة يوم الجمعة . قال الحافظ ابن رجب ﵀: ولا خلاف بين العلماء نعلمه في استحباب لبس أجود الثياب لشهود الجمعة، والأعياد. اهـ «الفتح» (٥/ ٣٧٢). قلتُ: وقد استدل أهل العلم على ذلك بحديث عمر ﵁، في «الصحيحين» (٢)، أنه قال للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: لو اشتريتَ حُلَّةً عطارد، فلبستها للوفد

стр. 1484

والجمعة. وفي رواية: والعيد. مسألة [١٦]: السواك، والطِّيب يوم الجمعة . • استحب أهل العلم أن يتسوك الرجل، ويتطيب يوم الجمعة؛ لحديث سلمان المتقدم في المسألة [٩]، والأحاديث التي في معناه في الباب. • وذهب ابن حزم في «المحلَّى» إلى وجوب السواك والطِّيب، واستدل بحديث أبي سعيد الخدري ﵁، في «الصحيحين» (١)، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قال: «غسل يوم الجمعة واجبٌ على كل محتلم، وأن يستَنَّ، وأنْ يمسَّ طيبًا إنْ وجد». وقد خالفه عامة أهل العلم، فقالوا بالاستحباب. (٢) مسألة [١٧]: كم أذان لصلاة الجمعة ؟ أخرج البخاري في «صحيحه» (٩١٢) من حديث السائب بن يزيد ﵁، قال: كان الأذان يوم الجمعة أَوَّلُهُ إذا جلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، فلما كان عثمان، وكَثُرَ الناس؛ زاد الأذان الثالث على الزوراء. ومعنى قوله: (الثالث)، أي: باعتبار تسمية الإقامة أذانًا؛ فالثابت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأبي بكر، وعمر، أنهم كانوا يؤذنون أذانًا واحدًا. وهذا هو الذي ينبغي العمل به، فخير الهَدي هدي النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. • ومع ذلك فقد ذهب أكثر العلماء إلى العمل بما زاده عثمان ﵁، واستدلوا

стр. 1485

بقوله ﵊: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين بعدي». والراجح عدم العمل به، وقد صحَّ عن ابن عمر عند ابن أبي شيبة (٢/ ١٤٠) أنه قال في هذا الأذان: بدعة. وأخرج عن الحسن البصري أنه قال: محدث. وإسناده صحيح؛ لولا عنعنة هشيم. ولا نرى الإنكار على من أخذ بقول عثمان ﵁، ولكن نرى أنه ترك سنة النبي ﷺ والخليفتين من بعده ﵄.

стр. 1486

بَابُ صَلاةِ الخَوْفِ ٤٥٩ - عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ ﵁ عَمَّنْ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ صَلَاةَ الخَوْفِ: أَنَّ طَائِفَةً (صَفَّتْ) (١) مَعَهُ وَطَائِفَةً وِجَاهَ العَدُوِّ. فَصَلَّى بِالَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا، وَأَتَمُّوا؛ لِأَنْفُسِهِمْ ثُمَّ انْصَرَفُوا فَصَفُّوا وِجَاهَ العَدُوِّ، وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى، فَصَلَّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا، وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ (٢). وَوَقَعَ فِي المَعْرِفَةِ لِابْنِ مَنْدَهْ، عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ عَنْ أَبِيهِ. (٣) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث قال الحافظ ابن رجب ﵀ في شرح الحديث رقم (٩٤٤): وقد ذهب كثير من العلماء إلى استحباب صلاة الخوف على ما صلى النبي ﷺ بذات الرِّقاع في هذا

стр. 1487

الحديث. قال القاسم بن محمد: ما سمعت في صلاة الخوف أحب إليَّ منه. وبه يقول مالك، والشافعي، وأحمد، وأبو ثور، وداود، والثوري في رواية، وحكاه إسحاق عن أهل المدينة وأهل الحجاز، وهو قول عبد الرحمن بن مهدي، وحكاه الترمذي عن إسحاق، وَصَرَّحَ إسحاق في رواية ابن منصور على أنه يجوز العمل به، ولا يختاره على غيره من الوجوه؛ إلَّا أنهم اختلفوا: هل تقضي الطائفة الركعة الثانية قبل سلام الإمام، أو بعده؟ فعند الشافعي، وأحمد، وداود: تقضي قبل سلام الإمام، ثُمَّ يسلم بهم، وهو رواية عن مالك، ثُمَّ رجع عنها، وقال: إنما يقضون بعد سلام الإمام. وهو قول أبي ثور، وأبي بكر عبد العزيز بن جعفر من أصحابنا، ذكره في كتابه «الشافي»، ونص أحمد على أن هذه الكيفية تُصَلَّى وإن كان العدو في جهة القبلة. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب قول الشافعي، وأحمد؛ لظاهر الحديث المتقدم، والله أعلم. وأما اختيار أحمد لهذه الكيفية في حالة كون العدو في القبلة؛ فقد حمل جمعٌ من الحنابلة ذلك على ما إذا لم يمكن أن يصلي بهم صلاة عسفان لاستتار العدو.

стр. 1488

٤٦٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: غَزَوْت مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قِبَلَ نَجْدٍ، فَوَازَيْنَا العَدُوَّ فَصَافَفْنَاهُمْ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَصَلَّى بِنَا، فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ، وَأَقْبَلَتْ طَائِفَةٌ عَلَى العَدُوِّ، وَرَكَعَ بِمَنْ مَعَهُ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفُوا مَكَانَ الطَّائِفَةِ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ، فَجَاءُوا فَرَكَعَ بِهِمْ رَكْعَةً، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَرَكَعَ لِنَفْسِهِ رَكْعَةً، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا اللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (٩٤٢): وَظَاهِره أَنَّهُمْ أَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ أَتَمُّوا عَلَى اَلتَّعَاقُبِ، وَهُوَ اَلرَّاجِحُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، وَإِلَّا فَيَسْتَلْزِمُ تَضْيِيع اَلْحِرَاسَةِ الْمَطْلُوبَةِ، وَإِفْرَاد اَلْإِمَامِ وَحْدَهُ. وَيُرَجِّحُهُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (٢) مِنْ حَدِيثِ اِبْن مَسْعُود، وَلَفْظه: ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ هَؤُلَاءِ، أَيْ: اَلطَّائِفَةُ اَلثَّانِيَةُ، فَقَضَوْا لِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَة ثُمَّ سَلَّمُوا، ثُمَّ ذَهَبُوا، وَرَجَعَ أُولَئِكَ إِلَى مَقَامِهِمْ، فَصَلَّوْا لِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً، ثُمَّ سَلَّمُوا. وَظَاهِرُهُ أَنَّ اَلطَّائِفَةَ اَلثَّانِيَةَ، وَالَتْ بَيْنَ رَكْعَتَيْهَا، ثُمَّ أَتَمَّتْ اَلطَّائِفَةُ اَلْأُولَى بَعْدَهَا، وَوَقَعَ فِي اَلرَّافِعِيِّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ اَلْفِقْهِ أَنَّ فِي حَدِيثِ اِبْن عُمَر هَذَا أَنَّ اَلطَّائِفَةَ اَلثَّانِيَةَ تَأَخَّرَتْ وَجَاءَتْ اَلطَّائِفَة اَلْأُولَى فَأَتَمُّوا رَكْعَة، ثُمَّ تَأَخَّرُوا وَعَادَتْ

стр. 1489

الطَّائِفَةُ اَلثَّانِيَةُ فَأَتَمُّوا، وَلَمْ نَقِفْ عَلَى ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ اَلطُّرُقِ، وَبِهَذِهِ اَلْكَيْفِيَّةِ أَخَذَ اَلْحَنَفِيَّةُ، وَاخْتَارَ اَلْكَيْفِيَّة اَلَّتِي فِي حَدِيثِ اِبْن مَسْعُود أَشْهَب، وَالْأَوْزَاعِيُّ. انتهى المراد. قال الحافظ ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٩٤٢): واختلف العلماء في صلاة الخوف على الصفة المذكورة في حديث ابن عمر، وما وافقه، فذهب الأكثرون إلى أنها جائزة وحسنة، وإن كان غيرها أفضل منها، هذا قول الشافعي في أصح قوليه، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم. وقالت طائفة: هي غير جائزة على هذه الصفة؛ لكثرة ما فيها من الأعمال المباينة للصلاة من استدبار القبلة، والمشي الكثير، والتخلف عن الإمام، وادعوا أنها منسوخة، وهو أحد القولين للشافعي. ودعوى النسخ هاهنا لا دليل عليها. وقالت طائفة: هي جائزة كغيرها من أنواع صلاة الخوف الواردة عن النبي ﷺ ، لا فضل لبعضها على بعض، وهو قول إسحاق، نقله عنه ابن منصور، ونقل حرب عن إسحاق: أَنَّ حديث ابن عمر، وابن مسعود يُعمل به إذا كان العدو في غير جهة القبلة. وكذلك حكى بعض أصحاب سفيان كلام سفيان في العمل بحديث ابن عمر على ذلك. وقالت طائفة: هي أفضل أنواع صلاة الخوف، هذا قول النخعي، وأهل الكوفة، وأبي حنيفة وأصحابه، ورواية عن سفيان، وَحُكِيَ عن الأوزاعي، وأشهب المالكي. انتهى كلام ابن رجب.

стр. 1490

وقد رجَّح ابن عبد البر القول الأخير؛ لموافقته الأصل بأنَّ المأموم لا ينصرف من الصلاة إلا بعد انصراف الإمام. قال أبو عبد الله غفر الله له: والراجح هو قول الأكثرين من أهل العلم، أعني القول الأول، والله أعلم. (١) فائدة: قال الحافظ ابن رجب ﵀ (٩٤٢): وقد قال أصحابنا، وأصحاب الشافعي: لو صلَّى صلاة خوف على ما في حديث ابن عمر في غير خوف؛ لم تصح صلاة المأمومين كلهم؛ لإتيانهم بما لا تصح معه الصلاة في غير حالة الخوف من المشْي والتَّخَلُّف عن الإمام. انتهى المراد.

стр. 1491

٤٦١ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: شَهِدْت مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ صَلَاةَ الخَوْفِ، فَصَفَفْنَا صَفَّيْنِ: صَفٌّ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَالعَدُوُّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ القِبْلَةِ فَكَبَّرَ النَّبِيُّ ﷺ وَكَبَّرْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَكَعَ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ وَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، وَأَقَامَ الصَّفَّ المُؤَخَّرَ فِي نَحْرِ العَدُوِّ، فَلَمَّا قَضَى السُّجُودَ قَامَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ ... فَذَكَرَ الحَدِيثَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ: ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدَ مَعَهُ الصَّفُّ الأَوَّلُ، فَلَمَّا قَامُوا سَجَدَ الصَّفُّ الثَّانِي، ثُمَّ تَأَخَّرَ الصَّفُّ الأَوَّلُ وَتَقَدَّمَ الصَّفُّ الثَّانِي ... وَذَكَرَ مِثْلَهُ. وَفِي أَوَاخِرِهِ: ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ وَسَلَّمْنَا جَمِيعًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١) ٤٦٢ - وَلِأَبِي دَاوُد، عَنْ أَبِي عَيَّاشٍ الزُّرَقِيِّ مِثْلُهُ، وَزَادَ: إنَّهَا كَانَتْ بِعُسْفَانَ. (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث قال الحافظ ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٩٤٤): وقد ذهب أكثر العلماء إلى صحة الصلاة على وجه الحَرْسِ على ما في حديث أبي عياش الزرقي، وما وافقه

стр. 1492

من رواية جابر، وابن عباس، وحذيفة، والصلاة بهذه الصفة، والعدو في جهة القبلة إذا لم يخش لهم كمين؛ حسن؛ فإنَّ أكثر ما فيها تأخر كل صف عن متابعة الإمام في السجدتين، وقضاؤهما قبل سلامه، وتكون الحراسة في السجود خاصَّة، هذا قول الشافعي وأصحابه، وللشافعية وجهٌ آخر: أنهم يحرسون في الركوع والسجود، وقد سبق في رواية البخاري لحديث ابن عباس ما يدل عليه. انتهى باختصار. وقد ذكر ابن رجب في ضمن كلامه أنَّ أبا حنيفة رُوي عنه أنه لا يجوز الصلاة بها، ولا يجوز إلا على حديث ابن مسعود، وما وافقه كما سبق.

стр. 1493

٤٦٣ - وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى بِآخَرِينَ أَيْضًا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ. (١) ٤٦٤ - وَمِثْلُهُ لِأَبِي دَاوُد، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ. (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين قال الحافظ ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٩٤٤): وصلاة الخوف على هذه الصفة: أن يصلي الإمام أربع ركعات، وتصلي كل طائفة خلفه ركعتين، لها صورتان: إحداهما: أن يسلم الإمام من كل ركعتين، فهو جائز عند الشافعي وأصحابه. واختلفوا: هل هي أفضل من صلاة ذات الرقاع؟ على وجهين لهم، وكذلك اختار الجوزجاني هذه الصلاة على غيرها من أنواع صلوات الخوف؛ لما فيها من تكميل الجماعة لكل طائفة، واختلف أصحابنا في ذلك: فمنهم من أجازها في صلاة الخوف دون غيرها، وهو منصوص أحمد، وهو قول الحسن البصري أيضًا، واختاره طائفة من أصحابنا. ومن أصحابنا من قال: هي مُخرجة على الاختلاف عن أحمد في صحة ائتمام

стр. 1494

المفترض بالمتنفل، كما سبق ذكره. ومنع منها أصحاب أبي حنيفة؛ لذلك. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب قول الجمهور، وهو جواز صلاة الخوف بالكيفية المتقدمة؛ لدلالة أحاديث الباب عليها، ولا دليل مع من منع من هذه الكيفية، والله أعلم. قال ابن رجب ﵀: والصورة الثانية: أن لايسلم الإمام، ويكون ذلك في سفر، فينبني على أنه: هل يصح أن يقتدي القاصر بالمتم في السفر؟ والأكثرون على أنه إذا اقتدى المسافر بمن يتم الصلاة فأدرك معه ركعة فصاعدًا؛ فإنه يلزمه الإتمام؛ فإن أدرك معه دون ركعة، فهل يلزمه الإتمام؟ قالَ الزهري، وقتادة والنخعي، ومالك: لا يلزمه. وهو رواية عن أحمد. والمشهور عنه: أنه يلزمه الإتمام بكل حال، وهو قول الثوري، وأبي حنيفة وأصحابه، والأوزاعي، والليث، والشافعي، وأبي ثور. وقالت طائفة: لا يلزمه الإتمام، وله القصر بكل حال، وهو قول الشعبي، وطاوس، وإسحاق. فعلى قول هؤلاء: لاتردد في جواز أن يصلي الإمام أربع ركعات في السفر، وتصلي معه كل طائفة ركعتين، وعلى قول الأولين: فهل يجوز ذلك في صلاة الخوف خاصة؟ فيه لأصحابنا وجهان، ومن منع ذلك قال: ليس في حديث جابر تصريح بأن النبي ﷺ لم يسلم بين كل ركعتين، بل قد ورد ذلك صريحًا في روايات متعددة، فتحمل الروايات المحتملة على الروايات المفسرة المبينة. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: مراده بحديث جابر ما أخرجه مسلم في «صحيحه»

стр. 1495

٨٤٣ - من طريق: أبي سلمة، عن جابر، فذكر الحديث، وفيه: فصلى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا، وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، وكان للنبي ﷺ أربع ركعات، وللقوم ركعتان. وظاهر الحديث ليس فيه نفي التسليم، ولا عدمه؛ فالأولى حمله على حديث جابر، وأبي بكرة اللَّذَيْنِ في الباب كما قال بعض الحنابلة كما تقدم، والله أعلم. وعلى هذا فهذه الصورة الثانية لا يُعمل بها.

стр. 1496

٤٦٥ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى صَلَاةَ الخَوْفِ بِهَؤُلَاءِ رَكْعَةً، وَبِهَؤُلَاءِ رَكْعَةً، وَلَمْ يَقْضُوا. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُودَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (١) ٤٦٦ - وَمِثْلُهُ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄. (٢) ٤٦٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : صَلَاةُ الخَوْفِ رَكْعَةٌ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ رَوَاهُ البَزَّارُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. (٣) المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث دلَّت الأحاديث المذكورة على جواز الاقتصار في صلاة الخوف على ركعة، وقال الحافظ ابن حجر ﵀ (٩٤٤): «وَلَمْ يَقْضُوا»، وَهَذَا كَالصَّرِيحِ فِي اِقْتِصَارِهِمْ عَلَى رَكْعَة رَكْعَة.

стр. 1497

ثم قال: وَيَشْهَدُ لَهُ مَا رَوَاهُ مُسْلِم، وَأَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق: مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ: فَرَضَ اَلله اَلصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ فِي اَلْحَضَرِ أَرْبَعًا، وَفِي اَلسَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وَفِي اَلْخَوْفِ رَكْعَة. (١) قال: وَبِالِاقْتِصَارِ فِي اَلْخَوْفِ عَلَى رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ يَقُولُ إِسْحَاق، وَالثَّوْرِيّ وَمَنْ تَبِعَهُمَا، وَقَالَ بِهِ أَبُو هُرَيْرَة، وَأَبُو مُوسَى اَلْأَشْعَرِيّ (٢)، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ اَلتَّابِعِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَيَّدَ ذَلِكَ بِشِدَّة اَلْخَوْف. قال: وَقَالَ الْجمْهُور: قَصْرُ اَلْخَوْف قَصْر هَيْئَةٍ لَا قَصْرُ عَدَدٍ، وَتَأَوَّلُوا رِوَايَة مُجَاهِدٍ هَذِهِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ رَكْعَة مَعَ اَلْإِمَامِ، وَلَيْسَ فِيهِ نَفْي اَلثَّانِيَة، وَقَالُوا: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْله فِي اَلْحَدِيثِ اَلسَّابِقِ: «لَمْ يَقْضُوا»، أَيْ: لَمْ يُعِيدُوا اَلصَّلَاةَ بَعْدَ اَلْأَمْنِ، وَاَلله أَعْلَمُ. اهـ قال الشوكاني ﵀ في «النيل» (٢/ ٦٣٠): وَيَرُدُّ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «وَلَمْ يَقْضُوا رَكْعَةً»، وَكَذَا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ: «وَلَمْ يَقْضُوا»، وَكَذَا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الثَّانِي: «وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً»، وَأَمَّا تَأْوِيلُهُمْ قَوْلَهُ: «لَمْ يَقْضُوا» بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ: لَمْ يُعِيدُوا الصَّلَاةَ بَعْد الْأَمْنِ؛ فَبَعِيدٌ جَدًّا. اهـ قلتُ: القول بأنه يجوز الاقتصار على ركعة هو الصواب؛ لقوة أدلته، وقد عزا هذا القول ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٩٤٤) إلى الحسن، وطاوس، ومجاهد،

стр. 1498

وسعيد بن جبير، والنخعي، والضحاك، والحكم، وقتادة، وحماد، وإسحاق، ومحمد بن نصر المروزي، وهو رواية عن أحمد اختارها جماعة من أصحابه. واختار هذا القول ابن القيم ﵀ كما في «زاد المعاد» (١/ ٥٣١ - )، وعزاه أيضًا إلى ابن عباس وجابر ﵄. (١) كيفية صلاة المغرب في الخوف: قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (٩٤٤): لَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ اَلْأَحَادِيثِ الْمَرْوِيَّةِ فِي صَلَاةِ اَلْخَوْفِ تَعَرُّض لِكَيْفِيَّةِ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَدْخُلُهَا قَصْر، وَاخْتَلَفُوا: هَلْ اَلْأَوْلَى أَنْ يُصَلِّيَ بِالْأُولَى ثِنْتَيْنِ، وَالثَّانِيَة وَاحِدَة، أَوْ اَلْعَكْس؟.اهـ قلتُ: وقد ذهب أحمد، ومالك، والأوزاعي، وسفيان، والشافعي في أحد قوليه إلى أنه يصلي بالأولى ثنتين، وبالثانية ركعة، وذهب الشافعي في قوله الآخر إلى العكس. تنبيه وفائدة: نقل ابن رجب ﵀ عن طائفة من أهل العلم أنهم يقولون بجواز الاقتصار على ركعة في الخوف، وقد تقدم ذكرهم، ومنهم: محمد بن نصر المروزي، قال: حتى قاله في صلاة الصبح، مع أنَّ ابن حزم وغيره حَكَوا الإجماع على أنَّ الفجر، والمغرب لا ينقص عن ركعتين، وثلاث في حضر، ولا سفر. ولم يفرِّق هؤلاء -الذين ذكرهم- بين حضرٍ ولا سفر، وهذا يدل على أنهم رأوا قصر الصلاة في الحضر للخوف أشد القصر، وأبلغه، وهو عود الصلوات كلها إلى ركعة، وحُكي رواية عن أحمد. اهـ

стр. 1499

٤٦٨ - وَعَنْهُ مَرْفُوعًا: «لَيْسَ فِي صَلَاةِ الخَوْفِ سَهْوٌ»، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: سجود السهو في صلاة الخوف . الذي عليه أهل العلم أنَّ سجود السهو يكون أيضًا في صلاة الخوف، وذلك لضعف حديث الباب؛ فإنْ سها الإمام سجد، وسجد معه من كان معه عند التسليم. وأما إنْ كان معه طائفة قد انصرفوا؛ فإنْ كان سهو الإمام قبل مفارقتهم له؛ سجدوا للسهو عند إتمام صلاتهم، وإنْ كان سهو الإمام بعد مفارقتهم؛ فلا سجود عليهم. (٢)

стр. 1500

بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة مسألة [١]: هل يعمل بصلاة الخوف بعد موت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم -؟ • ذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ صلاة الخوف خاصَّة بالنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وهو قول أبي يوسف، والمزني، ومحمد بن الحسن، والحسن بن زياد، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء:١٠٢] الآية. وردَّ عليهم عامة العلماء بأنَّ ذلك الخطاب يشمل الأمة تبعًا لنبيها -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وبأنَّ الصحابة قد فعلوها بعد موت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. (١) مسألة [٢]: هل تُصَلَّى في أيامنا هذه ؟ قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (٤/ ٥٨٤): إذا دعت الضرورة إلى الصلاة في وقت يخاف فيه من العدو؛ فإنهم يصلّون صلاة أقرب ما تكون إلى الصفات الواردة عن النبي ﷺ ، إذا كانت الصفات الواردة عن النبي ﷺ لا تتأتى؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦].اهـ مسألة [٣]: هل تُصلَّى صلاة الخوف في الحضر، أم ذلك خاص في السفر ؟ قال أبو محمد بن قدامة ﵀: صَلَاةُ الْخَوْفِ جَائِزَةٌ فِي الْحَضَرِ، إذَا اُحْتِيجَ إلَى ذَلِكَ بِنُزُولِ الْعَدُوِّ قَرِيبًا مِنْ الْبَلَدِ، وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَحُكِيَ عَنْ

стр. 1501

مَالِكٍ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ فِي الْحَضَرِ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ إنَّمَا دَلَّتْ عَلَى صَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَاةُ الْحَضَرِ أَرْبَعًا؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَفْعَلْهَا فِي الْحَضَرِ. وَخَالَفَهُ أَصْحَابُهُ، فَقَالُوا كَقَوْلِنَا، وَلَنَا، قَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ الْآيَةُ، وَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ حَالٍ، وَتَرْكُ النَّبِيِّ ﷺ فِعْلَهَا فِي الْحَضَرِ إنَّمَا كَانَ لِغِنَاهُ عَنْ فِعْلِهَا فِي الْحَضَرِ ... .اهـ. قال أبو عبد الله غفر الله له: وقول الجمهور هو الصواب، أنه يُصلَّى صلاة الخوف في الحضر. (١) مسألة [٤]: كيفية الصلاة إذا صلَّى بهم أربعًا . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٣/ ٣٠٥): فَإِذَا صَلَّى بِهِمْ الرُّبَاعِيَّةَ صَلَاةَ الْخَوْفِ، فَرَّقَهُمْ فِرْقَتَيْنِ، فَصَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، وَهَلْ تُفَارِقُهُ الطَّائِفَةُ الْأُولَى فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، أَوْ حِينَ يَقُومُ إلَى الثَّالِثَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: حِينَ قِيَامِهِ إلَى الثَّالِثَةِ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ. وَالثَّانِي؛ فِي التَّشَهُّدِ؛ لِتُدْرِكْ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ جَمِيعَ الرَّكْعَةِ الثَّالِثَة، وَلِأَنَّ الِانْتِظَارَ فِي الْجلُوسِ أَخَفُّ عَلَى الْإِمَامِ، وَلِأَنَّهُ مَتَى انْتَظَرَهُمْ قَائِمًا احْتَاجَ إلَى قِرَاءَةِ السُّورَةِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ، وَهُوَ خِلَافُ السُّنَّةِ، وَأَيًّا مَا فَعَلَ كَانَ جَائِزًا. انتهى قلتُ: والأَوْلى هو القول الأول؛ موافقةً لحديث سهل بن أبي حثمة الذي في أول الباب، والله أعلم.

стр. 1502

مسألة [٥]: هل يصلي في شدة الخوف، وعند التحام القتال ؟ • ذهب الجمهور إلى أنه يصلي كيفما أمكنه، راكبًا، أو راجلًا، مستقبل القبلة، أو غير مستقبلها، يومئ بالركوع، والسجود؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة:٢٣٩]، وقال ابن عمر ﵄، كما في «البخاري» (٤٥٣٥): فإنْ كان خوف أشد من ذلك؛ صلوا رجالًا، قيامًا على أقدامهم، وركبانًا، مُستقبلي القبلة، وغير مستقبليها. • وذهب أبو حنيفة، وابن أبي ليلى إلى أنه لا يصلي مع المسايفة، ولا مع المشي؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يُصلِّ يوم الخندق. وأجاب عليهما الجمهور: بأنَّ ذلك كان قبل نزول صلاة الخوف. (١) مسألة [٦]: ما حكم حمل السلاح في الصلاة ؟ • ذهب جمهور العلماء إلى استحباب حمل السلاح؛ لقوله تعال: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء:١٠٢] الآية، وقالوا: الأمر ليس للوجوب في الآية؛ لأنه لو وجب لكان شرطًا في الصلاة، ولأنَّ الأمر به للرفق بهم والصيانة لهم فلم يكن للإيجاب. قال ابن قدامة ﵀: ويحتمل أن يكون واجبًا، وبه قال داود، والشافعي في القول الآخر، والحجة معهم؛ لأنَّ ظاهر الأمر الوجوب، وقد اقترن به ما يدل على إرادة الوجوب، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ

стр. 1503

أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ [النساء:١٠٢]، ونفي الحرج مشروطًا بالأذى دليل على لزومه عند عدمه، فأما إنْ كان بهم أذى من مطر، أو مرض؛ فلا يجب بغير خلاف بتصريح النص بنفي الحرج فيه. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: القول بالوجوب هو الصواب، والله أعلم. (١) مسألة [٧]: هل يؤذَّن ويقام في صلاة الخوف ؟ أخرج مسلم في «صحيحه» (٨٤٣)، من حديث جابر ﵁ ... ، فذكر صلاة الخوف، وفيه: «فنُودي بالصلاة». قال الحافظ ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٩٤٤): وذكره في الحديث دليل على أنَّ صلاة الخوف ينادى لها بالأذان، والإقامة، كصلاة الأمن، ولا أعلم في هذا خلافًا؛ إلا ما حكاه أصحاب سفيان الثوري في كتبهم عنه، أنه قال: ليس في صلاة الخوف أذان، ولا إقامة في حضر، ولا سفر. اهـ مسألة [٨]: كيف يصلي المطلوب، وهل الطالب يصلي صلاة الخوف ؟ قال الحافظ ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٦/ ٢٢): وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن المطلوب يصلي على دابته - كذلك قال عطاء بن أبي رباح، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وأبو ثور - وإذا كان طالبا نزل فصلى بالأرض. قال الشافعي: إلا في حالة واحدة، وذلك أن يقل الطالبون عن المطلوبين، وينقطع الطالبون عن أصحابهم، فيخافون عودة المطلوبين عليهم، فإذا كانوا

стр. 1504

هكذا كان لهم أن يصلوا يومئون إيماءً. انتهى. وممن قال: يصلي على دابته ويومئ: الحسن والنخعي والضحاك، وزاد: أنه يصلي على دابته طالبا كان أو مطلوباً. وكذا قال الأوزاعي. واختلفت الرواية عن أحمد: هل يصلي الطالب على دابته، أم لا يصلي إلا على الأرض؟ على روايتين عنه، إلا أن يخاف الطالب المطلوب، كما قال الشافعي، وهوقول أكثر العلماء. قال أبو بكر عبد العزيز بن جعفر: أما المطلوب، فلا يختلف القول فيه، أنه يصلي على ظهر الدابة، واختلف قوله في الطالب فقالوا عنه: ينزل فيصلي على الأرض، وإن خاف على نفسه صلى وأعاد، وإن أخر فلا بأس. والقول الآخر: أنه إذا خاف أن ينقطع عن أصحابه أن يعود العدو عليه، فإنه يصلي على ظهر دابته، فإنه مثل المطلوب لخوفه، وبه أقول. انتهى. وما حكاه عن أحمد من أن الطالب إذا خاف فإنه يصلي ويعيد، فلم يذكر به نصا عنه، بل قد نص على أنه مثل المطلوب. قال -في رواية أبي الحارث-: إذا كان طالبا وهو لا يخاف العدو، فما علمت أحدا رخص له في الصلاة على ظهر الدابة، فإن خاف إن نزل أن ينقطع من الناس، ولا يأمن العدو فليصل على ظهر دابته ويلحق بالناس، فإنه في هذه الحال مثل المطلوب.

стр. 1505

ونقل هذا المعنى عنه جماعة، منهم: أبو طالب والأثرم. وله أن يصلي مستقبل القبلة وغير مستقبلها على حسب القدرة. وفي وجوب استفتاح الصلاة إلى القبلة روايتان عن أحمد: فمن أصحابنا من قال: الروايتان مع القدرة، فأما مع العجز فلا يجب رواية واحدة. وقال أبو بكر عبد العزيز عكس ذلك، قالَ: يجب مع القدرة، ومع عدم الإمكان، روايتان. وهذا بعيدٌ جدًا - أعني: وجوب الاستفتاح إلى القبلة مع العجز، ولعل فائدته إيجاب الإعادة بدونه. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: مذهب الشافعي، وأحمد هو الصحيح في المسألة، أعني أن الطالب إذا خاف من العود عليه، صلى على دابته صلاة الخوف. وأما استقبال القبلة عند استفتاح الصلاة، فالأحوط أن يستقبلها إذا قدر على ذلك، ويظهر أنه ليس بواجب؛ كما لا يجب في صلاة النافلة على الراحلة في السفر، والله أعلم.

стр. 1506

بَابُ صَلاةِ العِيدَيْنِ ٤٦٩ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الفِطْرُ يَوْمَ يُفْطِرُ النَّاسُ، وَالأَضْحَى يَوْمَ يُضَحِّي النَّاسُ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. (١) الحكم المستفاد من الحديث • اختلف العلماء في معنى الحديث على أقوال ذكرها الشوكاني ﵀ في «نيل الأوطار» (٢/ ٦١٤)، وأحسن تلك الأقوال هو قول الخطابي ﵀ حيث قال: إنَّ الْخَطَأَ مَرْفُوعٌ عَنْ النَّاسِ فِيمَا كَانَ سَبِيلُهُ الِاجْتِهَادَ، فَلَوْ أَنَّ قَوْمًا اجْتَهَدُوا فَلَمْ يَرَوْا الْهِلَالَ إلَّا بَعْدَ الثَّلَاثِينَ؛ فَلَمْ يُفْطِرُوا حَتَّى اسْتَوْفَوا الْعَدَدَ، ثُمَّ ثَبَتَ عِنْدَهُمْ أَنَّ الشَّهْرَ كَانَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ؛ فَإِنَّ صَوْمَهُمْ وَفِطْرَهُمْ مَاضٍ لَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ مِنْ وِزْرٍ أَوْ عَيْبٍ، وَكَذَلِكَ فِي الْحَجِّ إذَا أَخْطَؤا يَوْمَ عَرَفَةَ؛ لَيْسَ عَلَيْهِمْ إعَادَةٌ. اهـ ثم نقل الشوكاني ﵀ عن الجمهور أنهم فسروا الحديث بمثل ما ذكر الخطابي. (٢)

стр. 1507

٤٧٠ - وَعَنْ أَبِي عُمَيْرِ بْنِ أَنَسِ، عَنْ عُمُومَةٍ لَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ، أَنَّ رَكْبًا جَاءُوا فَشَهِدُوا أَنَّهُمْ رَأَوُا الهِلَالَ بِالأَمْسِ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُفْطِرُوا وَإِذَا أَصْبَحُوا أَنْ يَغْدُوا إلَى مُصَلَّاهُمْ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُودَاوُد وَهَذَا لَفْظُهُ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: وقت صلاة العيد . ينتهي وقت صلاة العيد بزوال الشمس؛ لحديث الباب، ولفظه عند أحمد: «فجاء ركب من آخر النهار». وأول وقته فيه خلاف: • فذهب أحمد، وأصحاب الرأي، وهو أحد الوجهين عند الشافعية، إلى أنَّ أول وقته إذا ارتفعت الشمس، وذهب وقت الكراهة. • وذهب مالك، وهو الوجه الثاني للشافعية، أنَّ وقته إذا طلعت الشمس، وإن لم يزل وقت النهي. قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب؛ لحديث عبد الله بن بسر عند أبي داود (١١٣٥)، وهو في «الصحيح المسند» (٥٥٧): أنه خرج يوم فطر، أو أضحى، فأنكر إبطاء الإمام، وقال: إنا كنا فرغنا ساعتنا هذه من الصلاة، وذلك حين التسبيح.

стр. 1508

والسبحة يبتدئ وقتها من ارتفاع الشمس إلى قبيل زوالها عند استقلال الظل بالرمح. (١) مسألة [٢]: إذا علم الناس أنَّ يومهم عيدٌ أثناء ذلك اليوم ؟ قال الحافظ ابن رجب ﵀ (٩٦٨): وأما إن لم يعلم بالعيد إلا في أثناء النهار؛ فإن علم به قبل زوال الشمس؛ خرجوا من وقتهم، وصلوا صلاة العيد، وإن شهدوا بعد الزوال في أثناء النهار، فقال أكثر العلماء: يخرجون من الغد للصلاة، وهو قول عمر بن عبد العزيز، والثوري، وأبي حنيفة، والأوزاعي، والليث، وإسحاق، وأحمد، وابن المنذر، واستدلوا بما روى أبو عمير بن أنس. فذكر حديث الباب بلفظ: «فجاء ركبٌ من آخر النهار»، وهذا اللفظ عند أحمد بإسناد صحيح. ثم قال: وقالت طائفة: تسقط، ولا تُصَلَّى بعد ذلك، كما لا تُقْضَى الجمعة إذا فاتت، وهو قول مالك، وأبي ثور، والشافعي في قول له، والقول المشهور عنه: أنه إن أمكن جمع الناس في بقية يومهم لصغر البلد؛ خرجوا، وصلوا في بقية اليوم، وإلا أخَّرُوه إلى الغد. انتهى المراد. قال أبو عبد الله: الصواب قول الجمهور؛ لحديث أبي عمير الذي في الباب، والله أعلم. (٢)

стр. 1509

٤٧١ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَا يَغْدُو يَوْمَ الفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ. أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ. (١) وَفِي رِوَايَةٍ مُعَلَّقَةٍ -وَوَصَلَهَا أَحْمَدُ-: وَيَأْكُلُهُنَّ أَفْرَادًا. (٢) الحكم المستفاد من الحديث • ذهب عامة أهل العلم إلى استحباب الأكل قبل الخروج يوم الفطر، وهو قول أبي حنيفة، والثوري، ومالك، والشافعي، وأحمد، وغيرهم. وقال ابن قدامة ﵀: لا نعلم فيه خلافًا. اهـ • لكن قد ذُكِرَ عن ابن مسعود ﵁ (٣)، والنخعي، التخيير: من شاء أكل، ومن شاء؛ لم يأكل. والصواب ما ذهب إليه الجمهور؛ لورود الأدلة في ذلك. قال ابن رجب ﵀ عقب أثر ابن مسعود: ولعله أراد به بيان أنَّ الأكل قبل الخروج ليس بواجب، وهذا حق، وإن أراد أنه ليس هو الأفضل؛ فالجمهور على خلافه، والسنة تدل عليه. اهـ. (٤)

стр. 1510

٤٧٢ - وَعَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَا يَخْرُجُ يَوْمَ الفِطْرِ حَتَّى يَطْعَمَ، وَلَا يَطْعَمُ يَوْمَ الأَضْحَى حَتَّى يُصَلِّيَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (١) الحكم المستفاد من الحديث استحب العلماء للإنسان في يوم النحر أن لا يأكل حتى يرجع من المصلَّى؛ للأحاديث المذكورة. قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (٩٥٤) -بعد أن ذكر الأحاديث المتقدمة-: وقد أخذ أكثر الفقهاء بما دلَّت عليه. اهـ وقد بوَّبَ البخاري ﵀ في «صحيحه»: [باب الأكل يوم النحر]، واستدل
следующие страницы →