يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.
قلتُ: وعيسى بن شعيب، هو البصري الضرير، فيه ضعف، وقد اضطرب في الإسناد كما أشار البيهقي، وعبد الحكم القسملي نقل البيهقي عن البخاري أنه قال: منكر الحديث.
وجاء الحديث عن عمرو بن عوف عند أبي نعيم، وفي إسناده كثير بن عبد الله ابن عمرو بن عوف، وهو متروك.
وجاء عن عائشة ﵂ عند الطبراني في "الأوسط? ﵁ (٦٦٧٨) وفي إسناده عيسى بن عبد الله، يرويه عن عطاء، عن عائشة. أنكره ابن عدي في "الكامل? (٥/ ١٨٣٩) على عيسى، وقال: عامة ما يرويه لا يتابع عليه. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: لم يثبت في الاستياك بالأصابع حديث، ومذهب المالكية، والشافعية في الأصح عندهم، وكذلك الحنابلة، والحنفية حصول الاستياك بالأصابع، وإجزاؤه به عن السنة، والصحيح أنه لا يدخل في فضيلة الاستياك الوارد بالأحاديث، ولكن لا بأس أن يحصل ذلك في الوضوء للمبالغة في تنظيف الفم. (١)
стр. 177
٣٠ - وَعَنْ حُمْرَانَ أَنَّ عُثْمَانَ ﵁ دَعَا بِوَضُوءٍ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ اليُمْنَى إلَى المِرْفَقِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ اليُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ اليُمْنَى إلَى الكَعْبَيْنِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ اليُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللهِ ﷺ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: غسل الكفين قبل الوضوء .
يستحب غسلهما قبل الوضوء بإجماع العلماء، نقله ابن المنذر في «الأوسط» (١/ ٣٧٥)، والنووي في «شرح مسلم» (٣/ ١٠٧).
مسألة [٢]: ضابط المضمضة .
قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٣/ ١٠٧): وَأَمَّا حَقِيقَة الْمَضْمَضَة، فَقَالَ أَصْحَابنَا: كَمَالهَا أَنْ يَجْعَل الْمَاء فِي فَمه، ثُمَّ يُدِيرهُ فِيهِ، ثُمَّ يَمُجّهُ، وَأَمَّا أَقَلّهَا: فَأَنْ يَجْعَل الْمَاء فِي فِيهِ، وَلَا يُشْتَرَط إِدَارَته عَلَى الْمَشْهُور الَّذِي قَالَهُ الْجُمْهُور، وَقَالَ جَمَاعَة مِنْ أَصْحَابنَا: يُشْتَرَط، وَأَمَّا الِاسْتِنْشَاق فَهُوَ إِيصَال الْمَاء إِلَى دَاخِل الْأَنْف، وَجَذْبُهُ بِالنَّفَسِ إِلَى أَقْصَاهُ. (٢)
ولا يشترط في المضمضة مجُّ الماء من الفم، بل يجوز له أن يبتلعه. (٣)
стр. 178
مسألة [٣]: حكم المضمضة والاستنشاق .
• ذكر النووي ﵀ أنَّ العلماء في هذه المسألة على أربعة مذاهب:
المذهب الأول: أنهما سنتان في الوضوء، والغسل، وهو مذهب الشافعية، وحكاه ابن المنذر عن الحسن البصري، والزهري، والحكم، وقتادة، وربيعة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومالك، والأوزاعي، والليث، ورواية عن عطاء، وأحمد.
واستدل هؤلاء بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- للمسيء في صلاته عند أن علمه: «إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله»، وهو حديث حسن.
قالوا: ولم يذكر الله تعالى في كتابه المضمضة، والاستنشاق، واستدلوا بحديث: «عشر من الفطرة»، وذكر منها «المضمضة، والاستنشاق».
وذكر بعض الفقهاء هذا الحديث بلفظ: «عشر من السنن»، وقد بين الحافظ ﵀ في «التلخيص» أنه لم يثبت بهذا اللفظ، والحديث باللفظ المذكور قبلُ أخرجه مسلم (٢٦١) عن عائشة ﵂، ولكنه قد انتُقِد، فقد انتقده الدارقطني في «التتبع»، وبيَّنَ أنَّ مصعب بن شيبة رواه موصولًا عن عائشة مرفوعًا، وأنَّ سليمان التيمي، وجعفر بن أبي إياس روياه عن طلق بن حبيب من قوله، ومصعب ضعيفٌ، فالصواب في الحديث أنه موقوفٌ من قول طلق بن حبيب.
وقد استدلوا أيضًا بحديث: «المضمضة والاستنشاق سنة»، أخرجه الدارقطني (١/ ٨٥) عن ابن عباس ﵄، وهو حديث ضعيفٌ جدًّا، ففي إسناده:
стр. 179
إسماعيل بن مسلم المكي، وهو شديد الضعف، وهذان الدليلان -وإنْ صحَّا- لا يفيدان استحباب المضمضة والاستنشاق؛ لأنَّ الفطرة، والسنة أعمُّ من أن تكونَ واجبة، أو مستحبة.
المذهب الثاني: أنهما واجبتان في الوضوء، والغسل، وشرطان لصحتهما، وهو مذهب ابن أبي ليلى، وحماد، وإسحاق، والمشهور عن أحمد، واستدلوا بالآية: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة:٦]، والأنف، والفم من الوجه.
المذهب الثالث: واجبتان في الغسل دون الوضوء، وهو قول أبي حنيفة، وأصحابه، وسفيان الثوري.
المذهب الرابع: الاستنشاق واجب في الوضوء، والغسل دون المضمضة، وهو مذهب أبي ثور، وأبي عبيد، وداود، ورواية عن أحمد، قال ابن المنذر ﵀: وبه أقول.
واستدل الموجبون لذلك بحديث أبي هريرة ﵁ في «الصحيحين» (١): «إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء، ثم لينتثر»، وفي لفظ لمسلم: «فليستنشق بمنخريه من الماء».
وبحديث سلمة بن قيس عند الترمذي (٢٧)، والنسائي (١/ ٦٧): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إذا توضأت فاستنثر»، قالوا: فهذه الأوامر كلها في الاستنشاق، وأما المضمضة فلم يصح فيها أمرٌ، وأما حديث لقيط بن صبرة: «وإذا توضأت
стр. 180
فمضمض»، فهذه الزيادة فيها كلام سيأتي إن شاء الله حيث ذكر الحافظ الحديث.
هذا وليعلم أنَّ أهل هذا المذهب لم يقولوا كلهم بوجوب الاستنشاق في الغسل أيضًا، كما هو ظاهرُ نقْلِ النووي؛ فإنَّ ابن حزم قال في «المحلَّى» (١٩٨): وقال أحمد بن حنبل، وداود: الاستنشاق، والاستنثار فرضان في الوضوء، وليسا فرضين في الغسل من الجنابة، وليست المضمضة فرض، لا في الوضوء، ولا في الغسل من الجنابة، وهذا هو الحق.
قلتُ: وهذا هو الراجح فيما يظهر لي -والله أعلم- لأنَّ الأدلة المتقدمة في إيجاب الاستنشاق مقيدة بالوضوء.
وأما استدلال الجمهور بحديث: «توضأ كما أمرك الله»، فيجاب عنه من وجهين:
الوجه الأول: قال أبو محمد بن حزم ﵀ في «المحلَّى»: وهذا لا حجة لهم فيه؛ لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]، فكل ما أمر به رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فالله تعالى أمر به.
الوجه الثاني: أنَّ المأمورات الشرعية لم تحصر في دليل واحد، فالأوامر متقدمة تضاف إلى ما ذكره الله في كتابه قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧].
وأما قول الحنابلة: (إنَّ الفم، والأنف من الوجه، فوجب المضمضة،
стр. 181
والاستنشاق).
فأجيب عنه: بأنَّ ما أمر الله به هو غسل الوجه، والوجه ما حصلت به المواجهة وباطن الأنف والفم لا تحصل به المواجهة؛ فليس من الوجه، والله أعلم. (١)
مسألة [٤]: حكم الاستنثار .
نقل النووي في «المجموع» (١/ ٣٦٦)، وابن الملقن في «شرح العمدة» (١/ ٢٦٢) الإجماع على عدم وجوب الانتثار، وتعقبهما الحافظ في «الفتح» (١٦١)، فقال: وصرَّح ابن بطال بأن بعض العلماء قالوا بوجوب الاستنثار، وفيه تعقب على من نقل الإجماع على عدم وجوبه. اهـ
قلتُ: وهو قول أحمد في رواية، وداود، وابن حزم، كما تقدم في المسألة السابقة، وهذا القول هو الراجح للأدلة التي تقدم ذكرها في المسألة السابقة، والله أعلم. (٢)
مسألة [٥]: غسل الوجه .
نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على وجوب غسل الوجه؛ لقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة:٦]. (٣)
стр. 182
مسألة [٦]: حَدُّ الوجه .
حدُّ الوجه: من منابت شعر الرأس إلى ما انحدر من اللحيين، والذقن، وإلى أصول الأذنين، وقولنا (من منابت الشعر)، أي: المعتاد، والغالب في الناس، فلو كان أجلح، ينحسر شعره عن مقدم رأسه غسل إلى حد منابت الشعر في الغالب، وإذا كان أفرع، وهو الذي نزل شعره على وجهه، يجب عليه غسل الشعر الذي ينزل عن حد الغالب. (١)
مسألة [٧]: البياض الذي بين الأذن واللحية .
• ذهب الجمهور إلى أنه من الوجه، وهو مذهب الشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة، وداود، وذلك لأنه تحصل به المواجهة في حقِّ من لا لحية له، فكان منه في حق من له لحية كسائر الوجه.
• وذهب مالك إلى أنه ليس من الوجه، وعن أبي يوسف: يجب على الأمرد غسله دون الملتحي، والصحيح قول الجمهور؛ لما تقدم. (٢)
مسألة [٨]: العِذَار، والعارِضُ، والذَّقَنُ .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ١٦٢): وَيَدْخُلُ فِي الْوَجْهِ الْعِذَارُ، وَهُوَ الشَّعْرُ الَّذِي عَلَى الْعَظْمِ النَّاتِئِ، الَّذِي هُوَ سَمْتُ صِمَاخِ الْأُذُنِ، وَمَا انْحَطَّ عَنْهُ إلَى وَتِدِ الْأُذُنِ، وَالْعَارِضُ: وَهُوَ مَا نَزَلَ عَنْ حَدِّ الْعِذَارِ، وَهُوَ الشَّعْرُ الَّذِي عَلَى
стр. 183
اللَّحْيَيْنِ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ وَالْمُفَضَّلُ بْنُ سَلَمَةَ: مَا جَاوَزَ وَتدَ الْأُذُنِ عَارِضٌ. وَالذَّقَنُ: مَجْمَعُ اللَّحْيَيْنِ، فَهَذِهِ الشُّعُورُ الثَّلَاثَةُ مِنْ الْوَجْهِ يَجِبُ غَسْلُهَا مَعَهُ، وَكَذَلِكَ الشُّعُورُ الْأَرْبَعَةُ، وَهِيَ الْحَاجِبَانِ، وَأَهْدَابُ الْعَيْنَيْنِ، وَالْعَنْفَقَةُ، وَالشَّارِبُ. انتهى. (١)
مسألة [٩]: التحذيف .
هو الشعر الداخل في الوجه، ما بين انتهاء العِذَار والنَّزَعة، قال النووي: سمي بذلك؛ لأن الأشراف والنساء يعتادون إزالة الشعر عنه ليتسع الوجه.
وهذا الشعر فيه وجهان عند الشافعية، والحنابلة، وصحح ابن قدامة ﵀ أنه من الوجه، قال: لأن محله لو لم يكن عليه شعر؛ لكان من الوجه، فكذلك إذا كان عليه شعر كسائر الوجه، وهو الراجح فيما يظهر، والله أعلم. (٢)
مسألة [١٠]: الصدغ والنزعتان .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ١٦٣): فَأَمَّا الصُّدْغُ، وَهُوَ الشَّعْرُ الَّذِي بَعْدُ انْتِهَاءِ الْعِذَارِ، وَهُوَ مَا يُحَاذِي رَأْسَ الْأُذُنِ وَيَنْزِلُ عَنْ رَأْسِهَا قَلِيلًا، وَالنَّزْعَتَانِ، وَهُمَا مَا انْحَسَرَ عَنْهُ الشَّعْرُ مِنْ الرَّأْسِ مُتَصَاعِدًا فِي جَانِبَيْ الرَّأْسِ، فَهُمَا مِنْ الرَّأْسِ، وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِي الصُّدْغِ وَجْهًا آخَرَ، أَنَّهُ مِنْ الْوَجْهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِالْعِذَارِ، أَشْبَهَ الْعَارِضَ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ فَإِنَّ الرُّبَيِّعَ بِنْتَ مُعَوِّذٍ قَالَتْ: رَأَيْت رَسُولَ الله ﷺ تَوَضَّأَ، فَمَسَحَ رَأْسَهُ، وَمَسَحَ مَا أَقْبَلَ مِنْهُ وَمَا أَدْبَرَ، وَصُدْغَيْهِ، وَأُذُنَيْهِ، مَرَّةً وَاحِدَةً.
فَمَسَحَهُ مَعَ الرَّأْسِ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ غَسَلَهُ مَعَ الْوَجْهِ؛ وَلِأَنَّهُ شَعْرٌ مُتَّصِلٌ بِشَعْرِ
стр. 184
الرَّأْسِ لَا يَخْتَصُّ الْكَبِيرَ، فَكَانَ مِنْ الرَّأْسِ، كَسَائِرِ نَوَاحِيهِ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْقِيَاسِ طَرْدِيٌّ لَا مَعْنَى تَحْتَهُ، وَلَيْسَ هُوَ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِنَا. انتهى.
قلتُ: وفي المسألة وجهان عند الشافعية أيضًا، والراجح ما رجَّحه ابن قدامة، ولكن في حديث الربيع ضعف، فقد أخرجه أبو داود (١٢٩)، وفي إسناده: عبد الله ابن محمد بن عقيل، والرَّاجح ضعفه. (١)
مسألة [١١]: هل يغسل باطن الشعور المتقدمة ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ١٦٤): وَهَذِهِ الشُّعُورُ كُلُّهَا إنْ كَانَتْ كَثِيفَةً لَا تَصِفُ الْبَشَرَةَ، أَجْزَأَهُ غَسْلُ ظَاهِرِهَا، وَإِنْ كَانَتْ تَصِفُ الْبَشَرَةَ، وَجَبَ غَسْلُهَا مَعَهُ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا كَثِيفًا وَبَعْضُهَا خَفِيفًا، وَجَبَ غَسْلُ بَشَرَةِ الْخَفِيفِ مَعَهُ وَظَاهِرِ الْكَثِيفِ، أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ -رحمه الله تعالى-.اهـ
قلتُ: وهذا هو الراجح، وهو ترجيح ابن رجب ﵀.
قال ﵀: وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ ذَكَرَ فِي الشَّارِبِ، وَالْعَنْفَقَةِ، وَالْحَاجِبَيْنِ، وَأَهْدَابِ الْعَيْنَيْنِ، وَلِحْيَةِ الْمَرْأَةِ، وَجْهًا آخَرَ فِي وُجُوبِ غَسْلِ بَاطِنِهَا، وَإِنْ كَانَتْ كَثِيفَةً؛ لِأَنَّهَا لَا تَسْتُرُ مَا تَحْتَهَا عَادَةً، وَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ كَانَ نَادِرًا، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَلَنَا: أَنَّهُ شَعْرٌ سَاتِرٌ لِمَا تَحْتَهُ، أَشْبَهَ لِحْيَةَ الرَّجُلِ، وَدَعْوَى النُّدْرَةِ فِي الْحَاجِبَيْنِ، وَالشَّارِبِ، وَالْعَنْفَقَةِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، بَلْ الْعَادَةُ ذَلِكَ. اهـ. (٢)
стр. 185
مسألة [١٢]: إذا غسل بعض هذه الشعور، ثم زالت من وجهه ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ١٦٤): ومتى غسل هذه الشعور، ثم زالت عنه، أو انقلعت جلدة من بدنه، أو قصَّ ظفره، أو انقلع؛ لم يؤثر في طهارته، وهذا قول أكثر أهل العلم. اهـ
مسألة [١٣]: غسل العينين .
قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (١/ ٣٦٩): أما حكم المسألة؛ فلا يجب غسل داخل العينين بالاتفاق. انتهى المراد.
وفي استحبابه وجهان عند الشافعية، والحنابلة، والأصح عندهم عدم استحبابه، لا في الوضوء ولا في الغسل؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يفعله ولا أمر به، وفيه ضررٌ. وقد جاء عن ابن عمر ﵄ أنه كان يغسل عينيه في غسله من الجنابة، وهو ثابت عنه كما في «سنن البيهقي» (١/ ١٧٧)، ولكنه اجتهاد منه، ولم يوافقه على ذلك أكثر أهل العلم. (١)
مسألة [١٤]: غسل ما استرسل من اللحية .
• في المسألة قولان:
الأول: أنه يجب غسل ما استرسل من اللحية؛ لأنها تحصل بها المواجهة، وهو المشهور عن أحمد، والشافعي، واستدل بعضهم بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فغسل وجهه إلا خرَّت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء». (٢)
стр. 186
الثاني: عدم وجوب غسل ما استرسل من اللحية، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي في أحد قوليه، ورواية عن أحمد، وذلك لأنه شعر خارج عن محل الفرض، فأشبه ما نزل من شعر الرأس عنه.
وهذا القول هو الراجح، وهو ترجيح ابن رجب ﵀ في «قواعده» (ص ٤)، وأما حديثهم؛ فلا يلزم من خرور الخطايا من أطرافها أن يكون غَسَلَها كما هو ظاهرٌ، والله أعلم. (١)
مسألة [١٥]: غسل اليدين إلى المرفقين .
نقل النووي، وابن قدامة، وغيرهما الإجماع على وجوب غسل اليدين إلى المرفقين؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦]. (٢)
مسألة [١٦]: هل يدخل المرفقان في وجوب الغسل ؟
• ذهب أكثر العلماء إلى وجوب إدخال المرفقين في الغسل، وهو مذهب أحمد، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي.
• وذهب بعض أصحاب مالك، وابن داود، وحكي عن زفر، إلى عدم وجوب غسل المرفقين مع اليدين؛ لأنَّ الله تعالى أمر بالغسل إليهما، وجعلهما غايته.
وأجيب: بأن ﴿إِلَى﴾ تأتي بمعنى (مع)، كقوله تعالى: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى
стр. 187
قُوَّتِكُمْ﴾ [هود:٥٢]، أي: مع قوتكم، وكقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء:٢]، وكقوله تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران:٥٢]، وقد ثبت في «صحيح مسلم» (٢٤٦)، عن أبي هريرة ﵁: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- غسل يديه حتى أشرع في العضد، ثم غسل رجليه حتى أشرع في الساق، ففعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مبين للمراد من الآية، فالراجح هو قول الجمهور، والله أعلم. (١)
مسألة [١٧]: إذا خلقت له أصبع، أو يد زائدة ؟
قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ١٧٣): وَإِنْ خُلِقَ لَهُ إصْبَعٌ زَائِدَةٌ، أَوْ يَدٌ زَائِدَةٌ فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ، وَجَبَ غَسْلُهَا مَعَ الْأَصْلِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا نَابِتَةٌ فِيهِ، أَشْبَهَتْ الثُّؤْلُولَ، وَإِنْ كَانَتْ نَابِتَةً فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْفَرْضِ كَالْعَضُدِ أَوْ الْمَنْكِبِ، لَمْ يَجِبْ غَسْلُهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ قَصِيرَةً أَوْ طَوِيلَةً؛ لِأَنَّهَا فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْفَرْضِ، فَأَشْبَهَتْ شَعْرَ الرَّأْسِ إذَا نَزَلَ عَلَى الْوَجْهِ.
وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ، وَابْنِ عَقِيلٍ.
وَقَالَ الْقَاضِي: إنْ كَانَ بَعْضُهَا يُحَاذِي مَحَلَّ الْفَرْضِ غَسَلَ مَا يُحَاذِيهِ مِنْهَا. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِي فِي ذَلِكَ، كَنَحْوٍ مِمَّا ذَكَرْنَا.
وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْأَصْلِيَّةَ مِنْهُمَا، وَجَبَ غَسْلُهُمَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّ غَسْلَ إحْدَاهُمَا وَاجِبٌ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ يَقِينًا إلَّا بِغَسْلِهِمَا، فَوَجَبَ غَسْلُهُمَا، كَمَا لَوْ تَنَجَّسَتْ إحْدَى يَدَيْهِ وَلَمْ يَعْلَمْ عَيْنَهَا. انتهى. (٢)
стр. 188
مسألة [١٨]: إذا قُطِعت يده ؟
قال أبو محمد عبدالله بن أحمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ١٧٣): وَإِنْ قُطِعَتْ يَدُهُ مِنْ دُونِ الْمِرْفَقِ، غَسَلَ مَا بَقِيَ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ، وَإِنْ قُطِعَتْ مِنْ الْمِرْفَقِ غَسَلَ الْعَظْمَ الَّذِي هُوَ طَرَفُ الْعَضُدِ؛ لِأَنَّ غَسْلَ الْعَظْمَيْنِ الْمُتَلَاقِيَيْنِ مِنْ الذِّرَاعِ وَالْعَضُدِ وَاجِبٌ، فَإِذَا زَالَ أَحَدُهُمَا غَسَلَ الْآخَرَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ فَوْقِ الْمِرْفَقَيْنِ سَقَطَ الْغَسْلُ؛ لِعَدَمِ مَحَلِّهِ؛ فَإِنْ كَانَ أَقْطَعَ الْيَدَيْنِ، فَوَجَدَ مَنْ يُوَضِّئُهُ مُتَبَرِّعًا لَزِمَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُوَضِّئُهُ إلَّا بِأَجْرٍ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، لَزِمَهُ أَيْضًا كَمَا يَلْزَمُهُ شِرَاءُ المَاءِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ، كَمَا لَوْ عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَلْزَمْهُ اسْتِئْجَارُ مَنْ يُقِيمُهُ، وَيَعْتَمِدُ عَلَيْهِ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْأَجْرِ، أَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى مَنْ يَسْتَأْجِرُهُ، صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ، كَعَادِمِ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ، وَإِنْ وَجَدَ مَنْ يُيَمِّمُهُ، وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُوَضِّئُهُ، لَزِمَهُ التَّيَمُّمُ، كَعَادِمِ الْمَاءِ إذَا وَجَدَ التُّرَابَ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. انتهى. (١)
مسألة [١٩]: إذا كان تحت أظفاره وسخٌ يمنع وصول الماء إلى ما تحته ؟
• ذكر ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ١٧٤) وجهين عند الحنابلة:
الأول: أنه لا تصح الطهارة حتى يزيله؛ لأنه محل من اليد، استتر بما ليس من خِلْقَةِ الأصل، سترًا منع إيصال الماء إليه، مع إمكان إيصال الماء إليه، وعدم
стр. 189
الضرر به، فأشبه ما لو كان عليه شمع، أو غيره، وهذا الوجه نصره ابن عقيل الحنبلي.
الثاني: أنه لا يلزمه إزالته، وتصح طهارته؛ لأنَّ هذا يستتر عادة، فلو كان غسله واجبًا؛ لبينه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
والوجه الأول هو الراجح، وقد أمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الرجل الذي ترك في قدمه مثل الظفر أن يعيد وضوءه، والله أعلم.
مسألة [٢٠]: حكم مسح الرأس .
أجمع العلماء على أنَّ مسح الرأس من فروض الوضوء، نقل الإجماع على ذلك غير واحد من أهل العلم، كابن عبد البر، والنووي، وابن قدامة، وغيرهم. (١)
مسألة [٢١]: كم القدر الواجب في مسح الرأس ؟
قال ابن عبد البر ﵀ في «الاستذكار» (٢/ ٢٥): وأما المسح بالرأس؛ فقد أجمعوا أنَّ من مسح برأسه كله فقد أحسن، وعمل أكمل ما يلزمه، على أنهم قد أجمعوا على أن اليسير الذي لا يقصد إلى إسقاطه متجاوز عنه، لا يضر المتوضي. اهـ
قلتُ: وقد اختلفوا في القدر الواجب على أقوال، قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (١/ ٣٩٩): (فرعٌ) في مذهب العلماء في أقل ما يجزئ من مسح الرأس، وقد ذكرنا أنَّ المشهور من مذهبنا -الشافعية- أنه ما يقع عليه الاسم، وإن قلَّ، وحكاه ابن الصباغ عن ابن عمر ﵄، وحكاه أصحابنا عن الحسن البصري، وسفيان الثوري، وداود، وعن أبي حنيفة ثلاث روايات، أشهرها: ربع الرأس،
стр. 190
والثانية: قدر ثلاث أصابع، والثالثة: قدر الناصية، وعن أبي يوسف: نصف الرأس، وعن مالك، وأحمد، والمزني جميع الرأس على المشهور عنهم، وقال محمد بن مسلمة من أصحاب مالك: إن ترك نحو ثلث الرأس جاز، وهي رواية عن أحمد.
واحتج لمن أوجب مسح جميع الرأس بقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة:٦]، قالوا: وبالباء للإلصاق، كقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩]، وأيضًا ثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه مسح على جميع رأسه، وقياسًا على التيمم في قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ [النساء:٤٣]، ويجب فيه الاستيعاب.
واحتج من أجاز المسح بما يقع عليه اسم المسح، بأن قوله: ﴿فَامْسَحُوا﴾ يقع على القليل، والكثير، وثبت في «صحيح مسلم» (٢٧٤)(٨٣)، عن المغيرة بن شعبة ﵁: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مسح بناصيته، وعمامته. فهذا يمنع وجوب الاستيعاب ويمنع التقدير بالربع، والثلث، والنصف، وأيضًا فقد صحَّ عن ابن عمر أنه مسح على يافوخه (١)، وصحَّ عن سلمة بن الأكوع أنه مسح مقدم رأسه. (٢)
وقالوا: قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، لا نسلم أن الباء ههنا للإلصاق، بل هي للتبعيض، ونقلوا ذلك عن بعض أهل العربية، وقالت جماعة منهم: إذا دخلت الباء على فعل يتعدى بنفسه كانت للتبعيض، كقوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، وإن لم
стр. 191
يتعد فللإلصاق، كقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ﴾.
وأما قولهم: إنه قد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه مسح جميع الرأس، فقد أجاب عنه الشوكاني في «النيل» (١/ ٢٤٦)، فقال: وَأُجِيبَ بِأَنَّ النِّزَاعَ فِي الْوُجُوبِ وَأَحَادِيثِ التَّعْمِيمِ، وَإِنْ كَانَتْ أَصَحَّ، وَفِيهَا زِيَادَةٌ وَهِيَ مَقْبُولَةٌ، لَكِنْ أَيْنَ دَلِيلُ الْوُجُوبِ؟ وَلَيْسَ إلَّا مُجَرَّدَ أَفْعَالٍ، وَرُدَّ: بِأَنَّهَا وَقَعَتْ بَيَانًا لِلْمُجْمَلِ، فَأَفَادَتْ الْوُجُوبَ.
وَالْإِنْصَافُ أَنَّ الْآيَةَ لَيْسَتْ مِنْ قَبِيلِ الْمُجْمَلِ، وَإِنْ زَعَمَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيّ، وَابْنُ الْحَاجِبِ فِي «مُخْتَصَرِهِ»، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَالْحَقِيقَةُ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى مُبَاشَرَةِ آلَةِ الْفِعْلِ بِجَمِيعِ أَجْزَاءِ الْمَفْعُولِ كَمَا لَا يَتَوَقَّفُ فِي قَوْلِكَ: (ضَرَبْتُ عَمْرًا) عَلَى مُبَاشَرَةِ الضَّرْبِ لِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ، فَمَسْحُ رَأْسِهِ يُوجِدُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيَّ بِوُجُودِ مُجَرَّدِ الْمَسْحِ لِلْكُلِّ، أَوْ الْبَعْضِ. انتهى المراد.
قلتُ: وأما قياسهم على التيمم، فلا يستقيم؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد بين وجوب التعميم في التيمم بقوله لعمار ﵁: «إنما كان يكفيك أن تقول هكذا»، وضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسَحَ وجهه وكفيه.
والشاهد: قوله «إنما كان يكفيك»، فدَلَّ على أنَّ الصفة المذكورة هي المجزئة، وأن غيرها ليست بمجزئة، ولا تكفي.
وقول الشافعي في هذه المسألة هو الراجح فيما يظهر -والله أعلم-، وهو ترجيح ابن حزم، والحافظ، والشوكاني. (١)
стр. 192
مسألة [٢٢]: مسح الرأس بخرقة مبلولة .
• ذكر ابن قدامة في هذه المسألة وجهين للحنابلة:
الوجه الأول: أنه يجزئه ذلك؛ لأنَّ الله تعالى أمر بالمسح، وقد فعله فأجزأه، كما لو مسح بيده، أو بيد غيره، ولأن مسحه بيده غير مشترط بدليل ما لو مسح بيد غيره.
الوجه الثاني: لا يجزئه ذلك؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مسح بيده.
والراجح هو الوجه الأول، وقد ذكر ابن الملقن أنَّه قول الأوزاعي، والنخعي، والثوري، وبعض المالكية، ومذهب الشافعية. (١)
مسألة [٢٣]: غسل الرأس بدل المسح .
• إنْ أمرَّ يده على رأسه أثناء الغسل، فيجزئه؛ لأنه قد حصل المسح، وإنْ لم يمرَّ يده، ففيه وجهان عند الشافعية، والحنابلة:
الوجه الأول: أنه لا يجزئه؛ لأنَّ الله تعالى أمر بالمسح، والنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مسح، وأمر بالمسح.
الوجه الثاني: أنه يجزئه قياسًا على غسل الجنابة؛ فإنه يجزئه بدون مسح، وهذا الوجه عليه أكثر الشافعية.
وقد رجح الشيخ العثيمين ﵀ القول الأول في «الشرح الممتع» (١/ ١٥١):
стр. 193
واستدل عليه بقوله ﷺ : «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». (١)
وهو ترجيح الشيخ عبد الرحمن السعدي في تفسير [سورة المائدة]، والذي يظهر لي أنَّ القول الثاني أصح؛ لأنَّ الغاية من المسح هو إصابة الشعر بشيء من الماء، وقد حصل ذلك بالغسل، والله أعلم. (٢)
مسألة [٢٤]: المسح على العنق .
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ١٢٧ - ): لَمْ يَصِحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى عُنُقِهِ فِي الْوُضُوءِ، بَلْ وَلَا رُوِيَ عَنْهُ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ، بَلْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي فِيهَا صِفَةُ وَضَوْءِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَمْسَحُ عَلَى عُنُقِهِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَسْتَحِبَّ ذَلِكَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ، كَمَالِكِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَد فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِمْ، وَمَنْ اسْتَحَبَّهُ فَاعْتَمَدَ فِيهِ عَلَى أَثَرٍ يُرْوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (٣)، أَوْ حَدِيثٍ يَضْعُفُ نَقْلُهُ أَنَّهُ: «مَسَحَ رَأْسَهُ حَتَّى بَلَغَ الْقَذَالَ» (٤)، وَمِثْلَ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ عُمْدَةً، وَلَا يُعَارِضُ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ، وَمَنْ تَرَكَ مَسْحَ الْعُنُقِ؛ فَوُضُوءُهُ صَحِيحٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. اهـ
قلتُ: فمسح العنق في الوضوء من البدع؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس؛ فهو رد».
стр. 194
مسألة [٢٥]: غسل القدمين إلى الكعبين .
نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على وجوب غسل القدمين؛ إلا عمَّن لا يعتد بخلافه كالشيعة، والصحيح أنه وجد خلافٌ شاذ، فقد حكي عن ابن جرير أنه قال: هو مخير بين المسح، والغسل.
قال ابن القيم ﵀ في «تهذيب السنن» (١/ ٩٨): وأما حكايته عن ابن جرير فغلطٌ بَيِّنٌ، وهذه كتبه، وتفسيره كله يكذب هذا النقل عليه، وإنما دخلت الشبهة؛ لأنَّ ابن جرير القائل بهذه المقالة رجلٌ آخر من الشيعة، يوافقه في اسمه واسم أبيه، وقد رأيت له مؤلفات في أصول مذهب الشيعة، وفروعهم. اهـ
وأوجب بعض أهل الظاهر المسح، والغسل جميعًا.
وقد استدل القائلون بالمسح بقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة:٦] بقراءة جرِّ اللام.
وقد أُجيب عن استدلالهم هذا بأجوبة:
أحدها: أنَّ قراءة الجرِّ إنما هي للمجاورة، وهو مشهور عند العرب في أشعارهم، وكلامهم، ومنه قولهم: هذا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ [هود:٢٦].
الثاني: أنَّ السنة بينت ترجيح قراءة النصب، وهي أشهر.
الثالث: أنَّ قراءة الجر محمولة على المسح على الخفين.
стр. 195
الرابع: أنَّ المراد بالمسح الغسل.
قال أبو علي الفارسي: العرب تسمي خفيف الغسل مسحًا.
واستدلوا بقول ابن عباس: ما أجد في كتاب الله إلا غسلتين، ومسحتين (١). وجاء عن أنس ما يدل على هذا أيضًا (٢)، وأجيب عنهما بعد التنبيه على أنهما صحيحان بأنهما قد صحَّ عنهما غسل القدمين (٣)، فيحمل ما ذكراه على أنهما أرادا بمسح القدمين: الغسل الخفيف، أو المسح على الخفين، ومنهم من قال: إنَّ أنسًا أراد أنَّ الآية لا تدل على الغسل، وإنما دلَّ على الغسل سنة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
وبعد هذا إن صح تأويل كلام ابن عباس، وأنس ﵃ على ما تقدم، وإلا كان ما تواتر عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قولاً، وفعلًا، وعن الصحابة قولًا، وفعلًا، مقدمًا، والله أعلم.
والراجح قول الجمهور، وهو وجوب غسل القدمين؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾، على قراءة النصب، وهي الأشهر، وكذلك قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ويل للأعقاب من النار». (٤)
стр. 196
مسألة [٢٦]: معنى الكعبين .
• ذهب جمهور أهل العلم إلى أن الكعبين هما العظمان الناتئان عند مفصل القدم، والساق.
قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (١/ ٤٢٢): هذا مذهبنا، وبه قال المفسرون، وأهل الحديث، وأهل اللغة، والفقهاء، وقالت الشيعة: هما الناتئان في ظهر القدمين. فعندهم أن في كل رجل كعبًا واحدًا، وحكاه الخطابي عن أهل الكوفة، وحكاه أصحابنا عن محمد بن الحسن، قال المحاملي: ولا يصح عنه. اهـ
والدليل على ما ذهب إليه الجمهور قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦]، وحديث عثمان: «وغسل رجله اليمنى إلى الكعبين».
وهذا يدل على أنَّ في كل قدم كعبين، وكذلك حديث النعمان بن بشير في «سنن أبي داود» (٦٦٢).
وعلقه البخاري، قال: فكان أحدنا يلزق كعبه بكعب صاحبه، ومنكبه بمنكبه، وهذا الذي عليه أئمة اللغة، ولا يعرفون القول الآخر. (١)
مسألة [٢٧]: هل يدخل الكعبان في غسل الرجلين ؟
• الخلاف في هذه المسألة كالخلاف الذي تقدم في دخول المرفقين في غسل اليدين، فراجعه. (٢)
стр. 197
مسألة [٢٨]: الزيادة على ثلاث غسلات للعضو الواحد .
قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (١/ ٣٠٨): وَقَالَ أَحْمَد، وَإِسْحَاق، وَغَيْرهمَا: لَا تَجُوز الزِّيَادَة عَلَى الثَّلَاث. وَقَالَ اِبْن الْمُبَارَك: لَا آمَن أَنْ يَأْثَم. وَقَالَ الشَّافِعِيّ: لَا أُحِبّ أَنْ يَزِيد الْمُتَوَضِّئ عَلَى ثَلَاث؛ فَإِنْ زَادَ لَمْ أَكْرَههُ. أَيْ: لَمْ أُحَرِّمهُ؛ لِأَنَّ قَوْله (لَا أُحِبّ) يَقْتَضِي الْكَرَاهَة، وَهَذَا الْأَصَحّ عِنْد الشَّافِعِيَّة .... انتهى المراد.
قلتُ: وما ذهب إليه أحمد، وإسحاق هو الراجح؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فمن زاد على الثلاث فقد أساء، وتعدى، وظلم»، أخرجه أبو داود (١٣٥)، وأحمد (٢/ ١٨٠)، عن عبدالله بن عمرو، وهو حديث حسن، ولقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ». (١)
стр. 198
بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ
مسألة [١]: الاقتصار على مرة في غسل الأعضاء .
قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (١/ ٤٣٧): أجمع العلماء على أن الواجب مرة واحدة، وممن نقل الإجماع فيه: ابن جرير في كتابه «اختلاف العلماء»، وآخرون، وحكى الشيخ أبو حامد وغيره أن بعض الناس أوجب الثلاث، وحكاه صاحب «الإبانة» عن ابن أبي ليلى، وهذا مذهب باطل لا يصح عن أحد من العلماء، ولو صح لكان مردودا بإجماع من قبله وبالأحاديث الصحيحة. اهـ
ثم ذكر أحاديث منها: حديث ابن عباس ﵄ في «البخاري» (١)، قال: «توضأ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مرةً مرة».
قلتُ: الإجماع لا يصح مع كونه قول أكثر أهل العلم، فقد خالف مالكٌ فأوجب الغسل، ولم يوقت مرة، ولا ثلاثًا، كما حكاه ابن قدامة في «المغني» وقال الأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز: الوضوء ثلاثًا، ثلاثًا، إلا غسل الرجلين؛ فإنه ينقيهما، والصحيح قول الجمهور. (٢)
стр. 199
مسألة [٢]: إذا غسل بعض أعضائه مرة، وبعضها مرتين، وهكذا ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ١٩٤): وإن غسل بعض أعضائه مرة، وبعضها أكثر، جاز؛ لأنه إذا جاز ذلك في الكل جاز في البعض، وفي حديث عبد الله ابن زيد أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- توضأ فغسل وجهه ثلاثًا، وغسل يديه مرتين، ومسح برأسه مرة. متفق عليه (١). (٢)
مسألة [٣]: ما حكم وضوئه إذا زاد على ثلاث ؟
قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (١/ ٤٤٠): إذا زاد على الثلاث فقد ارتكب المكروه، ولا يبطل وضوؤه، هذا مذهبنا، ومذهب العلماء كافة، وحكى الدارمي في «الاستذكار» عن قوم أنه يبطل كما لو زاد في الصلاة، وهو خطأ ظاهر. اهـ
مسألة [٤]: إذا شك هل غسل مرتين، أو ثلاثًا ؟
قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (١/ ٤٤٠): إذا شك فلم يدر أغسل مرتين، أم ثلاثا؟ فمقتضى كلام الجمهور أنه يبنى على حكم اليقين، وأنهما غسلتان، فيأتي بثالثة. اهـ
ثم حكى عن إمام الحرمين وجهين في هذه المسألة، ثم قال: والصحيح أنه يأتي بأخرى، والله أعلم.
قلتُ: وما صححه النووي هو الصحيح؛ لأنَّ الشيء لا يثبت بعد عدمه بمجرد
стр. 200
الشك، والله أعلم.
٣١ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ -فِي صِفَةِ وُضُوءِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَاحِدَةً. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: تكرار مسح الرأس .
• ذهب جمهور أهل العلم إلى أنَّ الرأس يمسح مرة واحدة فقط، واستدلوا بحديث الباب، وبحديث عثمان بن عفان، وعبد الله بن زيد في «الصحيحين». (٢)
• وذهب الشافعي، وأحمد في رواية إلى استحباب تكرار مسحه ثلاثًا؛ لحديث: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- توضأ ثلاثًا، ثلاثًا. (٣) وحديث عثمان عند أبي داود (١٠٧): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- توضأ فمسح على رأسه ثلاثًا.
ولكنه حديث غير محفوظ كما أشار إلى ذلك أبو داود في «سننه» (١٠٨)، ثم البيهقي في «الكبرى» (١/ ٦٢).
واستدلوا أيضًا بحديث عن علي عند الدارقطني (١/ ٨٩)، وهو غير محفوظ أيضًا، في إسناده: أبو حنيفة، وقد خالفه الحفاظ في ذلك.
стр. 201
وفي الباب أيضًا أحاديث ضعيفة، وواهية، لا يصح منها شيء، كما في «التلخيص» (١/ ١٤٥ - ١٤٧)، و «النيل».
والصحيح هو قول الجمهور، وهو الاقتصار على مسحة واحدة.
وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وغيرهما من أهل العلم. وأما حديث أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- توضأ ثلاثًا؛ فهو مجملٌ تبينه الأحاديث الأخرى. (١)
стр. 202
٣٢ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ ﵄ -فِي صِفَةِ الوُضُوءِ- قَالَ: وَمَسَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِرَأْسِهِ، فَأَقْبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
وَفِي لَفْظٍ: بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ، حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إلَى المَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: كيفية مسح الرأس .
أفادت الرواية الثانية صراحةً أنَّ المستحب أن يبدأ الرجل بمقدم رأسه حتى يذهب بيديه إلى قفاه، ثم يردهما إلى المكان الذي بدأ منه.
وهذه الرواية تعتبر تفسيرًا للرواية الأولى، وهي قوله: فأقبل بيديه وأدبر؛ فإن الواو لا تفيد الترتيب.
ويكون المعنى: فأدبر بيديه إلى قفاه، ثم أقبل بهما إلى مقدمة رأسه.
ويؤيده: أنه قد جاءت رواية في البخاري: فأدبر بيديه، وأقبل.
وهذه الكيفية، قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (١/ ٤٠٢): متفق على استحبابها.
وقال الترمذي ﵀ في «سننه» (٣٥): وحديث عبد الله بن زيد أصح شيء في
стр. 203
الباب، وأحسن، وبه يقول الشافعي، وأحمد، وإسحاق. اهـ
وهو أيضًا قول مالك، كما في «الاستذكار» (٢/ ٢٧).
• وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يبدأ بمؤخرة رأسه، وهو قول الحسن بن حي، كما في «الاستذكار» (٢/ ٢٨).
واستندوا إلى رواية: فأقبل بيديه، وأدبر، وقد تقدم الكلام عليها، وبحديث الربيع بنت معوذ عند أبي داود (١٢٦) بلفظ: «يبدأ بمؤخر رأسه، ثم بمقدمه ... »، وفيه ضعفٌ؛ ففي إسناده: عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو ضعيفٌ.
• ومنهم من قال: يبدأ بناصيته، ويذهب إلى ناحية الوجه، ثم يذهب إلى جهة مؤخر الرأس، ثم يعود إلى ما بدأ منه، وهو الناصية، كما في «سبل السلام» (١/ ٩٥)، وهذا القائل قصد الجمع بين الروايتين اللتين في الباب، ولا معارضة بينهما كما تقدم بيان ذلك.
стр. 204
٣٣ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ -فِي صِفَةِ الوُضُوءِ- قَالَ: ثُمَّ مَسَحَ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بِرَأْسِهِ، وَأَدْخَلَ إصْبَعَيْهِ السَّبَّاحَتَيْنِ (١) فِي أُذُنَيْهِ، وَمَسَحَ بِإِبْهَامَيْهِ ظَاهِرَ أُذُنَيْهِ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: هل الأذنان من الرأس ؟
• دلَّ حديث الباب على أنَّ الأذنين من الرأس، وقد جاء في ذلك حديث مرفوعٌ عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بلفظ: «الأذنان من الرأس»، ولكنه ضعيفٌ من جميع طرقه، وأفضل من جمع طرق الحديث الدارقطني في «سننه»، ثم البيهقي في «الخلافيات»، والذي يظهر أنه لا يرتقي إلى الحجية بتلك الطرق، ولكنه قد صحَّ موقوفًا عن جمع من الصحابة، وهذا القول هو قول جمهور أهل العلم.
قال الترمذي ﵀: وهو قول أكثر العلماء من الصحابة، فمن بعدهم، وبه قال الثوري، وابن المبارك، وأحمد.
وقال ابن المنذر ﵀: ورويناه عن ابن عباس، وابن عمر، وأبي موسى (٣)، وبه
стр. 205
قال عطاء، وابن المسيب، والحسن، وعمر بن عبدالعزيز، والنخعي، وابن سيرين، وسعيد بن جبير، وقتادة، ومالك، والثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه، وأحمد.
• وذهب الشافعية إلى أنهما عضوان مستقلان، ليسا من الرأس، ولا من الوجه.
• وقال الزهري: هما من الوجه، يغسلان معه، واستدل بدعاء السجود: «سجد وجهي للذي خلقه، وصوره، وشق سمعه، وبصره». (١)
والراجح هو قول الجمهور؛ لحديث الباب، وأيضًا حديث ابن عباس عند الترمذي (٣٦)، وغيره بإسناد صحيح: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مسح رأسه، وأذنيه، ظاهرهما، وباطنهما.
وأما استدلال الزهري بالحديث، فقد قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ١٦٢): وإنما أضافهما إلى الوجه لمجاورتهما له، والشيء يسمى باسم ما جاوره.
وعندي على ذلك جواب آخر، وهو أنَّ الرأس كله ساجد، وإنما المباشرة بالوجه، فأطلق السجود على الوجه؛ لأنه هو المباشر لذلك، فيكون أطلق الجزء، وأراد الكل، ويكون الضمير في قوله: «سمعه، وبصره» عائد على الرأس لا على الوجه، والله أعلم. (٢)
стр. 206
مسألة [٢]: ما حكم مسح الأذنين ؟
• ذهب جمهور أهل العلم إلى استحباب مسح الأذنين؛ لفعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وقد حكاه بعضهم إجماعًا كما في «شرح المهذب» (١/ ٤١٦)، والصحيح أنه قد خالف إسحاق فيما حكاه عنه ابن المنذر، وحكي عن أحمد.
لكن قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ١٨٣): والأذنان من الرأس، فقياس المذهب وجوب مسحهما مع مسحه، وقال الخلال: كلهم حكوا عن أبي عبد الله فيمن ترك مسحهما عامدًا، أو ناسيًا، أنه يجزئه، وذلك لأنهما تبعٌ للرأس. اهـ
قال النووي ﵀ -بعد أن ذكر قول إسحاق-: وهو محجوج بالإجماع قبله، وللحديث الذي ذكره المصنف، والراجح هو قول الجمهور.
مسألة [٣]: كيفية مسح الأذنين .
دلَّ حديث الباب على أنه يستحب أن يمسح داخل الأذنين بالسبابتين، وظاهرهما بالإبهامين.
وقد صحَّ عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ أنه فعل ذلك، أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٨)، بإسناد صحيح.
وثبت أيضًا عن أنس وابن مسعود ﵄ كما في المصدر المذكور.
стр. 207
وقال ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (١/ ٤٠٤): هكذا ينبغي أن يفعل من مسح أذنيه.
وقال الترمذي ﵀ في «جامعه» (٣٦): والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، يرون مسح الأذنين ظاهرهما، وباطنهما.
مسألة [٤]: هل يجزئ مسح الأذنين عن الرأس ؟
لا يجزئ مسح الأذنين عن الرأس بالإجماع، نقله غير واحد من أهل العلم، منهم: ابن حزم في «المحلَّى» رقم (١٩٩)، والنووي في «شرح المهذب» (١/ ٤١٥).
стр. 208
٣٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامهِ فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاثًا؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
في هذا الحديث دلالة على استحباب الاستنثار ثلاثًا عند الاستيقاظ من نوم الليل، وقيدناه بـ (الليل)؛ لقوله في الحديث: «يبيت».
قال الشوكاني ﵀ في «نيل الأوطار» (١/ ٢٢١): قَدْ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الِاسْتِنْثَارِ عِنْدَ الِاسْتِيقَاظِ، وَلَمْ يَذْهَبْ إلَى وُجُوبِهِ أَحَدٌ، وَإِنَّمَا شُرِعَ؛ لِأَنَّهُ يُذْهِبُ مَا يُلْصَقُ بِمَجْرَى النَّفْسِ مِنْ الْأَوْسَاخِ، وَيُنَظِّفُهُ، فَيَكُونُ سَبَبًا لِنَشَاطِ الْقَارِئِ، وَطَرْدِ الشَّيْطَانِ، وَالْخَيْشُومُ أَعْلَى الْأَنْفِ.
وَقِيلَ: هُوَ الْأَنْفُ كُلُّهُ.
وَقِيلَ: هُوَ عِظَامٌ رِقَاقٌ لَيِّنَةٌ فِي أَقْصَى الْأَنْفِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدِّمَاغِ.
وَقَدْ وَقَعَ فِي «الْبُخَارِيِّ» فِي [بَدْءِ الْخَلْقِ] (٢) بِلَفْظِ: «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَتَوَضَّأَ، فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاثًا؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ»، فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَيَكُونُ الْأَمْرُ بِالِاسْتِنْثَارِ بِاعْتِبَارِ إرَادَةُ الْوُضُوءِ، وَفِي وُجُوبِهِ خِلَافٌ سَيَأْتِي. اهـ
قلتُ: قد تقدم نقل الخلاف في حكم الاستنثار عند حديث عثمان، فراجعه.
стр. 209
٣٥ - وَعَنْهُ: «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم غسل اليدين عند الاستيقاظ من النوم .
• ذهب جمهور أهل العلم إلى الاستحباب، وأنَّ النهي عن غمس اليد في الإناء قبل غسلها نهي تنزيه، والقرينة الصارفة عندهم عن الوجوب ذكر العدد؛ فإنَّ ذكره في غير النجاسة العينية دليل الندب، ولأنه علل بأمر يقتضي الشك، والشك لا يقتضي الوجوب في هذا الحكم استصحابًا لأصل الطهارة.
• وذهب أحمد في المشهور عنه، وإسحاق، وأهل الظاهر إلى الوجوب؛ لظاهر الأمر في حديث الباب، وهو ترجيح ابن حزم، والصنعاني، ثم ابن عثيمين، وغيرهم، وهذا هو الصحيح، والله أعلم، وذكر العدد لا يدل على عدم الوجوب، وكذا التعليل بالشك لا يدل على عدم الوجوب. (٢)
مسألة [٢]: هل يشمل هذا الحكم نوم النهار ؟
• ذهب الجمهور إلى تعميم الحكم في نوم الليل، والنهار، واستدلوا بقوله: «من نومه»، فهو يشمل نوم الليل، والنهار، وقاسوا نوم النهار على نوم الليل.
стр. 210
• وذهب أحمد، وداود إلى اختصاصه بنوم الليل؛ لقوله في آخر الحديث: «باتت يده»؛ لأنَّ حقيقة المبيت أن يكون في الليل.
وفي رواية لأبي داود (١٠٣) ساق مسلم إسنادها: «إذا قام أحدكم من الليل».
وكذا للترمذي (٢٤) من وجه آخر صحيح، ولأبي عوانة (٧٣٥)، في رواية ساق مسلم إسنادها: «إذا قام أحدكم إلى الوضوء حين يصبح»، وهذا القول هو الراجح، والله أعلم. (١)
مسألة [٣]: العلة في الأمر بالغسل .
قيل: إنها تعبدية، وبهذا قال مالك، وأحمد، وابن حزم، وغيرهم.
وقال الشافعي ﵀: إنَّ العلة من الأمر هو احتمال تنجس اليد.
وقال شيخ الإسلام ﵀ في «القواعد النورانية» (٣٠ - ٣١): فلعلَّ الشيطان ينقل اليد إلى أماكن تضر الإنسان، أو يأتي بأشياء يلوث بها يد الإنسان تضر به إذا لم يغسل يديه، فعلى ذلك فلا يستبعد أن يكون هذا هو السبب لغسل يد القائم من نوم الليل.
قلتُ: إنْ صحت هذه العلة، وإلا فالقول الأول هو الراجح، والله أعلم. (٢)
مسألة [٤]: حكم الماء إذا غمس فيه يده .
قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (١/ ٣٥٠): إذا غمس يده، وهو شاك في نجاستها قبل غسلها فلا ينجس الماء، بل هو باق علي طهارته، ويجوز أن يتطهر
стр. 211
به، هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة، إلا ما حكاه أصحابنا عن الحسن البصري ﵀ أنه قال: ينجس إن كان قام من نوم الليل. وحكي هذا عن إسحاق بن راهويه، ومحمد بن جرير، وداود، وهو ضعيف جدًّا؛ لأن الأصل طهارة الماء واليد، فلا ينجس بالشك، وقواعد الشرع متظاهرة على هذا، ولا يمكن أن يقال: الظاهر من اليد النجاسة. اهـ. (١)
مسألة [٥]: إذا كانت يد النائم مشدودة بجراب، أو نحوه ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ١٤٢): وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ يَدِ النَّائِمِ مُطْلَقَةً، أَوْ مَشْدُودَةً بِشَيْءٍ، أَوْ فِي جِرَابٍ، أَوْ كَوْنِ النَّائِمِ عَلَيْهِ سَرَاوِيلُهُ، أَوْ لَمْ يَكُنْ. قَالَ أَبُو دَاوُد: سُئِلَ أَحْمَدُ إذَا نَامَ الرَّجُلُ وَعَلَيْهِ سَرَاوِيلُهُ؟ قَالَ: السَّرَاوِيلُ، وَغَيْرُهُ وَاحِدٌ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَلَا يُدْخِلْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا». يَعْنِي أَنَّ الْحَدِيثَ عَامٌّ، فَيَجِبُ الْأَخْذُ بِعُمُومِهِ.
مسألة [٦]: هل يفتقر غسل اليدين إلى نية ؟
• فيه وجهان عند الحنابلة:
الأول: أنه لابد من النية؛ لأنه طهارة تعبد، فأشبه الوضوء، والغسل.
الثاني: أنه لا يفتقر إلى نية؛ لأنه ليس تعبديًّا محضًا، فقد قال في آخر الحديث: «فإنه لا يدري أين باتت يده»، وهذا القول أرجح، وهو مقتضى مذهب الشافعية؛ لأنَّ العلة عندهم هي احتمال النجس، والله أعلم. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: إسباغ الوضوء .
إسباغ الوضوء يطلق على إيصال الماء إلى جميع أجزاء العضو، وهذا واجب لا يصح الوضوء إلا به، وعليه يحمل حديث المسيء في صلاته في «الصحيحين» (١) عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة ... ،»، واللفظ لمسلم.
ويطلق إسباغ الوضوء على إكماله المستحب، ويدل على ذلك حديث أسامة في «الصحيحين» (٢): أنه دفع مع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من عرفة، فنزل بالشعب، قال: فبال، وتوضأ، ولم يسبغ الوضوء.
والإسباغ بهذا المعنى مستحب؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد تركه في هذا الموضع، وقد
стр. 214
ثبت عنه أنه توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، والله أعلم.
مسألة [٢]: تخليل الأصابع .
• ذهب الشوكاني، والصنعاني إلى وجوب تخليل الأصابع؛ لظاهر حديث لقيط ابن صبرة.
• بينما ذهب جمهور أهل العلم إلى الاستحباب.
• ومنهم من خصَّه بأصابع الرجلين.
والصحيح عمومه في أصابع اليدين، والرجلين؛ لعموم حديث لقيط الذي في الباب، وصرَّح بذلك إسحاق كما في «شرح المهذب» (١/ ٤٢٥).
قال البغوي ﵀ في «شرح السنة» (١/ ٣٠٩): وتخليل الأصابع سنة في الوضوء مع وصول الماء إلى باطنها من غير تخليل؛ فإن انضمت الأصابع بعضها إلى بعض، بحيث لا يصل الماء إلى باطنها إلا بالتخليل، فيجب حينذاك. اهـ
وقال ابن سيد الناس ﵀ كما في «النيل» (١/ ٢٤٣): قال أصحابنا: من سنن الوضوء تخليل أصابع الرجلين في غسلهما، وهذا إذا كان الماء يصل إليهما من غير تخليل، فلو كانت الأصابع ملتفة لا يصل الماء إليها إلا بالتخليل، فحينذٍ يجب التخليل، لا لذاته، ولكن لأداء فرض الغسل. اهـ
قال البسَّام في «توضيح الأحكام» (١/ ٢١٨): والصارف عن الوجوب دقة الماء، ووصوله إلى ما بينها بدون تخليل، وبهذا يحصل القدر الواجب، فيبقى
стр. 215
الاستحباب على الاحتياط في ذلك. اهـ
قلتُ: الراجح قول الجمهور؛ لأنَّ الغاية من التخليل هو إيصال الماء، وفي الغالب أن الماء يصل من غير تخليل إذا كُوثِرَ على الرِّجْل كما قال البسام، والله أعلم. (١)
مسألة [٣]: المبالغة في الاستنشاق .
قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ١٤٧): وذلك سنة مستحبة في الوضوء إلا أن يكون صائمًا، فلا يستحب، لا نعلم في ذلك خلافًا. انتهى.
وقال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (١/ ٣٥٦): المبالغة في المضمضة، والاستنشاق سنَّةٌ بلا خلاف. انتهى.
وقال الصنعاني ﵀ في «سبل السلام» (١/ ١٠٠): والحديث دليل على المبالغة في الاستنشاق لغير الصائم، وإنما لم يكن في حقه المبالغة؛ لئلا ينزل إلى حلقه ما يفطره، ودلَّ ذلك على أنَّ المبالغة ليست بواجبة؛ إذ لو كانت واجبة لوجب عليه التحري، ولم يجز له تركها. اهـ