← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

٤٨٠ - وَعَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الأَضْحَى والفطر بِـ: ﴿ق﴾ وَ ﴿اقْتَرَبَتِ﴾. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (١) الحكم المستفاد من الحديث يستحب أن يقرأ في ركعتي العيد بهاتين السورتين المذكورتين في الحديث. وقد اختار القراءة بهاتين السورتين الشافعي ﵀. واختار أحمد القراءة بـ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾؛ لأنَّ ذلك ثبت أيضًا عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كما في «صحيح مسلم» (٨٧٨)، عن النعمان بن بشير، وكما في «مسند أحمد» (٥/ ٧)، عن سمرة بن جندب ﵃. قلتُ: وبأيهما قرأ؛ فقد أصاب السنة، والله أعلم. (٢)

стр. 1542

٤٨١ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا كَانَ يَوْمُ العِيدِ خَالَفَ الطَّرِيقَ. أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ. (١) ٤٨٢ - وَلِأَبِي دَاوُد عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ. (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين مسألة [١]: حكم مخالفة الطريق في يوم العيد . قال الحافظ ابن رجب ﵀ (٩٨٦): وقد استحب كثير من أهل العلم للإمام وغيره إذا ذهبوا في طريق إلى العيد أن يرجعوا في غيره، وهو قول مالك، والثوري، والشافعي، وأحمد، ولو رجع من الطريق الذي خرج منه لم يُكره. انتهى المراد. قال الحافظ ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (١/ ٤٤٩) -وهو يذكر الاختلاف في بيان الحكمة من ذلك-، قال: قِيْلَ: لِيُسَلّمَ عَلَى أَهْلِ الطّرِيقَيْنِ.

стр. 1543

وَقِيلَ. لِيَنَالَ بَرَكَتَهُ الْفَرِيقَانِ. وَقِيلَ: لِيُظْهِرَ شَعَائِرَ الْإِسْلَامِ فِي سَائِرِ الْفِجَاجِ وَالطّرُقِ. وَقِيلَ: لِيَغِيظَ الْمُنَافِقِينَ بِرُؤْيَتِهِمْ عِزّةَ الْإِسْلَامِ وَأَهْلَهُ، وَقِيَامَ شَعَائِرِهِ. وَقِيلَ: لِتَكْثُرَ شَهَادَةُ الْبِقَاعِ؛ فَإِنَّ الذّاهِبَ إلَى الْمَسْجِدِ وَالْمصَلّى إحْدَى خُطْوَتَيْهِ تَرْفَعُ دَرَجَةً وَالْأُخْرَى تَحُطّ خَطِيئَةً حَتّى يَرْجِعَ إلَى مَنْزِلِهِ. وَقِيلَ وَهُوَ الْأَصَحّ: إنّهُ لِذَلِكَ كُلّهِ وَلِغَيْرِهِ مِنْ الْحِكَمِ الّتِي لَا يَخْلُو فِعْلُهُ عَنْهَا. اهـ

стр. 1544

٤٨٣ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المَدِينَةَ، وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا فَقَالَ: «قَدْ أَبْدَلَكُمُ اللهُ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الأَضْحَى وَيَوْمَ الفِطْرِ». أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. (١) الحكم المستفاد من الحديث قال المغربي ﵀ في «البدر التمام» (٤/ ٤٤): في الحديث دلالة على أنَّ السرور، وإظهار النشاط والحبور في العيدين مندوبٌ، وأنَّ ذلك من الشريعة التي شرعها الله لعباده؛ إذ في إبدال عيدي الجاهلية بالعيدين المذكورين دلالة على أنه يفعل في العيدين المشروعين مثلما تفعله الجاهلية في أعيادها، وإنما خالفهم في تعيين الوقت. اهـ قال الصنعاني ﵀ في «السبل»: ومراده من أفعال الجاهلية ما ليس بمحظور، ولا شاغل عن طاعة. اهـ قلتُ: وفي «الصحيحين» (٢) عن عائشة ﵂، أنَّ أبا بكر دخل بيتها، والنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مضطجعٌ، وعندها جاريتان تغنِّيان، وتضربان بالدف، فقال أبو بكر: أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : «دعهما يا أبا بكر؛ فإنها أيام عيد»، وفي رواية: «إنَّ لكل قوم عيدًا، وهذا عيدنا». قال الحافظ ابن رجب ﵀ (٩٥٢): قوله: «وهذا عيدنا» يريد أنَّ إظهار السرور في العيد من شعار الدين، وحكم اليسير من الغناء خلاف الكثير. اهـ

стр. 1545

بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة مسألة [١]: حكم ضرب الدف من الرجال . قال الحافظ ابن رجب ﵀ (٩٥٢): وقد وردت الشريعة بالرخصة للنساء؛ لضعف عقولهن بما حرم على الرجال من التحلي والتزين بالحرير، والذهب، وإنما أُبيح للرجال منها اليسير دون الكثير، فكذلك الغناء يرخص فيه للنساء في أيام السرور، وإن سمع ذلك الرجال تبعًا؛ ولهذا كان جمهور العلماء على أن الضرب بالدف للغناء لا يباح فعله للرجال؛ فإنه من التشبه بالنساء، وهو ممنوع منه، هذا قول الأوزاعي، وأحمد، وكذا ذكر الحليمي وغيره من الشافعية، وإنما كان يضرب بالدفوف في عهد النبي ﷺ النساء، أو من يشبه بهن من المخنثين، وقد أمر النبي ﷺ بنفي المخنثين وإخراجهم من البيوت. اهـ قلتُ: ويدل على تحريم ضرب الدف في حق الرجال قول أبي بكر في الحديث المتقدم: «أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله»، وأقرَّه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- على ذلك، وإنما أباحه للنساء بسبب أنها أيام العيد كما في الحديث. قال ابن رجب ﵀ (٩٥٢): وقد أقرَّ أبا بكر على تسمية الدف مزمور الشيطان، وهذا يدل على وجود المقتضي للتحريم لولا وجود المانع. اهـ ويدل على تحريمه في حق الرجال أيضًا دخوله في عموم حديث أبي عامر الأشعري في «البخاري» (٥٥٩٠): «ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحر،

стр. 1546

والحرير، والخمر، والمعازف»، والدف من المعازف، والله أعلم. مسألة [٢]: حكم الدف في حق النساء . • إذا كان خاليًا من الجلاجل المصوتة ونحوها؛ فقد اختلف العلماء فيه على ثلاثة مذاهب: الأول: أنه يرخص فيه مطلقًا للنساء، رُوي عن أحمد ما يشهد له، واختاره طائفة من أصحابه. الثاني: إنما يرخص فيه في الأعراس ونحوها، وهو مروي عن عمر بن عبدالعزيز، والأوزاعي، وهو قول كثير من الحنابلة، أو أكثرهم. الثالث: أنه لا يرخص فيه بحال، وهو قول النخعي، وأبي عبيد، وطائفة من أصحاب ابن مسعود ﵁. قلتُ: القول الثاني هو الصواب؛ للأحاديث المتقدمة في المسألة قبلها؛ لأنَّ الأحاديث التي فيها الرخصة للنساء بضرب الدف جاءت في المسرَّة، وما أشبهها، والله أعلم. (١) مسألة [٣]: الدف إذا كان مجلجلا . قال ابن رجب ﵀ «الفتح» (٩٥٢): وليس الغناء والدف المرخص فيهما في معنى ما في غناء الأعاجم ودفوفها المصلصلة؛ لأن غناءهم ودفوفهم تحرك الطباع وتهيجها إلى المحرمات، بخلاف غناء الأعراب، فمن قاس أحدهما على

стр. 1547

الآخر فقد أخطأ أقبح الخطأ، وقاس مع ظهور الفرق بين الفرع والأصل، فقياسه من أفسد القياس وأبعده عن الصواب. اهـ وقال ﵀ أيضًا: وأما استماع آلات الملاهي المطربة المتلقاة من وضع الأعاجم؛ فمحرم مُجمع على تحريمه، ولا يعلم عن أحد منه الرخصة في شيء من ذَلِكَ، ومن نقل الرخصة فيه عن إمام يعتد به؛ فقد كذب وافترى. اهـ. (١) مسألة [٤]: الغناء المهيج للطباع . قال الحافظ ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٩٥٢): وأما الغناء المهيج للطباع، المثير للهوى؛ فلا يباح لرجل ولا لامرأة فعله، ولا استماعه؛ فإنه داع إلى الفسق، والفتنة في الدين، والفجور؛ فيحرم كما يحرم النظر بشهوة إلى الصور الجميلة؛ فإن الفتنة تحصل بالنظر وبالسماع؛ ولهذا جعل النبي ﷺ زنا العينين النظر، وزنا الأذن الاستماع. اهـ

стр. 1548

٤٨٤ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَخْرُجَ إلَى العِيدِ مَاشِيًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. (١) الحكم المستفاد من الحديث استحب أهل العلم الذهاب إلى المصلَّى مشيًا، وأن لا يُركب إلا من عذرٍ، أو حاجة، قال الترمذي عقب حديث الباب: والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم، يستحبون أن يُخْرَجَ إلى العيد ماشيًا .... اهـ. (٢) قلتُ: ويدل على استحباب المشي قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «دِيَارَكُم تُكتَبُ آثَارُكُم»، وقوله: «كل خطوة يخطوها إلى الصلاة صدقة»، والله أعلم. (٣)

стр. 1549

٤٨٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّهُمْ أَصَابَهُمْ مَطَرٌ فِي يَوْمِ عِيدٍ فَصَلَّى بِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ صَلَاةَ العِيدِ فِي المَسْجِدِ. رَوَاهُ أَبُودَاوُد بِإِسْنَادٍ لَيِّنٍ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: أين تُصلَّى صلاة العيد ؟ دلَّ حديث الباب على أنَّ صلاة العيد تُصلَّى في المسجد إذا احتيج إلى ذلك من مطرٍ، أو بردٍ شديد ونحوه. وحديث الباب، وإن كان ضعيفًا؛ فيغني عنه قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنَّ الدين يسر». وأما إذا لم يُحْتَجْ إلى المسجد؛ فالجمهور يستحبون أن تكون الصلاة في المصلَّى؛ لمداومة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- على ذلك. • وخالف الشافعي، فقال: إنْ كان المسجد واسعًا يسعهم؛ فيصلون فيه؛ لأنها أحب الأماكن إلى الله. • وردَّ عليه الجمهور بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ترك مسجده مع ما فيه من الفضيلة. والصواب قول الجمهور، والله أعلم. (٢)

стр. 1550

فَصْل فِي ذِكْرِ مَسَائِلَ مُلْحَقَةٍ فِي هَذَا البَاب مسألة [١]: التعجيل بصلاة العيد . • ذهب مالك، وربيعة إلى استحباب تعجيل صلاة العيد، سواء الفطر، أو الأضحى؛ لحديث عبدالله بن بسر المتقدم في المسألة رقم [١] تحت حديث (٤٧٠). • وذهب الجمهور إلى استحباب تأخير الفطر شيئًا حتى يتمكن الناس من إخراج صدقة الفطر، وإدراك الصلاة، وتعجيل عيد الأضحى حتى يرجع الناس إلى ذبائحهم. وتفصيل الجمهور لا دليل عليه، ولكن لو عمل به مراعاةً لحاجة الناس؛ فلا بأس، والله أعلم. (١) مسألة [٢]: من فاتته صلاة العيد مع الإمام، فكم يصليها ؟ • ذهب أكثر العلماء إلى أنه يصليها ركعتين، ويكبر تكبير الإمام، وهو قول عطاء، وابن سيرين، ومجاهد، وعكرمة، والنخعي، والحسن، ومالك، والشافعي، وأحمد، والأوزاعي، وأبي حنيفة، وغيرهم؛ إلا أنَّ عطاء، والأوزاعي، وأحمد في رواية قالوا: لا يكبر كتكبير الإمام.

стр. 1551

• وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يصليها أربعًا، ثبت ذلك عن ابن مسعود (١)، وهذا قول الشعبي، والثوري، وأحمد في رواية، وكأنهم قاسوها على الجمعة. قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب؛ لأنَّ الله تعالى شرع صلاة العيد ركعتين، فما هو دليلهم أنَّ من فاتته الصلاة مع الإمام صلَّاها أربعًا؟!. (٢) مسألة [٣]: إذا أدرك الإمامَ وقد صلى، وهو في الخطبة ؟ • اختار بعض أهل العلم أنه يجلس يسمع الخطبة، ثم إذا فرغ صلَّى، وهو قول الأوزاعي، والشافعي، وأبي ثور، وأحمد. • واختار الليث أنه يصلي والإمام يخطب. وللشافعية وجهان فيما إذا كان ذلك في المسجد: • فمنهم من قال: يصلي التحية، ويؤخر صلاة العيد إلى عقب الخطبة. • ومنهم من قال: بل يصلي العيد، وتجزئه عن تحية المسجد. قلتُ: والوجه الثاني أقرب وأولى، والله أعلم. وأما إذا كان في المصلَّى؛ فالمختار ما قاله أحمد، والشافعي، ومن معهما، والله أعلم. (٣)

стр. 1552

مسألة [٤]: هل يُشترط لصلاة العيد عدد ؟ • في المسألة قولان: الأول: أنه لا يُشترط، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد في رواية، وهو قول أكثر العلماء. الثاني: أنه يُشترط، وهو قول أبي حنيفة، وإسحاق، وأحمد في رواية، وكأنهم قاسوه على الجمعة. والقول الأول هو الصواب؛ لعدم وجود دليل يدل على اشتراط ذلك، والله أعلم. (١) مسألة [٥]: هل يُصلي في البيت من له عذر عن الخروج إلى المصلى ؟ • ذهب أكثر العلماء إلى أنه يصليها في بيته ركعتين كصلاة الإمام. • وذهب الثوري، وإسحاق إلى أنه يصليها أربعًا. • وأما الحنفية فقالوا: لا يصلي. والصواب قول الجمهور، والله أعلم. (٢) مسألة [٦]: هل يصلي المسافر صلاة العيد ؟ • اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أنه لا يصليها، وهو قول جمهور الحنابلة، ورواية عن أحمد، وهو

стр. 1553

قول إسحاق، وأصحاب الرأي وغيرهم. القول الثاني: أنه يصليها، وهو قول مالك، والشافعي وأصحابهما، وأحمد في رواية اختارها بعض أصحابه. والقول الأول أصح؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يُنقل عنه أنه صلَّاها في سفره كما في حجة الوداع، وكما في فتح مكة، وغيرهما. وهذا القول رجَّحه الإمام ابن عثيمين ﵀. (١)

стр. 1554

بَابُ صَلاةِ الكُسُوفِ ٤٨٦ - عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ قَالَ: انْكَسَفَتِ (١) الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، يَوْمَ مَاتَ إبْرَاهِيمُ، (فَقَالَ النَّاسُ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ لِمَوْتِ إبْرَاهِيمَ) (٢)، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا، فَادْعُوا اللهَ وَصَلُّوا حَتَّى تَنْكَشِفَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣)، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: «حَتَّى تَنْجَلِيَ». (٤) ٤٨٧ - وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ ﵁: «فَصَلُّوا وَادْعُوا حَتَّى يُكْشفَ مَا بِكُمْ». (٥) المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين مسألة [١]: حكم صلاة الكسوف . • ذهب جمهور العلماء إلى أنها سنة مؤكدة؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر بها، وصلَّاها، ولم يقولوا بوجوبها؛ لحديث: «خمس صلوات في اليوم والليلة ... » (٦)، الحديث.

стр. 1555

ولأن النبي ﷺ قد قرن بالأمر بها، الأمر بالصدقة، والعتق، وليس واحدٌ منهما واجبًا؛ لأن النبي ﷺ لم يرد عنه فعله يوم كسفت الشمس فدل على عدم الوجوب. • وذهب بعض أهل العلم إلى وجوب صلاة الكسوف، وهو قول أبي عوانة في «صحيحه»، وحُكي عن أبي حنيفة، وقال به بعض الحنابلة. قلتُ: وهذا القول أقرب -والله أعلم-؛ للأمر بذلك من النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأما إيجاب الخمس الصلوات في اليوم والليلة؛ فليس فيه دلالة على أنَّ صلاة الكسوف مستحبة وليست واجبة؛ لأنَّ المقصود من الحديث بيان الواجب عليه من الصلوات في اليوم والليلة، لا نفي غيرها مما يجب عليه بسبب، وأما الصدقة والعتق؛ فإن النبي ﷺ لم يفعل ذلك يوم الكسوف؛ فدل على عدم الوجوب، وأما الصلاة؛ فإنه ﵊ بادر إليها، وأمر بها، والله أعلم، ورجَّح الإمام ابن عثيمين ﵀ أنها فرض على الكفاية. (١) مسألة [٢]: وقت صلاة الكسوف . يبدأ وقتها بحصول الكسوف، وينتهي وقتها بانجلاء الشمس، أو القمر؛ لحديث المغيرة، وأبي بكرة اللَّذَيْنِ في الباب، والعمل على هذا عند أهل العلم. (٢) فائدة مهمة: قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ١٧٤ - ١٧٦): وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ

стр. 1556

وَلَا لِحَيَاتِهِ»، أَيْ: لَا يَكُونُ الْكُسُوفُ مُعَلَّلًا بِالْمَوْتِ؛ فَهُوَ نَفْيُ الْعِلَّةِ الْفَاعِلَةِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ الَّذِي فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ رِجَالٍ مِنْ الْأَنْصَارِ أَنَّهُمْ كَانُوا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ؛ إذْ رُمِيَ بِنَجْمِ فَاسْتَنَارَ، فَقَالَ: «مَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ لِهَذَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟» فَقَالُوا: كُنَّا نَقُولُ: وُلِدَ اللَّيْلَةَ عَظِيمٌ، أَوْ مَاتَ عَظِيمٌ. فَقَالَ: «إنَّهُ لَا يُرْمَى بِهَا لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّ اللهَ إذَا قَضَى بِالْأَمْرِ سَبَّحَ حَمَلَةُ الْعَرْشِ»، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي مُسْتَرِقِ السَّمْعِ، فَنَفَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَكُونَ الرَّمْيُ بِهَا لِأَجْلِ أَنَّهُ قَدْ وُلِدَ عَظِيمٌ أَوْ مَاتَ عَظِيمٌ؛ بَلْ لِأَجْلِ الشَّيَاطِينِ الْمُسْتَرِقِينَ السَّمْعَ، فَفِي كِلَا الْحَدِيثَيْنِ مِنْ أَنَّ مَوْتَ النَّاسِ وَحَيَاتَهُمْ لَا يَكُونُ سَبَبًا لِكُسُوفِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَلَا الرَّمْيَ بِالنَّجْمِ؛ وَإِنْ كَانَ مَوْتُ بَعْضِ النَّاسِ قَدْ يَقْتَضِي حُدُوثَ أَمْرٍ فِي السَّمَوَاتِ كَمَا ثَبَتَ فِي «الصِّحَاحِ»: «إنَّ الْعَرْشَ عَرْشَ الرَّحْمَنِ اهْتَزَّ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ»، وَأَمَّا كَوْنُ الْكُسُوفِ أَوْ غَيْرُهُ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِحَادِثِ فِي الْأَرْضِ مِنْ عَذَابٍ يَقْتَضِي مَوْتًا أَوْ غَيْرِهِ فَهَذَا قَدْ أَثْبَتَهُ الْحَدِيثُ نَفْسُهُ، وَمَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ لَا يُنَافَى لِكَوْنِ الْكُسُوفِ لَهُ وَقْتٌ مَحْدُودٌ يَكُونُ فِيهِ حَيْثُ لَا يَكُونُ كُسُوفُ الشَّمْسِ إلَّا فِي آخِرِ الشَّهْرِ لَيْلَةَ السِّرَارِ وَلَا يَكُونُ خُسُوفُ الْقَمَرِ إلَّا فِي وَسَطِ الشَّهْرِ وَلَيَالِي الْإِبْدَارِ، وَمَنْ ادَّعَى خِلَافَ ذَلِكَ مِنْ الْمُتَفَقِّهَةِ أَوْ الْعَامَّةِ؛ فَلِعَدَمِ عِلْمِهِ بِالْحِسَابِ؛ وَلِهَذَا يُمْكِنُ الْمَعْرِفَةُ بِمَا مَضَى مِنْ الْكُسُوفِ وَمَا يَسْتَقْبِلُ كَمَا يُمْكِنُ الْمَعْرِفَةُ بِمَا مَضَى مِنْ الْأَهِلَّةِ وَمَا يَسْتَقْبِلُ؛ إذْ كُلُّ ذَلِكَ بِحِسَابِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ [الأنعام:٩٦]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ

стр. 1557

بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن:٥]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس:٥]، وَقَالَ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩]، وَمِنْ هُنَا صَارَ بَعْضُ الْعَامَّةِ إذَا رَأَى الْمُنَجِّمَ قَدْ أَصَابَ فِي خَبَرِهِ عَنْ الْكُسُوفِ الْمُسْتَقْبَلِ يَظُنُّ أَنَّ خَبَرَهُ عَنْ الْحَوَادِثِ مِنْ هَذَا النَّوْعِ؛ فَإِنَّ هَذَا جَهْلٌ؛ إذْ الْخَبَرُ الْأَوَّلُ بِمَنْزِلَةِ إخْبَارِهِ بِأَنَّ الْهِلَالَ يَطْلُعُ: إمَّا لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ، وَإِمَّا لَيْلَةَ إحْدَى وَثَلَاثِينَ؛ فَإِنَّ هَذَا أَمْرٌ أَجْرَى اللهُ بِهِ الْعَادَةَ لَا يُخْرَمُ أَبَدًا، وَبِمَنْزِلَةِ خَبَرِهِ أَنَّ الشَّمْسَ تَغْرُبُ آخِرَ النَّهَارِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ، فَمَنْ عَرَفَ مَنْزِلَةَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَمَجَارِيَهُمَا عَلِمَ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عِلْمًا قَلِيلَ الْمَنْفَعَةِ، فَإِذَا كَانَ الْكُسُوفُ لَهُ أَجَلٌ مُسَمًّى لَمْ يُنَافِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ أَجَلِهِ يَجْعَلُهُ اللهُ سَبَبًا لِمَا يَقْضِيهِ مِنْ عَذَابٍ وَغَيْرِهِ لِمَنْ يُعَذِّبُ اللهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَوْ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ يُنْزِلُ اللهُ بِهِ ذَلِكَ. اهـ وقال ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٢٥٩): وَفِي رِوَايَةٍ فِي «الصَّحِيحِ»: «وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ الله يُخَوِّفُ بِهِمَا عِبَادَهُ»، وَهَذَا بَيَانٌ مِنْهُ ﷺ أَنَّهُمَا سَبَبٌ لِنُزُولِ عَذَابٍ بِالنَّاسِ؛ فَإِنَّ اللهَ إنَّمَا يُخَوِّفُ عِبَادَهُ بِمَا يَخَافُونَهُ إذَا عَصَوْهُ وَعَصَوْا رُسُلَهُ، وَإِنَّمَا يَخَافُ النَّاسُ مِمَّا يَضُرُّهُمْ فَلَوْلَا إمْكَانُ حُصُولِ الضَّرَرِ بِالنَّاسِ عِنْدَ الْخُسُوفِ؛ مَا كَانَ ذَلِكَ تَخْوِيفًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء:٥٩]، وَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَا يُزِيلُ الْخَوْفَ، أَمَرَ بِالصَّلَاةِ، وَالدُّعَاءِ، وَالِاسْتِغْفَارِ، وَالصَّدَقَةِ، وَالْعِتْقِ؛ حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِالنَّاسِ، وَصَلَّى بِالْمُسْلِمِينَ فِي الْكُسُوفِ صَلَاةً طَوِيلَةً. اهـ

стр. 1558

٤٨٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَهَرَ فِي صَلَاةِ الكُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ، فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ. (١) وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: فَبَعَثَ مُنَادِيًا يُنَادِي: الصَّلَاةَ جَامِعَةً. (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: الجهر في صلاة الكسوف . • اختلف أهل العلم في كسوف الشمس: هل يُسَرُّ بالقراءة، أم يُجهر؟ على قولين: الأول: الإسرار بالقراءة، وهو قول الشافعي، ومالك، وأبي حنيفة، والليث، واستدلوا على ذلك بحديث ابن عباس في «مسند أحمد» (١/ ٢٩٣)، قال: صليت خلف النبي ﷺ الكسوف، فلم أسمع منه حرفًا، وفي إسناده: ابن لهيعة، وهو ضعيف. واستدلوا بحديث سمرة بن جندب ﵁ عند أحمد (٥/ ١٩)، بمثل حديث ابن عباس، وفي إسناده: ثعلبة بن عباد، وهو مجهول. واستدلوا بحديث عائشة ﵂ في «سنن أبي داود» (١١٨٧)، قالت: حزرتُ قراءة رسول الله ﷺ في الكسوف، فرأيت أنه قرأ سورة البقرة. وظاهر إسناده

стр. 1559

الحُسْن، فيه: محمد بن إسحاق، وقد صرَّح بالتحديث. واستدلوا بحديث ابن عباس ﵄ الذي في الكتاب: «فقام قيامًا طويلًا نحوًا من قراءة سورة البقرة». الثاني: الجهر بالقراءة، وهو قول أحمد، وإسحاق، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وداود، وابن المنذر، وابن خزيمة، واختاره شيخ الإسلام، وابن القيم، واستدلوا بحديث عائشة ﵂ الذي في الباب. وهذا القول هو الراجح، وأدلة أصحاب القول الأول ضعيفة، وأما حديث عائشة؛ فهو مُعَارَضٌ بحديثها في «الصحيحين»، وابن إسحاق لا يُحتَجُّ به إذا خالف، ويمكن أن يُأَوَّل هو وحديث ابن عباس الذي بعده بأنهم كانوا بعيدين، فلم يسمعوا قراءة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، والله أعلم. وأما في كسوف القمر فلا إشكال بينهم أنه يجهر؛ لأنها صلاة ليلية. (١) مسألة [٢]: كيف يُنادَى لصلاة الكسوف ؟ قال ابن قدامة ﵀ (٣/ ٣٢٢): وَيُسَنُّ أَنْ يُنَادَى لَهَا: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِالله بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: لَمَّا كَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ نُودِيَ بِالصَّلَاةُ جَامِعَةٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢)، وَلَا يُسَنُّ لَهَا أَذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّاهَا بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ وَلِأَنَّهَا مِنْ غَيْرِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فَأَشْبَهَتْ سَائِرَ النَّوَافِلِ. اهـ. (٣)

стр. 1560

٤٨٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: انْخَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَصَلَّى، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، نَحْوًا مِنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ انْصَرَفَ، وَقَدِ انْجَلَتِ (١) الشَّمْسُ فَخَطَبَ النَّاسَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. (٢) وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: صَلَّى حِينَ كَسَفَتِ الشَّمْسُ ثَمَانِي رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ. (٣) ٤٩٠ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ مِثْلُ ذَلِكَ. (٤)

стр. 1561

٤٩١ - وَلَهُ عَنْ جَابِرٍ ﵁: صَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ بِأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ. (١) ٤٩٢ - وَلِأَبِي دَاوُد عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁: صَلَّى فَرَكَعَ خَمْسَ رَكَعَاتٍ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، وَفَعَلَ فِي الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ. (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث مسألة [١]: كم عدد الركوعات في صلاة الكسوف ؟ • في المسألة أقوال: الأول: ركوعان في كل ركعة، وهذا قول الشافعي، ومالك، وأحمد، وإسحاق، والجمهور؛ لأنَّ هذا هو الثابت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في صلاة الكسوف، وهذا اختيار شيخ الإسلام، وابن القيم، والصنعاني، والشوكاني، وعليه الفتوى عند علمائنا المعاصرين. الثاني: يجوز ركوعان، وثلاثة، وأربعة في كل ركعة، عملًا بالأحاديث الواردة في ذلك، وهذا القول رُوي عن أحمد، وأخذ به بعض الحنابلة، والشافعية، ومن المحدثين: ابن خزيمة، وابن المنذر، والخطابي، وغيرهم، وقد تقدم أنَّ

стр. 1562

الأحاديث لم يثبت منها إلا ركوعان في كل ركعة. الثالث: يصلي ركعتين كما يصلي الجمعة والصبح، يعني ركوع في كل ركعة، وهذا قول النخعي، والثوري، وأبي حنيفة. وقد استُدِلَّ لهم بحديثين: أحدهما عن النعمان بن بشير في «سنن أبي داود» (١١٩٣)، والآخر عن قبيصة بن المخارق في «مسند أحمد» (٥/ ٦٠)، وفي إسنادهما انقطاع، واختلاف في الإسناد. قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب هو القول الأول. (١) مسألة [٢]: حكم الجماعة في صلاة الكسوف . • ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ صلاة الجماعة في الكسوف مستحبة؛ لفعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وذهب مالك، وأبو حنيفة إلى أنَّ كسوف القمر لا يُصلى فيه جماعة، بل يصلون في بيوتهم فُرادى، وذهب أبو يوسف، ومحمد بن الحسن إلى أنَّ الجماعة شرطٌ فيها. والصواب قول الجمهور. (٢) مسألة [٣]: حكم الخطبة بعد صلاة الكسوف . قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٥/ ٥٣): قد ذكرنا أنَّ مذهبنا استحباب خطبتين بعد صلاة الكسوف، وبه قال جمهور السلف، ونقله ابن المنذر عن الجمهور، وقال مالك، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، وأحمد في رواية: لا تُشرع لها الخطبة. اهـ

стр. 1563

قلتُ: وحُجَّةُ من قال: (لا تشرع) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إنما خطب ليعلم الناس أن الكسوف آية، وأنها لا تحصل لموت أحد، ولا لحياته وما أشبه ذلك، وهذا معلوم لا يحتاج إليه اليوم. وحُجَّة الجمهور أنها خطبة مقصودة بحمد، وثناء، وموعظة، وتذكير، وغير ذلك، وهذا هو الراجح، ولكن لا دليل على كونها خطبتين؛ فإنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يخطب إلا خطبة واحدة؛ فالصواب أنها خطبة واحدة، وهو ظاهر كلام الشوكاني، والله أعلم. مسألة [٤]: الإطالة في صلاة الكسوف . استحب أهل العلم إطالة صلاة الكسوف؛ فيُطيل قيامها وركوعها وسجودها. • وقد خالف في إطالة السجود كثير من الشافعية، وبعض الحنابلة، كما في «شرح مسلم»، و «الإنصاف». • وأما القيام بعد الركوع الثاني، والجلوس بين السجدتين، فذهب الجمهور وادُّعِيَ إجماعًا إلى أنه لا يطيل فيهما، والواقع وجود خلاف يسير من بعض الحنابلة، وغيرهم، فقالوا بإطالتهما. ورجَّح هذا الإمام ابن عثيمين ﵀، وقد جاء في ذلك حديث جابر ﵁ في «صحيح مسلم» (٩٠٤)، وفيه: «ثم ركع، فأطال، ثم قام، فأطال، ثم سجد»، وحديث عبدالله بن عمرو بن العاص ﵄ في «مسند أحمد» (٦٤٨٣)، وغيره، وفيه: «ثم ركع، فلم يكد يرفع،

стр. 1564

ثم رفع، فلم يكد يسجد، ثم سجد، فلم يكد يرفع، ثم رفع، فلم يكد يسجد، ثم سجد، فلم يكد يرفع، ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ذلك»، وفي إسناده: عطاء بن السائب، وهو مختلط، ولكن قد روى عنه هذا الحديث شعبة، وسفيان كما في مصادر أخرى كما في «تحقيق المسند» (٦٤٨٣)، وقد رويا عنه قبل الاختلاط. (١) مسألة [٥]: ماذا يقول المصلي عند رفعه من الركوع الأول ؟ قال النووي ﵀: يُستحبُّ أن يقول عند رفعه من كل ركوع: (سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد ... إلخ)، ثبت ذلك في «الصحيحين» من فعل رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ونصَّ عليه الشافعي في «الأم»، و «مختصر البويطي»، والمزني والأصحاب. اهـ قلتُ: ثبت ذلك من حديث عائشة في «الصحيحين» (٢)، وقد قال بذلك أيضًا الحنابلة وغيرهم. (٣) مسألة [٦]: حكم القيام الثاني، وقراءة الفاتحة فيه، والركوع الثاني من كل ركعة . قال الشوكاني ﵀ في «نيل الأوطار»: ولابد من القراءة بالفاتحة في كل ركعة؛ للأدلة الدالة على أنها لا تصح ركعة بدون فاتحة. اهـ وقال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٩٠١): واتفق العلماء على أنه يقرأ الفاتحة في القيام الأول من كل ركعة، واختلفوا في القيام الثاني، فمذهبنا، ومذهب

стр. 1565

مالك، وجمهور أصحابه أنها لا تصح الصلاة؛ إلا بقراءتها فيه، وقال محمد بن مسلمة من المالكية: لا يقرأ الفاتحة في القيام الثاني. انتهى المراد. قلتُ: ويُفهم من كلام النووي أنَّ القيام الثاني، والركوع الثاني من كل ركعة تُعتبر أركانًا عندهم، وعند المالكية. • وقد ذهب الحنابلة إلى أنَّ القيام الثاني والركوع الثاني من كل ركعة يُعتبر سنة، والقيام الأول، والركوع الأول هما الركن. والأقرب -والله أعلم- هو المذهب الأول؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر بالصلاة، وبيَّنَ كيفيتها بفعله، وهو القائل: «صلُّوا كما رأيتموني أُصلي». (١)

стр. 1566

بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة مسألة [١]: إذا أدرك المأمومُ الإمامَ وقد فاته الركوع الأول ؟ • ذهب الشافعي وأصحابه، وهو وجهٌ للحنابلة أنه لا يكون مُدرِكًا للركعة الأولى، بل إذا سلَّم الإمام؛ قام فزاد ركعة كاملة بقيامين، وركوعين. • وذهب جماعةٌ من الحنابلة إلى أنه يكون مُدْرِكًا للركعة. والصواب هو القول الأول، وقد رجَّحه الإمام ابن باز، والإمام العثيمين رحمة الله عليهما. (١) مسألة [٢]: صلاة الكسوف في أوقات النهي . • منع من ذلك: الحنفية، والمالكية، وأحمد في رواية. • وأجاز ذلك: الشافعية، وأحمد في رواية، واختارها جماعة من أصحابه، منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وغيره. وهذا القول هو الصواب؛ لأنَّ صلاة الكسوف تُصَلَّى لسبب، وقد تقدم أنَّ ذوات الأسباب تُصلَّى في أوقات النهي على الرَّاجح. انظر: (باب المواقيت من كتاب الصلاة).

стр. 1567

٤٩٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: مَا هَبَّتِ رِيْحٌ قَطُّ إلَّا جَثَا النَّبِيُّ ﷺ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَقَالَ: «اللهُمَّ اجْعَلْهَا رَحْمَةً وَلَا تَجْعَلْهَا عَذَابًا». رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ. (١) الحكم المستفاد من الحديث حديث الباب ضعيف جدًّا كما بيناه، وعليه فلا يدعى بالدعاء المذكور فيه عند هبوب الريح. ولكن ثبت في «صحيح مسلم» (٨٩٩) (١٥)، عن عائشة ﵂، وفي «السنن» عن أُبي بن كعب، وأبي هريرة وغيرهما ﵃، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يقول: «اللهم، إني أسألك خيرها، وخير ما أُمِرت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما أُمرت به». (٢)

стр. 1568

٤٩٤ - وَعَنْهُ ﵁: أَنَّهُ صَلَّى فِي زَلْزَلَةٍ سِتَّ رَكَعَاتٍ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، وَقَالَ: هَكَذَا صَلَاةُ الآيَاتِ. رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ. (١) ٤٩٥ - وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ عَنْ عَلِيِّ ﵁ مِثْلَهُ دُونَ آخِرِهِ. (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين مسألة [١]: هل يُصلَّى في الآيات غير كسوف الشمس والقمر ؟ • في المسألة ثلاثة أقوال: القول الأول: يُصلَّى للزلازل دون غيرها من الآيات، وهو المشهور عند الحنابلة، وهو قول إسحاق، وأبي ثور، واستدلوا بفعل ابن عباس، وعلي ﵃، وجاء عن حُذيفة ﵁ بسند منقطع. القول الثاني: يُصلَّى لكل آية تخويف؛ لحديث أبي موسى ﵁ في «الصحيحين» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «هذه الآيات يرسلها الله يخوف بها عباده، فإذا رأيتم شيئًا من ذلك؛ فافزعوا إلى ذكر الله، ودعائه، واستغفاره» (٣)، وهذا قول أبي حنيفة، وابن حزم، وأحمد في رواية، واختاره شيخ الإسلام. القول الثالث: لا يُصلَّى إلا لكسوف الشمس، والقمر، وهو مذهب مالك،

стр. 1569

والشافعي، إلا أنَّ الشافعي يرى مشروعية الصلاة على الانفراد حتى لا يكون الناس في غفلة، والصحيح قول مالك؛ لأنَّ هذا هو الثابت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولم يُنقَلْ أنه صلَّى لِمَا سوى هاتين الآيتين، وقد وُجِدَ في زمنه الريح الشديدة، وقد جاء عن عمر بن الخطاب ﵁، أنه حدثت في عهده زلزلة، فلم يُصَلِّ. قال ابن أبي شيبة ﵀ (٢/ ٤٧٣): حدثنا ابن نمير، عن عبيدالله، عن نافع، عن صفية بنت أبي عبيد، قالت: زلزلت الأرض على عهد عمر حتى اصطفقت السُّرُر، فوافق ذلك عبدالله بن عمر، وهو يصلي، فلم يدر، قالت: فخطب عمر الناس فقال: أحدثتم، لقد عجلتم. قالت: ولا أعلمه إلا قال: لئن عادت؛ لأخرجن من بين ظهرانيكم. وإسناده صحيح. (١) مسألة [٢]: إذا اجتمعت صلاة الكسوف مع صلاة أخرى ؟ ذهب أكثر أهل العلم إلى أنها إنْ اجتمعت مع فريضة؛ قُدِّمت صلاة الكسوف؛ ما لم يُخشَ فوت وقت الفريضة، وإنْ اجتمعت مع نافلة؛ قُدِّمت عليها، وإنْ كانت تراويح أو وترًا، وإنْ اجتمع مع جنازة؛ قُدِّمت الجنازة؛ لأنَّ الإسراع بها مأمور به، ويُخشى تغيرها. (٢)

стр. 1570

بَابُ صَلاةِ الاسْتِسْقَاءِ ٤٩٦ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مُتَوَاضِعًا، مُتَبَذِّلًا، مُتَخَشِّعًا، مُتَرَسِّلًا، مُتَضَرِّعًا (١)، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، كَمَا يُصَلِّي فِي العِيدِ، لَمْ يَخْطُبْ خُطْبَتَكُمْ هَذِهِ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو عَوَانَةَ وَابْنُ حِبَّانَ. (٢) ٤٩٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: شَكَا النَّاسُ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قُحُوطَ المَطَرِ، فَأَمَرَ بِمِنْبَرٍ، فَوُضِعَ لَهُ بِالمُصَلَّى (٣)، وَوَعَدَ النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ، فَخَرَجَ حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ، فَقَعَدَ عَلَى المِنْبَرِ، فَكَبَّرَ وَحَمِدَ اللهَ، ثُمَّ قَالَ: «إنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيَارِكُمْ، وَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ أَنْ تَدْعُوهُ، وَوَعَدَكُمْ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَكُمْ»، ثُمَّ قَالَ: «الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، لَا إلَهَ إلَّا اللهُ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، اللهُمَّ أَنْتَ اللهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ: أَنْتَ الغَنِيُّ وَنَحْنُ الفُقَرَاءُ، أَنْزِلْ عَلَيْنَا الغَيْثَ،

стр. 1571

وَاجْعَلْ مَا أَنْزَلْت عَلَيْنَا قُوَّةً وَبَلَاغًا إلَى حِينٍ» ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى رُئِيَ بَيَاضُ إبْطَيْهِ، ثُمَّ حَوَّلَ إلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ، وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ وَنَزَلَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَأَنْشَأَ اللهُ تَعَالَى سَحَابَةً فَرَعَدَتْ، وَبَرَقَتْ ثُمَّ أَمْطَرَتْ. رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَقَالَ: غَرِيبٌ، وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ. (١) ٤٩٨ - وَقِصَّةُ التَّحْوِيلِ فِي «الصَّحِيحِ» مِنْ حَدِيثِ عَبْدِاللهِ بْنِ زَيْدٍ وَفِيهِ: فَتَوَجَّهَ إلَى القِبْلَةِ يَدْعُو، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِمَا بِالقِرَاءَةِ. (٢) ٤٩٩ - وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ مُرْسَلِ أَبِي جَعْفَرٍ البَاقِرِ: وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ لِيَتَحَوَّلَ القَحْطُ. (٣) المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث مسألة [١]: مشروعية صلاة الاستسقاء . • ذهب عامة أهل العلم إلى شرعية صلاة الاستسقاء؛ للأدلة المتكاثرة الدالة عليها، منها الأحاديث المذكورة في الباب.

стр. 1572

• وخالف أبو حنيفة، فقال: لا تشرع؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إنما استسقى في خطبة الجمعة. وأجاب عنه الجمهور: بأنَّ دليله لا ينافي الأدلة التي تدل على شرعية الصلاة. (١) مسألة [٢]: صفة صلاة الاستسقاء . • قال العيني ﵀ في «عمدة القاري» (٧/ ٣٤) مُعلِّقًا على حديث ابن عباس ﵄، السَّابق: فيه دلالة على أنه يكبر كما يكبر في العيدين، وإليه ذهب الشافعي، وهو قول سعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، ومكحول، ومحمد بن جرير الطبري، وهو رواية عن أحمد. قال: وذهب جمهور العلماء إلى أنه يكبر فيها كسائر الصلوات تكبيرة واحدة للافتتاح، وهو قول مالك، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق، وأحمد في المشهور عنه، وأبي ثور، وأبي يوسف، ومحمد وغيرهما من أصحاب أبي حنيفة، وقال داود: إنْ شاء كبَّر كتكبير العيد، وإن شاء كبر تكبيرة واحدة. اهـ قال أبو عبدالله غفر الله له: الصواب قول الجمهور؛ لظاهر حديث عبدالله بن زيد، وعائشة ﵄؛ فإنهما لم يذكرا أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كبر كتكبير العيد، وأما حديث ابن عباس؛ فقد تقدم أنه ضعيف. (٢)

стр. 1573

مسألة [٣]: هل الخطبة قبل الصلاة، أم بعد الصلاة ؟ • ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنَّ الخطبة قبل الصلاة، وهو قول الليث، وابن المنذر، وأحمد في رواية، وجاء عن بعض التابعين، وصحَّ عن عبد الله بن الزبير ﵁، واستدلوا بحديث عائشة، وابن زيد ﵄، اللَّذَيْنِ في الباب. • وذهب أحمد، ومالك، والشافعي إلى أنَّ الخطبة بعد الصلاة، وقال ابن عبد البر: وعليه جماعة الفقهاء. واستدلوا بحديث ابن عباس ﵄، الذي تقدم، وفيه ضعفٌ، وبحديث أبي هريرة في «مسند أحمد» (٢/ ٣٢٦)، وفيه: «فصلَّى، ثم خطب»، وفي إسناده: النعمان بن راشد، وهو ضعيفٌ. وصحَّ عن عبد الله بن يزيد، أنه صلَّى بالناس الاستسقاء، فصلَّى قبل الخطبة، وفي القوم زيد بن أرقم، والبراء بن عازب، وهو في «صحيح البخاري» (١٠٢٢). • وذهب أحمد في رواية عنه إلى التَّخيير؛ لوجود الأدلة من الطرفين. قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب هو تقديم الخطبة على الصلاة كما فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأدلة الجمهور ضعيفة. (١) مسألة [٤]: كم خطبة لصلاة الاستسقاء ؟ • ظاهر أدلة الباب أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- خطب خطبة واحدة، وهو مذهب أحمد، وعليه أكثر أصحابه، وهو قول عبد الرحمن بن مهدي، وأبي يوسف، ورجَّحه الزيلعي.

стр. 1574

• وذهب مالك، والشافعي، وأحمد في رواية إلى أنها خطبتان؛ لحديث ابن عباس ﵄، وقد تقدم أنه ضعيف، وتقدم أيضًا أن العيد ليس فيه إلا خطبة. (١) مسألة [٥]: متى تُصلَّى صلاة الاستسقاء ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٣/ ٣٣٧): وَلَيْسَ لِصَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ وَقْتٌ مُعَيَّنٌ؛ إلَّا أَنَّهَا لَا تُفْعَلُ فِي وَقْتِ النَّهْيِ بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّ وَقْتَهَا مُتَّسِعٌ، فَلَا حَاجَةَ إلَى فِعْلِهَا فِي وَقْتِ النَّهْيِ، وَالْأَوْلَى فِعْلُهَا فِي وَقْتِ الْعِيدِ؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ خَرَجَ حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. اهـ مسألة [٦]: هل يُؤَذَّنُ وَيُقَامُ لصلاة الاستسقاء ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٣/ ٣٣٧): وَلَا يُسَنُّ لها أَذَانٌ، ولَا إِقَامَة، وَلَا نَعْلَمُ فِيِهِ خِلَافًا. اهـ ونقل ابن بطال الإجماع أيضًا على أنه لا يُؤذَّنُ لها، ولا يقام، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يقال فيها: (الصلاة جامعة)، والصواب قول الآخرين: أنه لا يُنَادَى لها بشيء. (٢) مسألة [٧]: تحويل الرِّداء . • قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٣/ ٣٤٠): وَيُسْتَحَبُّ تَحْوِيلُ الرِّدَاءِ لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.

стр. 1575

• وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُسَنُّ؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ، فَلَا يُسْتَحَبُّ تَحْوِيلُ الرِّدَاءِ فِيهِ كَسَائِرِ الْأَدْعِيَةِ. وَسُنَّةُ رَسُولِ الله ﷺ أَحَقُّ أَنْ تُتَّبَعَ، وَحُكِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعُرْوَةَ، وَالثَّوْرِيِّ، أَنَّ تَحْوِيلَ الرِّدَاءِ مُخْتَصٌّ بِالْإِمَامِ دُونَ الْمَأْمُومِ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ؛ لِأَنَّهُ نُقِلَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ دُونَ أَصْحَابِهِ، وَلَنَا: أَنَّ مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ ثَبَتَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، مَا لَمْ يَقُمْ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِهِ دَلِيلٌ. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: الأقرب -والله أعلم- اختصاصه بالإمام دون المأموم؛ لأنه لم ينقل أنَّ أصحاب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حولوا أرديتهم، ولا أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمرهم بذلك. وما جاء في «مسند أحمد» (٤/ ٤١)، وفي «المختارة» للضياء (٣٢٧)، «وتحول الناس معه»، فهي زيادة تفرد بها ابن إسحاق؛ فقد روى الحديث بالزيادة المذكورة عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن عباد بن تميم، عن عبد الله بن زيد، به. وابن إسحاق شذ بذكره لهذه الزيادة؛ فقد روى الحديث عن عبد الله بن أبي بكر، مالك، والثوري، وابن عيينة، كلهم رووا الحديث بدون الزيادة المذكورة. وكذلك روى الحديث أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، والزهري، ومحمد بن أبي بكر، وعمرو بن يحيى المازني، عن عباد بن تميم به، بدون الزيادة. كما في «المسند المصنف المعلل» (١١/ ٢٤٤ - ). (١)

стр. 1576

مسألة [٨]: صفة التحويل . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٣/ ٣٤١): وَصِفَةُ تَقْلِيبِ الرِّدَاءِ: أَنْ يَجْعَلَ مَا عَلَى الْيَمِينِ عَلَى الْيَسَارِ، وَمَا عَلَى الْيَسَارِ عَلَى الْيَمِينِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَهِشَامِ بْنِ إسْمَاعِيلَ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو ابْنِ حَزْمٍ، وَمَالِكٍ، وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُول بِهِ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: يَجْعَلُ أَعْلَاهُ أَسْفَلَ .. .اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: الأقرب قول الجمهور، والله أعلم. مسألة [٩]: هل يجهر بالقراءة في صلاة الاستسقاء ؟ ثبت في حديث عبد الله بن زيد -وهو في الباب- أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- جهر بالقراءة في صلاة الاستسقاء. وقال الحافظ ﵀ في «الفتح» (١٠٢٤): ونقل ابن بطال أيضًا الإجماع عليه. اهـ مسألة [١٠]: استحباب صلاة العيد في المصلى . قال الإمام ابن رجب ﵀ في «فتح الباري» (٦/ ٢٩٤): الخروج لصلاة الاستسقاء إلى المصلى مجمع عليه بين العلماء، حتى وافق الشافعي عليه مع قوله: إن الأفضل في العيد أن يصلَّى في الجامع إذا وسعهم؛ وذلك لأن الاستسقاء يجتمع له الخلق الكثير، فهو مظنة ضيق المسجد عنهم، ويحضره النساء والرجال، وأهل الذمة، والبهائم، والأطفال، فلا يسعهم غير الصحراء. اهـ قلتُ: وقد دلت أحاديث الباب على استحباب كون صلاة العيد في المصلى.

стр. 1577

بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة مسألة [١]: إذا استسقى الناس فلم يسقوا، فهل يكررون صلاة الاستسقاء ؟ • مذهب الحنابلة، والمالكية، والشافعية: أنهم إنْ سُقُوا، وإلا عادوا في اليوم الثاني، والثالث. وقال إسحاق: لا يخرجون إلا مرة؛ لأنَّ النبي ﷺ لم يخرج إلا مرة. قال ابن قدامة ﵀: وَلَنَا أَنَّ هَذَا أَبْلَغُ فِي الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ، وَقَدْ جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ فِي الدُّعَاءِ» (١)، وَأَمَّا النَّبِيُّ فَلَمْ يَخْرُجْ ثَانِيًا؛ لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْ الْخُرُوجِ بِإِجَابَتِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَالْخُرُوجُ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى آكَدُ مِمَّا بَعْدَهَا؛ لِوُرُودِ السُّنَّةِ بِهِ. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: ما رجَّحه ابن قدامة هو الصواب، والله أعلم. (٢) مسألة [٢]: إذا عزم الناس على الخروج؛ فسُقُوا قبل أن يخرجوا ؟ قال أبو محمد ابن قدامة ﵀: وَإِنْ تَأَهَبُوا لِلْخُرُوجِ؛ فَسُقُوا قَبْلَ خُرُوجِهِم، لم يَخْرُجُوا، وشَكَرُوا الله عَلَى نِعْمَتِهِ، وَسَأَلُوه المَزِيْدَ مِنْ فَضْلِهِ. اهـ قلتُ: وكذلك إذا خرجوا، وسقوا قبل أن يصلوا، والله أعلم. (٣)

стр. 1578

٥٠٠ - وَعَنْ أَنَسٍ (﵁) أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ المَسْجِدَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ هَلَكَتِ الأَمْوَالُ وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ فَادْعُ اللهَ يُغِيثُنَا فَرَفَعَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «اللهُمَّ أَغِثْنَا، اللهُمَّ أَغِثْنَا» فَذَكَرَ الحَدِيثَ، وَفِيهِ الدُّعَاءُ بِإِمْسَاكِهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) الأحكام المستفادة من الحديث فيه استحباب استسقاء الإمام يوم الجمعة في الخطبة كما فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قال النووي: ولا خلاف في جوازه. (٢) قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٣/ ٣٤٩): وَإِذَا كَثُرَ الْمَطَرُ بِحَيْثُ يَضُرُّهُمْ، أَوْ مِيَاهُ الْعُيُونِ؛ دَعَوْا اللهَ تَعَالَى أَنْ يُخَفِّفَهُ، وَيَصْرِفَ عَنْهُمْ مَضَرَّتَهُ، وَيَجْعَلَهُ فِي أَمَاكِنَ تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ، كَدُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ .اهـ قلتُ: يُشير إلى ما جاء في حديث أنس الذي في الباب؛ فإنَّ فيه أنَّ رجلًا قام في الجمعة الثانية، فقال يا رسول الله: هلكت الأموال، وانقطعت السبل؛ فادع الله يمسكها عنا. فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «اللهم، حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والضِّرَاب، وبطون الأودية، ومنابت الشجر». قال النووي ﵀: وفيه استحباب طلب انقطاع المطر على المنازل، والمرافق إذا كثر وتضرروا به، ولكن لا تشرع له صلاة، ولا اجتماع في الصحراء. اهـ

стр. 1579

٥٠١ - وَعَنْهُ أَنَّ عُمَرَ ﵁ كَانَ إذَا قُحِطُوا اسْتَسْقَى بِالعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِالمُطَّلِبِ، وَقَالَ: اللهُمَّ إنَّا كُنَّا نَسْتَسْقِي إلَيْك بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِيَنَا وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا فَيُسْقَوْنَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (١) الحكم المستفاد من الحديث قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (٣/ ٣٤٦): وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُسْتَسْقَى بِمَنْ ظَهَرَ صَلَاحُهُ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى إجَابَةِ الدُّعَاءِ؛ فَإِنَّ عُمَرَ ﵁ اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ عَمِّ النَّبِيِّ ﷺ . ثم ذكر حديث الباب. ثم قال: وَرُوِيَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ خَرَجَ يَسْتَسْقِي، فَلَمَّا جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، قَالَ: أَيْنَ يَزِيدُ بْنُ الْأَسْوَدِ الْجرَشِيُّ؟ فَقَامَ يَزِيدُ، فَدَعَاهُ مُعَاوِيَةُ، فَأَجْلَسَهُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ، إنَّا نَسْتَشْفِعُ إلَيْك بِخَيْرِنَا وَأَفْضَلِنَا: يَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ، يَا يَزِيدُ، ارْفَعْ يَدَيْكَ. فَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَدَعَا اللَّهَ تَعَالَى، فَثَارَتْ فِي الْغَرْبِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ، وَهَبَّ لَهَا رِيحٌ، فَسُقُوا حَتَّى كَادُوا لَا يَبْلُغُونَ مَنَازِلَهُمْ، وَاسْتَسْقَى بِهِ الضَّحَّاكُ مَرَّةً أُخْرَى. اهـ قلتُ: أثر معاوية مع يزيد أخرجه الفسوي في «المعرفة» (٢/ ٣٨٠) بإسناد صحيح، واستسقاء الضحاك بن قيس الفهري بيزيد أخرجه الفسوي أيضًا في «المعرفة» بإسناد حسن.

стр. 1580

٥٠٢ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: أَصَابَنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَطَرٌ قَالَ: فَحَسَرَ ثَوْبَهُ، حَتَّى أَصَابَهُ مِنَ المَطَرِ، وَقَالَ: «إنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١) الحكم المستفاد من الحديث قال الإمام النووي ﵀ في شرح الحديث: مَعْنَى «حَسَرَ»: كَشَفَ، أَيْ: كَشَفَ بَعْض بَدَنه، وَمَعْنَى «حَدِيث عَهْد بِرَبِّهِ»، أَيْ: بِتَكْوِينِ رَبّه إِيَّاهُ، مَعْنَاهُ أَنَّ الْمَطَر رَحْمَة، وَهِيَ قَرِيبَة الْعَهْد بِخَلْقِ الله تَعَالَى لَهَا؛ فَيَتَبَرَّك بِهَا، وَفِي هَذَا الْحَدِيث دَلِيل لِقَوْلِ أَصْحَابنَا: إِنَّهُ يُسْتَحَبّ عِنْد أَوَّل الْمَطَر أَنْ يَكْشِف غَيْر عَوْرَته لِيَنَالَهُ الْمَطَر، وَاسْتَدَلُّوا بِهَذَا. اهـ قلتُ: وقال بذلك أيضًا الحنابلة كما في «المغني» (٣/ ٣٤٨)، ولكن مع ضعف الحديث؛ فلا يُستحبُّ ما ذُكِر، والله أعلم.
следующие страницы →