مسألة [٨]: صفة التحويل .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٣/ ٣٤١): وَصِفَةُ تَقْلِيبِ الرِّدَاءِ: أَنْ يَجْعَلَ مَا عَلَى الْيَمِينِ عَلَى الْيَسَارِ، وَمَا عَلَى الْيَسَارِ عَلَى الْيَمِينِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَهِشَامِ بْنِ إسْمَاعِيلَ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو ابْنِ حَزْمٍ، وَمَالِكٍ، وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُول بِهِ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: يَجْعَلُ أَعْلَاهُ أَسْفَلَ .. .اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: الأقرب قول الجمهور، والله أعلم.
مسألة [٩]: هل يجهر بالقراءة في صلاة الاستسقاء ؟
ثبت في حديث عبد الله بن زيد -وهو في الباب- أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- جهر بالقراءة في صلاة الاستسقاء.
وقال الحافظ ﵀ في «الفتح» (١٠٢٤): ونقل ابن بطال أيضًا الإجماع عليه. اهـ
مسألة [١٠]: استحباب صلاة العيد في المصلى .
قال الإمام ابن رجب ﵀ في «فتح الباري» (٦/ ٢٩٤): الخروج لصلاة الاستسقاء إلى المصلى مجمع عليه بين العلماء، حتى وافق الشافعي عليه مع قوله: إن الأفضل في العيد أن يصلَّى في الجامع إذا وسعهم؛ وذلك لأن الاستسقاء يجتمع له الخلق الكثير، فهو مظنة ضيق المسجد عنهم، ويحضره النساء والرجال، وأهل الذمة، والبهائم، والأطفال، فلا يسعهم غير الصحراء. اهـ
قلتُ: وقد دلت أحاديث الباب على استحباب كون صلاة العيد في المصلى.
стр. 1577
بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة
مسألة [١]: إذا استسقى الناس فلم يسقوا، فهل يكررون صلاة الاستسقاء ؟
• مذهب الحنابلة، والمالكية، والشافعية: أنهم إنْ سُقُوا، وإلا عادوا في اليوم الثاني، والثالث. وقال إسحاق: لا يخرجون إلا مرة؛ لأنَّ النبي ﷺ لم يخرج إلا مرة.
قال ابن قدامة ﵀: وَلَنَا أَنَّ هَذَا أَبْلَغُ فِي الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ، وَقَدْ جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ فِي الدُّعَاءِ» (١)، وَأَمَّا النَّبِيُّ فَلَمْ يَخْرُجْ ثَانِيًا؛ لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْ الْخُرُوجِ بِإِجَابَتِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَالْخُرُوجُ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى آكَدُ مِمَّا بَعْدَهَا؛ لِوُرُودِ السُّنَّةِ بِهِ. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: ما رجَّحه ابن قدامة هو الصواب، والله أعلم. (٢)
مسألة [٢]: إذا عزم الناس على الخروج؛ فسُقُوا قبل أن يخرجوا ؟
قال أبو محمد ابن قدامة ﵀: وَإِنْ تَأَهَبُوا لِلْخُرُوجِ؛ فَسُقُوا قَبْلَ خُرُوجِهِم، لم يَخْرُجُوا، وشَكَرُوا الله عَلَى نِعْمَتِهِ، وَسَأَلُوه المَزِيْدَ مِنْ فَضْلِهِ. اهـ
قلتُ: وكذلك إذا خرجوا، وسقوا قبل أن يصلوا، والله أعلم. (٣)
стр. 1578
٥٠٠ - وَعَنْ أَنَسٍ (﵁) أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ المَسْجِدَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ هَلَكَتِ الأَمْوَالُ وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ فَادْعُ اللهَ يُغِيثُنَا فَرَفَعَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «اللهُمَّ أَغِثْنَا، اللهُمَّ أَغِثْنَا» فَذَكَرَ الحَدِيثَ، وَفِيهِ الدُّعَاءُ بِإِمْسَاكِهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
الأحكام المستفادة من الحديث
فيه استحباب استسقاء الإمام يوم الجمعة في الخطبة كما فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قال النووي: ولا خلاف في جوازه. (٢)
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٣/ ٣٤٩): وَإِذَا كَثُرَ الْمَطَرُ بِحَيْثُ يَضُرُّهُمْ، أَوْ مِيَاهُ الْعُيُونِ؛ دَعَوْا اللهَ تَعَالَى أَنْ يُخَفِّفَهُ، وَيَصْرِفَ عَنْهُمْ مَضَرَّتَهُ، وَيَجْعَلَهُ فِي أَمَاكِنَ تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ، كَدُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ .اهـ
قلتُ: يُشير إلى ما جاء في حديث أنس الذي في الباب؛ فإنَّ فيه أنَّ رجلًا قام في الجمعة الثانية، فقال يا رسول الله: هلكت الأموال، وانقطعت السبل؛ فادع الله يمسكها عنا. فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «اللهم، حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والضِّرَاب، وبطون الأودية، ومنابت الشجر».
قال النووي ﵀: وفيه استحباب طلب انقطاع المطر على المنازل، والمرافق إذا كثر وتضرروا به، ولكن لا تشرع له صلاة، ولا اجتماع في الصحراء. اهـ
стр. 1579
٥٠١ - وَعَنْهُ أَنَّ عُمَرَ ﵁ كَانَ إذَا قُحِطُوا اسْتَسْقَى بِالعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِالمُطَّلِبِ، وَقَالَ: اللهُمَّ إنَّا كُنَّا نَسْتَسْقِي إلَيْك بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِيَنَا وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا فَيُسْقَوْنَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (١)
الحكم المستفاد من الحديث
قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (٣/ ٣٤٦): وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُسْتَسْقَى بِمَنْ ظَهَرَ صَلَاحُهُ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى إجَابَةِ الدُّعَاءِ؛ فَإِنَّ عُمَرَ ﵁ اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ عَمِّ النَّبِيِّ ﷺ . ثم ذكر حديث الباب.
ثم قال: وَرُوِيَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ خَرَجَ يَسْتَسْقِي، فَلَمَّا جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، قَالَ: أَيْنَ يَزِيدُ بْنُ الْأَسْوَدِ الْجرَشِيُّ؟ فَقَامَ يَزِيدُ، فَدَعَاهُ مُعَاوِيَةُ، فَأَجْلَسَهُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ، إنَّا نَسْتَشْفِعُ إلَيْك بِخَيْرِنَا وَأَفْضَلِنَا: يَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ، يَا يَزِيدُ، ارْفَعْ يَدَيْكَ. فَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَدَعَا اللَّهَ تَعَالَى، فَثَارَتْ فِي الْغَرْبِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ، وَهَبَّ لَهَا رِيحٌ، فَسُقُوا حَتَّى كَادُوا لَا يَبْلُغُونَ مَنَازِلَهُمْ، وَاسْتَسْقَى بِهِ الضَّحَّاكُ مَرَّةً أُخْرَى. اهـ
قلتُ: أثر معاوية مع يزيد أخرجه الفسوي في «المعرفة» (٢/ ٣٨٠) بإسناد صحيح، واستسقاء الضحاك بن قيس الفهري بيزيد أخرجه الفسوي أيضًا في «المعرفة» بإسناد حسن.
стр. 1580
٥٠٢ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: أَصَابَنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَطَرٌ قَالَ: فَحَسَرَ ثَوْبَهُ، حَتَّى أَصَابَهُ مِنَ المَطَرِ، وَقَالَ: «إنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١)
الحكم المستفاد من الحديث
قال الإمام النووي ﵀ في شرح الحديث: مَعْنَى «حَسَرَ»: كَشَفَ، أَيْ: كَشَفَ بَعْض بَدَنه، وَمَعْنَى «حَدِيث عَهْد بِرَبِّهِ»، أَيْ: بِتَكْوِينِ رَبّه إِيَّاهُ، مَعْنَاهُ أَنَّ الْمَطَر رَحْمَة، وَهِيَ قَرِيبَة الْعَهْد بِخَلْقِ الله تَعَالَى لَهَا؛ فَيَتَبَرَّك بِهَا، وَفِي هَذَا الْحَدِيث دَلِيل لِقَوْلِ أَصْحَابنَا: إِنَّهُ يُسْتَحَبّ عِنْد أَوَّل الْمَطَر أَنْ يَكْشِف غَيْر عَوْرَته لِيَنَالَهُ الْمَطَر، وَاسْتَدَلُّوا بِهَذَا. اهـ
قلتُ: وقال بذلك أيضًا الحنابلة كما في «المغني» (٣/ ٣٤٨)، ولكن مع ضعف الحديث؛ فلا يُستحبُّ ما ذُكِر، والله أعلم.
стр. 1581
٥٠٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا رَأَى المَطَرَ قَالَ: «اللهُمَّ، صَيِّبًا نَافِعًا». أَخْرَجَاهُ. (١)
الحكم المستفاد من الحديث
يُستحبُّ أن يُقال: «اللهُمَّ، صَيِّبًا نَافِعًا» عند نزول المطر؛ لهذا الحديث، ويُستحبُّ أن يُقال بعد المطر: مطرنا بفضل الله ورحمته؛ لحديث زيد بن خالد الجهني في «الصحيحين» (٢)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال لهم بعد مطر: «قال الله تعالى: أصبح من عبادي مؤمن بي، وكافر، فأما من قال: مُطرنا بفضل الله ورحمته؛ فذلك مؤمن بي، كافر بالكوكب، وأما من قال: مُطرنا بنوء كذا، وكذا؛ فذلك كافر بي مؤمنٌ بالكوكب».
стр. 1582
٥٠٤ - وَعَنْ سَعْدٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا فِي الِاسْتِسْقَاءِ: «اللهُمَّ جَلِّلْنَا سَحَابًا، كَثِيفًا، قَصِيفًا، دَلُوقًا، ضَحُوكًا، (١) تُمْطِرُنَا مِنْهُ رَذَاذًا، قِطْقِطًا، سَجْلًا، (٢) يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ». رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي «صَحِيحِهِ». (٣)
الحكم المستفاد من الحديث
الحديث ضعيف؛ فلا ينبني عليه حكم، ويدعى في الاستسقاء بما ثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كما في حديث أنس المتقدم: «اللهم أغثنا»، أو بما دعا به رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حديث عائشة المتقدم في أول الباب، أو بما تيسر من الأدعية المشروعة.
وفي الباب أحاديث أخرى:
منها: حديث كعب بن مرة، أو مرة بن كعب ﵁: «اللهم اسقنا غيثا مغيثا، مريئا مريعا، طبقا غدقا عاجلا غير رائث نافعا غير ضار» أخرجه أحمد (١٨٠٦٦)،
стр. 1583
والطيالسي (١٢٩٥)، وعبد بن حميد (٣٧٢)، وابن ماجه (١٢٦٩)، وغيرهم من طريق سالم بن أبي الجعد، عن شرحبيل بن السمط، عنه. وهو منقطع؛ لأن سالمًا لم يسمع من شرحبيل بن السمط. قاله أبوداود كما في جامع التحصيل.
ومنها: حديث جابر بن عبد الله ﵄، قال: أتت النبي ﷺ ، بواكي، فقال: «اللهم اسقنا غيثا مغيثا، مريئا مريعا، نافعا غير ضار، عاجلا غير آجل»، قال: فأطبقت عليهم السماء. أخرجه أبو داود (١١٦٩)، وابن خزيمة (١٤١٦)، وأبو عوانة (٢٥٢٧)، والحاكم (١٢٢٢)، والبيهقي (٣/ ٣٥٥) من طرق عن محمد بن عبيد، حدثنا مسعر، عن يزيد الفقير، عن جابر بن عبد الله به.
وأسند البيهقي عن الإمام أحمد أنه قال: أعطانا محمد بن عبيد كتابه عن مسعر فنسخناه، ولم يكن هذا الحديث فيه ليس هذا بشيء، كأنه أنكره من محمد بن عبيد، قال عبد الله بن أحمد: قال أبي: فحدثناه يعلى أخو محمد، ثنا مسعر عن يزيد الفقير مرسلا. اهـ
وقد رجح المرسل أيضًا الدارقطني في العلل (٣٢٨٤)؛ فقال: يرويه مسعر، واختلف عنه؛ فرواه جعفر بن عون، ومحمد بن عبيد، عن مسعر، عن يزيد الفقير، عن جابر، أتت هوازن النبي ﷺ ، وغيرهما يرويه عن مسعر، عن يزيد الفقير، مرسلا، وهو أشبه بالصواب. اهـ
ومنها: حديث ابن عباس، عند ابن ماجه (١٢٧٠)، قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله لقد جئتك من عند قوم ما يتزود لهم راع، ولا يخطر
стр. 1584
لهم فحل، فصعد المنبر، فحمد الله، ثم قال: «اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا طبقا مريعا غدقا عاجلا غير رائث» ثم نزل، فما يأتيه أحد من وجه من الوجوه إلا قالوا قد أحيينا. الحديث أخرجه ابن ماجه، من طريق عبد الله بن إدريس، عن حصين، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عباس به.
ورواه ابن أبي شيبة (١١/ ٤٩٩) من طريق زائدة، عن حصين، عن حبيب بن أبي ثابت به مرسلًا. بدون ذكر ابن عباس.
وأخرجه عبد الرزاق (٣/ ٨٩) عن ابن جريج، قال أخبرني حبيب بن أبي ثابت، فذكره مرسلًا. بدون ذكر ابن عباس.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٦/ ٢٨٤): وهو أشبه. يعني المرسل.
قال أبو عبد الله غفر الله له: فبمجموع الأحاديث المذكورة يثبت الدعاء المذكور عن النبي ﷺ ، ويدعا به.
стр. 1585
٥٠٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «خَرَجَ سُلَيْمَانُ ﵇ يَسْتَسْقِي، فَرَأَى نَمْلَةً مُسْتَلْقِيَةً عَلَى ظَهْرِهَا رَافِعَةً قَوَائِمَهَا إلَى السَّمَاءِ تَقُول: اللهُمَّ إنَّا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِك، لَيْسَ بِنَا غِنًى عَنْ سُقْيَاك، فَقَالَ: ارْجِعُوا فَقَدْ سُقِيتُمْ بِدَعْوَةِ غَيْرِكُمْ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (١)
الحكم المستفاد من الحديث
قال الصنعاني ﵀ في شرح هذا الحديث من «سبل السلام»: فيه دلالة على أنَّ الاستسقاء شرع قديم، والخروج له كذلك، وفيه أنه يحسن إخراج البهائم في الاستسقاء، وأن لها إدراكًا يتعلق بمعرفة الله، ومعرفة بذكره، وبطلب الحاجات منه، وفي ذلك قصص يطول ذكرها، وآيات من كتاب الله دالة على ذلك، وتأويل
стр. 1586
المتأوّلين لها لا ملجأ له. اهـ
قلتُ: قوله: (وفيه أنه يحسن إخراج البهائم في الاستسقاء) غير صحيح؛ لأنَّ الحديث ضعيف، وليس فيه دليل على ما ذكر؛ ولأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يفعل ذلك، وقد قال الشافعي ﵀: ولا آمر بإخراج البهائم. «الأوسط» (٤/ ٣١٧).
стр. 1587
٥٠٦ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْقَى فَأَشَارَ بِظَهْرِ كَفَّيْهِ إلَى السَّمَاءِ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (١)
الحكم المستفاد من الحديث
قال النووي ﵀ في شرح الحديث: قال جماعة من أصحابنا وغيرهم: السنة في كل دعاء لرفع البلاء كالقحط ونحوه أن يرفع يديه، ويجعل ظهر كفيه إلى السماء، وإذا دعا لسؤال شيء وتحصيله؛ جعل بطن كفيه إلى السماء، واحتجوا بهذا الحديث. اهـ
قلتُ: وهو اختيار جماعة من الحنابلة، وذهب جماعة منهم إلى أنه يرفع يديه ببطونها، ويجعل ظهور الكفين إلى الأرض كالأدعية الأخرى، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
قال كما في «الإنصاف»: صار كفها نحو السماء؛ لشدة الرفع، لا قصدًا له، وإنما كان يوجه بطونهما مع القصد، وَأَنَّه لَو كَانَ قَصَدَهُ؛ فَغَيْرُه أولى وأشهر.
قال: ولم يقل أحدٌ ممن يرى رفعهما في القنوت: إنه يرفع ظهورهما، بل بطونهما. اهـ
قلتُ: وكلام شيخ الإسلام كلامٌ قويٌّ، وهو اختيار اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء. (٢)
стр. 1588
بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة
مسألة [١]: خروج أهل الذمة للاستسقاء .
• قال الإمام ابن عبد البر ﵀ في «التمهيد» (١٧/ ١٧٥): واختلف العلماء في خروج أهل الذمة إلى الاستسقاء؛ فأجاز ذلك بعضهم، وممن ذهب إلى ذلك: مالك، وابن شهاب، ومكحول، وقال ابن المبارك: إن خرجوا عدل بهم عن مصلى المسلمين. وقال إسحاق: لا يؤمروا بالخروج، ولا ينهوا عنه. وكرهت طائفة من أهل العلم خروج أهل الذمة إلى الاستسقاء منهم أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما. وقال الشافعي فإن خرجوا متميزين لم أمنعهم. اهـ
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٣/ ٣٤٩): لَا يُسْتَحَبُّ إخْرَاجُ أَهْلِ الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّهُمْ أَعْدَاءُ الله الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ، وَبَدَّلُوا نِعْمَتَهُ كُفْرًا، فَهُمْ بَعِيدُونَ مِنْ الْإِجَابَةِ، وَإِنْ أُغِيثَ المُسْلِمُونَ فَرُبَّمَا قَالُوا: هَذَا حَصَلَ بِدُعَائِنَا وَإِجَابَتِنَا. وَإِنْ خَرَجُوا لَمْ يُمْنَعُوا؛ لِأَنَّهُمْ يَطْلُبُونَ أَرْزَاقَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ، فَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُجِيبَهُمْ اللهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ قَدْ ضَمِنَ أَرْزَاقَهُمْ فِي الدُّنْيَا، كَمَا ضَمِنَ أَرْزَاقَ المُؤْمِنِينَ، وَيُؤْمَرُوا بِالِانْفِرَادِ عَنْ المُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ، فَيَعُمَّ مَنْ حَضَرَهُمْ؛ فَإِنَّ قَوْمَ عَادٍ اسْتَسْقَوْا، فَأَرْسَلَ اللهُ عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا، فَأَهْلَكَتْهُمْ؛ فَإِنْ قِيلَ: فَيَنْبَغِي
стр. 1589
أَنْ يُمْنَعُوا الْخُرُوجَ يَوْمَ يَخْرُجُ المُسْلِمُونَ؛ لِئَلَّا يَظُنُّوا أَنَّ مَا حَصَلَ مِنْ السُّقْيَا بِدُعَائِهِمْ. قُلْنَا: وَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يَتَّفِقَ نُزُولُ الْغَيْثِ يَوْمَ يَخْرُجُونَ وَحْدَهُمْ، فَيَكُونُ أَعْظَمَ لِفِتْنَتِهِمْ، وَرُبَّمَا افْتَتَنَ غَيْرُهُمْ بِهِمْ. اهـ. (١)
مسألة [٢]: خروج النساء في صلاة الاستسقاء .
قال الإمام ابن عبد البر ﵀ في «التمهيد» (١٧/ ١٧٥): وكلهم كره خروج النساء الشواب إلى الاستسقاء، ورخصوا في خروج العجائز. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: لم ينقل عن النبي ﷺ أنه أمر بإخراج النساء كما صنع في العيد؛ فالأقرب إلى السنة عدم خروجهن، والله أعلم.
стр. 1590
بَابُ اللّبَاسِ
٥٠٧ - عَنْ أَبِي عَامِرٍ الأَشْعَرِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ (١) وَالحَرِيرَ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَأَصْلُهُ فِي «البُخَارِيِّ». (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم لباس الحرير .
دلَّ حديث الباب على تحريم لبس الحرير على الرجال، وكذلك الأحاديث المذكورة بعده في الباب تدلُّ على ذلك، وقد نقل الإجماع على تحريمه غير واحد من أهل العلم، منهم: ابن عبد البر، والنووي، وابن قدامة، وابن تيمية، وغيرهم، وقد وُجِدَخلافٌ شاذٌّ لا يُعبَأُ به كما في «الفتح» و «النيل». (٣)
مسألة [٢]: حكم الصلاة في لباس الحرير .
• ذهب جمهور أهل العلم إلى أنها تجزئ، وعن أحمد روايتان، ومذهب أهل الظاهر أنَّ الصلاة فيه غير مُجزِئة، وتلزم الإعادة، وهو اختيار كثير من الحنابلة،
стр. 1591
وهو قول إسحاق، إذا كان عالمًا بالنهي، وقال ابن القاسم صاحب مالك: يعيد ما دام في الوقت.
وقول الجمهور هو الصواب؛ لأنَّ تحريم الحرير ليس عائدًا إلى الصلاة بنفسها، بل هو محرم في الصلاة، وفي غير الصلاة، والله أعلم. (١)
تنبيه: حكم لباس الثوب المغصوب والمُشْتَرى بالمال الحرام كحكم الحرير في التحريم، وفي كونه تُجْزِئُهُ الصلاة عند الجمهور مع الإثم، ولكن تحريم هذا عامٌّ في حقِّ الرجال والنساء. (٢)
стр. 1592
٥٠٨ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَشْرَبَ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ وَأَنْ نَأْكُلَ فِيهَا وَعَنْ لُبْسِ الحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ وَأَنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم الجلوس على الحرير .
• ذهب جمهور العلماء إلى تحريمه؛ لحديث حذيفة الذي في الباب، ولأنَّ الافتراش من اللبس، ففي «الصحيحين» (٢) عن أنس ﵁، أنه قال: فقمنا إلى حصير لنا قَدِ اسْوَدَّ من طول ما لُبِسَ.
وهذا التحريم في حق الرجال، وأما النساء؛ فيباح لهن الجلوس عليه كما يُباح لهن لبسه؛ فإنَّ من لبسته فستقعد على الحرير لِزامًا.
• وجاء عن بعض الشافعية تعميم تحريمه في حق النساء أيضًا.
• وذهب ابن الماجشون، وبعض الشافعية، ونقله النووي عن أبي حنيفة إلى إباحة افتراشه للرجال والنساء، وهذا القول مردود بحديث حذيفة المذكور، وبعموم حديث أبي موسى الذي سيأتي في الباب إن شاء الله. (٣)
стр. 1593
٥٠٩ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ لُبْسِ الحَرِيرِ إلَّا مَوْضِعَ إصْبَعَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حُكمُ عَلَمِ الحرير في الثَّوب .
• قال الإمام النووي ﵀ في شرح حديث عمر الذي في الباب: وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَة إِبَاحَة الْعَلَم مِنْ الْحَرِير فِي الثَّوْب إِذَا لَمْ يَزِدْ عَلَى أَرْبَع أَصَابِع، وَهَذَا مَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجمْهُور، وَعَنْ مَالِك رِوَايَة بِمَنْعِهِ، وَعَنْ بَعْض أَصْحَابه رِوَايَة بِإِبَاحَةِ الْعَلَم بِلَا تَقْدِير بِأَرْبَعِ أَصَابِع، بَلْ قَالَ: يَجُوز؛ وَإِنْ عَظُمَ. وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ مَرْدُودَانِ بِهَذَا الْحَدِيث الصَّرِيح، وَاللهُ أَعْلَم. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: قول الجمهور هو الصواب، والعَلَمُ هو: وَشْمُ الثوب، وَرَقْمُهُ بالحرير، وذلك كالطراز والسجاف. (٢)
стр. 1594
٥١٠ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ لِعَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَالزُّبَيْرِ فِي قَمِيصِ الحَرِيرِ فِي سَفَرٍ مِنْ حِكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم لباس الحرير لمرض كالحكة .
• قال الإمام الشوكاني ﵀ في «نيل الأوطار» (١/ ٦٠٤): والحديث يدلُّ على جواز لبس الحرير لعذر الحكة، والقمل عند الجمهور، وقد خالف مالك في ذلك، والحديث حجة عليه. انتهى المراد.
• وخالف في ذلك أيضًا أبو حنيفة.
• وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ لباسه جائز للحرب، واستدلوا بهذا الحديث، والظاهر أنَّ العلة في لبس الحرير هو الحكة، لا لكونهما في غزوة، والله أعلم. (٢)
стр. 1595
٥١١ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: كَسَانِي النَّبِيُّ ﷺ حُلَّةً سِيَرَاءَ (١) فَخَرَجْتُ فِيهَا، فَرَأَيْتُ الغَضَبَ فِي وَجْهِهِ، فَشَقَقْتهَا بَيْنَ نِسَائِي. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم الثوب المنسوج بالحرير مع غيره .
• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ الحكم للأغلب؛ فإنْ كان الأغلب حريرًا؛ فهو محرم، وإنْ كان الأغلب الصوف، أو القطن ونحوه؛ فهو مُباح، واختلفوا إنْ كانا متساويين: فذهب بعضهم إلى التحريم تغليبًا لجانب الحظر على جانب الإباحة، وذهب بعضهم إلى الإباحة؛ لأنَّ الأصل هو الإباحة، والتحريم جاء في الثوب الخالص، هكذا زعموا.
• وذهب جماعة من أهل العلم إلى التحريم، وعزاه الحافظ في «الفتح» إلى ابن عمر، وابن سيرين، وبعض المالكية، ونصره ابن دقيق العيد، والشوكاني بالقيد المتقدم، وهو (موضع أربع أصابع)، فهذا المقدار جائزٌ؛ لحديث عمر المتقدم، وهذا القول هو الصواب؛ لحديث عمر.
وحديث علي الذي في الباب يرد على تفصيل الجمهور؛ لأنَّه حرمها مع أنها مخلوطة بالحرير، ولم يقل: إذا كان الحرير أقل؛ فهي مباحة، وما أشبه ذلك. (٣)
стр. 1596
مسألة [٢]: الجبة المحشوة بالحرير .
• ذهب إلى جوازها الشافعي وأصحابه، وهو قول بعض الحنابلة، وحُجَّتُهم أنَّ الحرير غير ظاهر؛ فلا يحصل الفخر والخُيَلاء.
• وذهب إلى التحريم بعض الحنابلة، وهو وجهٌ شاذٌّ عند الشافعية، وهذا القول أقرب؛ لأنَّه يُعَدُّ لابسًا للحرير، ويدخل في عمومات الأحاديث التي فيها النهي عن ذلك، والله المستعان. (١)
مسألة [٣]: ثياب الخَزِّ .
قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- في «الفتح» (٥٨٣٨): وَالْأَصَحّ فِي تَفْسِير الْخَزّ أَنَّهُ ثِيَاب سُدَاهَا مِنْ حَرِير وَلُحْمَتهَا مِنْ غَيْره، وَقِيلَ: تُنْسَج مَخْلُوطَة مِنْ حَرِير وَصُوف أَوْ نَحْوه. وَقِيلَ: أَصْله اِسْم دَابَّة يُقَال لَهَا الخَز، سُمِّيَ الثَّوْب الْمُتَّخَذ مِنْ وَبَره خَزًّا؛ لِنُعُومَتِهِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى مَا يُخْلَط بِالْحَرِيرِ؛ لِنُعُومَةِ الْحَرِير.
ثم قال: وَعَلَى هَذَا فَلَا يَصِحّ الِاسْتِدْلَال بِلُبْسِهِ عَلَى جَوَاز لُبْس مَا يُخَالِطهُ الْحَرِير مَا لَمْ يَتَحَقَّق أَنَّ الْخَزّ الَّذِي لَبِسَهُ السَّلَف كَانَ مِنْ الْمَخْلُوط بِالْحَرِيرِ، وَاَللهُ أَعْلَم. اهـ
قلتُ: قد صحَّ لبسه عن جمعٍ من الصحابة، منهم: أنس، وعمران، والحسين
стр. 1597
ابن علي، وعائذ المزني، وأبو هريرة، وعائشة، وابن الزبير، وغيرهم. (١)
وعلى هذا فالأظهر أنَّ هذه الثياب ليس فيها حرير، وإلا لما لبسها صحابة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وإنْ كان فيها حرير، فلعل الحرير كان قليلًا دون أربع أصابع، والله أعلم.
стр. 1598
٥١٢ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالحَرِيرُ لِإِنَاثِ أُمَّتِي، وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. (١)
الحكم المستفاد من الحديث
فيه تحريم لباس الحرير، والجلوس عليه للرجال، وإباحة ذلك للنساء، وفيه تحريم الذهب مطلقًا للرجال، وإباحته للنساء.
وينبغي التنبيه على أنَّ بعض الفقهاء ألحق الذهب بالحرير في جواز العَلَمِ بالثوب منه فيما دون أربع أصابع، وقاسه على الحرير.
وهذا قياس فاسدٌ مُعَارَضٌ بالنصوص الدالة على تحريم الذهب للرجال
стр. 1599
عمومًا، قليله وكثيره، كحديث الباب.
وحديث ابن عباس عند مسلم (٢٠٩٠)، أن رسول الله ﷺ رأى خاتما من ذهب في يد رجل، فنزعه فطرحه، وقال: «يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده»، فقيل للرجل بعد ما ذهب رسول الله ﷺ : خذ خاتمك انتفع به، قال: لا والله، لا آخذه أبدا وقد طرحه رسول الله ﷺ .
وفي «الصحيحين» عن البراء بن عازب ﵄ أن النبي ﷺ نهى عن سبع: وذكر منها: التختم بالذهب. وفيهما عن أبي هريرة ﵁ أَنَّ رسولَ الله ﷺ نهى عن خاتم الذهب.
مسألة [١]: مسألة: شد الأسنان وتضبيبها بالذهب للرجال ؟
• ذهب أكثر أهل العلم إلى الجواز؛ لأن ذلك يراد للمداواة والعلاج، لا للبس والزينة، وهو قول الحسن، والنخعي، وموسى بن طلحة، وثابت، والمغيرة بن عبد الله، وأبي جمرة، والزهري، وشريك، وحفص بن غياث، ومحمد بن الحسن، والشافعي، وأحمد، والمالكية.
• وذهب أبو حنيفة، وأبو يوسف إلى التحريم؛ للأحاديث المتقدمة في تحريم الذهب على الرجال.
قال أبو عبد الله: الصحيح القول الأول، والأفضل اتخاذها من الفضة، ولا يجوز تلبيس الذهب، أو تضبيبها للرجال من أجل الزينة، وبالله التوفيق. (١)
٥١٤ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ لُبْسِ القَسِّيِّ وَالمُعَصْفَرِ (١). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (٢)
٥١٥ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: رَأَى عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ، فَقَالَ: «أُمُّك أَمَرَتْك بِهَذَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (٣)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: حكم لبس الثياب المعصفرة .
• ذكر الحافظ ابن رجب ﵀ في هذه المسألة أقوالًا:
الأول: الكراهة، قال: روي عن عمر (٤)،
وعثمان (٥)، وابن عمر (٦)، وأنس (٧)، وهو قول الزهري، وسعيد بن جبير، ومالك، وأحمد، ورخصوا فيه للنساء، وحكى
стр. 1602
ابن عبد البر الإجماع على جوازه لهن، وفي الرخصة لهن حديث مرفوع.
الثاني: الرخصة مطلقًا للرجال والنساء، ثبت ذلك عن طلحة بن عبيد الله (١)، وجابر (٢)، وابن عمر (٣)، وأنس (٤)، وعن أبي وائل، وعروة، وموسى بن طلحة، والشعبي، وأبي قلابة، وابن سيرين، والنخعي، وغيرهم، وهو قول الشافعي.
الثالث: كراهة المشبع منه، وهو قول عطاء، وطاوس، ومجاهد، وَحُكِيَ عن مالك، وأحمد أيضًا.
• وقد ذهب الشوكاني ﵀ إلى التحريم، وهو قول الإمام ابن عثيمين ﵀، وهو الصواب؛ لدلالة حديث علي، وابن عمرو اللَّذَيْنِ في الباب على ذلك، بل جاءت رواية في حديث عبد الله بن عمرو عند مسلم، قال: «إنَّ هذا من ثياب الكفار؛ فلا تلبسها»، ولعله قول بعض أهل القول الأول.
стр. 1603
وقد استدل على الجواز بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يصبغ بالصُّفْرَة، كما في «الصحيحين» (١) عن ابن عمر ﵄.
ولا حجة في ذلك؛ فإن المراد به صبغ الشعر، وكلامنا في مسألتنا على صبغ الثياب بالعصفر، وأما الآثار الواردة عن الصحابة؛ فلعله لم يبلغهم النهي، ولعل ابن عمر بلغه بعد ذلك النهي؛ فمنع منه. والله أعلم.
وأما ما يتعلق بلبس المعصفر للنساء فهو مشروع في حقهن عند عامة أهل العلم، وقد ثبت عن عائشة، وأم سلمة، وأسماء بنت أبي بكر (أنهن لبسن المعصفرات، كما في «مصنف ابن أبي شيبة»، و «مصنف عبد الرزاق».
وأخرج عبد الرزاق بإسناد صحيح عن عائشة بنت سعد ﵂، قالت: رأيت ستًّا من أزواج النبي ﷺ يلبسن المعصفر.
ويدل على مشروعية لبسه للنساء: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، عند أحمد (٦٨٥٢)، وأبي داود (٤٠٦٦) قال: هبطنا مع رسول الله ﷺ من ثنية فالتفت إلي وعلي ريطة مضرجة بالعصفر، فقال: «ما هذه الريطة عليك؟». فعرفت ما كره؛ فأتيت أهلى وهم يسجرون تنورا لهم فقذفتها فيه، ثم أتيته من الغد، فقال «يا عبد الله ما فعلت الريطة؟». فأخبرته فقال: «ألا كسوتها بعض أهلك؛ فإنه لا بأس به للنساء». وإسناده حسن. (٢)
стр. 1604
مسألة [٢]: حكم التزعفر للرجل .
أما بالنسبة لتزعفر الرجل في جسده؛ فعامة العلماء على تحريمه، وفي الصحيحين عن أنس ﵁، قال: نهى النبي ﷺ أن يتزعفر الرجل.
قال ابن عبد البر ﵀ في «التمهيد» (٢١/ ٨٦): وهو معناه عند مالك وأكثر العلماء تخليق الجسد وتزعفره. اهـ
وقال ﵀ في «التمهيد» (٢/ ١٨٢): حملوا هذا على الثياب وغيرها، وأما الجسد فلا خلاف علمته فيه -يعني: في النهي عنه-، والله أعلم. اهـ
• وأما بالنسبة لتزعفر الرجل في ثيابه: فأجازه جماعة من أهل العلم للرجل غير المُحْرِم، وهو قول مالك وأحمد، وهو ظاهر اختيار البخاري، وعزاه ابن عبد البر لأكثر السلف، وثبت عن ابن عمر أنه كان يلبسه كما في «الموطأ». واستدل هؤلاء بأن النبي ﷺ نهى الرجل المحرم عن لبسه؛ فدل على أن غير المحرم يجوز له لبسه. كما في الصحيحين عن ابن عمر ﵄.
ويدل عليه أيضًا حديث يعلى بن أمية ﵁، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ وهو بالجعرانة، عليه جبة وعليها خلوق -أو قال أثر صفرة- فقال: كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ ... الحديث، وفيه قال: «أين السائل عن العمرة؟ اغسل عنك أثر الصفرة -أو قال أثر الخلوق- واخلع عنك جبتك، واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك» متفق عليه، واللفظ لمسلم، ولم يذكر في الحديث أنه زجره عن التزعفر.
стр. 1605
• ومنع من ذلك الإمام الشافعي ﵀؛ أخذًا بعموم الحديث المتقدم.
• وكره ذلك أحمد في رواية، والحنفية.
والأقرب أن يحمل الحديث على النهي عن التزعفر بالجسد، كما ذكره ابن عبد البر؛ جمعًا بين الأحاديث، والله أعلم. (١)
مسألة [٣]: حكم لباس الأحمر .
• ذكر الحافظ ابن رجب ﵀ في هذه المسألة أيضًا أقوالًا:
الأول: الرخصة، ذكره عن ابن المسيب، والشعبي، والنخعي، والحسن، وعلي بن حسين، وروي عن علي بن أبي طالب أنه كان يلبس بُرْدًا أحمر، وفي «صحيح مسلم» (٢٠٦٩)، أن أسماء بنت أبي بكر أرسلت إلى ابن عمر تقول له: بلغني أنك تحرم مياثر الأرجوان، فقال: هذه ميثرتي أرجوان، والأرجوان: الشديد الحمرة.
وقد استُدِلَّ لأهل هذا القول بحديث أبي جحيفة، والبراء ﵄ في «الصحيحين» (٢)،أنهما رأيا النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حُلَّةٍ حمراء.
الثاني: الكراهة، وهو قول طاوس، ومجاهد، وعطاء، والحسن، وابن سيرين، وهو مذهب أحمد.
стр. 1606
الثالث: الكراهة فيما هو شديد الحُمْرَة، ورُوي ذلك عن مالك، وأحمد، ورجَّحه كثير من الحنابلة.
وقد استدل القائلون بالكراهة بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن المعصفر؛ فالأحمر يدخل في ذلك من باب أولى، واستدلوا على ذلك بحديث البراء بن عازب عند البخاري (٥٨٤٩)، وفيه النهي عن المياثر الحُمُر، واستدلوا على ذلك بحديث علي بن أبي طالب عند أحمد (٩٦٣)(١١٦٢) بإسناد صحيح أنه قال في ضمن حديث طويل: «ونهانا عن القسي، والميثرة الحمراء»، وعند أبي داود (٤٠٥٠) بإسناد صحيح: «نهي عن مياثر الأرجوان».
وحملوا حديث أبي جحيفة، والبراء على أنها لم تكن حمراء خالصة، بل كانت مخططة بألوان أخرى.
وقد رجح هذا القول شيخ الإسلام ﵀، فقال كما في كتاب «شرح الصلاة من شرح العمدة» (ص ٣٧٨ - ): فقد نهى ﷺ عن المياثر الحمر، وذلك يقتضي أن تكون الحمرة مؤثرة في النهي، والحديث عام في ا لمياثر الحمر، سواء كانت حريرًا أو لم تكن، ولو كان المراد بها الحرير؛ فتخصيصه الحمر بها دليل على أنَّ الأحمر من الحرير أشد كراهة من غيره، وذلك يقتضي أن يكون للحمرة تأثير في الكراهة، ثم أحاديث علي في بعضها: «عن القسي، والميثرة الحمراء»، وفي بعضها: «عن القسي والمعصفر»، وفي بعضها: «عن مياثر الأرجوان»، وهي كلها دليل على أنَّ المياثر هي الحمر، وإن لم تكن حريرًا، وأنَّ مناط الحكم حمرتها لا مجرد كونها حريرًا، وذلك أنَّ الأرجوان هو الأحمر الشديد الحمرة، كأنَّ اشتقاقه
стр. 1607
من الأرج، وهو توهج رائحة الطيب؛ لأنَّ الأحمر يسطع لونه، ويتوقد كما تسطع الرائحة الزكية في الأرائج، قال أبو عبيد: الأرجوان الشديد الحمرة، والنهرمان دونه في الحمرة، والمفدم المشبع حمرة، والمضرج دونه، ثم المورد بعده. ثم قول علي: «نهى عن لبس الميثرة الحمراء» بدل قوله: «المعصفر» دليل على أنَّ المعصفر إنما نهاه عنه لحمرته، فتارة يعبر عنها باسمه الخاص، وتارة يعبر عنه بالاسم العام الذي هو مناط الحكم.
قال: وأيضًا إنَّ النبي ﷺ إذا نهى عن المعصفر، فغيره من الأحمر المشبع أولى بالنهي منه؛ إذ ليس في المعصفر ما يكره سوى لونه، وليس هو بأشدها حمرة، فغيره من الأحمر الذي يساويه في لونه، وبريقه، أو يزيد عليه؛ أولى أن ينهى عنه، والتفريق بينهما تفريق بين الشيئين المتماثلين، وذلك غير جائز، وأيضًا فإن هذا اللون يوجب الخيلاء، والبطر، والمرح، والفخر؛ فكان منهيًّا عنه كالحرير، والذهب؛ ولهذا أبيح هذا للنساء كما أبيح لهن الحرير، والذهب، فأما الخفيف الحمرة مثل المورد ونحوه فقد ذهبت بهجته، وتوقده، وصار قريبًا من الأصفر؛ فلا يكره، والأحاديث التي جاءت في الرخصة في الأحمر محمولة على هذا؛ فإنه يسمى أحمر، وإن كانت حمرته خفيفة، وعلى ما يكون بعضه أحمر مثل البرود التي فيها خطوط حمر، وهذا معنى قولهم: حلة حمراء.
قال: وهل هذه كراهة تحريم، أو تنزيه؟ فيه وجهان ... .
ثم ذكر وجهين في مذهب أحمد، والأصح في مذهب أحمد كراهة التنزيه. (١)
стр. 1608
٥١٦ - وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄: أَنَّهَا أَخْرَجَتْ جُبَّةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، مَكْفُوفَةَ الجَيْبِ وَالكُمَّيْنِ وَالفَرْجَيْنِ (١) بِالدِّيبَاجِ. رَوَاهُ أَبُودَاوُد.
وَأَصْلُهُ فِي «مُسْلِمٍ» (٢) وَزَادَ: كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ حَتَّى قُبِضَتْ، فَقَبَضْتُهَا، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَلْبَسُهَا، فَنَحْنُ نَغْسِلُهَا لِلْمَرْضَى نَسْتَشْفِي بِهَا.
وَزَادَ البُخَارِيُّ فِي «الأَدَبِ المُفْرَدِ»: وَكَانَ يَلْبَسُهَا لِلْوَفْدِ وَالجُمُعَةِ. (٣)
مفردات الحديث:
قولها: (مكفوفة): يعني جُعِلَ لها كُفَّة، بضم الكاف، وهو ما يُكفُّ به جوانبها، ويُعْطَف عليها، ويكون ذلك في الذَّيْل، وفي الفرجين، وفي الكمين.
قولها: (الجيب): هو مدخل الرأس من القميص، ونحوه.
قولها: (لبنة): هو بكسر اللام، وإسكان الباء، وهي رقعة في جيب القميص.
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: جواز لبس ما فيه حرير يسير .
هذا الحديث فيه دلالة على جواز لبس ما فيه حرير، ولكن هو محمول على ما كان موضع أربع أصابع فما دون؛ لحديث عمر المتقدم في الباب، والله أعلم.
стр. 1609
بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة
مسألة [١]: حكم لباس ما فيه تصاوير ذوات الأرواح .
• في المسألة أقوال:
الأول: الرخصة، وهو قول أحمد في رواية، وسليمان بن داود الهاشمي، وأبي خيثمة زهير ابن حرب، واستدلوا بحديث: «إلا رقمًا في ثوب».
الثاني: الكراهة، وهو قول مالك، والثوري، وبعض الحنابلة.
الثالث: التحريم، وهو قول الشافعية، وأحمد في رواية، وبعض الحنابلة، وعزاه النووي للجمهور، واستدلوا بالأدلة المتكاثرة في تحريم صور ذوات الأرواح، وهذا القول هو الصواب بدون مِرْيَة.
وأما حديث: «إلا رقمًا في ثوب»؛ فهو محمول على ما إذا كانت مقطوعة الرأس، أو صورة من غير ذوات الأرواح.
ومال شيخ الإسلام ﵀ في «شرح الصلاة من العمدة» (ص ٣٩٤ - ) إلى تضعيف هذه الزيادة، وإلى كونها مدرجة من الراوي، وليست من كلام النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فقال ﵀: يبين ذلك: أن حديث الاستثناء مبهم محتمل؛ إذا سيق بلفظه عن بسر ابن سعيد، عن زيد بن خالد الجهني، عن أبي طلحة الأنصاري ﵁ أن النبي ﷺ -
стр. 1610
قال: «لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة» قال بسر بن سعيد: ثم اشتكى زيد؛ فعدناه، فإذا على بابه ستر فيه صورة. قال: فقلت لعبيد الله الخولاني ربيب ميمونة زوج النبي ﷺ : ألم يخبرنا زيد عن الصور يوم الأول؟ قال عبيد الله: ألم تسمعه حين قال: إلا رقما في ثوب.
فهذه الزيادة لم يقلها زيد كما قال أول الحديث، وإنما خفض به صوته حتى سمعها عبيد الله دون بسر بن سعيد؛ فلعله قالها من عنده، ولم يرفعها في حديث عن النبي ﷺ ، وكثيرا ما يدرج المحدث في حديثه زيادة يحسب المستمع أنها مسوقة عمن حدث عنه.
يؤيد ذلك أنه اعتقد رقم الستور من جملة المستثنى منه، وقد صحت الأحاديث الصحيحة الصريحة أنها من جملة التي قصدت بالحديث، وبأن الملائكة لا تدخل بيتا هي فيه، وقد روى غير واحد الحديث عن أبي طلحة دون هذه الثنيا.
وان كانت هذه الزيادة محفوظة عن رسول الله ﷺ فالمراد بها، والله أعلم ما رقم من الصور التي لا روح فيها أو كان يوطأ ويداس من الصور في الثياب كما جاء ذلك مفسرًا بالأحاديث الأُخر.
وقد روى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أنه دخل على أبي طلحة الأنصاري يعوده فوجد عنده سهل بن حنيف، قال: فدعا أبو طلحة إنسانا ينزع نمطا تحته فيه تصاوير. فقال له سهل: لم تنزعه؟ قال: لأن فيه تصاوير. وقال فيه النبي ﷺ ما قد
стр. 1611
علمت. قال سهل: أو لم يقل إلا ما كان رقما في ثوب. قال: بلى، ولكنه أطيب لنفسي. رواه مالك وأحمد والترمذي. وقال: حديث حسن صحيح.
فهذا الحديث قد قال فيه ابن عبد البر: هو منقطع غير متصل؛ لأن عبيد الله بن عبد الله لم يدرك سهل بن حنيف، ولا أبا طلحة، ولا حفظ عنهما، ولا له عن أحدهما سماع ولا له سن يدركهما به، ولا خلاف أن سهل بن حنيف مات سنة ثمان وثلاثين بعد شهود صفين، وصلى عليه علي ﵁، وكبر عليه ستا، وليس كما قال ابن عبد البر.
فهذا الحديث يقتضي أن أبا طلحة علم أن النبي ﷺ استثنى الرقم في الثوب، وليس فيه أنه سمعه منه فيجوز أن يكون المستثنى ما كان من الثياب يوطأ ويداس، أو أن تلك التصاوير لم تكن صور ما فيه روح، كما فسرته سائر الأحاديث. (١)
مسألة [٢]: حكم لبس المرأة لباس الرجل، والعكس .
ثبت في «سنن أبي داود» (٤٠٩٨) وغيره عن أبي هريرة ﵁، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- «لعن الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل»، وحسنه الإمام الوادعي ﵀ في «الصحيح المسند» (١٣٠٠)، وفي «البخاري» (٥٨٨٥) عن ابن عباس ﵄: لعن رسول الله ﷺ المتشبهات من النساء بالرجال، والمتشبهين من الرجال بالنساء.
стр. 1612
قال الشوكاني ﵀ في «النيل» (١/ ٦٤٥ - ٦٤٦): وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ تَشَبُّهِ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ، وَالرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ؛ لِأَنَّ اللَّعْنَ لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى فِعْلٍ مُحَرَّمٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجمْهُورُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي «الْأُمِّ»: إنَّهُ لَا يَحْرُمُ زِيُّ النِّسَاءِ عَلَى الرَّجُلِ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ، فَكَذَا عَكْسُهُ انْتَهَى. وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تَرُدُّ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ فِي «الرَّوْضَةِ»: وَالصَّوَابُ أَنَّ تَشَبُّهَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ، وَعَكْسُهُ حَرَامٌ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ. اهـ
مسألة [٣]: حكم إسبال الثياب إلى تحت الكعبين .
أخرج الشيخان (١) عن ابن عمر ﵄، مرفوعًا: «لا ينظر الله إلى من جرَّ ثوبه خُيلاء»، وأخرجا عن أبي هريرة ﵁ نحوه. (٢)
وأخرج مسلم (١٠٦) عن أبي ذرٍّ ﵁، مرفوعًا: «ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: المسبل، والمنَّان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب».
وأخرج البخاري (٥٧٨٧)، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قال: «ما تحت الكعبين من الإزار ففي النار».
• ذهب جمهور العلماء إلى تحريم إسبال الثياب إذا كان خيلاء، بل عَدُّوهُ من الكبائر؛ للأحاديث المذكورة، وغيرها مما هو في معناها، وقالوا: إذا أسبله لغير الخيلاء؛ فهو مكروه، واستدلوا على ذلك بأنَّ أبا بكر قال للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: إنَّ إزاري
стр. 1613
يسترخي؛ إلا أن أتعاهده. فقال له: «إنك لست ممن يفعله خيلاء» أخرجه البخاري (٥٧٨٤)، من حديث ابن عمر ﵄.
• وذهب أحمد في رواية، واختارها بعض الحنابلة إلى تحريم جرِّ الثوب، وإنْ لم يكن خيلاء، وهو اختيار شيخ الإسلام ﵀ كما في «اقتضاء الصراط المستقيم» (ص ١٣٠) وإليه مال الحافظ ابن حجر، واستدلوا على ذلك بحديث جابر بن سليم في «سنن أبي داود» (٤٠٨٤)، وأحمد (٥/ ٦٣، ٦٤): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال له: «إياك وإسبال الإزار؛ فإنَّ إسبال الإزار من المخيلة»، وصححه شيخنا الوادعي ﵀ في «الصحيح المسند» (١٩٦).
قال الشوكاني ﵀ في «نيل الأوطار» (١/ ٦٤٠): وَقَدْ عَرَفْت مَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ: «إنَّك لَسْت مِمَّنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ خُيَلَاءَ»، وَهُوَ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ مَنَاطَ التَّحْرِيمِ الْخُيَلَاءُ، وَأَنَّ الْإِسْبَالَ قَدْ يَكُونُ لِلْخُيَلَاءِ، وَقَدْ يَكُونُ لِغَيْرِهِ، فَلَابُدَّ مِنْ حَمْلِ قَوْلِهِ «فَإِنَّهَا مِنَ المَخِيلَةُ» فِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سُلَيم عَلَى أَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ؛ فَيَكُونُ الْوَعِيدُ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ مُتَوَجِّهًا إلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ اخْتِيَالًا، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ كُلَّ إسْبَالٍ مِنْ الْمَخِيلَةِ أَخْذًا بِظَاهِرِ حَدِيثِ جَابِرٍ ابنِ سُلَيم تَرُدُّهُ الضَّرُورَةُ؛ فَإِنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْلَمُ أَنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يُسْبِلُ إزَارَهُ مَعَ عَدَمِ خُطُورِ الْخُيَلَاءِ بِبَالِهِ، وَيَرُدُّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ مَا عَرَفْت. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: هذا كلامٌ نفيسٌ من الإمام الشوكاني ﵀، ولكنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- اعتبر هذا الغالب، وهذه المظنة أعني أنَّ إسبال الثوب مظنة الخيلاء
стр. 1614
في الغالب، وحرَّم الإسبال فقال لجابر بن سليم ﵁: «إياك وإسبال الإزار»، وفي «صحيح مسلم» (٢٠٨٦): أنه قال لعبد الله ابن عمر ﵄: «ارفع إزارك»، وذلك عند أنْ رأى فيه استرخاء، ولم يسأله النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عنِ استرخاء ثوبه: أذلك خيلاء أم لا؟ بل فهم الصحابة أنهم مأمورون بالرفع مطلقًا؛ ولذلك شكا أبو بكر للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- استرخاء ثوبه، ولو فهم أنَّ ذلك للخيلاء فقط؛ لَما سأل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
وإذا عُلِمَ هذا؛ فإسبال الثوب خُيلاء كبيرة من الكبائر، وإسباله لغير خيلاء؛ محرمٌ ومعصية، ونسأل الله أن يشرح صدورنا للحق، والحمد لله. (١)
مسألة [٤]: إسبال الثياب في حق النساء .
قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٢٠٨٥): وأجمع العلماء على جواز الإسبال للنساء، وقد صحَّ عن النبي ﷺ الإذن لهن في إرخاء ذيولهن ذراعًا، والله أعلم. اهـ
قلتُ: يشير النووي ﵀ إلى ما أخرجه أبو داود (٤١١٨)، والنسائي (٨/ ٢٠٩)، وأحمد (٢٦٥١١) بإسناد صحيح عن أم سلمة ﵂: أنها قالت: يا رسول الله، فكيف بالنساء؟ فقال: «يرخين شبرًا»، قالت: قلت: إذًا ينكشف عنهن؟ قال: «فذراع لا يزدن عليه».
تنبيه: الحكم في الإسبال يشمل إسبال القميص، والإزار، والسراويل؛ لأنَّ كلها يشملها قوله: «ثوبه» في الأحاديث المتقدمة.
стр. 1615
وأخرج أحمد (٢/ ١١٠، و ١٣٧)، وأبو داود (٤٠٩٥) بإسنادٍ حسنٍ عن ابن عمر ﵄، قال: «ما قال رسول الله ﷺ في الإزار، فهو في القميص».
وأما الحديث الذي أخرجه أبو داود (٤٠٩٤)، وابن ماجه (٣٥٧٦)، والنسائي (٨/ ٢٠٨) من طريق عبد العزيز بن أبي رواد، عن سالم، عن أبيه عن النبي ﷺ قال: «الإسبال في الإزار، والقميص، والعمامة، من جر منها شيئا خيلاء، لم ينظر الله إليه يوم القيامة». فقد قال ابن أبي شيبة كما في سنن ابن ماجه: ما أغربه.
قلتُ: تفرد عبد العزيز بن أبي رواد بقوله: «الإسبال في الإزار، والقميص، والعمامة»، وغيره من الرواة يروون الحديث، عن سالم، وعن ابن عمر بدون ذكر هذا الزيادة، وإنما اقتصروا على آخر الحديث: «من جر ثوبه خيلاء ... ».
فقد روى الحديث عن سالم جماعة بدون الزيادة المذكورة، وهم: عمر بن محمد، وموسى بن عقبة، والزهري.
وروى الحديث عن ابن عمر جماعة، واقتصروا على قوله: «من جر ثوبه خيلاء ... »، وهم: نافع مولاه، وعبد الله بن دينار، وزيد بن أسلم، وجبلة بن سحيم، ومحارب بن دثار، ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، ومحمد بن عباد بن جعفر، ومسلم بن يسار، ومحمد بن زيد، ومسلم يناق. (١)
فائدة: روى أبو داود (٦٣٨) وغيره، عن أبي هريرة، قال: بينما رجل يصلي مسبلا إزاره إذ قال له رسول الله ﷺ : «اذهب فتوضأ»، فذهب فتوضأ، ثم جاء، ثم