علمت. قال سهل: أو لم يقل إلا ما كان رقما في ثوب. قال: بلى، ولكنه أطيب لنفسي. رواه مالك وأحمد والترمذي. وقال: حديث حسن صحيح.
فهذا الحديث قد قال فيه ابن عبد البر: هو منقطع غير متصل؛ لأن عبيد الله بن عبد الله لم يدرك سهل بن حنيف، ولا أبا طلحة، ولا حفظ عنهما، ولا له عن أحدهما سماع ولا له سن يدركهما به، ولا خلاف أن سهل بن حنيف مات سنة ثمان وثلاثين بعد شهود صفين، وصلى عليه علي ﵁، وكبر عليه ستا، وليس كما قال ابن عبد البر.
فهذا الحديث يقتضي أن أبا طلحة علم أن النبي ﷺ استثنى الرقم في الثوب، وليس فيه أنه سمعه منه فيجوز أن يكون المستثنى ما كان من الثياب يوطأ ويداس، أو أن تلك التصاوير لم تكن صور ما فيه روح، كما فسرته سائر الأحاديث. (١)
مسألة [٢]: حكم لبس المرأة لباس الرجل، والعكس .
ثبت في «سنن أبي داود» (٤٠٩٨) وغيره عن أبي هريرة ﵁، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- «لعن الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل»، وحسنه الإمام الوادعي ﵀ في «الصحيح المسند» (١٣٠٠)، وفي «البخاري» (٥٨٨٥) عن ابن عباس ﵄: لعن رسول الله ﷺ المتشبهات من النساء بالرجال، والمتشبهين من الرجال بالنساء.
стр. 1612
قال الشوكاني ﵀ في «النيل» (١/ ٦٤٥ - ٦٤٦): وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ تَشَبُّهِ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ، وَالرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ؛ لِأَنَّ اللَّعْنَ لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى فِعْلٍ مُحَرَّمٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجمْهُورُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي «الْأُمِّ»: إنَّهُ لَا يَحْرُمُ زِيُّ النِّسَاءِ عَلَى الرَّجُلِ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ، فَكَذَا عَكْسُهُ انْتَهَى. وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تَرُدُّ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ فِي «الرَّوْضَةِ»: وَالصَّوَابُ أَنَّ تَشَبُّهَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ، وَعَكْسُهُ حَرَامٌ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ. اهـ
مسألة [٣]: حكم إسبال الثياب إلى تحت الكعبين .
أخرج الشيخان (١) عن ابن عمر ﵄، مرفوعًا: «لا ينظر الله إلى من جرَّ ثوبه خُيلاء»، وأخرجا عن أبي هريرة ﵁ نحوه. (٢)
وأخرج مسلم (١٠٦) عن أبي ذرٍّ ﵁، مرفوعًا: «ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: المسبل، والمنَّان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب».
وأخرج البخاري (٥٧٨٧)، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قال: «ما تحت الكعبين من الإزار ففي النار».
• ذهب جمهور العلماء إلى تحريم إسبال الثياب إذا كان خيلاء، بل عَدُّوهُ من الكبائر؛ للأحاديث المذكورة، وغيرها مما هو في معناها، وقالوا: إذا أسبله لغير الخيلاء؛ فهو مكروه، واستدلوا على ذلك بأنَّ أبا بكر قال للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: إنَّ إزاري
стр. 1613
يسترخي؛ إلا أن أتعاهده. فقال له: «إنك لست ممن يفعله خيلاء» أخرجه البخاري (٥٧٨٤)، من حديث ابن عمر ﵄.
• وذهب أحمد في رواية، واختارها بعض الحنابلة إلى تحريم جرِّ الثوب، وإنْ لم يكن خيلاء، وهو اختيار شيخ الإسلام ﵀ كما في «اقتضاء الصراط المستقيم» (ص ١٣٠) وإليه مال الحافظ ابن حجر، واستدلوا على ذلك بحديث جابر بن سليم في «سنن أبي داود» (٤٠٨٤)، وأحمد (٥/ ٦٣، ٦٤): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال له: «إياك وإسبال الإزار؛ فإنَّ إسبال الإزار من المخيلة»، وصححه شيخنا الوادعي ﵀ في «الصحيح المسند» (١٩٦).
قال الشوكاني ﵀ في «نيل الأوطار» (١/ ٦٤٠): وَقَدْ عَرَفْت مَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ: «إنَّك لَسْت مِمَّنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ خُيَلَاءَ»، وَهُوَ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ مَنَاطَ التَّحْرِيمِ الْخُيَلَاءُ، وَأَنَّ الْإِسْبَالَ قَدْ يَكُونُ لِلْخُيَلَاءِ، وَقَدْ يَكُونُ لِغَيْرِهِ، فَلَابُدَّ مِنْ حَمْلِ قَوْلِهِ «فَإِنَّهَا مِنَ المَخِيلَةُ» فِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سُلَيم عَلَى أَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ؛ فَيَكُونُ الْوَعِيدُ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ مُتَوَجِّهًا إلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ اخْتِيَالًا، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ كُلَّ إسْبَالٍ مِنْ الْمَخِيلَةِ أَخْذًا بِظَاهِرِ حَدِيثِ جَابِرٍ ابنِ سُلَيم تَرُدُّهُ الضَّرُورَةُ؛ فَإِنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْلَمُ أَنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يُسْبِلُ إزَارَهُ مَعَ عَدَمِ خُطُورِ الْخُيَلَاءِ بِبَالِهِ، وَيَرُدُّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ مَا عَرَفْت. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: هذا كلامٌ نفيسٌ من الإمام الشوكاني ﵀، ولكنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- اعتبر هذا الغالب، وهذه المظنة أعني أنَّ إسبال الثوب مظنة الخيلاء
стр. 1614
في الغالب، وحرَّم الإسبال فقال لجابر بن سليم ﵁: «إياك وإسبال الإزار»، وفي «صحيح مسلم» (٢٠٨٦): أنه قال لعبد الله ابن عمر ﵄: «ارفع إزارك»، وذلك عند أنْ رأى فيه استرخاء، ولم يسأله النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عنِ استرخاء ثوبه: أذلك خيلاء أم لا؟ بل فهم الصحابة أنهم مأمورون بالرفع مطلقًا؛ ولذلك شكا أبو بكر للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- استرخاء ثوبه، ولو فهم أنَّ ذلك للخيلاء فقط؛ لَما سأل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
وإذا عُلِمَ هذا؛ فإسبال الثوب خُيلاء كبيرة من الكبائر، وإسباله لغير خيلاء؛ محرمٌ ومعصية، ونسأل الله أن يشرح صدورنا للحق، والحمد لله. (١)
مسألة [٤]: إسبال الثياب في حق النساء .
قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٢٠٨٥): وأجمع العلماء على جواز الإسبال للنساء، وقد صحَّ عن النبي ﷺ الإذن لهن في إرخاء ذيولهن ذراعًا، والله أعلم. اهـ
قلتُ: يشير النووي ﵀ إلى ما أخرجه أبو داود (٤١١٨)، والنسائي (٨/ ٢٠٩)، وأحمد (٢٦٥١١) بإسناد صحيح عن أم سلمة ﵂: أنها قالت: يا رسول الله، فكيف بالنساء؟ فقال: «يرخين شبرًا»، قالت: قلت: إذًا ينكشف عنهن؟ قال: «فذراع لا يزدن عليه».
تنبيه: الحكم في الإسبال يشمل إسبال القميص، والإزار، والسراويل؛ لأنَّ كلها يشملها قوله: «ثوبه» في الأحاديث المتقدمة.
стр. 1615
وأخرج أحمد (٢/ ١١٠، و ١٣٧)، وأبو داود (٤٠٩٥) بإسنادٍ حسنٍ عن ابن عمر ﵄، قال: «ما قال رسول الله ﷺ في الإزار، فهو في القميص».
وأما الحديث الذي أخرجه أبو داود (٤٠٩٤)، وابن ماجه (٣٥٧٦)، والنسائي (٨/ ٢٠٨) من طريق عبد العزيز بن أبي رواد، عن سالم، عن أبيه عن النبي ﷺ قال: «الإسبال في الإزار، والقميص، والعمامة، من جر منها شيئا خيلاء، لم ينظر الله إليه يوم القيامة». فقد قال ابن أبي شيبة كما في سنن ابن ماجه: ما أغربه.
قلتُ: تفرد عبد العزيز بن أبي رواد بقوله: «الإسبال في الإزار، والقميص، والعمامة»، وغيره من الرواة يروون الحديث، عن سالم، وعن ابن عمر بدون ذكر هذا الزيادة، وإنما اقتصروا على آخر الحديث: «من جر ثوبه خيلاء ... ».
فقد روى الحديث عن سالم جماعة بدون الزيادة المذكورة، وهم: عمر بن محمد، وموسى بن عقبة، والزهري.
وروى الحديث عن ابن عمر جماعة، واقتصروا على قوله: «من جر ثوبه خيلاء ... »، وهم: نافع مولاه، وعبد الله بن دينار، وزيد بن أسلم، وجبلة بن سحيم، ومحارب بن دثار، ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، ومحمد بن عباد بن جعفر، ومسلم بن يسار، ومحمد بن زيد، ومسلم يناق. (١)
فائدة: روى أبو داود (٦٣٨) وغيره، عن أبي هريرة، قال: بينما رجل يصلي مسبلا إزاره إذ قال له رسول الله ﷺ : «اذهب فتوضأ»، فذهب فتوضأ، ثم جاء، ثم
стр. 1616
قال: «اذهب فتوضأ»، فذهب فتوضأ، ثم جاء، فقال له رجل: يا رسول الله ما لك أمرته أن يتوضأ، ثم سكت عنه، فقال: «إنه كان يصلي وهو مسبل إزاره وإن الله تعالى لا يقبل صلاة رجل مسبل إزاره». وهذا الحديث ضعيف؛ فإنه من طريق أبي جعفر، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة به.
وأبو جعفر المذكور، رجل من أهل المدينة، مجهول، تفرد بالرواية عنه يحيى بن أبي كثير، ولم يوثقه معتمد على توثيقه؛ فهو مجهول العين.
مسألة [٥]: حكم السدل .
جاء في النهي عن السدل أحاديث، وهي: حديث أبي هريرة ﵁، في «سنن أبي داود» (٦٤٣)، نهى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يسدل الرجل ثوبه. وفي إسناده: الحسن بن ذكوان، وهو ضعيفٌ، وذُكِر الحديث في ترجمته من «الكامل» لابن عدي، وكأنه قد أُنكر عليه، وله طريق أخرى في «مسند أحمد» (٧٩٣٤)، فيها: عِسْل بن سفيان، وهو ضعيفٌ، وجاء من حديث ابن مسعود ﵁، عند البيهقي (٢/ ٢٤٣)، وفي إسناده: بِشر بن رافع، وهو شديد الضعف، وفيه انقطاع؛ لأنَّ أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، كما نصَّ على ذلك الحفاظ.
• وقد اختلف أهل العلم في تفسير السدل على أقوال:
فمنهم من فسَّره بالإسبال المتقدم، ومنهم من فسَّره بوضع الرداء على الرأس، ثم يرميه من جانبيه من وراء ظهره، ومنهم من فسَّره باشتمال الصَّمَّاء الذي سيأتي، وهو أن يلتحف بثوب ويدخل يديه من داخل، ومنهم من قال: هو أن يطرح ثوبًا
стр. 1617
على كتفيه، ولا يرد أحد طرفيه على الكتف الأخرى.
وهذا التفسير الأخير هو الأصح عند الحنابلة، وعزاه شيخ الإسلام لعامة العلماء. فقال بعد أن ذكر قول الإمام أحمد في تفسير السدل بأنه: طرح الثوب على الكتف، ولا يرده على الكتف الأخرى. قال: وهذا الذي عليه عامة العلماء. اهـ
قلتُ: والتفسير الأول هو الأصح عند الشافعية. وأنكر شيخ الإسلام ﵀ تفسير السدل بالإسبال فقال ﵀ في «الاقتضاء»: وأما ما ذكره أبو الحسن الآمدي وابن عقيل من أن السدل هو إسبال الثوب بحيث ينزل عن قدميه ويجره، فيكون هو إسبال الثوب، وجره المنهي عنه؛ فغلط مخالف لعامة العلماء وإن كان الإسبال والجر منهيا عنه بالاتفاق والأحاديث فيه أكثر، وهو محرم على الصحيح، لكن ليس هو السدل.
• وقد ذهب إلى كراهة السدل: النخعي، ومجاهد، وعطاء، والثوري، والشافعي، والحنابلة، وصحَّ عن علي ﵁ كراهة ذلك (١).
• ورخَّصَ فيه: مكحول، والزهري، والحسن، وابن سيرين، وعطاء، وابن المنذر، وصحَّ عن ابن عمر ﵄، أنه كان يسدل في الصلاة (٢).
стр. 1618
قال ابن المنذر ﵀ كما في «شرح المهذب»: لا أعلم في النهي عن السدل خبرًا يثبت، فلا نهي عنه بغير حجة. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: الحديث فيه ضعفٌ، ولكن قد كره ذلك الصحابة؛ لأنه من فعل اليهود. (١)
مسألة [٦]: اشتمال الصماء .
أخرج البخاري (٣٦٧)(٣٦٨)، من حديث أبي سعيد، وأبي هريرة ﵄، ومسلم (٢٠٩٩)، من حديث جابر ﵁، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن اشتمال الصماء.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ -بعد أن ذكر أحاديث في تفسير الصماء عن التابعين، وبعضها عن الصحابة-: فحاصل ما دلت عليه الأحاديث في لبسة الصماء هو أن يلبس ثوبًا واحدًا، وهو الرداء؛ فيشتمل به على بدنه من غير إزار، ثم يضع طرفيه على أحد منكبيه، ويُبْقِي منكبه الآخر وشقه مكشوفًا، فتبدو عورته منه، وبذلك فَسَّرَ الصَّمَّاء أكثر العلماء، ومنهم: سفيان الثوري، وابن وهب، وأحمد، وأبو عبيد، وأكثر العلماء (٢).
قال ابن رجب: قال أبو عبيد: قال الأصمعي: اشتمال الصماء عند العرب: أن يشتمل الرجل بثوبه، فيجلل به جسده كله، ولا يرفع منه جانبًا فيخرج منه يده. اهـ
стр. 1619
وهذا التفسير أخذ به الشافعية كما في «شرح المهذب».
قلتُ: وعلى التفسير الأول؛ فتبطل الصلاة إذا انكشفت العورة.
وأما التفسير الآخر فقالوا بكراهته؛ لأنَّه لا يدري لعله يصيبه شيء يريد الاحتراس منه، وأن يتقيه بيده؛ فلا يقدر على ذلك.
قال ابن رجب ﵀: وهذا الذي قاله أبو عبيد في تقديم تفسير الفقهاء على تفسير أهل اللغة حسنٌ جدًّا؛ فإنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد يتكلم بكلام من كلام العرب يستعمله في معنى هو أخص من استعمال العرب أو أعم منه ويتلقى ذلك عنه حملة شريعته من الصحابة ثم يتلقاه عنهم التابعون ويتلقاه عنهم أئمة العلماء ... إلخ.
قال ابن رجب ﵀: ولو صلَّى وهو مشتمل الصماء، ولم تبدُ عورته؛ لم تبطل صلاته عند أكثر العلماء، ومنهم من قال ببطلانها، وهو وجهٌ لأصحابنا.
قال أبو عبد الله غفر الله له: وكذلك من صلَّى وهو مسبلٌ لإزاره، أو بلباس امرأة، أو بثوب فيه تصاوير؛ فإنه يأثم، وصلاته صحيحة عند الجمهور، وهو الصواب؛ لأنَّ النهي ليس عائدًا لذات الصلاة، بل لأمر خارجٍ عنها، والله أعلم. (١)
مسألة [٧]: الصلاة في ثوب واحدٍ وفي ثوبين .
قال الحافظ ابن رجب ﵀ (٣٧٠): وقد أجمع العلماء على صحة صلاة من صلى في ثوب واحدٍ، وستر منكبيه. اهـ
стр. 1620
ثم ذكر بعدُ أنَّ ابن المنذر أيضًا نقل الإجماع على ذلك.
• وأما الصلاة في ثوبين فأكثر العلماء على استحباب ذلك، وجاء عن علي، وجابر، وأُبي بن كعب، وابن عباس، وخالد بن الوليد، وأنس بن مالك ﵃ (١)، أنهم كانوا يصلون في الثوب الواحد، وَحُمِل فعلهم ذلك على بيان الجواز.
وأخرج عبد الرزاق (١/ ٣٥٨)، وابن المنذر (٥/ ٥٣) من طريقه، عن معمر، عن أيوب، عن نافع قال: رآني ابن عمر أصلي في ثوب واحد فقال: «ألم أكسك ثوبين؟» فقلت: بلى. قال: «أرأيت لو أرسلتك إلى فلان أكنت ذاهبا في هذا الثوب؟» فقلت: لا. فقال: «الله أحق من تزين له -أو من تزينت له-» وإسناده صحيح.
وقد دلَّ على استحباب ذلك حديث أبي هريرة ﵁، في «الصحيحين» (٢) أنَّ رجلًا سأل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن الصلاة في الثوب الواحد؟ فقال: «أوكلكم يجد
стр. 1621
ثوبين؟!»؛ ولذلك قال عمر ابن الخطاب ﵁، كما في «صحيح البخاري» (٣٦٥): إذا وسَّع الله فأوسعوا، صلَّى رجلٌ في إزار ورداء، في إزار وقميص، في إزار وقباء، في سراويل ورداء، في سراويل وقميص، في سراويل وقباء، في تبَّان وقباء، في تبَّان وقميص. (١)
مسألة [٨]: كفتُ الثوب والشعر .
أخرج الشيخان (٢) عن ابن عباس ﵄، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «أُمِرتُ أن أسجد على سبعة أعظم .. ، وأنْ لا أكفت ثَوبًا، ولا شَعْرًا».
• فأما كفت الثوب؛ فكرهه مالك فيما إذا كان للصلاة، سواءٌ كفته في الصلاة، أو قبلها، ولا يُكره عنده إذا كفته لأمرٍ غير الصلاة، ثم بقي على حالته مكفوتًا في الصلاة.
• وبوَّبَ البخاري في «صحيحه»: [باب لا يكف الثوب في الصلاة]. وظاهره أنَّ الكراهة إنما هي في أثناء الصلاة، قال الحافظ ابن حجر: وهو قول الداودي.
• وذهب الجمهور إلى الكراهة في الحالتين: قبل الصلاة، وأثناء الصلاة، منهم: الأوزاعي، والليث، وأحمد، وأبو حنيفة، والشافعي، وغيرهم.
وأما كفُّ الشعر؛ فقال ابن رجب ﵀: وكفُّ الشعر مكروه كراهة تنزيه عند أكثر الفقهاء، وحرَّمه طائفة من أهل الظاهر وغيرهم، واختاره ابن جرير الطبري،
стр. 1622
وقال: لا إعادة على من فعله لإجماع الحجة وراثةً عن نبيها ﵇ أنْ لا إعادة عليه. اهـ
قال: وحكى ابن المنذر الإعادة منه عن الحسن، ورخَّص فيه مالك إذا كان قبل الصلاة لمعنى غير الصلاة. اهـ
قلتُ: وفي النهي عن كفت الشعر حديث ابن عباس في «صحيح مسلم» (٤٩٢): أنه رأى عبد الله بن الحارث يصلي وهو معقوص الشعر، فقام يحله، فلما انصرف قال: مالك وشعري؟ قال: إني سمعت رسو الله ﷺ يقول: «مثل هذا مثل الذي يصلي وهو مكتوف».
والصواب في المسألتين: أنه يُكره الكفت في الصلاة، سواء كان مكفوتًا من قبل الصلاة، أم كُفِتَ في أثنائها، ويدل عليه فعل ابن عباس ﵄ مع عبدالله بن الحارث، فالظاهر أنَّ شعره كان معقوصًا من قبل الصلاة، ولا يشمل النهي من كان كُمُّه طويلًا فكفته؛ ليقصره ويلبسه على ذلك الحال دائمًا، والله أعلم. (١)
تم بحمد الله كتاب الصلاة يوم الثلاثاء
الموافق: /٤/ ١٤٢٥ ه
стр. 1623
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
الجنائز: جمع جنازة، بفتح الجيم، وكسرها لغتان مشهورتان، كما في «شرح المهذب».
٥١٧ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ (١) اللَّذَّاتِ: المَوْتِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (٢)
الفائدة والأدب المستفاد من الحديث
فيه الحث على تذكر الموت، ويحصل بتذكر الموت والإكثار من ذلك فوائد كثيرة، منها: الاجتهاد في الطاعة، والبعد عن المعاصي، والإخلاص في الأعمال، والابتعاد عن الكبر، والعُجب، والحسد، والخوف من الله، والاستعداد للقائه، وغير ذلك.
стр. 1624
وفي «البخاري» (١) عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: أخذ النبي ﷺ بمنكِبَي وقال: «يا عبدالله بن عمر، كُنْ في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل»؛ فكان ابن عمر ﵄ يقول: إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وخذ من صحتك لهرمك، ومن حياتك لموتك.
стр. 1625
٥١٨ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ المَوْتَ لِضُرٍّ يَنْزِلُ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا فَلْيَقُلْ: اللهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي مَا كَانَتِ الوَفَاةُ خَيْرًا لِي». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم تمني الموت .
قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٢٦٨٠): فِيهِ التَّصْرِيح بِكَرَاهَةِ تَمَنِّي الْمَوْت لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ مِنْ مَرَض، أَوْ فَاقَة، أَوْ مِحْنَة مِنْ عَدُوّ، أَوْ نَحْو ذَلِكَ مِنْ مَشَاقّ الدُّنْيَا، فَأَمَّا إِذَا خَافَ ضَرَرًا فِي دِينه، أَوْ فِتْنَة فِيهِ، فَلَا كَرَاهَة فِيهِ؛ لِمَفْهُومِ هَذَا الْحَدِيث وَغَيْره، وَقَدْ فَعَلَ هَذَا الثَّانِي خَلَائِق مِنْ السَّلَف عِنْد خَوْف الْفِتْنَة فِي أَدْيَانهمْ، وَفِيهِ أَنَّهُ إِنْ خَالفَ وَلَمْ يَصْبِر عَلَى حَاله فِي بَلْوَاهُ بِالْمَرَضِ وَنَحْوه؛ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ، أَحْيِنِي إِنْ كَانَتْ الْحَيَاة خَيْرًا ... إِلَخْ، وَالْأَفْضَل الصَّبْر، وَالسُّكُون لِلْقَضَاءِ. اهـ
قلتُ: هكذا قال النووي بالكراهة، والنهي حقيقته التحريم، ولا نعلم صارفًا له عن حقيقته، وقد صرَّح بعدم الجواز، وعدم الْحِل ابن حزم في «المحلَّى» (٦٠٨)، والإمام الألباني في «أحكام الجنائز» (ص ١٢)، ولا يُعارض الحديث قوله تعالى عن يوسف ﵇: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف:١٠١]؛ فإنَّ
стр. 1626
المراد منه أن يثبته على الإسلام، وأن يتوفاه عليه كما هو ظاهر.
وقد جاء في ضمن حديث طويل في «مسند أحمد» (١) من حديث معاذ بن جبل، وابن عباس ﵃، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «وإذا أردت بعبادك فتنة، فاقبضني إليك غير مفتون».
فهذا يدلُّ على ما ذكره النووي من جواز الدعاء بالموت إذا خاف الفتنة على دينه، والله أعلم.
стр. 1627
٥١٩ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «المُؤْمِنُ يَمُوتُ بِعَرَقِ الجَبِينِ». رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (١)
شرح الحديث
قال السِّنْدي ﵀: قيل: هو لما يعالج من شدة الموت؛ فقد تبقى عليه بقية من ذنوب، فيُشدد عليه وقت الموت؛ ليخلص عنها، وقيل: هو من الحياء؛ فإنه إذا جاءته البُشرى مع ما كان قد اقترف، حصل له بذلك خجلٌ، وحياءٌ من الله تعالى، فعرق لذلك جبينه، وقيل: يحتمل أنَّ عرق الجبين علامة جُعلت لموت المؤمن، وإنْ لم يعقل معناه. اهـ (٢)
قلتُ: والقول الأول أقرب، وهو علامة لحسن الخاتمة، وقد تتخلف عن البعض، ولا يدل ذلك على سوء خاتمته، والله أعلم.
قلتُ: والتلقين يحصل إما بالتذكير، أو التعريض، أو يأمره بأن يقولها، ولا كراهة في ذلك؛ فقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه دخل على رجل من الأنصار، فقال: «يا خال، قل: لا إله إلا الله ... » الحديث أخرجه أحمد (٣/ ١٥٢)، وهو صحيح، وقد صححه الإمام الوادعي ﵀ في «الصحيح المسند» (٣٧). (١)
مسألة [٢]: تلقين الكافر .
إذا مرض الكافر؛ اُسْتُحِبَّ الذهاب إليه، ودعوته إلى الإسلام بأن ينطق بالشهادتين كما فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مع عَمِّه أبي طالب كما في «الصحيحين»، (٢) ومع الغلام اليهودي الذي كان يخدمه، فمرض، فعاده النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فقال له: «أسلم»، فأسلم، فخرج النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وهو يقول: «الحمد لله الذي أنقذه من النار». (٣)
стр. 1630
٥٢٢ - وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «اقْرَءُوا عَلَى مَوْتَاكُمْ يس». رَوَاهُ أَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم قراءة سورة [يس] عند المحتضر، وعلى الميت ؟
استحبَّ بعض الفقهاء أن يقرأ عند الميت وهو في الاحتضار بهذه السورة، أعني سورة [يس]، وبعضهم استحب ذلك بعد موته.
ولكن تقدم أنَّ الحديث ضعيفٌ؛ فهذا العمل لا يُشرع، بل يُعَدُّ من البدع، والله أعلم.
стр. 1631
بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة
مسألة [١]: المريض ماذا يغلب: جانب الرجاء، أم جانب الخوف ؟
• ذهب جمهور العلماء إلى استحباب تغليب جانب الرجاء؛ لحديث جابر ﵁ في «صحيح مسلم» (٢٨٧٧) قال: سمعت النبي ﷺ قبل موته بثلاث يقول: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يُحسنُ الظَّن بربه ﵎»، وفي «الصحيحين» (١) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «قال الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي ... » الحديث.
• وذهب بعضهم إلى التسوية بين الرجاء، والخوف، واستُدِلَّ لهم بحديث أنس ابن مالك ﵁ عند الترمذي (٩٨٣)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- دخل على شاب وهو في الموت، فقال: «كيف تجدك؟» قال: والله، يا رسول الله، إنِّي لأرجو الله، وأخاف ذنوبي، فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا يجتمعان في قلب عبدٍ في مثل هذا الموطن؛ إلا أعطاه الله ما يرجو، وأمَّنَهُ مما يخاف»، وفي إسناده: سيار بن حاتم، وهو ضعيفٌ، يرويه عن جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس، ولجعفر مناكير.
وقال الترمذي ﵀ عقب الحديث: وقد روى بعضهم هذا الحديث عن ثابتٍ، عن النبي ﷺ مرسلًا.
стр. 1632
ولو كان الحديث ثابتًا؛ فليس فيه أنَّ الرجاء والخوف كانا متساويين؛ فيحتمل أنهما اجتمعا، ولكن كان الرجاء أقوى، فلا يخالف ما تقدم، والصواب هو قول الجمهور. (١)
مسألة [٢]: توجيه المحتضر إلى القبلة .
• استحبَّ كثير من أهل العلم، أو أكثرهم توجيه المحتضر إلى القبلة، على اختلافٍ بينهم: هل يوجه مستلقيًا؟ أم على جنبه الأيمن؟ وعلى هذا أكثرهم.
واستدلوا بحديث: «قبلتكم أحياءً وأمواتًا»، (٢) وهذا الحديث ليس بصريح، إنما المراد به في اللحد.
واستدلوا بحديث عبدالله بن أبي قتادة عند الحاكم (١/ ٣٥٣ - )، والبيهقي (٣/ ٣٨٤)، أنَّ البراء بن معرور تُوفِّي، وأوصى أن يُوَجَّهَ إلى القبلة لما احتضر، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أصاب الفطرة».
والحديث محتمل أنه أراد أن يوجه إلى القبلة في قبره؛ لِمَا تُشْعِر ذلك كلمة (أوصى)، ومع ذلك ففي إسناده: نُعيم بن حماد، وهو ضعيفٌ، وهو كذلك مرسل؛ لأنَّ عبدالله بن أبي قتادة تابعي وقد روى بنفسه القصة، ولم يسندها.
قال الإمام الألباني ﵀ في «أحكام الجنائز»: وأما قراءة سورة [يس] عنده، وتوجيهه نحو القبلة فلم يصح فيه حديث، بل كره سعيد بن المسيب توجيهه إليها. اهـ. (٣)
стр. 1633
٥٢٣ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ ﵁ وَقَدْ شُقَّ بَصَرُهُ فَأَغْمَضَهُ ثُمَّ قَالَ: «إنَّ الرُّوحَ إذَا قُبِضَ اتَّبَعَهُ البَصَرُ»، فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ فَقَالَ: «لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إلَّا بِخَيْرٍ؛ فَإِنَّ المَلَائِكَةَ تُؤَمِّنُ عَلَى مَا تَقُولُونَ»، ثُمَّ قَالَ: «اللهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي المَهْدِيِّينَ، وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ، وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١)
الأحكام المستفادة من الحديث
قال الإمام النووي ﵀ في شرح الحديث: فيه دليل على استحباب إغماض الميت، وأجمع المسلمون على ذلك، قالوا: والحكمة فيه أن لا يقبح بمنظره لو تُرك إغماضه. اهـ
واستحب أهل العلم أيضًا أن يشد لحييه بعصابة عريضة، يربطها من فوق رأسه؛ لأنَّ الميت إذا كان مفتوح العينين والفم، فلم يغمض حتى يبرد؛ بقي مفتوحًا، فيقبح منظره، ولا يؤمن دخول الهوام فيه، والماء في وقت غسله. (٢)
قلتُ: وفي الحديث استحباب الدعاء للميت عند موته، ولأهله، وذريته بأمور الآخرة، والدنيا، قاله النووي ﵀.
مسألة [١]: وضع سيف أو حديد على بطن الميت ؟
هذا العمل ليس من السنة، ولكن ما وضع على بطن الميت مما ذكر، أو من
стр. 1634
الطين، أو الزجاج؛ إذا كان لغرض صحيح كحمايته من أن ينتفخ ويجيف؛ فلا بأس به. وممن قال بذلك الشعبي والشافعي، وابن المنذر رحمة الله عليهم. (١)
٥٢٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَ سُجِّيَ بِبُرْدِ حِبَرَةٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٢)
الأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: تسجية الميت .
قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٣٤٢): مَعْنَاهُ: غُطِّيَ جَمِيع بَدَنه، وَالْحِبَرَة: بِكَسْرِ الْحَاء، وَفَتْح الْبَاء الْمُوَحَّدَة، وَهِيَ ضَرْب مِنْ بُرُود الْيَمَن، وَفِيهِ: اِسْتِحْبَاب تَسْجِيَة الْمَيِّت، وَهُوَ مُجْمَع عَلَيْهِ، وَحِكْمَته: صِيَانَته مِنْ الِانْكِشَاف، وَسَتْر عَوْرَته الْمُتَغَيِّرَة عَنْ الْأَعْيُن.
قَالَ أَصْحَابنَا: وَيَلُفّ طَرَف الثَّوْب الْمُسَجَّى بِهِ تَحْت رَأْسه، وَطَرَفه الْآخَر تَحْت رِجْلَيْهِ؛ لِئَلَّا يَنْكَشِف عَنْهُ قَالُوا: تَكُون التَّسْجِيَة بَعْد نَزْع ثِيَابه الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا؛ لِئَلَّا يَتَغَيَّر بَدَنه بِسَبَبِهَا. اهـ
قال ابن قدامة ﵀: وَلَا يُتْرَكُ الميِّتُ عَلَى الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ أَسْرَعُ لِفَسَادِهِ، وَلَكِنْ عَلَى سَرِيْرٍ، أَوْ لَوْحٍ؛ لِيَكُوْنَ أَحْفَظَ لَه. اهـ. (٣)
стр. 1635
٥٢٥ - وَعَنْهَا: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ قَبَّلَ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ مَوْتِهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. (١)
الأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: تقبيل الميت .
هذا الحديث يدل على مشروعية تقبيل الميت، وجوازه.
قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٥/ ١٢٧): يجوز لأهل الميت، وأصدقائه تقبيل وجهه، ثبتت فيه الأحاديث، وصرَّح به الدارمي في «الاستذكار»، والسَّرْخَسِي في «الأمالي». (٢)
стр. 1636
٥٢٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «نَفْسُ المُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. (١)
الحكم المستفاد من الحديث
قال النووي ﵀ في معناه كما في «شرح المهذب» (٥/ ١٢٢): والمختار أنَّ معناه: أنَّ نفسه مطالبة بما عليه، ومحبوسة عن مقامها الكريم حتى يُقْضَى، لا أنه يعذب؛ لاسيما إنْ كان خلفه وفاء، وأوصى به. اهـ
قلتُ: وقد جاءت أحاديث كثيرة تُبين عِظَمَ الدَّيْن، والتحذير من التساهل فيه، منها حديث: «يُغفر للشهيد كل ذنب إلا الدَّيْن»، رواه مسلم (١٨٨٦) عن عبد الله ابن عمرو بن العاص ﵄، وجاء نحوه عن أبي قتادة ﵁ في «مسلم» أيضًا برقم (١٨٨٥).
ولذلك قال أهل العلم: ينبغي أن يسارع أولياء الميت بقضاء دين ميتهم، فإذا عجزوا عن ذلك، أو كانت تركة الميت عقارًا يحتاج إلى بيع؛ فإنهم يسألون الغرماء أن يحتالوا عليهم، ويتحملوا عن ميتهم الدَّين كما جاء في «البخاري» (٢٢٨٩) عن سلمة بن الأكوع ﵁ أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ترك الصلاة على رجلٍ، فتحمل دينه
стр. 1637
أبو قتادة؛ فصلَّى عليه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وإذا تحملها الأولياء، ورضي الغرماء؛ برئت ذمة الميت.
وأما حديث: «الآن بردت عليه جلدته» (١)؛ فهو حديث ضعيفٌ، فيه: عبدالله ابن محمد بن عقيل، وهو ضعيفٌ، وقد تفرد بهذه الزيادة. (٢)
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٣/ ٣٦٧ - ٣٦٨): ويُستحب المسارعة إلى تفريق وصيته؛ ليعجل له ثوابها بجريانها على الموصى له.
قلتُ: والدَّين مُقَدَّمٌ على الوصية بالإجماع، نقل الإجماع غير واحد من أهل العلم كالترمذي، والنووي، وابن قدامة، والقرطبي، وغيرهم.
قالوا: وقدم الله الوصية بقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١١]؛ لأنه حقٌّ لضعيفٍ في الغالب، ولا يُطالب بها، وأما الدَّين؛ فإنه حقٌّ لقويٍّ في الغالب، ويطالب به؛ فقدَّم الوصية ليهتم بها، والله أعلم.
стр. 1638
بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة
مسألة [١]: إذا أقر في مرض موته بدينٍ لشخص، فهل يُقبل إقراره؟ وأيهما يقدم: أهذا الدين، أم الدين الذي هو معروف عنه في صحته ؟
قال القرطبي ﵀ في تفسير سورة النساء (٥/ ٨٠ - ٨١): وأجمع العلماء على أن إقراره بدينٍ لغير وارثٍ حال المرض؛ جائز إذا لم يكن عليه دين في الصحة.
قال: فإن كان عليه دين في الصحة ببينة، وأقر لأجنبي بدين، فقالت طائفة: يبدأ بدين الصحة، هذا قول النخعي، والكوفيين، قالوا: فإذا استوفاه صاحبه؛ فأصحاب الإقرار في المرض يتحاصون. وقالت طائفة: هما سواء إذا كان لغير وارث. هذا قول الشافعي، وأبي ثور، وأبي عبيد، وذكر أبو عبيد أنه قول أهل المدينة، ورواه عن الحسن. اهـ
قلتُ: والقول الثاني هو الصواب؛ لأنَّ كلًّا من الدَّيْنَيْنِ حقٌّ ثابت في ذمته، ولا دليل على تقديم أحدهما، والله أعلم.
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مسألة [١]: حكم غسل الميت .
قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٥/ ١٢٨): وغسل الميت فرض كفاية بإجماع المسلمين، ومعنى فرض كفاية: أنه إذا فعل من فيه كفاية سقط الحرج عن الباقين، وإن تركوه كلهم؛ أثموا كلهم.
• وقد تعقبه الحافظ على نقل الإجماع، فقال في «الفتح» (١٢٥٣): وقد نقل النووي الإجماع على أنَّ غسل الميت فرض كفاية، وهو ذهول شديد؛ فإنَّ الخلاف مشهور عند المالكية حتى أنَّ القرطبي رجَّح في «شرح مسلم» أنه سنة، ولكن الجمهور على وجوبه.
قلتُ: والصواب قول الجمهور؛ لحديث ابن عباس، وحديث أم عطية اللذينِ في الباب، والله أعلم.
مسألة [٢]: كم هو الغسل الواجب في غسل الميت ؟
• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ الغسل الواجب مرة واحدة، يُعمم بها جميع البدن؛ لحديث ابن عباس الذي في الباب: «اغسلوه بماءٍ وسدر».
• وذهب الحنفية، والمزني، وأهل الظاهر إلى وجوب ثلاث غسلات؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حديث أم عطية: «اغسلنها ثلاثًا، أو خمسًا ... » الحديث.
قلتُ: وقول الجمهور هو الصواب؛ لحديث ابن عباس المذكور؛ فإنه لم يأمره
стр. 1641
بثلاث، وهو متأخر على حديث أم عطية، ويحمل قوله: «اغسلنها ثلاثًا ... »، على الاستحباب. (١)
مسألة [٣]: هل يجرد من ثيابه عند غسله ؟
• في المسألة قولان:
الأول: أنه يجرد من ثيابه إلاما يستر العورة، وهو قول أحمد في رواية، وأخذ بها كثير من أصحابه، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، وقال به من التابعين: ابن سيرين، والدليل على هذا ما جاء في حديث عائشة ﵂: كما نُجَرِّد موتانا. وقالوا: هذا أمكن لغسل الميت، ورجَّح هذا ابن قدامة.
الثاني: أنه يجلل بثوب، أو قميص ينفذ منه الماء، ثم يدخل يده من تحت الثوب، ويغسله؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يجرد من ثيابه، وهذا قول الشافعي وأصحابه، وأحمد في رواية.
والراجح هو القول الأول؛ لِمَا تقدم، وظاهر الحديث أنَّ ما فُعِلَ بالنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- خاصٌّ به، والله أعلم. (٢)
مسألة [٤]: صفة غسل الميت .
يبدأ الغاسل، فيلف على يده خرقة، فينقي ما به من نجاسة، ويحني الميت حنيًا رقيقًا، لا يبلغ به قريبًا من الجلوس؛ لأنَّ في الجلوس أذية له، ثم يمر بيده على بطنه يعصره عصرًا رفيقًا؛ ليخرج ما معه من نجاسة؛ لئلا يخرج بعد ذلك، ثم بعد
стр. 1642
غسل النجاسة يبدأ فيوضيه وضوءه للصلاة، فيغسل كفيه، ثم يأخذ خرقة، فيبلها، ويجعلها على إصبعه، فيمسح أسنانه، وأنفه حتى ينظفهما، ويكون ذلك في رفقٍ، ولا يدخل الماء فاه، ولا منخريه في قول أكثر أهل العلم، وهو مذهب أحمد، والنخعي، والثوري، وأبي حنيفة، ومن التابعين: سعيد بن جبير؛ لأنَّ المضمضة والاستنشاق متعذرة في حق الميت، وقال الشافعي وأصحابه: يمضمضه، ويُنَشِّقُهُ كما يفعل الحي، والأقرب هو القول الأول، ثم يغسل وجهه، ويتم وضوءه، وذلك لحديث أم عطية: «ابدأن بميامنها، ومواضع الوضوء منها»، ثم إذا وضأه بدأ بغسل رأسه ولحيته، ثم يغسل جانبه الأيمن من باطنه وظاهره، وذلك بأن يغسل الباطن، ثم ينحي الميت على جنبه الأيسر؛ فيغسل الأيمن من ظاهره، ثم يغسل الجانب الأيسر كذلك من باطنه وظاهره.
• وقال جماعة من الشافعية، والحنابلة: يبدأ بالباطن الأيمن، ثم الباطن الأيسر، ثم يغسل ظاهره الأيمن، ثم ظاهره الأيسر.
والأول أقرب، وهو قول جماعة من الشافعية؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ابدأن بميامنها»، ويكون الماء مخلوطًا بالسدر في جميع الغسلات، أو ما يقوم مقامه من المنظفات، كالصابون، والأشنان، ويُجتنب الصابون المعطر في حق المحرم؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ولا تمسوه طيبًا» (١)، فإذا كانت الغسلة الأخيرة؛ خلط مع الماء كافورًا؛ لحديث أم عطية: «واجعلن في الأخيرة كافورًا»، وهو قول الجمهور، وهو الصواب.
стр. 1643
• وذهب النخعي، والكوفيون إلى أنه يُجْعَل في الكفن -أعني الكافور- ولا يخلط بالماء، وظاهر حديث أم عطية يدل على خلاف قولهم.
ويُستحبُّ أن يغسله ثلاثًا، أو خمسًا، أو أكثر من ذلك وترًا؛ إن احتاجوا إلى ذلك؛ لحديث أم عطية، ثم بعد فراغه من غسله يُنشفه بثوبٍ، ثم يكفنه. (١)
مسألة [٥]: غسل الميت أكثر من سبع غسلات .
• قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (١٢٥٣): وَلَمْ أَرَ فِي شَيْء مِنْ الرِّوَايَات بَعْد قَوْله: «سَبْعًا» التَّعْبِير بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ؛ إِلَّا فِي رِوَايَة لِأَبِي دَاوُدَ، وَأَمَّا مَا سِوَاهَا، فَإِمَّا: «أَوْ سَبْعًا»، وَإِمَّا: «أَوْ أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ»، فَيَحْتَمِل تَفْسِير قَوْله أَوْ أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ بِالسَّبْعِ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَد، فَكَرِهَ الزِّيَادَة عَلَى السَّبْع. وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ: لَا أَعْلَم أَحَدًا قَالَ بِمُجَاوَزَةِ السَّبْع، وَسَاقَ مِنْ طَرِيق قَتَادَة أَنَّ اِبْن سِيرِينَ كَانَ يَأْخُذ الْغُسْل عَنْ أُمّ عَطِيَّة ثَلَاثًا، وَإِلَّا فَخَمْسًا، وَإِلَّا فَأَكْثَر، قَالَ: فَرَأَيْنَا أَنَّ أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ سَبْع. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ: الزِّيَادَة عَلَى السَّبْع سَرَف. وَقَالَ اِبْن الْمُنْذِر: بَلَغَنِي أَنَّ جَسَد الْمَيِّت يَسْتَرْخِي بِالْمَاءِ؛ فَلَا أُحِبّ الزِّيَادَة عَلَى ذَلِكَ. اهـ
قلتُ: الرواية التي ذكر الحافظ أنها في أبي داود، هي أيضًا في «صحيح البخاري» برقم (١٢٥٩)، و «صحيح مسلم» (٩٣٩)(٣٩)؛ فالعجب من الحافظ كيف غفل عنها، والزيادة على السبع مكروهة؛ إلا إذا احتاج؛ لظاهر حديث أم عطية، والله أعلم.
стр. 1644
مسألة [٦]: عصر بطن الميت أثناء الغسل ؟
• قال الإمام ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (٥/ ٣٢٩): واختلفوا في عصر بطن الميت فكان ابن سيرين، والنخعي، والحسن البصري، ومالك يقولون: يعصر بطن الميت، قال بعضهم: عصرا خفيفا، وكان سفيان الثوري يقول: يمسح مسحا رقيقا بعد الغسلة الأولى، قال الشافعي: يمر يده على بطنه إمرارا بليغا ليخرج شيئا إن كان فيه.
• وقال أحمد، وإسحاق: يمسح بطنه مسحا رقيقا خرج منه شيئا أو لم يخرج.
• وقد روينا عن الضحاك بن مزاحم أنه أوصى أنه لا يعصر بطنه، وكان أحمد ابن حنبل يستحب أن يعصر بطنه في الثانية قال: فإنه تلين في الغسلة الأولى.
قال أبو بكر: ليس في عصر البطن سنة تتبع، وقد رواه من ذكرنا ذلك عنهم من أهل العلم، فإن أمر الغاسل يديه إمرارا خفيفا على بطنه ليخرج شيئا إن كان هناك فحسن، وإن ترك فلم يفعل ذلك، فلا بأس به. اهـ
قال أبو عبد الله: ما اختاره ابن المنذر هو المختار عندي، والله أعلم.
مسألة [٧]: إذا خرجت نجاسة بعد غسل الميت ؟
• ذهب طائفة من أهل العلم إلى أنه يُوضَأ، ويُعاد غسله إلى تمام سبع إن احتيج إلى ذلك، وهو قول ابن سيرين، وأحمد، وإسحاق، واستدلوا بحديث أم عطية: «أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك»، وهو قول للشافعي.
стр. 1645
• وذهب الثوري، ومالك، وأبو حنيفة إلى أنه يكفيه الوضوء، وغسل موضع النجاسة، وهو قول للشافعي، وحجَّتهم أنَّ النجاسة لا تزيل أثر الغسل، كما أنَّ الجنب الحي إذا أحدث أعاد الوضوء، ولا يعيد الغسل، فكذلك الميت.
قال أبو عبدالله غفر الله له: الظاهر أنه لا يلزم إعادة الغسل، ويكفيه ما ذكره أصحاب القول الثاني، والأفضل أن يُعاد غسله كما ذكر أصحاب القول الأول؛ لحديث أم عطية ﵂. (١)
مسألة [٨]: استخدام الماء الحار .
• ذهب أبو حنيفة إلى تفضيل الماء الحار في غسل الميت؛ لأنه ينظف أكثر، وخالفه الجمهور، فقالوا: يغسل بالماء البارد؛ لأنَّ الحار يؤدي إلى استرخاء جسم الميت، ومقصودهم بالبارد، أي: البرود المعتاد، وقالوا: يستخدم الحار إذا احتيج إليه لإزالة الأوساخ التي ربما لا تزول بالماء البارد.
وقول الجمهور هو الصواب؛ فالنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لمَّا أمر بغسل ابنته لم يأمرهم أن يغسلوها بالماء الحار، وهذا يدل على أنهم غسلوها بالماء المعتاد، والله أعلم. (٢)
مسألة [٩]: المرأة الحائض، والجنب إذا توفيا، كم يُغْسَلا ؟
قال النووي ﵀ في «المجموع» (٥/ ١٥٢): مذهبنا أنَّ الجنب، والحائض إذا ماتا؛ غُسِلا غسلًا واحدًا، وبه قال العلماء كافة؛ إلا الحسن البصري، فقال:
стр. 1646
يغسلان غسلين. قال ابن المنذر: لم يقل به غيره. اهـ
قلتُ: والصواب قول الجمهور؛ لعدم أمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بغسلهما مرتين. (١)
مسألة [١٠]: هل يضفر شعر الميتة ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٣/ ٣٩٣): وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ شَعْرَ الْمَيِّتَةِ يُغْسَلُ، وَإِنْ كَانَ مَعْقُوصًا؛ نُقِضَ، ثُمَّ غُسِلَ، ثُمَّ ضُفِّرَ ثَلَاثَةَ قُرُونٍ، قَرْنَيْهَا، وَنَاصِيَتَهَا، وَيُلْقَى مِنْ خَلْفِهَا، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا يُضَفَّرُ، وَلَكِنْ يُرْسَلُ مَعَ خَدَّيْهَا. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: والصواب قول الجمهور -وهو الأول-؛ لحديث أم عطية المذكور في الكتاب.
стр. 1647
بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة
مسألة [١]: هل يُختن الميت إذا لم يكن مختونًا ؟
• ذهب الحنابلة إلى تحريم ختان الميت؛ لأنَّ فيه قطع جلدة من الميت، لا حاجة إلى قطعها، وفيه كشف للعورة بدون حاجة، ولا نزاع بين الحنابلة في تحريم ذلك، وهو قول جمهور الشافعية، وذهب بعض الشافعية إلى جواز ختنه.
والراجح القول الأول وقد رجَّحه الإمام ابن باز والإمام ابن عثيمين رحمهما الله. (١)
مسألة [٢]: هل يؤخذ من شعره، وأظفاره ؟
• استحب جماعة من أهل العلم أن يُقصَّ شاربه، ويؤخذ شعر إبطيه إذا احتاج إلى ذلك، وممن قال بذلك: سعيد بن المسيب، وابن جبير، والحسن، وأحمد، وإسحاق، وجماعة من الشافعية.
• وكره ذلك جماعة من أهل العلم، منهم: مالك، وأبو حنيفة، والثوري، والمزني، وابن المنذر، وجماعة من الشافعية؛ لأنه قطع شيء من الميت، وأجزاء الميت محترمة، قالوا: ولم يُنقل ذلك عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأصحابه.
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول أقرب؛ لأنَّ تحسين الميت،
стр. 1648
وتحسين كفنه، وتحسين قبره مطلوبٌ شرعًا كما هو معلوم من الأدلة، وكما أنه يُغمَّض، ويربط لِحْيَاه إذا مات حتى لا يَقْبُح منظره، كذلك إذا كان شعره طويلًا، أو أظفاره طويلة؛ فينبغي أن تقص حتى يحسن منظره، وهذا ترجيح الإمام ابن عثيمين ﵀. (١)
مسألة [٣]: هل يؤخذ من شعر العانة ؟
• قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٣/ ٤٨٣): وَأَمَّا الْعَانَةُ؛ فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهَا لَا تُؤْخَذُ؛ لِتَرْكِهِ ذِكْرَهَا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ، وَمَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَاجُ فِي أَخْذِهَا إلَى كَشْفِ الْعَوْرَةِ، وَلَمْسِهَا، وَهَتْكِ الْمَيِّتِ، وَذَلِكَ مُحَرَّمٌ لَا يُفْعَلُ لِغَيْرِ وَاجِبٍ، وَلِأَنَّ الْعَوْرَةَ مَسْتُورَةٌ يُسْتَغْنَى بِسَتْرِهَا عَنْ إزَالَتِهَا.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ أَخْذَهَا مَسْنُونٌ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَبَكْرِ بْنِ عَبْدِ الله، وَسَعِيدِ بْن جُبَيْرٍ، وَإِسْحَاقَ؛ لِأَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ جَزَّ عَانَةَ مَيِّتٍ، (٢) وَلِأَنَّهُ شَعْرٌ إزَالَتُهُ مِنْ السُّنَّةِ، فَأَشْبَهَ الشَّارِبَ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَيُفَارِقُ الشَّارِبُ الْعَانَةَ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ يُتَفَاحَشُ لِرُؤْيَتِهِ، وَلَا يُحْتَاجُ فِي أَخْذِهِ إلَى كَشْفِ الْعَوْرَةِ، وَلَا مَسِّهَا. انتهى المراد.
وما رجَّحه ابن قدامة هو الراجح فيما يظهر، والله أعلم. (٣)
стр. 1649
مسألة [٤]: إذا تعذر غسل الميت لفقد الماء، أو عدم القدرة على استعماله ؟
• مذهب الشافعية، وأكثر الحنابلة أنه ييمم؛ لأنَّ التيمم قائمٌ مقام الماء عند العجز عنه.
• وذهب أحمد في رواية إلى أنه لا ييمم، وهو قول الأوزاعي في مسألة أخرى، ومقتضاه أن يقول بذلك هاهنا.
والأول أقرب، وهو اختيار ابن حزم في «المحلَّى» (٥٦٩). (١)
مسألة [٥]: هل يشرع للجنب والحائض أن يغسلا الميت ؟
• كره ذلك بعض أهل العلم، ونقل ذلك عن الحسن، وابن سيرين.
• ولم يكره ذلك أكثر أهل العلم منهم: علقمة، وعطاء، وإسحاق، وابن المنذر، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة، والحنفية؛ لعدم وجود دليل يدل على الكراهة، ولأن المقصود هو التطهير، وهو حاصل بالجنب والحائض، ولأنه لا يشترط في الغاسل الطهارة.
• وكرهه مالك للجنب دون الحائض؛ لإمكان الجنب أن يتطهر.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الأقرب عدم كراهة ذلك، ولا نعلم دليلًا يدل على الكراهة. (٢)
стр. 1650
مسألة [٦]: هل يصح تغسيل الصبي للجنازة ؟
• مذهب الحنفية والحنابلة الجواز، وهو مقتضى أقوال المالكية والشافعية، وهو الذي يظهر؛ لأنه تصح إمامته للناس، ويصح إذانه؛ فيصح منه هذا العمل، والله أعلم.
• وعن أحمد: رواية بعدم صحته؛ لأنه فرض كفاية؛ فلا يقوم به إلا من يصح منه الفرض، وهذا مردود بما ذكرناه من صحة إمامته؛ فقد أمَّ عمرو بن سلمة الجرمي الناس في عهد النبي ﷺ ، وهو ابن سبع سنين. رواه البخاري، وقد تقدمت المسألة في باب الإمامة. (١)
مسألة [٧]: هل يُغَسَّل الجنين ؟
أما إذا استهل الجنين صارخًا فيغسل بالإجماع، نقله ابن المنذر.
• وأما إذا أسقط قبل الأربعة الأشهر؛ فلا يغسل عند الجمهور؛ إلا شيئًا روي عن ابن سيرين، وقال به بعض الحنفية.
• وأما إذا أسقط لأربعة أشهر، وما فوق ذلك؛ فالأصح من قولي العلماء أنه يغسل، وهو قول الحنفية، والحنابلة، والشافعية.
• وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يغسل، وهو قول المالكية، وبعض الحنفية، والشافعية. (٢)