← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

يغسلان غسلين. قال ابن المنذر: لم يقل به غيره. اهـ قلتُ: والصواب قول الجمهور؛ لعدم أمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بغسلهما مرتين. (١) مسألة [١٠]: هل يضفر شعر الميتة ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٣/ ٣٩٣): وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ شَعْرَ الْمَيِّتَةِ يُغْسَلُ، وَإِنْ كَانَ مَعْقُوصًا؛ نُقِضَ، ثُمَّ غُسِلَ، ثُمَّ ضُفِّرَ ثَلَاثَةَ قُرُونٍ، قَرْنَيْهَا، وَنَاصِيَتَهَا، وَيُلْقَى مِنْ خَلْفِهَا، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا يُضَفَّرُ، وَلَكِنْ يُرْسَلُ مَعَ خَدَّيْهَا. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: والصواب قول الجمهور -وهو الأول-؛ لحديث أم عطية المذكور في الكتاب.

стр. 1647

بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة مسألة [١]: هل يُختن الميت إذا لم يكن مختونًا ؟ • ذهب الحنابلة إلى تحريم ختان الميت؛ لأنَّ فيه قطع جلدة من الميت، لا حاجة إلى قطعها، وفيه كشف للعورة بدون حاجة، ولا نزاع بين الحنابلة في تحريم ذلك، وهو قول جمهور الشافعية، وذهب بعض الشافعية إلى جواز ختنه. والراجح القول الأول وقد رجَّحه الإمام ابن باز والإمام ابن عثيمين رحمهما الله. (١) مسألة [٢]: هل يؤخذ من شعره، وأظفاره ؟ • استحب جماعة من أهل العلم أن يُقصَّ شاربه، ويؤخذ شعر إبطيه إذا احتاج إلى ذلك، وممن قال بذلك: سعيد بن المسيب، وابن جبير، والحسن، وأحمد، وإسحاق، وجماعة من الشافعية. • وكره ذلك جماعة من أهل العلم، منهم: مالك، وأبو حنيفة، والثوري، والمزني، وابن المنذر، وجماعة من الشافعية؛ لأنه قطع شيء من الميت، وأجزاء الميت محترمة، قالوا: ولم يُنقل ذلك عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأصحابه. قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول أقرب؛ لأنَّ تحسين الميت،

стр. 1648

وتحسين كفنه، وتحسين قبره مطلوبٌ شرعًا كما هو معلوم من الأدلة، وكما أنه يُغمَّض، ويربط لِحْيَاه إذا مات حتى لا يَقْبُح منظره، كذلك إذا كان شعره طويلًا، أو أظفاره طويلة؛ فينبغي أن تقص حتى يحسن منظره، وهذا ترجيح الإمام ابن عثيمين ﵀. (١) مسألة [٣]: هل يؤخذ من شعر العانة ؟ • قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٣/ ٤٨٣): وَأَمَّا الْعَانَةُ؛ فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهَا لَا تُؤْخَذُ؛ لِتَرْكِهِ ذِكْرَهَا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ، وَمَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَاجُ فِي أَخْذِهَا إلَى كَشْفِ الْعَوْرَةِ، وَلَمْسِهَا، وَهَتْكِ الْمَيِّتِ، وَذَلِكَ مُحَرَّمٌ لَا يُفْعَلُ لِغَيْرِ وَاجِبٍ، وَلِأَنَّ الْعَوْرَةَ مَسْتُورَةٌ يُسْتَغْنَى بِسَتْرِهَا عَنْ إزَالَتِهَا. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ أَخْذَهَا مَسْنُونٌ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَبَكْرِ بْنِ عَبْدِ الله، وَسَعِيدِ بْن جُبَيْرٍ، وَإِسْحَاقَ؛ لِأَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ جَزَّ عَانَةَ مَيِّتٍ، (٢) وَلِأَنَّهُ شَعْرٌ إزَالَتُهُ مِنْ السُّنَّةِ، فَأَشْبَهَ الشَّارِبَ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَيُفَارِقُ الشَّارِبُ الْعَانَةَ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ يُتَفَاحَشُ لِرُؤْيَتِهِ، وَلَا يُحْتَاجُ فِي أَخْذِهِ إلَى كَشْفِ الْعَوْرَةِ، وَلَا مَسِّهَا. انتهى المراد. وما رجَّحه ابن قدامة هو الراجح فيما يظهر، والله أعلم. (٣)

стр. 1649

مسألة [٤]: إذا تعذر غسل الميت لفقد الماء، أو عدم القدرة على استعماله ؟ • مذهب الشافعية، وأكثر الحنابلة أنه ييمم؛ لأنَّ التيمم قائمٌ مقام الماء عند العجز عنه. • وذهب أحمد في رواية إلى أنه لا ييمم، وهو قول الأوزاعي في مسألة أخرى، ومقتضاه أن يقول بذلك هاهنا. والأول أقرب، وهو اختيار ابن حزم في «المحلَّى» (٥٦٩). (١) مسألة [٥]: هل يشرع للجنب والحائض أن يغسلا الميت ؟ • كره ذلك بعض أهل العلم، ونقل ذلك عن الحسن، وابن سيرين. • ولم يكره ذلك أكثر أهل العلم منهم: علقمة، وعطاء، وإسحاق، وابن المنذر، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة، والحنفية؛ لعدم وجود دليل يدل على الكراهة، ولأن المقصود هو التطهير، وهو حاصل بالجنب والحائض، ولأنه لا يشترط في الغاسل الطهارة. • وكرهه مالك للجنب دون الحائض؛ لإمكان الجنب أن يتطهر. قال أبو عبد الله غفر الله له: الأقرب عدم كراهة ذلك، ولا نعلم دليلًا يدل على الكراهة. (٢)

стр. 1650

مسألة [٦]: هل يصح تغسيل الصبي للجنازة ؟ • مذهب الحنفية والحنابلة الجواز، وهو مقتضى أقوال المالكية والشافعية، وهو الذي يظهر؛ لأنه تصح إمامته للناس، ويصح إذانه؛ فيصح منه هذا العمل، والله أعلم. • وعن أحمد: رواية بعدم صحته؛ لأنه فرض كفاية؛ فلا يقوم به إلا من يصح منه الفرض، وهذا مردود بما ذكرناه من صحة إمامته؛ فقد أمَّ عمرو بن سلمة الجرمي الناس في عهد النبي ﷺ ، وهو ابن سبع سنين. رواه البخاري، وقد تقدمت المسألة في باب الإمامة. (١) مسألة [٧]: هل يُغَسَّل الجنين ؟ أما إذا استهل الجنين صارخًا فيغسل بالإجماع، نقله ابن المنذر. • وأما إذا أسقط قبل الأربعة الأشهر؛ فلا يغسل عند الجمهور؛ إلا شيئًا روي عن ابن سيرين، وقال به بعض الحنفية. • وأما إذا أسقط لأربعة أشهر، وما فوق ذلك؛ فالأصح من قولي العلماء أنه يغسل، وهو قول الحنفية، والحنابلة، والشافعية. • وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يغسل، وهو قول المالكية، وبعض الحنفية، والشافعية. (٢)

стр. 1651

٥٣٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كُفِّنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سُحُولِيَّةٍ (١) مِنْ كُرْسُفٍ (٢)، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٣) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: حكم تكفين الميت . نقل النووي الإجماع في «شرح المهذب» (٥/ ١٢٨)، على أن تكفين الميت فرضُ كفاية. قلتُ: ويدل على الوجوب حديث ابن عباس المتقدم: «وكفنوه في ثوبيه»، وحديثه الذي سيأتي برقم (٥٣٢): «وكفنوا فيها موتاكم». مسألة [٢]: ما هو أقل ما يجزئ في الكفن ؟ • ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ أقل ما يجزئ هو ثوب واحد. • قال بعض الشافعية: ما يغطي عورته. • وقال الحنابلة وجماعة من الشافعية: ما يغطي جسده، وهذا القول أقرب؛ لحديث خباب بن الأرت في «البخاري» (١٢٧٦)، ومسلم (٩٤٠) في قصة مصعب بن عمير، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر بمصعب بن عمير أن يكفن ببردته، وتجعل

стр. 1652

مما يلي رأسه، ويجعل على رجليه من الإذخر. • وذهب بعض الحنابلة إلى وجوب ثلاثة أثواب؛ لحديث عائشة، وهذا غير صحيح. (١) مسألة [٣]: في كم يُكفن الرجل استحبابًا ؟ • جمهور العلماء على استحباب ثلاثة أثواب -لفائف- ليس فيها قميص، ولا عمامة؛ لحديث عائشة ﵂ الذي في الباب. • وذهب أبو حنيفة إلى استحباب إزار، ورداء، وقميص، وقد استُدِلَّ له بحديث ابن عمر ﵄، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كفَّنَ عبد الله بن أُبي بقميصه. ورُدَّ عليه بأنَّ ذلك كان تكرمة لولده عبد الله، حيث طلب ذلك من النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ومع ذلك فليس فيه ذكر الإزار، والرداء. والصحيح قول الجمهور. (٢) مسألة [٤]: في كم تُكفن المرأة استحبابًا ؟ • ذهب أكثر أهل العلم إلى أنها تكفن في خمسة أثواب، ثم اختلفوا في نوع الثياب، فمن قائلٍ: قميص، ومئزر، ولفافة، ومقنعة، وثوب يُشدُّ به فخذاها. ومن قائلٍ: إزار، ودرع، وخمار، ولفافتان. وقيل غير ذلك. وقد جاء في ذلك حديثٌ في «سنن أبي داود» (٣١٥٧) من حديث ليلى بنت قائف الثقفية، ولكن في سنده: نوح ابن حكيم، وهو مجهول؛ ولذلك فالرَّاجح أنَّ حكمها حكم الرجل، تكفن في

стр. 1653

ثلاثة أثواب -لفائف- تدرج فيها إدراجًا، وهو ترجيح الإمام الألباني ﵀ في «أحكام الجنائز» (ص ٦٥). (١) مسألة [٥]: تكفين الصبي . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٣/ ٣٨٧): قَالَ أَحْمَدُ: يُكَفَّنُ الصَّبِيُّ فِي خِرْقَةٍ، وَإِنْ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةٍ فَلَا بَأْسَ، وَكَذَلِكَ قَالَ إِسْحَاقُ، وَنَحْوُهُ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَغَيْرُهُمْ، لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّ ثَوْبًا يُجْزِئُهُ، وَإِنْ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةٍ فَلَا بَأْسَ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرٌ فَأَشْبَهَ الرَّجُلَ. اهـ مسألة [٦]: صفة التكفين . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٣/ ٣٨٤): وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤْخَذَ أَحْسَنُ اللَّفَائِفِ، وَأَوْسَعُهَا، فَيَبْسُطَها أَوَّلًا، ثُمَّ يَبْسُطُ الثَّانِيَةَ الَّتِي تَلِيهَا فِي الْحُسْنِ وَالسَّعَةِ عَلَيْهَا، وَيَجْعَلُ فَوْقَهَا حَنُوطًا وَكَافُورًا، ثُمَّ يَبْسُطُ فَوْقَهُمَا الثَّالِثَةَ، ثُمَّ يُحْمَلُ الْمَيِّتُ مَسْتُورًا بِثَوْبٍ، فَيُوضَعُ فِيهَا مُسْتَلْقِيًا؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنُ لِإِدْرَاجِهِ فِيهَا، وَيُجْعَلُ مَا عِنْدَ رَأْسِهِ أَكْثَرَ مِمَّا عِنْدَ رِجْلَيْهِ، وَيُجْعَلُ مِنْ الطِّيبِ عَلَى وَجْهِهِ، وَمَوَاضِعِ سُجُودِهِ، وَمَغَابِنِهِ ... ، ثُمَّ يَثْنِي طَرَفَ اللِّفَافَةِ الْعُلْيَا عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ يَرُدُّ طَرَفَهَا الْآخَرَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ، وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ ذَلِكَ؛ لِئَلَّا يَسْقُطَ عَنْهُ الطَّرَفُ الْأَيْمَنُ إذَا وُضِعَ عَلَى يَمِينه فِي الْقَبْرِ، ثُمَّ يَفْعَلُ بِالثَّانِيَةِ، وَالثَّالِثَةِ كَذَلِكَ، ثُمَّ يَجْمَعُ مَا فَضَلَ عِنْدَ رَأْسِهِ وَرِجْلَيْهِ، فَيُرَدَّ عَلَى وَجْهِهِ وَرِجْلَيْهِ، وَإِنْ خَافَ انْتِشَارَهَا؛ عَقَدَهَا، وَإِذَا وُضِعَ فِي الْقَبْرِ؛ حَلَّهَا، وَلَمْ يَخْرِقْ الْكَفَنَ. انتهى باختصار وحذف.

стр. 1654

٥٣١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُاللهِ بْنُ أُبَيٍّ جَاءَ ابْنُهُ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: أَعْطِنِي قَمِيصَك أُكَفِّنُهُ فِيهِ فَأَعْطَاهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: التكفين بالقميص . فيه دلالة على مشروعية التكفين في القميص. قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٣/ ٣٨٦): التَّكْفِينُ فِي الْقَمِيصِ، وَالْمِئْزَرِ، وَاللِّفَافَةِ غَيْرُ مَكْرُوهٍ، وَإِنَّمَا الْأَفْضَلُ الْأَوَّلُ، يعني بثلاث لفائف وَهَذَا جَائِزٌ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَلْبَسَ عَبْدَ الله بْنَ أُبَيٍّ قَمِيصَهُ لَمَّا مَاتَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٢)، فَيُؤْزَرُ بِالْمِئْزَرِ، وَيُلْبَسُ الْقَمِيصَ، ثُمَّ يُلَفُّ بِاللِّفَافَةِ بَعْدَ ذَلِكَ. اهـ

стр. 1655

٥٣٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «البَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمُ البَيَاضَ، فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: حكم التكفين بالثياب البيض . استحب أهل العلم أن يكون لون الكفن أبيض؛ لهذا الحديث المذكور، ولحديث عائشة المتقدم. وقال النووي ﵀ في شرح حديث عائشة (٩٤١): قولها (بِيْض) دليل لاستحباب التكفين في الأبيض، وهو مُجمعٌ عليه. اهـ

стр. 1656

٥٣٣ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحَسِّنْ كَفَنَهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: تحسين كفن الميت . قال النووي ﵀ في شرح الحديث: وَفِي الْحَدِيث الْأَمْر بِإِحْسَانِ الْكَفَن، قَالَ الْعُلَمَاء: وَلَيْسَ الْمُرَاد بِإِحْسَانِهِ السَّرَف فِيهِ، وَالْمُغَالَاة، وَنَفَاسَته، وَإِنَّمَا المرَاد: نَظَافَته، وَنَقَاؤُهُ، وَكَثَافَته، وَسَتْره، وَتَوَسُّطه، وَكَوْنه مِنْ جِنْس لِبَاسه فِي الْحَيَاة غَالِبًا، لَا أَفْخَر مِنْهُ، وَلَا أَحْقَر. اهـ

стр. 1657

٥٣٤ - وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ يَقُولُ: «أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟» فَيُقَدِّمُهُ فِي اللَّحْدِ. وَلَمْ يُغَسَّلُوا وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: إذا ضاق الكفن، أو قلَّت الأكفان ؟ قال ابن قدامة ﵀: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ الرَّجُلُ ثَوْبًا يَسْتُرُ جَمِيعَهُ، سَتَرَ رَأْسَهُ، وَجَعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ حَشِيشًا، أَوْ وَرَقًا. ثم استدل بحديث مصعب بن عمير ﵁. (٢) ثم قال: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا مَا يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ؛ سَتَرَهَا؛ لِأَنَّهَا أَهَمُّ فِي السَّتْرِ، بِدَلِيلِ حَالَةِ الْحَيَاةِ؛ فَإِنْ كَثُرَ الْقَتْلَى، وَقَلَّتْ الْأَكْفَانُ، كُفِّنَ الرَّجُلَانِ، وَالثَّلَاثَةُ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، كَمَا صُنِعَ بِقَتْلَى أُحُدٍ. اهـ (٣) مسألة [٢]: هل ينزع ما على الشهيد من ثياب وغيرها ؟ قال النووي ﵀ في «المجموع» (٥/ ٢٦٧): مذهبنا أنه يُزال ما عليه من حديد، وجلود، وجبة محشوة، وكل ما ليس من عام لباس الناس، ثم وَلِيُّه

стр. 1658

بالخيار: إن شاء كفنه بما بقي عليه مما هو من عام لباس الناس، وإن شاء نزعه وكفنه بغيره، وتركه أفضل كما سبق، وقال مالك، وأحمد: لا ينزع عنه فرو، ولا خف، ولا محشو، ولا يُخَيَّر وَلِيُّه في نزع شيء، ولأصحاب داود خلاف كالمذهبين، وأجمع العلماء على أن الحديد، والجلود ينزع عنه. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: وبقول الشافعية قال بعض الحنابلة، والصواب قول مالك، وأحمد، واختاره الإمام الألباني ﵀؛ لحديث جابر الذي في الباب: وأمرَ بدفنهم بدمائهم. (١) مسألة [٣]: هل يُغَسَّلُ شَهِيْد المعركة ؟ نقل البغوي في «شرح السنة» الاتفاق على عدم غسله (٥/ ٣٦٦). • ولكن نقل النووي، وابن قدامة الخلاف عن سعيد بن المسيب، والحسن، وعامة أهل العلم على عدم جواز غسله، واستدلوا على ذلك بشهداء أُحد؛ فإنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يغسلهم كما في حديث جابر الذي في الكتاب، وحديث جُلَيْبِيْب ﵁، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- دفنه ولم يغسله، أخرجه مسلم (٢٤٧٢) عن أبي برزة ﵁، وقصة حنظلة بن أبي عامر أنه غسلته الملائكة. أخرجه ابن حبان (٧٠٢٥) عن عبدالله بن الزبير ﵄ بإسناد حسن، وهو في «الصحيح المسند» (٥٧٥) وهذا القول هو الصحيح، والله أعلم. (٢)

стр. 1659

مسألة [٤]: هل يُغَسَّل إذا كان جنبًا ؟ • ذهب طائفة من أهل العلم إلى تغسيله، وهو قول الحنابلة، وأبي حنيفة، وقول للشافعي، واستدلوا على ذلك بأنَّ حنظلة لما كان جُنبًا غسلته الملائكة. • وذهب جماعة من أهل العلم إلى عدم تغسيله، وهو قول مالك، والشافعي في أحد قوليه، وهو رواية عن أحمد، وهذا القول هو الصواب؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يغسل شهداء أحد، ولم يستثن من كان جُنُبًا، ولم يستفصل في ذلك، وقد رجَّح هذا القول الإمام ابن عثيمين ﵀. (١) مسألة [٥]: هل يصلى على شهيد المعركة ؟ • ذهب جمهور العلماء إلى المنع من الصلاة عليه، واستدلوا بحديث جابر بن عبد الله ﵄ الذي في الكتاب. • وذهب الثوري، وأبو حنيفة، والمزني، وإسحاق إلى أنه يصلى عليه، واستدلوا على ذلك بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ورد عنه أنه صلى على حمزة مع شهداء أُحُد ﵃، (٢) واستدلوا بحديث عقبة بن عامر ﵁ في «الصحيحين» (٣) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- خرج قبل موته بأيام فصلى على شهداء أحد صلاته على الميت، ثم صعد المنبر .... الحديث، واستدلوا بحديث شداد بن الهاد ﵁ أنَّ أعرابيًّا أسلم، ثم قتل في المعركة، فصلى

стр. 1660

عليه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وهو عند النسائي (٤/ ٦٠) بإسناد صحيح، وصححه شيخنا الوادعي ﵀ في «الصحيح المسند» (٤٧٤). وقد ردَّ الجمهور على هذه الأدلة بأن حديث صلاته على حمزة ضعيفٌ، منكرٌ، قال الشافعي ﵀ كما في «الفتح» (١٣٤٣): جَاءَتْ الْأَخْبَار كَأَنَّهَا عِيَان مِنْ وُجُوه مُتَوَاتِرَة أَنَّ النَّبِيّ ﷺ لَمْ يُصَلِّ عَلَى قَتْلَى أُحُد، وَمَا رُوِيَ أَنَّهُ صَلَّى عَلَيْهِمْ، وَكَبَّرَ عَلَى حَمْزَة سَبْعِينَ تَكْبِيرَة لَا يَصِحّ، وَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لِمَنْ عَارَضَ بِذَلِكَ هَذِهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة أَنْ يَسْتَحِي عَلَى نَفْسه. قَالَ: وَأَمَّا حَدِيث عُقْبَة بْن عَامِر؛ فَقَدْ وَقَعَ فِي نَفْس الْحَدِيث أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْد ثَمَان سِنِينَ، يَعْنِي وَالْمخَالِف يَقُول: لَا يُصَلَّى عَلَى الْقَبْر إِذَا طَالَتْ الْمدَّة. قَالَ وَكَأَنَّهُ ﷺ دَعَا لَهُمْ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ حِين عَلِمَ قُرْب أَجَله مُوَدِّعًا لَهُمْ بِذَلِكَ. اهـ وقد أوَّل الجمهور حديث عقبة بنفس تأويل الشافعي، بأنَّ المقصود أنه دعا لهم كدعائه للموتى، ويدل على هذا التأويل أنَّ الصلاة على القبر لا تقع بعد هذه المدة عند المخالفين كما تقدم من كلام الشافعي، وكذلك ظاهر الحديث أنَّ الدعاء كان في المسجد، والصلاة تكون عند القبر. وأما حديث شداد؛ فقد أُجيب عنه بأنه مرسل، وليس بصحيح، بل هو حديث صحيحٌ، متصلٌ. • وقد ذهب الإمام أحمد إلى مشروعية الصلاة على الشهيد، وظاهر كلامه أنَّ الترك أفضل؛ لفعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في غالب الشهداء، ودليل الجواز حديث شداد بن الهاد.

стр. 1661

• وقد ذهب إلى التخيير الحافظ ابن القيم في «تهذيب السنن» (٤/ ٢٩٥)، والإمام الألباني في «أحكام الجنائز» (٨٠)، وهذا القول هو الصواب في هذه المسألة، والله أعلم. (١) مسألة [٦]: الصبي الشهيد . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٣/ ٤٧٠): وَالْبَالِغُ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ المُنْذِرِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَثْبُتُ حُكْمُ الشَّهَادَةِ لِغَيْرِ الْبَالِغِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ. وَلَنَا: أَنَّهُ مُسْلِمٌ قُتِلَ فِي مُعْتَرَكِ المُشْرِكِينَ بِقِتَالِهِمْ، أَشْبَهَ الْبَالِغَ. ثم قال: وَالْحَدِيثُ عَامٌّ فِي الْكُلِّ، وَمَا ذَكَرَهُ -يعني أبا حنيفة- يَبْطُلُ بِالنِّسَاءِ. اهـ يعني أنَّ النساء لسن من أهل القتال، ومع ذلك فيثبت لها حكم الشهادة إذا قُتِلت في المعركة. وما صوَّبه ابن قدامة هو الصحيح، وهو قول الجمهور عزاه إليهم النووي ﵀ كما في «شرح المهذب» (٥/ ٢٦٦)، وقال: دَلِيْلُنُا أَنَّهُ مُسْلِمٌ قُتِلَ فِي مُعْتَرَكِ المشْرِكِيْنَ بِسَبَبِ قِتَالِهم، فَأَشْبَهَ البَالِغَ وَالمرْأَةَ. اهـ

стр. 1662

فَصْل فِي ذِكْرِ بَعْض المَسَائِل المُلْحَقَة مسألة [١]: من مات في أرض المعركة بسبب دابة، أو سقوط، أو عاد عليه سلاحه ؟ • قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٥/ ٢٦٧): مذهبنا أنه لا يغسل، ولا يصلى عليه، وكذا لو وُجِدَ ميتًا، ولا أثر عليه. • وقال مالك، وأبو حنيفة، وأحمد: يغسل، ويصلى عليه. قلتُ: وقد قال بقول الشافعية بعض الحنابلة، وهو رواية عن أحمد، وقال به ابن حزم في «المحلى» (٥٦٢)، وهو أقرب إلى الصواب؛ لأنه قُتل، أو مات في معترك المشركين بسبب قتالهم، وقد قُتل والد حذيفة ﵄ يوم أحد خطأً من المسلمين، ولم يستثنه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من شهداء أُحُد بغسله، والصلاة عليه، والله أعلم. (١) مسألة [٢]: من جُرِح في أرض المعركة، ثم حمل ومات بعد ذلك ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٣/ ٤٧٢): وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ مَتَى طَالَتْ حَيَاتُهُ بَعْدَ حَمْلِهِ؛ غُسِّلَ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ، وَإِنْ مَاتَ فِي المُعْتَرَكِ، أَوْ عَقِبَ حَمْلِهِ، لَمْ يُغَسَّلْ، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ، وَنَحْوُ هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، قَالَ: إنْ أَكَلَ، أَوْ شَرِبَ، أَوْ بَقِيَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً غُسِّلَ. وَقَالَ أَحْمَدُ فِي مَوْضِعٍ: إنْ تَكَلَّمَ، أَوْ أَكَلَ، أَوْ شَرِبَ؛

стр. 1663

صُلِّيَ عَلَيْهِ. وَقَوْلُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ نَحْوٌ مِنْ هَذَا، وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ المجْرُوحِ إذَا بَقِيَ فِي المُعْتَرَكِ يَوْمًا إلَى اللَّيْلِ ثُمَّ مَاتَ؟ فَرَأَى أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ. وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: إنْ مَاتَ حَالَ الْحَرْبِ لَمْ يُغَسَّلْ وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا. وَالصَّحِيحُ: التَّحْدِيدُ بِطُولِ الْفَصْلِ، أَوْ الْأَكْلِ؛ لِأَنَّ الْأَكْلَ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ ذِي حَيَاةٍ مُسْتَقِرَّةٍ، وَطُولُ الْفَصْلِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ ثَبَتَ اعْتِبَارُهُ فِي كَثِيرٍ مِنْ المَوَاضِع، وَأَمَّا الْكَلَامُ وَالشُّرْبُ، وَحَالَةُ الْحَرْبِ، فَلَا يَصِحُّ التَّحْدِيدُ بِشَيْءٍ مِنْهَا. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: الذي صححه ابن قدامة ﵀ اختاره المجد ابن تيمية، وصححه ابن تميم، وقال صاحب «الإنصاف»: وهو عين الصواب، وقد رجَّح هذا الإمام ابن عثيمين ﵀، وهو الصحيح إن شاء الله، والله أعلم. ويدل على الصلاة عليه، وتغسيله إذا طال الفصل ما هو مشهور في السيرة أن سعد بن معاذ تأخر موته بعد أن رُمِيَ في غزوة الخندق أيامًا، فغسَّله النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وصلَّى عليه. ويدل على عدم اعتبار الكلام أنَّ عمرو بن أقيش استشهد بأحُد، وحُمِلَ إلى أخته جريحًا، فأتاه سعد بن معاذ، فقال: أقاتلت غضبًا لله ولرسوله، أم لقومك؟ فقال: بل لله ولرسوله. فمات؛ فدخل الجنة، (١) ولم يُنقل أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- استثناه من شهداء أحد بالغسل، والصلاة، والله أعلم. (٢)

стр. 1664

مسألة [٣]: مَنْ قُتِل من البغاة ؟ • ذهب أكثر العلماء إلى أنه يصلى عليهم، ويغسلون، وهو قول أحمد، والشافعي، ومالك، وداود وأصحابهم؛ إلا أنَّ مالكًا قال: لا يُصلِّي عليهم الإمام، وأهل الفضل. • وذهب أبو حنيفة إلى أنهم لا يغسلون، ولا يُصَلَّى عليهم. والصواب هو القول الأول؛ لأنهم بُغاة، وليسوا بشهداء. (١) مسألة [٤]: إذا قتل البغاة رجلا من أهل العدل الذين يقاتلون مع الإمام ؟ • الأصح عند الشافعية أنه يغسل، ويصلى عليه، وهو قول مالك، وأحمد في رواية. • وذهب بعض الشافعية، وأبو حنيفة إلى أنه لا يغسل ولا يصلى عليه، وهو الأصح عن أحمد. والقول الثاني هو الراجح، وقد صحَّ هذا القول عن عمار ﵁ كما في «سنن البيهقي» (٤/ ١٧)، وصحَّ عن زيد بن صوحان أنه أوصى بذلك في معركة صفين، ولم ينكره علي ﵁. (٢) مسألة [٥]: المطعون والمبطون، والغريق، وصاحب الهدم . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٣/ ٤٧٦): فَأَمَّا الشَّهِيدُ بِغَيْرِ قَتْلٍ، كَالمَبْطُونِ، وَالمَطْعُونِ، وَالْغَرِقِ، وَصَاحِبِ الْهَدْمِ، وَالنُّفَسَاءِ؛ فَإِنَّهُمْ يُغَسَّلُونَ،

стр. 1665

وَيُصَلَّى عَلَيْهِمْ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، إلَّا مَا يُحْكَى عَنْ الْحَسَنِ: لَا يُصَلَّى عَلَى النُّفَسَاءِ؛ لِأَنَّهَا شَهِيدَةٌ. وَلَنَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا، فَقَامَ وَسَطَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، (١) وَصَلَّى عَلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، وَهُوَ شَهِيدٌ، وَصَلَّى المُسْلِمُونَ عَلَى عُمَرَ، وَعَلِيٍّ ﵄، وَهُمَا شَهِيدَانِ. اهـ مسألة [٦]: من قُتِل ظلمًا، أو قُتِل دون ماله، أو نفسه، أو أهله ؟ • قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٣/ ٤٧٥): فَأَمَّا مَنْ قُتِلَ ظُلْمًا، أَوْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ، أَوْ دُونَ نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: يُغَسَّلُ. اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَمَالِكٍ؛ لِأَنَّ رُتْبَتَهُ دُونَ رُتْبَةِ الشَّهِيدِ فِي الْمُعْتَرَكِ، فَأَشْبَهَ الْمَبْطُونَ؛ وَلِأَنَّ هَذَا لَا يَكْثُرُ الْقَتْلُ فِيهِ، فَلَمْ يَجُزْ إلْحَاقُهُ بِشُهَدَاءِ الْمُعْتَرَكِ. وَالثَّانِيَةُ: لَا يُغَسَّلُ، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَإِسْحَاقَ فِي الْغُسْلِ؛ لِأَنَّهُ قُتِلَ شَهِيدًا، أَشْبَهَ شَهِيدَ الْمُعْتَرَكِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ».اهـ (٢) قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب أنه يُصلَّى عليه؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إنما ترك الصلاة على شهيد المعركة، وأما غيره من الشهداء، فيبقون على الأصل، وهو وجوب الغسل، والصلاة عليهم، والله أعلم.

стр. 1666

مسألة [٧]: التكفين، ومؤن التجهيز . قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٥/ ١٨٩): تكفين الميت، وسائر مؤنة تجهيزه يحسب من رأس ماله، سواءٌ كان موسرًا، أو غيره. ثم ذكر أنَّ هذا مذهب عامة أهل العلم؛ إلا خِلاس بن عمرو، فقال: من ثلث التركة. وقال طاوس: إن كان المال قليلًا؛ فمن الثلث، وإلا فمن رأس المال. دليلنا: حديث المحرم؛ فإن النبي ﷺ لم يسأل: هل أوصى بالثلث، أم لا؟.اهـ مسألة [٨]: كفن الزوجة . • الأصح عند الشافعية أنه على الزوج، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وذلك لأنَّ الزوج تجب عليه النفقة، والكسوة؛ فوجب عليه تجهيزها، وقد قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لعائشة: «لو مت قبلي لهيأتك، ودفنتك»، (١) وفي رواية: «وكفنتك»، وهذا القول رواية عن أحمد اختارها بعض أصحابه. • وذهب الشعبي، ومحمد بن الحسن، وأحمد، ورُوي عن مالك، أنَّ كفن الزوجة من مالها؛ فإنْ لم يكن لها مال؛ فعلى أوليائها، وذلك لأنَّ الزوج كان ينفق عليها مقابل الخدمة، والاستمتاع، وقد انقطع ذلك بموتها. قلتُ: القول الأول هو الصواب؛ لما تقدم، والزوج تجب عليه النفقة إذا كانت امرأته مريضة مع كونها لا تخدمه، وكذلك إذا كان مسافرًا، ونحو ذلك. (٢)

стр. 1667

٥٣٥ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: سَمِعْت النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا تُغَالُوا فِي الكَفَنِ؛ فَإِنَّهُ يُسْلَبُ سَرِيعًا» رَوَاهُ أَبُودَاوُد. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: حكم المغالاة في الكفن . فيه كراهة المغالاة في الكفن، وقد كره أهل العلم الإسراف فيه. والحديث وإن لم يصح؛ فقد دلَّ على النهي عن ذلك حديث المغيرة بن شعبة ﵁، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إن الله حرَّم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعًا وهات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال». (٢) وهو دليل يدل على تحريم ذلك إذا وصل إلى حدِّ الإسراف، والتبذير، والله أعلم.

стр. 1668

٥٣٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: «لَوْ مُتِّ قَبْلِي فَغَسَلْتُك» ... الحَدِيثَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (١) ٥٣٧ - وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ ﵂: أَنَّ فَاطِمَةَ ﵂ أَوْصَتْ أَنْ يُغَسِّلَهَا عَلِيٌّ ﵁. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين مسألة [١]: من هو الأولى في غسل الميت ؟ أولى الناس في غسل الميت وَصِيُّهُ إنْ كان أوصى، ثم يُقدَّم الأقرب فالأقرب إلى الميت. قال الشيرازي ﵀ في «المهذب» كما في «المجموع» (٥/ ١٢٩): فإن كان الميت رجلًا لا زوجة له؛ فأولى الناس بغسله الأب، ثم الجد، ثم الابن، ثم ابن الابن، ثم الأخ، ثم ابن الأخ، ثم العم، ثم ابن العم. انتهى المراد. وقال ﵀ كما في «المجموع» (٥/ ١٣٢): وإن ماتت امرأة، ولم يكن لها

стр. 1669

زوجٌ؛ غسلها النساء، وأولاهن ذات رحم، ثم ذات رحم غير محرم، ثم الأجنبية. انتهى المراد. وقال صاحب «الإنصاف» (٢/ ٤٥١): وأما الأقارب فأحق الناس بغسلها أمها، ثم أمهاتها وإن علت، ثم بنتها وإن نزلت، ثم القربى، وعمتها، وخالتها سواء؛ لاستوائهما في القرب والمحرمية، وكذا بنت أخيها، وبنت أختها على الصحيح من المذهب. انتهى المراد. مسألة [٢]: هل للمرأة أن تغسل زوجها ؟ نقل ابن المنذر الإجماع على أنَّ للمرأة أنْ تُغسِّل زوجها. وقال أحمد: ليس فيه اختلاف بين الناس. ونقل الإجماع أيضًا النووي، وابن قدامة، ويدل عليه حديث أسماء بنت عميس الذي في الكتاب، وكذلك حديث عائشة في «مسند أحمد» وغيره بإسناد حسن، قالت: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسَّل رسول الله ﷺ إلا نساؤه، (١) وثبت عن أبي بكر ﵁ أنه غسلته امرأته أسماء بنت عميس (٢). (٣)

стр. 1670

مسألة [٣]: هل للرجل أن يغسل امرأته ؟ • ذهب جمهور العلماء إلى الجواز، واستدلوا بحديث عائشة المذكور في الكتاب. • وذهب أبو حنيفة، والثوري، وأحمد في رواية عنه إلى عدم الجواز؛ لأنَّ الموت فُرقة تُبيح للرجل أختها، وأربعًا سواها، فَحرَّمت النظر، واللمس كالطلاق. قال ابن قدامة ﵀ رادًّا عليهم: مَا قَاسُوا عَلَيْهِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الزَّوْجَةَ مِنْ النَّظَرِ، وَهَذَا بِخِلَافِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ إلَّا بَقَاءُ الْعِدَّةِ، وَلَا أَثَرَ لَهَا، بِدَلِيلِ، مَا لَوْ مَاتَ المُطَلِّقُ ثَلَاثًا؛ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهَا غَسْلُهُ مَعَ الْعِدَّةِ. اهـ قلتُ: والصواب القول الأول، والله أعلم. (١) مسألة [٤]: إذا طلق امرأته ثم مات أحدهما ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٣/ ٤٦٢): فَإِنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا فِي الْعِدَّةِ، وَكَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا، فَحُكْمُهُمَا حُكْمُ الزَّوْجَيْنِ قَبْلَ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهَا زَوْجَةٌ تَعْتَدُّ لِلْوَفَاةِ، وَتَرِثُهُ وَيَرِثُهَا، وَيُبَاحُ لَهُ وَطْؤُهَا، وَإِنْ كَانَ بَائِنًا؛ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ اللَّمْسَ وَالنَّظَرَ مُحَرَّمٌ حَالَ الْحَيَاةِ، فَبَعْدَ الْمَوْتِ أَوْلَى. اهـ

стр. 1671

بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة مسألة [١]: هل يجوز للرجل أن يُغَسِّل امرأةً غير زوجته ؟ • ذهب أكثر العلماء إلى عدم الجواز، قاله ابن قدامة، وسواءٌ كانت المرأة محرمًا له، أو أجنبية. • وذهب الحسن، ومحمد، ومالك، والأوزاعي، والشافعية إلى جواز تغسيل الرجل لذات محرم عند الضرورة. قال الأوزاعي كما في الأوسط: يصبوا عليها صبًّا. قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصحيح، وأما إذا اضطروا لذلك، فسيأتي بيان ما هو العمل في المسألة التي بعدها. (١) مسألة [٢]: إذا مات الرجل بين نسوةٍ أجانب، والعكس ؟ • في هذه المسألة ثلاثة أقوال: الأول: يُيَمَّم، وهو قول سعيد، وعطاء في رواية، والنخعي، وحماد، ومالك، وأصحاب الرأي، وابن المنذر، وهو الأصح عند الشافعية، وأحمد في رواية، واختاره الإمام ابن باز ﵀. الثاني: يُغَسَّل من فوق القميص، وهو قول الحسن، والزهري، وقتادة،

стр. 1672

والنخعي، وعطاء في رواية، وإسحاق، وبعض الشافعية، وهو رواية عن أحمد، واختاره ابن حزم. وجاء عن ابن عمر ﵄، أنه قال: ترمس بالماء. أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٢٤٩)، وفي إسناده مطر الوراق، وفيه ضعف. الثالث: يُدفن بدون غسل وتيمم، وهو قول الأوزاعي، وعطاء في رواية. قال أبو عبد الله غفر الله له: الراجح القول الثاني؛ للقدرة على استعمال الماء من فوق القميص، وقد فُعِل ذلك برسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فيُفعل في غيره للضرورة، والحاجة، والله أعلم. (١) مسألة [٣]: هل للمرأة أن تُغَسِّل الصبي ؟ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ﵀: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ تُغَسِّلُ الصَّبِيَّ الصَّغِيرَ. اهـ قلتُ: وتبعه في نقل الإجماع النووي، وابن قدامة، ثم اختلفوا في تعيين سن الصبي، فقَالَ الْحَسَنُ: تَغْسِلُه إذَا كَانَ فَطِيمًا، أَوْ فَوْقَهُ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: ابْنُ أَرْبَعٍ، أَوْ خَمْسٍ. وقَالَ أَحْمَدُ ومالكُ: لَهُنَّ غَسْلُ مَنْ لَهُ دُونَ سَبْعِ سِنِينَ. وقال إسحاق: ابن ثلاث إلى خمس. وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: تُغَسِّله مَالَمْ يَتَكَلَّمْ. وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: تُغَسِّلْه مَالَمْ يَبْلُغ حَدًّا يُشْتَهَى. وهذا القول أقربُ، وَاللهُ أَعْلَم. (٢)

стр. 1673

مسألة [٤]: هل للرجل أن يغسل الصغيرة ؟ • كره بعض أهل العلم ذلك، منهم: سعيد، والزهري، وأحمد، وأجرى النووي الخلاف السابق في هذه المسألة أيضًا. • وظاهره أنَّ ذلك جائزٌ عند الجمهور، وهو الصواب، وحَدُّ الصغيرة ما تقدم عند الشافعية أنْ لا تبلغ حدًّا تُشْتَهَى فيه، فإذا بلغت هذا الحد؛ فلا يغسلها إلا النساء. (١) مسألة [٥]: إذا كان الميت خنثى مُشكِلا، فمن يغسله ؟ قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٥/ ١٤٧ - ١٤٨): إذا مات الخنثى المشكل؛ فإنْ كان هناك محرم له من الرجال، أو النساء؛ غسله بالاتفاق. • وإن لم يكن له محرم منهما؛ فإن كان الخنثى صغيرًا؛ جاز للرجال والنساء جميعًا غسله بالاتفاق، -وإنْ كان كبيرًا، فذكر النووي قولين للشافعية: أحدهما: ييمم. قال: وأصحهما: الغسل من فوق ثوب باتفاق الأصحاب. انتهى بتصرف. قلتُ: والقول بالتيمم هو قول الحنابلة والحنفية، والصحيح أنه يغسل من فوق القميص، وكذلك في الصورة الأولى إنْ كان المغسِّل رجلًا من محارمه؛ فالأقرب أنه يغسله من فوق القميص، والله أعلم. (٢)

стр. 1674

مسألة [٦]: هل يغسل المسلم الكافر ؟ • قال الإمام النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٥/ ١٥٣): مذهبنا أنَّ للمسلم غسله، ودفنه، واتباع جنازته، ونقله ابن المنذر عن أصحاب الرأي، وأبي ثور. • وقال مالك، وأحمد: ليس للمسلم غسله، ولا دفنه. ولكن قال مالك: يُوَارَى. اهـ قلتُ: وقال أحمد أيضًا بمواراته. وقول مالك، وأحمد هو الصواب؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة:٨٤]، وعند أن مات عمه أبو طالب لم يغسله، ولم يدفنه، ولكن قال لعلي ﵁: «اذهب، فَوَارِه»، (١) وعند أن قتل يوم بدر جماعة من المشركين أمر بهم، فسُحِبوا إلى طوي من أطواء بدر (٢). (٣) مسألة [٧]: هل يجزئ تغسيل الكافر للمسلم ؟ • مذهب الشافعية، وسفيان، ومكحول صحة ذلك. • وذهب أحمد وأصحابه إلى عدم صحته؛ لأنه عبادة، وليس الكافر من أهلها، وهذا القول هو الصحيح، ولا يسقط الوجوب عن المسلمين بفعل الكافر، كما لا يسقط بفعل المجنون. (٤)

стр. 1675

مسألة [٨]: إذا كان المسلم متزوجًا ذمية، فمات أحدهما ؟ • قلتُ: هو مبني على الخلاف السابق؛ ولذلك قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٣/ ٤٦٣): وَإِنْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ ذِمِّيَّةً، فَلَيْسَ لَهَا غَسْلُ زَوْجِهَا؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يُغَسِّلُ الْمُسْلِمَ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ وَاجِبَةٌ فِي الْغُسْلِ، وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، وَلَيْسَ لِزَوْجِهَا غَسْلُهَا؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُغَسِّلُ الْكَافِرَ، وَلَا يَتَوَلَّى دَفْنَهُ، وَلِأَنَّهُ لَا مِيرَاثَ بَيْنَهُمَا، وَلَا مُوَالَاةَ، وَقَدْ انْقَطَعَتْ الزَّوْجِيَّةُ بِالْمَوْتِ، وَيَتَخَرَّجُ جَوَازُ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ غَسْلِ الْمُسْلِمِ الْكَافِرَ. اهـ مسألة [٩]: هل للمرأة أن تغسل الرجل من محارمها ؟ • ذكر النووي ﵀ في «المجموع» (٥/ ١٣١)، أنَّ الشافعية يقولون: يجوز للنساء المحارم غسله، وهُنَّ مؤخرات عن الرجال الأقارب والأجانب، والزوج؛ لأنهن في حقه كالرجال. اهـ قلتُ: وما ذكره النووي ﵀ هو مذهب المالكية، والحنابلة أيضًا. (١)

стр. 1676

٥٣٨ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ -فِي قِصَّةِ الغَامِدِيَّةِ الَّتِي أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجْمِهَا فِي الزِّنَا- قَالَ: ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَصُلِّيَ عَلَيْهَا وَدُفِنَتْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: هل يصلى على المقتول حدًّا، أو قِصاصًا ؟ • قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٥/ ٢٦٧): يغسل ويصلى عليه عندنا، وذلك واجب، وحكاه ابن المنذر عن علي بن أبي طالب (٢)، وجابر بن عبدالله (٣)، وعطاء، والنخعي، والأوزاعي، وإسحاق، وأبي ثور، وأصحاب الرأي. • وقال الزهري: يُصَلَّى على المقتول قصاصًا دون المرجوم. • وقال مالك ﵀: لا يصلي الإمام على واحد منهما، وتصلي عليه الرعية. اهـ قلتُ: والصواب أنه يُصلَّى عليه، ويغسل وجوبًا كما قال النووي ﵀.

стр. 1677

٥٣٩ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: من قتل نفسه، فهل يُصلَّى عليه ؟ • قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٥/ ٢٦٧): من قتل نفسه، أو غَلَّ في الغنيمة؛ يغسل ويصلى عليه عندنا، وبه قال أبو حنيفة، ومالك، وداود. • وقال أحمد: لا يُصَلي عليهما الإمام، وتصلي بقية الناس. اهـ قلتُ: وممن قال بالصلاة عليه الحسن، والنخعي، وقتادة. • وذهب عمر بن عبد العزيز والأوزاعي إلى ترك الصلاة عليه لعصيانه، وحديث الباب يدل على قول أحمد، ولكن ذلك على سبيل الزجر، وإلا فلو صلَّى عليه كقول الجمهور؛ فلا بأس. (٢)

стр. 1678

٥٤٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ -فِي قِصَّةِ المَرْأَةِ الَّتِي كَانَتْ تَقُمُّ المَسْجِدَ فَسَأَلَ عَنْهَا النَّبِيُّ ﷺ [فَقَالُوا: مَاتَتْ فَقَالَ: «أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي؟» فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا]، (١) فَقَالَ: «دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهَا» فَدَلُّوهُ فَصَلَّى عَلَيْهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٢) وَزَادَ مُسْلِمٌ: ثُمَّ قَالَ: «إنَّ هَذِهِ القُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا وَإِنَّ اللهَ يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ». (٣) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: الصلاة على القبر . • ذهب إلى مشروعية الصلاة على القبر جمهور العلماء، وهو مذهب أحمد، والشافعي، والظاهرية، واستدلوا بحديث أبي هريرة ﵁، الذي في الباب، وقد جاء في الصلاة على القبر عن ابن عباس ﵄، في «الصحيحين» (٤)، وعن أنس ﵁ في «مسلم» (٥)، وعن غيرهم خارج «الصحيح»، وسواءٌ كان قد صُلِّي عليه أم لا،

стр. 1679

وهذا القول هو الصحيح. • وثبت عن عائشة ﵂، أنها صلت على قبر أخيها عبد الرحمن بعد ما دفن. أخرجه عبد الرزاق (٣/ ٥١٨)، وابن أبي شيبة (٣/ ٥١٨)، وابن المنذر (٥/ ٤١٢) بإسناد صحيح. وثبت عن ابن عمر ﵄، أنه صلى على أخيه عاصم بعد ما دفن بثلاثة أيام. أخرجه ابن المنذر (٥/ ٤١٢) بإسناد صحيح. • وذهب أبو حنيفة، ومالك، والثوري، وقبلهم النخعي إلى عدم الصلاة على القبر، وادَّعوا الخصوصية، ولا دليل على هذه الدعوى؛ إلا أنَّ أبا حنيفة استثنى من دُفِنَ بغير صلاة، فقال: يُصلَّى عليه ما بين دفنه إلى ثلاثة أيام. (١) مسألة [٢]: ما هو الحد الذي يُصَلَّى فيه على القبر ؟ • اختلف الجمهور في الحد الذي تجوز الصلاة فيه على القبر، فمنهم من قال: إلى شهر، وهو قول أحمد وأصحابه. واستدلوا بحديث أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صلَّى على قبر أم سعد بن عبادة بعد شهر، وهو حديث ضعيفٌ، أخرجه الترمذي (٢)

стр. 1680

عن سعيد بن المسيب مرسلًا، وهو قول إسحاق أيضًا، قاله الترمذي. وأخرج ابن المنذر بإسنادٍ صحيحٍ عن عائشة ﵂، أن صلاتها على أخيها كانت بعد شهر. قال ﵀: حدثنا يحيى، قال: ثنا أبو الربيع، قال: ثنا حماد، قال: ثنا أيوب، عن ابن أبي مليكة، قال: قدمت عائشة بعد موت أخيها بشهر، فقالت: أين قبر أخي؟ فأتت فصلت عليه. وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات أثبات. • ومنهم من قال: يُصَلَّى عليه أبدًا. واختاره ابن عقيل الحنبلي، وهو قول ابن حزم. • وقال بعضهم: يُصَلَّى عليه مالم يَبْلَ جسده. • وقال أبو حنيفة: يصلي عليه الولي إلى ثلاث. وقال إسحاق: يصلي عليه الغائب إلى شهر، والحاضر إلى ثلاث. • وذهب الشافعية في الأصح عندهم إلى أنَّ ذلك يختص بمن كان من أهل الصلاة عليه حين موته. وهذا القول رجَّحه الشيخ الإمام ابن عثيمين ﵀. (١)

стр. 1681

٥٤١ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَنْهَى عَنِ النَّعْيِ (١). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. (٢) ٥٤٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَعَى النَّجَاشِيَّ فِي اليَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَخَرَجَ بِهِمْ إلَى المُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ، وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٣) المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين مسألة [١]: حكم نعي الميت . قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٢٤٥): إنَّ النعي ليس ممنوعًا كله، وإنما نُهِي عمَّا كان أهل الجاهلية يصنعونه، فكانوا يرسلون من يُعلِن بخبر الميت على أبواب الدور، والأسواق. اهـ وقال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٥/ ٢١٦): والصحيح الذي تقتضيه الأحاديث الصحيحة التي ذكرناها وغيرها: أن الإعلام بموته لمن لم يعلم؛ ليس بمكروه، بل إنْ قُصِدَ به الإخبار؛ لكثرة المصلين؛ فهو مستحب، وانما يُكره ذِكْرُ المآثر، والمفاخر، والتطواف بين الناس بذكره بهذه الأشياء، وهذا نعي الجاهلية

стр. 1682

المنهي عنه، فقد صحت الأحاديث بالإعلام؛ فلا يجوز إلغاؤها، وبهذا الجواب أجاب بعض أئمة الفقه، والحديث المحققين، والله أعلم. اهـ قلتُ: كلام النووي كلامٌ جيد جدًّا، ومما يدل على الإعلام حديث أبي هريرة المتقدم: «أفلا كنتم آذنتموني»، وفي حديث ابن عباس ﵄، في «البخاري» (١٢٤٧) في رجلٍ آخر قال: «ما منعكم أن تُعلِموني». وأما نعي الجاهلية؛ فيدل على عدم جوازه قولُه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه؛ فهو رد»، ومع ما في ذلك من الفخر، والمباهاة المعلوم تحريمها من أدلة كثيرة، والله أعلم. مسألة [٢]: الصلاة على الغائب . • في المسألة ثلاثة أقوال: القول الأول: مشروعية الصلاة على الغائب، وهو قول أحمد، والشافعي، واستدلوا بحديث أبي هريرة الذي في الكتاب. القول الثاني: عدم مشروعيتها، وهو قول أبي حنيفة، ومالك، وادَّعوا خصوصية ذلك بالنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. القول الثالث: يُصلَّى عليه إن كان في أرضٍ لم يصل عليه فيها أَحَدٌ، وهذا القول اختاره جماعة من الحنابلة، منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية، واختاره بعض الشافعية، كالخطابي، والروياني، وهو ظاهر تبويب أبي داود، فقد بوب في «سننه»:

стр. 1683

[باب في الصلاة على المسلم يموت في بلاد الشرك]، وهو ظاهر اختيار ابن القيم في «زاد المعاد»، ونصر هذا القول الإمام الألباني، وهو ترجيح شيخنا مقبل الوادعي رحمة الله عليهما، وهو الصواب، والله أعلم. (١) فائدة: قال الحافظ ابن حجر ﵀: أجمع كل من أجاز الصلاة على الغائب أن ذلك يسقط فرض الكفاية إلا ما حكي عن ابن القطان أحد أصحاب الوجوه من الشافعية أنه قال: يجوز ذلك، ولا يسقط الفرض. مسألة [٣]: إذا غرق الميت، وأكلته الحيتان، أو أكلته السباع، فهل يُصَلَّى عليه صلاة الغائب ؟ • ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يُصَلَّى عليه صلاة الغائب؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عند أن تُوُفِّيَ النجاشي صلَّى عليه صلاةَ الغائب للحاجة إلى ذلك؛ لأنَّه تُوُفِّي في أرض المشركين، ولم يُصَلَّ عليه، ومقتضى ذلك جوازه في من أكلته السباع. (٢) مسألة [٤]: حكم الصلاة على الميت . نقل النووي -رحمه الله تعالى- الإجماع على وجوب الصلاة على الميت، قال: إلا ما حُكِي عن بعض المالكية أنه جعلها سنة وهذا المروي عن بعض المالكية مردود. اهـ. (٣) قلتُ: ويدل على الوجوب قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في النجاشي: «إنَّ أخًا لكم قد مات، فقوموا فصلوا عليه»، رواه مسلم (٩٥٣)، من حديث عمران بن حصين ﵄،

стр. 1684

وقوله: «صلوا على أخٍ لكم مات بغير أرضكم»، قالوا: من هو؟ قال: «النجاشي»، أخرجه ابن ماجه (١٥٣٧) بإسناد صحيح من حديث حذيفة بن أسيد ﵁، وهو في «الصحيح المسند» برقم (٢٩٢) للإمام الوادعي ﵀. واستدلوا على الوجوب بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «صلوا على صاحبكم»، أخرجه البخاري (٢٢٨٩)، عن سلمة بن الأكوع، وأخرجه أحمد (٥/ ٢٩٧)، والنسائي (٤/ ٦٥) وغيرهما، عن أبي قتادة ﵁، وهو حديث صحيح. (١) مسألة [٥]: حكم الصلاة على الصبيان . قال النووي ﵀: أما الصبي؛ فمذهبنا ومذهب جمهور السلف والخلف وجوب الصلاة عليه، ونقل ابن المنذر ﵀ الإجماع فيه، وحكى أصحابنا عن سعيد بن جبير أنه قال: لا يُصَلَّى عليه مالم يبلغ. وخالف العلماء كافة، وحكى العبدري عن بعض العلماء أنه قال: إن كان قد صَلَّى صُلِّيَ عليه، وإلا فلا. وهذا أيضًا شاذٌّ مردودٌ. اهـ وقد استدل من قال بالوجوب بأنه يدخل في عموم الأدلة، وإذا ثبت الوجوب؛ فالأصل هو التعميم بين الكبير، والصغير، والذكر، والأنثى، وغيرهم. • وذهب ابن حزم إلى أنَّ الصلاة على الصبي مالم يبلغ سُنَّةٌ، وإنْ تُرِكَ فلا بأس، وهو اختيار الإمام الألباني ﵀ في «أحكام الجنائز»، واستدلا بحديث عائشة، وهو في «سنن أبي داود» (٣١٨٧)، قالت: مات إبراهيم ابن النبي ﷺ ، وهو ابن ثمانية

стр. 1685

عشر شهرًا، فلم يُصَلِّ عليه رسول الله ﷺ . وإسناده ظاهره الحسن، فيه: محمد بن إسحاق، وقد صرَّح بالتحديث، ولكن قال الحافظ ابن القيم في «زاد المعاد»: نقل حنبل عن أحمد أنه قال: حديثٌ منكرٌ جدًّا، وَوَهَّى ابن إسحاق. قال أبو عبد الله غفر الله له: فالأقرب هو ضعف الحديث، ونكارته، وعلى هذا فالصواب هو قول الجمهور، والله أعلم. وقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه صلى على صبي من صبيان الأنصار. أخرجه مسلم (٢٦٦٢) عن عائشة ﵂. (١) مسألة [٦]: الصلاة على السَّقْط . • له ثلاث حالات: الأولى: أن يخرج بحياة مستقرة، فيستهل، أو يتحرك؛ فهذا يُصَلَّى عليه بغير خلاف، نقل ذلك ابن المنذر، وغيره من أهل العلم. وأخرج ابن أبي شيبة (٣/ ٣١٨) بإسنادٍ حسنٍ عن ابن عمر أنه سئل عن الصلاة على الأطفال قال: «لأن أصلي على من لا ذنب له أحب إلي». الثانية: أن يخرج قبل بلوغه أربعة أشهر؛ فلا يُصَلَّى عليه، قال العبدري: بلا خلاف. قال النووي: يعني بالإجماع. الثالثة: إذا بلغ أربعة أشهر فما فوق، ولم يستهل، فذهب سعيد، وابن سيرين،
следующие страницы →