← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

٥٤١ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَنْهَى عَنِ النَّعْيِ (١). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. (٢) ٥٤٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَعَى النَّجَاشِيَّ فِي اليَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَخَرَجَ بِهِمْ إلَى المُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ، وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٣) المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين مسألة [١]: حكم نعي الميت . قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٢٤٥): إنَّ النعي ليس ممنوعًا كله، وإنما نُهِي عمَّا كان أهل الجاهلية يصنعونه، فكانوا يرسلون من يُعلِن بخبر الميت على أبواب الدور، والأسواق. اهـ وقال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٥/ ٢١٦): والصحيح الذي تقتضيه الأحاديث الصحيحة التي ذكرناها وغيرها: أن الإعلام بموته لمن لم يعلم؛ ليس بمكروه، بل إنْ قُصِدَ به الإخبار؛ لكثرة المصلين؛ فهو مستحب، وانما يُكره ذِكْرُ المآثر، والمفاخر، والتطواف بين الناس بذكره بهذه الأشياء، وهذا نعي الجاهلية

стр. 1682

المنهي عنه، فقد صحت الأحاديث بالإعلام؛ فلا يجوز إلغاؤها، وبهذا الجواب أجاب بعض أئمة الفقه، والحديث المحققين، والله أعلم. اهـ قلتُ: كلام النووي كلامٌ جيد جدًّا، ومما يدل على الإعلام حديث أبي هريرة المتقدم: «أفلا كنتم آذنتموني»، وفي حديث ابن عباس ﵄، في «البخاري» (١٢٤٧) في رجلٍ آخر قال: «ما منعكم أن تُعلِموني». وأما نعي الجاهلية؛ فيدل على عدم جوازه قولُه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه؛ فهو رد»، ومع ما في ذلك من الفخر، والمباهاة المعلوم تحريمها من أدلة كثيرة، والله أعلم. مسألة [٢]: الصلاة على الغائب . • في المسألة ثلاثة أقوال: القول الأول: مشروعية الصلاة على الغائب، وهو قول أحمد، والشافعي، واستدلوا بحديث أبي هريرة الذي في الكتاب. القول الثاني: عدم مشروعيتها، وهو قول أبي حنيفة، ومالك، وادَّعوا خصوصية ذلك بالنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. القول الثالث: يُصلَّى عليه إن كان في أرضٍ لم يصل عليه فيها أَحَدٌ، وهذا القول اختاره جماعة من الحنابلة، منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية، واختاره بعض الشافعية، كالخطابي، والروياني، وهو ظاهر تبويب أبي داود، فقد بوب في «سننه»:

стр. 1683

[باب في الصلاة على المسلم يموت في بلاد الشرك]، وهو ظاهر اختيار ابن القيم في «زاد المعاد»، ونصر هذا القول الإمام الألباني، وهو ترجيح شيخنا مقبل الوادعي رحمة الله عليهما، وهو الصواب، والله أعلم. (١) فائدة: قال الحافظ ابن حجر ﵀: أجمع كل من أجاز الصلاة على الغائب أن ذلك يسقط فرض الكفاية إلا ما حكي عن ابن القطان أحد أصحاب الوجوه من الشافعية أنه قال: يجوز ذلك، ولا يسقط الفرض. مسألة [٣]: إذا غرق الميت، وأكلته الحيتان، أو أكلته السباع، فهل يُصَلَّى عليه صلاة الغائب ؟ • ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يُصَلَّى عليه صلاة الغائب؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عند أن تُوُفِّيَ النجاشي صلَّى عليه صلاةَ الغائب للحاجة إلى ذلك؛ لأنَّه تُوُفِّي في أرض المشركين، ولم يُصَلَّ عليه، ومقتضى ذلك جوازه في من أكلته السباع. (٢) مسألة [٤]: حكم الصلاة على الميت . نقل النووي -رحمه الله تعالى- الإجماع على وجوب الصلاة على الميت، قال: إلا ما حُكِي عن بعض المالكية أنه جعلها سنة وهذا المروي عن بعض المالكية مردود. اهـ. (٣) قلتُ: ويدل على الوجوب قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في النجاشي: «إنَّ أخًا لكم قد مات، فقوموا فصلوا عليه»، رواه مسلم (٩٥٣)، من حديث عمران بن حصين ﵄،

стр. 1684

وقوله: «صلوا على أخٍ لكم مات بغير أرضكم»، قالوا: من هو؟ قال: «النجاشي»، أخرجه ابن ماجه (١٥٣٧) بإسناد صحيح من حديث حذيفة بن أسيد ﵁، وهو في «الصحيح المسند» برقم (٢٩٢) للإمام الوادعي ﵀. واستدلوا على الوجوب بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «صلوا على صاحبكم»، أخرجه البخاري (٢٢٨٩)، عن سلمة بن الأكوع، وأخرجه أحمد (٥/ ٢٩٧)، والنسائي (٤/ ٦٥) وغيرهما، عن أبي قتادة ﵁، وهو حديث صحيح. (١) مسألة [٥]: حكم الصلاة على الصبيان . قال النووي ﵀: أما الصبي؛ فمذهبنا ومذهب جمهور السلف والخلف وجوب الصلاة عليه، ونقل ابن المنذر ﵀ الإجماع فيه، وحكى أصحابنا عن سعيد بن جبير أنه قال: لا يُصَلَّى عليه مالم يبلغ. وخالف العلماء كافة، وحكى العبدري عن بعض العلماء أنه قال: إن كان قد صَلَّى صُلِّيَ عليه، وإلا فلا. وهذا أيضًا شاذٌّ مردودٌ. اهـ وقد استدل من قال بالوجوب بأنه يدخل في عموم الأدلة، وإذا ثبت الوجوب؛ فالأصل هو التعميم بين الكبير، والصغير، والذكر، والأنثى، وغيرهم. • وذهب ابن حزم إلى أنَّ الصلاة على الصبي مالم يبلغ سُنَّةٌ، وإنْ تُرِكَ فلا بأس، وهو اختيار الإمام الألباني ﵀ في «أحكام الجنائز»، واستدلا بحديث عائشة، وهو في «سنن أبي داود» (٣١٨٧)، قالت: مات إبراهيم ابن النبي ﷺ ، وهو ابن ثمانية

стр. 1685

عشر شهرًا، فلم يُصَلِّ عليه رسول الله ﷺ . وإسناده ظاهره الحسن، فيه: محمد بن إسحاق، وقد صرَّح بالتحديث، ولكن قال الحافظ ابن القيم في «زاد المعاد»: نقل حنبل عن أحمد أنه قال: حديثٌ منكرٌ جدًّا، وَوَهَّى ابن إسحاق. قال أبو عبد الله غفر الله له: فالأقرب هو ضعف الحديث، ونكارته، وعلى هذا فالصواب هو قول الجمهور، والله أعلم. وقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه صلى على صبي من صبيان الأنصار. أخرجه مسلم (٢٦٦٢) عن عائشة ﵂. (١) مسألة [٦]: الصلاة على السَّقْط . • له ثلاث حالات: الأولى: أن يخرج بحياة مستقرة، فيستهل، أو يتحرك؛ فهذا يُصَلَّى عليه بغير خلاف، نقل ذلك ابن المنذر، وغيره من أهل العلم. وأخرج ابن أبي شيبة (٣/ ٣١٨) بإسنادٍ حسنٍ عن ابن عمر أنه سئل عن الصلاة على الأطفال قال: «لأن أصلي على من لا ذنب له أحب إلي». الثانية: أن يخرج قبل بلوغه أربعة أشهر؛ فلا يُصَلَّى عليه، قال العبدري: بلا خلاف. قال النووي: يعني بالإجماع. الثالثة: إذا بلغ أربعة أشهر فما فوق، ولم يستهل، فذهب سعيد، وابن سيرين،

стр. 1686

وأحمد، وإسحاق، وداود إلى أنه يغسل، ويصلى عليه؛ لأنه قد نُفِخت فيه الروح، كما في حديث ابن مسعود في «الصحيحين» (١)، وهو يعتبر ميتًا؛ لأنَّ روحه قد فارقت الجسد، وهو قول الشافعي في القديم، وجماعة من أصحابه. وهذا هو الوارد عن الصحابة ﵃، فقد ثبت عن ابن عمر ﵄، أنه صلى على مولود لم يستهل. أخرجه ابن المنذر (٥/ ٤٠٤) بإسناد صحيح. وثبت عن المغيرة بن شعبة ﵁، أنه قال: السقط يصلى عليه، ويدعى لوالديه بالعافية والرحمة. أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٣١٧)، وعبد الرزاق (٣/ ٥٣١) بإسناد صحيح، وقد روي مرفوعًا. وقد ذكر الدارقطني ﵀ الخلاف فيه كما في «العلل» (١٢٥٨). وثبت عن أبي هريرة ﵁، أنه كان يقوم على المنفوس من ولده الذي لم يعلم خطيئة؛ فيقول: اللهم أجره من عذاب القبر. أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٣١٧)، وعبد الرزاق (٣/ ٥٣٣). • وذهب الحسن، وإبراهيم، وعطاء، والزهري، ومالك، والأوزاعي، والشافعي في الجديد، وأصحاب الرأي، إلى أنه لا يغسل ولا يصلى عليه. والصواب هو القول الأول، وهو ترجيح الإمام الألباني، والإمام الوادعي رحمة الله عليهما. (٢)

стр. 1687

٥٤٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: سَمِعْت النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جِنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا لَا يُشْرِكُونَ بِاللهِ شَيْئًا إلَّا شَفَّعَهُمُ اللهُ فِيهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١) الحكم المستفاد من الحديث فيه استحباب تكثير المصلين على الجنازة، وفي «صحيح مسلم» أيضًا برقم (٩٤٧) عن عائشة، وأنس ﵄، مرفوعًا: «ما من ميت تصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه». قال النووي ﵀: وَفِي حَدِيث آخَر: «ثَلَاثَة صُفُوف»، رَوَاهُ أَصْحَاب السُّنَن. قَالَ الْقَاضِي: قِيلَ: هَذِهِ الْأَحَادِيث خَرَجَتْ أَجْوِبَة لِسَائِلِينَ سَأَلُوا عَنْ ذَلِكَ، فَأَجَابَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ عَنْ سُؤَاله. هَذَا كَلَام الْقَاضِي، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون النَّبِيّ ﷺ أُخْبِرَ بِقَبُولِ شَفَاعَة مِائَة، فَأَخْبَرَ بِهِ، ثُمَّ بِقَبُولِ شَفَاعَة أَرْبَعِينَ، ثُمَّ ثَلَاثَة صُفُوف، وَإِنْ قَلَّ عَدَدهمْ، فَأَخْبَرَ بِهِ، وَيَحْتَمِل أَيْضًا أَنْ يُقَال: هَذَا مَفْهُوم عَدَد، وَلَا يَحْتَجّ بِهِ جَمَاهِير الْأُصُولِيِّينَ؛ فَلَا يَلْزَم مِنْ الْإِخْبَار عَنْ قَبُول شَفَاعَة مِائَة مَنْع قَبُول مَا دُون ذَلِكَ، وَكَذَا فِي الْأَرْبَعِينَ مَعَ ثَلَاثَة صُفُوف، وَحِينَئِذٍ كُلّ الْأَحَادِيث مَعْمُول بِهَا، وَيَحْصُل الشَّفَاعَة بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ ثَلَاثَة صُفُوف، وَأَرْبَعِينَ. اهـ قلتُ: حديث الثلاثة الصفوف أخرجه أحمد (١٦٧٢٤)، وأبو داود (٣١٦٦)،

стр. 1688

وغيرهما، من حديث مالك بن هبيرة، ولفظه: «ما من مسلم يموت فيصلى عليه ثلاثة صفوف من المسلمين إلا أوجب» وفي إسناده عنعنة ابن إسحاق، وقد تفرد بالحديث؛ فهو حديث ضعيفٌ، فحديث ابن عباس في الباب هو أقل عدد فيه الفضل المذكور، والله أعلم. فائدة: حديث مالك بن هبيرة المتقدم، استدل به بعض أهل العلم على استحباب جعل الصفوف ثلاثة، وقال بذلك مالك، وأحمد، والشافعية. إلا أن أحمد كره أن يجعل في صف واحدٍ رجلًا. وقد استدل على ذلك أيضًا بما وراه الطبراني (٧٧٨٥) عن أبي أمامة ﵁، قال: صلى النبي ﷺ على جنازة، ومعه سبعة نفر؛ فجعل ثلاثةً صفًّا، اثنين صفًّا، واثنين صفًّا. وإسناده ضعيف؛ فيه ابن لهيعة، ضعيف، ولا يصلح أن يقوى هذا الحديث بحديث مالك بن هبيرة؛ فإن حديث مالك بن هبيرة ﵁، فيه ذكر الفضيلة، وهذا الحديث فيه فعله ﷺ بواقعة من الوقائع، والله أعلم. قال أبو عبد الله غفر الله له: يظهر لي -والله أعلم- أن المراد من حديث مالك ابن هبيرة لو كان ثبت، هو الحث على تكثير المصلين أن يبلغوا ثلاثة صفوف، وأن الصفوف بنفسها ليس لها الفضيلة المذكورة في الحديث، وعليه فلا يستحب تكلف جعلها ثلاثة صفوف، ولو كان العدد قليلًا؛ لعدم ثبوت دليل على ذلك، والله أعلم. (١)

стр. 1689

٥٤٤ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: صَلَّيْت وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا، فَقَامَ وَسَطَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: موقف الإمام من الجنازة . • في هذه المسألة أقوال: الأول: يقف عند رأس الرجل، ووسط المرأة، وهو قول الشافعي، وجمهور أصحابه، وأحمد في رواية، وإسحاق، ورواية عن أبي حنيفة، وأبي يوسف، واستدلوا بحديث الكتاب، وبحديث أنس عند أبي داود (٣١٩٤) بإسناد صحيح، أنه صلى على جنازة رجل، فقام عند رأسه، ثم صلى على جنازة امرأة، فقام عند عجيزتها، فقال له العلاء بن زياد: هكذا كان رسول الله ﷺ يفعل؟ قال: نعم. الثاني: يقف عند صدر الرجل، ووسط المرأة، وهو قول أحمد، وأبي يوسف في رواية عنهما، وقول بعض الشافعية، واستدلوا أيضًا بما تقدم. الثالث: عند صدر الرجل والمرأة، وهو قول أبي حنيفة. الرابع: عند وسط الرجل، ومنكبي المرأة، وهو قول مالك، والأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز. والصواب هو القول الأول، وهو ترجيح الإمام الألباني، والإمام الوادعي رحمة الله عليهما. (٢)

стр. 1690

مسألة [٢]: إذا كانوا جماعة أعني الموتى ؟ • أجاز أهل العلم أن يُصلَّى عليهم صلاة واحدة، وذهب الجمهور إلى أن الرجال، أو الصبيان يجعلون مما يلي الإمام والنساء من وراء ذلك مما يلي القبلة. • وذهب الحسن، والقاسم، وسالم إلى جعل النساء مما يلي الإمام، والرجال مما يلي القبلة. والصواب قول الجمهور، وفي ذلك حديثان: الأول: ما أخرجه أبو داود (٣١٩٣)، والنسائي (٤/ ٧١)، عن عمار مولى الحارث بن نوفل أنه شهد جنازة أم كلثوم وابنها، فَجُعِل الغلام مما يلي الإمام، فأنكرتُ ذلك، وفي القوم ابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وأبو قتادة، وأبو هريرة، فقالوا: هذه السنة. وإسناده صحيح، والثاني: ما أخرجه النسائي (٤/ ٧١)، عن ابن عمر ﵄، أنه صلى على تسع جنائز، فجعل الرجال يلون الإمام، والنساء يلين القبلة، فصفهن صفًّا واحدًا. وإسناده صحيح، وكلاهما في «الجامع الصحيح» لشيخنا ﵀ (٢/ ٢٥٥). وثبت أيضًا عن عثمان ﵁ عند عبد الرزاق (٣/ ٤٦٤)، وابن أبي شيبة (٣/ ٣١٥) بإسناد صحيح. (١) تنبيه: ظاهر صنيع الصحابة أنهم صفوا الجنائز واحدة خلف الأخرى مما يلي القبلة، وهو مذهب الجمهور، وذهب أبو حنيفة، وبعض الشافعية إلى أنه يوضع الجميع صفًّا واحدًا رأس كل واحد عند رجل الآخر، ويجعل الإمام

стр. 1691

جميعهم عن يمينه، ويقف عند رأس الآخر منهما إنْ كان رجلًا، أو عجيزته إن كان امرأة، والصواب قول الجمهور؛ لأنه عمل الصحابة، والله أعلم. (١) مسألة [٣]: هل يسوي بين رؤوسهم، أم يجعل وسط المرأة عند رأس الرجل ؟ • ظاهر آثار الصحابة المتقدمة أنهم سووا بين الرؤوس وهو مذهب أحمد في رواية. قال ابن قدامة ﵀: وهو اختيار القاضي، وقول إبراهيم، وأهل مكة، ومذهب أبي حنيفة؛ لأنه يروى عن ابن عمر أنه كان يسوي بين رؤوسهم. اهـ وأثر ابن عمر ﵄، عند عبد الرزاق (٣/ ٤٦٧)، وفيه عنعنة ابن جريج. • وعن أحمد رواية أنه يصف النساء، فيجعل وسط المرأة مقابلًا لصدر الرجل، وذهب مالك، وسعيد بن جبير إلى وضع رأس المرأة عند وسط الرجل. قلتُ: والقول الأول أقرب الأقوال؛ لأنه فعل الصحابة، والثاني لا بأس به، فإذا سوى بين الرؤوس قام عند رأس الرجل، أو وسط المرأة إن كُنَّ نساء فقط، وإذا فعل بالقول الثاني؛ فلا إشكال.

стр. 1692

٥٤٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: وَاللهِ لَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى ابْنَيْ بَيْضَاءَ فِي المَسْجِدِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: أين يصلى على الجنائز ؟ • استحب أهل العلم أن يُصلَّى على الجنائز في مصلى خاص بذلك عند المقبرة إنْ تيسر، أو في مكان آخر، وعلى ذلك أدلة كثيرة منها: حديث أبي هريرة ﵁، في صلاته على النجاشي، وفيه: فخرج بهم إلى المصلى (٢)، وجاء عن ابن عمر ﵄، في «البخاري» (٣) أنَّ اليهود جاءوا إلى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- برجل منهم، وامرأة زنيا، فأمر بهما، فرُجِما قريبًا من موضع الجنائز عند المسجد. ومنها: حديث عائشة ﵂ الذي في «مسلم»، أنها أمرت أن يمر عليها بجنازة سعد بن أبي وقاص إلى المسجد لتصلي عليها، فأنكر الناس ذلك، وقالوا: ما كانت الجنائز يُدخَلُ بها إلى المسجد. فقالت عائشة ﵂: ما أسرع الناس إلى أن يعيبوا ما

стр. 1693

لا علم لهم به، وما صلى رسول الله ﷺ على سهيل بن البيضاء إلا في جوف المسجد. فهذا الحديث فيه دلالة على أنَّ أكثر صلاة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- للجنائز في خارج المسجد. (١) مسألة [٢]: هل تُشرع الصلاة على الجنازة في المسجد ؟ • ذهب جمهور العلماء إلى مشروعية ذلك وجوازه، واستدلوا بحديث عائشة الذي في الكتاب. وثبت عن ابن عمر ﵄ بإسناد صحيح عند عبد الرزاق وابن أبي شيبة أن عمر ﵁ صُلِّيَ عليه في المسجد. وأخرجا أيضًا بإسناد صحيح عن عروة بن الزبير، أنه قال: ما على صُلِّيَ أبي بكر إلا في المسجد. وأخرج ابن أبي شيبة بإسناد حسن إلى المطلب بن عبد الله بن حنطب قال: صُلِّيَ على أبي بكر وعمر تجاه المنبر. وهو منقطع؛ لأن ابن حنطب لم يدرك الصحابة، وهو صحيح بالطرق التي قبله. • وذهب ابن أبي ذئب، ومالك، وأبو حنيفة إلى أنها لا تصح في المسجد؛ لِما رواه أحمد (٢/ ٤٤٤)، وغيره من حديث أبي هريرة ﵁، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من صلى على جنازة في المسجد؛ فلا شيء له»، وهذا الحديث من طريق: ابن أبي ذئب، عن صالح بن نبهان مولى التوأمة، عن أبي هريرة به، وصالح مولى التوأمة ضعيفٌ، مختلطٌ، ولكن روى عنه ابن أبي

стр. 1694

ذئب قبل الاختلاط؛ فَحَسَّنَ بعض أهل العلم هذا الحديث من أجل ذلك، والأقرب هو ضعفُه؛ لأنَّ الأئمة أنكروه، وضعفوه؛ فإنَّ صالحًا مولى التوأمة تفرد به، ولم يرو الحديث من وجه آخر غيره؛ لذلك أعل الحديث وضعفَّه جمعٌ من الحفاظ، منهم: أحمد، وابن حبان، وابن المنذر، والبغوي، والخطابي، والبيهقي، وابن عبد البر، وغيرهم. ومن حسَّنَه من أهل العلم أولوه؛ للجمع بينه وبين حديث عائشة ﵂، فقال بعضهم: «فلا شيء له» يعني: فلا شيء عليه، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء:٧]. وبعضهم قال: «فلا شيء له» يعني زائدًا على أجر صلاة الجنازة لمزية المسجد، وهذا الجواب ارتضاه الإمام الألباني في «أحكام الجنائز». وعلى كُلٍّ فالصواب هو قول الجمهور، والله أعلم. (١) مسألة [٣]: هل تُشترط الطهارة لصلاة الجنازة ؟ • ذهب عامَّةُ أهل العلم إلى اشتراط الطهارة لصلاة الجنازة. • وخالف الشعبي، وابن جرير، فقالا: تجوز صلاة الجنازة بغير طهارة، مع إمكان الوضوء، والتيمم؛ لأنها دعاء.

стр. 1695

واستدل الجمهور على اشتراط الطهارة أنها تُدْعَى صلاة كما في حديث الكتاب، وكما قال تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة:٨٤]، فسماها صلاةً، وقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «صلُّوا على صاحبكم»، وقال: «من صلى على جنازة» (١)، وغيرها من الأدلة. والصلاة تُشتَرط لها الطهارة؛ لقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة:٦] الآية، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا يقبل الله صلاةً بغير طهور». (٢)

стр. 1696

٥٤٦ - وَعَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: كَانَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ ﵁ يُكَبِّرُ عَلَى جَنَائِزِنَا أَرْبَعًا، وَأَنَّهُ كَبَّرَ عَلَى جِنَازَةٍ خَمْسًا، فَسَألته، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُكَبِّرُهَا، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالأَرْبَعَةُ. (١) ٥٤٧ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁، أَنَّهُ كَبَّرَ عَلَى سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ سِتًّا، وَقَالَ: إنَّهُ بَدْرِيٌّ. رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَأَصْلُهُ فِي «البُخَارِيِّ». (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: عدد تكبيرات الجنازة . قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٥/ ٢٣١): قال ابن المنذر ﵀: ثبت أن النبي ﷺ كبر أربعًا، وبه قال عمر بن الخطاب، وابن عمر، وزيد بن ثابت، والحسن بن علي، وابن أبي أوفى، والبراء بن عازب، وأبو هريرة، وابن عامر، ومحمد بن الحنفية، وعطاء، والثوري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وقال ابن مسعود، وزيد بن أرقم: يكبر خمسًا. وقال ابن عباس، وأنس بن مالك، وجابر بن زيد: يكبر ثلاثًا. وعن ابن سيرين نحوه، وقال بكر بن عبد الله

стр. 1697

المزني: لا ينقص من ثلاث تكبيرات، ولا يزاد على سبع. وقال أحمد: لا ينقص من أربع، ولا يزاد على سبع، وعن ابن مسعود: يكبر ما يكبر الإمام. وقال علي ﵁: يكبر سِتًّا. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: جميع آثار الصحابة المذكورة أخرجها ابن المنذر في «الأوسط» (٥/ ٤٢٩ - ٤٣٤)، وكلها آثار ثابتة، ما بين صحيح، وحسن، وأكثرها صحيحة؛ إلا أثر ابن أبي أوفى، ففي إسناده: إبراهيم الهجري، وهو ضعيفٌ، ثم وجدت له طريقًا أخرى صحيحة عند البزار (٨/ ٢٢٧)، والبيهقي (٤/ ٣٥)، وإلا أثر الحسن بن علي؛ فإنه منقطع. وقد صحَّ عن علي أيضًا كما في «الأوسط» (٥/ ٤٣٣)، أنه كبر على أبي قتادة ستًّا. وجاءت رواية عنده أنه كبر عليه سبعًا، ولم تثبت؛ فهي من طريق موسى بن عبد الله بن يزيد، والظاهر أنه لم يسمع من علي ﵁، وهو مخالف للرواية الصحيحة. وقد ثبت بإسناد صحيح عن معاذ بن جبل ﵁، أنه كبر خمسًا كما في مصنف ابن أبي شيبة (٣/ ٣٠٣). وأخرج ابن المنذر بإسناد صحيح عن عمر ﵁ أنه قال: كل ذلك قد كنا نفعل: أربعًا، وخمسًا؛ فجمع الناس على أربع. وينبغي التنبيه على أن من ذكر من الصحابة أنه يقول بالثلاث، والخمس إنما صحَّ من فعلهم لا من قولهم.

стр. 1698

وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر بإسناد صحيح عن عبد خير الهمداني، أنه قال: كان علي ﵁ يكبر على أهل بدر ستًّا، وعلى أصحاب رسول الله ﷺ خمسًا، وعلى سائر الناس أربعًا. قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٥/ ٢٣٠): وقد كان لبعض الصحابة وغيرهم خلافٌ في أنَّ التكبير المشروع خمس، أم أربع، أم غير ذلك، ثم انقرض ذلك الخلاف، وأجمعت الأمة الآن على أنه أربع تكبيرات بلا زيادة، ولا نقص. اهـ قلتُ: أكثر الأحاديث الواردة عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في ذلك فيه أربع تكبيرات، كحديث أبي هريرة ﵁، في قصة النجاشي، وحديث ابن عباس في الصلاة على القبر وغيرهما (١)، ولكن قد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه كبَّر خمسًا كما في حديث زيد بن أرقم الذي في الكتاب، فلا بأس بالعمل بها، بل يستحب أحيانًا، وهو قول ابن حزم، وقال أحمد، وإسحاق، وبعض الشافعية: إذا كبَّرَ الإمام خمسًا؛ فيتابع، وهذا يدل على أنهم يرونها ثابتة، والله أعلم. (٢) مسألة [٢]: إذا زاد الإمام على أربع تكبيرات ؟ • ذهب الثوري، ومالك، وأبو حنيفة، والشافعي إلى أنَّ المأموم لا يُتابِع الإمام على ذلك، وهو رواية عن أحمد، وجاء عن أحمد رواية أشهر أنَّ المأموم يتابِع إمامه في الخامسة، وهو قول إسحاق، وبعض الشافعية، وعن أحمد رواية ثالثة أنه يتابعه

стр. 1699

إلى سبع تكبيرات؛ لثبوت ذلك عن الصحابة، ولا يتابعه في أكثر من ذلك. والصواب هو القول الثاني: أنه يتابعه إلى الخامسة، ولا يتابعه في أكثر من ذلك؛ لأنَّ ذلك ثابت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. وأما أفعال أصحابه في الأكثر، والأقل؛ فلا حجة فيها؛ لمخالفتهم لصحابة آخرين، ولأنَّ الحجة في المرفوع، لا في الموقوف، والله أعلم. (١) مسألة [٣]: حكم تكبيرات الجنازة . قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٥/ ٢٣٠): التكبيرات الأربع أركانٌ لا تصح هذه الصلاة إلا بهن، وهذا مُجْمَعٌ عليه. اهـ يعني بعد وجود الخلاف في عدد التكبيرات، ثم انقرض الخلاف. وقال صاحب «الإنصاف» (٢/ ٤٩٨): بلا نزاع. اهـ، يعني وجوبها. قلتُ: وكأنهم أخذوا الوجوب من كونه بيانًا لهيئة الصلاة المأمور بها بقوله: «صلوا على صاحبكم» مع قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٢)، والله أعلم. مسألة [٤]: هل يرفع يديه في التكبيرات ؟ أجمعوا على مشروعية رفع اليدين في التكبيرة الأولى، نقله ابن المنذر وغيره. • واختلفوا في غيرها من التكبيرات هل يرفع، أم لا؟ على قولين:

стр. 1700

الأول: أنه يرفع يديه مع كل تكبيرة، وهو ثابت عن ابن عمر ﵄، أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٢٩٦)، وعبدالرزاق (٣/ ٤٧٠)، وقال به عطاء، وسالم، والزهري، وعمر بن عبدالعزيز، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر، وغيرهم. وقد رُوي أثر ابن عمر مرفوعًا إلى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولكنه وَهَمٌ، شذَّ برفعه: عمر بن شبة، ورجَّح الدارقطني وقفه كما في «العلل» (١٢/ ٣٤٨) (١٣/ ٢١). الثاني: أنه لا يرفع يديه في ما سوى الأولى، وهو قول الثوري، ومالك في رواية، والحسن ابن صالح، وأصحاب الرأي، وهذا القول أرجح؛ لعدم الدليل على الرفع، وهو ترجيح شيخنا مقبل الوادعي ﵀، والله أعلم. (١)

стр. 1701

٥٤٨ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُكَبِّرُ عَلَى جَنَائِزِنَا أَرْبَعًا، وَيَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ فِي التَّكْبِيرَةِ الأُولَى. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. (١) ٥٤٩ - وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِاللهِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ قَالَ: صَلَّيْت خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى جِنَازَةٍ، فَقَرَأَ فَاتِحَةَ الكِتَابِ فَقَالَ: لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّةٌ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين مسألة [١]: هل يقرأ دعاء الاستفتاح بعد التكبيرة الأولى ؟ • ذهب جمهور العلماء إلى عدم قراءته، بل يقرأ الفاتحة مباشرة، وهذا هو ظاهر حديث جابر، وابن عباس اللذين في الكتاب، وحديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف الذي سيأتي إن شاء الله. • وذهب الثوري، وأحمد في رواية إلى أنه يستفتح. والصواب قول الجمهور، والله أعلم. (٣) قال ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (٥/ ٤٣٦): لم نجد في الأخبار التي جاءت عن النبي ﷺ أنه قال بعد أن افتتح

стр. 1702

الصلاة على الجنازة، كما قال بعد أن افتتح الصلاة المكتوبة قولا، ولا وجدنا ذلك عن أصحابه، ولا عن التابعين. وقد كان الثوري، وإسحاق بن راهويه يستحبان أن يقول المرء بعد التكبيرة الأولى من الصلاة على الجنازة: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، وذكر ذلك لأحمد، فقال: ما سمعت. قال أبو بكر: ولم أجد ذكر ذلك في كتب سائر علماء الأمصار، فإن قاله قائل فلا شيء عليه، وإن تركه فلا شيء عليه. اهـ قلتُ: الأقرب أنه لا يقوله، ويخشى عليه إذا قاله أن يدخل في الإحداث في الدين، والله أعلم. مسألة [٢]: ما حكم قراءة الفاتحة بعد التكبيرة الأولى ؟ • في المسألة قولان: الأول: وجوب قراءة الفاتحة، وهو قول أحمد، والشافعي، وإسحاق، وداود؛ لحديث عبادة ﵁: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (١)، ولحديث ابن عباس ﵄ الذي في الكتاب، وحديث أبي أمامة ﵁ المشار إليه آنفًا. الثاني: ليس في صلاة الجنازة قراءة قرآن، وهو قول ابن عمر، وأبي هريرة وصحَّ عنهما كما في «الأوسط»، وقال به جماعة من التابعين، وهو قول الثوري، والأوزاعي، ومالك، وأبي حنيفة، وحجتهم أنها دعاء للميت فلا تشترط فيه قراءة، وذهب شيخ الإسلام ﵀ إلى أن قراءتها سنة. والصواب هو القول الأول؛

стр. 1703

للأدلة المذكورة، والله أعلم. (١) مسألة [٣]: حكم قراءة سورة بعد الفاتحة . • جاء في المسألة حديث، وهو ما أخرجه النسائي (١٩٨٧) من طريق الهيثم ابن أيوب، عن إبراهيم بن سعد، قال: حدثنا أبي، عن طلحة بن عبد الله بن عوف، قال: صليت خلف ابن عباس على جنازة، فقرأ بفاتحة الكتاب، وسورة وجهر حتى أسمعنا، فلما فرغ أخذت بيده فسألته، فقال: سنة وحق. فهذه الرواية فيها زيادة: (وسورة)، زادها الهيثم بن أيوب، وهو ثقة، وتابعه على ذكرها محرز بن عون عند أبي يعلى (٢٦٦١)، وهو حسن الحديث، وسليمان ابن داود الهاشمي، وإبراهيم بن زياد، عند ابن الجارود (٥٣٧)، وهما ثقتان، ومحمد بن جعفر الوركاني، وعبد الله بن عون الهلالي عند ابن المنذر (٥/ ٤٣٧)، وهما ثقتان. وقال البيهقي ﵀ في «الكبرى» (٤/ ٣٨): ورواه إبراهيم بن حمزة، عن إبراهيم بن سعد، وقال فى الحديث: فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة. وذكر السورة فيه غير محفوظ. اهـ قال أبو عبد الله: الأمر كما قال الإمام البيهقي فذكر السورة غير محفوظ؛ فقد روى الحديث عن إبراهيم بن سعد جماعة بغير ذكر السورة، منهم: الإمام الشافعي

стр. 1704

كما في «المسند» (٥٧٩)، ومنصور بن أبي مزاحم، عند ابن حبان (٣٠٧٢). وروى الحديث عن سعد والد إبراهيم جماعة بدون ذكر الفاتحة: منهم: سفيان الثوري، عند البخاري (١٣٣٥)، وأبي داود (٣١٩٨)، والترمذي (١٠٢٧)، وابن المنذر (٥/ ٤٣٨)، وابن الجارود (٥٣٥)، والدارقطني (٢/ ٧٢)، والحاكم (١/ ٣٨٥)، والبيهقي (٤/ ٣٨)، وغيرهم. وكذلك شعبة، عند البخاري (١٣٣٥)، والنسائي (١٩٨٨)، وابن الجارود (٥٣٤)، والبيهقي (٤/ ٣٩). وله طريق أخرى عن ابن عباس بدون ذكر الفاتحة: أخرجه الشافعي في «المسند» (٥٨٧)، ومن طريقه البيهقي (٤/ ٣٩) عن ابن عيينة، عن محمد بن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد، قال: سمعت ابن عباس ﵄ يجهر بفاتحة الكتاب على الجنازة، ويقول: إنما فعلت لتعلموا أنها سنة. قال أبو عبد الله غفر الله له: تبين من البحث المتقدم أن إبراهيم بن سعد، اختلف عليه في ذكر السورة مع الفاتحة، فعنه ﵀ روايتان: رواية بذكرها، ورواية بعدم ذكرها، وقد روى الحديث أميرا المؤمنين في الحديث: الثوري وشعبة فلم يختلفا في روايتهما عن سعد والد إبراهيم في ذكر الفاتحة فحسب بدون ذكر السورة، وهذه الرواية هي المحفوظة بلا تردد. لا سيما وقد ثبت عن ابن عباس من وجهٍ آخر الاقتصار على الفاتحة كما تقدم، والله أعلم. وبناء على ما تقدم؛ فلا يقرأ بعد الفاتحة شيء، ويقتصر على قراءة الفاتحة،

стр. 1705

وهو قول جمهور الفقهاء، وعن الشافعية وجهٌ بقراءة سورة بعد الفاتحة، والأقرب عدم قراءتها؛ لعدم ثبوت دليل يدل عليها. (١) مسألة [٤]: الإسرار في القراءة والدعاء . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٣/ ٤١٢): وَيُسِرُّ الْقِرَاءَةَ وَالدُّعَاءَ فِي صَلَاةِ الْجنَازَةِ، لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ خِلَافًا، وَلَا يَقْرَأُ بَعْدَ أُمِّ الْقُرْآنِ شَيْئًا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ جَهَرَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ. قَالَ أَحْمَدُ: إنَّمَا جَهَرَ لِيُعَلِّمَهُمْ. اهـ

стр. 1706

٥٥٠ - وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى جِنَازَةٍ فَحَفِظْت مِنْ دُعَائِهِ: «اللهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ، وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنَ الخَطَايَا كَمَا (يُنَقَّى) (١) الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ، وَأَدْخِلْهُ الجَنَّةَ، وَقِه فِتْنَةَ القَبْرِ وَعَذَابَ النَّارِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (٢) ٥٥١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ يَقُولُ: «اللهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا، وَمَيِّتِنَا، وَشَاهِدِنَا، وَغَائِبِنَا، وَصَغِيرِنَا، وَكَبِيرِنَا وَذَكَرِنَا، وَأُنْثَانَا، اللهُمَّ مَنْ أَحْيَيْته مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الإِسْلَامِ، وَمَنْ تَوَفَّيْته مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الإِيمَانِ، اللهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلَا تُضِلَّنَا (٣) بَعْدَهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالأَرْبَعَةُ. (٤)

стр. 1707

٥٥٢ - وَعَنْهُ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى المَيِّتِ فَأَخْلِصُوا لَهُ الدُّعَاءَ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (١)

стр. 1708

حديث آخر فيه صفة صلاة الجنازة: قال النسائي ﵀ في «السنن الصغرى» (١٩٨٩): أخبرنا قتيبة، قال: حدثنا الليث، عن ابن شهاب، عن أبي أمامة، أنه قال: «السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن مخافتة، ثم يكبر ثلاثا، والتسليم عند الآخرة». قلت: إسناده صحيح، وهو مرسل صحابي، وقد وصل كما سيأتي بعده. وقال البيهقي ﵀ (٤/ ٣٩ - ٤٠): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو إسماعيل بن أحمد التاجر، أنبأ محمد بن الحسن العسقلاني، ثنا حرملة بن يحيى، ثنا ابن وهب، أخبرني يونس ابن يزيد، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو أمامة بن سهل بن حنيف، وكان من كبراء الأنصار وعلمائهم ومن أبناء الذين شهدوا بدرًا مع رسول الله ﷺ ، أخبره رجال من أصحاب النبي ﷺ في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام، ثم يصلي على النبي ﷺ ويخلص الصلاة يعني على الميت في التكبيرات الثلاث، ثم يسلم تسليمًا خفيفًا حين ينصرف، والسنة أن يفعل من وراءه مثل ما فعل إمامه. قال الزهري: حدثني بذلك أبو أمامة وابن المسيب يسمع، فلم ينكر ذلك عليه. قال ابن شهاب: فذكرت الذي أخبرني أبو أمامة من السنة في الصلاة على الميت لمحمد بن سويد، فقال: وأنا سمعت الضحاك بن قيس يحدث عن حبيب ابن مسلمة في صلاة صلاها على الميت مثل الذي حدثنا أبو أمامة. قال البيهقي ﵀: ورواه الحجاج بن أبي منيع، عن جده عبيد الله بن أبي

стр. 1709

زياد الرصافي، عن الزهري، عن أبي أمامة، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، وفيه ذكر الفاتحة بعد التكبيرة الأولى. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: إسناد البيهقي الأول صحيح رجاله ثقات معروفون، وإسناده الثاني فيه: محمد بن سويد، وهو مجهول الحال، وإسناده الثالث لم يذكره كاملًا، والموجود منه حسنٌ رجاله ثقاتٌ؛ إلا عبيد الله الرصافي؛ فإنه حسن الحديث، فالحديث بهذه الطرق صحيح بل بالطريق الأولى فقط، والله أعلم. المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث مع ذكر بعض المسائل الملحقة مسألة [١]: ما يقال بعد التكبيرة الثانية ؟ ذكر أهل العلم أنه بعد التكبيرة الثانية يصلي على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، واستدلوا بحديث أبي أمامة المتقدم، واستحبوا أن تكون كالصلاة التي عقب التشهد، ويجزئ أن يصلي على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بأدنى كيفية، وهي: اللهم صل على محمد. (١) مسألة [٢]: ما حكم الصلاة على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بعد التكبيرة الثانية ؟ • ذهب الشافعية، والحنابلة إلى وجوبها؛ لحديث: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، ولحديث أبي أمامة المتقدم. قلتُ: ويؤيده أنَّ هذا بيان للواجب، وهو الصلاة على الميت.

стр. 1710

• وذهب الحنفية، والمالكية، والمروزي من الشافعية، ووجهٌ ضعيفٌ عند الحنابلة إلى الاستحباب فقط، والقول الأول أقرب؛ لما تقدم، وهو نفس الدليل الذي استدلوا به على وجوب التكبيرات. (١) مسألة [٣]: ماذا يقال بعد التكبيرة الثالثة ؟ ذكر أهل العلم أنه يدعو للميت بعد التكبيرة الثالثة، واستدلوا على ذلك بحديث أبي أمامة بن سهل المتقدم. مسألة [٤]: حكم الدعاء للميت بعد الثالثة . ذهب أهل العلم من المالكية، والشافعية، والحنابلة، وغيرهم إلى وجوب الدعاء للميت، واستدلوا بحديث أبي هريرة ﵁، الذي في الكتاب: «إذا صليتم على الميت، فأخلصوا له الدعاء»، وهو حديث حسن، قالوا: وأقل ما يجزئ في الدعاء هو ما يطلق عليه (دعاء). (٢) مسألة [٥]: الدعاء بأدعية النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم -. دلَّ حديث أبي هريرة: «إذا صليتم على الميت، فأخلصوا له الدعاء»، على أنه يُدعى للميت بما تيسر من الأدعية بالمغفرة، والرحمة، والوقاء من النار، وما أشبهه، وعلى أنه لا يتعين في ذلك دعاء، ونقل النووي الاتفاق عليه.

стр. 1711

قال الشوكاني ﵀ في «النيل» (٢/ ٧٤١): قَوْلُهُ: «فَأَخْلِصُوا لَهُ الدُّعَاءَ» فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ دُعَاءٌ مَخْصُوصٌ مِنْ هَذِهِ الْأَدْعِيَةِ الْوَارِدَةِ وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُصَلِّي عَلَى الْمَيِّتِ أَنْ يُخْلِصَ الدُّعَاءَ لَهُ سَوَاءٌ كَانَ مُحْسِنًا أَوْ مُسِيئًا؛ فَإِنَّ مُلَابِسَ الْمَعَاصِي أَحْوَجُ النَّاسِ إلَى دُعَاءِ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ وَأَفْقَرُهُمْ إلَى شَفَاعَتِهِمْ. اهـ. (١) قلتُ: والأفضل أن يدعو بالأدعية الثابتة عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، كحديث عوف بن مالك الذي في الباب، وما أشبهه. تنبيه: الدعاء للميت لا يتعين أن يكون في الثالثة، بل يجوز وقوعه في الرابعة، وفي الثانية أيضًا بعد الصلاة على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ويدل على ذلك حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف المتقدم، وهو قول الحنابلة. وذهب الشافعية إلى تعينه، والراجح الأول. (٢) مسألة [٦]: بماذا يُدعى للصغير ؟ قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٥/ ٢٣٨): قال أصحابنا: فإن كان الميت صبيًّا، أو صبية؛ اقتصر على حديث: «اللهم اغفر لحينا وميتنا ... » إلى آخره، وضم إليه: اللهم، اجعله فرطًا لأ بويه، وسلفًا، وذخرًا، وعظة، واعتبارًا وشفيعًا، وَثَقِّل به موازينهما، وافرغ الصبر على قلوبهما، ولا تفتنهما بعده، ولا تحرمهما أجره. اهـ

стр. 1712

وذكر أصحاب المذاهب الأخرى نحوه، وذكروا أنه يؤنث الضمائر في حق المرأة، وله أن يذكرها بصيغة التذكير على نية الشخص، أو الميت، أو المتوفَّى. (١) مسألة [٧]: حكم الدعاء بعد الرابعة . • الدعاء بعد الرابعة غير واجب بلا خلاف عند الحنابلة، والشافعية. • ولكن ذهب الشافعية إلى استحبابه، وهو قول أحمد في رواية، وجماعة من الحنابلة. • وذهب جماعة منهم إلى أنه لا يدعو فيه بشيء، وهو رواية عن أحمد. • ومذهب المالكية: أنه إن أحب دعا، وإن أحب لم يدع. والصواب القول الأول؛ لحديث أبي أمامة بن سهل المتقدم، ولفظه عند ابن أبي شيبة (٣/ ٢٩٦): قال: حدثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، قال: سمعت أبا أمامة، يحدث سعيد بن المسيب قال: «من السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ بفاتحة الكتاب، ثم يصلي على رسول الله ﷺ ، ثم يخلص الدعاء للميت حتى يفرغ، ولا يقرأ إلا مرة واحدة، ثم يسلم في نفسه»، وهذا إسناد صحيح. (٢) مسألة [٨]: هل يدعو بعد الخامسة ؟ • لم يأت نصٌّ صريحٌ عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الدعاء بعد الخامسة، فقال بعض الفقهاء: يسلم بعدها بدون أن يدعو.

стр. 1713

• وعند الحنابلة احتمال أنه يدعو قياسًا على الرابعة، وهذا أقرب؛ لعموم الحديث المتقدم: «ثم يخلص الدعاء للميت حتى يفرغ»، والله أعلم. (١) مسألة [٩]: السلام وحكمه . قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٥/ ٢٤٣ - ٢٤٤): ذكرنا أن الصحيح في مذهبنا تسليمتان، وبه قال أبو حنيفة، وقال أكثر العلماء: تسليمة واحدة. حكاه ابن المنذر عن علي بن أبي طالب، وابن عمر، وابن عباس، وجابر بن عبدالله، وأنس بن مالك، وواثلة بن الأسقع، وأبي هريرة، وعبدالله بن أبي أوفى، وأبي أمامة بن سهل بن حنيف، والحسن البصري، وابن سيرين، وسعيد بن جبير، والثوري، وابن عيينة، وابن المبارك، وعيسي بن يونس، ووكيع، وعبدالرحمن بن مهدي، وأحمد، وإسحاق ﵃. قلتُ: أما آثار الصحابة ﵃؛ فصحَّت عن بعضهم كابن عمر، وأبي أمامة بن سهل بن حنيف، وواثلة بن الأسقع ﵃، كما في «الأوسط» لابن المنذر (٥/ ٤٤٥ - ٤٤٦)، وأما أثر علي ﵁؛ ففي إسناده حجاج بن أرطاة، وفيه ضعف. وأثر ابن عباس ﵄ في إسناده إبراهيم بن المهاجر، فيه لين، وأثر أبي هريرة ﵁، فيه والد أبي العنبس، وهو مجهول الحال. وأثر جابر بن عبد الله ﵄، في إسناده الفضل بن مبشر، وفيه ضعف. وأثر ابن أبي أوفى في إسناده عطاء بن السائب، وهو مختلط، روى عنه الجراح والد وكيع، وفيه لين.

стр. 1714

وأما أحاديثهم فقد استدلوا بحديث أبي هريرة ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ صلَّى على جنازة، فكبر عليها أربعًا، وسلَّم تسليمة واحدة. أخرجه الحاكم (١/ ٣٦٠)، وعنه البيهقي (٤/ ٤٣)، وفي إسناده: أبو بكر بن أبي دارم، وهو كذاب، وله إسناد آخر عند الدارقطني (٢/ ٧٢)، وفيه: الحسين بن عمرو العنقزي، قال أبو حاتم: لَيِّن، يتكلمون فيه. وقال أبو زرعة: كان لا يُصَدَّق. وقال أبو داود: كتبت عنه، ولا أُحدِّث عنه. وفيه إبراهيم بن إسماعيل بن البصير، مُتَكَلَّمٌ فيه، كما في «تراجم رجال الدارقطني» لشيخنا ﵀. وقد أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٣٠٨)، ومن طريقه ابن المنذر في «الأوسط» (٥/ ٤٤٦) من وجهٍ أصح عن أبي هريرة موقوفًا، وهو الصواب، ومع ذلك؛ فالموقوف أيضًا من طريق كثير بن عبيد التيمي، عن أبي هريرة به. ولم يوثقه معتمد على توثيقه. وأما القائلون بتسليمتين؛ فاستدلوا بحديث ابن مسعود كما في «سنن البيهقي» (٤/ ٤٣)، ورجاله ثقات؛ إلا حماد بن أبي سليمان، فهو حسن الحديث؛ فالحديث حسن، ولفظ الحديث: قال ابن مسعود: ثلاث خِلَال كان رسول الله ﷺ يفعلهن تركهن الناس، إحداهن: التسليم على الجنازة مثل التسليم على الصلاة. وقد حسَّنه الإمام الألباني ﵀ في «أحكام الجنائز»، وسمعتُ شيخنا ﵀ يحسنه، أو يحتج به. وظاهر حديث ابن مسعود أنه ينكر على من لا يسلم كتسليم الصلاة، وهذا

стр. 1715

يدل على أنَّ الصحابة لم يجمعوا على تسلمية، والقول بأنه سلم تسليمتين أرجح، وقد رجَّحه ابن حزم في «المحلَّى» قياسًا على بقية الصلوات، والله أعلم. (١) مسألة [١٠]: حكم التسليم . حكم التسليم في صلاة الجنازة كحكمه في بقية الصلوات، أعني أنه ركنٌ، وهو قول المالكية، والشافعية، والحنابلة، والركن هو التسليمة الأولى. وأما التسليمة الثانية؛ فمستحبة، ويدل على ذلك حديث علي ﵁، مرفوعًا: «تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم» (٢)، وهو حديث حسنٌ، وعليه العمل. (٣) مسألة [١١]: أركان صلاة الجنازة . تقدم من أركانها الأربع التكبيرات، وقراءة الفاتحة، والصلاة على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، والدعاء للميت، والتسليم، وبقي ركنٌ سادس، وهو القيام؛ لأنها صلاة مفروضة، والقيام في الفريضة واجبٌ كما تقدم في صفة الصلاة، وهذا قول أكثر الشافعية، والحنابلة، بل قال ابن قدامة ﵀ في «المغني»: ولا يجزئ أن يصلي على الجنازة وهو راكبٌ؛ لأنه يفوت القيام الواجب، وهذا قول أبي حنيفة، والشافعي، وأبي ثور، ولا أعلم فيه خلافًا. اهـ

стр. 1716

وبقي ركنٌ سابع، وهو النية؛ لحديث: «إنما الأعمال بالنيات». (١) مسألة [١٢]: شروط صلاة الجنازة . قال المرداوي ﵀ في «الإنصاف» (٢/ ٥٠٠): يُشتَرَطُ لصلاة الجنازة ما يُشتَرَطُ للصلاة المكتوبة على ما تقدم؛ إلا الوقت. اهـ ومن الشروط الخاصة بالجنازة حضور الجنازة بين يدي المصلي في حال عدم غيبة الميت. واشترط الحنفية وضعه على الأرض، أو قريبًا منها، ولم يشترط ذلك الجمهور. (٢) مسألة [١٣]: هل يُشترط لصلاة الميت تقدم غسله ؟ قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٥/ ٢٢٢): قال أصحابنا: ويُشتَرَطُ لصحتها تقديم غسل الميت، وهذا لا خلاف فيه. اهـ، يعني عند الشافعية. وقال صاحب «الإنصاف» (٢/ ٥٠٠): ويُشْتَرَطُ أيضًا تطهير الميت بماء، أو تيمم لعذر، أو عدم. اهـ قال أبو عبد الله: اشتراط ذلك لا نعلم عليه دليلًا صحيحًا، وغاية ما يكون من ذلك هو وجوب تقديم غسله، أما أن يبلغ حدَّ الشرط؛ فلا، والله أعلم.

стр. 1717

مسألة [١٤]: إذا سُبِقَ الرجل ففاتته بعض التكبيرات ؟ • في المسألة قولان: القول الأول: وجوب قضاء ما فاته، ثم يسلم، وهو قول الشافعي، ومالك، وأبي حنيفة وأصحابهم، وهو رواية عن أحمد اختارها بعض أصحابه، وقال به من التابعين: ابن المسيب، وعطاء، وابن سيرين، والنخعي، والزهري، وقتادة، وغيرهم، واستدلوا بحديث: «ما أدركتم؛ فصلُّوا، وما فاتكم؛ فأتموا». (١) القول الثاني: استحباب القضاء، ويجوز له الانصراف مع الإمام، وهو قول الحسن، وأيوب، والأوزاعي، وأحمد في المشهور، وجاء عن ابن عمر ﵄، من وجهين يحسن بهما، وجهٌ فيه عنعنة ابن إسحاق، ووجهٌ فيه عبد الله بن عمر العمري: (أنه لا يقضي). والرَّاجح هو القول الأول، وهو ترجيح ابن حزم في «المحلَّى»؛ للحديث المتقدم ذكره، والله أعلم. (٢) مسألة [١٥]: كيفية قضائه . • فيه قولان: الأول: يقضيه متواليًا، وهو مذهب أحمد، وجماعة من أصحابه، وجماعة

стр. 1718

من الشافعية. الثاني: يقضيه على صفته، ويأتي بالأذكار بينهما، ويخفف، وهو قول جماعة من الحنابلة، وهو الأصح عند الشافعية؛ لحديث أبي هريرة المتقدم: «ما أدركتم؛ فصلوا، وما فاتكم؛ فأتموا»، وهذا القول هو الصحيح. وقال المجد ابن تيمية ﵀ بعد أن حكى القولين في مذهبه: ومحل الخلاف فيما إذا خشي رفع الجنازة، أما إن علم بعادةٍ، أو قرينةٍ أنها تترك؛ فلا تردد أنه يقضي التكبيرات بذكرها على مقتضى تعليل أصحابنا. اهـ. (١) مسألة [١٦]: إذا أدركه في الثالثة مثلا، فهل يبدأ بالفاتحة، أم يدعو للميت ؟ • ذهب أحمد ﵀ إلى أنه يبدأ بالدعاء للميت متابعةً للإمام، فإذا سلم؛ كبَّر، وقرأ الفاتحة. • وذهب الشافعي ﵀ إلى أنه يبدأ بالفاتحة، ويصلي على الترتيب المعلوم؛ لأنه يمكنه أن يأتي بما تقتضيه ترتيب صلاته مع المتابعة. قلتُ: وقول الشافعي أقرب وأصح، ويؤيده ما تقدم في باب الجماعة والإمامة، أنَّ ما يقضيه المسبوق هو آخر صلاته، وأنَّ ما يدركه مع الإمام هو أول صلاته، والله أعلم. (٢)

стр. 1719

مسألة [١٧]: إذا أدرك الإمام بين التكبيرتين، فهل يكبر، أو ينتظر حتى يكبر ويكبر معه ؟ • فيها قولان: الأول: يكبر عند وصوله، وهو قول الشافعي، والأوزاعي، وأبي يوسف، ورواية عن مالك، ورواية عن أحمد، واختاره ابن حزم. الثاني: ينتظر حتى يكبر، ويكبر معه، وهو قول أبي حنيفة، والثوري، وإسحاق، ومحمد بن الحسن، ورواية عن أحمد، ورواية عن مالك. قال أبو عبد الله غفر الله له: قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ما أدركتم؛ فصلوا، وما فاتكم؛ فأتموا» يدل على القول الأول، وهو الصواب. (١) مسألة [١٨]: إذا جاء المسبوق بعد التكبيرة الأولى، فشرع في الفاتحة، فكبر الإمام الثانية ؟ • لو كبَّر المسبوق، ثم كبر الإمام الثانية قبل أن يشرع المسبوق في الفاتحة، فنقل النووي عدم الخلاف عند الشافعية أنه يكبر الثانية، وتسقط عنه الفاتحة، وهو مذهب الحنابلة أيضًا. • وأما إنْ كان في أثنائها؛ فأكثر الشافعية على أنه يقطعها، وتسقط عنه، وعندهم وجهٌ شاذٌّ أنه يتمها، وقال بعضهم: يقطعها، ويتمها بعد التكبيرة الثانية.

стр. 1720

وذكر ابن قدامة ﵀ في «المغني» أنه يقطع القراءة كالمسبوق في بقية الصلوات إذا ركع الإمام قبل إتمام القراءة. قال أبو عبدالله غفر الله له: يقرأ الفاتحة حتى يتمها، ثم يكبر، ويخفف حتى يدرك الإمام، والله أعلم. (١) مسألة [١٩]: لو تأخر المأموم عن التكبير حتى كبر الإمام التكبيرة التي بعدها بغير عذر ؟ قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٥/ ٢٤٢): لو تخلف المقتدي، فلم يكبر التكبيرة الثانية، أو الثالثة، حتى كبر الإمام التكبيرة التي بعدها بغير عذر؛ بطلت صلاته، صَرَّح به الشيخ أبو محمد الجويني، وإمام الحرمين، والغزالي، وآخرون من الخراسانيين قالوا: لأن القدوة في هذه الصلاة لا تظهر إلا بالموافقة في التكبيرات، وكأنه تخلف بركعة. اهـ مسألة [٢٠]: من نسي التكبيرة الرابعة، وسلَّم من ثلاث ؟ ثبت عن أنس بن مالك ﵁، أنه سلَّم من ثلاث، فقيل له في ذلك، فاستقبل القبلة، فزاد تكبيرة، ثم سلَّم. أخرجه عبد الرزاق (٣/ ٤٨٦)، عن معمر، عن قتادة، عنه، وفي رواية معمر عن قتادة ضعفٌ، ولكنه قد توبع، فقد قال الحافظ في «التغليق» (٢/ ٤٨٣) بعد أن ذكر رواية عبدالرزاق: وكذلك رواه عبدالوهاب بن عطاء في «الجنائز» له، عن سعيد، عن قتادة.
следующие страницы →