← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

وبقي ركنٌ سابع، وهو النية؛ لحديث: «إنما الأعمال بالنيات». (١) مسألة [١٢]: شروط صلاة الجنازة . قال المرداوي ﵀ في «الإنصاف» (٢/ ٥٠٠): يُشتَرَطُ لصلاة الجنازة ما يُشتَرَطُ للصلاة المكتوبة على ما تقدم؛ إلا الوقت. اهـ ومن الشروط الخاصة بالجنازة حضور الجنازة بين يدي المصلي في حال عدم غيبة الميت. واشترط الحنفية وضعه على الأرض، أو قريبًا منها، ولم يشترط ذلك الجمهور. (٢) مسألة [١٣]: هل يُشترط لصلاة الميت تقدم غسله ؟ قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٥/ ٢٢٢): قال أصحابنا: ويُشتَرَطُ لصحتها تقديم غسل الميت، وهذا لا خلاف فيه. اهـ، يعني عند الشافعية. وقال صاحب «الإنصاف» (٢/ ٥٠٠): ويُشْتَرَطُ أيضًا تطهير الميت بماء، أو تيمم لعذر، أو عدم. اهـ قال أبو عبد الله: اشتراط ذلك لا نعلم عليه دليلًا صحيحًا، وغاية ما يكون من ذلك هو وجوب تقديم غسله، أما أن يبلغ حدَّ الشرط؛ فلا، والله أعلم.

стр. 1717

مسألة [١٤]: إذا سُبِقَ الرجل ففاتته بعض التكبيرات ؟ • في المسألة قولان: القول الأول: وجوب قضاء ما فاته، ثم يسلم، وهو قول الشافعي، ومالك، وأبي حنيفة وأصحابهم، وهو رواية عن أحمد اختارها بعض أصحابه، وقال به من التابعين: ابن المسيب، وعطاء، وابن سيرين، والنخعي، والزهري، وقتادة، وغيرهم، واستدلوا بحديث: «ما أدركتم؛ فصلُّوا، وما فاتكم؛ فأتموا». (١) القول الثاني: استحباب القضاء، ويجوز له الانصراف مع الإمام، وهو قول الحسن، وأيوب، والأوزاعي، وأحمد في المشهور، وجاء عن ابن عمر ﵄، من وجهين يحسن بهما، وجهٌ فيه عنعنة ابن إسحاق، ووجهٌ فيه عبد الله بن عمر العمري: (أنه لا يقضي). والرَّاجح هو القول الأول، وهو ترجيح ابن حزم في «المحلَّى»؛ للحديث المتقدم ذكره، والله أعلم. (٢) مسألة [١٥]: كيفية قضائه . • فيه قولان: الأول: يقضيه متواليًا، وهو مذهب أحمد، وجماعة من أصحابه، وجماعة

стр. 1718

من الشافعية. الثاني: يقضيه على صفته، ويأتي بالأذكار بينهما، ويخفف، وهو قول جماعة من الحنابلة، وهو الأصح عند الشافعية؛ لحديث أبي هريرة المتقدم: «ما أدركتم؛ فصلوا، وما فاتكم؛ فأتموا»، وهذا القول هو الصحيح. وقال المجد ابن تيمية ﵀ بعد أن حكى القولين في مذهبه: ومحل الخلاف فيما إذا خشي رفع الجنازة، أما إن علم بعادةٍ، أو قرينةٍ أنها تترك؛ فلا تردد أنه يقضي التكبيرات بذكرها على مقتضى تعليل أصحابنا. اهـ. (١) مسألة [١٦]: إذا أدركه في الثالثة مثلا، فهل يبدأ بالفاتحة، أم يدعو للميت ؟ • ذهب أحمد ﵀ إلى أنه يبدأ بالدعاء للميت متابعةً للإمام، فإذا سلم؛ كبَّر، وقرأ الفاتحة. • وذهب الشافعي ﵀ إلى أنه يبدأ بالفاتحة، ويصلي على الترتيب المعلوم؛ لأنه يمكنه أن يأتي بما تقتضيه ترتيب صلاته مع المتابعة. قلتُ: وقول الشافعي أقرب وأصح، ويؤيده ما تقدم في باب الجماعة والإمامة، أنَّ ما يقضيه المسبوق هو آخر صلاته، وأنَّ ما يدركه مع الإمام هو أول صلاته، والله أعلم. (٢)

стр. 1719

مسألة [١٧]: إذا أدرك الإمام بين التكبيرتين، فهل يكبر، أو ينتظر حتى يكبر ويكبر معه ؟ • فيها قولان: الأول: يكبر عند وصوله، وهو قول الشافعي، والأوزاعي، وأبي يوسف، ورواية عن مالك، ورواية عن أحمد، واختاره ابن حزم. الثاني: ينتظر حتى يكبر، ويكبر معه، وهو قول أبي حنيفة، والثوري، وإسحاق، ومحمد بن الحسن، ورواية عن أحمد، ورواية عن مالك. قال أبو عبد الله غفر الله له: قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ما أدركتم؛ فصلوا، وما فاتكم؛ فأتموا» يدل على القول الأول، وهو الصواب. (١) مسألة [١٨]: إذا جاء المسبوق بعد التكبيرة الأولى، فشرع في الفاتحة، فكبر الإمام الثانية ؟ • لو كبَّر المسبوق، ثم كبر الإمام الثانية قبل أن يشرع المسبوق في الفاتحة، فنقل النووي عدم الخلاف عند الشافعية أنه يكبر الثانية، وتسقط عنه الفاتحة، وهو مذهب الحنابلة أيضًا. • وأما إنْ كان في أثنائها؛ فأكثر الشافعية على أنه يقطعها، وتسقط عنه، وعندهم وجهٌ شاذٌّ أنه يتمها، وقال بعضهم: يقطعها، ويتمها بعد التكبيرة الثانية.

стр. 1720

وذكر ابن قدامة ﵀ في «المغني» أنه يقطع القراءة كالمسبوق في بقية الصلوات إذا ركع الإمام قبل إتمام القراءة. قال أبو عبدالله غفر الله له: يقرأ الفاتحة حتى يتمها، ثم يكبر، ويخفف حتى يدرك الإمام، والله أعلم. (١) مسألة [١٩]: لو تأخر المأموم عن التكبير حتى كبر الإمام التكبيرة التي بعدها بغير عذر ؟ قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٥/ ٢٤٢): لو تخلف المقتدي، فلم يكبر التكبيرة الثانية، أو الثالثة، حتى كبر الإمام التكبيرة التي بعدها بغير عذر؛ بطلت صلاته، صَرَّح به الشيخ أبو محمد الجويني، وإمام الحرمين، والغزالي، وآخرون من الخراسانيين قالوا: لأن القدوة في هذه الصلاة لا تظهر إلا بالموافقة في التكبيرات، وكأنه تخلف بركعة. اهـ مسألة [٢٠]: من نسي التكبيرة الرابعة، وسلَّم من ثلاث ؟ ثبت عن أنس بن مالك ﵁، أنه سلَّم من ثلاث، فقيل له في ذلك، فاستقبل القبلة، فزاد تكبيرة، ثم سلَّم. أخرجه عبد الرزاق (٣/ ٤٨٦)، عن معمر، عن قتادة، عنه، وفي رواية معمر عن قتادة ضعفٌ، ولكنه قد توبع، فقد قال الحافظ في «التغليق» (٢/ ٤٨٣) بعد أن ذكر رواية عبدالرزاق: وكذلك رواه عبدالوهاب بن عطاء في «الجنائز» له، عن سعيد، عن قتادة.

стр. 1721

وقد علَّقَ البخاري الأثر في «صحيحه» من طريق: حميد عن أنس. فصحَّ الأثر إن شاء الله، والعمل عليه. (١) مسألة [٢١]: جعل الصفوف ثلاثة . • استحبَّ جماعةٌ من الفقهاء أن تُجعَلَ الصفوف على الجنازة ثلاثة صفوف. واستدلوا بحديث مالك بن هبيرة، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من صلَّى عليه أمةٌ من المسلمين يبلغون أن يكونوا ثلاثة صفوف؛ فقد أوجب»، أخرجه أحمد (٢) وغيره. وهذا الحديث مداره على محمد بن إسحاق، ولم يصرح بالتحديث في جميع مصادر الحديث؛ فهو حديثٌ ضعيفٌ. ومع ذلك فليس فيه صراحة باستحباب الثلاثة صفوف، وإنما المراد به فضل من صلَّى عليه أمة من المسلمين يبلغون ثلاثة صفوف؛ فيكون موافقًا لحديث ابن عباس، وعائشة اللَّذَيْنِ تقدَّما في الكتاب تحت حديث (٥٤٣)، فراجعهما. ولا ينبغي أن يتكلف جعل ثلاثة صفوف والعدد قليل لا يصلح لذلك. وأما حديث أبي أمامة أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صلَّى على جنازة ومعه سبعة، فجعل ثلاثة خلفه، واثنين خلفهم، واثنين خلفهما؛ فهو حديثٌ ضعيفٌ، أخرجه الطبراني (٧٧٨٥)، وفي إسناده: ابن لهيعة، وقد تفرَّد به.

стр. 1722

مسألة [٢٢]: حكم تسوية الصفوف . تسوية الصفوف في الصلاة على الجنازة حُكْمُه كَحُكم تسوية الصفوف في الصلوات المكتوبة، وهو الوجوب؛ لأنه يشمله حديث: «لتسون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم» (١)، وحديث: «استووا ولا تختلفوا؛ فتختلف قلوبكم» (٢)، وحديث: «سووا صفوفكم؛ فإنَّ تسوية الصفوف من تمام الصلاة» (٣)، وغيرها من الأحاديث، والله أعلم. مسألة [٢٣]: من هو الأولى بالصلاة على الميت ؟ • اختار أحمد وأصحابه أنَّ أولى الناس بالصلاة عليه هو من أوصى به إنْ كان أوصى، ثم الأمير، ثم أقرباؤه، واحتج بأن جماعة من الصحابة أوصوا ببعض الناس أن يُصلوا عليهم. • وذهب كثير من أهل العلم إلى تقديم الأمير، ثم الأقرباء، وهو مذهب الجمهور، وعن الشافعي رواية بتقديم الولي، وهو قول أبي يوسف، واستدل الجمهور بحديث: «لا يؤمنَّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه» (٤)، وعند أن تُوُفِّيتْ أم كلثوم بنت علي، وابنها، صلَّى عليهما سعيد بن العاص، وهو الأمير مع وجود ابن عباس، وأبي سعيد، وأبي قتادة، وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة والتابعين. وقال البخاري ﵀ في «صحيحه» في [كتاب الجنائز باب: (٥٦)]: قال

стр. 1723

الحسن: أدركت الناس، وأحقهم على جنائزهم من رضوهم لفرائضهم. قلتُ: وهذا فيه إشارة من البخاري إلى تقديم الأقرأ لكتاب الله؛ لحديث: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله» (١)، وهذا القول أقرب، ولكن ذلك بعد الوصي، والأمير، والله أعلم. (٢) مسألة [٢٤]: هل يغسل أطفال المشركين ويصلى عليهم ؟ قال ابن عبد البر ﵀ في «التمهيد» (٦/ ٣٩٣) ط/مرتبه: ذكر المروزي وغيره أنَّ أهل العلم بأجمعهم قد اتفقوا على أنَّ حكم الأطفال في الدنيا حكم آبائهم؛ مالم يبلغوا، فإذا بلغوا؛ فحكمهم حكم أنفسهم. اهـ قلتُ: ويدل عليه حديث الصعب بن جثامة ﵁ في «الصحيحين» (٣)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سُئل عن ذراري المشركين يبيتون فيصيبونهم معهم؟ فقال: «هم منهم»، وحديث عائشة ﵂، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سُئل عن أطفال المسلمين؟ فقال: «هم من آبائهم»، وسُئل عن أطفال المشركين؟ فقال: «هم من آبائهم»، فقيل: بلا عمل؟ قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» (٤)، قال جماعة من أهل العلم: أي: هم من آبائهم في أحكام الدنيا، فعلى هذا: فلا يغسلون، ولا يصَلَّى عليهم. قال ابن عبد البر ﵀ في «التمهيد» (٦/ ٣٩٣): وكذلك أطفال الحرب

стр. 1724

حكمهم حكم آبائهم في جميع أحكامهم؛ إلا ما خَصَّت السنة منهم ومن نسائهم ألا يُقتلوا في دار الحرب؛ إلا أن يُقَاتِلوا. اهـ. (١) مسألة [٢٥]: حكم الطفل الحربي المشرك يكون أسيرًا بين المسلمين . • في هذه المسألة أقوال: الأول: أنَّ حكمه حكم والديه إنْ كان معه منهما أحد، وهذا قول الأكثر، ومنهم: أحمد، والشافعي، وأبو حنيفة، وأصحابهم، وحماد بن أبي سليمان، ورواية عن الثوري، قالوا: وإلا يكون حكمه حكم مالكه. الثاني: أنَّ حكمه حكم والديه، وإنْ لم يكن معه منهما أحد، حتى يصلي، وهو قول الشعبي، وابن عون، ومالك، وأبي ثور، وحجتهم أنه باقٍ على أصله حتى يخرج عن ذلك. الثالث: يكون حكمه حكم مالكه، أي: من المسلمين، وإنْ كان معه أحدُ والديه، قالوا: والملك هاهنا أولى به من النسب، وهو قول الأوزاعي، وبعض المالكية، وأبي عبيد، ورواية عن الثوري. قلتُ: والأقرب من هذه الأقوال هو القول الأول، والله أعلم، ويدل عليه الحديثان المتقدمان في المسألة السابقة، وعلى هذا: فلا يغسلون، ولا يُصلَّى عليهم إنْ كان معهم أحدُ والديهم، وإلا فيغسلوا، ويُصلَّ عليهم؛ لحديث: «كل مولود يولد على الفطرة»، وقد استدل به الإمام أحمد ﵀. (٢)

стр. 1725

٥٥٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَسْرِعُوا بِالجِنَازَةِ؛ فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إلَيْهِ، وَإِنْ تَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ».مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: حكم الإسراع بالجنازة وكيفيته . قال النووي ﵀ في «المجموع» (٥/ ٢٧١): واتفق العلماء على استحباب الإسراع بالجنازة؛ إلا أن يخاف من الإسراع انفجار الميت، أو تغيره، أو نحوه، فيُتأنى، قال الشافعي والأصحاب: المراد بالإسراع فوق المشي المعتاد ودون الخبب. اهـ وقد نقل ابن قدامة أيضًا عدم الخلاف في الاستحباب، وقد ذهب ابن حزم إلى الوجوب؛ لظاهر قوله: «أسرعوا بالجنازة»، وهو ترجيح الإمام الألباني، وهو الصحيح؛ لعدم وجود صارف عن الوجوب، وقد أنكر أبو بكرة ﵁ على من أبطأ بها، وقال: لقد رأيتنا على عهد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نكاد أن نرمل بها رملًا. (٢) ودلَّ هذا الحديث أيضًا على أنَّ الإسراع دون الرمل، وهو قول عامة أهل العلم. (٣)

стр. 1726

مسألة [٢]: نقل الجنازة إلى بلد آخر . • قال النووي ﵀ في كتابه «الأذكار» (١/ ٤٣٣): إذا أوصى أن ينقل إلى بلد آخر لا تنفذ وصيته؛ فإنَّ النقل حرام على المذهب الصحيح المختار الذي قاله الأكثرون، وصرَّح به المحققون. اهـ قلتُ: وقال جماعة من الشافعية بالكراهة فقط. قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٣/ ٤٤٢): ولا ينقل الميت من بلده إلى بلد آخر؛ إلا لغرض صحيح، وهو مذهب الأوزاعي، وابن المنذر. اهـ، وانظر بقية كلامه. وسئل الزهري ﵀ كما في «الأوسط» (٥/ ٤٦٤) بإسنادٍ صحيحٍ عن نقل الميت إلى بلد آخر، فقال: قد حمل سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن المسيب من العقيق إلى المدينة، فدفنا بها. اهـ وقال ابن عيينة: مات ابن عمر ههنا، يعني: بمكة؛ فأوصى ألا يدفن بها، وأن يدفن بسرف. وأجاز ذلك الحنفية، وقيد بعضهم الجواز بالميل والميلين، وأجازه أحمد في رواية، والجواز مذهب المالكية. وممن كره نقل الميت عائشة ﵂، حيث قالت: لو حضرت عبد الرحمن -تعني أخاها- ما دفن إلا حيث مات، وقالت: أكثر ما أجد فيه من شأن أخي أنه لم يدفن حيث مات. أخرجه عبد الرزاق (٣/ ٥١٧)، ومن طريقه ابن المنذر

стр. 1727

(٥/ ٤٦٤) بإسناد صحيح. تنبيه: إذا كان نقل الميت من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام؛ فقد أجازه أهل العلم، وأفتى بذلك الشيخ ابن باز ﵀، ومن معه من أعضاء اللجنة الدائمة. وإذا كان نقله لغرض صحيح؛ فلا بأس. وقد بوب البخاري ﵀ في صحيحه: (باب من أحب الدفن بالأرض المقدسة). واستدل بقصة موسى ﵇، عند أن حضره الموت؛ فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر. قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (١٣٣٩): واختلف في جواز نقل الميت من بلد إلى بلد؛ فقيل: يكره لما فيه من تأخير دفنه، وتعريضه لهتك حرمته. وقيل: يستحب، والأولى تنزيل ذلك على حالتين: فالمنع حيث لم يكن هناك غرض راجح كالدفن في البقاع الفاضلة، وتختلف الكراهة في ذلك؛ فقد تبلغ التحريم. والاستحباب حيث يكون ذلك بقرب مكان فاضل كما نص الشافعي على استحباب نقل الميت إلى الأرض الفاضلة كمكة وغيرها، والله أعلم. (١) مسألة [٣]: ما حكم حمل الجنازة إلى المقبرة ؟ هو فرض كفاية عند أهل العلم؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الحديث: «أسرعوا بالجنازة»،

стр. 1728

ولأنه لا يتم دفنه إلا بحمله، وما لا يتم الواجب إلا به؛ فهو واجب. والسنة أن يحملوه على أعناقهم؛ لحديث الباب: «فشرٌّ تضعونه عن رقابكم». ولحديث أبي سعيد في «البخاري» (١٣٨٠): «إذا وُضِعت الجنازة، واحتملها الرجال على أعناقهم؛ فإنْ كانت صالحة قال: قالت: قدموني ... » الحديث. وأما حملها بسيارة، أو عربة فخلاف السنة، إلا أن يُحتاج إلى السيارة؛ لبعد المقبرة بُعْدًا يشق على الحاملين ذلك البعد؛ فلا بأس إن شاء الله، والله أعلم. (١)

стр. 1729

بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة مسألة [١]: من يحمل الجنازة ؟ قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٥/ ٢٧٠): قال الشافعي في «الأم»، والأصحاب: لا يحمل الجنازة إلا الرجال، سواء كان الميت ذكرًا، أو أنثى، ولا خلاف في هذا؛ لأنَّ النساء يضعفن عن الحمل وربما انكشف منهن شيء لو حملن. اهـ مسألة [٢]: كيفية حمل الميت . ذكر أهل العلم أنَّ الميت يحمل على سرير، أو لوح، أو محمل، وقالوا: أي شيء حمل عليه أجزأ، ولكنهم استثنوا ما كان فيه إهانة للميت؛ فلا يجوز حمله به. قال ابن حزم ﵀ في «المحلَّى» (٦٠٩): ويحمل النعش كما يشاء الحامل، إنْ شاء من أحد قوائمه، وإنْ شاء بين العمودين، وهو قول مالك، والشافعي، وأبي سليمان (١)، وقال أبو حنيفة: يحمله من قوائمه الأربع. اهـ قلتُ: ولكن مذهب الشافعي وأصحابه تفضيل الحمل بين العمودين، ومذهب أحمد، وإسحاق، والثوري، وغيرهم تفضيل التربيع كما قال أبو حنيفة، وذهب مالك، وداود الظاهري إلى أنهما سواء في الفضيلة، وهو ظاهر ترجيح ابن حزم، وهو الأقرب، الله أعلم. (٢)

стр. 1730

٥٥٤ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ شَهِدَ الجِنَازَةَ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطَانِ» قِيلَ: وَمَا القِيرَاطَانِ؟ قَالَ: «مِثْلُ الجَبَلَيْنِ العَظِيمَيْنِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) وَلِمُسْلِمٍ: «حَتَّى تُوضَعَ فِي اللَّحْدِ». (٢) وَلِلْبُخَارِيِّ: «مَنْ تَبِعَ جِنَازَةَ مُسْلِمٍ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَكَانَ مَعَهَا حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيُفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطَيْنِ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ». (٣) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: فضيلة اتباع الجنازة . في حديث الباب الحث العظيم على اتباع الجنازة، وفضيلة ذلك بأنَّ من تبعها حتى يصلي عليها، ويدفن؛ يرجع بقيراطين، كل قيراط مثل جبل أُحُد من الأجر، وأصل القيراط جزء من الدينار والدرهم، وهو يساوي نصف عشر الدينار،

стр. 1731

ونصف سدس الدرهم، وذكر القيراط في الحديث تقريبًا للفهم؛ لَمَّا كان الإنسان يعرف القيراط، ويعمل العمل في مقابلته، والمقصود أنَّ له نصيبًا من الأجر بَيَّنَه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بأنه كالجبلين العظيمين. (١) قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٥/ ٢٧٧): قال الشافعي والأصحاب: يستحب للرجال اتباع الجنازة حتى تُدفن، وهذا مُجمعٌ عليه؛ للأحاديث الصحيحة فيه. قلتُ: ويحمل الاستحباب على ما زاد على من يستطيع حمله، وتجهيزه، وقبره؛ فإنَّ هذا فرض كفاية كما تقدم، وفي «الصحيح»: «حقُّ المسلم على المسلم ست»، وفيه: «وإذا مات، فاتبعه». (٢) مسألة [٢]: ما هو متعلق القيراطين ؟ • ذهب أكثر أهل العلم إلى أنَّ القيراط الأول يحصل لمن صلَّى عليها، سواءٌ تبعها، أم لم يتبعها؛ لأنَّ أكثر ألفاظ الحديث تدل على ذلك. • وذهب المحب الطبري، وغيره إلى أنَّ القيراط الأول يحصل لمن حضر معها من أول الأمر إلى أن يصلي عليها؛ لظاهر الحديث: «من شهد جنازة حتى يصلى عليها»، وفي بعض الروايات عند مسلم (٩٤٥) (٥٦): «من خرج مع جنازة من بيتها حتى يصلي عليها»، ونحو ذلك، ولكن جاءت رواية فيها: «من صلى على جنازة؛ فله قيراط»، وفي بعض روايات الحديث: «من صلى

стр. 1732

على جنازة ولم يتبعها؛ فله قيراط»، أخرج الروايتين مسلم في «صحيحه» برقم (٩٤٥)؛ فتُحمل على أنَّ المراد بالاتباع، أي: للصلاة، لا أنَّ القيراط لا يحصل إلا بالاتباع مع الصلاة جمعًا بين ألفاظ الحديث، والله أعلم. وأما القيراط الثاني، ففي حديث الباب: «حتى تدفن»، وظاهره أن حصول القيراط الثاني متوقف على فراغ الدفن، وهو أصح الأوجه عند الشافعية وغيرهم، وقيل: يحصل بمجرد الوضع في اللحد؛ لرواية مسلم التي في الباب، قال النووي: والصحيح أنه لا يحصل إلا بالفراغ من الدفن؛ لرواية البخاري، ومسلم في هذا الحديث: «من تبعها حتى يفرغ من دفنها؛ فله قيراطان»، وفي رواية مسلم: «حتى يفرغ منها»، أو يُتأول رواية: «حتى توضع في اللحد» أنَّ المراد وضعها مع الفراغ، وتكون إشارة إلى أنه ينبغي أنْ لا يرجع قبل وصولها القبر. اهـ. (١)

стр. 1733

٥٥٥ - وَعَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ ﵄: أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ يَمْشُونَ أَمَامَ الجِنَازَةِ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَأَعَلَّهُ النَّسَائِيّ وَطَائِفَةٌ بِالإِرْسَالِ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: أين يكون المتبع للجنازة ؟ • أجاز أهل العلم أن يمشي أمامها، أو خلفها، أو عن يمينها وشمالها، واختلفوا في الأفضل، فذهب جمهور العلماء إلى تفضيل المشي أمامها؛ لحديث ابن عمر المذكور في الكتاب، ولأنَّ الشفيع يتقدم المشفوع له. وثبت عن جمعٍ من الصحابة المشي أمام الجنازة، ثبت ذلك عن ابن عمر، وأبي هريرة، والحسن بن علي، وابن الزبير ﵃ كما في «مصنف ابن أبي شيبة»، و «الأوسط» لابن المنذر. وثبت في «مصنف ابن أبي شيبة» عن أبي صالح، أنه قال: كان أصحاب محمد ﷺ يمشون أمام الجنازة حتى إذا تباعدوا عنها؛ قاموا ينتظرونها.

стр. 1734

• وذهب جماعة من الفقهاء إلى تفضيل المشي خلفها، وهو قول الأوزاعي، وإسحاق، وأبي حنيفة، وابن حزم. واستدلوا بظاهر قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من اتبع جنازة ... »، والاتباع يكون بالمشي خلفها، واختاره الألباني. • وذهب جماعة إلى أن ذلك سواء، وهو بالخيار، وهو قول أنس، والبخاري، والثوري، قال أنس: أنتم مشيعون؛ فامشوا بين يديها، وخلفها، وعن يمينها، وعن شمالها. علَّقه البخاري في «صحيحه». (١) قلتُ: وهذا القول أقرب، والله أعلم. (٢) مسألة [٢]: الركوب في اتباع الجنازة . • ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى كراهة الركوب في اتباع الجنازة، وهو قول كثير من الشافعية، والحنابلة. واستدلوا بحديث ثوبان في «سنن الترمذي» (١٠١٢): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رأى أناسًا ركوبًا في جنازة، فقال: «ألا تستحيون، إن ملائكة الله على أقدامهم، وأنتم على ظهور الدواب»، وفي إسناده: أبو بكر بن أبي مريم، وهو ضعيف.

стр. 1735

وقد روي موقوفًا على ثوبان بإسناد صحيح رواه ابن أبي شيبة (٣/ ٢٨٠)، وابن المنذر (٥/ ٣٨٦) بنحوه، ورجح البخاري الموقوف، ذكره الترمذي عقب الحديث. • وقد ذهب بعض الحنابلة إلى الجواز مع تفضيل المشي، وهذا القول أقرب، والدليل على أفضلية المشي أنَّ هذا هو فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأصحابه. والدليل على جواز الركوب قوله ﵊: «الراكب خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها، والطفل يصلى عليه»، أخرجه الترمذي (١٠٣١)، والنسائي (١٩٤٢) وغيرهما، وإسناده صحيح، وقد رجح بعضهم وقفه، ويظهر أن رفعه محفوظ أيضًا، والله أعلم. وثبت بإسناد صحيح عند ابن أبي شيبة (٣/ ٢٧٩) عن أبي بكرة ﵁ أنه كان في جنازة عبد الرحمن بن سمرة على بغلة له. (١) مسألة [٣]: الركوب عند الرجوع من المقبرة . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٣/ ٣٩٩): فَأَمَّا الرُّكُوب فِي الرُّجُوعِ مِنْهَا؛ فَلَا بَأْسَ بِهِ. قَالَ جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ اتَّبَعَ جِنَازَةَ ابْنِ الدَّحْدَاحِ مَاشِيًا، وَرَجَعَ عَلَى فَرَسٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ. (٢) وقال النووي ﵀: واتفقوا على أنه لا بأس بالركوب في الرجوع. اهـ (٣)

стр. 1736

٥٥٦ - وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: حكم اتباع النساء للجنازة . • قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٥/ ٢٧٨): هذا الذي ذكرناه من كراهة اتباع النساء الجنازة هو مذهبنا، ومذهب جماهير العلماء، حكاه ابن المنذر عن ابن مسعود، وابن عمر (٢)، وأبي أمامة (٣)، وعائشة (٤)، ومسروق، والحسن، والنخعي، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وبه قال الثوري، وعن أبي الدرداء، والزهري، وربيعة أنهم لم ينكروا ذلك، ولم يكرهه مالك إلا للشابة. اهـ قلتُ: وذهب ابن حزم إلى الجواز أيضًا، وذهب بعض الحنابلة، وبعض الشافعية إلى التحريم، وهو ظاهر مذهب الأوزاعي؛ فإنَّ ابن المنذر قال: وكان الأوزاعي يرى منع النساء الخروج مع الجنائز. قلتُ: أما من قال بالتحريم؛ فاستدلوا بقول أم عطية: نُهِينا عن اتباع الجنائز. وأما من قال بالكراهة؛ فاستدلوا بقولها: ولم يُعزم علينا.

стр. 1737

وأما من قال بالجواز فقد استُدِلَّ لهم بحديث أبي هريرة عند أحمد (٧٦٩١) (٩٧٣١)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان في جنازة، فرأى عمر امرأةً، فصاح بها، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «دعها يا عمر؛ فإنَّ العين دامعة، والنفس مصابة، والعهد قريب»، وهو من طريق: محمد بن عمرو بن عطاء، عن أبي هريرة، ولم يسمعه منه، فقد رواه عن سلمة بن الأزرق عنه كما في بعض الطرق، وسلمة بن الأزرق مجهول. والأقرب من هذه الأقوال قول الجمهور، أعني القول بالكراهة، وهو اختيار ابن المنذر، والله أعلم. (١) فائدة: جاءت أحاديث تدل على تحريم الاتباع ولكنها لم تصح ولم تثبت، وهي: ١) حديث علي عند ابن ماجه (١٥٧٨)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال لنساءٍ: «ارجعن مأزورات، غير مأجورات»، وفي إسناده: إسماعيل بن سلمان الكوفي، وهو متروك، وفيه أيضًا: دينار أبو عمر الأسدي، كذبه الخليلي، وقال البخاري: كان مختاريًا. يعني من شُرَط المختار بن أبي عبيد الثقفي الكذاب. ٢) حديث عبدالله بن عمروبن العاص عند أحمد (٢/ ١٦٨)، وأبي داود (٣١٢٣) والنسائي (٤/ ٢٧)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال لفاطمة في ضمن حديث طويل: «لو كنت بلغت معهم الكُدَى -المقبرة- ما دخلت الجنة حتى يدخل جد أبيك»، وفي إسناده ربيعة بن سيف المعافري، ضعيفٌ، وأُنكر عليه هذا الحديث.

стр. 1738

٥٥٧ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إذَا رَأَيْتُمُ الجِنَازَةَ فَقُومُوا، فَمَنْ تَبِعَهَا فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى تُوضَعَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: القيام لمن رأى الجنازة . • ذهب طائفة من أهل العلم إلى استحباب القيام لمن مرت به جنازة حتى تخلفه، أو توضع، وهو قول أحمد في رواية، وإسحاق، وابن الماجشون، وابن حبيب، وبعض الشافعية، واختاره ابن حزم، والنووي، واستدلوا بحديث أبي سعيد المذكور في الكتاب، وبحديث عامر بن ربيعة، وهو في «الصحيحين» مرفوعًا: «إذا رأيتم الجنازة؛ فقوموا حتى تخلفكم أو توضع» (٢)، وقد صحَّ العمل بذلك عن جمعٍ من الصحابة منهم: أبو مسعود البدري، وأبو سعيد، وقيس بن سعد، وسهل بن حنيف، بل إنَّ قيس بن سعد، وسهل بن حنيف سُئلا عن ذلك، فقالا: إنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مُرَّ عليه بجنازة، فقام، قيل: إنها يهودية، فقال: «أليست نفسًا»، والحديث في «الصحيحين». (٣) • وذهب طائفة من أهل العلم إلى أنَّ القيام لها منسوخ، واستدلوا بحديث علي

стр. 1739

ابن أبي طالب في «صحيح مسلم» (٩٦٢)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قام للجنازة، ثم قعد. وهو قول الشافعي، ومالك، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية، وهي الأشهر عند أصحابه، وقالوا: هذا هو آخر الأمرين من فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وقد جاء الحديث المذكور بلفظ الأمر بالقعود عند أحمد (٦٢٣)، وابن حبان (٣٠٥٦)، وغيرهما. وهي رواية شاذة؛ لأنها من طريق: محمد بن عمرو بن علقمة، وهو صدوق يخطئ، وقد خالفه: يحيى بن سعيد الأنصاري كما في «صحيح مسلم»، وهو ثقةٌ ثبتٌ، فروى الحديث بلفظ الخبر، ثم رواه مسلم من وجه آخر أيضًا بلفظ الخبر. وقد أجاب أهل القول الأول على حديث علي بأنَّ المشهور المحفوظ في الحديث هو لفظ الخبر، والفعل، وذلك لا يفيد النسخ، بل يمكن العمل بالحديثين، ويحمل الأمر على الاستحباب، وهذا هو الصواب، والله أعلم. (١) مسألة [٢]: إذا تبع الجنازة، فهل يجلس قبل أن توضع ؟ • ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه لا يجلس حتى توضع؛ لحديث أبي سعيد المذكور في الكتاب. وهو قول أحمد وأصحابه، وإسحاق، والأوزاعي، وصحَّ هذا عن جمع من الصحابة، وهم: ابن عمر، وأبو هريرة، وأبو سعيد، والحسن بن علي، وابن الزبير، وغيرهم، وقال به من التابعين: النخعي، والشعبي، فكل هؤلاء كرهوا القعود قبل

стр. 1740

أن توضع الجنازة. • وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ ذلك منسوخ أيضًا بحديث علي المتقدم، وهو قول الشافعي، وجماعة من أصحابه، ومالك، والحميدي، وغيرهم، وصحَّ ذلك عن علي ﵁، وعن ابن عباس ﵄، أعني عدم القيام، واستدلا بأنه آخرالأمرين من فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول أرجح؛ لما تقدم في المسألة السابقة، والله أعلم. (١)

стр. 1741

٥٥٨ - وَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، أَنَّ عَبْدَاللهِ بْنَ يَزِيدَ ﵁ أَدْخَلَ المَيِّتَ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيِ القَبْرِ وَقَالَ: هَذَا مِنَ السُّنَّةِ. أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: كيفية إدخال الميت القبر . • قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٥/ ٢٩٤): قد ذكرنا أن مذهبنا: أن السنة أن يوضع رأسه عند رجلي القبر، ثم يُسَلُّ سَلًّا. • وقال أبو حنيفة: يوضع عرضًا من ناحية القبلة، ثم يُدْخَلُ القبر معترضًا. • وَحَكَى ابنُ المنذر عن ابن عمر، وأنس بن مالك، وعبد الله بن يزيد الخطمي الصحابي، والشعبي، والنخعي مثل مذهبنا، وهو مذهب أحمد، واختاره ابن المنذر، وعن علي بن أبي طالب ﵁، وابنه محمد، وإسحاق بن راهويه كمذهب أبي حنيفة، وقال مالك ﵀: كلاهما سواء. وعنه رواية كمذهبنا. اهـ قلتُ: وذهب ابن حزم إلى أنَّ ذلك سواء، فكيفما أمكن أُدْخِلَ. وأما الآثار التي ذكرها ابن المنذر، فأثر ابن عمر فيه جابر الجعفي، وهو مُتَّهَمٌ.

стр. 1742

وأما أثر أنس، وعبد الله بن يزيد، وعلي فكلها ثابتة كما في «الأوسط» (٥/ ٤٥٢ - ٤٥٣). قال أبو عبد الله غفر الله له: يجوز إدخاله على ما يتيسر، ولكن الأفضل أن يدخل من قِبَلِ رِجْلَي القبر؛ لقول عبد الله بن يزيد كما في الكتاب: إنَّ ذلك من السنة. وقول الصحابي: (من السُّنَّة)، له حكم الرفع عند المحدثين، والله أعلم. (١)

стр. 1743

فَصْل فِي ذِكْرِ بَعْضِ المَسَائِلِ المُتَعَلِّقَةِ بِالدَّفْن مسألة [١]: حكم دفن الميت . قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٥/ ٢٨٢): دفن الميت فرض كفاية بالإجماع. قلتُ: ويدل عليه حديث أبي سعيد الخدري في «صحيح مسلم» (٢٢٣٦) في قصة الذي قتل الحية، وقتلته، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «اذهبوا فادفنوا صاحبكم»، وقوله في شهداء أحد: «زملوهم بدمائهم». وفي «البخاري»: «وأمر بدفنهم بدمائهم» (١)، وأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بسحب جثث المشركين يوم بدر إلى بئر من آبارها، وأمر عليًّا أن يواري أباه (٢)، فإذا كان هذا في حق الكافر؛ فالمؤمن من باب أولى، والله أعلم. مسألة [٢]: حكم الدفن في المقبرة . قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٥/ ٢٨٢ - ٢٨٣): يجوز الدفن في البيت، وفي المقبرة، والمقبرة أفضل بالاتفاق. اهـ

стр. 1744

واستدلوا على أنَّ المقبرة أفضل أنَّ ذلك هو صنيع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فقد كان يدفن أصحابه بالبقيع، واستدلوا على الجواز في البيت بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وصاحبيه دُفِنا في حجرة عائشة، وقد عزا ابن رجب القول بجواز الدفن في البيوت إلى جمهور العلماء كما في «فتح الباري» (٤٣٢). قلتُ: ومع القول بالجواز في غير المقبرة؛ فلا يخلو من كراهة؛ لأنها قد تتعرض للامتهان، ولما فيه من عَزْلِه عن المقبرة التي هي محل زيارة المسلمين، ودعائهم للموتى فيها، والله أعلم. ثم إنَّ القول بالجواز -فيما يظهر لي - إنما هو فيما إذا كان في غير البيت، وأما في البيت فلا يجوز؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى أنَّ تتخذ البيوت مقابر. قال الحافظ الذهبي ﵀ كما في «السير» (٨/ ٢٩ - ٣٠): وقد نهى ﵇ أن يبنى على القبور، ولو اندفن الناس في بيوتهم؛ لصارت المقبرة والبيوت شيئًا واحدًا، والصلاة في المقبرة منهي عنها نهي كراهية، أو نهي تحريم، وقد قال ﵇: «أفضل صلاة الرجل في بيته إلا المكتوبة»، فناسب ذلك ألا تتخذ المساكن قبورًا، وأما دفنه في بيت عائشة صلوات الله عليه وسلامه فمختص به، كما خص ببسط قطيفة تحته في لحده، وكما خص بأن صلوا عليه فرادى بلا إمام، فكان هو إمامهم حيًّا وميتًا، في الدنيا والآخرة، وكما خص بتأخير دفنه يومين، ويكره تأخير أمته؛ لأنه هو أُمِنَ عليه التغير بخلافنا، ثم إنهم أخروه حتى صلوا كلهم عليه داخل بيته، فطال لذلك الأمر؛ ولأنهم ترددوا شطر اليوم الأول في موته حتى قدم أبو بكر

стр. 1745

الصديق من السنح؛ فهذا كان سبب التأخير. انتهى. (١) مسألة [٣]: من يتولى الدفن ؟ قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٥/ ٢٨٨): قال الشافعي والأصحاب ﵏: الأَوْلَى أن يتولى الدفنَ الرجالُ، سواء كان الميت رجلًا، أو امرأة، وهذا لا خلاف فيه، وعللوه بعلتين: إحداهما: التي ذكرها المصنف أنَّ الرجال أقوى وأشد بطشًا. والثانية: أن المرأة لو تولت ذلك أدى إلى انكشاف بعض بدنها. اهـ. (٢) مسألة [٤]: من هو الأولى بدفن الميت ؟ ذكر أهل العلم أنَّ أولى الناس بالميت أرحامه؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٥]. فأولى الناس بدفن الميت: أبوه، وجده وإن علا، ثم ابنه، وابن ابنه وإن سفل، ثم إخوانه، ثم أبناء إخوانه، ثم أعمامه، ثم أبناء أعمامه، ثم الأقرب فالأقرب. • واختلفوا في أيهما يقدم في دفن ذات الزوج: محارمها، أم زوجها؟ والأشهر عند الحنابلة تقديم المحارم، وهو قول بعض الشافعية، واختاره ابن حزم للآية المتقدمة.

стр. 1746

• وذهب كثير من الشافعية إلى تقديم الزوج، وهو قول بعض الحنابلة؛ لأنه يجوز له غسلها، فكان أولى في الدفن، وكِلا القولين له وجهٌ، والقول الأول أقرب؛ لظاهر الآية، وعمومها. وقد قدم بعض أهل العلم في دفن المرأة من لم يقارف -يجامع- في الليلة السابقة -وإن كان أجنبيًّا- على من قارف، وإن كان مَحرَمًا؛ لحديث أنس في «البخاري» (١٢٨٥) في دفن بنتٍ لرسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أيكم لم يقارف الليلة؟»، فقال أبو طلحة: أنا. قال: «فانزل في قبرها»، فنزل، فقبرها. وقد نَصَّ على ذلك ابن حزم، والشوكاني، والألباني، والوادعي، وغيرهم، وهذا هو الصواب، ويكون ذلك مُخَصِّصًا لما تقدم، ويخصِّص ما تقدم أيضًا الوصي، فإذا أوصى الميت أن يدفنه إنسان؛ لصلاحه، أو علمه، أو ورعه؛ نفذت وصيته، والله أعلم. (١) مسألة [٥]: تعميق القبر، وتوسيعه . استحب أهل العلم أن يُعَمَّقَ القبر، وأن يوسع من جوانبه، وفي الباب حديثان صحيحان: أحدهما: حديثُ هشام بن عامر، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال في شهداء أُحُد: «احفروا، وأعمقوا، وأحسنوا، وادفنوا الاثنين، والثلاثة في القبر». وثانيهما: حديثُ رجلٍ من الأنصار أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- خرج في جنازة، فكان يقول للحافر: «أوسع من قِبَلِ رِجْلَيْهِ، أوسع من قِبَلِ رأسه»، والأول عند أحمد (٤/ ٢٠)،

стр. 1747

والنسائي (٤/ ٨٣)، وهو صحيح. (١) والثاني عند أبي داود (٣٣٣٢) بإسناد صحيح وقد صحح الحديثين الإمام الألباني ﵀ في «الإرواء» (٧٤٣، ٧٤٤) وصحح الثاني أيضًا شيخنا مقبل الوادعي ﵀ في «الصحيح المسند» (١٤٨٣). قال أهل العلم: وأقل ما يجب في الحفر هو ما يمنع ظهور الرائحة، ونبش السباع، واختلفوا في الأفضل: فعن أحمد رواية: إلى الصدر. وعنه رواية: قامة، وبسطة. وهو اختيار الشافعية، وعن أحمد رواية: أنَّ ذلك لا حدَّ له، وقال صاحب «الإنصاف»: هو الصحيح من المذهب. اهـ قلتُ: وهو ظاهر مذهب مالك، وهو أظهر الأقوال، والله أعلم. (٢) مسألة [٦]: حل عُقَدِ الكفن في القبر . ذكر أهل العلم أنَّ العُقَدَ التي عُقِدَ بها الكفن تُحَلُّ في القبر؛ لأنَّ المقصود من

стр. 1748

تلك العقد أن لا ينفك الكفن عن الميت، وقد ذهبت هذه العِلَّة. قلتُ: وإن تركت ولم تحل؛ فلا أعلم في ذلك بأسًا، والله أعلم. (١) مسألة [٧]: وضع الميت في القبر مستقبلا القبلة . أخرج أبو داود (٢٨٧٥)، والنسائي (٧/ ٨٩)، من حديث عمير والد عبيد حديثًا فيه ذكر الكبائر، وفي الحديث قال: «واستحلال البيت الحرام، قبلتكم أحياءً، وأمواتًا»، وهو من طريق: يحيى بن أبي كثير عن عبد الحميد بن سنان، عن عبيد بن عمير، عن أبيه، فذكره، وإسناده ضعيفٌ؛ لأنَّ عبد الحميد بن سنان مجهول، تفرد بالرواية عنه يحيى بن أبي كثير، ولم يوثقه معتبر، بل قال البخاري: في حديثه نظر. وذكر الذهبي هذا الحديث في ترجمته من «الميزان»، ويحيى بن أبي كثير مدلس، ولم يصرح بالتحديث. وقد ذكر الإمام الألباني ﵀ لهذا الحديث شاهدًا عن ابن عمر ﵄، كما في «الإرواء» (٦٩٠)، فحسَّنه به، وحديث ابن عمر ﵄، أخرجه البيهقي (٣/ ٤٠٩) من طريق: أيوب بن عتبة، عن طيسلة بن علي، عن ابن عمر ﵄، فذكره، وفيه ذكر الكبائر، قال: «وإلحاد بالبيت الحرام، قبلتكم أحياءً، وأمواتًا»، وأيوب بن عتبة ضعيفٌ، وقد خُولِف، فقد خالفه زياد بن مِخراق، وهو ثقة، فروى الحديث عن طيسلة، عن ابن عمر ﵄، موقوفًا عليه، وليس فيه ذكر: «قبلتكم أحياءً وأمواتًا». وقد رجَّح الموقوف الإمام الألباني ﵀ في «الصحيحة» (٢٨٩٨)، وعلى هذا؛

стр. 1749

فالحديث ضعيفٌ، لا يثبت، ورواية زياد بن مِخراق عند البخاري في «الأدب المفرد» (٨). وقد استدل جماعة من أهل العلم بالحديث المذكور على توجيه الميت إلى القبلة في القبر، وهو لا يثبت كما تقدم، لكن ذكر ابن حزم ﵀ في «المحلَّى» أنَّ هذا عمل المسلمين من عهد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إلى يومنا هذا، وعليه؛ فهذا يُغني عن الحديث المتقدم؛ لضعفه. قلتُ: ويمكن أن يستدل على توجيه الميت المسلم في القبر إلى القبلة بحديث الصلاة على القبر؛ في الصحيحين وغيرهما، عن عدد من الصحابة؛ فإنه لا يصلى على القبر؛ إلا مع توجيهه إلى القبلة، وهذا واضح بين. ولكن هل توجيهه إلى القبلة على سبيل الوجوب، أم الاستحباب؟ • ذهب الشافعية، وأكثر الحنابلة إلى الوجوب. • وذهب بعض الحنابلة، والقاضي أبو الطيب من الشافعية إلى الاستحباب، وهو اختيار ابن حزم ﵀. والقول بالوجوب هو الصواب؛ لأن هذا العمل جرى عليه عمل المسلمين، وصار من شعائر قبور المسلمين، أعني أن تكون موجهة إلى القبلة، والله أعلم، ولقوله ﵊: «من رغب عن سنتي؛ فليس مني» متفق عليه عن أنس ﵁. (١)

стр. 1750

مسألة [٨]: على أي جنب يوضع الميت في القبر . قال ابن حزم ﵀ في «المحلى» (٦١٥): ويُجعل الميت في قبره على جنبه اليمين، ووجهه قبالة القبلة، ورأسه ورجلاه إلى يمين القبلة، ويسارها، وعلى هذا جرى عمل أهل الإسلام من عهد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إلى يومنا هذا، وهكذا كل مقبرة على ظهر الأرض. اهـ وقال صاحب «الإنصاف» (٢/ ٥٢١): وضعه في لحده على جنبه الأيمن مستحبٌّ بلا نزاع. اهـ وقال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٥/ ٢٩٣): واتفقوا على أنه يُستحبُّ أن يُضْجَعَ على جنبه الأيمن، فلو أُضْجِعَ على جنبه الأيسر مستقبل القبلة؛ جاز وكان خلاف الأفضل. اهـ مسألة [٩]: دفن الجنازة في أوقات النهي . تقدم في باب المواقيت حديث عقبة: «ثلاث ساعات كنا ننهى أن نصلي فيها، أو أن ندفن فيهن موتانا» الحديث، فهذا الحديث فيه النهي عن ذلك. وقد جزم بعدم الجواز ابن حزم، ثم الإمام الألباني ﵀، ونصَّ أحمد على الكراهة، وأوَّله النووي على من تعمد ذلك، والصواب عدم الجواز، والله أعلم. أما بعد صلاة الفجر وبعد صلاة العصر فقد نُقِل الإجماع على جواز الدفن فيها. (١)

стр. 1751

٥٥٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «إذَا وَضَعْتُمْ مَوْتَاكُمْ فِي القُبُورِ، فَقُولُوا: بِسْمِ اللهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَأَعَلَّهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِالوَقْفِ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: ماذا يقال عند دفن الميت في قبره ؟ استحب أهل العلم للذي يتولى الدفن أن يقول هذا الذكر المذكور في حديث الباب عند وضعه الميتَ في القبر. (٢)

стр. 1752

تنبيه: ما يفعله بعض الناس من الأذان والإقامة عند دفن الميت من البدع المنكرة التي لا أصل لها في دين الله ، وقد قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».

стр. 1753

٥٦٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «كَسْرُ عَظْمِ المَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا». رَوَاهُ أَبُودَاوُد بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ. (١) ٥٦١ - وَزَادَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂: «فِي الإِثْمِ». (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: تحريم إهانة الميت بكسر، أو قطع، أو نحو ذلك . دلَّ الحديثان على حرمة المسلم في حال موته كحرمته في حال حياته؛ إلا أنَّ الميت لا يماثل الحي في الدية إذا تُعُدِّيَ على بعض أعضائه، وقد دلَّ على تحريم ذلك أيضًا حديث عبد الله بن يزيد الأنصاري في «البخاري» (٢٤٧٤): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن النهبى والمُثْلة. والمثلة هي تقطيع بعض أجزاء الميت، وقد نهى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن ذلك حتى في حق الكفار، كما في حديث بريدة في «مسلم»: «اغزوا،

стр. 1754

ولا تغلوا، ولا تمثلوا ... » (١)، وأيضًا قول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنَّ دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم عليكم حرام ... » (٢)، الحديث يشمل الحي، والميت، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٥٨]. وعلى هذا فلا يجوز تقطيع أجزاء الميت، أو كسر عظم من عظامه، كما لا يجوز ذلك من الحي. مسألة [٢]: إذا ماتت المرأة وجنينها حَيٌّ ؟ • ذهب أحمد -وهو المشهور عند أصحابه- إلى أنَّ القوابل تسطوا عليه، بمعنى يدخلن أيديهن في فرج الميتة، ويخرجن جنينها، وذلك إذا علمن حياته، قالوا: وإنْ لم يوجد نساء؛ لم يسط الرجال عليه، بل تترك أمه حتى يتيقن موته، ثم تدفن. وهو قول مالك، وإسحاق. • وذهب الشافعي وأصحابه إلى أنَّ الأم تُشَقُّ بطنها، ويُخرج الجنين؛ لأنَّه إتلاف جزء من الميت؛ لإبقاء حي، ولأنَّ حياته تتوقف على ذلك، وهذا وجهٌ عند الحنابلة، واختاره ابن حزم، وهذا هو الصحيح في هذه المسألة إن لم تستطع القوابل إخراجه كما قال أصحاب المذهب الأول؛ وذلك لأنَّ إتلاف جزء من الميت أولى من ترك نفس معصومة لتموت، وذلك يدخل تحت القاعدة الفقهية

стр. 1755

المقررة بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة، وهي: (دفع المفسدة الكبرى بارتكاب أخفهما)، أي: عند تعارضهما، والله أعلم. (١) تنبيه: المسألة المذكورة فيما إذا عُلِمَت حياة الجنين، وبلغ ستة أشهر، فأما إذا كان دون ذلك؛ فلا تشق بطنها عند جمهور العلماء؛ لأنَّ هذا السن لا يعيش معه الجنين إذا خرج، والله أعلم. (٢) مسألة [٣]: إذا كان الميت له سن من الذهب ؟ جاء في «فتاوى اللجنة الدائمة» برئاسة الإمام ابن باز ﵀ ما نَصُّه: "إن قدر على نزعها قبل الدفن، ولم يترتب على نزعها ضرر عليه؛ فإنها تنزع؛ فإن دفن ولم تنزع فلا ينبش لنزعها. قال أحمد في الميت تكون أسنانه مربوطة بذهب: إن قدر على نزعه من غير أن تسقط بعض أسنانه نزعه، وإن خاف سقوط بعضها تركه".اهـ وبهذا أفتى الإمام العثيمين ﵀، لكنه ذكر أنَّ الورثة إن أرادوا أخذ الذهب فلهم حفر القبر، وأخذ السن بعد أن يبلى الميت؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن إضاعة المال. (٣) مسألة [٤]: إذا بلع الميت قبل موته جوهرة؛ فهل تُشق بطنه ؟ • ذهب الشافعية إلى أنَّ الجوهرة إنْ كانت لغيره يشق عن بطنه، وتُخرج، وإن
следующие страницы →