← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

٥٥٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «إذَا وَضَعْتُمْ مَوْتَاكُمْ فِي القُبُورِ، فَقُولُوا: بِسْمِ اللهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَأَعَلَّهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِالوَقْفِ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: ماذا يقال عند دفن الميت في قبره ؟ استحب أهل العلم للذي يتولى الدفن أن يقول هذا الذكر المذكور في حديث الباب عند وضعه الميتَ في القبر. (٢)

стр. 1752

تنبيه: ما يفعله بعض الناس من الأذان والإقامة عند دفن الميت من البدع المنكرة التي لا أصل لها في دين الله ، وقد قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».

стр. 1753

٥٦٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «كَسْرُ عَظْمِ المَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا». رَوَاهُ أَبُودَاوُد بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ. (١) ٥٦١ - وَزَادَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂: «فِي الإِثْمِ». (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: تحريم إهانة الميت بكسر، أو قطع، أو نحو ذلك . دلَّ الحديثان على حرمة المسلم في حال موته كحرمته في حال حياته؛ إلا أنَّ الميت لا يماثل الحي في الدية إذا تُعُدِّيَ على بعض أعضائه، وقد دلَّ على تحريم ذلك أيضًا حديث عبد الله بن يزيد الأنصاري في «البخاري» (٢٤٧٤): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن النهبى والمُثْلة. والمثلة هي تقطيع بعض أجزاء الميت، وقد نهى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن ذلك حتى في حق الكفار، كما في حديث بريدة في «مسلم»: «اغزوا،

стр. 1754

ولا تغلوا، ولا تمثلوا ... » (١)، وأيضًا قول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنَّ دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم عليكم حرام ... » (٢)، الحديث يشمل الحي، والميت، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٥٨]. وعلى هذا فلا يجوز تقطيع أجزاء الميت، أو كسر عظم من عظامه، كما لا يجوز ذلك من الحي. مسألة [٢]: إذا ماتت المرأة وجنينها حَيٌّ ؟ • ذهب أحمد -وهو المشهور عند أصحابه- إلى أنَّ القوابل تسطوا عليه، بمعنى يدخلن أيديهن في فرج الميتة، ويخرجن جنينها، وذلك إذا علمن حياته، قالوا: وإنْ لم يوجد نساء؛ لم يسط الرجال عليه، بل تترك أمه حتى يتيقن موته، ثم تدفن. وهو قول مالك، وإسحاق. • وذهب الشافعي وأصحابه إلى أنَّ الأم تُشَقُّ بطنها، ويُخرج الجنين؛ لأنَّه إتلاف جزء من الميت؛ لإبقاء حي، ولأنَّ حياته تتوقف على ذلك، وهذا وجهٌ عند الحنابلة، واختاره ابن حزم، وهذا هو الصحيح في هذه المسألة إن لم تستطع القوابل إخراجه كما قال أصحاب المذهب الأول؛ وذلك لأنَّ إتلاف جزء من الميت أولى من ترك نفس معصومة لتموت، وذلك يدخل تحت القاعدة الفقهية

стр. 1755

المقررة بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة، وهي: (دفع المفسدة الكبرى بارتكاب أخفهما)، أي: عند تعارضهما، والله أعلم. (١) تنبيه: المسألة المذكورة فيما إذا عُلِمَت حياة الجنين، وبلغ ستة أشهر، فأما إذا كان دون ذلك؛ فلا تشق بطنها عند جمهور العلماء؛ لأنَّ هذا السن لا يعيش معه الجنين إذا خرج، والله أعلم. (٢) مسألة [٣]: إذا كان الميت له سن من الذهب ؟ جاء في «فتاوى اللجنة الدائمة» برئاسة الإمام ابن باز ﵀ ما نَصُّه: "إن قدر على نزعها قبل الدفن، ولم يترتب على نزعها ضرر عليه؛ فإنها تنزع؛ فإن دفن ولم تنزع فلا ينبش لنزعها. قال أحمد في الميت تكون أسنانه مربوطة بذهب: إن قدر على نزعه من غير أن تسقط بعض أسنانه نزعه، وإن خاف سقوط بعضها تركه".اهـ وبهذا أفتى الإمام العثيمين ﵀، لكنه ذكر أنَّ الورثة إن أرادوا أخذ الذهب فلهم حفر القبر، وأخذ السن بعد أن يبلى الميت؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن إضاعة المال. (٣) مسألة [٤]: إذا بلع الميت قبل موته جوهرة؛ فهل تُشق بطنه ؟ • ذهب الشافعية إلى أنَّ الجوهرة إنْ كانت لغيره يشق عن بطنه، وتُخرج، وإن

стр. 1756

كانت لنفسه؛ فوجهان عندهم في الشق، وعدمه، فوجهُ القولِ بالشق: أنها أصبحت ملكًا للورثة، ووجهُ القولِ بعدم الشق: أنَّ الميت استهلكها في حياته. وعند الشافعية قولٌ آخر: أنه لا تشق بطنه مطلقًا، بل تجب قيمتها في تركته، وهو وجهٌ عند الحنابلة، وعنهم وجهٌ كالقول الأول للشافعية. • وذهب أبو حنيفة، وسحنون المالكي إلى الشق مطلقًا، وهو قول ابن حزم. (١)

стр. 1757

بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة مسألة [١]: إذا سقط في القبر ما لهُ قيمة؛ فهل ينبش لأخذه ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المقنع»: وإنْ وقع في القبر ما له قيمة نُبِشَ، وأُخِذَ. اهـ قال المرداوي ﵀ في «الإنصاف» (٢/ ٥٢٨) مُعلِّقًا عليه: هذا المذهب مطلقًا، وعليه الأصحاب، وعنه -يعني أحمد- المنع إنْ بُذِلَ له عِوَضُهُ. اهـ وقال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٥/ ٣٠٠): إذا وقع في القبر مالٌ؛ نُبِشَ، وأُخْرِجَ، سواء كان خاتمًا، أو غيره، قليلًا، أو كثيرًا، هكذا أطلقه أصحابنا. اهـ. (١) مسألة [٢]: بعض الأغراض الشرعية لنبش القبر ؟ من الأغراض الشرعية في نبش القبر عند أهل العلم: أن يدفن الميت في أرض مغصوبة، أو يكون الكفن مغصوبًا، ولم يرض صاحب الحق بالقيمة، بل يريد أرضه بعينها؛ فيجوز نبشها لإعادة الحق لأهله. (٢) ومن الأغراض الشرعية في نبش القبر: إصلاح القبر إذا وهى، أو خشي تهدمه على الميت، أو ما أشبه ذلك. ويدل على ذلك ما رواه ابن أبي شيبة

стр. 1758

(٣/ ٣٨٩) قال: حدثنا أبو أسامة، أنا إسماعيل، أنا قيس، قال: رمى مروان طلحة يوم الجمل بسهم في ركبته فمات، فدفناه على شاطئ الكلاء، فرأى بعض أهله، أنه قال: ألا تريحوني من هذا الماء، فإني غرقت. ثلاث مرات يقولها، قال: فنبشوه، فاشتروا له دارا من دار آل أبي بكرة بعشرة آلاف فدفنوه فيها. وهذا إسنادٌ صحيحٌ، رجاله رجال الشيخين. قلتُ: ويمكن أن يستدل لذلك أيضًا بحديث جابر بن عبد الله ﵄، في «صحيح البخاري» (١٣١٥) قال: لما حضر أحد دعاني أبي من الليل، فقال: ما أراني إلا مقتولا في أول من يقتل من أصحاب النبي ﷺ ، وإني لا أترك بعدي أعز علي منك، غير نفس رسول الله ﷺ ، فإن علي دينا فاقض، واستوص بأخواتك خيرا، فأصبحنا، فكان أول قتيل ودفن معه آخر في قبر، ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع الآخر، فاستخرجته بعد ستة أشهر، فإذا هو كيوم وضعته هنية غير أذنه. ومن الأغراض الشرعية لنبش القبر: أن يدفن الميت بغير تكفين، أو بغير تغسيل، أو بغير صلاة، أو يدفن لغير القبلة، وقد اختلف أهل العلم في هذه المسائل، وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله عقب دراسة الحديث رقم (٥٦٦). مسألة [٣]: جعل علامة على القبر لِيُعْرَف . جاء عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه وضع حجرًا عند قبر عثمان بن مظعون؛ ليعرفه. أخرجه أبو داود (٣٢٠٦) بسند ضعيف؛ لأنه مرسل من مراسيل المطَّلِب بن عبدالله بن حنطب، والمطَّلب روايته عن الصحابة مرسلة؛ فتكون روايته عن النبي

стр. 1759

-صلى الله عليه وعلى آله وسلم- معضلة، وقد جاء الحديث عند ابن ماجه (١٥٦١)، عن أنس ﵁، وفي إسناده: زينب بنت نبيط مجهولة الحال. وقد قال جمعٌ من الفقهاء: لا بأس بالتعليم على القبر؛ لهذه الأحاديث، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة. قلتُ: أما ما يفعله الناس من وضع حجرٍ على الرجل، وحجرين على قبر المرأة؛ فهو من البدع، وأما إذا أراد إنسان أن يتعلم على قبرٍ بعلامةٍ مَا، ولم يقترن بذلك محظورٌ شرعيٌّ؛ فلا بأس إن شاء الله، ونختار عدم ذلك، والله المستعان. (١)

стр. 1760

٥٦٢ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: الحَدُوا لِي لَحْدًا، وَانْصِبُوا عَلَيَّ اللَّبِنَ نَصْبًا، كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١) ٥٦٣ - وَلِلْبَيْهَقِيِّ عَنْ جَابِرٍ ﵁ نَحْوُهُ، وَزَادَ: وَرُفِعَ قَبْرُهُ عَنِ الأَرْضِ قَدْرَ شِبْرٍ. وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين مسألة [١]: اللحد والشَّقُّ في القبر . قال النووي ﵀ في «المجموع» (٥/ ٢٨٧): أجمع العلماء أنَّ الدفن في اللحد، وفي الشَّقِّ جائزان، لكن إن كانت الأرض صلبة لا ينهار ترابها؛ فاللحد أفضل، وإنْ كانت رخوة تنهار؛ فَالشَّقُّ أفضل. اهـ قلتُ: أما دليل الجواز للأمرين؛ فهو حديث أنس ﵁ عند ابن ماجه (١٥٥٧)، قال: لما توفي النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان بالمدينة رجلٌ يلحد، وآخر يضرح،

стр. 1761

فقالوا: نستخير ربنا، ونبعث إليهما، فأيهما سبق تركناه، فأُرسل إليهما، فسبق صاحب اللحد؛ فلحدوا للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. وهو حديث حسنٌ لغيره في إسناده: مبارك بن فضالة، وهو مدلس، وفيه ضعف يسير، وقد صرح بالسماع، وله شاهد مرسل عن عروة. أخرجه مالك (١/ ٢٣١)، وابن أبي شيبة (٣/ ٣٢٢)، وعبد الرزاق (٣/ ٤٧٦). وله شاهد آخر من مراسيل القاسم بن محمد: أخرجه عبد الرزاق (٣/ ٤٧٦)، وابن أبي شيبة (٣/ ٣٢٢) بإسنادٍ صحيحٍ إليه. وأما تفضيل اللحد، وهو قول أكثر العلماء؛ فلحديث الكتاب، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لحدوا له لحدًا. ولحديث: «اللَّحْدُ لَنَا وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا»، وهو حديث حسنٌ، جاء عن جرير، وابن عباس ﵃. (١) بل قد كره جماعة من أهل العلم الشَّقَّ، وهو المشهور عند الحنابلة، وهذا الظاهر؛ لحديث جرير، والله أعلم. (٢)

стр. 1762

تنبيه: اللحد: هو الشَّقُّ في جانب القبر، ويُجعل جهة القبلة، والشَّقُّ، أو الضَّرِيْحُ: هو الحفر في وسط القبر كهيئة النهر له جانبان. مسألة [٢]: تغطية اللحد باللبن . • استحب أهل العلم تغطية اللحد باللبن كما فُعِل بالنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأجازوا التغطية بالحجارة، والقصب، والخشب، وكره جماعةٌ من أهل العلم الخشب، منهم: أحمد ﵀. قال النووي ﵀ في «المجموع» (٥/ ٢٩٣): إذا وضعه في اللحد على الصفة السابقة فالسنة أن ينصب اللبن على المنفتح من اللحد بحيث يسد جميع المنفتح ويسد الفُرَج بِقِطَعِ اللبن ونحوه، ويسد الفُرَج اللطاف بحشيشٍ أو نحوه. وقال جماعة من أصحابنا: أو بطين. والله أعلم. اهـ وأما إن قبر الميت في ضريح -وهو الشق- فيوضع الميت فيه، ويسقف عليه اللبن ونحوها، وتكون موضوعة على الأرض وضعًا ويرفع السقف قليلًا بحيث لا يمس الميت، ويجعل في شقوقه قِطَع اللبن، أو الإذخر، أو ما أشبهه. «المجموع» (٥/ ٢٨٧). (١) مسألة [٣]: الحد الذي يرفع إليه القبر . ذكر بعض أهل العلم أنَّ الحد الذي يرفع القبر إليه هو ما يبلغه إذا أعاد التراب إليه، ولا يزيد على ترابه الذي خرج منه، وكرهوا الزيادة على ذلك؛ إلا أن

стр. 1763

يحتاج إلى ذلك؛ لكونه مثلًا مستويًا بالأرض لا يتميز. وقد جاء في حديث جابر في «سنن أبي داود» (٣٢٢٦): نهى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يُبنى على القبر، أو يزاد عليه، أو يجصص. وهو من طريق: ابن جريج عن سليمان ابن موسى، وأبي الزبير، عن جابر، وإسناده ضعيف؛ لأنَّ ابن جريج لم يصرح بالتحديث، وسليمان بن موسى لم يسمع من جابر، وأبو الزبير لم يصرح بالسماع من جابر، والحديث في «صحيح مسلم» وغيره من طريق: ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، وعندهم التصريح بالسماع، ولكن ليس فيه: وأن يُزاد عليه. وقال أبو داود: وزاد سليمان بن موسى: وأن يُكتب عليه. قلتُ: وسليمان لم يسمع من جابر كما تقدم، وابن جريج لم يصرح بالتحديث، وأكثر طرق الحديث ليس فيها ذكر هذه الزيادة. (١)

стр. 1764

فَصْل فِي ذِكْرِ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَة مسألة [١]: ستر الميت عند إدخاله القبر . قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٥/ ٢٩٥): قد ذكرنا أنَّ مذهبنا استحبابه في الرجل، والمرأة، وقال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد: يُستحبُّ في قبر المرأة دون الرجل. وحكى ابن المنذر عن عبدالله بن يزيد (١)، وشريح أنهما كرها ذلك في قبر الرجل. اهـ قال أبو عبد الله: وبقول مالك، وأحمد يقول إسحاق وابن المنذر، والظاهر أنَّ فعل ذلك من أجل ستر الميت، والمرأة تحتاج إلى ذلك؛ لذلك قال ابن قدامة ﵀ في «المغني»: لا نعلم في استحباب هذا بين أهل العلم خلافًا. اهـ وأما الرجل؛ فالأظهر أنه لا يفعل به ذلك؛ لعدم الحاجة إليه، والله أعلم. (٢) مسألة [٢]: وضع قطيفة تحت الميت . • جمهور أهل العلم على كراهة هذا العمل؛ لأنه لم يثبت عن النبي ﷺ أنه فعله في دفن أحد من أصحابه.

стр. 1765

وأما ما جاء في «صحيح مسلم» (٩٦٧) عن ابن عباس ﵄، قال: «جعل في قبر رسول الله ﷺ قطيفة حمراء». فقد قيل: إن شقران مولى رسول ﷺ وضعها في قبره، وقال: والله لا يلبسها أحد بعدك، فدفنت مع رسول الله ﷺ . أخرج ذلك البيهقي (٦٧٢٢) من وجه آخر ضعيف عن عبد الله بن عباس ﵄. فهذا شيئ فعله شقران للمعنى الذي ذكر، ولم يفعله أحدٌ غيره من الصحابة، بل ثبت عن ابن عباس ﵄، وهو راوي الحديث المتقدم أنه كره ذلك، أخرجه عنه ابن المنذر (٥/ ٤٥٦) بإسنادٍ صحيح. • وقد ذهب أحمد في رواية، والبغوي إلى جواز هذا العمل، والأقرب هو المنع منه، والله أعلم. (١) مسألة [٣]: إذا أعادوا التراب إلى القبر، فهل يجعلوه مُسَنَّمًا، أم مُسطَّحًا ؟ • ذهب أحمد، والثوري، ومالك، وأبو حنيفة إلى ترجيح التسنيم، بمعنى أن يُجْعَلَ التراب مائلًا كالسنام، واستدلوا بقول سفيان التمار كما في «صحيح البخاري» (١٣٩٠): رأيت قبر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مسنمًا. وهو قول بعض الشافعية. وأخرج ابن أبي شيبة (٣/ ٣٣٤) بإسنادٍ صحيحٍ عن الشعبي، أنه قال: رأيت قبور شهداء أحد جثًا مسنمةً. • وذهب الشافعي وأصحابه، وقال النووي: وهو مذهب مالك، وداود إلى ترجيح التسطيح؛ لحديث علي ﵁: بعثني النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن لا أدع قبرًا مشرفًا إلا

стр. 1766

سويته. وحديث فضالة ﵁ قال: كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يأمر بتسويتها. وكلاهما في «صحيح مسلم» (٩٦٩) (٩٦٨). واستدلوا بما أخرجه أبو داود (٣٢٢٠)، وغيره من طريق: عمرو بن عثمان ابن هانئ، عن القاسم بن محمد، قال: دخلت على عائشة، فقلت: يا أمه، اكشفي لي عن قبر رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وصاحبيه ﵄. فكشفت لي عن ثلاثة قبور، لا مشرفة، ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء. وعمرو بن عثمان مستور الحال. وقد رجَّح الإمام الشوكاني ﵀ في «النيل» القول الثاني؛ لحديث علي، وفضالة، وهذا الذي يظهر، والله أعلم. وأما قول سفيان التمار، فقد قال الحافظ ابن حجر ﵀: وقول سفيان التمار لا حجة فيه كما قال البيهقي؛ لاحتمال أنَّ قبره ﷺ لم يكن في الأول مسنمًا. ثم ذكر حديث القاسم بن محمد المتقدم. ثم قال: وهذا كان في خلافة معاوية، فكأنها كانت في الأول مسطحة، ثم لما بُني جدار القبر في إمارة عمر بن عبد العزيز على المدينة من قِبَلِ الوليد بن عبد الملك صيروها مرتفعة. اهـ قال الحافظ ابن حجر ﵀: ثم الاختلاف في ذلك أيهما أفضل؟ لا في

стр. 1767

أصل الجواز. اهـ. (١) مسألة [٤]: رش الماء على القبر عند الفراغ . قال ابن قدامة ﵀ في «المقنع»: ويُرَشُّ عليه الماء. قال المرداوي: وكذا قال الأصحاب. اهـ وقال الشيرازي ﵀ في «المهذب»: ويُرشُّ عليه الماء؛ لما روى جابر أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رشَّ على قبر ابنه إبراهيم الماء. ولأنه إذا لم يرش عليه الماء زال أثره؛ فلا يُعرف. اهـ قلتُ: حديث جابر ضعيف جدًّا، أخرجه الشافعي في «الأم» (١/ ٢٧٣)، ومن طريقه البيهقي في «السنن» (٣/ ٤١١)، و «المعرفة» (٣/ ١٨٧) من مراسيل أبي جعفر الصادق، وفي إسناده: إبراهيم بن أبي يحيى، وهو كذاب، ولكن يُستحبُّ الرش على القبر للمعنى الذي ذكروه، والله أعلم. (٢) مسألة [٥]: حكم الدفن في التابوت . قال النووي ﵀ في «المجموع» (٥/ ٢٨٧): وهذا الذي ذكرناه من كراهية التابوت مذهبنا، ومذهب العلماء كافة، وأظنه إجماعًا، قال العبدري ﵀: لا أعلم فيه خلافًا. يعني لا خلاف فيه بين المسلمين كافة. اهـ. (٣)

стр. 1768

٥٦٤ - وَلِمُسْلِمٍ عَنْهُ ﵁: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُجَصَّصَ القَبْرُ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: الجلوس على القبر . • قال النووي ﵀ في «المجموع» (٥/ ٣١٢): قد ذكرنا أنَّ ذلك مكروه عندنا، وبه قال جمهور العلماء، منهم: النخعي، والليث، وأبو حنيفة، وأحمد، وداود، وقال مالك: لا يُكره. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: الأدلة تدل على التحريم، كحديث جابر المذكور في الكتاب، وحديث أبي هريرة في «مسلم» (٩٧١)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «لَأنْ يجلس أحدكم على جمرة؛ فتحرق ثيابه؛ فتخلص إلى جلده، خيرٌ له من أن يجلس على قبر». وفي ابن ماجه (١٥٦٧) عن عقبة بن عامر ﵁، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «لَأنْ أمشي على جمرة، أو سيف، أو أخصف نعلي برجلي، أحبُّ إليَّ من أن أمشي على قبر مسلم، وما أُبالي أوسط القبور قضيت حاجتي، أو في السوق»، وإسناده صحيح، وقد صححه الإمام الوادعي ﵀ في «الصحيح المسند» برقم (٩٣٢). وقد حمل الشوكاني الكراهة على التحريم، فجزم أنَّ مذهب الجمهور هو

стр. 1769

التحريم كما في «نيل الأوطار»، والظاهر أنَّ مراد الفقهاء هو كراهة التنزيه؛ لأنَّ هذا هو الأصل في إطلاق الفقهاء، وقد بين ذلك النووي في «شرح المهذب»، ثم رأيته في «شرح مسلم» يذكر أنَّ النهي عن القعود للتحريم، وأنَّ ذلك هو مذهبهم، يعني الشافعية. إلا أن داود الظاهري نقل عنه ابن حزم التحريم، ورجَّح ذلك، ونقله عن أبي هريرة، وابن مسعود، وابن عمر (١)، وسعيد بن جبير، ورجَّحه الشوكاني، وقال الشيرازي، والمحاملي: لا يجوز. وظاهر هذه العبارة هو التحريم، وهذا هو الحق الذي لا مِرْيَةَ فيه، وعليه فتوى الإمام الألباني، والإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين، والإمام الوادعي رحمة الله عليهم. (٢) مسألة [٢]: البناء على القبر، وتجصيصه . • ذهب جمهور العلماء إلى كراهة البناء على القبر، أو تجصيصه، كما ذكر ذلك النووي ﵀ في «شرح مسلم»، ثم قال: وأما البناء؛ فإنْ كان في ملك الباني؛ فمكروهٌ، وإنْ كان في مقبرة مسبلة؛ فحرام، نصَّ عليه الشافعي، والأصحاب، قال

стр. 1770

الشافعي في «الأم»: ورأيت الأئمة بمكة يهدمون ما يُبنى، ويؤيد الهدم قوله ﷺ : «ولا قبرًا مُشرِفًا إلا سويته».اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: والأدلة تدل على التحريم، كحديث جابر المذكور في الكتاب، وحديث علي الذي ذكره النووي. وجزم الشوكاني ﵀ بالتحريم مطلقًا. وقال ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (١/ ٥٢٤): ولم يكن من هديه ﷺ تعلية القبور، ولا بناؤها بِآجُر، ولا بحجر ولبن، ولا تشييدها، ولا تنظيفها، ولا بناء القِباب عليها، فكل هذا بدعة مكروهةٌ، مخالفة لهديه ﷺ .اهـ. وقال في تفصيل الشافعية: لا دليل عليه. (١) مسألة [٣]: المشي بين القبور بالنعال . أخرج أبو داود (٣٢٣٠)، وأحمد (٥/ ٨٣) من حديث بشير بن الخصاصية ﵁: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رأى رجلًا يمشي بين القبور، وعليه نعلان، فقال: «يا صاحب السِّبْتِيَّتين، ويحك ألق سِبْتِيَّتَيْكَ». وهو حديث صحيح، وقد صححه شيخنا في «الجامع الصحيح مما ليس في الصحيحين»، وبَوَّبَ عليه: [تحريم المشي بين القبور بالنعال]. • وقد ذهب إلى التحريم ابن حزم في «المحلَّى» (٥٧٨)، ولكنه خصَّ التحريم بالنعال السِّبتِيَّة، وهي التي فيها شعر، وهذا جمود منه ﵀، ونصَّ الشوكاني أيضًا

стр. 1771

على عدم الجواز مطلقًا، وهو قول الإمام ابن باز والإمام الوادعي رحمة الله عليهما. • وذهب جمهور العلماء إلى الجواز، وقال بعضهم: مع الكراهة، واختاره الإمام العثيمين ﵀. واستدلوا بحديث أنس ﵁ في «الصحيحين» (١)، أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إذا وُضِعَ العبد في القبر، وتولَّى عنه أصحابه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم». وهذا الحديث ليس صريحًا؛ فلا ينبغي أن يُصرَف به الحديث السَّابق؛ لأنه ليس فيه أنهم يمشون بها بين القبور، بل يحتمل أنهم كانوا في طرف المقبرة، فلما انصرفوا سمع قرع نعالهم، والله أعلم. (٢) مسألة [٤]: التغوط على القبور . تقدم حديث عقبة بن عامر في تحريم ذلك، وأنَّ ذلك كمثل من يتغوط بالسوق، فكما تحصل الأذية لِلْحَيِّ؛ تحصل كذلك للميت. قال في «الإنصاف» (٢/ ٥٢٥): ولا يجوز التَّخَلِّي عليه، على الصحيح من المذهب. اهـ وقد بَوَّبَ شيخنا ﵀ في «الجامع الصحيح»: [تحريم المشي، والجلوس-يعني على القبر-، والتغوط في المقبرة]. ثم ذكر حديث عقبة بن عامر ﵁.

стр. 1772

٥٦٥ - وَعَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ، وَأَتَى القَبْرَ، فَحَثَى عَلَيْهِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ وَهُوَ قَائِمٌ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: حكم الحثو على القبر ثلاثًا . • استحبَّ كثير من الفقهاء ذلك؛ اعتمادًا منهم على الحديث المتقدم وقد تقدم بيان ضعفه، وعلى هذا فلا يُشرع هذا العمل؛ لعدم ثبوت دليل عليه، والله أعلم. تنبيه: صحَّ عن علي بن أبي طالب أنه حثى في قبر يزيد بن المكفف (٢) ولكن لا يصح فيها تعيين العدد. وهو محمول على أنه دَفَنَ مع الدافنين، والله أعلم. (٣)

стр. 1773

٥٦٦ - وَعَنْ عُثْمَانَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ المَيِّتِ وَقَفَ عَلَيْهِ وَقَالَ: «اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ وَسَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ؛ فَإِنَّهُ الآنَ يُسْأَلُ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: الاستغفار للميت عقب الدفن . فيه الحث على الاستغفار للميت، والدعاء له بالتثبيت عقب دفنه، وذلك لأنه في تلك الحال يُسْأَل كما في هذا الحديث؛ فهو في حاجة إلى المعونة بالدعاء. ويُستحبُّ تذكير الناس بذلك إنْ كانوا غافلين حتى يدعوا للميت كما فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. وفيه أنَّ الميت ينتفع بالدعاء من المؤمنين، وقد جاءت أدلة تدل على أنه ينتفع أيضًا بالصدقة، وبالصيام الواجب، والحج الواجب عنه. مسألة [٢]: قراءة القرآن لروح الميت عند القبور، ووضع المصاحف هنالك . قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٣٠١): والأئمة قد تنازعوا في القراءة عند القبر، فكرهها: أبو حنيفة، ومالك، وأحمد في

стр. 1774

أكثر الروايات، ورخص فيها في الرواية الأخرى عنه هو وطائفة من أصحاب أبي حنيفة وغيرهم، وأما جعل المصاحف عند القبور لمن يقصد قراءة القرآن هناك وتلاوته فبدعة منكرة لم يفعلها أحد من السلف. بل هي تدخل في معنى "اتخاذ المساجد على القبور" وقد استفاضت السنن عن النبي ﷺ في النهي عن ذلك حتى قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا». قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره؛ ولكن كره أن يتخذ مسجدا. وقال: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك»، ولا نزاع بين السلف والأئمة في النهي عن اتخاذ القبور مساجد. ومعلوم أن المساجد بنيت للصلاة والذكر وقراءة القرآن، فإذا اتخذ القبر لبعض ذلك كان داخلا في النهي، فإذا كان هذا مع كونهم يقرءون فيها فكيف إذا جعلت المصاحف بحيث لا يقرأ فيها؟ ولا ينتفع بها لا حي ولا ميت، فإن هذا لا نزاع في النهي عنه. ولو كان الميت ينتفع بمثل ذلك لفعله السلف فإنهم كانوا أعلم بما يحبه الله ويرضاه وأسرع إلى فعل ذلك وتحريه. اهـ وقال ﵀ في «مجموع الفتاوى» (٣١/ ٤١): ولا قال أحد قط من علماء الأمة المتبوعين: إن الصلاة أو القراءة عند القبر أفضل منها عند غيره؛ بل القراءة عند القبر قد اختلفوا في كراهتها فكرهها أبو حنيفة، ومالك، والإمام أحمد في إحدى الروايتين. وطوائف من السلف. ورخص فيها طائفة أخرى من أصحاب أبي حنيفة والإمام أحمد وغيرهم. وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وليس عن الشافعي في ذلك كله نص نعرفه. اهـ

стр. 1775

قال أبو عبد الله غفر الله له: القراءة عند القبور من البدع والمحدثات، ولم يفعله النبي ﷺ ، وأصحابه ﵃، وما نقل عن ابن عمر ﵄ أنه أوصى أن يقرأ عند رأسه بعد دفنه بفاتحة الكتاب؛ فلم يثبت عنه، فقد أخرجه الخلال وغيره، كما في كتاب «الروح» لابن القيم (ص ١٠)، وهو من طريق عبد الرحمن بن العلاء بن اللَّجلاج، عن أبيه، عن ابن عمر به. وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فعبد الرحمن بن العلاء مجهول، وأبوه مستور الحال. مسألة [٣]: حكم إهداء ثواب العبادات للموتى . أما العبادات المالية فيجوز إهداء ثوابها عند عامة أهل العلم، كالصدقات، والزكوات، والكفارات، والديات، وما أشبه ذلك، وكذلك العبادات المالية البدنية كالحج، والعمرة، والأضاحي. • وأما العبادات البدنية، كالصلاة، والصيام، وقراءة القرآن، وما أشبه ذلك؛ فذهب بعض أهل العلم إلى جواز إهداء ثوابها قياسًا على ما جاء في الصدقة، وما جاء في الصوم عن الميت. وهذا القول قال به أحمد، وأكثر أصحابه، والحنفية، وبعض الشافعية، والمالكية. • وذهب بعض أهل العلم إلى عدم جواز ذلك، وهو قول الشافعي، وأكثر أصحابه، وهو قول أكثر المالكية، وبعض الحنابلة؛ لأنه لم يأت عن النبي ﷺ ، ولا عن أصحابه النيابة في الصلاة، وقراءة القرآن، والصيام غير الواجب. ويدل على ذلك حديث الباب؛ فقد أمر النبي ﷺ الصحابة أن يستغفروا للميت، ولم يأمرهم أن يهدوا له ثواب العبادات.

стр. 1776

واستدل الشافعي بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾، فليس له من عمل غيره؛ إلا ما دل عليه الدليل، ودل الدليل على انتفاع الميت من الصدقات، والدعاء، والحج، والعمرة، وقضاء الصوم الواجب. وأما غير ذلك فليس لنا دليل على لحوقه بذلك. وإلى القول الأول مال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ولكنه قال: ومع هذا فلم يكن من عادة السلف إذا صلوا تطوعا وصاموا وحجوا أو قرءوا القرآن يهدون ثواب ذلك لموتاهم المسلمين ولا لخصوصهم بل كان عادتهم كما تقدم -يعني: الدعاء والصدقة فحسب- فلا ينبغي للناس أن يعدلوا عن طريق السلف فإنه أفضل وأكمل والله أعلم. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح أنه لا يشرع إهداء الثواب في العبادات البدنية، لعدم ورود ذلك عن النبي ﷺ ، وأصحابه، ولأن الإنسان لا يستطيع أن يتصرف في حسناته، وينقلها لمن شاء، وأما ماله فله أن يجعله لمن شاء. (١)

стр. 1777

فَصْل فَي ذِكْرِ بَعْضِ المَسَائِل المُلْحَقَة مسألة [١]: إذا دفن الميت من غير غسل، أو إلى غير القبلة ؟ • قال النووي ﵀ في «المجموع» (٥/ ٣٠٠): ذكرنا أنَّ مذهبنا أنه إذا دُفِنَ من غير غسل، أو إلى غير القبلة؛ يجب نبشه؛ ليُغسل، ويوجه للقبلة؛ ما لم يتغير، وبه قال مالك، وأحمد، وداود، وقال أبو حنيفة: لا يجب ذلك بعد إهالة التراب عليه. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: قول الجمهور هو الصواب؛ لأنَّ الأمور المذكورة واجبةٌ؛ فلا تسقط بدفنه، والله أعلم. (١) مسألة [٢]: إذا دفن الميت من غير أن يُصلَّى عليه ؟ • ذهب أحمد في رواية إلى أنه ينبش ليصلى عليه، وهو مذهب المالكية؛ لأنَّ ذلك واجب، كما لو دفن من غير غسل، وهذا فيما إذا كان لم يتغير، وأما إذا تغير فلا ينبش قولًا واحدًا. • وذهب في الرواية الثانية عنه إلى أنه يصلى عليه في قبره، ولا ينبش، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صلَّى على القبر، وهذا أقرب؛ لأنها

стр. 1778

موضع حاجة، فجاز ذلك، واختار هذا الإمام ابن باز ﵀. (١) مسألة [٣]: إذا دفن الميت من غير أن يكفن فهل ينبش ليكفن ؟ • مذهب الحنفية، ووجه للشافعية، وللحنابلة: أنه لا ينبش؛ لأن القصد بالكفن ستره، وقد حصل ستره بالتراب، وهذا القول أقرب، والله أعلم. • وللشافعية والحنابلة وجه: أنه ينبش؛ لأن التكفين واجب، فأشبه الغسل. (٢) مسألة [٤]: دفن الميت في قبر قديم . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٣/ ٤٤٣): وإن تيقن أنَّ الميت قد بلي وصار رميمًا؛ جاز نبش قبره، ودفن غيره فيه، وإن شك في ذلك؛ رجع إلى أهل الخبرة؛ فإن حفر فوجد فيها عظامًا؛ دفنها، وحفر في مكان آخر، نصَّ عليه أحمد، واستدل بأنَّ كسر عظم الميت ككسر عظم الحي. اهـ وهذا الذي عليه الحنابلة هو مذهب الشافعية أيضًا كما في «شرح المهذب» (٥/ ٢٨٤)، والمالكية، والحنفية كما في «الموسوعة الفقهية»، وفي «فتاوى نور على الدرب» للعثيمين ﵀: قال: يجوز الدفن في المقبرة القديمة عند الضرورة، وإذا حفر ووجدت جثة؛ يعاد عليها التراب. اهـ. (٣)

стр. 1779

مسألة [٥]: هل يقبر المشرك بمقبرة المسلمين، والعكس ؟ قال النووي ﵀ في «المجموع» (٥/ ٢٨٥): اتفق أصحابنا ﵏ أنْ لا يُدفن مسلم في مقبرة كفار، ولا كافر في مقبرة مسلمين. اهـ وقال ابن حزم ﵀ في «المحلَّى» (٥٨٢): عمل أهل الإسلام من عهد رسول الله ﷺ أن لا يُدفن مسلم مع مشرك. اهـ ثم استدل بحديث بشير بن الخصاصية ﵁، قال: كنتُ أمشي مع النبي ﷺ ، فمرَّ على قبور المشركين، فقال: «لقد سبق هؤلاء خيرًا كثيرًا»، ثم مرَّ على قبور المسلمين، فقال: «لقد أدرك هؤلاء خيرًا كثيرًا»، والحديث أخرجه أبو داود (٣٢٣٠)، وأحمد (٥/ ٨٣)، وهو في «الصحيح المسند» لشيخنا ﵀ برقم (١٨١). مسألة [٦]: إذا ماتت امرأة ذمية، وهي حامل من رجل مسلم، ومات جنينها ؟ • اختار بعض أهل العلم أن تُدْفَنَ بين مقبرة المسلمين، ومقبرة النصارى، وهو مذهب أحمد، والصحيح عند الشافعية، وجاء عن واثلة بن الأسقع عند ابن أبي شيبة، والبيهقي أنه دفنها في مقبرةٍ ليست مقبرة النصارى، ولا المسلمين، وفي إسناده انقطاع، سليمان بن موسى لم يدرك واثلة ﵁، والأثر من روايته عنه. • وجاء عن بعض الشافعية أنها تُدفن في مقبرة المسلمين، وجاء عن عمر ﵁، أنه دفن امرأة من أهل الكتاب في بطنها وَلَدُ مُسْلِمٍ في مقبرة المسلمين. أخرجه ابن

стр. 1780

أبي شيبة، وابن المنذر، والبيهقي، وفي إسناده رجلٌ مبهمٌ. • وقال الزهري، وعطاء: تدفن مع أهل دينها. • وقال بعض الشافعية: تُدفن في طرف مقبرة المسلمين. وقال النووي: هذا حسنٌ. واختار هذا القول ابن حزم في «المحلَّى». قلتُ: إنْ أمكن القول الأول، وإلَّا عُمِلَ بالقول الأخير، والله أعلم. قال أهل العلم: ويُجعل ظهرها إلى القبلة، على جانبها الأيسر؛ ليكون وجه الجنين إلى القبلة على جانبه الأيمن؛ لأنَّ وجه الجنين إلى ظهرها. (١) مسألة [٧]: إذا مات رجل في سفينة، وهم في البحر، فكيف يُصْنَع به ؟ إذا رجوا أن يجدوا موضعًا يدفنون فيه قبل تغيره؛ أخَّروه، وقد صحَّ أنَّ أبا طلحة ﵁ مات في سفينة، فدفنوه بعد سبعة أيام ولم يتغير. أخرجه ابن سعد (٣/ ٥٠٧) بإسناد صحيح. وأما إنْ خشوا تغيره قبل أن يجدوا له مدفنًا في جزيرة، أو بلدة، فقال أحمد وأصحابه: يغسل، ويكفن، ويصلى عليه، ثم يثقل بشيء، ويلقى في البحر. وهذا قول عطاء، والحسن. وقال الشافعي: يُربط بين لوحين، فيحمله البحر إلى الساحل، فربما وقع إلى قوم يدفنونه، وإنْ ألقوه في البحر لم يأثموا.

стр. 1781

قال ابن قدامة ﵀: والأول أولى؛ لأنه يحصل به الستر المقصود من دفنه، وإلقاؤه بين لوحين تعريض له للتغير، والهتك، وربما وقع على الساحل مهتوكًا، عريانًا، وربما وقع إلى قوم من المشركين. اهـ قلتُ: وما ذكره ابن قدامة ﵀ هو الصواب، والله أعلم. (١) مسألة [٨]: إذا وُجِدَ بعض أجزاء الميت، فكيف يُصْنع ؟ • قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٥/ ٢٥٥): إذا وجد بعض الميت؛ ذكرنا أنَّ مذهبنا أنه يصلَّى عليه، سواء قلَّ البعض، أم كثر، وبه قال أحمد. • وقال داود: لا يصلَّى عليه مطلقًا. • وقال أبو حنيفة: إنْ وُجِدَ أكثر من نصفه؛ غُسِّلَ وصُلِّيَ عليه، وإنْ وُجِدَ النصف؛ فلا غسل، ولا صلاة. • وقال مالك: لا يُصَلَّى على اليسير منه. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: أما مذهب داود الظاهري فهو الصلاة كما ذكر ذلك عنه ابن حزم وهو أعلم بمذهب صاحبه، وقول أحمد والشافعي هو الراجح، وينوي عند الصلاة: الصلاة على بدن الميت وروحه كاملًا، وإنْ وُجِدَ جزءٌ آخر بعد دفن الميت؛ فيُغَسَّل، ويُكفَّن. واختلفوا في الصلاة عليه على قولين والأقرب عدم تكرار الصلاة، والله أعلم.

стр. 1782

• وقد بالغ ابن حزم ﵀ في هذه المسألة، فقال: يصلَّى على أي جزء من الميت، حتى ولو كان الشعر، أو الظفر. • وخالفه عامة أهل العلم، فقالوا: لا يُصلَّى على الشعر، والظفر. والله أعلم. (١) مسألة [٩]: إذا وُجِدَ ميت لا يُدْرَى أمسلمٌ هو، أم كافر ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٣/ ٤٧٨): وَإِنْ وُجِدَ مَيِّتٌ، فَلَمْ يُعْلَمْ أَمُسْلِمٌ هُوَ أَمْ كَافِرٌ؟ نُظِرَ إلَى الْعَلَامَاتِ: مِنْ الْخِتَانِ، وَالثِّيَابِ، وَالْخِضَابِ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ عَلَامَةٌ، وَكَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، غُسِّلَ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ فِي دَارِ الْكُفْرِ، لَمْ يُغَسَّلْ، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ مَنْ كَانَ فِي دَارٍ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا، يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُهُمْ مَا لَمْ يَقُمْ عَلَى خِلَافِهِ دَلِيلٌ. اهـ قلتُ: وما ذكره ابن قدامة ﵀ هو قول جمهور الفقهاء؛ خلافًا لبعض المالكية الذين قالوا: يترك الغسل والصلاة مطلقًا. (٢) مسألة [١٠]: إذا اختلط موتى مسلمون بموتى مشركين ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٣/ ٤٧٧): فَإِنِ اخْتَلَطَ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ بِمَوْتَى الْمُشْرِكِينَ، فَلَمْ يُمَيَّزُوا، صَلَّى عَلَى جَمِيعِهِمْ يَنْوِي الْمُسْلِمِينَ. قَالَ أَحْمَدُ: وَيَجْعَلُهُمْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَيْهِمْ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ.

стр. 1783

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ أَكْثَرَ؛ صَلَّى عَلَيْهِمْ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْأَكْثَرِ. اهـ قلتُ: والصواب قول الجمهور: أنه يُصَلِّي عليهم، وينوي المسلمين كما قال أحمد، مرةً واحدة، وهذا اختيار الإمام ابن باز ﵀ كما في «فتاوى اللجنة» (٨/ ٣٧٥). مسألة [١١]: أين يُدفن الشهيد ؟ ذكر أهل العلم أنَّ الشهيد يُدفن حيث قُتِلَ، واستدلوا على ذلك بحديث جابر ﵁ عند أحمد (٣/ ٣٠٨)، بإسناد صحيح، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر بقتلى أُحُد أن يُرَدُّوا إلى مصارعهم. (١)

стр. 1784

٥٦٧ - وَعَنْ ضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ -أَحَدِ التَّابِعِينَ- قَالَ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ إذَا سُوِّيَ عَلَى المَيِّتِ قَبْرُهُ، وَانْصَرَفَ النَّاسُ عَنْهُ أَنْ يُقَالَ عِنْدَ قَبْرِهِ: يَا فُلَانُ، قُلْ: لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، يَا فُلَانُ: قُلْ رَبِّي اللهُ، وَدِينِي الإِسْلَامُ، وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ ﷺ . رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مَوْقُوفًا. (١) ٥٦٨ - وَلِلطَّبَرَانِيِّ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا مُطَوَّلًا. (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين مسألة [١]: تلقين الميت بعد الدفن . • استحب كثيرٌ من الفقهاء من الشافعية، والحنابلة تلقين الميت بعد الدفن، اعتمادًا منهم على الحديث المتقدم، وقد تقدم أنه باطل؛ ولذلك فالعمل به من البدع.

стр. 1785

• وقد كرهه طائفة من العلماء من أصحاب مالك، وغيرهم. قال الصنعاني ﵀ في «سبل السلام»: ويتحصل من كلام أئمة التحقيق أنه حديث ضعيفٌ، والعمل بدعة، ولا يغتر بكثرة من يفعله. اهـ قلتُ: وقد جزم العز بن عبد السلام بأن ذلك بدعة كما في «كشف الخفاء» (١/ ٣١٦)، وكذلك الإمام الألباني في «أحكام الجنائز» (ص ٣١٨). وقال ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (١/ ٥٢٢): ولم يكن يجلس يقرأ عند القبر، ولا يلقن الميت كما يفعله الناس اليوم. قال أحمد: ما رأيت أحدًا يفعله إلا أهل الشام. اهـ. (١)

стр. 1786

٥٦٩ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ الحُصَيْبِ الأَسْلَمِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «[كُنْتُ] (١) نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ فَزُورُوهَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ، زَادَ التِّرْمِذِيُّ: «فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الآخِرَةَ». (٢) ٥٧٠ - زَادَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «وَتُزَهِّدُ فِي الدُّنْيَا». (٣) ٥٧١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَعَنَ زَائِرَاتِ القُبُورِ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (٤) المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث مسألة [١]: حكم زيارة القبور . أما بالنسبة للرجال؛ فقد قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (١٢٨٣): قَالَ

стр. 1787

النَّوَوِيّ تَبَعًا لِلْعَبْدَرِيِّ، وَالْحَازِمِيّ وَغَيْرهمَا: اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ زِيَارَة الْقُبُور لِلرِّجَالِ جَائِزَة. كَذَا أَطْلَقُوا، وَفِيهِ نَظَر؛ لِأَنَّ اِبْن أَبِي شَيْبَة وَغَيْره رَوَى عَنْ اِبْن سِيرِينَ، وَإِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ، وَالشَّعْبِيّ الْكَرَاهَة مُطْلَقًا حَتَّى قَالَ الشَّعْبِيّ: لَوْلَا نَهْي النَّبِيّ ﷺ ؛ لَزُرْت قَبْر اِبْنَتِي (١). فَلَعَلَّ مَنْ أَطْلَقَ أَرَادَ بِالِاتِّفَاقِ مَا اِسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْأَمْر بَعْد هَؤُلَاءِ، وَكَأَنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَبْلُغهُمْ النَّاسِخ، وَاَللهُ أَعْلَم. وَمُقَابِل هَذَا قَوْل اِبْن حَزْم: إِنَّ زِيَارَة الْقُبُور وَاجِبَة، وَلَوْ مَرَّة وَاحِدَة فِي الْعُمْر؛ لِوُرُودِ الْأَمْر بِهِ. اهـ قلتُ: والصارف للأمر من الوجوب إلى الاستحباب أنَّ الأمر وقع بعد الحظر، ووقوع الأمر بعد الحظر من الصوارف للأمر عن ظاهره، والله أعلم. • وأما بالنسبة لزيارة النساء؛ فقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة، فذهب أكثر أهل العلم إلى أنهن يدخلن في الإذن المذكور في حديث بريدة: «فزوروها»، ومحله إذا أُمِنَت الفتنة، واستدلوا على الجواز أيضًا بحديث أنس ﵁ في «الصحيحين» (٢) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مرَّ على امرأة تبكي عند قبر، فقال: «اتق الله، واصبري»، وموضع الدلالة منه: أنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم ينكر على المرأة قعودها عند القبر، وتقريره حُجَّة. واستدلوا أيضًا بحديث عائشة ﵂ عند الحاكم بإسناد صحيح (١/ ٣٧٦)، أنها أقبلت ذات يوم من المقابر، فقال لها ابن أبي مليكة: يا أم المؤمنين، من أين

стр. 1788

أقبلت؟ قالت: من قبر عبدالرحمن بن أبي بكر. فقلت لها: أليس كان رسول الله ﷺ نهى عن زيارة القبور؟ قالت: نعم، ثم أمر بزيارتها. وأخرجه ابن ماجه (١٥٧٠) مختصرًا بلفظ: رخَّص رسول الله ﷺ في زيارة القبور. واستدلوا على الجواز بحديث عائشة ﵂ في «صحيح مسلم» (٩٧٤): كيف أقول؟ تعني في المقبرة، قال: «قُولِي: السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنْ المُؤْمِنِينَ وَالمُسْلِمِينَ، وَيَرْحَمُ الله الْمسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالمُسْتَأْخِرِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ الله بِكُمْ لَلَاحِقُونَ». • وذهب أكثر الحنابلة، وجماعة من الشافعية إلى الكراهة، واختلفوا: هل الكراهة للتحريم، أم للتنزيه، فذهب بعض الحنابلة إلى التحريم، وهو رواية عن أحمد، وهو وجهٌ للشافعية، ورجَّح هذا شيخ الإسلام ابن تيمية، واستدلوا بحديث: «لعن اللهُ زواراتِ القبور»، وبحديث أم عطية ﵂: «نهينا عن اتباع الجنائز، ولم يُعزَم علينا»، وبحديث عبدالله بن عمرو ﵄، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال لفاطمة ﵂: «لو كنت بلغت معهم الكُدَى؛ ما دخلت الجنة»، وهو ضعيفٌ، منكرٌ كما تقدم. • وذهب جماعة من الشافعية، والحنابلة إلى الكراهة فقط. وأقرب الأقوال هو القول الأول، وأما حديث: «لعن اللهُ زواراتِ القبور»؛ فهو منسوخ، وهو الذي فهمته عائشة ﵂، وحمله بعضهم على المكثِرات من الزيارة؛ لقوله: «زَوَّارَات»؛ لما قد يؤدي من التبرج، والمخالفات الشرعية، والمحمل الأول أقرب؛ لأنَّ الحديث جاء باللفظين: «زائرات»، «وزوارات»، وهذا يدل على

стр. 1789

أنَّ صيغة المبالغة ليست مقصودة، والله أعلم. تنبيه: الزيارة المشروعة في حق الرجال، والنساء: ما كانت للتذكر، وللدعاء لأموات المسلمين، وأما إذا كانت مصحوبة بدعاء الأموات، وتعظيمهم، واتخاذ القبور مساجد؛ فهذه زيارة ليست مشروعة، بل قد تكون بدعية، وقد تكون شركية، بحسب ما يكون في قلب الزائر وفعله. وقد تكون الزيارة معصية إنْ اقترنت بمعاصٍ، وذنوب. (١) مسألة [٢]: زيارة قبر الكافر . ذكر أهل العلم أنَّ ذلك مشروعٌ للاعتبار، واستدلوا بحديث أبي هريرة ﵁، في «صحيح مسلم» (٩٧٦)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «استأذنت ربي أنْ استغفر لأمي؛ فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها؛ فأذن لي». (٢) تنبيه: لا يُشرع السَّفر إلى بلد من أجل زيارة قبر أحد، حتى قبر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ فلا يُشرع السفر من أجل زيارة قبره -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، بل يُسافر من أجل الصلاة في المسجد النبوي، ومن ثمَّ فلا بأس عليه إن زار القبر النبوي، والله أعلم.

стр. 1790

٥٧٢ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ النَّائِحَةَ وَالمُسْتَمِعَةَ. أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد. (١) ٥٧٣ - وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ لَا نَنُوحَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٢) ٥٧٤ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «المَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٣) ٥٧٥ - وَلَهُمَا نَحْوُهُ عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁. (٤) المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث مسألة [١]: تعريف النياحة وحكمها . النياحة: هي رفع الصوت بتعديد محاسن الميت، وشمائله، ويصحبه البكاء غالبًا، وقد لا يصحبه. وأما حكمها؛ فقد قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٩٣٤): فِيهِ دَلِيل عَلَى تَحْرِيم النِّيَاحَة وَهُوَ مُجْمَع عَلَيْهِ. اهـ
следующие страницы →