← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

٥٦٩ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ الحُصَيْبِ الأَسْلَمِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «[كُنْتُ] (١) نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ فَزُورُوهَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ، زَادَ التِّرْمِذِيُّ: «فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الآخِرَةَ». (٢) ٥٧٠ - زَادَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «وَتُزَهِّدُ فِي الدُّنْيَا». (٣) ٥٧١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَعَنَ زَائِرَاتِ القُبُورِ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (٤) المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث مسألة [١]: حكم زيارة القبور . أما بالنسبة للرجال؛ فقد قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (١٢٨٣): قَالَ

стр. 1787

النَّوَوِيّ تَبَعًا لِلْعَبْدَرِيِّ، وَالْحَازِمِيّ وَغَيْرهمَا: اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ زِيَارَة الْقُبُور لِلرِّجَالِ جَائِزَة. كَذَا أَطْلَقُوا، وَفِيهِ نَظَر؛ لِأَنَّ اِبْن أَبِي شَيْبَة وَغَيْره رَوَى عَنْ اِبْن سِيرِينَ، وَإِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ، وَالشَّعْبِيّ الْكَرَاهَة مُطْلَقًا حَتَّى قَالَ الشَّعْبِيّ: لَوْلَا نَهْي النَّبِيّ ﷺ ؛ لَزُرْت قَبْر اِبْنَتِي (١). فَلَعَلَّ مَنْ أَطْلَقَ أَرَادَ بِالِاتِّفَاقِ مَا اِسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْأَمْر بَعْد هَؤُلَاءِ، وَكَأَنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَبْلُغهُمْ النَّاسِخ، وَاَللهُ أَعْلَم. وَمُقَابِل هَذَا قَوْل اِبْن حَزْم: إِنَّ زِيَارَة الْقُبُور وَاجِبَة، وَلَوْ مَرَّة وَاحِدَة فِي الْعُمْر؛ لِوُرُودِ الْأَمْر بِهِ. اهـ قلتُ: والصارف للأمر من الوجوب إلى الاستحباب أنَّ الأمر وقع بعد الحظر، ووقوع الأمر بعد الحظر من الصوارف للأمر عن ظاهره، والله أعلم. • وأما بالنسبة لزيارة النساء؛ فقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة، فذهب أكثر أهل العلم إلى أنهن يدخلن في الإذن المذكور في حديث بريدة: «فزوروها»، ومحله إذا أُمِنَت الفتنة، واستدلوا على الجواز أيضًا بحديث أنس ﵁ في «الصحيحين» (٢) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مرَّ على امرأة تبكي عند قبر، فقال: «اتق الله، واصبري»، وموضع الدلالة منه: أنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم ينكر على المرأة قعودها عند القبر، وتقريره حُجَّة. واستدلوا أيضًا بحديث عائشة ﵂ عند الحاكم بإسناد صحيح (١/ ٣٧٦)، أنها أقبلت ذات يوم من المقابر، فقال لها ابن أبي مليكة: يا أم المؤمنين، من أين

стр. 1788

أقبلت؟ قالت: من قبر عبدالرحمن بن أبي بكر. فقلت لها: أليس كان رسول الله ﷺ نهى عن زيارة القبور؟ قالت: نعم، ثم أمر بزيارتها. وأخرجه ابن ماجه (١٥٧٠) مختصرًا بلفظ: رخَّص رسول الله ﷺ في زيارة القبور. واستدلوا على الجواز بحديث عائشة ﵂ في «صحيح مسلم» (٩٧٤): كيف أقول؟ تعني في المقبرة، قال: «قُولِي: السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنْ المُؤْمِنِينَ وَالمُسْلِمِينَ، وَيَرْحَمُ الله الْمسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالمُسْتَأْخِرِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ الله بِكُمْ لَلَاحِقُونَ». • وذهب أكثر الحنابلة، وجماعة من الشافعية إلى الكراهة، واختلفوا: هل الكراهة للتحريم، أم للتنزيه، فذهب بعض الحنابلة إلى التحريم، وهو رواية عن أحمد، وهو وجهٌ للشافعية، ورجَّح هذا شيخ الإسلام ابن تيمية، واستدلوا بحديث: «لعن اللهُ زواراتِ القبور»، وبحديث أم عطية ﵂: «نهينا عن اتباع الجنائز، ولم يُعزَم علينا»، وبحديث عبدالله بن عمرو ﵄، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال لفاطمة ﵂: «لو كنت بلغت معهم الكُدَى؛ ما دخلت الجنة»، وهو ضعيفٌ، منكرٌ كما تقدم. • وذهب جماعة من الشافعية، والحنابلة إلى الكراهة فقط. وأقرب الأقوال هو القول الأول، وأما حديث: «لعن اللهُ زواراتِ القبور»؛ فهو منسوخ، وهو الذي فهمته عائشة ﵂، وحمله بعضهم على المكثِرات من الزيارة؛ لقوله: «زَوَّارَات»؛ لما قد يؤدي من التبرج، والمخالفات الشرعية، والمحمل الأول أقرب؛ لأنَّ الحديث جاء باللفظين: «زائرات»، «وزوارات»، وهذا يدل على

стр. 1789

أنَّ صيغة المبالغة ليست مقصودة، والله أعلم. تنبيه: الزيارة المشروعة في حق الرجال، والنساء: ما كانت للتذكر، وللدعاء لأموات المسلمين، وأما إذا كانت مصحوبة بدعاء الأموات، وتعظيمهم، واتخاذ القبور مساجد؛ فهذه زيارة ليست مشروعة، بل قد تكون بدعية، وقد تكون شركية، بحسب ما يكون في قلب الزائر وفعله. وقد تكون الزيارة معصية إنْ اقترنت بمعاصٍ، وذنوب. (١) مسألة [٢]: زيارة قبر الكافر . ذكر أهل العلم أنَّ ذلك مشروعٌ للاعتبار، واستدلوا بحديث أبي هريرة ﵁، في «صحيح مسلم» (٩٧٦)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «استأذنت ربي أنْ استغفر لأمي؛ فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها؛ فأذن لي». (٢) تنبيه: لا يُشرع السَّفر إلى بلد من أجل زيارة قبر أحد، حتى قبر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ فلا يُشرع السفر من أجل زيارة قبره -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، بل يُسافر من أجل الصلاة في المسجد النبوي، ومن ثمَّ فلا بأس عليه إن زار القبر النبوي، والله أعلم.

стр. 1790

٥٧٢ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ النَّائِحَةَ وَالمُسْتَمِعَةَ. أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد. (١) ٥٧٣ - وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ لَا نَنُوحَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٢) ٥٧٤ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «المَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٣) ٥٧٥ - وَلَهُمَا نَحْوُهُ عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁. (٤) المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث مسألة [١]: تعريف النياحة وحكمها . النياحة: هي رفع الصوت بتعديد محاسن الميت، وشمائله، ويصحبه البكاء غالبًا، وقد لا يصحبه. وأما حكمها؛ فقد قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٩٣٤): فِيهِ دَلِيل عَلَى تَحْرِيم النِّيَاحَة وَهُوَ مُجْمَع عَلَيْهِ. اهـ

стр. 1791

ذكر هذا الكلام تحت حديث أبي مالك الأشعري ﵁ في «مسلم» (٩٣٤): «النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ، وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ»، وهذا يدل على أنَّ النياحة من كبائر الذنوب، ومثله حديث أبي هريرة ﵁، في «مسلم» (٦٧): «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ». ولكن ذكر الشوكاني ﵀ في «النيل» (٢/ ٨٠٥) أنَّ بعض المالكية حكي عنهم أن النياحة ليست بحرام، قال: وَاسْتَدَلَّ بِمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٩٣٧) عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂، قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ إلَى قوله: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة:١٢]، قَالَتْ: كَانَ مِنْهُ النِّيَاحَةُ، قَالَتْ: فَقُلْت: يَا رَسُولَ الله: إلَّا آلَ فُلَانٍ؛ فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَسْعَدُونِي فِي الْجاهِلِيَّةِ، فَلَابُدَّ لِي مِنْ أَنْ أُسْعِدَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «إلَّا آلَ فُلَانٍ»، وَغَايَةُ مَا فِيهِ التَّرْخِيصُ لِأُمِّ عَطِيَّةَ فِي آلِ فُلَانٍ خَاصَّةً، فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى حِلِّ ذَلِكَ لِغَيْرِهَا فِي غَيْرِ آلِ فُلَانٍ؟ وَلِلشَّارِعِ أَنْ يَخُصَّ مِنْ الْعُمُومِ مَا شَاءَ. اهـ إشكال في حديث الباب: قال الإمام الألباني ﵀ في «أحكام الجنائز» (ص ٤١ - ٤٢): ثم إنَّ ظاهر هذا الحديث مُشكل؛ لأنَّه يتعارض مع أصول الشريعة، وقواعدها المقررة في مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]. • وقد اختلف العلماء في الجواب عن ذلك على ثمانية أقوال، وأقربها إلى الصواب

стр. 1792

قولان: الأول: ما ذهب إليه الجمهور، وهو أنَّ الحديث محمول على من أوصى بالنوح عليه، أو لم يوصِ بتركه، مع علمه بأنَّ الناس يفعلونه عادة؛ ولهذا قال عبد الله بن المبارك: إذا كان ينهاهم في حياته ففعلوا شيئًا من ذلك بعد وفاته، لم يكن عليه شيء. والعذاب عندهم بمعنى العقاب. والآخر: أن معنى: «يعذب»، أي: يتألم بسماعه بكاء أهله، ويرق لهم ويحزن، وذلك في البرزخ، وليس يوم القيامة، وإلى هذا ذهب محمد بن جرير الطبري وغيره، ونصره ابن تيمية، وابن القيم وغيرهما، قالوا: ليس المراد أن الله يعاقبه ببكاء الحي عليه، والعذاب أعم من العقاب كما في قوله: «السفر قطعة من العذاب»، وليس هذا عقابًا على ذنب، وإنما هو تعذيب وتألم. قال الألباني ﵀: وقد يؤيد هذا قوله في الحديث «في قبره»، وكنت أميل إلى هذا المذهب برهة من الزمن، ثم بدا لي أنه ضعيف؛ لمخالفته للحديث السابع يعني حديث المغيرة بن شعبة المذكور في الكتاب الذي قَيَّدَ العذاب بأنه «يوم القيامة»، ومن الواضح أنَّ هذا لا يمكن تأويله بما ذكروا؛ ولذلك فالراجح عندنا مذهب الجمهور، ولا منافاة عندهم بين هذا القيد، والقيد الآخر في قوله: «في قبره»، بل يضم أحدهما إلى الآخر، وينتج أنه يعذب في قبره، ويوم القيامة، وهذا بَيِّنٌ إن شاء الله تعالى. اهـ. (١)

стр. 1793

٥٧٦ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: شَهِدْتُ بِنْتًا لِلنَّبِيِّ ﷺ تُدْفَنُ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ عِنْدَ القَبْرِ، فَرَأَيْت عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: حكم البكاء على الميت . دل حديث الباب على جواز البكاء على الميت. وفي «الصحيح» عن أنس ﵁، أنَّ إبراهيم بن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يجود بنفسه بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربَّنَا، وإنَّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون»، متفق عليه. (٢) وفي «الصحيحين» (٣) عن جابر ﵁، أنَّ عمته فاطمة بكت على أبيه، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «تبكين أو لا تبكين، ما زالت الملائكة تُظِلُّه بأجنحتها حتى رفعتموه». وفي «الصحيحين» (٤) عن عبد الله بن عمر ﵄، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عاد سعد بن عبادة، فبكى، وبكى من حوله. وفي «الصحيح» عن أسامة بن زيد ﵄، أنَّ ولدًا لابنته رُفِعَ إليه، ونفسه تقعقع، ففاضت عينا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ثم قال: «هذه رحمة جعلها الله في قلوب

стр. 1794

عباده» (١)، والأحاديث كثيرة في هذا الباب. ويُشترط أن لا يصحب البكاء نياحة، ولا ضرب للخدود، ولا شق للجيوب، ولا نتف للشعر، ولا مخالفة شرعية. والبكاء جائز، سواء قبل موته، أو بعده، ولكن لا ينبغي أن يُبكى عليه بعد ثلاثة أيام؛ لحديث عبد الله بن جعفر عند أبي داود (٤١٩٢)، والنسائي (٨/ ١٨٢)، وغيرهما، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمهل آل جعفر ثلاثًا أن يأتيهم، ثم أتاهم، فقال: «لا تبكوا على أخي بعد اليوم». (٢)

стр. 1795

٥٧٧ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تَدْفِنُوا مَوْتَاكُمْ بِاللَّيْلِ إلَّا أَنْ تَضْطَرُّوا». أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ، لَكِنْ قَالَ: زَجَرَ أَنْ يُقْبَرَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ، حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: حكم الدفن بالليل . • ذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يدفن بالليل؛ إلا من ضرورة، وهو مذهب الحسن البصري، ورواية عن أحمد ذكرها في «الإنصاف»، وهو مذهب ابن حزم، واختاره الإمام الألباني، واستدلوا بحديث الباب. • قال الإمام النووي ﵀ في «شرح مسلم»: وَقَالَ جَمَاهِير الْعُلَمَاء مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف: لَا يُكْرَه، وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ أَبَا بَكْر الصِّدِّيق ﵁، وَجَمَاعَة مِنْ السَّلَف دُفِنُوا لَيْلًا مِنْ غَيْر إِنْكَار (٢)، وَبِحَدِيثِ الْمَرْأَة السَّوْدَاء، وَالرَّجُل الَّذِي كَانَ يَقُمّ الْمَسْجِد، فَتُوُفِّيَ بِاللَّيْلِ فَدَفَنُوهُ لَيْلًا، وَسَأَلَهُمْ النَّبِيّ ﷺ عَنْهُ؟ فَقَالُوا: تُوُفِّيَ لَيْلًا، فَدَفَنَّاهُ فِي اللَّيْل، فَقَالَ: «أَلَا آذَنْتُمُونِي؟» (٣) قَالُوا: كَانَتْ ظُلْمَة. وَلَمْ يُنْكِر عَلَيْهِمْ.

стр. 1796

وَأَجَابُوا عَنْ هَذَا الْحَدِيث: أَنَّ النَّهْي كَانَ لِتَرْكِ الصَّلَاة، وَلَمْ يَنْهَ عَنْ مُجَرَّد الدَّفْن بِاللَّيْلِ، وَإِنَّمَا نَهَى لِتَرْكِ الصَّلَاة، أَوْ لِقِلَّةِ الْمُصَلِّينَ، أَوْ عَنْ إِسَاءَة الْكَفَن، أَوْ عَنْ المَجْمُوع كَمَا سَبَقَ. اهـ قلتُ: ويدل على جواز الدفن في الليل حديث جابر ﵁ عند أبي داود (١٣٦٤)، قال: رأى ناسٌ نارًا في المقبرة، فجاءوا، فإذا النبي ﷺ في القبر، وهو يقول: «ناولوني صاحبكم»، وإذا هو الرجل الذي كان يرفع صوته بالذكر. وقد حسَّنه شيخنا الإمام الوادعي ﵀ في «الجامع الصحيح» (٢/ ٢٦٣)، وبَوَّبَ عليه: [باب جواز الدفن ليلًا]. وبَوَّبَ عليه كذلك أبو داود في «سننه» بذلك. وقد دفن النبي ﷺ ليلًا في ليلة الأربعاء: أخرجه ابن المنذر من طريقين يحسن بهما. وممن دفن ليلًا: فاطمة ﵂، كما في البخاري (٤٢٤٠)، ومسلم (١٧٥٩). وعند ابن المنذر بإسناد صحيح عن ابن الزبير ﵄، أنه دفن عائشة ﵂ ليلًا. قلتُ: فالصواب هو قول الجمهور، والله أعلم. (١)

стр. 1797

٥٧٨ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ جَعْفَرٍ ﵁، قَالَ: لَمَّا جَاءَ نَعْيُ جَعْفَرٍ حِينَ قُتِلَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا، فَقَدْ أَتَاهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ». أَخْرَجَهُ الخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: صنع الطعام لأهل الميت . استحبَّ أهل العلم أن يُصْنَعَ لأهل الميت طعامًا؛ لأنهم شُغِلوا بمصيبتهم، وقد قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:٢]، وقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه». (٢) وفي «الصحيحين» (٣) عن عائشة ﵂، أنها كانت إذا مات الميت من أهلها، فاجتمع لذلك النساء، ثم تفرقنَ إلا أهلها وخاصَّتها، أمرت ببرمة من تلبينة، فَطُبِخت، ثم صُنِع ثريد، فصبت التلبينة عليها، ثم قالت: كُلْنَ منها؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «التلبينة مجمة لفؤاد المريض تذهب بعض الحزن». (٤)

стр. 1798

مسألة [٢]: الاجتماع في بيت الميت للطعام . كره أهل العلم الاجتماع في بيت الميت للطعام، وعدُّوه من البدع. وأخرج ابن ماجه (١٦١٢)، عن جرير بن عبد الله ﵁، أنه قال: كُنَّا نرى الاجتماع إلى أهل الميت، وصنعة الطعام من النياحة. وفي إسناده: هُشيم بن بشير، مدلِّسٌ، وقد عنعن، وقد تابعه نصر بن باب عند أحمد (٦٩٠٥)، ولم يفعل شيئًا؛ لأنه متروك، بل قد كُذِّب. وعلى هذا؛ فالحديث ضعيفٌ، ولكن يغني عنه قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه؛ فهو رد»، وكذلك فيه أذية لأهل الميت، وتكليف لهم. (١)

стр. 1799

بَعْضُ المَسَائِلِ المُلحَقَة مسألة [١]: تعزية أهل الميت . استحبَّ أهل العلم أن يُعَزِّي الناس أهل الميت، ومعناه: يُسلِّي عليهم بأمرهم بالصبر، والدعاء لميتهم، وليس لذلك صيغة محدودة، بل يُعَزِّيهم بكل ما يحصل به المقصود، وَإنْ أتى بما ثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ فهو أفضل، كحديث أسامة بن زيد ﵄، في «الصحيحين» (١): «إنَّ لله مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى؛ فَلتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ». وحديث أم سلمة في «صحيح مسلم» مرفوعًا: «اللَّهُمَّ، اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ، وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ». (٢) وتجوز التَّعْزِيَةُ قبل الموت، وبعده، ما دام يُحتاج إلى ذلك، وخصَّه الشافعي، وأحمد إلى ثلاثة أيام، وذهب الثوري، وأبو حنيفة إلى أنَّ التعزية قبل الدفن لا بعده، ويرد ذلك حديث قُرَّة بن إياس ﵁، أنَّ رجلًا تُوُفِّيَ ولد له يُحِبُّه، فذهب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فقال له: «ألا يسرك أن لا تأتي بابًا من أبواب الجنة إلا وجدته ينتظرك ... »

стр. 1800

الحديث أخرجه النسائي (٤/ ٢٢، ١١٨)، وإسناده صحيح، وصححه شيخنا الإمام الوادعي ﵀ في «الصحيح المسند» برقم (١٠٨١). وأما التحديد بثلاثة أيام؛ فليس عليه دليلٌ صحيحٌ صريح؛ ولذلك فقد ذهب جماعة من الحنابلة، وهو وجهٌ عند الشافعية إلى عدم التحديد بثلاثة أيام، ورجَّح ذلك الإمام الألباني، فقالوا: يُعَزِّيه ما دام محتاجًا إلى ذلك، وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (١) تنبيه: الاجتماع في بيت الميت للتعزية لا دليل عليه، وهو من المحدثات، ويعزيه أينما وجده، سواء في المسجد، أو في المصلَّى، أو في المقبرة، أو في البيت. (٢)

стр. 1801

٥٧٩ - وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵄، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعَلِّمُهُمْ إذَا خَرَجُوا إلَى المَقَابِرِ [أَنْ يَقُولُوا] (١): «السَّلَامُ عَلَى أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى بِكُمْ لَلَاحِقُونَ، أَسْأَلُ اللهَ لَنَا وَلَكُمُ العَافِيَةَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (٢) ٥٨٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقُبُورِ المَدِينَةِ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ القُبُورِ، يَغْفِرُ اللهُ لَنَا وَلَكُمْ، أَنْتُمْ سَلَفُنَا وَنَحْنُ بِالأَثَرِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ. (٣) المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين مسألة [١]: الدعاء للموتى من المسلمين عند زيارة القبور . يُستفاد من حديثي الباب: استحباب الدعاء للميت بذلك الدعاء الذي علمه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أصحابه، وقد سألته عائشة كما في «صحيح مسلم» (٩٧٤) (١٠٣): كيف أقول؟ تعني في المقبرة، قال: «قُولِي: السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنْ المُؤْمِنِينَ وَالمُسْلِمِينَ، وَيَرْحَمُ الله الْمسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالمُسْتَأْخِرِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ الله بِكُمْ لَلَاحِقُونَ». وعند مسلم (٩٧٤) (١٠٢)، عن عائشة ﵂: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يخرج إلى

стр. 1802

البقيع فيقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، أتاكم ما توعدون، غدًا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون». ويُسْتَفَادُ من هذه الأحاديث: أنَّ قراءة الفاتحة، أو القرآن عند القبور لأرواح الموتى من البدع والمحدثات. وأمَّا دعاؤهم، وطلب الحاجات منهم؛ فهو شركٌ بالله تعالى، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٥ - ٦].

стр. 1803

٥٨١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إلَى مَا قَدَّمُوا». رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (١) ٥٨٢ - وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنِ المُغِيرَةِ ﵁ نَحْوَهُ، لَكِنْ قَالَ: «فَتُؤْذُوا الأَحْيَاءَ». (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين مسألة [١]: حكم سب الأموات . فيه تحريم سبِّ الأموات؛ لأنَّ أعراض المسلمين محرمة أحياءً، وأمواتًا، قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في البلد الحرام، في الشهر الحرام في يوم النحر: «إنَّ دِمَاءَكُم، وَأَمْوَالَكُم، وَأَعْرَاضَكُم، عَلَيْكُم حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُم هَذَا، فِي شَهْرِكُم هَذَا، فِي بَلَدِكُم هَذَا» متفق عليه عن أبي بكرة ﵁. ويُستثنى من ذلك جرح المجروحين من الرواة، وأهل البدع، والأهواء، وغيرهم؛ نصيحةً للأمة. وقد نَقَلَ الإجماع على ذلك غير واحد من أهل العلم، منهم: النووي، والحافظ ابن حجر، والشوكاني، وغيرهم. (٣)

стр. 1804

بَابُ صَلاةِ الجَمَاعَةِ وَالإِمَامَةِ كِتَابُ الصَّلَاةِ فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام حديثيا وفقهيا مع ذكر بعض المسائل الملحقة تأليف أبي عبدالله محمد بن علي بن حزام الفضلي البعداني في دار الحديث بدماج الجزء الرابع الزكاة - الصيام صَدَقَةِ الفِطْرِ - صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ - قَسْم الصَّدَقَاتِ - كِتَابُ الصِّيَام - صَوْمُ التَّطَوُّعِ وَمَا نُهِيَ عَنْ صَوْمِهِ - الاعْتِكَافُ وَقِيَامُ رَمَضَانَ

стр. 1805

كِتَابُ الزَّكَاةِ الزكاة لغة: النماء، والزيادة. وتأتي بمعنى الطهارة المعنوية، وهي صلاح القلب. فَمِنَ الأول قولهم: (زكا الزرع: إذا كثر ريْعه). ومن الثاني قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٢١]. والآيات في هذا المعنى كثيرة. وتعريف الزكاة شرعًا: هي اسم لأخذ شيء مخصوص، من مالٍ مخصوص، على أوصافٍ مخصوصة، لطائفة مخصوصة. (١)

стр. 1806

٥٨٣ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا ﵁ إلَى اليَمَنِ -فَذَكَرَ الحَدِيثَ- وَفِيهِ: «أَنَّ اللهَ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدَّ فِي فُقَرَائِهِمْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: حكم الزكاة، وحكم من أنكرها . الزكاة فرضٌ، وركنٌ من أركان الإسلام، وهي واجبة بكتاب الله تعالى، وبالسنة، وإجماع المسلمين. أما في القرآن: فآيات كثيرة، منها: قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، ومنها قوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ ثبت عن علي بن أبي طالب ﵁، أنه قال: هي الزكاة المفروضة. وثبت ذلك أيضًا عن عبد الله بن عمر ﵄. وثبت عن ابن مسعود وابن عباس ﵄ أن المراد بالآية ما يعيره الناس بعضهم بعضا، كعارية الدلو، والقدر، والفأس، ونحو ذلك. (٢) وأما بالسنة: فأحاديث كثيرة، منها: حديث ابن عباس ﵄، الذي في الكتاب.

стр. 1807

وأما الإجماع: فقد أجمع المسلمون في جميع الأعصار على ذلك. وأما من أنكر فرضية الزكاة؛ فهو كافرٌ مالم يكن جاهلًا؛ لأنه أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة. (١) مسألة [٢]: من منعها بُخْلا لا جُحودًا ؟ • ذهب جمهور العلماء إلى أنه يُعَدُّ فاسقًا، مُرتَكِبًا لكبيرة من الكبائر، واستدلوا بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كما في حديث أبي هريرة ﵁، في «صحيح مسلم» (٩٨٧): «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ، وَجَبِينُهُ، وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ». • وذهب بعض أهل العلم إلى تكفيره، نقله ابن رجب كما في «جامع العلوم والحكم» (ص ١٤٧)، عن سعيد بن جبير، ونافع، والحكم، قال: وهي رواية عن أحمد اختارها بعض أصحابه، وهو قول ابن حبيب من المالكية. وقد استُدِلَّ لهذا القول بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥]. وفي الآية الأخرى: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١]. واستدلوا بما أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ١١٤) بإسناد صحيحٍ عن ابن مسعود

стр. 1808

-﵁، أنه قال: من لم يؤد الزكاة؛ فلا صلاة له. وبإسنادٍ صحيحٍ عنه أنه قال: ما مانع الزكاة بمسلم. وأجاب الجمهور: أنَّ حديث أبي هريرة ﵁ دلَّ على أنَّ مانع الزكاة تحت المشيئة، قالوا: فَتُحْمَل الآية على أنَّ المقصود به تمام الأُخُوَّة، وكمالها بإيتاء الزكاة. وأما أثر ابن مسعود فخرج مخرج الزجر: يعني ما يصدر هذا العمل من المسلم الكامل الإسلام. والله أعلم. وقول الجمهور هو الصواب، والله أعلم. (١) مسألة [٣]: ماذا يصنع الإمام بمن منعها بُخلا ؟ • ذكر أهل العلم أنَّ الإمام يأخذها منه قهرًا، وقال الجمهور: يُعَزِّره على منعها. وقال إسحاق، وأبو بكر بن عبد العزيز: يأخذها وشطر ماله. وقد استُدِلَّ لهذا القول بحديث بهز ابن حكيم، عن أبيه، عن جَدِّه: «من أعطاها مؤتجرًا بها؛ فله أجره، ومن منعها؛ فإنَّا آخذوها وشطر ماله، عزمة من عزمات رَبِّنَا، لا يحل لآل محمد منها شيء». وأجاب الجمهور عن هذا الحديث بأجوبة، منها وهو جواب بعضهم: ١) أنَّ الحديث لا يثبت، فقد قال ابن حِبَّان مُنكِرًا لهذا الحديث قال في بهز: ولولا حديثُه: «فإنَّ آخذوها وشطر ماله»؛ لأدخلته في الثقات. وأشار

стр. 1809

الشافعي إلى عدم ثبوته. ١) أجاب جمعٌ من العلماء على الحديث بأنه منسوخ، ويؤيد ذلك عدم عمل الصحابة به فقد منع طائفةٌ الزكاةَ في عهد أبي بكر ﵁ ولم يَرِدْ أنَّ الصحابة أخذوا منهم نصف أموالهم. وقول الجمهور هو الصواب -والله أعلم- وهو أنَّ الإمام يُعَزِّره، ويُعَاقِبه، ولا يأخذ نصف ماله، كما فعل الصحابة ﵃. وأما إن كان الذي منعها طائفةً لهم شوكة، ومَنَعَة؛ فيقاتلهم الإمام حتى يُؤدُّوها كما فعل أبو بكر الصِّدِّيق ﵁، والصحابة مع الذين منعوا الزكاة. وهذا عليه إجماع الصحابة، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾. وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أُمِرتُ أن أُقاتل الناس حتى يشهدوا أنْ لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله، ويُقيموا الصلاة، ويُؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم، وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله تعالى» (١). (٢) مسألة [٤]: إذا أخذ الإمام الزكاة قهرًا، فهل يؤجر عليها صاحبها ؟ قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٢٠): وقد اختلف أصحابنا في الإمام إذا أخذ الزكاة قهرًا هل تجزئه في الباطن؟ على وجهين، مع أنها

стр. 1810

لا تستعاد منه: أحدهما: لا تجزيه؛ لعدم النية مع القدرة عليها. والثاني: أن نية الإمام تقوم مقام نية الممتنع؛ لأن الإمام نائب المسلمين في أداء الحقوق الواجبة عليهم، والأول أصح؛ فإن النبي ﷺ كان يأخذها منهم بإعطائهم إياها، وقد صرح القرآن بنفي قبولها؛ لأنهم ينفقون وهم كارهون، فعلم أنه إنْ أنفق مع كراهة الإنفاق؛ لم تقبل منه، كمن صلى رياءً. وقال ﵀ في (٢٢/ ١٩): فمن أقام الصلاة، وآتى الزكاة نفاقًا، أو رياءً؛ فإنَّ هذا يجزئه في الظاهر، ولا يُقبَل منه في الباطن قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٩]، وقال: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة:٥٤]، وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون:٤ - ٧]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:١٤٢].اهـ ثم قرر شيخ الإسلام ﵀ أنه لا إعادة عليه إذا تاب. مسألة [٥]: هل تجب الزكاة على الكافر ؟ أما وجوبها بمعنى أنه يُطالَب بها إذا أسلم؛ فقد أجمع أهل العلم أنها لا تجب عليه بهذا الاعتبار، كما قال ذلك ابن حزم ﵀، وأما من أطلق وجوبَها من أهل العلم؛ فمراده أنَّ الكافر يُعاقَب على تركها مع معاقبته على الكفر، وهذا هو الأصح

стр. 1811

من قَوْلَي أهل العلم، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ * فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٢ - ٤٨]. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل:٨٨]، فالكافر يؤاخذ على سائر المعاصي مع كفره بالله، والله أعلم. (١) مسألة [٦]: هل تجب الزكاة على المرتد ؟ قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٥/ ٣٢٨): إنْ وجب عليه زكاة قبل رِدَّتِه؛ لم تسقط عنه بالرِّدَة عندنا باتفاق الأصحاب، وقال أبو حنيفة: تسقط. اهـ قلتُ: والذي اختاره الشافعية هو أحد القولين في مذهب أحمد، وهو الصواب؛ لأنَّ هذا حقٌّ للفقراء أوجبه الله في ماله حال الإسلام فمن أسقطه فعليه الدليل. (٢) وأما وجوبها على المرتد حال رِدَّته؛ فالمشهور عند الحنابلة، والشافعية: عدم وجوبها عليه؛ لأنَّ حكمه حكم الكافر الأصلي؛ لأنَّ الأدلة التي جاءت في ذكر الكافرين تشمل الأصلي والمرتد؛ إلا ما خصَّ بدليل آخر، وهذا هو الصحيح، والله أعلم. (٣)

стр. 1812

مسألة [٧]: هل تجب الزكاة في مال الصبي، والمجنون ؟ قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٥/ ٣٣١): مذهبنا وجوبها في مالهما وبه قال الجمهور، وحكى ابن المنذر وجوبها في مال الصبي، عن عمر بن الخطاب، وعلي، وابن عمر، وجابر، والحسن بن علي، وعائشة، وطاوس، وعطاء، وجابر بن زيد، ومجاهد، وابن سيرين، وربيعة، ومالك، والثوري، والحسن بن صالح، وابن عيينة، وعبيد الله بن الحسن، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور، وسليمان بن حرب ﵃. وقال أبو وائل، وسعيد بن جبير، والحسن البصري، والنخعي: لا زكاة في مال الصبي. وقال سعيد بن المسيب: لا يزكي حتى يصلي ويصوم رمضان. وقال الأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز: في ماله الزكاة، لكن لا يخرجها الولي، بل يحصيها، فإذا بلغ الصبي أعلمه فيزكي عن نفسه. وقال ابن أبي ليلى: فيما ملكه زكاة، لكن إن أداها الوصي ضَمِنَ. وقال ابن شبرمة: لا زكاة في ذهبه، وفضته، وتجب في إبله، وبقره، وغنمه. وقال أبو حنيفة: لا زكاة في ماله إلا عشر المعشرات. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب هو قول الجمهور؛ لحديث ابن عباس الذي في الكتاب، ففيه: «صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم؛ فتُرَدُّ في فقرائهم»، وهذا صريح أنَّ هذا واجبٌ، وحقٌّ في المال من كل مالِ غني، سواء كان صبيًّا، أو كبيرًا، أو مجنونًا، وقد جاء من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده

стр. 1813

مرفوعًا: «من وَليَ يتيمًا له مال؛ فليتجر له، ولا يتركه حتى تأكله الصدقة»، (١) ولكنه حديث ضعيفٌ، فيه: المثنى بن الصباح، وهو ضعيفٌ، أو أشد، ويُغني عنه حديث ابن عباس المتقدم. وقد احتج المانعون من ذلك، أو القائلون بعدم وجوب الزكاة في مال الصبي، والمجنون بحديث: «رُفِعَ القلم عن ثلاثة» ومنهم: «الصبي حتى يبلغ، والمجنون حتى يعقل». (٢) وأجاب الجمهور: أنَّ الزكاة حقٌّ في المال؛ فليس له علاقة في التكليف، وعدمه؛ لدلالة حديث ابن عباس المتقدم على ذلك، وهذا القول هو الثابت عن الصحابة، أعني قول الجمهور كما نقل ذلك ابن المنذر عنهم. وأقوال الصحابة ﵃ الذين ذكرهم ابن المنذر أخرجها عبد الرزاق (٤/ ٦٦ - ٧٠)، وابن أبي شيبة (٣/ ١٤٩ - ١٥٠)، والبيهقي (٤/ ١٠٧ - ١٠٨)؛ إلا أثر الحسن بن علي، وكلها ثابتة محتجٌّ بها. (٣) تنبيه: جاء عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: من ولي يتيمًا؛ فليُحْصِ عليه السنين، فإذا دفع إليه ماله أخبره بما فيه من الزكاة؛ فإنْ شاء زكَّى، وإنْ شاء ترك. أخرجه ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، والبيهقي، وفيه علَّتان: إحداهما: ليث بن أبي سليم ضعيفٌ مُختلطٌ، والثانية: انقطاعٌ بين مجاهد، وابن مسعود.

стр. 1814

مسألة [٨]: هل يجب على العبد زكاة في ماله ؟ • ذهب أكثر العلماء إلى أنه لا يجب على العبد زكاة في ماله، ثم اختلفوا: هل تجب الزكاة على السيد في ذلك المال، أو لا؟ على قولين: الأول: أنَّ على السيد الزكاة في مال العبد، وقالوا: لأنَّ الملك حقيقة للسيد، وليس للعبد ملك، وبعضهم قال: له ملك ضعيفٌ، وهذا قول أحمد، والشافعي في رواية عنهما، وهو قول سفيان، وإسحاق، وأصحاب الرأي. الثاني: ليس فيه زكاة، لا على العبد، ولا على السيد، وهو قول الزهري، وقتادة، ومالك، وأبي عبيد، ورواية عن أحمد، والشافعي، وحجَّتُهم أنَّ السيد قد مَلَّكَهُ العَبْدَ؛ فليس ملكًا له، وليس للعبد فيه ملك تام. وقد ثبت هذا القول عن ابن عمر، وجابر ﵄ كما في الأموال لأبي عبيد، ولابن زنجويه، وكما في مصنف ابن أبي شيبة. • وذهب عطاء، وأبو ثور، ونقله ابن حزم عن الحسن، وطاوس، بأسانيد صحيحة، ونقله عن عكرمة، وسالم، وابن أبي ذئب، وداود الظاهري وأصحابه، ذهب هؤلاء كلهم إلى أنه يجب على العبد زكاة في ماله؛ لأنه يملك ماله، وهو مسلم تشمله الأدلة في وجوب الزكاة. قال أبو عبد الله غفر الله له: تجب الزكاة في مال العبد، سواء قلنا: (إنه يملك ماله، أو لا يملكه).

стр. 1815

والأقرب قول من قال: إنه يملك ماله؛ لحديث: «من باع عبدًا له مال؛ فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع»، والله أعلم. (١) مسألة [٩]: هل تجب الزكاة على المكاتب في ماله ؟ • ذهب أكثر العلماء إلى أنه لا تجب الزكاة فيه؛ لأنه ملك لم يستقر، ولم يوجبوه على السيد؛ لأنَّ السيد ليس له حق في التصرف في مال المكاتب. وثبت هذا عن جابر ﵁، كما في الأموال لأبي عبيد، وابن زنجويه. • وذهب أبو ثور، والظاهرية إلى وجوبه على المكاتب؛ لأنَّه ملك له، وكيف يقال: له التصرف فيه. ويمنع من كل أحد، وليس هو ملكًا له. قال ابن حزم ﵀: فليت شعري! في أيِّ الأصول وجدوا مالًا محكومًا به لإنسان، ممنوعًا منه كل أحد سواه، مطلقة عليه يده في بيع، وشراء، ونفقة، وكسوة، وسكنى، وهو ليس له؟ أم في أيِّ سُنَّةٍ وجدوا هذا؟ أم في أيِّ قرآن؟ أم فيِّ أي قياس؟.اهـ قلتُ: والصواب القول بوجوب الزكاة على المكاتب في ماله. (٢)

стр. 1816

مسألة [١٠]: المال المنسوب إلى الجنين، هل تجب فيه الزكاة إذا خرج حيًّا، ثم حال عليه الحول ؟ • ذهب أكثر الشافعية، والحنابلة إلى أنه لا تجب عليه فيه الزكاة؛ لأنَّ الجنين لا يُتيقن حياته، ويُوثَق بها؛ فلا يحصل تمام الملك، واستقراره؛ فعلى هذا يبتديء حولًا من حين ينفصل. • وذهب بعض الشافعية، والحنابلة إلى أنه يجب فيه الزكاة إذا حال عليه الحول؛ لأنَّه يحكم له بالملك في الظاهر، حتى إنه يمنع منه بقية الورثة، وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (١) مسألة [١١]: هل يجب إخراج الزكاة على الفور إذا حلَّ وقتها ؟ قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٥/ ٣٣٥): ذكرنا أنَّ مذهبنا أنها إذا وجبت الزكاة، وتمكن من إخراجها؛ وجب الإخراج على الفور؛ فإنْ أَخَّرَها أثم، وبه قال مالك، وأحمد، وجمهور العلماء، ونقله العبدري عن أكثرهم، ونقل أصحابنا عن أبي حنيفة أنها على التراخي. اهـ وقيد ابن قدامة مذهب أبي حنيفة بما إذا لم يطالب، وحُجَّةُ الجمهور أنَّ الله أمر بالزكاة بقوله: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، والأمر المطلق يقتضي الفور. قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٤/ ١٤٦): هَاهُنَا قَرِينَةٌ تَقْتَضِي الْفَوْرَ، وَهُوَ أَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ لِحَاجَةِ الْفُقَرَاءِ، وَهِيَ نَاجِزَةٌ؛ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْوُجُوبُ، نَاجِزًا،

стр. 1817

وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَتَكَرَّرُ، فَلَمْ يَجُزْ تَأْخِيرُهَا إلَى وَقْتِ وُجُوبِ مِثْلِهَا، كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ. ثم قال: فَأَمَّا إذَا كَانَتْ عَلَيْهِ مَضَرَّةٌ فِي تَعْجِيلِ الْإِخْرَاجِ، مِثْلُ مَنْ يَحُولُ حَوْلُهُ قَبْلَ مَجِيءِ السَّاعِي، وَيَخْشَى إنْ أَخْرَجَهَا بِنَفْسِهِ أَخَذَهَا السَّاعِي مِنْهُ مَرَّةً أُخْرَى، فَلَهُ تَأْخِيرُهَا، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَكَذَلِكَ إنْ خَشِيَ فِي إخْرَاجِهَا ضَرَرًا فِي نَفْسِهِ، أَوْ مَالٍ لَهُ سِوَاهَا، فَلَهُ تَأْخِيرُهَا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»، (١) وَلِأَنَّهُ إذَا جَازَ تَأْخِيرُ قَضَاءِ دَيْنِ الْآدَمِيِّ لِذَلِكَ، فَتَأْخِيرُ الزَّكَاةِ أَوْلَى. اهـ مسألة [١٢]: إذا وجبت الزكاة، وتمكن من أدائها، ثم مات قبل أن يخرجها ؟ • اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال: الأول: أنها تجب في ماله، وهو قول عطاء، والحسن، والزهري، وقتادة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، ومالك، وابن المنذر، وداود؛ لأنَّ الزكاة حقٌّ في المال؛ لحديث ابن عباس الذي في الكتاب، قالوا: فيخرج هذا الحق قبل الوصية، وقسمة التركة. الثاني: إنْ أوصى بها؛ أُخْرِجَت، وإلا فلا تلزم الورثة، وهو قول ابن سيرين، والشعبي، والنخعي، وحماد، والثوري، وغيرهم، وهو قول أصحاب الرأي؛ لأنَّ المال انتقل بموته إلى الورثة.

стр. 1818

الثالث: تُخرَج من ماله قبل الوصايا، بحيث لا تتجاوز الثلث، وهو قول الليث، والأوزاعي. والقول الأول هو الصواب؛ لأنَّ هذا حقٌّ في المال فلا يسقط بموته، والله أعلم. (١) مسألة [١٣]: إذا مضت عليه سنون لا يؤدي الزكاة، ثم أراد إخراجها ؟ قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٥/ ٣٣٧): إذا مضت عليه سنون ولم يؤد زكاتها؛ لزمه إخراج الزكاة عن جميعها، سواء علم وجوب الزكاة، أم لا، وسواء كان في دار الإسلام، أم دار الحرب، هذا مذهبنا. قال ابن المنذر: لو غلب أهل البغي على بلد، ولم يؤد أهل ذلك البلد الزكاة أعوامًا، ثم ظفر بهم الإمام؛ أخذ منهم زكاة الماضي في قول مالك، والشافعي، وأبي ثور. قال: وقال أصحاب الرأي: لا زكاة عليهم لما مضى. وقال أصحاب الرأي: لو أسلم قوم في دار الحرب، وأقاموا سنين، ثم خرجوا إلى دار الإسلام؛ لا زكاة عليهم لما مضى، والله أعلم. اهـ قلتُ: ومأخذ من قال بوجوبها أنَّ هذا حقٌّ في المال، ولا يسقط بالبخل، ولا بالجهل، ومنِ ادَّعى سقوطه بأحدهما؛ فعليه أن يأتي بالدليل الصحيح على ذلك، والله أعلم.

стр. 1819

مسألة [١٤]: إذا تلفت الزكاة قبل وصولها إلى الفقير ؟ • في هذه المسألة أقوال: الأول: لا تسقط عنه، وهو قول الزهري، والحكم، وحماد، والثوري، وأبي عبيد، وحجتهم أنه حق متعين على رب المال تلف قبل وصوله إلى مستحقه؛ فلم يبرأ منه بذلك، كدين الآدمي، وهو مذهب الحنابلة. الثاني: إنْ كان لم يفرط؛ فيُنظر في بقية ماله؛ فإنْ كان فيما بقي زكاة؛ أُخرج عنها، وإن لم يكن بَقِيَ؛ فتسقط عنه، وإنْ كان فرط؛ فلا تسقط مطلقًا، وهذا قول الشافعي. الثالث: يزكي ما بقي؛ إلا أنْ ينقص عن النصاب؛ فتسقط الزكاة، فرَّط، أم لم يفرط، وهو قول أصحاب الرأي. الرابع: يزكي ما بقي بقسطه، وإنْ لم يبق إلا عشرة دراهم، قاله مالك. قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول أقرب؛ لأنه حق تعلقت به ذمته، ولم يصل إلى مستحقه، وهو ترجيح ابن حزم. وأفتى بذلك الإمام ابن باز، وعبدالرزاق عفيفي، وابن غديان كما في «فتاوى اللجنة الدائمة» (٩/ ٤٠٧ - ٤٠٨)، والله أعلم. (١) تنبيه: هذه المسألة هي فيما إذا تلفت الزكاة بيد صاحبها، أو وكيله، أما إذا تلفت بيد السلطان، أو الساعي؛ فلا ضمان عليه فيما يظهر؛ لأنه قد أخرجها إلى محل شرعي؛ فبرئت عهدته، والله أعلم.

стр. 1820

مسألة [١٥]: هل يُشترط النية في إخراج الزكاة، أم لا ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٤/ ٨٨): مَذْهَبُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فِي أَدَاءِ الزَّكَاةِ، إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَا تَجِبُ لَهَا النِّيَّةُ؛ لِأَنَّهَا دَيْنٌ فَلَا تَجِبُ لَهَا النِّيَّةُ، كَسَائِرِ الدُّيُونِ، وَلِهَذَا يُخْرِجُهَا وَلِيُّ الْيَتِيمِ، وَيَأْخُذُهَا السُّلْطَانُ مِنْ المُمْتَنِعِ. وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»، وَأَدَاؤُهَا عَمَلٌ، وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَتَنَوَّعُ إلَى فَرْضٍ وَنَفْلٍ، فَافْتَقَرَتْ إلَى النِّيَّةِ كَالصَّلَاةِ، وَتُفَارِقُ قَضَاءَ الدَّيْنِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ، وَلِهَذَا يَسْقُطُ بِإِسْقَاطِ مُسْتَحِقِّهِ، وَوَلِيُّ الصَّبِيِّ، وَالسُّلْطَانُ يَنُوبَانِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا؛ فَإِنَّ النِّيَّةَ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهَا زَكَاتُهُ، أَوْ زَكَاةُ مَنْ يُخْرِجُ عَنْهُ، كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، وَمَحَلُّهَا الْقَلْبُ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ الِاعْتِقَادَاتِ كُلِّهَا الْقَلْبُ. اهـ. (١)

стр. 1821

٥٨٤ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁، كَتَبَ لَهُ: هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى المُسْلِمِينَ وَالَّتِي أَمَرَ اللهُ بِهَا رَسُولَهُ «فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الإِبِلِ فَمَا دُونَهَا الغَنَمُ: فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ إلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ أُنْثَى (١)، (فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ) (٢)، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ إلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ أُنْثَى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ إلَى سِتِّينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ (٣) طَرُوقَةُ الجَمَلِ، فَإِذَا بَلَغَتْ وَاحِدَةً وَسِتِّينَ إلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ فَفِيهَا جَذَعَةٌ (٤)، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَسَبْعِينَ إلَى تِسْعِينَ فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ إحْدَى وَتِسْعِينَ إلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الجَمَلِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلَّا أَرْبَعٌ مِنَ الإِبِلِ فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا. وَفِي صَدَقَةِ الغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا (٥) إذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إلَى عِشْرِينَ وَمِائَةِ شَاةٍ شَاةٌ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ إلَى مِائَتَيْنِ فَفِيهَا شَاتَانِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَتَيْنِ إلَى ثَلَاثِمِائَةٍ فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثِمِائَةٍ فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ، فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةً وَاحِدَةً فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ، إلَّا أَنْ يَشَاءَ

стр. 1822

رَبُّهَا، وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ، وَلَا يُخْرَجُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ (١)، وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ (٢)، [وَلَا تَيْسٌ] (٣) إلَّا أَنْ يَشَاءَ المُصَّدِّقُ، وَفِي الرِّقَةِ: رُبُعُ العُشْرِ؛ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ (٤) إلَّا تِسْعِينَ وَمِائَةً فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةُ الجَذَعَةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ جَذَعَةٌ وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الحِقَّةُ، وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ إنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ، أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الحِقَّةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ الحِقَّةُ، وَعِنْدَهُ الجَذَعَةُ؛ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الجَذَعَةُ، وَيُعْطِيهِ المُصَّدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (٥) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: زكاة الإبل، والغنم، والبقر . أجمع أهل العلم على وجوب الزكاة في بهيمة الأنعام، وهي الثلاثة الأصناف المذكورة، ونقل الإجماع غير واحد من أهل العلم، منهم: ابن عبد البر، والنووي، وابن قدامة، وابن حزم، وغيرهم. ودلَّ على ذلك حديث أنس ﵁ الذي في الكتاب، وكذلك حديث معاذ ﵁ الآتي في الكتاب أيضًا، وكذلك قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ما من صاحب إبلٍ، ولا بقرٍ، ولا غنم

стр. 1823

لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت، وأسمنه، تنطحه بقرونها، وتطؤه بأخفافها، كلما نفدت أخراها عادت عليه أولاها، حتى يُقضى بين الناس». أخرجه البخاري (١٤٦٠)، ومسلم (٩٩٠)، عن أبي ذرٍّ ﵁، وأخرجه مسلم (٩٨٧) (٩٨٨) بنحوه عن أبي هريرة، وعن جابر ﵄. (١) مسألة [٢]: المتولد من الغنم والظِّباء . • في المسألة ثلاثة أقوال: الأول: فيها الزكاة، وهو مذهب أحمد، سواء كانت الظِّباء هي الإناث، أو الذكور. الثاني: إنْ كانت الإناث غنمًا وجبت فيها الزكاة، وإلا فلا، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة. الثالث: لا زكاة فيها مطلقًا، وهو قول الشافعي، وداود، وهذا هو الراجح؛ لأنَّ الأصل عدم وجوب الزكاة في جنس من الحيوانات إلا بدليل صريح، ولا دليل على ذلك، والله أعلم. (٢) مسألة [٣]: هل يُشترط في زكاتها أن تكون سائمة ؟ • ذهب جمهور العلماء إلى اشتراط السَّوم في الزكاة، واستدلوا بحديث أنس

стр. 1824

الذي في الكتاب، وفيه: «وَفِي صَدَقَةِ الغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا إذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إلَى عِشْرِينَ وَمِائَةِ شَاةٍ: شَاةٌ»، وبحديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جَدِّه: «في كل سائمة إبلٍ في أربعين: بنت لبون ... » (١) الحديث مرفوعًا، وهو حسن، وقاسوا البقر على الإبل، والغنم. • وذهب مالك، والليث، وبعض الظاهرية إلى عدم اشتراط ذلك، واستدلوا ببعض الأدلة المطلقة في إيجاب الزكاة بدون تقييد بالسَّوم. • وذهب بعض الظاهرية إلى اشتراط ذلك في الغنم، والبقر دون الإبل، وبعضهم شرط ذلك في البقر فقط. والصواب هو قول الجمهور؛ لظاهر الأدلة المتقدمة، والله أعلم. (٢) مسألة [٤]: فإذا كانت سائمة بعض الحول، وبعضه غير سائمة ؟ من أهل العلم من قال: العبرة بالأغلب؛ فإن كانت أكثر العام سائمة؛ ففيها الزكاة، وإن كانت أكثر العام معلوفة؛ فلا زكاة فيها. وهذا قول الحنابلة، والحنفية، وبعض الشافعية. وهذا القول هو الصواب؛ فالنادر لا حكم له. وقال بعض الشافعية: يعتبر بما يقوم به البدن؛ فإن علفت ما يقوم البدن بدونه، كاليوم واليومين؛ فلا تزال سائمة؛ وإن علفت ما لا يقوم البدن بدونه صارت معلوفة.

стр. 1825

قال أبو عبد الله غفر الله له: وإن تساوى الأمران وجبت الزكاة أيضًا؛ لأنه يطلق عليها سائمة، ولأنه أحظ للفقراء. (١) مسألة [٥]: نصاب الإبل، والواجب فيها . يجب في خمس من الإبل شاة من الغنم، وكذلك أيضًا فيما زاد على خمس إلى أن تتم له عشر من الإبل؛ ففيها: شاتان من الغنم -الضأن أو الماعز-. وكذلك فيما زاد حتى تتم له خمس عشرة؛ ففيها: ثلاث شياه. وكذلك فيما زاد حتى تتم له عشرون؛ ففيها: أربع شياه. وكذلك فيما زاد حتى تتم له خمسة وعشرون؛ ففيها: بنت مخاض أنثى، وهي التي بلغت سنة، واستكملتها، ودخلت في الثانية؛ فإنْ لم يكن عنده بنت مخاض، وعنده ابن لبون ذكر، وهو الذي بلغ سنتين، واستكملها، ودخل في الثالثة؛ فإنه يجزئ عنه، وليس عليه معه شيئ. وكذلك فيما زاد على خمس وعشرين، حتى تتم له ستة وثلاثون؛ ففيها: بنت لبون، وهي التي استكملت سنتين، ودخلت في الثالثة. وكذلك فيما زاد على ستة وثلاثين حتى تبلغ ستة وأربعين؛ ففيها: حِقَّة، وهي التي استكملت ثلاث سنوات، ودخلت في الرابعة. وكذلك فيما زاد على ذلك، حتى تبلغ إحدى وستين؛ ففيها: جذعة، وهي
следующие страницы →