← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

٥٨٤ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁، كَتَبَ لَهُ: هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى المُسْلِمِينَ وَالَّتِي أَمَرَ اللهُ بِهَا رَسُولَهُ «فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الإِبِلِ فَمَا دُونَهَا الغَنَمُ: فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ إلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ أُنْثَى (١)، (فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ) (٢)، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ إلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ أُنْثَى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ إلَى سِتِّينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ (٣) طَرُوقَةُ الجَمَلِ، فَإِذَا بَلَغَتْ وَاحِدَةً وَسِتِّينَ إلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ فَفِيهَا جَذَعَةٌ (٤)، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَسَبْعِينَ إلَى تِسْعِينَ فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ إحْدَى وَتِسْعِينَ إلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الجَمَلِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلَّا أَرْبَعٌ مِنَ الإِبِلِ فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا. وَفِي صَدَقَةِ الغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا (٥) إذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إلَى عِشْرِينَ وَمِائَةِ شَاةٍ شَاةٌ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ إلَى مِائَتَيْنِ فَفِيهَا شَاتَانِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَتَيْنِ إلَى ثَلَاثِمِائَةٍ فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثِمِائَةٍ فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ، فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةً وَاحِدَةً فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ، إلَّا أَنْ يَشَاءَ

стр. 1822

رَبُّهَا، وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ، وَلَا يُخْرَجُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ (١)، وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ (٢)، [وَلَا تَيْسٌ] (٣) إلَّا أَنْ يَشَاءَ المُصَّدِّقُ، وَفِي الرِّقَةِ: رُبُعُ العُشْرِ؛ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ (٤) إلَّا تِسْعِينَ وَمِائَةً فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةُ الجَذَعَةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ جَذَعَةٌ وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الحِقَّةُ، وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ إنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ، أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الحِقَّةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ الحِقَّةُ، وَعِنْدَهُ الجَذَعَةُ؛ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الجَذَعَةُ، وَيُعْطِيهِ المُصَّدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (٥) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: زكاة الإبل، والغنم، والبقر . أجمع أهل العلم على وجوب الزكاة في بهيمة الأنعام، وهي الثلاثة الأصناف المذكورة، ونقل الإجماع غير واحد من أهل العلم، منهم: ابن عبد البر، والنووي، وابن قدامة، وابن حزم، وغيرهم. ودلَّ على ذلك حديث أنس ﵁ الذي في الكتاب، وكذلك حديث معاذ ﵁ الآتي في الكتاب أيضًا، وكذلك قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ما من صاحب إبلٍ، ولا بقرٍ، ولا غنم

стр. 1823

لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت، وأسمنه، تنطحه بقرونها، وتطؤه بأخفافها، كلما نفدت أخراها عادت عليه أولاها، حتى يُقضى بين الناس». أخرجه البخاري (١٤٦٠)، ومسلم (٩٩٠)، عن أبي ذرٍّ ﵁، وأخرجه مسلم (٩٨٧) (٩٨٨) بنحوه عن أبي هريرة، وعن جابر ﵄. (١) مسألة [٢]: المتولد من الغنم والظِّباء . • في المسألة ثلاثة أقوال: الأول: فيها الزكاة، وهو مذهب أحمد، سواء كانت الظِّباء هي الإناث، أو الذكور. الثاني: إنْ كانت الإناث غنمًا وجبت فيها الزكاة، وإلا فلا، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة. الثالث: لا زكاة فيها مطلقًا، وهو قول الشافعي، وداود، وهذا هو الراجح؛ لأنَّ الأصل عدم وجوب الزكاة في جنس من الحيوانات إلا بدليل صريح، ولا دليل على ذلك، والله أعلم. (٢) مسألة [٣]: هل يُشترط في زكاتها أن تكون سائمة ؟ • ذهب جمهور العلماء إلى اشتراط السَّوم في الزكاة، واستدلوا بحديث أنس

стр. 1824

الذي في الكتاب، وفيه: «وَفِي صَدَقَةِ الغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا إذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إلَى عِشْرِينَ وَمِائَةِ شَاةٍ: شَاةٌ»، وبحديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جَدِّه: «في كل سائمة إبلٍ في أربعين: بنت لبون ... » (١) الحديث مرفوعًا، وهو حسن، وقاسوا البقر على الإبل، والغنم. • وذهب مالك، والليث، وبعض الظاهرية إلى عدم اشتراط ذلك، واستدلوا ببعض الأدلة المطلقة في إيجاب الزكاة بدون تقييد بالسَّوم. • وذهب بعض الظاهرية إلى اشتراط ذلك في الغنم، والبقر دون الإبل، وبعضهم شرط ذلك في البقر فقط. والصواب هو قول الجمهور؛ لظاهر الأدلة المتقدمة، والله أعلم. (٢) مسألة [٤]: فإذا كانت سائمة بعض الحول، وبعضه غير سائمة ؟ من أهل العلم من قال: العبرة بالأغلب؛ فإن كانت أكثر العام سائمة؛ ففيها الزكاة، وإن كانت أكثر العام معلوفة؛ فلا زكاة فيها. وهذا قول الحنابلة، والحنفية، وبعض الشافعية. وهذا القول هو الصواب؛ فالنادر لا حكم له. وقال بعض الشافعية: يعتبر بما يقوم به البدن؛ فإن علفت ما يقوم البدن بدونه، كاليوم واليومين؛ فلا تزال سائمة؛ وإن علفت ما لا يقوم البدن بدونه صارت معلوفة.

стр. 1825

قال أبو عبد الله غفر الله له: وإن تساوى الأمران وجبت الزكاة أيضًا؛ لأنه يطلق عليها سائمة، ولأنه أحظ للفقراء. (١) مسألة [٥]: نصاب الإبل، والواجب فيها . يجب في خمس من الإبل شاة من الغنم، وكذلك أيضًا فيما زاد على خمس إلى أن تتم له عشر من الإبل؛ ففيها: شاتان من الغنم -الضأن أو الماعز-. وكذلك فيما زاد حتى تتم له خمس عشرة؛ ففيها: ثلاث شياه. وكذلك فيما زاد حتى تتم له عشرون؛ ففيها: أربع شياه. وكذلك فيما زاد حتى تتم له خمسة وعشرون؛ ففيها: بنت مخاض أنثى، وهي التي بلغت سنة، واستكملتها، ودخلت في الثانية؛ فإنْ لم يكن عنده بنت مخاض، وعنده ابن لبون ذكر، وهو الذي بلغ سنتين، واستكملها، ودخل في الثالثة؛ فإنه يجزئ عنه، وليس عليه معه شيئ. وكذلك فيما زاد على خمس وعشرين، حتى تتم له ستة وثلاثون؛ ففيها: بنت لبون، وهي التي استكملت سنتين، ودخلت في الثالثة. وكذلك فيما زاد على ستة وثلاثين حتى تبلغ ستة وأربعين؛ ففيها: حِقَّة، وهي التي استكملت ثلاث سنوات، ودخلت في الرابعة. وكذلك فيما زاد على ذلك، حتى تبلغ إحدى وستين؛ ففيها: جذعة، وهي

стр. 1826

التي استكملت أربع سنوات، ودخلت في الخامسة. وكذلك فيما زاد حتى تبلغ ستة وسبعين؛ ففيها: بنتا لبون. وكذلك فيما زاد حتى تبلغ إحدى وتسعين؛ ففيها: حِقَّتان. وكذلك فيما زاد حتى تبلغ مائة وعشرين؛ ففيها أيضًا: حِقَّتان، فإذا زادت على عشرين ومائة؛ ففي كل أربعين: بنت لبون، وفي كل خمسين: حِقَّة، باعتبار الإبل كلها، ففي إحدى وعشرين ومائة: ثلاث بنات لبون. وكذلك فيما زاد حتى تكون له ثلاثون ومائة؛ ففيها: بنتا لبون وحِقَّة. وكذلك فيما زاد على ذلك، حتى تكون له أربعون ومائة، ففيها حِقَّتان وبنت لبون. وكذلك فيما زاد على ذلك حتى تكون له خمسون ومائة؛ ففيها: ثلاث حِقَاق. وكذلك فيما زاد على ذلك حتى تكون له ستون ومائة؛ ففيها: أربع بنات لبون. وكذلك فيما زاد على ذلك، حتى تكون له سبعون ومائة؛ ففيها: ثلاث بنات لبون وحِقَّة. وكذلك فيما زاد على ذلك، حتى تكون له ثمانون ومائة؛ ففيها: حِقَّتَان، وبنتا لبون. وكذلك فيما زاد على ذلك، حتى تكون له تسعون ومائة؛ ففيها: ثلاث

стр. 1827

حِقَاق، وبنت لبون واحدة. وكذلك فيما زاد على ذلك، حتى تكون له مائتان؛ ففيها: أربع حِقَاق، أو خمس بنات لبون. وهكذا يستمر على هذا الحساب فيما زاد على ذلك، وليس على من معه أقل من خمس من الإبل صدقة. والأحكام التي تقدم ذكرها بعضها مجمع عليها، وبعضها مختلف فيها، وسأذكر المختلف فيها مما تقدم لبيان وجه الاختلاف والترجيح وما عداها فمُجمعٌ عليه كما نقل ذلك ابن حزم، وابن عبد البر، والنووي، وابن قدامة وغيرهم. (١) مسألة [٦]: إذا بلغت الإبل خمسًا وعشرين ؟ تقدم أنَّ عليه فيها بنت مخاض أنثى؛ فإنْ لم تكن؛ فابن لبون ذكر، وهذا قول عامة أهل العلم؛ إلا ما رُوي عن علي ﵁، أنَّ فيها خمسَ شياهٍ، وهو من طريق: عاصم بن ضمرة، عنه، قال: فإذا زادت على خمسٍ وعشرين؛ ففيها: بنت مخاضٍ. وقد رُوي عن علي مرفوعًا. وقد أَنكر أهل العلم ثبوت المرفوع، والموقوف، وعاصم بن ضمرة يروي عن علي منكرات، كما في «الكامل»، و «الميزان».

стр. 1828

قال النووي ﵀ في الحديث المرفوع: متفقٌ على ضعفه، ووهائه، وضعَّفَ ابن المنذر الموقوف، فقال: أجمعوا على أنَّ في خمسٍ وعشرين بنت مخاض، ولا يصح عن علي ما رُوي عنه فيها. اهـ. (١) مسألة [٧]: إذا زادت الإبل على عشرين ومائة ؟ • ذكرنا أنَّ فيها ثلاث بنات لبون، وهو مذهب أكثر أهل العلم، ومنهم: الأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، ورواية عن أحمد، ورواية عن مالك، واستدلوا بحديث أنس ﵁ الذي في الباب، وبنحوه كتاب آل عمر بن الخطاب. (٢) • وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ الفرض لا يتغير حتى يبلغ مائة وثلاثين؛ ففيها: حِقَّة وبنتا لبون، وهذا قول أبي عبيد، ورواية عن مالك؛ لأنَّ الفرض لا يتغير بزيادة واحدة كسائر الفروض. • وذهب النخعي، والثوري، وأبو حنيفة إلى أنها إنْ زادت على عشرين ومائة؛ استؤنِفت الفريضة في كل خمسٍ: شاةٌ، إلى أن تبلغ خمسين؛ ففيها: حِقَّة إلى الحقتين المتقدمتين، وهكذا في كل خمسٍ: شاةٌ، إلى أن تبلغ الخمسين؛ ففيها: حِقَّة أخرى، وهكذا. واستدلوا بكتاب عمرو بن حزم، ففيه ما يدل على ما ذكروا، وهو حديث مرسل، ومع ذلك قال ابن قدامة ﵀: وأما كتاب عمرو بن حزم فقد اختلف في صفته، فرواه الأثرم في «سننه» مثل مذهبنا، والأخذ بذلك أولى؛ لموافقته الأحاديث الصحاح. اهـ

стр. 1829

واحتجَّ أهلُ هذا القول بما أسنده ابن حزم (٦/ ٣٤)، بإسناده عن علي ﵁، قال: فإذا زادت على عشرين ومائة؛ فبحساب الأول، وتُسْتَأنف الفرائض. وهذا الأثر قد أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ١٢٥) أيضًا، وهو من طريق عاصم ابن ضمرة عن علي، وله عن علي ﵁ بعض التفردات. وهذا القول عن علي ﵁، ليس بصريح في مذهبهم، ولو سُلِّم بأنه أراد مذهبهم؛ فالحجة في قول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. وعليٌّ قد خالفه أكثر منه من الصحابة، وأجلّ منه، كأبي بكر، وعمر، وعثمان ﵃. وقد استُدِلَّ لأهل القول الثاني بما رواه أبو عبيد في «الأموال» بإسناد صحيح عن محمد بن عبد الرحمن الأنصاري، قال: إنَّ في كتاب صدقةِ النبي ﷺ ، وفي كتاب عمر في الصدقة: «إنَّ الإبل إذا زادت على عشرين ومائة؛ فليس فيها دون العشر شيء، حتى تبلغ ثلاثين ومائة». وهذا حديثٌ مرسلٌ، وقد أخطأ فيه محمد بن عبد الرحمن؛ فإنَّ الثابت عن كتاب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- هو الذي في حديث أنس عن أبي بكر الصديق، وهو المذكور في الباب، وإسناده صحيح، وأما الذي في كتاب عمر؛ فقد أخرجه أبو داود (١٥٧٠) بإسناد صحيح عن ابن شهاب، قال: هذه نسخة كتاب رسول الله ﷺ الذي كتبه في الصدقة، وهي عند آل عمر بن الخطاب، قال: أقرأني إياها سالم بن عبد الله بن عمر، فوعيتها على وجهها، وهي التي انتسخ عمر بن عبد العزيز من عبد الله، وسالم ابني عبد الله بن عمر، وذكر الحديث، وفيه: «وإذا كانت إحدى وعشرين

стр. 1830

ومائة؛ ففيها: ثلاث بنات لبون إلى ثلاثين ومائة، فإذا بلغتها؛ ففيها: بنتا لبون وحِقَّة». قال ابن حزم ﵀: وهذا خير مما أتونا به، وهذا في كتاب عمر حقًّا، لا تلك المكذوبة. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: فالصواب هو القول الأول، وقد نصره ابن حزم، ودافع عنه بكلام جيد كما في «المحلَّى». (١) مسألة [٨]: إذا بلغت الإبل حدًّا يستوي فيه بنات اللبون، والحِقَاق كالمائتين ؟ • ذكرنا أنَّ له أن يُخرِج خمس بنات لبون، أو أربع حِقاق، وهذا القول هو قول الشافعي في الجديد، وهو الأصح عند الشافعية، وهو مذهب أحمد، والأصح عند أصحابه. • وذهب الشافعي في القديم، وهو قول بعض أصحابه، وهو رواية عن أحمد إلى أنَّ عليه أربع حِقَاق؛ لأنها أنفع للمساكين، والله يقول: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة:٢٦٧] الآية، وحَمَلَ ابن قدامة الرواية التي عن أحمد بأنَّ المقصود أنَّ عليه أربع حِقاق بصفة التخيير. قلتُ: والصواب هو القول الأول؛ لأنَّ ذلك يشمله قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حِقَّة»، بل جاء ذلك صريحًا في كتاب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-

стр. 1831

الذي كان عند آل عمر ابن الخطاب، ففيه: «فإذا كانت مائتين؛ ففيها أربع حِقَاق، أو خمس بنات لبون». (١) مسألة [٨]: هل يتعين عليه إخراج الغنم فيما دون خمس وعشرين من الإبل ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٤/ ١٥): فَإِنْ أَخْرَجَ عَنْ الشَّاةِ بَعِيرًا؛ لَمْ يُجْزِئْهُ، سَوَاءٌ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الشَّاةِ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ، وَدَاوُد. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: يُجْزِئُهُ الْبَعِيرُ عَنْ الْعِشْرِينَ فَمَا دُونَهَا. قال: وَيَتَخَرَّجُ لَنَا مِثْلُ ذَلِكَ إذَا كَانَ الْمُخْرَجُ مِمَّا يُجْزِئُ عَنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ؛ لِأَنَّهُ يُجْزِئُ عَنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، وَالْعِشْرُونَ دَاخِلَةٌ فِيهَا، وَلِأَنَّ مَا أَجْزَأَ عَنْ الْكَثِيرِ أَجْزَأَ عَمَّا دُونَهُ. اهـ قلتُ: أما إذا كان المخرج يُجزئ عن خمس وعشرين؛ فالأظهر أنه يُجزئ عمَّا دونها، وهذا ترجيح الإمام ابن عثيمين ﵀. وأما إذا كان دون ذلك؛ فالأظهر أنه لا يُجزئ؛ لأنَّ الشارع نصَّ على الشاة، وإنما أجزناه فيما إذا كانت تجزئ عن خمس وعشرين؛ لأنَّ الشارع قد اعتبرها في عدد أكبر؛ فجازت في العدد الأصغر إذا طابت نفسُ صاحب المال، والله أعلم. (٢) مسألة [١٠]: إذا لم يكن عند صاحب المال بنت مخاض ؟ ذكرنا أنه يُخرِج ابن لبون ذكر؛ لحديث أنس الذي في الكتاب، وهو قول الجمهور، وخالف أبو حنيفة، فقال: إنْ لم تكن عنده بنت مخاض؛ فإنه يؤدي

стр. 1832

قيمتها، ولا يؤدي ابن لبون ذكر. قال ابن حزم ﵀: وقول أبي حنيفة خلاف لرسول الله ﷺ وأصحابه ﵃. (١) تنبيه: لا يُجزئه إخراج ابن لبون ذكر ومعه في ماله بنت مخاض أنثى؛ لظاهر الحديث المتقدم، وأجاز أبو حنيفة إخراجه على وجه القيمة. (٢) مسألة [١١]: إذا لم يكن معه بنت مخاض، ولا ابن لبون ؟ ذكر أهل العلم أنه يلزمه الشراء، وهل يلزمه شراء بنت مخاض، أم ابن لبون؟ على قولين: • ذهب أحمد، ومالك إلى أنه يلزمه شراء بنت مخاض؛ لأنهما استويا في العدم؛ فلزمته بنت المخاض كما لو استويا في الوجود، والحديث محمول على وجوده للرفق به، وإغناء له عن الشراء، ومع عدمه لا يستغني عن الشراء، فكان شراء الأصل أولى، وهذا قول بعض الشافعية. • وذهب الشافعي، وهو قول الأكثر من أصحابه إلى أنه يشتري أيهما شاء، ويجزئه. قالوا: والأفضل بنت مخاض؛ لأنها الأصل. (٣) مسألة [١٢]: إذا كان عنده خمس إبل ضِعَافٍ لا تساوي شاةً ؟ • ذهب الشافعي، وأبو يوسف إلى أنه يجزئه أن يُخرج بعيرًا منها.

стр. 1833

• وذهب مالك، وداود، وابن حزم، وغيرهم إلى أنه لا يُجزئه إلا شاة، وهو الصواب، إلا أن يكون أحد الخمسة مما يجزئ عن زكاة خمس وعشرين من الإبل؛ كابنة مخاض، أو ابن لبون ذكر؛ فلا بأس به، ويجزئه إن شاء الله كما ذكر الشافعي؛ لأنه إذا أجزأ عن العدد الأكبر؛ أجزأ عن الأصغر. (١) مسألة [١٣]: إذا وجب عليه سنٌّ من الإبل، فأخرج سِنًّا أعلى منه ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٤/ ١٨): وإنْ أخرج عن الواجب سِنًّا أعلى من جنسه، مثل أن يُخرِج بنت لبون عن بنت مخاض، وحِقَّة عن بنت لبون، أو بنت مخاض، أو أخرج عن الجذعة ابنتي لبون، أو حِقَّتَيْن؛ جاز، لا نعلم فيه خلافًا. اهـ وقال ابن حزم ﵀ في «المحلَّى» (٦٧٤) (٦/ ٢٣): وأجازوا كلهم إعطاء أفضل مما لزمه من الأسنان إذا تطوع بذلك. مسألة [١٤]: من وجب عليه سِنٌّ وفقده في ماله ؟ • ذهب كثير من العلماء إلى أنه يُعطي سِنًّا فوقها، أو دونها، ويجبر النقص بشاتين، أو عشرين درهمًا، وهذا قول أحمد، والشافعي، وأبي ثور، وداود، وإسحاق في رواية، وهو قول النخعي، واستدلوا بحديث أنس الذي في الكتاب، وهو مختصر، وهو في «صحيح البخاري» أتم؛ فإن أعطى سِنًّا فوقها؛ أعطاه الساعي جبرًا، وإنْ أعطى سِنًّا دونها؛ أعطى الساعي جبرًا.

стр. 1834

• وذهب الثوري، وأبو عبيد، وإسحاق في رواية إلى أنَّ الجُبران بشاتين، أو عشرة دراهم؛ لأنَّ نصاب الغنم أربعون شاةً، ونصاب الفضة مائتا درهم؛ فكانت الشاة تعدل خمسة دراهم. • وذهب مكحول، والأوزاعي، وأصحاب الرأي إلى أنه يخرج قيمة السن الواجب وجوبًا. • وذهب مالك إلى أنه يلزم رب المال شراء ذلك السِّن. قلتُ: والقول الأول هو الصواب بدون ريب؛ لدلالة حديث أنس عليه، ولكن إذا أحب أن يشتري كما قال مالك؛ فلا بأس عندهم، وأما من قال بعشرة دراهم فدليلهم مفهوم، ودليلنا نصٌّ في محل النزاع؛ فوجب تقديمه، والله أعلم. (١) مسألة [١٥]: من عدم السن الواجبة، والتي تليها ؟ • ذهب الشافعي ﵀ إلى أنه يخرج السن التي بعد التي تليها، ويكون الجبر بأربعين درهمًا، أو أربع شياه. قال ابن قدامة ﵀: وأومأ إليه أحمد، وذلك لأنَّ النص معقول المعنى؛ فإنَّ الجبر بشاتين، أو عشرين درهمًا كان لنقص سنة، فإذا كان النقص سنتين؛ كان الجبر بالضعف. اهـ • وذهب بعض الحنابلة، وابن المنذر، وابن حزم إلى أنه لا يجوز زيادة على جبران واحد كما ثبت في الحديث المذكور في الكتاب، ولم يذكر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في

стр. 1835

الانتقال إلى سن أبعد، ويجب عليه شراء السن الواجب. قلتُ: والقول الأول أظهر، والله أعلم. (١) مسألة [١٦]: نصاب زكاة الغنم، والواجب فيها . ليس على صاحب الغنم زكاة حتى تبلغ عنده أربعين شاة، فإذا بلغت أربعين؛ ففيها: شاةٌ، وكذلك فيما زاد، حتى تبلغ عشرين ومائة، فإذا زادت واحدة على عشرين ومائة؛ ففيها: شاتان، إلى أن تبلغ مائتين، فإذا زادت واحدة على مائتين؛ ففيها: ثلاث شياه، إلى أن تبلغ ثلاثمائة، وهذا كله مجمع عليه، قاله ابن قدامة ﵀، ثم استثنى خلافًا رُوي عن معاذ، ولا يثبت عنه؛ فإنه منقطع. وإذا زادت الغنم على ثلاثمائة؛ ففي كل مائةٍ: شاةٌ، ومعناه أنَّ جميع المال، ينظر كم فيه من المئات؛ فعليه في كل مائةٍ: شاةٌ، فالثلاثمائة عليها ثلاث شياه، والثلاثمائة والخمسون عليها ثلاث شياه، إلى أن تبلغ أربعمائة؛ ففيها: أربع شياه، وعلى هذا فيكون الوقص ما بين المائتين وواحدة إلى أربعمائة، وذلك مائة وثمانية وتسعون، وهذا القول يدل عليه حديث أنس ﵁ الذي في الكتاب، وحديث كتاب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الذي عند آل عمر بن الخطاب، واللفظ فيه أصرح مما في حديث أنس، ففيه: «فإذا زادت على ثلاثمائة وواحدة؛ فليس فيها شيء حتى تبلغ أربعمائة شاة؛ ففيها: أربع شياه». • وذهب النخعي، والحسن بن صالح، وأحمد في رواية إلى أنها إذا زادت على

стр. 1836

ثلاثمائة واحدة؛ ففيها أربع شياه، ثم لا يتغير الفرض حتى تبلغ خمسمائة؛ فيكون في كل مائةٍ: شاةٌ؛ لأن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- جَعَلَ الثلاثمائة حدًّا للوقص وغايةً له، فيجب أن يتعقبه تغير النصاب كالمائتين، وهذا قياسٌ يرده قول النبي: «فإذا زادت على ثلاثمائة؛ ففي كل مائةٍ: شاةٌ»، واللفظ الآخر الذي تقدم، والصواب هو قول الجمهور، والله أعلم. (١) مسألة [١٧]: العيوب التي لا تؤخذ في زكاة الماشية . جاء في حديث أنس المذكور في الكتاب: «ولا يؤخذ في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار، ولا تيس؛ إلا أنْ يشاء المصدق». الهرمة: هي الكبيرةُ السِّن، التي قد سقطت أسنانها، وذات العوار: بفتح العين، أي: ذات العيب، والتيس هو: فحل الغنم. قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٤٥٥): (الْمُصَدِّق) اُخْتُلِفَ فِي ضَبْطِهِ، فَالْأَكْثَر عَلَى أَنَّهُ بِالتَّشْدِيدِ يعني تشديد الصاد وَالْمُرَادُ: الْمَالِكُ، وَهَذَا اِخْتِيَار أَبِي عُبَيْد، وَتَقْدِير الْحَدِيث: لَا تُؤْخَذُ هَرِمَة وَلَا ذَاتُ عَيْبٍ أَصْلًا، وَلَا يُؤْخَذُ التَّيْس، وَهُوَ فَحْل الْغَنَم؛ إِلَّا بِرِضَا الْمَالِكِ؛ لِكَوْنِهِ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، فَفِي أَخْذِهِ بِغَيْرِ اِخْتِيَارِهِ إِضْرَار بِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. قال: وَعَلَى هَذَا فَالِاسْتِثْنَاء مُخْتَصّ بِالثَّالِثِ، وَمِنْهُمْ مَنْ ضَبَطَهُ بِتَخْفِيف الصَّاد، وَهُوَ السَّاعِي، وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى التَّفوِيضِ إِلَيْهِ فِي اِجْتِهَادِهِ؛ لِكَوْنِهِ

стр. 1837

يَجْرِي مَجْرَى الْوَكِيلِ؛ فَلَا يَتَصَرَّفُ بِغَيْرِ الْمَصْلَحَةِ، فَيَتَقَيَّدُ بِمَا تَقْتَضِيه الْقَوَاعِدُ، وَهَذَا قَوْل الشَّافِعِيِّ فِي الْبُوَيْطِيّ، وَلَفْظه: وَلَا تُؤْخَذُ ذَات عَوَارٍ، وَلَا تَيْس، وَلَا هَرِمَة؛ إِلَّا أَنْ يَرَى الْمُصَدِّقُ أَنَّ ذَلِكَ أَفْضَل لِلْمَسَاكِينِ، فَيَأْخُذُهُ عَلَى النَّظَرِ. اِنْتَهَى. وَهَذَا أَشْبَهُ بِقَاعِدَةِ الشَّافِعِيِّ فِي تَنَاوُلِ الِاسْتِثْنَاءِ جَمِيع مَا ذُكِرَ قَبْلَهُ، فَلَوْ كَانَتْ الْغَنَمُ كُلُّهَا مَعِيبَة مَثَلًا، أَوْ تُيُوسًا؛ أَجْزَأَهُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْهَا، وَعَنْ الْمَالِكِيَّةِ: يَلْزَمُ الْمَالِكَ أَنْ يَشْتَرِيَ شَاة مُجْزِئَةً؛ تَمَسُّكًا بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَهُمْ كَالْأَوَّلِ. اهـ قلتُ: وهناك اختلاف آخر في ضبط (الْمُصَدِّق)، فذهب أبو عبيد إلى أنها بتخفيف الصاد، وفتح الدَّال المشددة، أي: صاحب المال، وتعقَّبَه الخطَّابي بأنَّ أكثر الرُّواة يضبطونه بتخفيف الصاد، وكسر الدال المشددة، أي: السَّاعي. وقد تقدم من كلام الحافظ ﵀ معنى الروايتين. وقال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٤/ ٤٠ - ٤١): وَعَلَى هَذَا لَا يَأْخُذُ الْمُصَدِّقُ، وَهُوَ السَّاعِي، أَحَدَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ؛ إلَّا أَنْ يَرَى ذَلِكَ، بِأَنْ يَكُونَ جَمِيعُ النِّصَابِ مِنْ جِنْسِهِ؛ فَيَكُونَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ جِنْسِ الْمَالِ، فَيَأْخُذَ هَرِمَةً، وَهِيَ الْكَبِيرَةُ مِنْ الْهَرِمَاتِ، وَذَاتَ عَوَارٍ مِنْ أَمْثَالِهَا، وَتَيْسًا مِنْ التُّيُوسِ، وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: إنْ رَأَى الْمُصَدِّقُ أَنَّ أَخْذَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ خَيْرٌ لَهُ، وَأَنْفَعُ لِلْفُقَرَاءِ، فَلَهُ أَخْذُهُ؛ لِظَاهِرِ الِاسْتِثْنَاءِ. اهـ

стр. 1838

مسألة [١٨]: ضابط العيب الذي يمنع الإجزاء في الزكاة . قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (١٤٥٥): وَاخْتُلِفَ فِي ضَبْطِهَا، فَالْأَكْثَر عَلَى أَنَّهُ مَا يَثْبُتُ بِهِ الرَّدُّ فِي الْبَيْعِ، وَقِيلَ: مَا يَمْنَعُ الْإِجْزَاء فِي الْأُضْحِيَّةِ. اهـ. (١) مسألة [١٩]: هل يأخذ المصدِّقُ الماخض، والرُّبَّى، والأكولة ؟ الماخض: هي التي قاربت الوضع. والرُّبَّى: هي التي قد وضعت، وهي تربي ولدها، يعني قريبة العهد بالولادة. والأكولة: أي السَّمينة. وهذه الثلاث لا تؤخذ في الصدقة؛ لأنها من الكرائم، وقد قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وإيَّاكَ وكرائم أموالهم»، وأخرج عبد الرزاق (٤/ ١١ - ١٢) بإسناد صحيح عن عمر ﵁ أنه قال: إني لا آخذ فيه الأكولة، ولا فحل الغنم، ولا الرُّبَّى، ولا الماخض، ولكني آخذ العَنَاق، والجذعة، والثَّنيَّة. انتهى المراد. وأما إذا كانت كلها كرائم؛ فإنه يأخذ منها. (٢) مسألة [٢٠]: هل تجزئ السِّخال في الزكاة ؟ السِّخال: هي الصِّغار من أولاد الغنم، وهي مالم تبلغ أن تكون جَذَعَة، وهي الجدي من أولاد المعز، والخروف من أولاد الضأن. قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٤/ ٤٧): السَّخْلَة لا تُؤخذ في الزكاة، ولا نعلم فيه خلافًا. اهـ

стр. 1839

وقال ابن حزم ﵀ في «المحلَّى» (٦٧٢) (٥/ ٢٧٨): أجمعوا على أن لا يؤخذ خروف، ولا جدي في الواجب في الزكاة عن الشاء. مسألة [٢١]: ما هو السِّنُّ الذي يُجزئ إخراجه في الغنم ؟ • ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنَّ الذي يُجزئ هو الثَّنِي من المعز، والجذع من الضأن، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة، واستدلوا بما جاء عن سعر بن ديسم، قال: أتاني رجلان على بعير، فقالا: إنا رسولا رسول الله ﷺ إليك لتؤدي صدقة غنمك. قلت: فأي شيء تأخذان؟ قالا: عناق جذعة، أو ثنية. وبما جاء عن سويد بن غفلة، قال: أتانا مصدِّقُ رسول الله ﷺ ، وقال: أُمِرْنا نأخذ الجذعة من الضأن، والثَّنيَّة من المعز. وحديث سعر بن ديسم أخرجه أحمد (٣/ ٤١٤ - )، والنسائي (٥/ ٢٣)، وفي إسناده: مسلم بن شعبة، مجهولٌ، وحديث سويد بن غفلة ذكره ابن قدامة، ولم أجده باللفظ المذكور، وإنما وجدته في مصادره عند أحمد (٤/ ٣١٥)، وأبي داود (١٥٧٩)، والنسائي (٥/ ٢١)، وغيرهم بلفظ: فقال: إنَّ في عهدي أن لا آخذ من راضع لبن، ولا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع. وأتاه رجلٌ بناقة كوماء، فأبى أن يقبلها. الحديث. وفي إسناده ميسرة أبو صالح، مجهول الحال. قال ابن قدامة ﵀: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ: لَا يُجْزِئُ إلَّا الثَّنِيَّةُ مِنْهُمَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُمَا نَوْعَا جِنْسٍ، فَكَانَ الْفَرْضُ مِنْهُمَا وَاحِدًا، كَأَنْوَاعِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ.

стр. 1840

وقال: وَقَالَ مَالِكٌ تُجْزِئُ الْجذَعَةُ مِنْهُمَا؛ لِأنَّهُمَا نَوعُ جِنْسٍ، فَكَانَ الفَرْضُ وَاحِدًا. قلتُ: وقد تقدم عن عمر ﵁، أنه قال: ولكني آخذ العَنَاق، والجذعة، والثنية. وهو صحيح عنه. قال أبو عبيد ﵀ في «الأموال» (٣٩٧): وهذا هو الذي عليه الناس اليوم؛ إلا أن مالك بن أنس كان يختار أن تؤخذ الجذعة من الضأن، والثنية من المعز، يشبهها بالأضاحي، وهذا فيما نرى مذهبٌ حسن. اهـ قلتُ: وهذا القول هو ظاهر اختيار ابن حزم؛ فإنه أجاز إخراج كل ما يطلق عليه شاة، وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (١) تنبيه: اختلف الفقهاء، وأهل اللغة في ضبطِ سِنِّ الجَذَعَة، والثنية، والأصح عند الشافعية أنَّ الجذعة ما بلغت سنةً، ودخلت في الثانية، والثنية ما بلغت سنتين، ودخلت في الثالثة، سواء في ذلك الضأن، أو المعز، والأصح عند الحنابلة أنَّ الجذع من الضأن ما بلغ ستة أشهر، والثني من المعز هو ما له سنة. (٢) تنبيه آخر: يُشترط في الشَّاة الواجبة في زكاة الإبل نفس الشروط في الشاة الواجبة في زكاة الغنم.

стр. 1841

مسألة [٢٢]: هل يُجزئ إخراج الذكور ؟ أما في الإبل، فذكر أهل العلم أنه لا يجزئ إخراج الذكور فيها؛ إلا إذا وجبت عليه بنت مخاض، وليست عنده، وعنده ابن لبون؛ فإنه يُجزئ عنه. وأما في البقر، فأجاز أهل العلم إخراج الذكر، أو الأنثى إذا كان النصاب ثلاثين، وأما إذا بلغ أربعين؛ فليس فيها إلا مُسِنَّة أنثى. • وأما الغنم، فذهب كثير من أهل العلم إلى أنه لا تجزئ إلا أنثى، وهو قول الشافعية بغير خلاف عندهم، وهو قول أكثر الحنابلة قياسًا على الإبل، ولأنَّ الأنثى يُنْتَفَعُ بها أكثر. • وذهب بعض الحنابلة إلى أنَّ الذكر يُجزئ، وهو قول ابن حزم؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «في أربعين إلى عشرين ومائة شاةٍ: شاةٌ»، والشاة تُطلق على الذكر والأنثى، ولأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن أخذ التيس في الزكاة، وقال: «إلا أن يشاء المصدق»، فعلى رواية تشديد الصاد يُفهم منه أن الذكر يُجزئ، وهذا هو الصواب، والله أعلم. تنبيه: الشاة التي تخرج عن الإبل يجزئ أيضًا كونها ذكرًا، وقد قال بذلك جمهور الشافعية، وجماعة من الحنابلة، وكان يلزمهم أن يجعلوا الحكم فيهما واحدًا، والله أعلم. (١)

стр. 1842

مسألة [٢٣]: إذا كان النِّصَابُ كلُّه ذكورًا ؟ أما في مسألة الغنم، فجمهور الشافعية، والحنابلة على أنه يجزئ إخراج الذكر عنها، واستدلوا بحديث الباب، بقوله: «ولا تيس إلا أن يشاء المصدق»، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك. وأما في مسألة البقر والإبل، فوجهان، والصحيح عند الشافعية، والحنابلة الإجزاء، وذهب بعض الشافعية، والحنابلة إلى عدم الإجزاء، وهذا القول هو الصواب؛ لأنَّ ما أوجبه الله ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لا يُخْرَجُ عنه إلا بدليل صحيح، وعلى هذا؛ فالواجب هو الإناث في الإبل؛ إلا ابن لبون إذا لم يكن عنده بنت مخاض، وإلا في ثلاثين بقرة؛ ففيها: تبيع، أو تبيعة، كما سيأتي إن شاء الله. (١) مسألة [٢٤]: إذا كان مع صاحب الماشية عشرون من الضأن، وعشرون من المعز ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٤/ ٥٠): لَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي ضَمِّ أَنْوَاعِ الْأَجْنَاسِ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ، فِي إيجَابِ الزَّكَاةِ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى ضَمَّ الضَّأْنِ إلَى الْمَعْزِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا؛ فَإِنَّهُ يُخْرِجُ الزَّكَاةَ مِنْ أَيِّ الْأَنْوَاعِ أَحَبَّ، سَوَاءٌ دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى ذَلِكَ، بِأَنْ يَكُونَ الْوَاجِبُ وَاحِدًا، أَوْ لَا يَكُونَ أَحَدُ النَّوْعَيْنِ مُوجِبًا لِوَاحِدٍ، أَوْ لَمْ تَدْعُ الحَاجَةُ إِلَى ذَلِكَ، بِأَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ النَّوْعَيْنِ يَجِبُ فِيهِ فَرِيضَةٌ كَامِلَةٌ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ، وَمَالِكٌ، وَإِسْحَاقُ: يُخْرِجُ مِنْ أَكْثَرِ الْعَدَدَيْنِ؛ فَإِنْ اسْتَوَيَا أَخْرَجَ مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ.

стр. 1843

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْقِيَاسُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مَا يَخُصُّهُ. واخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ. اهـ قلتُ: والصواب ما ذهب إليه الحنابلة من أنه يُجزِئ من أي النوعين شاء، سواء كان الضأن والمعز متساويين، أو متفاوتين في العدد، وهذا هو اختيار ابن حزم ﵀. إلا أنَّ الحنابلة قالوا: يخرج من أحد النوعين ما قيمته كقيمة المخرج من النوعين، فإذا كان النوعان سواء، وقيمة المخرج من أحدهما اثنا عشر، ومن الآخر خمسة عشر؛ أخرج من أحدهما ما قيمته ثلاثة عشر ونصف، وهكذا ينظر إلى نسبة الشقص، فيخرج بحسبه، وأما ابن حزم فيرى الإجزاء مطلقًا بدون هذا التفصيل، وقوله أقرب، والله أعلم. قال ابن حزم ﵀ رادًّا على قول مالك، والشافعي: وهذا قول بلا برهان، لا من قرآن، ولا من سنة صحيحة، ولا رواية سقيمة، ولا قول صاحب، ولا قياس، بل الذي ذكروا خلاف للسنن المذكورة، وقد اتفقوا على جمع المعزى مع الضأن، وعلى أن اسم غنم يعمها، وأن اسم الشاة يقع على الواحد من الماعز ومن الضأن، ولو أن رسول الله ﷺ علم في حكمها فرقًا؛ لبينه كما خص التيس، وإن وجد في اللغة اسم التيس يقع على الكبش؛ وجب أن لا يؤخذ في الصدقة إلا برضى المصدق، والعجب أن المانع من أخذ الماعزة عن الضأن أجاز أخذ الذهب عن الفضة والفضة عن الذهب وهما عنده صنفان يجوز بيع بعضهما ببعض متفاضلًا. اهـ. (١)

стр. 1844

مسألة [٢٥]: هل تحسب السِّخال من النِّصاب ؟ • ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ السِّخال تُعَدُّ على صاحب الماشية، ولا يؤخذ منها، واستدلوا على ذلك بما جاء عن عمر بن الخطاب ﵁ بإسناد صحيح، أنَّ سفيان بن عبد الله الثَّقفي قَدِمَ عليه من الطائف، فقال: يا أمير المؤمنين، شكى إلينا أهل الشاء، فقالوا: تَعْتَدُّوا علينا بالبُهم، ولا تأخذونه؟ قال: فاعْتَدَّ عليهم بالبهم، ولا تأخذه حتى يعتد عليهم بالسخلة يريحها الرَّاعي على يديه، وقل لهم: إنَّا ندعُ لكم الرُّبَّى، والوالدة، وشاة اللحم، والفحل، ونأخذ منكم العَنَاق، والجَذَعَة، والثنية، وذلك وسط بيننا وبينكم. أخرجه مالك (١/ ٢٦٥)، وعبد الرزاق (٤/ ١١ - ١٢)، وأبو عبيد (ص ٥٣٥)، وابن أبي شيبة (٣/ ١٣٤)، والبيهقي (٤/ ١٠٠ - ١٠١)، وغيرهم. قالوا: ولا يُعْلَم لعمر مخالفٌ له من الصحابة. • وذهب الحسن، والنخعي، إلى أنه لا زكاة في السِّخال حتى يحول عليها الحول، ولا تُعدُّ على أصحاب الماشية قبل ذلك، وهذا القول نصره ابن حزم في «المحلَّى»، وذكر أنَّ عمر قد خُولِف، واستدل على ذلك بقول ابن عمر، وعلي، وغيرهما ﵃: من استفاد مالًا؛ فلا زكاة عليه حتى يحول الحول. وقال بأنَّ جماعة من أهل الطائف خالفوا في ذلك كما في أثر عمر ﵁. قال: والظاهر أن فيهم صحابة؛ لقرب العهد بالنبي ﷺ . واستدل أيضًا بحديث أنس ﵁ الذي في الكتاب، وفيه: «وفي كل أربعين إلى

стр. 1845

عشرين ومائة شاةٍ: شاةٌ». قال: والسِّخال لا يُطلق عليها شاة. وقال ابن حزم ﵀ في «المحلَّى»: وَأَيْضًا: فَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنْ لَا يُؤْخَذَ خَرُوفٌ، وَلَا جَدْيٌ فِي الْوَاجِبِ فِي الزَّكَاةِ عَنِ الشَّاءِ؛ فَأَقَرُّوا بِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى شَاةً، وَلَا لَهُ حُكْمُ الشَّاءِ، فَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهَا زَكَاةٌ؛ فَلَا تَجُوزُ هِيَ فِي الزَّكَاةِ بِغَيْرِ نَصٍّ فِي ذَلِكَ. قال: وَأَيْضًا فإن زَكَاةَ مَاشِيَةٍ لَمْ يَحُلْ عَلَيْهَا حَوْلٌ لَمْ يَأْتِ بِهِ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا إجْمَاعٌ. قال أبو عبدالله غفر الله له: لم يأت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه أمر سُعاته أن يجعلوا للسخال حولًا خاصًّا بها، ولا يعدوها مع الكبار، ولو أمرهم بذلك؛ لنُقِل، وأيضًا: إنَّ ذلك شاقٌّ ومُتعذر، أعني أن يحسب لكل سخلة حولًا منفصلًا؛ وعليه فالذي أفتى به عمر ﵁ ولم يخالفه فيه أحد من الصحابة هو الحق إن شاء الله تعالى، والله أعلم. وقد رجَّح هذا القول الإمام ابن باز، والإمام العثيمين -رحمه الله تعالى-، وبالله التوفيق. (١) تنبيه: حكم الفصلان صغار الإبل والعجول صغار البقر نفس حكم السِّخال في المسألة المذكورة.

стр. 1846

تتمة للمسألة السابقة: • اختلف الجمهور فيما بينهم فيما إذا لم يكمل النصاب إلا بالسِّخال على قولين: الأول: أنَّ الحول يُحسب من حين ملك السِّخال، وكمل النصاب، وهذا القول رواية عن أحمد، وهو الصحيح عند الحنابلة، وهو قول الشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي. وهذا القول هو الصحيح؛ لأنَّ الأموال لا يحسب حولها حتى تستكمل نصابًا. الثاني: يُعتبر حول الجميع من حين ملك الأمهات، وهو قول مالك، ورواية عن أحمد. (١) وقد قال ابن حزم ﵀: وَحَصَلُوا كُلُّهُمْ عَلَى أَنْ ادَّعَوْا أَنَّهُمْ قَلَّدُوا عُمَرَ ﵁، وَهُمْ قَدْ خَالَفُوهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَفْسِهَا، فَلَمْ يَرَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ أَنْ تُعَدَّ الأَوْلَادُ مَعَ الأُمَّهَاتِ إلَاّ إذَا كَانَتْ الأمَّهَاتُ نِصَابًا، وَلَمْ يَقُلْ عُمَرُ ذَلِكَ. قال أبو عبدالله غفر الله له: عمر ﵁ لم يصرح بأن ذلك فيما زاد على النصاب، ولكن هو ظاهر كلامه ﵁؛ لأنه قد عُلِم عن الصحابة ﵃ أنهم يشترطون حَوَلَان الحول كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله. وعليه فكلامه محمول على ما إذا كان هناك نصاب، وأما إن كانت السخال مكملة للنصاب فالذي يظهر أنه يبدأ حساب الحول من حين الكمال والله أعلم. (٢)

стр. 1847

مسألة [٢٦]: من ملك سِخالا، أو فصلانًا، أو عُجولا عامًا كاملا ؟ قال ابن حزم ﵀ في «المحلَّى» (٥/ ٢٧٢): وَأَمَّا مَنْ مَلَكَ خِرْفَانًا، أَوْ عُجُولاً، أَوْ فُصْلَانًا سَنَةً كَامِلَةً؛ فَالزَّكَاةُ فِيهَا وَاجِبَةٌ عِنْدَ تَمَامِ الْعَامِ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ يُسَمَّى غَنَمًا، وَبَقَرًا، وَإِبِلاً. اهـ مسألة [٢٧]: هل يجزئ أن يُخرج القيمة في زكاة الماشية ؟ • ذهب طائفة من العلماء إلى عدم الجواز، وقالوا: لا يجزئ؛ لأنَّ النصوص جاءت بالإخراج من جنسها؛ إلا في الإبل في أقل من خمس وعشرين؛ فيجب عليه من الغنم، وهذا قول الأكثر، ومنهم: أحمد، والشافعي، ومالك، وداود. • وأجاز أبو حنيفة أخذ القيمة، وأجازه الثوري في العُروض، وهو ظاهر اختيار البخاري، فقد بوَّبَ في «صحيحه»: [باب العرض في الزكاة]، قال: وقال طاوس: قال معاذ ﵁ لأهل اليمن: ائتوني بعرض ثياب خميص، أو لبيس مكان الشعير، والذرة، أهون عليكم، وخير لأصحاب النبي ﷺ بالمدينة. وقد ردَّ ابن حزم ﵀ على هذا الأثر، وحكم عليه بالضَّعف، والنكارة، أما الضَّعف؛ فَلِأَنَّ طاوسًا لم يَلقَ معاذًا ﵁، وأما النكارة؛ فلِأَنَّ معاذًا خالف النصوص في هذا الأثر. قال: وحاشاه أن يخالف النصوص، ويزعم أنَّ ذلك خير للصحابة مما جاء به الله ورسوله. (١)

стр. 1848

مسألة [٢٨]: هل تؤثِرُ الخُلطَة في زكاة الماشية ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٤/ ٥١ - ٥٢): الْخُلْطَةُ فِي السَّائِمَةِ تَجْعَلُ مَالَ الرَّجُلَيْنِ كَمَالِ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ فِي الزَّكَاةِ، سَوَاءٌ كَانَتْ خُلْطَةَ أَعْيَانٍ، وَهِيَ أَنْ تَكُونَ الْمَاشِيَةُ مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُمَا، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَصِيبٌ مَشَاعٌ، مِثْلُ أَنْ يَرِثَا نِصَابًا أَوْ يَشْتَرِيَاهُ، أَوْ يُوهَبَ لَهُمَا، فَيُبْقِيَاهُ بِحَالِهِ، أَوْ خُلْطَةَ أَوْصَافٍ، وَهِيَ أَنْ يَكُونَ مَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُمَيَّزًا، فَخَلَطَاهُ، وَاشْتَرَكَا فِي الْأَوْصَافِ الَّتِي نَذْكُرُهَا، وَسَوَاءٌ تَسَاوَيَا فِي الشَّرِكَةِ، أَوْ اخْتَلَفَا، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ لِرَجِلٍ شَاةٌ، وَلِآخَرَ تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ، أَوْ يَكُونَ لِأَرْبَعِينَ رَجُلًا أَرْبَعُونَ شَاةً، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شَاةٌ، نَصَّ عَلَيْهِمَا أَحْمَدُ، وَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَاللَّيْثِ، وَإِسْحَاقَ. وَقَالَ مَالِكٌ: إنَّمَا تُؤَثِّرُ الْخُلْطَةُ إذَا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الشُّرَكَاءِ نِصَابٌ. وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ الثَّوْرِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا أَثَرَ لَهَا بِحَالٍ؛ لِأَنَّ مِلْكَ كُلِّ وَاحِدٍ دُونَ النِّصَابِ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ، كَمَا لَوْ لَمْ يَخْتَلِطْ بِغَيْرِهِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا إذَا اخْتَلَطَا فِي نِصَابَيْنِ: أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَمْلِكُ أَرْبَعِينَ مِنْ الْغَنَمِ؛ فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ شَاةٌ؛ لِقَوْلِهِ ﵇: «فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ». قال: وَلَنَا مَا رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ الَّذِي ذَكَرْنَا أَوَّلَهُ: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ؛ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ»، وَلَا يَجِيءُ التَّرَاجُعُ إلَّا عَلَى قَوْلِنَا فِي خُلْطَةِ الْأَوْصَافِ. وَقَوْلُهُ: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ» إنَّمَا يَكُونُ هَذَا إذَا كَانَ لِجَمَاعَةٍ؛ فَإِنَّ الْوَاحِدَ يَضُمُّ

стр. 1849

مَالَهُ بَعْضَهُ إلَى بَعْضٍ، وَإِنْ كَانَ فِي أَمَاكِنَ. انتهى المراد. قلتُ: وقد ذهب ابن حزم إلى قول أبي حنيفة، وعزاه أيضًا إلى الثوري، وشريك، والحسن بن حي، وحملوا قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ما كان من خليطين» على الاشتراك بالعين بدون تميز، وذهب الجمهور إلى أنه عام يشمل اختلاط الأعيان، واختلاط الأوصاف، وقول الجمهور أقرب، والله أعلم، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين ﵀. (١) مسألة [٢٩]: ضابط اختلاط الأوصاف . اعتبر أهل العلم في الاختلاط اتحاد المرعى، والمراح، وهو المبيت، والمسرح، والمشرب، وزاد جماعةٌ اتحاد الفحل، واتحاد الراعي، واتحاد المحلب. قال أبو عبد الله غفر الله له: ضابط اختلاط الأوصاف لم يأت فيه نصٌّ صحيح، وعلى هذا فيرجع إلى اللغة، فما كان يطلق عليه مختلط في اللغة؛ فهو ضابط اختلاط الأوصاف، وإنْ لم تجتمع الأمور التي ذكروها، والله أعلم. (٢) مسألة [٣٠]: هل يُشترط في خلطة الأوصاف أن تكون في جميع الحول ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٤/ ٥٥): وَيُعْتَبَرُ اخْتِلَاطُهُمْ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ؛ فَإِنْ ثَبَتَ لَهُمْ حُكْمُ الِانْفِرَادِ فِي بَعْضِهِ؛ زَكَّوْا زَكَاةَ الْمُنْفَرِدِينَ، وَبِهَذَا قَالَ

стр. 1850

الشَّافِعِيُّ فِي الْجدِيدِ، وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُعْتَبَرُ اخْتِلَاطُهُمْ فِي أَوَّلِ الْحَوْلِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ». يَعْنِي فِي وَقْتِ أَخْذِ الزَّكَاةِ. وَلَنَا: أَنَّ هَذَا مَالٌ ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الِانْفِرَادِ؛ فَكَانَتْ زَكَاتُهُ زَكَاةَ الْمُنْفَرِدِ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ فِي آخِرِ الْحَوْلِ، وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُجْتَمِعِ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ. اهـ قلتُ: وقول مالك أقرب إلى الدليل المذكور، وهو قول الشافعي في القديم، والله أعلم. (١) مسألة [٣١]: إذا كانت سائمةُ الرَّجُل متفرقة ؟ إذا كانت متفرقة في بلدان بينهما مسافة لا تقصر فيها الصلاة؛ فتُجمع بلا خلاف عند العلماء، وأما إذا كان بينهما مسافة قصر؛ فذهب أحمد في رواية إلى أنها لا تُجمع، والرواية الأخرى عنه أنها تُجمع وهو قول عامة أهل العلم وهو الصواب. (٢) مسألة [٣٢]: الاختلاط في غير الماشية . قال ابن قدامة ﵀ (٤/ ٦٤ - ٦٥): وَإِنِ اخْتَلَطُوا فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ، كَالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، وَعُرُوضِ التِّجَارَةِ، وَالزُّرُوعِ، وَالثِّمَارِ؛ لَمْ تُؤَثِّرْ خُلْطَتُهُمْ شَيْئًا، وَكَانَ حُكْمُهُمْ حُكْمَ المُنْفَرِدِينَ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى: أَنَّ شَرِكَةَ الْأَعْيَانِ تُؤَثِّرُ فِي غَيْرِ الْمَاشِيَةِ، فَإِذَا كَانَ بَيْنَهُمْ نِصَابٌ يَشْتَرِكُونَ فِيهِ، فَعَلَيْهِمْ الزَّكَاةُ. وَهَذَا قَوْلُ إِسْحَاقَ، وَالْأَوْزَاعِيِّ فِي الْحَبِّ، وَالثَّمَرِ.

стр. 1851

قال: وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ. ثم قال: وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا حَكَيْنَا فِي مَذْهَبِنَا، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْخُلْطَةَ لَا تُؤَثِّرُ فِي غَيْرِ الْمَاشِيَةِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «وَالْخَلِيطَانِ مَا اشْتَرَكَا فِي الْحَوْضِ وَالْفَحْلِ وَالرَّاعِي». وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ»، إنَّمَا يَكُونُ فِي الْمَاشِيَةِ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ تَقِلُّ بِجَمْعِهَا تَارَةً، وَتَكْثُرُ أُخْرَى، وَسَائِرُ الْأَمْوَالِ تَجِبُ فِيهَا فِيمَا زَادَ عَلَى النِّصَابِ بِحِسَابِهِ، فَلَا أَثَرَ لِجَمْعِهَا. اهـ قلتُ: وما رجَّحه ابن قدامة هو الصحيح، وقد رجَّحه الإمام ابن عثيمين ﵀، ولكن حديثه الأول الذي استدل به لا يثبت، أخرجه الدارقطني (٢/ ١٠٤)، عن سعد بن أبي وقاص ﵁، وفي إسناده: ابن لهيعة، وقد تفرد به. مسألة [٣٣]: الأوقاص في الماشية . الوقص: بفتح الواو، والقاف، ويجوز إسكانها: هو ما بين الفريضتين عند الجمهور، واستعمله الشافعي فيما دون النصاب الأول أيضًا. • وفي مسألة الأوقاص قولان: الأول: لا شيء في الأوقاص، والزكاة على النصاب فقط دون العفو، وهو مذهب أحمد، والشافعي في الجديد، ومالك في رواية، وأبي حنيفة، وأبي يوسف، وداود، وهو قول أكثر العلماء، قاله ابن المنذر. الثاني: الزكاة على النصاب وما زاد، وهو مذهب الشافعي في القديم، ومالك في رواية، ومحمد بن الحسن، وزُفَر، ويظهر أثر الخلاف فيمن له مثلًا تسعٌ من

стр. 1852

الإبل، فتلف أربعة بعد الحول، وقبل التمكن من الأداء حيث قلنا: إنه شرط في الوجوب، وجبت عليه شاة بلا خلاف، وكذا إن قلنا: التمكن شرطٌ في الضمان، وقلنا: الوقص عفو، وإن قلنا: يتعلق به الفرض؛ وجب خمسة أتساع شاة. قلتُ: وقول الجمهور هو الصواب والعمل عليه، والله أعلم. (١)

стр. 1853

٥٨٥ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَهُ إلَى اليَمَنِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً تَبِيعًا أَوْ تَبِيعَةً (١)، وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً، وَمِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا أَوْ عَدْلَهُ مَعَافِر. (٢) رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَاللَّفْظُ لِأَحْمَدَ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَشَارَ إلَى اخْتِلَافٍ فِي وَصْلِهِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ. (٣)

стр. 1854

المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: نصاب البقر وزكاتها . قال الخِرَقِي ﵀: وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ ثَلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ سَائِمَةً صَدَقَةٌ. قال ابن قدامة ﵀: وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيمَا دُونَ الثَّلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ فِي قَوْلِ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَحُكِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالزُّهْرِيِّ أَنَّهُمَا قَالَا: فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ؛ لِأَنَّهَا عَدَلَتْ بِالْإِبِلِ فِي الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ، فَكَذَلِكَ فِي الزَّكَاةِ. ثم استدل ابن قدامة ﵀ على ترجيح قول الجمهور بحديث معاذ المذكور في الكتاب. ثم قال: وَقِيَاسُهُمْ فَاسِدٌ؛ فَإِنَّ خَمْسًا وَثَلَاثِينَ مِنْ الْغَنَمِ تَعْدِلُ خَمْسًا مِنْ الْإِبِلِ فِي الْهَدْيِ، وَلَا زَكَاةَ فِيهَا. قال الخِرَقِي ﵀: وَإِذَا مَلَكَ الثَّلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ، فَأَسَامَهَا أَكْثَرَ السَّنَةِ؛ فَفِيهَا تَبِيعٌ أَوْ تَبِيعَةٌ، إلَى تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ؛ فَفِيهَا مُسِنَّةٌ، إلَى تِسْعٍ وَخَمْسِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتِّينَ؛ فَفِيهَا تَبِيعَانِ، إلَى تِسْعٍ وَسِتِّينَ، فَإِذَا بَلَغَتْ سَبْعِينَ؛

стр. 1855

فَفِيهَا تَبِيعٌ وَمُسِنَّةٌ، فَإِذَا زَادَتْ؛ فَفِي كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ. قال ابن قدامة ﵀: التَّبِيعُ: الَّذِي لَهُ سَنَةٌ، وَدَخَلَ فِي الثَّانِيَةِ، وَقِيلَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَتْبَعُ أُمَّهُ. وَالمُسِنَّةُ: الَّتِي لَهَا سَنَتَانِ، وَهِيَ الثَّنِيَّةُ، وَلَا فَرْضَ فِي الْبَقَرِ غَيْرُهُمَا، وَبِمَا ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ هَاهُنَا قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ: الشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالْحَسَنُ، وَمَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَابْنُ المَاجِشُونِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ: فِيمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ بِحِسَابِهِ، فِي كُلِّ بَقَرَةٍ رُبْعُ عُشْرِ مُسِنَّةٍ. اهـ قلتُ: وذهب ابن جرير، وابن حزم إلى أنَّ نصاب البقر خمسون بقرة، ففيها بقرة، وحجتهما أنَّ ما دون ذلك مختلف فيه، أما الخمسون ففيها إجماع متيقن. والصواب هو مذهب الجمهور، وهو ترجيح أئمة العصر، كالألباني، وابن باز، وابن عثيمين، والوادعي ﵏. (١) مسألة [٢]: حكم الجواميس . قال الخِرَقِي ﵀: وَالْجوَامِيسُ كَغَيْرِهَا مِنْ الْبَقَرِ. قال ابن قدامة ﵀: لَا خِلَافَ فِي هَذَا نَعْلَمُهُ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى هَذَا، وَلِأَنَّ الْجوَامِيسَ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَقَرِ. اهـ. (٢)

стр. 1856

مسألة [٣]: بقر الوحش . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٤/ ٣٥): وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ يعني عن أحمد فِي بَقَرِ الْوَحْشِ، فَرُوِيَ أَنَّ فِيهَا الزَّكَاةَ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْبَقَرِ يَشْمَلُهَا، فَيَدْخُلُ فِي مُطْلَقِ الْخَبَرِ، وَعَنْهُ: لَا زَكَاةَ فِيهَا. وَهِيَ أَصَحُّ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْبَقَرِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لَا يَنْصَرِفُ إلَيْهَا، وَلَا يُفْهَمُ مِنْهُ إذَا كَانَتْ لَا تُسَمَّى بَقَرًا بِدُونِ الْإِضَافَةِ، فَيُقَالُ: بَقَرُ الْوَحْشِ، وَلِأَنَّ وُجُودَ نِصَابٍ مِنْهَا مَوْصُوفًا بِصِفَةِ السَّوْمِ حَوْلًا لَا وُجُودَ لَهُ، وَلِأَنَّهَا حَيَوَانٌ لَا يُجْزِئُ نَوْعُهُ فِي الْأُضْحِيَّةِ وَالْهَدْيِ، فَلَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، كَالظِّبَاءِ، وَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، فَلَا تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ، كَسَائِرِ الْوُحُوشِ. مسألة [٤]: المتولد من البقر الوحشي، والأهلي . • فيها ثلاثة أقوال: الأول: وجوب الزكاة فيها، سواء كانت الإناث وحشية، أو إنسية، وكذا الفحول، وهذا مذهب الحنابلة. الثاني: إنْ كانت الأمهات أهلية؛ وجبت الزكاة وإلا فلا، وهو قول مالك، وأبي حنيفة. الثالث: لا زكاة فيها، وهو قول الشافعي، وقد رجَّح ابن قدامة ﵀ هذا القول بكلامٍ لا بأس به. وحاصله أنَّ الأصل عدم الوجوب، ولا ينتقل عن هذا الأصل إلا بدليل صريح، والله أعلم. (١)

стр. 1857

٥٨٦ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ، أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «تُؤْخَذُ صَدَقَاتُ المُسْلِمِينَ عَلَى مِيَاهِهِمْ». رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَلِأَبِي دَاوُد: «لَا تُؤْخَذُ صَدَقَاتُهُمْ إلَّا فِي دُورِهِمْ». (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: أخذ الزكاة من أصحاب الأموال عند ديارهم ومياههم . يدل الحديث المتقدم على أنَّ السعاة يذهبون إلى أصحاب الأموال، فيأخذون زكاتها عند ديارهم، وأموالهم، وقد جرى العمل على هذا في زمن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ثم الخلفاء بعده. والأدلة متواترة في ذلك، منها: حديث أبي هريرة ﵁، في «الصحيحين»، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بعث عمر ﵁ على الصدقة. (٢) وفيهما (٣) عن أبي حميد الساعدي: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بعث رجلًا من الأَزد، يقال له: ابن الُّلتْبِيَّة. والأدلة في هذا الباب متكاثرة، والله أعلم. (٤)

стр. 1858

مسألة [٢]: هل يجزئ إخراج الصدقة إلى السلطان الجائر ؟ • ذهب عامة أهل العلم إلى أنها تجزئ؛ لحديث ابن مسعود في «الصحيحين»، (١) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إِنَّهَا سَتَكُونُ بَعْدِي أَثَرَةٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا»، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: «تُؤَدُّونَ الحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ، وَتَسْأَلُونَ اللهَ الَّذِي لَكُمْ»، وحديث وائل بن حُجر في «صحيح مسلم» (١٨٤٦)، قال: سمعت رسول الله ﷺ ورجلٌ يسأله: أرأيت إن كانت علينا أمراء يمنعونا حقَّنَا، ويسألونا حقَّهم؟ فقال: «اسْمَعُوا، وَأَطِيْعُوا، فَإِنَّمَا عَلَيْهِم مَا حُمِّلُوا، وَعَلَيْكُم مَا حُمِّلْتُم». وقد ثبت عن جمع من الصحابة الأمر بإخراجها إلى السلطان الجائر، ثبت ذلك عن سعد، وابن عمر، وأبي هريرة، وأبي سعيد ﵃. أخرجها عنهم عبد الرزاق (٤/ ٤٦)، وابن أبي شيبة (٣/ ١٥٦). قال الشوكاني ﵀ في «النيل»: وَحَكَى الْمَهْدِيُّ فِي «الْبَحْرِ» عَنْ الْعِتْرَةِ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَى الظَّلَمَةِ، وَلَا يُجْزِئ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٢٤]، وَيُجَابُ: بِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى تَسْلِيمِ صِحَّةِ الِاسْتِدْلَالِ بِهَا عَلَى مَحَلِّ النِّزَاعِ عُمُومُهَا مُخَصَّصٌ بِالْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْبَابِ. اهـ مسألة [٣]: أيهما أفضل: دفع الزكاة إلى الإمام، أو إخراجها بنفسه ؟ • اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:

стр. 1859

الأول: أنَّ الأفضل أن يُخرِجها بنفسه، وهو مذهب أحمد، والحسن، ومكحول، وابن جبير، وميمون بن مهران، والثوري، وطاوس، وعطاء، والشعبي، وأبي جعفر، والنخعي، وبعض هؤلاء يقيد ذلك بما إذا كانوا أهل جَورٍ، والحجَّة لأهل هذا القول أنه إذا أخرجها بنفسه يكون على يقين من وصولها إلى مستحقها، وربما أعطاها بعض أقاربه؛ فتكون صدقة، وصِلة. الثاني: دفع الزكاة إلى الإمام العادل أفضل، وهو مذهب الشافعية، وقال به الشعبي، ومحمد بن علي، وأبو رزين، والأوزاعي، وبعض الحنابلة، وبعض من قال بهذا القول يَعُمُّ الحكم، حتى ولو كان الإمام جائرًا. ومنع مالك، وأبو حنيفة، وأبو عبيد أن يخرج الإنسان بنفسه الأموال الظاهرة، كالمواشي، والزروع؛ لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣]، ولأنَّ أبا بكر ﵁، قاتلهم على منعهم الزكاة. قال ابن قدامة ﵀: وَلَنَا عَلَى جَوَازِ دَفْعِهَا بِنَفْسِهِ، أَنَّهُ دَفَعَ الْحَقَّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ الْجائِزِ تَصَرُّفُهُ؛ فَأَجْزَأهُ، كَمَا لَوْ دَفَعَ الدَّيْنَ إلَى غَرِيمِهِ، وَكَزَكَاةِ الْأَمْوَالِ الْبَاطِنَةِ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ الزَّكَاةِ، فَأَشْبَهَ النَّوْعَ الْآخَرَ، وَالْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَخْذَهَا، وَلَا خِلَافَ فِيهِ، وَمُطَالَبَةُ أَبِي بَكْرٍ لَهُمْ بِهَا؛ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يُؤَدُّوهَا إلَى أَهْلِهَا، وَلَوْ أَدَّوْهَا إلَى أَهْلِهَا لَمْ يُقَاتِلْهُمْ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُخْتَلَفٌ فِي إجْزَائِهِ. انتهى المراد. قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب أنَّ الإمام إذا كان عادلًا يضعُ الزكاةَ في مواضعها: أنَّ الأفضل أن يُعْطَى الزَّكاةَ، وأما إذا كان جائرًا؛ فالأفضل أن يفرِّقَها

стр. 1860

بنفسه؛ إذا لم يطالب الإمام بها، والله أعلم. قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٨١): أَمَّا مَا يَأْخُذُهُ وُلَاةُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْعُشْرِ، وَزَكَاةِ الْمَاشِيَةِ، وَالتِّجَارَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ ذَلِكَ مِنْ صَاحِبِهِ إذَا كَانَ الْإِمَامُ عَادِلًا يَصْرِفُهُ فِي مَصَارِفِهِ الشَّرْعِيَّةِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ؛ فَإِنْ كَانَ ظَالِمًا لَا يَصْرِفُهُ فِي مَصَارِفِهِ الشَّرْعِيَّةِ؛ فَيَنْبَغِي لِصَاحِبِهِ أَنْ لَا يَدْفَعَ الزَّكَاةَ إلَيْهِ، بَلْ يَصْرِفُهَا هُوَ إلَى مُسْتَحِقِّيهَا؛ فَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى دَفْعِهَا إلَى الظَّالِمِ بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يَدْفَعْهَا إلَيْهِ لَحَصَلَ لَهُ ضَرَرٌ؛ فَإِنَّهَا تُجْزِئُهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَهُمْ فِي هَذِهِ الْحَالِ ظَلَمُوا مُسْتَحِقِّيهَا، كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ، وَنَاظِرِ الْوَقْفِ إذَا قَبَضُوا مَالَهُ وَصَرَفُوهُ فِي غَيْرِ مَصَارِفِهِ. اهـ. (١)
следующие страницы →